Verse. 1480 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَہُوَالَّذِيْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ فِيْ سِتَّۃِ اَيَّامٍ وَّكَانَ عَرْشُہٗ عَلَي الْمَاۗءِ لِيَبْلُوَكُمْ اَيُّكُمْ اَحْسَنُ عَمَلًا۝۰ۭ وَلَىِٕنْ قُلْتَ اِنَّكُمْ مَّبْعُوْثُوْنَ مِنْۢ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُوْلَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِنْ ھٰذَاۗ اِلَّا سِحْــرٌ مُّبِيْنٌ۝۷
Wahuwa allathee khalaqa alssamawati waalarda fee sittati ayyamin wakana AAarshuhu AAala almai liyabluwakum ayyukum ahsanu AAamalan walain qulta innakum mabAAoothoona min baAAdi almawti layaqoolanna allatheena kafaroo in hatha illa sihrun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» أولها الأحد وآخرها الجمعة «وكان عرشه» قبل خلقهما «على الماء» وهو على متن الريح «ليبلوكم» متعلق بخلق أي خلقهما وما فيهما من منافع لكم ومصالح ليختبركم «أيكم أحسن عملا» أي أطوع لله «ولئن قلت» يا محمد لهم «إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن» ما «هذا» القرآن الناطق بالبعث أو الذي تقوله «إلا سحر مبين» بيَّن وفي قراءة ساحر: والمشار إليه النبي.

7

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالماً بالمعلومات، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادراً على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته. واعلم أن قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء. بقي ههنا أن نذكر {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء، قال أبو بكر الأصم: معنى قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } كقولهم: السماء على الأرض. وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض، وقالت المعتزلة: في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال لكونه متعالياً عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حياً، لأن غير الحي لا ينتفع. وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } أي بناؤه السموات كان على الماء، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء؟ وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض؟ والجواب: فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه: الأول: أن العرش كونه مع أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك، والثاني: أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية، وذلك يدل على ما ذكرناه. والثالث: أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، وذلك يدل أيضاً على ما ذكرنا. السؤال الثاني: هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض؟ فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء. والجواب: أن هذه الرواية ضعيفة، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم كان الله وما كان معه شيء، ثم كان عرشه على الماء. السؤال الثالث: اللام في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه؟ والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب. والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا: لام التعليل وردت على ظاهر الأمر، ومعناه أنه تعالى فعل فعلاً لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض. السؤال الرابع: الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه؟ والجواب: أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة: { أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 21]. واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة، فعند هذا خاطب محمداً عليه الصلاة والسلام وقال: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث. فإن قيل: الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلاً مخصوصاً، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: قال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازاً لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم. الثاني: أن معنى قوله: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } هو أن السحر أمر باطل، قال تعالى حاكياً عن موسى عليه السلام { أية : مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } تفسير : [يونس: 81] فقوله: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي باطل مبين. الثالث: أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحراً لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع. الرابع: قرأ حمزة والكسائي {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سَـٰحِرٌ } يريدون النبي صلى الله عليه وسلم والساحر كاذب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تقدّم في «الأعراف» بيانه والحمد لله. