Verse. 1479 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَمَامِنْ دَاۗبَّۃٍ فِي الْاَرْضِ اِلَّا عَلَي اللہِ رِزْقُہَا وَيَعْلَمُ مُسْتَــقَرَّہَا وَمُسْـتَوْدَعَہَا۝۰ۭ كُلٌّ فِيْ كِتٰبٍ مُّبِيْنٍ۝۶
Wama min dabbatin fee alardi illa AAala Allahi rizquha wayaAAlamu mustaqarraha wamustawdaAAaha kullun fee kitabin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما من» زائدة «دابة في الأرض» هي ما دبَّ عليها «إلا على الله رزقها» تكفل به فضلا منه تعالى «ويعلم مستقرها» مسكنها في الدنيا أو الصُلب «ومستودعها» من الموت أو في الرحم «كل» ما ذكر «في كتاب مبين» بيِّن هو اللوح المحفوظ.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أردفه بما يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى، فلو لم يكن عالماً بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: الدابة اسم لكل حيوان، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب، وبنيت هذه اللفظة على هاء التأنيث، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكراً كان أو أنثى، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص بالفرس، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه جميع الحيوانات، وهذا متفق عليه بين المفسرين، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال، والله يحصيها دون غيره، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها، وما يوافقها وما يخالفها، فالإله المدبر لإطباق السموات والأرضين؛ وطبائع الحيوان والنبات، كيف لا يكون عالماً بأحوالها؟ روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية؛ ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني. المسألة الثانية: تعلق بعضهم بأنه يجب على الله تعالى بعض الأشياء بهذه الآية وقال: إن كلمة (على ) للوجوب، وهذا يدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله. وجوابه: أنه واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان. المسألة الثالثة: تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراماً، قالوا لأنه ثبت أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق، والله تعالى لا يحل بالواجب، ثم قد نرى إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه، فيكون تعالى قد أخل بالواجب وذلك محال، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقاً، وأما قوله: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } فالمستقر هو مكانه من الأرض والمستودع حيث كان مودعاً قبل الاستقرار في صلب أو رحم أو بيضة، وقال الفراء: مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه، وقد مضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام، ثم قال: {كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } قال الزجاج: المعنى أن ذلك ثابت في علم الله تعالى، ومنهم من قال: في اللوح المحفوظ، وقد ذكرنا ذلك في قوله: { أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 59].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} «ما» نفي و «مِنْ» زائدة و {دَابَّةٍ} في موضع رفع؛ التقدير: وما دابة. {إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} «على» بمعنى «مِن»، أي من الله رزقها؛ يدلّ عليه قول مجاهد: كل ما جاءها من رزق فمن الله. وقيل: {على الله} أي فضلاً لا وجوباً. وقيل: وعداً منه حقاً. وقد تقدّم بيان هذا المعنى في «النساء» وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء. {رِزْقُهَا} رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة؛ وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص؛ لأن كثيراً من الدواب هلك قبل أن يُرزق. وقيل: هي عامة في كل دابة: وكل دابة لم ترزق رزقاً تعيش به فقد رُزقت رُوحها؛ ووجه النظم بما قبلُ: أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يَغفُل عن تربيته، فكيف تَخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم؟ٰ والدّابة كل حيوان يَدِبُّ. والرزق حقيقته ما يتغذّى به الحيّ، ويكون فيه بقاء رُوحه ونماء جسده. ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك؛ لأن البهائم تُرزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعَلَفها؛ وهكذا الأطفال تُرزق اللّبن ولا يقال: إن اللّبن الذي في الثّدي ملك للطفل. وقال تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ} تفسير : [الذاريات: 22] وليس لنا في السماء ملك؛ ولأن الرزق لو كان ملكاً لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرّحى يأتيها بالطّحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق. وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله والله أكبر إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد. وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله؛ فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ما له إلا السماء يا هذا الأرضُ له والسماءُ له؛ فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض؛ وأنشد: شعر : وكيف أخافُ الفقرَ والَّلهُ رازقي ورازق هذا الخلق في العُسْرِ واليُسْرِ تَكَفَّلَ بالأرزاقِ للخلقِ كُلِّهمْ وللضَّبِّ في البيداءِ والحُوتِ في البحرِ تفسير : وذكر التِّرمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» بإسناده عن زيد بن أسلم: "حديث : أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أَرْمَلوا من الزاد، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما ٱنتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} فقال الرجل: ما الأشعريّون بأهون الدواب على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده؛ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزاً ولحماً فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته؛ فقالوا للرجلين: ٱذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاماً أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به؛ قال: «ما أرسلت إليكم طعاماً» فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء رزقكموه الله".تفسير : قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} أي من الأرض حيث تأوي إليه. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مِقْسَم عن ٱبن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس: {مُستَقَرَّهَا} أيام حياتها. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموت وحيث تبعث. وقال سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس: {مُسْتَقرَّهَا} في الرّحِم، {وَمُسْتَودَعَهَا} في الصلب. وقيل: {يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} في الجنة أو في النار. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في القبر؛ يدلّ عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار: {أية : حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 76] {أية : سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66]. {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي في اللوح المحفوظ.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه تفضلاً ورحمة، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقاً لوصوله وحملاً على التوكل فيه. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة. {كُلٌّ} كل واحد من الدواب وأحوالها. {فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} مذكور في اللوح المحفوظ، وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالماً بالمعلومات كلها وبما بعدها بيان كونه قادراً على الممكنات بأسرها تقريراً للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد.

ابن كثير

تفسير : أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض، صغيرها وكبيرها، بحريها وبريها، وأنه {يعلم مستقرها ومستودعها}، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها، وقال علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} أي: حيث تأوي {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموت، وعن مجاهد: {مُسْتَقَرَّهَا} في الرحم {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في الصلب كالتي في الأنعام، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة، وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا، كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك؛ كقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 38] وقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا مِنْ } زائدة {دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ } هي ما دَبَّ عليها {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تكفل به فضلاً منه تعالى {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } مسكنها في الدنيا أو الصلب {وَمُسْتَوْدَعَهَا } بعد الموت أو في الرحم {كُلٌّ } مما ذكر {فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } بيِّن هو اللوح المحفوظ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَعْلَمُ مُستَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدعَهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مستقرها حيث تأوي، ومستودعها حيث تموت. الثاني: مستقرها في الرحم، ومستودعها في الصلب، قاله سعيد بن جبير. الثالث: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة. ويحتمل رابعاً: أن مستقرها في الآخرة من جنة أو نار، ومستودعها في القلب من كفر أو إيمان.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُسْتَقَرَّهَا} حيث تأوي {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموت أو مستقرها الرحم ومستودعها الصلب، أو مستقرها في الدنيا ومستودعها في الآخرة.