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} بيّن أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء. قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى؛ فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكناً، ثم خلق الريح فجعل الماء على مَتْنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} فقال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على مَتْن الرَّيح. وروى البخاريّ "حديث : عن عِمْران بن حُصَين. قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «ٱقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: بَشَّرْتَنَا فأعطِنا (مرتين) فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «ٱقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قَبِلنا، جئنا لنتفقه في الدِّين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان اللَّهُ ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السمواتِ والأرضَ وكتب في الذِّكْر كلّ شيء» ثم أتاني رجل فقال: يا عِمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطَعُ دونها السَّرابُ؛ وايمُ اللّهِ لودِدْت أنها قد ذهبتْ ولم أقم".تفسير : قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي خلق ذلك لِيبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث. وقال قَتَادة: معنى {أية : أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 11](أيكم) أتمّ عقلاً. وقال الحسن وسفيان الثّوريّ: أيكم أزهد في الدنيا. وذكر أن عيسى عليه السلام مرّ برجل نائم فقال: يا نائم قم فتعبَّدْ، فقال: يا رُوح الله قد تَعبَّدتُ، فقال «وبم تَعَبَّدتَ»؟ قال: قد تركت الدنيا لأهلها؛ قال: نَمْ فقد فقتَ العابدين. الضّحاك: أيكم أكثر شكراً. مقاتل: أيكم أتقى لله. ٱبن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل. ورُوي عن ٱبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: «حديث : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» تفسير : فجمع الأقاويل كلها، وسيأتي في «الكهف» هذا أيضاً إن شاء الله تعالى. وقد تقدّم معنى الابتلاء. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ} أي دللت يا محمد على البعث. {مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} وذكرت ذلك للمشركين لقالوا: هذا سحر. وكسِرت «إنّ» لأنها بعد القول مبتدأة. وحكى سيبويه الفتح. {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فتحت اللام لأنه فعل متقدم لا ضمير فيه، وبعده {لَيَقُولُنَّ} لأن فيه ضميراً. و {سِحْرٌ} أي غرور باطل، لبطلان السحر عندهم. وقرأ حمزة والكسائي «إِنْ هَذَا إِلاَّ سَاحرٌ مُبِينٌ» كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

البيضاوي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي خلقهما وما فيهما كما مر بيانه في «الأعراف»، أو ما في جهتي العلو والسفل وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء} قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لأنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل كان الماء على متن الريح، والله أعلم بذلك. {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} متعلق بـ {خُلِقَ} أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون، فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها، وإنما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنه طريق إليه كالنظر والاستماع، وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختبار شامل لفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائماً في مراتب العلم والعمل فإن المراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله»تفسير : والمعنى أيكم أكمل علماً وعملاً. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» على أن الإشارة إلى القائل. وقرىء {إِنَّكُمْ} بالفتح على تضمن قلت معنى ذكرت أو أن يكون أن بمعنى على أي ولئن قلت علَّكم مبعوثون، بمعنى توقعوا بعثكم ولا تبتوا بإنكاره لعدوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره. {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} الموعود. {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } إلى جماعة من الأوقات قليلة. {لَّيَقُولَنَّ} استهزاء. {مَا يَحْبِسُهُ} ما يمنعه من الوقوع. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} كيوم بدر. {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} ليس العذاب مدفوعاً عنهم، و {يَوْمٍ} منصوب بخبر {لَّيْسَ} مقدم عليه وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها. {وَحَاقَ بِهِم} وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد. {مَّا كَانُوا بِهِ } أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون، فوضع {يستهزؤون} موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقبلوا البشرى يا بني تميم» تفسير : قالوا: قد بشرتنا، فأعطنا، قال: «حديث : اقبلوا البشرى يا أهل اليمن» تفسير : قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: «حديث : كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء» تفسير : قال: فأتاني آت فقال: يا عمران انحلت ناقتك من عقالها، قال: فخرجت في إثرها، فلا أدري ما كان بعدي، وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة، فمنها: قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: «حديث : كان الله ولم يكن شيء قبله - وفي رواية: غيره، وفي رواية، معه - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض»تفسير : وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» تفسير : وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك»تفسير : وقال: «حديث : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار» تفسير : وقال: «حديث : أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين، واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي، قال: قلت: يارسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «حديث : كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك» تفسير : وقد رواه الترمذي في التفسير وابن ماجه في السنن من حديث يزيد بن هارون به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال مجاهد: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} قبل أن يخلق شيئاً، وكذا قال وهب بن منبه وضمرة وقتادة وابن جرير وغير واحد، وقال قتادة في قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض، وقال الربيع بن أنس {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} فلما خلق السموات والأرض، قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفاً تحت العرش، وهو البحر المسجور. وقال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه، وقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعداً الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء، وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} فكان كما وصف نفسه تعالى، إذ ليس إلا الماء، وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة، الفعال لما يريد، وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قول الله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح، وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولم يخلق ذلك عبثاً؛ كقوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ }تفسير : [ص: 27] وقال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [المؤمنون: 115-116] وقال تعالى: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] الآية وقوله: {لِّيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ولم يقل: أكثر عملاً، بل: أحسن عملاً، ولا يكون العمل حسناً حتى يكون خالصاً لله عز وجل على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمتى فقد العمل واحداً من هذين الشرطين، حبط وبطل. وقوله: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} الآية، يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 78] {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [العنكبوت: 61] وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] وقال تعالى: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ } تفسير : [لقمان: 28] وقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: يقولون كفراً وعناداً: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا من سحرته، فهو يتبعك على ما تقول، وقوله: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} الآية. يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود، وأمد محصور، وأوعدناهم إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيباً واستعجالاً: ما يحبسه؟ أي: يؤخر هذا العذاب عنا؛ فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه، ولا محيد. والأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة، فيراد بها: الأمد؛ كقوله في هذه الآية: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}، وقوله في يوسف: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} تفسير : [يوسف: 45] وتستعمل في الإمام المقتدى به؛ كقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 120] وتستعمل في الملة والدين؛ كقوله إخباراً عن المشركين أنهم قالوا: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23] وتستعمل في الجماعة؛ كقوله: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ} تفسير : [القصص: 23] وقوله: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ} تفسير : [النحل: 36] وقال تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تفسير : [يونس: 47] والمراد من الأمة ههنا الذين يبعث فيهم الرسول؛ مؤمنهم وكافرهم؛ كما في صحيح مسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار» تفسير : وأما أمة الأتباع، فهم المصدقون للرسل كما قال تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] وفي الصحيح: «حديث : فأقول: أمتي أمتي» تفسير : وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة؛ كقوله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159] وكقوله: {أية : مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} تفسير : [آل عمران: 113] الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها الأحد وآخرها