الخازن

تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وما من دابة في الأرض} الدابة اسم لكل حيوان دب على وجه الأرض وأطلق لفظ الدابة على كل ذي أربع من الحيوان على سبيل العرف والمراد منه الإطلاق فيدخل الآدمي وغيره من جميع الحيوانات {إلا على الله رزقها} يعني هو المتكفل برزقها فضلاً منه لا على سبيل الوجوب فهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق وقيل إن لفظة على بمعنى أي من الله رزقها وقال مجاهد ما جاءها من رزق فمن الله وربما لم يرزقها فتموت جوعاً {ويعلم مستقرها ومستودعها} قال ابن عباس: مستقرها المكان الذي تأوي في ليل أو نهار ومستودعها المكان الذي تدفن فيه بعد الموت، وقال ابن مسعود: مستقرها أرحام الأمهات والمستودع المكان الذي تموت فيه وقيل المستقر الجنة أو النار والمستودع القبر {كل في كتاب مبين} أي كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل خلقها قوله عز وجل: {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} يعني قبل خلق السموات والأرض قال كعب خلق الله ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال ضمرة: إن الله سبحانه وتعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم فكتب به ما خلق وما هو خالق وما هو كائن من خلقه إلى يوم القيامة ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من خلقه. وقال سعيد بن جبير سئل ابن عباس عن قوله سبحانه وتعالى: {وكان عرشه على الماء} على أي شيء كان الماء قال: على متن الريح، وقال وهب بن منبه: إن العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض ثم قبض الله قبضة من صفاء الماء ثم فتح القبضة فارتفع دخان ثم قضاهن سبع سموات في يومين ثم أخذ سبحانه وتعالى طينة من الماء فوضعها مكان البيت ثم دحا الأرض منها ثم خلق الأقوات في يومين والسموات في يومين والأرض في يومين ثم رفع آخر الخلق وفي اليوم السابع. قال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء وجعلها على الماء ما يدل على كمال القدرة لأن البناء الضعيف إذا لم يكن له أساس على أرض صلبة لم يثبت فكيف بهذا الخلق العظيم وهو العرش والسموات والأرض على الماء فهذا يدل على كمال قدرة الله تعالى (خ) حديث : عن عمران بن حصين قال "دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتى ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا بشرتنا فاعطنا مرتين فتغير وجهه ثم دخل عليه ناس من بني أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قبلنا يا رسول الله ثم قالوا جئنا لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان قال كان الله سبحانه وتعالى ولم يكن معه شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ثم أتاني رجل فقال يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت فانطلقت أطلبها فإذا السراب يقطع دونها وايم الله لوددت أنها ذهبت ولم أقم" حديث : عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء وخلق عرشه على الماء" تفسير : أخرجه الترمذي، وقال قال أحمد: يريد بالعماء أنه ليس معه شيء قال أبو بكر البيهقي: في كتاب الأسماء والصفات له قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان الله ولم يكن شيء قبله"تفسير : ، يعني لا الماء ولا العرش ولا غيرهما وقوله {وكان عرشه على الماء} يعني وخلق الماء وخلق العرش على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء، وقوله في عماء وجدته في كتاب عماء مقيداً بالمد فإن كان في الأصل ممدوداً فمعناه سحاب رقيق ويريد بقوله في عماء أي فوق سحاب مدبراً له وعالياً عليه كما قال سبحانه وتعالى {أية : أأمنتم من في السماء} تفسير : [الملك: 16] يعني من فوق السماء وقال تعالى: {أية : لأصلبنكم في جذوع النخل}تفسير : [طه: 71] يعني على جذوعها وقوله (ما فوقه هواء) أي ما فوق السحاب هواء وكذلك قوله (وما تحته هواء) أي ما تحت السحاب هواء وقد قيل إن ذلك العمى مقصور والعمى إذا كان مقصوراً فمعناه لا شيء ثابت لأنه مما عمى عن الخلق لكونه غير شيء فكأنه قال في جوابه كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره ثم قال ما فوقه هواء وما تحته هواء أي ليس فوق العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ولا تحته هواء لأن ذلك إن كان غير شيء فليس يثبت له هواء بوجه والله أعلم وقال الهروي صاحب الغريبين: قال بعض أهل العلم معناه أين كان عرش ربنا فحذف المضاف اختصاراً كقوله واسأل القرية ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وكان عرشه على الماء} هذا آخر كلام البيهقي، وقال ابن الأثير: العماء في اللغة السحاب الرقيق وقيل: الكثيف وقيل: هو الضباب ولا بد في الحديث من حذف مضاف، تقديره أين كان عرش ربنا فحذف ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} وحكي عن بعضهم في العمى المقصور أنه قال هو كل أمر لا يدركه الفطن، وقال الأزهري: قال أبو عبيد إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العماء قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء"تفسير : وفي رواية "حديث : فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السموات والأرض وكان عرشه على الماء بخمسين ألف سنة"تفسير : قوله فرغ يريد إتمام خلق المقادير لا أنه كان مشغولاً ففرغ منه لأن الله سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. قوله سبحانه وتعالى: {ليبلوكم} يعني ليختبركم وهو أعلم بكم منكم {أيكم أحسن عملاً} يعني بطاعة الله وأورع عن محارم الله {ولئن قلت} يعني ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك {إنكم مبعوثون من بعد الموت} يعني للحساب والجزاء {ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} يعنون القرآن.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن أبي الخير البصري رضي الله عنه قال‏:‏ أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام‏:‏ تزعم أنك تحبني وتسيء بي الظن صباحاً ومساء، أما كانت لك عبرة إن شققت سبع أرضين فأريتك ذرة في فيها برة لم أنسها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏} ‏ يعني كل دابة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏} ‏ يعني ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً ولكن ما كان لها من رزق فمن الله‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه ‏"‏حديث : أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية ‏ {‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين‏} ‏ فقال الرجل‏:‏ ما الأشعريون بأهون الدواب على الله‏.‏ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لأصحابه‏:‏ أبشروا أتاكم الغوث ولا يظنون إلا أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزاً ولحماً، فأكلوا منها ما شاؤوا ثم قال بعضهم لبعض‏:‏ لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته، فقالا للرجلين‏:‏ اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قضينا حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما رأينا طعاماً أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به‏.‏ قال‏:‏ ما أرسلت إليكم طعاما‏ً؟ فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم‏.‏ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع وما قال لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ذلك شيء رزقكموه الله ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ويعلم مستقرها‏} ‏ قال‏:‏ حيث تأوي ‏ {‏ومستودعها‏} ‏ قال‏:‏ حيث تموت‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ مستقرها بالليل ومستودعها حيث تموت‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ويعلم ‏{‏مستقرها‏} ‏ قال‏:‏ يأتيها رزقها حيث كانت‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ويعلم مستقرها ومستودعها‏}‏ قال‏:‏ مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة‏:‏ هذا ما استودعتني‏ "‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} غذاؤُها اللائقُ بها من حيث الخلقُ ومن حيث الإيصالُ إليها بطريق طبـيعيَ أو إراديَ لتكفّله إياه تفضلاً ورحمةً، وإنما جيء به على طريق الوجوبِ اعتباراً لسبق الوعدِ وتحقيقاً لوصوله إليها البتة، وحملاً للمكلّفين على الثقة به تعالى والإعراضِ عن إتعاب النفس في طلبه {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} محلَّ قرارِها في الأصلاب {وَمُسْتَوْدَعَهَا} موضعَها في الأرحام وما يجري مجراها من البـيض ونحوِها، وإنما خُصَّ كلٌّ من الاسمين بما خُصَّ به من المحلَّين لأن النطفةَ بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها الطبـيعيِّ ومنشئِها الخلقيِّ، وأما بالنسبة إلى الأرحام وما يجري مجراها فهي مُودعةٌ فيها إلى وقت معين، أو مسكنَها من الأرض حين وُجدت بالفعل ومُودَعها من الموادّ والمقارِّ حين كانت بعدُ بالقوة، ولعل تقديمَ محلِّها باعتبار حالتِها الأخيرةِ لرعاية المناسبةِ بـينها وبـين عنوانِ كونِها دابةً في الأرض والمعنى ما من دابة في الأرض إلا يرزُقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقُه إليها ويعلم موادَّها المتخالفةَ المتدرِّجة في مراتب الاستعداداتِ المتفاوتةِ المتطورةِ في الأطوارِ المتباينة ومقارَّها المتنوعةَ ويُفيض عليها في كل مرتبةٍ ما يليق بها من مبادي وجودِها وكمالاتِها المتفرِّعةِ عليه، وقد فُسر المستودَعُ بأماكنها في الممات، ولا يلائمه مقامُ التكفّل بأرزاقها {كُلٌّ} من الدواب ورزقِها ومستقرِّها ومستودعِها {فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} أي مُثْبتٍ في اللوح المحفوظِ البـيِّن لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم السلام أو المُظهِرِ لما أُثبت فيه للناظرين، ولمّا انتهى الأمرُ إلى أنه سبحانه محيطٌ بجميع أحوالِ ما في الأرض من المخلوقات التي لا تكاد تحصى من مبدأ فطرتِها إلى منتهاها اقتضى الحالُ التعرّضَ لمبدأ خلقِ السمواتِ والأرض والحكمةِ الداعية إلى ذلك فقيل:

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [الآية: 6]. قيل: قرأ يوسف بن الحسين هذه الآية ثم قال: ندب الله عباده جميعًا إلى التوكل والاعتماد عليه فأبوا بأجمعهم إلا الاعتماد على عوارى ما ملكوا إلا الفقراء المهاجرين ثم جرت تلك البركة فى الفقراء الصادقين إلى من ترسم بهم من المتصوفة فأبى الخلق إلا الاعتماد على الأسباب وأبت هذه الطائفة أن تعتمد على غير المسبب وهو من أشد المناهج. قال بعضهم: المغبون من لم يثق بالله فى رزقه بعد أن ضمنه له. وقال بعضهم كفاك ما تحتاج إليه ولم يجعل للخلق فيه سبيلاً لتكون له بالكلية. وقيل: يعلم مستقرها من رحم الأمهات ومستودعها من الدنيا. وقيل: يعلم مستقرها من الدنيا ومستودعها فى دار الخلود. وقيل: يعلم مستقرها ظاهر إسلامه ومستودعها باطن إيمانه. وقيل: يعلم مستقرها من الخلق ومستودعها من الحق. وقيل: مستقرها فى الطاعات ومستودعها فى الأحوال. وبلغنى أن رجلاً قال لأبي عثمان الحيرى: من أين تأكل؟ فقال: إن كنت مؤمنًا فأنت مستغن عن هذا السؤال وإن كنت جاحدًا فلا خطاب معك ثم تلا: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}. أراح القلوبَ من حيرة التقسيم، والأفكارَ من نَصَبِ التفكير في باب الرزق حيث قال: {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} فَسكَنَتْ القلوبُ لمَّا تَحَقَّقَتْ أنَّ الرزقَ على الله. ويقال إذا كان الرزق على الله فصاحبُ الحانوتِ في غَلَطٍ من حسبانه. ثم إن اللَّهَ سبحانه بيَّنَ أَنَّ الرزقَ الذي "عليه" ما حالُه فقال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ}تفسير : [الذاريات: 22]، وما كان في السماءِ لا يوجد في السوق، ولا في التَّطواف في الغرب والشرق. ويقال الأرزاق مختلفة فَرِزْقُ كل حيوانٍ على ما يليق بصفته. ويقال للنفوسِ رزقٌ هو غذاءٌ طريقُه الخْلقُ، وللقلوب رزق وهو ضياءٌ مُوجِدُهُ الحق. ويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكولٌ إلى مشيئته؛ فَمِنْ مُوَسَّعٍ عليه ومِنْ مُقَتَّرٍ. قوله جلّ ذكره: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. قيل أراد به أصلابَ الآباءِ وأرحامَ الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مُسْتَقرُّ المريدِ ببابِ شيخِه كمستقرِّ الصبي بباب والديه، ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر العارفين المَشَاهد، فالمساجِدُ مستقرُّ نفوسِ العابدين، والمشاهِدُ مُسْتَقَرُّ قلوب العارفين. ويقال مستقرُّ المحب رأسُ سِكَّةِ محبوبِه لعلَّه يشهده عند عبوره. ويقال المساجِدُ للعابدين مستقرُّ القَدَم، والمشاهِدُ للعارفين مستقرُّ الهِمَم، والفقراء مستقرهم سُدَّةُ الكَرَم. ويقال الكلُّ له مثوىً ومستقر، أما الموحِّد فإنه مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل. ويقال النفوس مستودَعُ التوفيق من الله، والقلوبُ مستودعُ التحقيق من قِبَلِ الله. ويقال القلوبُ مستودعُ المعرفة؛ فالمعرفة وديعة فيها، والأرواح مستودع المحبة فالمحابُ ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} دعى الجمهور بلسان التوحيد الى منازل التفريد ليدخلوا الى مرابع الرضا ويجلسوا على مساند الصفا وينظروا فى مرآة الاقدار مباصر الانوار لتطمئن اسرارهم فى جريان التقدير بما راوا من سوابق القسمة واوائل الحكمة لكل دابة رزق عليه بقدر حوصلتها فرزق الظاهر للاشباح ورزق المشاهدة للارواح ورزق الوصلة للاسرار ورزق الرهبة للنفوس ورزق الرغبة للعقول ورزق القربة للقلوب ورزق الملائكة الخوف والذكر ورزق الجن الزجر والوعيد ورزق الحيوان روح العنصر ورزق الحشرات خطرات التسبيح ورزق السباع اقتحام ظلام غظمة الافعال ورزق الطيور الفرح والتهليل ورزق === الذى تعيش به هو فيض الفعل وروح الفعل ونور الصفة وشهود سنا الذات على الاسرار وهو تعالى بلطفه يعلم مصارف الجميع من افعاله وصفاته وذاته لما قال {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} مستقر الارواح انوار ذاته ومستقر القلوب انوار صفاته ومستقر العقول انوار افعاله مستودع العقول العبادات ومستودع القلوب المشاهدات ومستودع الارواح المكاشفات ومستقر الاشباح اكناف الآيات ومستودعها قبور المجاهدات ومستقر العقول الاذكار ومستودعها الافكار ومستقر القلوب المحبة ومستودعها المعرفة ومستقر الارواح التوحيد ومستودعها الفناء فى الموحد مستقر الجميع اصلاب العدم ومستودعها انوار القدم قيل قرأ يوسف بن الحسين هذه الاية ثم قال ندب الله عباده جميعا الى التوكل والاعتماد فابوا باجمعهم الا اعتماد على عوارى ما ملكوا الا فقراء المهاجرين ثم جرت تلك البركة فى الفقراء الصادقين الى من ترسم بهم من الصوفية بالخلق ابوا الاعتماد على الاسباب واتت هذه الطائفة ان تعتمدوا على غير المسبب وهو من اشد المناهج قيل يعلم مستقرها ظاهر اسلامه ومستودعها فى الاحوال يقال مستقر العابدين المساجد ومستقر العارفين المشاهد ويقال النفوس مستودع التوفيق من الله والقلوب مستودع التحقيق من قبل الله قيل القلوب مستودع المعرفة والمعرفة وديعة فيها والارواح مستودع المحبة فالمحاب ودايع فيها والاسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما} نافية {من} صلة {دابة} عام لكل حيوان يحتاج الى الرزق صغيرا كان او كبيرا ذكرا او انثى سليما او معيبا طائرا او غيره لان الطير يدب اى يتحرك على رجليه فى بعض حالاته {فى الارض} متعلق بمحذوف هو صفة لدابة اى ما فرد من افراد الدواب يستقر فى قطر من اقطار الارض {الا على الله رزقها} غذاؤها ومعاشها اللائق لتكفله اياه تفضلا ورحمة. قال فى التبيان هو ايجاب كرم لا وجوب حق انتهى لانه لا حق للمخلوق على الخالق ولذا قال فى الجامع الصغير يكره ان يقول الرجل فى دعائه بحق نبيك او بيتك او عرشك او نحوه الا ان يحمل على معنى الحرمة كما فى شرح الطريقة. وقال فى بحر العلوم انما قال علىالله بلفظ الوجوب دلالة على ان التفضل رجع واجبا كنذور العباد. وقال غيره اتى بلفظ الوجوب مع ان الله تعالى لا يجب عليه شيء عند اهل السنة والجماعة اعتبارا لسبق الوعد وتحقيقا لوصوله اليها البتة وحملا للمكلفين على الثقة به تعالى فى شان الرزق والاعراض عن اتعاب النفس فى طلبه ففى كلمة على هنا استعارة تبعية شبه ايصال الله رزق كل حيوان اليه تفضلا واحسانا على ما وعده بايصال من يوصله وجوبا فى انتفاء التخلف فاستعملت كلمة على [وكفته اند بمعى من است يعنى روزى همه از خداست يا بمعنى الى يعنى روزى مفوض بخذاى تعالى است اكر خواهد بسط كند واكر اراده نمايد قبض كند] {ويعلم مستقرها ومستودعها} يحتمل وجوها الاول ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان مستقرها المكان الذى تاوى اليه ليلا او نهارا او تستقر فيه وتستكن ومستودعها الموضع الذى تدفن فيه اذا ماتت بلا اختيار منها كالشيء المستودع قال عبد الله اذا كان مدفن الرجل بارض ادته الحاجة اليها حتى اذا كان عند انقضاء امره قبض فتقول الارض يوم القيامة هذا ما استودعتنى والثانى مستقرها محل قرارها فى اصلاب الآباء ومستودعها موضعها فى الارحام وما يجرى مجراها من البيض ونحوه وسميت الارحام مستودعا لانها يوضع فيها من قبل شخص آخر بخلاف وضعها فى الاصلاب فان النطفة بالنسبة الى الاصلاب فى حيزها الطبيعى ومنشأها الخلقى. والثالث مستقرها مكانها من الارض حين وجودها بالفعل ومستودعها حيث تكون مودعة فيه قبل وجودها بالفعل من صلب او رحم او بيضة ولعل تقديم محلها باعتبار حالتها الاخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة فى الارض. والرابع مستقرها فى العدم يعلم انه كيف قدرها مستعدة لقبول تلك الصورة المختصة بها ومستودعها لغرض تؤول اليه عند استكمال صورتها. وايضا يعلم مستقر روح الانسان خاصة فى عالم الارواح لانهم كانوا فى اربعة صفوف كما فى الصف الاول ارواح الانبياء وارواح خواص الاولياء وفى الصف الثانى ارواح الاولياء وارواح خواص المؤمنين وفى الصف الثالث ارواح المؤمنين والمسلمين وفى الصف الرابع ارواح الكفار والمنافقين ويعلم مستودع روحه عند استكمال مرتبة كل نفس منهم من دركات النيران ودرجات الجنان الى مقعد صدق عند مليكة مقتدر {كل} اى كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها {فى كتاب مبين} اى مثبت فى اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه من الملائكة او المظهر لما ثبت فيه للناظرين. وفى التأويلات النجمية {فى كتاب مبين} اى عنده فى ام الكتاب الذى لا تغير فيه من المحو والاثبات انتهى. وقد اتفقوا علىان اربعة اشياء لا تقبل التغير اصلا وهى العمر والرزق والاجل او الشقاوة فعلى العاقل ان لا يهتم لاجل رزقه ويتوكل على الله فانه حسبه شعر : مكن سعديا ديده بردست كس كه بخشنده بروردكارست وبس اكر حق برستى زدرها بست كه كروى براند نخواند كست تفسير : -روى- ان موسى عليه السلام عند نزول الوحى عليه بالذهاب الى فرعون للدعوة الى الايمان تعلق قلبه باحوال اهله قائلا يا رب من يقوم بامر عيالى فامره الله تعالى ان يضرب بعصاه صخرة فضربها فانشقت وخرجت منها صخرة ثانية ثم ضربها بعصاه فخرجت منها دودة وفى فمها شيء يجرى مجرى الغذاء لها ورفع الحجاب عن سمع موسى فسمع الدودة تقول سبحان من يرانى ويسمع كلامى ويعرف مكانى ويذكرنى ولا ينسانى. حديث : وعن انس رضى الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما الى المفازة فى حاجة لنا فرأينا طيرا يلحن بصوت جهورى فقال عليه السلام "أتدرى ما يقول هذا الطير يا انس" قلت الله ورسوله اعلم بذلك قال "انه يقول يا رب اذهبت بصرى وخلقتنى اعمى فارزقنى فانى جائع" قال انس فبينما نحن ننظر اليه اذا جاء طائر آخر هو الجراد ودخل فى فم الطائر فابتلعه ثم رفع الطائر صوته وجعل يلحن فقال عليه السلام "أتدرى ما يقول الطير يا انس" قلت الله ورسوله اعلم قال "انه يقول الحمد لله الذى لم ينس من ذكره" تفسير : وفى رواية "حديث : من توكل على الله كفاه" تفسير : كما فى انسان العيون قيل كان مكتوبا على سيف الحسين بن على رضى الله عنه اربع كلمات. الرزق مقسوم. والحريص محروم. والبخيل مذموم. والحاسد مغموم وفى الحديث "حديث : من جاع واحتاج وكتمه عن الناس وافضى به الى الله تعالى كان حقا على الله ان يفتح له رزق سنة" تفسير : كما فى روضة العلماء. وحقيقة التوكل فى الرزق وغيره عند المشايخ الانقطاع عن الاسباب بالكلية ثقة بالله تعالى. وهذا لاهل الخصوص فاما اهل العموم فلا بد لهم من التسبب: كما قال فى المثنوى شعر : كر توكل مكنى در كار كن كسب كن بس تكيه برجبار كن تفسير : ثم رزق الانسان يعم جسده وغذاء روحه: وفى المثنوى شعر : اين دوهان بستى دهانى باز شد كو خورنده لقمهاى راز شد كرز شيرديو تن را وا برى درفطام او بسى نعمت خورى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما من دابةٍ في الأرض} أي: كل ما يدب عليها؛ عاقلاً أو غيره، {إلا على الله رزقُها}؛ غذاؤها ومعاشها؛ لتكلفه إياه بذلك؛ تفضلاً وإحساناً. وإنما أتى بعلى التي تقتضي الوجوب؛ تحقيقاً لوصوله، وتهييجاً على التوكل وقطع الوساوس فيه، {ويعلمُ مستقرها ومستودعها}؛ أماكنها في الحياة والممات، أو الأصلاب والأرحام. أو: مستقرها في الأرض بعد وجودها، ومستودعها: موادها قبل إيجادها. أو بالعكس: مستقرها: موادها في العلم قبل الظهور، ومستودعها إقامتها في الدنيا بعد الوجود. {كلٌّ} واحد من الدواب على اختلاف أجناسها وأصنافها {في كتاب مبين}؛ مذكور في اللوح المحفوظ، أو في العلم القديم المبين للأشياء، قال البيضاوي: وكأنه أريد بالآية كونه عالماً بالمعلومات كلها، وبما بعدها بيان كونه قادراً على الممكنات بأسرها، تقريراً للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد. هـ. الإشارة: هم الرزق، وخوف الخلق، من أمراض القلوب، ولا ينقطعان عن العبد حتى يكاشف بعلم الغيوب وهو التوحيد الخاص؛ أعني: الرسوخ في الشهود والعيان. وإنما يضر العبدَ ما كان ساكناً، وأما الخواطر التي تلمع وتذهب، فلا تضر؛ لأن الإنسان خلق ضعيفاً. واعلم ان الرزق على قسمين: رزق الأرواح، ورزق الأشباح. فرزق الأرواح معنوي، وهو: قوت الروح من المعرفة وعلم اليقين. ورزق الأشباح حسي، وهو: الطعام والشراب. وقد تكفل الله بالأمرين معاً، وأمر بالتسبب فيهما، قياماً برسم الحكمة. فالتكفل حقيقة، والتسبب شريعة، فالعامة اشتغلوا بالتسبب في الرزق الحسي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق المعنوي، ولا عرفوه؛ من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق المعنوي لماتت أرواحهم. والخاصة اشتغلوا بالتسبب في الرزق المعنوي والبحث عنه، ولم يعبأوا بالرزق الحسي من شدة إعراضهم عنه، مع أنهم لو فقدوا الرزق الحسي لهلكت أشباحهم. وخاصة الخاصة يتسببون في الرزق الحسي والمعنوي، وليس هم مع إرادتهم في واحد منهما، وإنما هم أبداً مع إرادة مولاهم راتِعين أبداً، حيث دفعتهم إرادة سيدهم في الحسي أو في المعنوي من غير تبرم ولا التفات لغيره، كما قال القائل: شعر : آرَانِي كالآلات وَهو مُحَرَّكي أَنَا قَلَمٌ والاقتِدارُ أصَابِعُ تفسير : العامة قد حُجبوا عن الله بإرادتهم للرزق الحسي، حيث صار الرزق الحسي هو حظ النفوس. صاروا مع حظ نفوسهم لا غير، والخاصة وجدوا الله في طلبهم للرزق المعنوي، لأنه حق الله، لا حظ للنفس فيه، لأجل ذلك لمّا كانوا لله كان الله لهم. وخاصة الخاصة ليس هم مع إرادتهم في شيء، بل هُم بالله في الأحوال كلها لا بنفوسهم. قد انمحت إرادتهم في إرادة الله، فصارت إرادتهم إرادة الله، وفعلهم فعله. وهذا المقام يقال له: التمكين بالتلوين. هـ. قاله شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل العمراني رضي الله عنه في كتابه، نفعنا الله بهم جميعاً. قوله تعالى: {ويعلم مُستقرها ومُستودعها} أي: يعلم مستقرها في العلم، ومستودعها في العمل، أو مستقرها في الحال، ومستودعها في المقام، أو مستقرها في الفناء، ومستودعها في البقاء، أو مستقرها في التلوين ومستودعها في التمكين، أو مستقرها في عالم الأشباح، ومستودعها في عالم الأرواح. وأنشدوا: شعر : كُلُّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ أو تَرَاه فَهوَ للقبضتين يُشيرُ ضع قميصي عن العيون ترى ما غاب عنك فقد أتاك البشير تفسير : فالمراد بالقبضتين: الحس والمعنى، وإن كانا في الأصل قبضة واحدة، لكن لما تجلت بالضدين سمَّاها قبضتين. فالحس رداء للمعاني. وسماه هنا قميصاً؛ لأنه يستر كالرداء، فإذا رفع القميص عن عُيون البصيرة رأت ما غاب عنها من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وهذا معنى قوله: ضع قميصي عن العيون. إلخ... وَرَفْعُ حجاب المعنى عن البصيرة هو بشير الولاية وعنوانها. والله تعالى أعلم. ولما بيَّن كمال علمه ذكر كمال قدرته، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أنه ليس في الارض دابة إلا والله تعالى متكفل برزقها. والدابة الحي الذي من شأنه أن يدب يقال: دب يدب دبيباً وأدبه ادباباً، غير انه صار بالعرف عبارة عن الخيل والبراذين دون غيرها من الحيوان. وقوله {ويعلم مستقرها ومستودعها} فالمستقر الموضع الذي يقر فيه الشيء وهو قراره ومكانه الذي يأوي اليه. والمستودع المعنى المجعول في القرار كالولد في البطن والنطفة التي في الظهر وقيل: مستودعها مدفنها بعد موتها. وقيل: مستقرها في اصلاب الآباء ومستودعها في ارحام الامهات. وقيل: مستقرها ما تستقر عليه، ومستودعها ما تصير اليه. وقوله {كل في كتاب مبين} خبر من الله تعالى أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر يعني اللوح المحفوظ، وانما اثبت تعالى ذلك مع انه عالم انه لا يعزب عنه شيء لما فيه من اللطف للملائكة او يكون فيه لطف لمن يخبر بذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} عطف على انّه عليم بذات الصّدور او حال من المستتر فى عليم {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} فكيف لا يعلم حالها وما يوافقها وما يخالفها {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} محلّ قرارها من الدّنيا او من الآخرة {وَمُسْتَوْدَعَهَا} محلّها الّذى ينتقل منها من اصلاب الآباء وارحام الامّهات ومن منازل الدّنيا ومنازل الآخرة الى مستقرّها فى الآخرة، ويجوز ان يكونا اسمى زمان او مصدرين، ويجوز اعتبار الاستقرار بالاضافة وكذلك اعتبار الاستيداع وحينئذٍ يكون كلّ من منازل الدّنيا والآخرة مستقرّاً ومستودعاً باعتبارين سوى المنزل الاخير من الآخرة لانّه يكون مستقرّاً على الاطلاق {كُلٌّ} من الدّوابّ او من المستقرّ والمستودع {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} هو القلم العالى او اللّوح المحفوظ.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}. كان الحسن يقول في قوله: (أية : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) تفسير : [الأنعام:98]: مستقر في أجله إلى يوم يموت، ومُستودَع في قبره إلى يوم يبعث. كأنه يريد هذه الآية: (أية : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) تفسير : [البقرة:36]. وقال الكلبي: مستقرّها: حيث تأوي بالليل. وذكر عكرمة عن ابن عباس أنه قال: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب؛ يعني مستقرها في الرحم قبل أن تخرج إلى الدنيا، ومستودعها في الصلب قبل أن تقع إلى الرحم. وبلغنا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: مستقرها الأرحام، ومستودعها الأرض التي تموت فيها. قوله: { كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} يعني عند الله، وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع.