الجمعة {وَكَانَ عَرْشُهُ } قبل خلقهما {عَلَى ٱلْمَآءِ } وهو على متن الريح {لِيَبْلُوَكُمْ } متعلق ب «خلق» أي خلقهما وما فيهما منافع لكم ومصالح ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أي أطوع لله {وَلَئِن قُلْتَ } يا محمد لهم {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ } ما {هَـٰذَآ } القرآن الناطق بالبعث والذي تقوله {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } بيِّن، وفي قراءة «ساحر» والمشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أيكم أتم عقلاً، قاله قتادة. الثاني: أيكم أزهد في الدنيا، وهو قول سفيان. الثالث: أيكم أكثر شكراً، قاله الضحاك. الرابع: ما روى كليب بن وائل عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَيُكُم أَحْسَنُ عَمَلاً" أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلاً وَأَوْرَعُ عَن مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَسَرَعُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. تفسير : قوله عز وجل: {ولئن أخْرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} فيه وجهان: أحدهما: يعني إلى فناء أمة معلومة، ذكره علي بن عيسى. الثاني: إلى أجل معدود، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين. وتكون الأمة عبارة عن المدة، واصلها الجماعة فعبر بها عن المدة لحلولها في مدة. {ليقولن ما يحبسه} يعني العذاب. وفي قولهم ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك تكذيباً للعذاب لتأخره عنهم. الثاني: أنهم قالوا ذلك استعجالاً للعذاب واستهزاء، بمعنى ما الذي حبسه عنا؟

ابن عطية

تفسير : قال أكثر أهل التفسير: " الأيام" هي من أيام الدنيا، وقالت فرقة: هي من أيام الآخرة يوم من ألف سنة. قاله كعب الأحبار، والأول أرجح. وأجزاء ذكر السماوات عن كل ما فيها إذ كل ذلك خلق في الستة الأيام، واختلفت الأحاديث في يوم بداية الخلق، فروى أبو هريرة - فيما أسند الطبري - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: حديث : خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة تفسير : ، ونحو هذا من أن البداءة يوم السبت في كتاب مسلم، وفي الدلائل لثابت: وكان خلق آدم في يوم الجمعة، لا يعتد به إذ هو بشر كسائر بنيه، ولو اعتد به لكانت الأيام سبعة خلاف ما في كتاب الله، وروي عن كعب الأحبار أنه قال: بدأ الله خلق السماوات والأرض يوم الأحد، وفرغ يوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة منه. ونحو هذا في جل الدواوين أن البدأة يوم الأحد، وقال قوم: خلق الله تعالى هذه المخلوقات في ستة أيام مع قدرته على خلقها في لحظة. نهجاً إلى طريق التؤدة والمهلة في الأعمال ليحكم البشر أعمالهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان العرش على الماء، وكان الماء على الريح. وقوله تعالى: {ليبلوكم } متعلق بـ {خلق } والمعنى أن خلقه إياها كان لهذا وقال بعض الناس: هو متعلق بفعل مضمر تقديره أعلم بذلك ليبلوكم، ومقصد هذا القائل: أن هذه المخلوقات لم تكن لسبب البشر. وقرأ عيسى الثقفي: " ولئن قلتُ " بضم التاء، وقرأ الجمهور " قلتَ " بفتح التاء. ومعنى الآية: أن الله عز وجل هذه صفاته وهؤلاء بكفرهم في حيز إن قلت لهم: إنهم مبعوثون كذبوا وقالوا: هذا سحر. أي فهذا تناقض منكم إذ كل مفطور يقر بأن الله خالق السماوات والأرض، فهم من جملة المقرين بهذا، ومع ذلك ينكرون ما هو أيسر منه بكثير وهو البعث من القبور إذ البداءة أعسر من الإعادة، وإذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. واللام في {لئن } مؤذنة بأن اللام في {ليقولن } لام قسم لا جواب شرط. وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة وفرقة من السبعة " سحر " وقرأت فرقة " ساحر " وقد تقدم. وقوله تعالى: {ولئن أخرنا عنهم العذاب} الآية، المعنى: ولئن تأخر العذاب الذي توعدتم به عن الله قالوا ما هذا الحابس لهذا العذاب؟ على جهة التكذيب. و" الأمة " في هذه الآية: المدة كما قال {أية : وادكر بعد أمة} تفسير : [يوسف: 45]. قال الطبري سميت بذلك المدة لأنها تمضي فيها أمة من الناس وتحدث فيها أخرى، فهي على هذه المدة الطويلة. ثم استفتح بالإخبار عن أن هذا العذاب يوم يأتي لا يرده ولا يصرفه. و {حاق} معناه: حل وأحاط وهي مستعملة في المكروه و {يوم } منتصب بقوله: {مصروفاً }.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحْسَنُ عَمَلاً} أتم عقلاً، أو أزهد في الدنيا، أو أكثر شكراً، أو أحسن عقلاً وأروع عن محارم الله، وأسرع في طاعته، قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.

ابن عادل