اطفيش

تفسير : {ومَا مِنْ} صلة للتأكيد {دَابَّة} هى ما يدب على الأرض من إنسان وغيره فى العرف بماله أربع أرجل {فى الأرْضِ} نعت لدابة، أو متعلق بدابة، على أن المعنى ما من نفس تدب على الأرض {إلاَّ على اللهِ رزْقُها} وعدها به، وتكفل لها به، فهو رازقها لا محالة، لأنه لا يخلف الوعد، فكأنه واجب عليه، وإلا فهو منه فضل، ولشبهه بالواجب من حيث إنه لا بد من وقوعه، أتى باللفظ الموضوع للوجوب، وهو على مع ما فيه من تحقيق الوصل والحمل على التوكيل فيه، ولا يصح أن يقال: إنه واجب عليه ولو ضمنه ووعد به، بل يقال: إنه لا يخلف الوعد خلافا لما يوهمه كلام جار الله، إذ قال: هو تفضل، إلا أنه لا لما ضمن بأن يتفضل به عليهم رجع المتفضل به واجبا كنذور العباد، وزعمت الكرامية أنه واجب عليه، وما ذكرته فى تخريج الآية أولى من قول بعض إن على بمعنى من. {ويعْلَم مُسْتقرَّها} موضع استقرارها وسكناها من الأرض فى الحياة {ومُسْتودعَها} موضع استيداعها بعد الممات، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقيل: المستقر الأصلاب، والمستودع الأرحام، وقيل: المستقر مكانها ومسكنها من الأرض، والمستودع ما كانت فيه قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة. وقال ابن مسعود: المستقر الرحم، والمستودع المكان الذى تموت فيه، وقيل: المستقر الجنة والنار، والمستودع القبر، وذكر عكرمة عن ابن عباس: أن المستقر الرحم، والمستودع الصلب، وقال الكلبى: المستقر مكانها الذى تأوى إليه فى الليل، والمستودع مكانها بعد موتها، أجاز بعض أن يكون المستقر الموضع الذى تستقر فيه، فالفعل بعد وجودها فى الخارج، والمستودع موادها كالمنى والعلقة، والمقار كالصلب والرحم، فإن الدابة قبل وجودها فى خارج البطن ليست مودعة فى ذلك بالفعل، بل لقوة لأنها ليست حالها حين كانت نطفة أو علقة أو غيرهما كحالها حين كانت خارج البطن. {كلٌّ} من الدواب وأحوالها {فى كِتابٍ مُبينٍ} ظاهر أو مظهر وهو اللوح المحفوظ، كتبت فيه، وذلك بيان لكونه عالماً لأشياء كلها، وبين به أنه قادر على الممكنات كلها، تقريرا للتوحيد، لما سبق من الوعد والوعيد به بقوله: {وهُو الَّذى خَلَق السَّماواتِ}.