تفسير : لمَّا أثبت بالدَّليلِ المتقدم كونه عالماً بالمعلومات، أثبت بهذا الدليل كونه قادراً على المقدورات وقد مضى تفسير {خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أول يونس. قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} قال كعب الأحبار - رضي الله عنه -: خلق الله - عزَّ وجلَّ - ياقوتةً خضراء، ثمَّ نظر إليها بالهيبة فصارت ماءً يرتعدُ، ثمَّ خلق الرِّيح؛ فجعل الماء على متنها، ثمَّ وضع العرش على الماء. وقال غيره: إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - كان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وخلق القلم؛ فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه. قالت المعتزلةُ: في الآية دلالة على وجودِ الملائكة قبل خلق السموات والأرض، لأن خلقهما: إمَّا أن يكون لمنفعة، أو لا لمنفعة والثاني عبث، فينبغي أنَّهُ خلقهما لمنفعة، وتلك المنفعة إمَّا أن تكون عائدة على الله تعالى وهو محالٌ، لكونه متعالياً عن النفع والضر؛ فلزم أن يكون نفعهما مختصٌّ بالغير، فوجب كون الغير حيّاً؛ لأنَّ غير الحيِّ لا ينتفع، وكلُّ من قال بذلك قال كان ذلك الحي من الملائكة. فإن قيل: ما الفائدةُ في ذكر أنَّ عرشهُ كان على الماءِ قبل خلق السموات والأرض؟. فالجوابُ أنَّ فيه دلالةً على كمالِ القدرة من وجوه: أحدها: أنَّ العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماءِ؛ فلولا أنه تعالى قادرٌ على إمساكِ الثَّقيل بغير عمدٍ لما صحَّ ذلك. وثانيها: أنَّه تعالى أمسك الماءَ لا على قرار، وإلاَّ لزم أن يكون أجسام العالمِ غير متناهية فدل على كمال القدرة. وثالثها: أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فدل على كمال القدرة. قوله: "لِيَبْلُوَكمْ" في هذه اللاَّم وجهان: أحدهما: أنَّها متعلقةٌ بمحذوفٍ فقيل: تقديره: أعلم ذلك ليبْلُوكمْ، وقيل: ثمَّ جملٌ محذوفةٌ والتقدير: وكان خلقةُ لهما لمنافع يعودُ عليكم نفعها في الدُّنيا دون الآخرة، وفعل ذلك ليبلوكم. وقيل: تقديره: وخلقكم ليبلوكم. والثاني: أنها متعلقةٌ بـ "خلقكم". قال الزمخشريُّ: أي: خلقهُنَّ لحكمةٍ بالغةٍ وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بصنوف النِّعمِ ويُكلِّفهم فعل الطَّاعاتِ واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبة، ولمَّا أشبه ذلك اختبارَ المختبر قال "ليبلُوَكمْ"، يريد: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي. واعلم أنه لمَّا بين أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلَّفين وامتحانهم وجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأنَّ الابتلاء والامتحان يوجب الرَّحمة والثَّواب للمحسن والعقاب للمسيء، وذلك لا يتمُّ إلاَّ بالاعتراف بالمعادِ والقيامة، فعند هذا خطاب محمداً صلى الله عليه وسلم وشرف، وكرم ومجد وبجل، وعظم، وقال: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: إنكم تنكرونَ هذا الكلام، وتحكمون بفساد القول بالبعث. قوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} مبتدأ وخبر في محلِّ نصبٍ بإسقاطِ الخافضِ؛ لأنَّهُ متعلقٌ بقوله "لِيَبْلُوكُمْ". قال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف جاز تعليقُ فعل البلوى؟ قلتُ: لما في الاختبار من معنى العلم؛ لأنَّه طريقٌ إليه فهو ملابسٌ له كما تقولُ: انظر أيُّهم أحسنُ وجهاً، واسمع أيُّهم أحسنُ صوتاً؛ لأنَّ النَّظر والاستماع من طرق العلم؛ لأنَّه طريقٌ إليه، فهو ملابسٌ له، وقد أخذه أبو حيَّان في تمثيله بقوله: "واسْتمِعْ" فقال: "لَمْ أعلمْ أحداً ذكر أنَّ "استمع" يعلق، وإنما ذكروا من غير أفعال القُلُوب "سَلْ"، و "انْظُر" وفي جواز تعليق "رَأى" البصرية خلاف". قوله: "ولَئِن قُلْتَ" هذه لامُ التَّوطئة للقسم، و "ليَقُولنَّ" جوابه، وحذف جوابُ الشَّرط لدلالة جواب القسم عليه، و "إنَّكُم" محكيٌّ بالقول، ولذلك كُسِرَت في قراءةِ الجمهور. وقرىء بفتحها، وفيها تأويلان ذكرهما الزمخشري: أحدهما: أنها بمعنى "لَعَلَّ" قال: من قولهم: ائت السوق أنك تشتري لحْماً، أي: لعلَّك، أي: ولئنْ قلت لهم: لعلكم مبعوثون بمعنى توقَّعُوا بعثَكُم وظنُّوه، ولا تَبُثُّوا القول بإنكاره، لقالوا. والثاني: أن تُضَمِّنَ قلت معنى: "ذكَرْتَ" يعني فتفتح الهمزة، لأنَّها مفعولُ "ذَكَرْتَ" قوله: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ} قد تقدَّم أنَّه قُرىء "سِحْر" و "سَاحر"، فمن قرأ "سِحْرٌ" فـ "هذا" إشارةٌ إلى البَعْثِ المدلولِ عليه بما تقدَّم، أو إشارةٌ إلى القرآن، لأنَّهُ ناطقٌ بالبعثِ ومن قرأ "سَاحِر" فالإشارةُ بـ "هذا" إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يُرادَ بـ "هذا" في القراءة الأولى النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ويكون جعلوه سِحْراً مبالغةً، أو على حذف مضاف، أي: إلاَّ ذُو سحرٍ، ويجوز أن يراد بـ "سَاحِر" نفسُ القرآن مجازاً كقولهم: "شِعرٌ شاعرٌ" و "جَدَّ جَدُّهُ". فإن قيل: كيف يمكن وصفُ هذا القول بأنه سِحْرٌ؟ فالجواب: من وجوه. أحدها: قال القفال: معناه أنَّ هذا القول خديعة منكم، وضَعْتُمُوهُ لمنع الناس من لذَّاتِ الدنيا وإحرازاً لهم إلى الانقيادِ لكُم والدُّخُول تحت طاعتكم. وثانيها: أن قولهم {نْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} معناه: أنَّ السِّحر أمرٌ باطلٌ، قال تعالى حاكياً عن موسى - عليه الصلاة والسلام - {أية : مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ}تفسير : [يونس:81]. وثالثها: أنَّ القرآن هو الحاكمُ بحصول البعثِ، وطعنُوا في القرآن بكونه سِحْراً، والطعن في الأصل عين الطعن في الفرع. ورابعها: قراءة حمزة والكسائي "إن هذا إلاَّ ساحرٌ" والسَّاحرُ كاذبٌ.