اطفيش

تفسير : {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} أَكلها وشربها وكل ما تنتفع به فضل منه لا واجب عليه، وأَما على فلتحقيق وصولها إِلى رزقها كأَنه واجب، ويجوز جعل على بمعنى من والمراد بالأَرض ما تحت السماءِ فشمل الطير وما فى بحور الجو، وهذه البحور والطائِر يدب إِذا نزل من طيرانه وسبح الحوت دبيبها وما حبس عن المشى، روى أَن موسى عليه السلام لما نزل عليه الوحى تعلق قلبه بأَحوال أَهله فأَمره الله عز وجل أَن يضرب صخرة بعصاه فضربها فانشقت عن صخرة فضربها فانشقت عن صخرة فضربها فانشقت عن دودة فى فيها ورقة وهى فى أَسفل البحر فسمعها تقول سبحان من يرانى ويسمع كلامى ويعرف مكانى ويذكرنى ولا ينسانى، والمراد الدابة التى لها رزق فهو على الله ومنه فلا تشكل دابة ماتت قبل أَن تأْكل أَو تشرب مثلا، فإِن هذه لا رزق لها، وكذا التى احتاجت ومنعت لأَنها انقضى رزقها، وفى على استعارة تبعية لتحقيق وصول الرزق ووجه الشبه عدم التخلف ففى كل من الواجب والموعود به الحصول لا عدمه، وفى ذلك إِغراءٌ بالتوكل فلا يبقى إِلا الإِجمال فى الطلب كما فى الحديث، وفى الأَرض نعت لدابة أَولى من أَن تعلق به تعلقاً مراعى فيه معنى حدثه، لأَن المتبادر تغلب الأسمية فيه. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} موضع استقرارها فى الدنيا {وَمُسْتَوْدَعَهَا} موضع استيداعها بعد الموت كالقبر، أَو موضع استقرارها فى الصلب وموضع استيداعها فى الرحم أَو موضع استقرارها فى الأَرض وموضع استيداعها قبل وجودها كالمنى والعلقة وما تولدت منه من طعام وشراب ونبات وغير ذلك، وعن ابن عباس: مستقرها حيث تأْوى ومستودعها حيث تموت، فقيل هذا إِشارة إِلى آخر التكفل، وإِلا فلا رزق بعد الموت، وعن ابن مسعود: مستقرها الأَرحام ومستودعها حيث تموت بمعنى أَنه تعالى يعلم مكانها آخر ما تحتاج للزرق ويسوقه، ويجوز أَن يكونا مصدرين بمعنى يعلم استقرارها واستيداعها، أَو زمانين أَى وقت استقرارها ووقت استيداعها ويجوز فى مستودعها أَن يكون اسم مفعول أَى ما تودع فيه من المواد كالمنى والمقار كالصلب والرحم والتفسير الأَول أَولى لتبادره ولعمومه ما لا نطفة فيه ولا صلب ولا رحم، وقد قيل المراد الإِنسان على طريق الاستخدام لمناسبة قوله تعالى فيه فمستقر ومستودع {كُلٌّ} ما ذكر من الدواب ومستقرها ومستودعها ورزقها وكذا جميع أَحوالها أَو كل شىءٍ {فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} اللوح المحفوظ المبين لكل شىءٍ مما ينتهى وهذا تتميم لما قبل كما يقر أُحد بما عليه ويزيد بأَنه قد كتب على نفسه فيه كتاباً يحفظه له ولا ينساه وهذا بيان لكونه عز وجل عالما بالمعلومات كلها، وأَما بيان كأَنه قادر على الممكنات بأَسرها ففى قوله عز وجل.

الالوسي

تفسير : {مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} الدابة اسم لكل حيوان ذي روح ذكراً كان أو أنثى عاقلاً أو غيره، مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي الخفيف ومنه قوله: شعر : زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيباً تفسير : واختصت في العرف بذوات القوائم الأربع وقد تخص بالفرس، والمراد بها هنا المعنى اللغوي باتفاق المفسرين أي وما من حيوان يدب على الأرض إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشه، والمراد أن ذلك كالواجب عليه تعالى إذ لا وجوب عليه سبحانه عند أهل الحق كما بين في الكلام، فكلمة {عَلَىٰ} المستعملة للوجوب مستعارة استعارة تبعية لما يشبهه ويكون من المجاز بمرتبتين، وذكر الإمام ((أن الرزق واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان)) على معنى أنه باق على تفضله لكن لما وعده سبحانه وهو جل شأنه لا يخل بما وعد صوره بصورة الوجوب لفائدتين: التحقيق لوصوله وحمل العباد على التوكل فيه، ولا يمنع من التوكل مباشرة الأسباب مع العلم بأنه سبحانه المسبب لها ففي الخبر «اعقل وتوكل» وجاء «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله تعالى وأجملوا في الطلب» ولا ينبغي أن يعتقد أنه لا يحصل الرزق بدون مباشرة سبب فإنه سبحانه يرزق الكثير من دون مباشرة سبب أصلاً، وفي بعض الآثار «إن موسى عليه السلام عند نزول الوحي تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه صخرة فضرب فانشقت الصخرة وخرجت صخرة ثانية فضربها فخرجت ثالثة فضربها فانشقت عن دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها وسمعها تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني» وما أحسن قول ابن أذينة: شعر : لقد علمت وما الإشراف من خلقي إن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطلبه ولو أقمت أتاني لا يعنيني تفسير : وقد صدقه الله تعالى في ذلك يوم وفد على هشام فقرعه بقوله هذا فرجع إلى المدينة فندم هشام على ذلك وأرسل بجائزته إليه، ويقرب من قصته قصة الثقفي مع عبيد الله بن عامر خال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وهي مشهورة حكاها ابن أبـي الدنيا ونقلها غير واحد، وقد ألغى أمر الأسباب جداً من قال: شعر : مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعاً وإذا وليت عنه تبعك تفسير : / وبالجملة ينبغي الوثوق بالله تعالى وربط القلب به سبحانه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. واحتج أهل السنة بالآية على أن الحرام رزق وإلا فمن لم يأكل طول عمره إلا من الحرام يلزم أن لا يكون مرزوقاً، وأجيب بأن هذا مجرد فرض إذ لا أقل من التغذي بلبن الأم مثلاً وهو حلال على أن المراد أن كل حيوان يحتاج إلى الرزق إذا رزق فإنما رزقه من الله تعالى وهو لا ينافي أن يكون هناك من لا رزق له كالمتغذي بالحرام، وكذا من لم يرزق أصلاً حتى مات جوعاً، وروي هذا عن مجاهد وقد تقدم الكلام في ذلك. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} موضع قرارها في الأصلاب {وَمُسْتَوْدَعَهَا} موضعها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوه، فالمستقر والمستودع اسما مكان، وجوز فيهما أن يكونا مصدرين وأن يكون المستودع اسم مفعول لتعدي فعله، ولا يجوز في المستقر ذلك لأن فعله لازم، والأول هو الظاهر، وإنما خص كل من الاسمين بما خص به من المحلين ـ كما قال بعض الفضلاء ـ لأن النطفة مثلاً بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها الطبيعي ومنشئها الخلقي، وأما بالنسبة إلى الأرحام مثلاً فهي مودعة فيها إلى وقت معين، وعن عطاء تفسير المستقر بالأرحام والمستودع بالأصلاب وكأنه أخذ تفسير الأول بذلك من قوله سبحانه: {أية : وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآء} تفسير : [الحج: 5]، وجوز أن يكون المراد بالمستقر مساكنها من الأرض حيث وجدت بالفعل، وبالمستودع محلها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة، وهذا عام لجميع الحيوانات بخلاف الأول إذ من الحيوانات ما لم يستقر في صلب كالمتكون من عفونة الأرض مثلاً، ولعل تقديم محلها باعتبار حالتها الأخيرة لرعاية المناسبة بينها وبين عنوان كونها دابة في الأرض، والمعنى على ما قيل: ما من دابة في الأرض إلا يرزقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقه إليها ويعلم موادها المتخالفة المندرجة في مراتب الاستعدادات المتفاوتة المتطورة في الأطوار المتباينة ومقارها المتنوعة ويفيض عليها في كل مرتبة ما يليق بها من مبادىء وجودها وكمالاتها المتفرعة عليها، ولا يخلو عن حسن إلا أن فيه بعداً، وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن مستقرها حيث تأوي ومستودعها حيث تموت، وتعقب بأن تفسير المستودع بذلك لا يلائم مقام التكفل بأرزاقها، وقد يقال: لعل ذلك إشارة إلى نهاية أمد ذلك التكفل، وفي خبر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إشارة إلى ما هو كالمبدأ له أيضاً، فقد أخرج عنه ابن جرير والحاكم وصححه أنه قال: مستقرها الأرحام ومستودعها حيث تموت، فكأنه قيل: إنه سبحانه متكفل برزق كل دابة ويعلم مكانها أول ما تحتاج إلى الرزق ومكانها آخر ما تحتاج إليه فهو سبحانه يسوقه إليها ولا بد إلى أن ينتهي أمد احتياجها، وجوز في هذه الجملة أن تكون استئنافاً بيانياً وأن تكون معطوفة على جملة {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} داخلة في حيز {إِلا} وعليه اقتصر الأجهوري. {كُلٌّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} أي كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها، أو كل ما ذكر وغيره مثبت في اللوح المحفوظ البين لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم السلام، أو المظهر لما أثبت فيه للناظرين، والجملة ـ على ما قال الطيبـي ـ كالتتميم لمعنى وجوب تكفل الرزق كمن أقر بشيء في ذمته ثم كتب عليه صكاً، وفي «الكشف» أن الأظهر أنها تحقيق للعلم وكأنه تعالى لما ذكر أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون أردفه بما يدل على عموم علمه، ثم أتى سبحانه بما يدل على عظيم قدرته جل شأنه من قوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوٰتِ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : يعلم ما يُسرّون وما يعلنون}تفسير : [هود: 5]. والتقدير: وما من دابّة إلاّ يعلم مُستقرها ومُستودعها، وإنما نُظم الكلام على هذا الأسلوب تفنناً لإفادة التنصيص على العموم بالنفي المؤكد بـ(من)، ولإدماج تعميم رزق الله كل دابّة في الأرض في أثناء إفادة عموم علمه بأحوال كل دابة، فلأجل ذلك أخّرَ الفعل المعطوف لأن في التذكير بأن الله رازق الدواب التي لا حيلة لها في الاكتساب استدلالاً على أنّه عليم بأحوالها، فإن كونه رازقاً للدواب قضية من الأصول الموضوعة المقبولة عند عموم البشر، فمن أجل ذلك جعل رزق الله إياها دليلاً على علمه بما تحتاجه. والدابة في اللغة: اسم لما يدب أي يمشي على الأرض غير الإنسان. وزيادة {في الأرض} تأكيد لمعنى {دابة} في التنصيص على أن العموم مستعمل في حقيقته. والرزق: الطعام، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وجد عندها رزقاً}تفسير : [آل عمران: 37]. والاستثناء من عموم الأحوال التابع لعموم الذوات والمدلول عليه بذكر رزقها الذي هو من أحوالها. وتقديم {على الله} قبل متعلقه وهو {رزقها} لإفادة القصر، أي على الله لا على غيره، ولإفادة تركيب {على الله رزقها} معنى أن الله تكفّل برزقها ولم يهمله، لأن (على) تدل على اللزوم والمحقوقية، ومعلوم أن الله لاَ يُلْزمُهُ أحدٌ شيئاً، فما أفاد معنى اللزوم فإنّما هو التزامه بنفسه بمقتضى صفاته المقتضية ذلك له كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وعداً علينا}تفسير : [الأنبياء: 104] وقوله: {أية : حقاً علينا}تفسير : [يونس: 103]. والاستثناء من عموم ما يسند إليه رزق الدواب في ظاهر ما يبدو للناس أنّه رزق من أصحاب الدواب ومن يربونها، أي رزْقها على الله لا على غيره. فالمستثنى هو الكون على الله، والمستثنى منه مطلق الكون مما يُتخيّل أنه رزاق فحصر الرزق في الكون على الله مجاز عقلي في العرف باعتبار أن الله مسبب ذلك الرزق ومُقدره. وجملة {ويعلم مُستقرّها ومُستودَعَها} عطف على جملة الاستثناء لا على المستثنى، أي والله يعلم مستقر كلّ دابة ومستودَعها. فليس حكم هذه الجملة بداخل في حيّز الحصر. والمستقَرّ: محلّ استقرارها. والمستودع: محلّ الإيداع، والإيداع: الوضع والدخر. والمراد به مستودعها في الرحم قبل بروزها إلى الأرض كقوله: {أية : وهو الذي أنشأكم من نفس واحدةٍ فمستقر ومستودع}تفسير : في سورة [الأنعام: 98]. وتنوين {كلّ} تنوين عوض عن المضاف إليه اختصار، أي كلّ رزقها ومستقرها ومستودعها في كتاب مبين، أي كتابة، فالكتاب هنا مصدر كقوله: {أية : كتابَ الله عليكم}تفسير : [النساء: 24]. وهو مستعمل في تقدير العلم وتحقيقه بحيث لا يقبل زيادة ولا نقصاناً ولا تخلفاً. كما أن الكتابة يقصد منها أن لا يزاد في الأمر ولا ينقص ولا يبطل. قال الحارث بن حلزة: شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينقــ ـض ما في المهارق الأهواء تفسير : والمُبين: اسم فاعل أبان بمعنى: أظهر، وهو تخييل لاستعارة الكتاب للتقدير. وليس المراد أنّه موضح لمن يطَالعه لأن علم الله وقدره لا يطلع عليه أحد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من دابّة: أي حيّ يدبّ على الأرض أي يمشي من إنسان وحيوان. مستقرها: أي مكان استقراها من الأرض. ومستودعها: أي مكان استيداعها قبل استقرارها كأصلاب الرجال وأرحام النساء. في كتاب مبين: أي اللوح المحفوظ. في ستة أيام: أي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. وكان عرشه على الماء: إذ لم يكن قد خلق شيئاً من المخلوقات سواه، والماء على الهواء. ليبلوكم: أي ليختبركم ليرى أيكم أحسن عملاً. إلى أمة معدودة: أي إلى طائفة من الزمن معدودة. وحاق بهم: أي نزل وأحاط بهم. معنى الآيات: لما أخبر تعالى في الآية السابقة إنه عليم بذات الصدور ذكر في هذه مظاهر علمه وقدرته تقريراً لما تضمنته الآية السابقة فقال عز وجل {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} من إنسان يمشي على الأرض أو حيوان يمشي عليها زاحفاً أو يمشي على رجلين أو أكثر أو يطير في السماء إلا وقد تكفّل الله بزرقها أي بخلقه وإيجاده لها وبتعليمها كيف تطلبه وتحصل عليه، وهو تعالى يعلم كذلك مستقرها أي مكان استقرار تلك الدابة في الأرض، كما يعلم أيضاً مستودعها بعد موتها إلى تبعث ليوم القيامة. وقوله تعالى {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي من الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها قد دوّن قبل خلقه في كتاب المقادير اللوح المحفوظ، وقوله تعالى في الآية [7] {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} أي أوجد السماوات السبع والأرض وما فيها في ظرف ستة أيام وجائز أن تكون كأيام الدنيا، وجائز أن تكون كالأيام التي عنده وهي ألف سنة لقوله في سورة الحج {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الآية: 47] وقوله {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} أي خلق العرش قبل خلق السماوات والأرض، والعرش: سرير المُلك ومنه يتم تدبير كل شيء في هذه الحياة، وقوله {عَلَى ٱلْمَآءِ} إذ لم يكن أرض ولا سماء فلم يكن إلا الماء كالهواء. وقوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي خلقكم وخلق كل شيء لأجلكم، ليختبركم أيكم أطوع له وأحسن عملا أي بإخلاصه لله تعالى وحده وبفعله على نحو ما شرعه الله وبيّنه رسوله. هذه مظاهر علمه تعالى وقدرته وبها استوجب العبادة وحده دون سواه وبها عُلم أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء فكيف يحاول الجهلة إخفاء ما في صدورهم وما تقوم به جوارحهم بثني صدورهم واستغشاء ثيابهم. ألا ساء ما يعملون. وقوله تعالى {وَلَئِن قُلْتَ} - أي أيها الرسول للمشركين - إنكم مبعوثون من بعد الموت، أي مخلوقون خلقاً جديداً ومبعوثون من قبوركم لمحاسبتكم ومجازاتكم بحسب أعمالكم في هذه الحياة الدنيا {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي عند سماع أخبار الحياة الثانية وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب مهين {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام ما هو إلا سحر مبين يريد به صرف الناس عن ملذاتهم، وجمعهم حوله ليترأس عليهم ويخدموه، وهو كلام باطل وظن كاذب وهذا شأن الكافر، وقوله تعالى في الآية [8] {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} أي ولئن أخرنا أي أرجأنا ما توعدناهم به من عذاب إلى أوقات زمانية معدودة الساعات والأيام والشهور والأعوام {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي شيء حبس العذاب يقولون هذا إنكاراً منهم واستخفافاً قال تعالى {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي ليس هناك من يصرفه ويدفعه عنهم بحال من الأحوال، {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي ونزل بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون بقولهم: ما يحبسه!!؟ هداية الآيات من هداية الآيات: 1- سعة علم الله تعالى وتكفله بأرزاق مخلوقاته من إنسان وحيوان. 2- بيان خلق الأكوان، وعلة الخلق. 3- تقرير مبدأ البعث الآخر بعد تقرير الألوهية الله تعالى. 4- لا ينبغي الاغترار بإِمهال الله تعالى لأهل معصيته، فإِنه قد يأخذهم فجأة وهم لا يشعرون.

القطان

تفسير : الدابة: كل حي يدب على الأرض، وغلبت على كل ما يركب من الخيل والبغال والحمير. المستقر: مكان الاستقرار. ومستودعها: الموضع الذي كانت فيه قبل استقرارها، كالصلب والرحم والبيضة. الى امة معدودة: الى زمن معين. حاق بهم: نزل بهم واحط بهم. يبيّن الله في الآيات آثار قدرته، وما يتعلقّ بحياة البشر وشؤونهم المختلفة، ويعرِّفُ الخلْقَ بربهم الحقّ الذي عليهم ان يعبدوه، فهو العالِمُ المحيط علمه بكل خلْقه، وهو الرازق الذي لا يترك أحداً من زرقه. ثم يُطلعها على آثار قدرتِه وحكمته في خلق السماوات والأرض بنظامٍ خاص في أطوار او آمادٍ مُحكَمة. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}. ليس هناك دابة تتحرك على الارض الا وقد تكّفل الله برزقها، فكل مخلوق له رزقٌ مقدَّر من الله في سُننه التي ترتَّب النِّتاجَ على الجُهد، فلا يقعدنَّ أحد عن السعي فالسّماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}. ان الله يعمل اين تستقرّ تلك الدابة او المخلوق واين تقم، والمكانَ الذي تودع فيه بعد موتها. {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. كل شيء من ذلك مسجَّلٌ عنده سبحانه في كتابٍ مبين موضِحٍ لأحوال ما فيه. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}. انه هو الذي خلق السماواتِ والأرض في ستّ مراحلَ، كما تقدم في سورة الاعراف الآية 54، وسورة يونس الآية 4. ومن قبل ذلك لم يكن الوجود اكثر من عالم الماء. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} يعني أن الماء كان موجوداً، خَلَقَه سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السماوات والأرض. أما كيف كان هذا الماء، وكيف كان عرشه عليه، فليس هناك نص على شيء من ذلك، والعقلُ وحده لا يمِلك العلم به ونترك البحث فيه. ثم عَلل الله بما آنفاً بعض حِكمه الخاصة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. ولقد خلق هذا الكونَ ليُظهر أحوالَكم ايها الناس، بالاختبار وليُظهِر أيكم احسنُ إتقانا لما يعمله لنفسه وللناس. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. لئن اخبرتَ يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سبعثُهم من قبورِهم بعد مماتِهم، سارعوا الى الرد عليك مؤكدين ان هذا الذي جئتَهم به لا حقيقةَ له، وما هو الا كالسِحر الواضح تسحَرُ به العقول. فما أعجبَ هذا القول وما أغربه!؟ قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "ان هذا الا ساحر مبين". {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ؟}. ولئن أخّرنا عنهم عذابَنا الذي توعِدُهم به ايها الرسول إلى وقتٍ محدّد لَيقولون مستهزئين: ما الذي يمنعُه عنّا الآن! شأنُهم في التكذي بالبعث، كشأنهم في مسألة العذابِ الدنيوي، يستعجِلونه ويتساءولن عن سببِ تأخيره. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. الا فلْيعلمْ هؤلاء القوم ان العذابَ آتٍ حتما، لا خلاصَ لهم منه،وأنه سيحيط بهم بسبب استهزائهم واستهتارهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٍ} (6) - وَلِيَعْلَمْ هؤُلاءِ أَنَّ قُدْرَةَ اللهِ وَنِعَمَهُ وَعِلْمَهُ شَامِلَةٌ لِكُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، فَلاَ تُوجَدُ دَابَّةٌ تَتَحَرَّكُ فِي الأَرْضِ إِلاَّ وَقَدْ تَكَفَّلَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِرِزْقِهَا، وَيَعْلَمُ مَكَانَ اسْتِقْرَارِهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا، وَالمَكَانِ الذِي تُوْدَعُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَكُلُّ شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ مُسُجَّلٌ عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين يذكر القرآن الكريم لقطة توضح صفة ما، فهو يأتي بما يتعلق بهذه الصفة، وما دام الحق سبحانه عليماً بذات الصدور، فهذا علم بالأمور السلبية غير الواضحة، والحق سبحانه يعلم الإيجابيات أيضاً، فهو يعلم النية الحسنة أيضاً، ولكن الكلام هنا يخص جماعة يثنون صدورهم. وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وبيَّن أنه عليم بكل شيء. وقال سبحانه: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ..} [هود: 6]. والدابة: كل ما يدب على الأرض، وتستخدم في العرف الخاص للدلالة على أي كائن يدب على الأرض غير الإنسان. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 38]. وذكر الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام أنه شُغِل - حينما كُلِّف - بخواطر عن أهله، وتساءل: كيف أذهب لأداء الرسالة وأترك أهلي؟ فأوحى له الله سبحانه أن يضرب حجراً فانفلق الحجر عن صخرة، فأمره الحق سبحانه أن يضرب الصخرة، فضربها فانفلقت ليخرج له حجر، فضرب الحجر فانشق له عن دودة تلوك شيئاً كأنما تتغذى به، فقال: إن الذي رزق هذه في ظلمات تلك الأحجار كلها لن ينسى أهلي على ظهر الأرض. ومضى موسى عليه السلام إلى رسالته. وهذا أمر طبيعي؛ لأن الحق سبحانه خالق كل الخلق، ولا بد أن يضمن له استبقاء حياة واستبقاء نوع؛ فاستبقاء الحياة بالقوت، واستبقاء النوع بالزواج والمصاهرة. إذن: فمن ضمن ترتيبات الخلق أن يوفر الحق سبحانه وتعالى استبقاء الحياة بالقوت، واستبقاء النوع بالتزاوج. ولذلك نقول دائماً: يجب أن نفرق بين عطاء الإله وعطاء الرب، فالإله سبحانه هو رب الجميع، لكنه إله من آمن به. وما دام الحق سبحانه هو رب الجميع، فالجميع مسئولون منه؛ فالشمس تشرق على المؤمن وعلى الكافر، وقد يستخرج الكافر من الشمس طاقة شمسية وينتفع بها، فلماذا لا يأخذ المؤمن بالأسباب؟ والهواء موجود للمؤمن والكافر؛ لأنه عطاء ربوبية، فإن استفاد الكافر من الهواء ودرسه، واستخدم وخواصه أكثر من المؤمن؛ فعلى المؤمن أن يجدَّ ويكدَّ في الأخذ بالأسباب. إذن: فهناك عطاء للربوبية يشترك فيه الجميع، لكن عطاء الألوهية إنما يكون في العبادة، وهو يُخرجك من مراداتك إلى مرادات ربك، فحين تطلب منك شهواتك أن تفعل أمراً فيقول لك المنهج: لا. وفي هذا تحكم منك في الشهوات، وارتقاء في الاختبارات، أما في الأمور الحياتية الدنيا، فعطاء الربوبية لكل كائن ليستبقي حياته. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ..} [هود: 6]. وكلمة "على" تفيد أن الرزق حق للدابة، لكنها لم تفرضه هي على الله سبحانه وتعالى، ولكنه سبحانه قد ألزم نفسه بهذا الحق. ويقول سبحانه: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ..} [هود: 6]. ولأنه سبحانه هو الذي يرزق الدابة فهو يعلم مستقرها وأين تعيش؛ ليوصل إليها هذا الرزق. والمستقر: هو مكان الاستقرار، والمستودع: هو مكان الوديعة. والحق سبحانه يُعْلِمنا بذلك ليطمئن كل إنسان أن رزقه يعرف عنوانه، والإنسان لا يعلم عنوان الرزق. فالرزق يأتي لك من حيث لا تحتسب، لكن السعي إلى الرزق شيء آخر؛ فقد تسعى إلى رزق ليس لك، بل هو رزق لغيرك. فمثلاً: أنت قد تزرع أرضك قمحاً فيأتي لك سفر للخارج، وتترك قمحك؛ ليأكله غيرك، وتأكل أنت من قمح غيرك. ولذلك يقول الحق سبحانه: {.. وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: 6]. أي: أن كل أمر مكتوب، وهناك فرق بين أن تفعل ما تريد، ولكن لا يحكم إرادتك مكتوب؛ فما يأتي على بالك تفعله، وبين أن تفعل أمراً قد وضعت خطواته في خطة واضحة مكتوبة، ثم تأتي أفعالك وفقاً لما كتبته. ومن عظمة الخالق سبحانه أن كتب كل شيء، ثم يأتي كل ما في الحياة وفق ما كتب. والدليل على ذلك - على سبيل المثال - أن الله سبحانه كان يوحي إلى رسوله بالسورة من القرآن الكريم، وبعد ذلك يُسرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فيتلو السورة على أصحابه، فمن يستطيع الكتابة فهو يكتب، ومن يحفظ فهو يحفظ. ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فيقرأ السورة كما كُتِبَتْ، ويأتي كل نجم من القرآن في مكانه الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته، فكيف كان يحدث ذلك؟ لقد حدث ذلك بما جاء به الحق سبحانه، وأبلغه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. الدابة هنا عام في حيوان يحتاج إلى رزق. وعلى الله ظاهر في الوجوب، وإنما هو تفضل. ولكنه لما ضمن تعالى أن يتفضل عليهم أبرزه في حيز الوجوب. قال ابن عباس: مستقرها: حيث تأوي إليه من الأرض. ومستودعها: الموضع الذي تموت فيه فتدفن. ومن دابة في موضع مبتدأ. ومن زائدة لاستغراق الجنس. ورزقها مبتدأ. وعلى الله خبره، والجملة خبر المبتدأ، والتقدير وما من دابة إلا رزقها كائن على الله تعالى. {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ} الآية، لما ذكر تعالى ما يدل على كونه عالماً ذكر ما يدل على كونه قادراً. وتقدم تفسير الجملة الأولى في سورة يونس. والظاهر أن قوله: وكان عرشه على الماء، تقديره قبل خلق السماوات والأرض، وفي هذا دليل على أن الماء والعرش كانا مخلوقين قبل. والظاهر تعلق ليبلوكم بخلق، أي خلقهن بحكمة بالغة وهي ان يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه. ومعنى ليبلوكم، أي ليختبركم وأيكم أحسن مبتدأ وخبر في موضع نصب بقوله: ليبلوكم، وهو معلق، لأن الاختبار فيه معنى التمييز والعلم. وذكر الزمخشري: ان استمع تعلق، ومثله بقوله: استمع أيهم مبتدأ أحسن صوتاً. "انتهى". ولا أعلم أحداً ذكر ان استمع تعلق، وإنما ذكروا من غير أفعال القلوب سل وانظر. وفي جواز تعليق رأي البصرية خلاف ولذلك علق عن جملة الاستفهام. والظاهر الإِشارة بهذا إلى القول، أي أن قولكم إنكم مبعوثون إلا سحر، أي بطلان هذا القول كبطلان السحر. والظاهر أن العذاب هو العذاب الموعود به. والأمة هنا المدة من الزمان. {مَا يَحْبِسُهُ} استفهام قالوه على سبيل التكذيب والاستهزاء. والظاهر أن يوم منصوب بقوله: مصروفاً، فهو معمول لخبر ليس وقد استدل به على جواز تقديم خبر ليس عليها، قالوا: لأن تقدم المعمول يؤذن بتقدم العامل، ونسب هذا المذهب لسيبويه، وعليه أكثر البصريين، وذهب الكوفيون والمبرد إلى أنه لا يجوز ذلك وقالوا: لا يدل جواز تقدم المعمول على جواز تقدم العامل، وأيضاً فإن الظرف والمجرور يتسع فيهما ما لا يتسع في غيرهما، ويقعان حيث لا يقع العامل فيهما نحو: ان اليوم زيداً مسافر. وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقدم خير ليس عليها ولا بمعموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية. وقول الشاعر: شعر : فيأبى فما يزداد إلا لجاجة وكنت أبياً في الخنا لست أقدم تفسير : وتقدم تفسير جملة: وحاق بهم. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} الآية، الظاهر أن الإِنسان هنا جنس، والمعنى أن هذا الخلق في سجايا الناس ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإِيمان إلى الصبر والعمل الصالح ولذلك جاء الاستثناء منه في قوله: إلا الذين صبروا متصلاً. {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ} الآية، كانوا يقترحون عليه الآيات تعنتاً لا استرشاداً لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في إرشادهم. وضائق: اسم فاعل، من ضاق وعبر بضائق دون ضيق للمناسبة في اللفظ مع تارك، وان كان ضيق أكثر استعملاً لأنه وصف لازم وضائق وصف عارض، ولأن اسم الفاعل من الثلاثي إذا لم يأت على وزن فاعل نحو فرح وثقيل. وأريد الحدوث به بني على فاعل كثقل فهو ثاقل وفرح فهو فارح، ولذلك جاء اسم الفاعل من ضاق على فاعل لحدوثه إذ ليس وصفاً لازماً فيجيء على ضيق. {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه وما عليك ردوا أو تهاونوا أو اقترحوا. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل فتوكل عليه وكل أمرك إليه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إحاطة علمه بجميع الأشياء من الأموات والأحياء لقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] ونشأها لتكفل أيام تفضلاً ورحمة، وإنا إلى لطف الوصول تحقيقاً لوصول وحملاً عن التوكيل فيه إلى قوله: {يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8]. وقوله: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] يشير إلى أن كل حيوان خلقه الله تعالى صفة مخصوصة وبجنسه، ولكل جنس منه غذاء مخصوص ذلك الجنس، فعل ذمة كرم الله أنه كما خلق أجسادهم يخلق غذائهم ملائماً لأجسادهم ويرزقهم دهم ويرزقهم منه ما يصلح لكل جنس من الحيوان أو يعلم، {مُسْتَقَرَّهَا} [هود: 6] في العدم، ويعلم أنه كيف قدرها مستعدة لقبول تلك الصورة المختصة بها. ويعلم {وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود: 6] الذي تؤل إليه عند استكمال صورتها ومعناها المستودع فيها، وللإنسان خاصة يعلم مستقر روحه في عالم الأرواح أكان في الصف الأول، أو في الثاني، أو في الثالث، أو في الرابع، فإنه جاء في معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"تفسير : إن الأرواح كانت في أربعة صفوف: كان في الصف الأول: أرواح الأنياء وأرواح خواص الأولياء. وفي الصف الثاني: أرواح الأولياء وأرواح خواص المؤمنين. وفي الصف الثالث: أرواح المؤمنين والمسلمين. وفي الصف الرابع: أرواح الكفار والمنافقين، ويعلم مستودع روحه عنه استكمال مرتبة كل نفس منهم من دركات النيران، ودرجات الجنة إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: 6] أي: عنده في أم الكتاب التي لا تعبر منه من المحو والإثبات. ثم أخبر عن الإنسان من بين سائر المخلوقات، فإن خلق أصناف المكونات كانت تبعاً لوجوده وسبباً لاستكماله في السعادة والشقاوة، فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [هود: 7] سماوات الأرواح والملكوت {وَٱلأَرْضَ} [هود: 7] أرض الأجسام والأجساد؛ معناه: خلق السماوات والأرض لحكمة بالغة وهي أن يجعلهما مساكن لعباده، وينعمهم بأنواع النعم، ويكلفهم بالأمر والنهي عن المنكر، وأطاع التائب بالجنة ومن دون ذلك بالنار {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [هود: 7] في ستة أصناف: جماد ومعدن ونبات وحيوان وإنسان وأرواح، ولكل صنف منها أنواع يطول شرحها. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} [هود: 7] أي: خلق السماوات والأرض لأنه لم يكن تحت العرش سوى الماء، وكان ذلك الماء في من الريح، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7] يعني: هذه الأصناف من المخلوقات مقتضيات لوجود الإنسان وتربيته ومعرفة نفسه ومعرفة خالقه وسعادته وشقاوته، فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحل السعد أو الأشقياء، وإن الابتلاء على قسمين: قسم للسعداء: وهو بلاء حسن وذلك أن السعيد لا يجعل المكونات مطلبه ومقصده الأصلي بل يجعل ذلك حضرة المولى والرفيق الأعلى، ويجعل ما سوى المولى بإذن مولاه وأمره ونهيه وسيلة إلى القربات وتحصيل الكمالات، فهو أحسن عملاً، وقسم للأشقياء: وهو بلاء سيء وذلك أن الشقي يجعل المكونات مطلبه ومقصده الأصلي ويتقيد بشهواتها ولذاتها، ولم يتخلص من نار الحرص عليها والحسرة على فواتها، ويجعل ما أنعم الله عليه من الطاعات والعلوم التي هي ذريعة إلى الدرجات والقربات وسيلة إلى نيل مقاصده الفانية واستيفاء شهواته النفسانية فهو أسوء عمل. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} [هود: 7] يعني: لئن قلت للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة؛ لتحيوا بالحقيقة، فإن الحياة الحقيقية يكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية، {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [هود: 7] أي: ستروا استعدادهم الفطري يتعلق المكونات ومحبتها وهم الأشقياء، {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7] كلام مموه لا أصل له، {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} [هود: 8] أي: ذوق العذاب وهو ألم البعد؛ لأن العذاب واقع لهم، ولكن لا يذوقون ألمه ولهذا يقال يوم القيامة: {أية : فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [الأحقاف: 34]. {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: 8] أي: إلى حين ظهور ذوق العذاب للأمة المعدودة من الأشقياء ليكونوا في جملتهم، {لَّيَقُولُنَّ} [هود: 8] الأشقياء من غاية غفلتهم ونهاية شقوتهم، {مَا يَحْبِسُهُ} [هود: 8] أي: ما يحبس العذاب عنا، {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: 8] أي: عذاب البعد حين يأتي كل واحد من الأشقياء باستجلاب ترك المأمورات، واستجلاب إتيان المنهيات لا يفارقهم، {وَحَاقَ بِهِم} [هود: 8] أي: لزمهم ووجب عليهم. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8] جزاء ما كانوا يظنون بالله ظن السوء ويتكلمون به استهزاء، فإن جزاء أعمال العباد من الخير والشر تصل إلى القال في الحال بتصفية القلب عن صد الحجب، والأخلاق الذميمة النفسانية، وتحليته بأنوار شواهد الحق، والأخلاق الحميدة الروحانية والربانية، ولكن لا يرى في الدنيا بعين اليقين وحق اليقين، وإنما يرى في الآخرة إذ قيل لهم: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق: 22]، {أية : وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 8]. ثم أخبر عن غفلة الإنسان في الدنيا عن الخير والشر والنفع والضر، ولقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} [هود: 9] إلى قوله: {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11]، {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} أي: أذقناهم بعض المقامات من قربنا، وبعض المشاهدات من شواهدنا، {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} [هود: 9] بشؤم بعض خطاياه وزلاته ابتلاءً وامتحاناً غيرة وعزة لئلا يجترئ في سوء الأدب، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} [هود: 9] أي: من خصوصية الإنسان أن ييأس من روح الله ويقنط من رحمته جهلاً منه عند ابتلاءه بإصابة ذنب وخطأ، {كَفُورٌ} [هود: 9] لنعمتنا؛ وذلك لأن من رحمة الله ونعمة على عبده أنه إذا أسرف على نفسه، ثم تاب ورجع إلى ربه وجده غفوراً رحيماً، فمن ابتلي بذل الحجاب والرد عن الباب كان من شرط عبوديته أن لا ييأس من روح الله ولا يكفر بنعمته كأبليس، بل يرجو رحمة ربه، وتاب من خطاياه، واستغفر من ذنوبه، ويرجع إلى ربه معترفاً بظلمة على نفسه كآدم عليه السلام ليجتبيه ربه فيتوب عليه ويهديه. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} [هود: 10] أي: أنعمنا عليه بالقبول بعد الرد وأذقناه برد عفونا وحلاوة طاعتنا، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} [هود: 10] صرت معصوماً مطهراً مرفوع مدفوع الحجب النقاب فيعجبه نفسه، فينظر إليها بنظر الإعجاب، وينظر إلى غيره بنظر الاحتقار، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} [هود: 10] بما لديه من إعجاب نفسه {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}تفسير : [القصص: 76]، {فَخُورٌ} [هود: 10] على الأقران ممكور الرحمن. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}تفسير : [النساء: 36]، {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 99] ففي كلتي حالتيه مذموم في حال اليأس وكفران النعمة، وفي حال الإعجاب بنفسه وأمنه من مكر الله، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} [هود: 11] في حالتي الشدة والرخاء والنعماء والضراء، فلا يقنطه في الضراء ولا يعجب في النعماء، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [هود: 11] للنعماء صابرين للضراء، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} [هود: 11] في الشكر، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] في الصبر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: جميع ما دب على وجه الأرض، من آدمي، أو حيوان بري أو بحري، فالله تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم، فرزقها على الله. { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } أي: يعلم مستقر هذه الدواب، وهو: المكان الذي تقيم فيه وتستقر فيه، وتأوي إليه، ومستودعها: المكان الذي تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها، وعوارض أحوالها. { كُلِّ } من تفاصيل أحوالها { فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: في اللوح المحفوظ المحتوي على جميع الحوادث الواقعة، والتي تقع في السماوات والأرض. الجميع قد أحاط بها علم الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، ووسعها رزقه، فلتطمئن القلوب إلى كفاية من تكفل بأرزاقها، وأحاط علما بذواتها، وصفاتها.

همام الصنعاني

تفسير : 1183- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: [الآية: 6]، قال: مستقرها في الرحم ومستودعها في الصلب. 1184- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ التَّيْميّ عَنْ لَيْث، عن الحكم، عن مقسم، عن بان عباس، {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: [الآية: 6]، قال: مُسْتَقَرَها حيث تَاْوِي، ومُسْتَوْدعها حيث تموت.