البقاعي

تفسير : ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم والقدرة معاً، تلاه بقوله: {وهو} أي وحده {الذي خلق} أي أوجد وقدر {السماوات والأرض} وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون {في ستة أيام} ولما كان خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة. وأعظم من ذلك أن يكون محمولاً على الماء الذي لا يمكن حمله في العادة إلا في وعاء ضابط محكم، تلاه بقوله: {وكان} أي قبل خلقه لذلك {عرشه} مستعلياً {على الماء} ولا يلزم من ذلك الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة. وقد علم من هذا السياق أنه كان قبل الأرض خلق فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب آخر قريب أو بعيد، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى، وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش لأن هذه السورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقاً بـ "خلق": {ليبلوكم} أي أنه خلق ذلك كله لكم سكناً كاملاً بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله: {أيكم} أي أيها العباد {أحسن عملاً} على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليكتفسير : ، وقال: حديث : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء،. وبيده الميزان يخفض ويرفعتفسير : . وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائماً في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان. ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به معترفون - القدرة على إعادته، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقال: {ولئن قلت} أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم {إنكم مبعوثون} أي موجودون، بعثكم ثابت قطعاً لا بد منه. ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال: {من بعد الموت} الذي هو في غاية الابتداء {ليقولن} أكده دلالة على العلم بالعواقب علماً من أعلام النبوة {الذين كفروا إن} أي ما {هذا} أي القول بالبعث {إلا سحر مبين*} أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر. ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم بالأخذ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلاً منه وكرماً، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال: {ولئن أخرنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء {عنهم} أي الكفار {العذاب} أي المتوعد به {إلى أمة} أي مدة من الزمان ليس فيها كدر {معدودة} أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس {ليقولن} على سبيل التكرار {ما يحبسه} أي العذاب عن الوقوع استعجلاً له تكذيباً واستهزاء، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك. ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع، أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاماً بأنهم عكسوا في السؤال، وتحقيقاً لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة، فقال مؤكداً لشديد إنكارهم: {ألا يوم} وهو منصوب بخبر "ليس" الدال على جواز تقدم الخبر {يأتيهم ليس} أي العذاب {مصروفاً عنهم} أي بوجه من الوجوه؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد فقال: {وحاق بهم} أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة {ما كانوا} أي بجبلاتهم وسيىء طبائعهم، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال: {به} ولما كان استعجالهم استهزاء، وضع موضع يستعجلون قوله: {يستهزءون} أي يوجدون الهزء به إيجاداً عظيماً حتى كأنهم يطلبون ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال‏:‏ قال أهل اليمن‏:‏ يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان‏؟‏ قال‏:‏ ‏"حديث : ‏كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض‏"‏ تفسير : فنادى مناد‏:‏ ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها‏. وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن أبي رزين رضي الله عنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه‏؟‏ قال‏: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء‏" تفسير : ‏قال الترمذي رضي الله عنه‏:‏ العماء‏:‏ أي ليس معه شيء‏. وأخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : دخل قوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر‏.‏ فقال‏:‏ "‏كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق سبع سموات" ثم أتاني آت فقال‏:‏ هذه ناقتك قد ذهبت‏.‏ فخرجت والسراب ينقطع دونها، فلوددت أني كنت تركتها‏ . تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أنه سئل عن قوله تعالى ‏ {‏وكان عرشه على الماء‏} ‏ على أي شيء كان‏؟‏ قال‏:‏ على متن الريح‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وكان عرشه على الماء‏} ‏ قال‏:‏ قبل أن يخلق شيئاً‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ كان عرشه على الماء، فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل صفاء تحت العرش وهو البحر المسجور، فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى‏. وأخرج داود بن المحبر في كتاب العقل وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في كتاب التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{‏ليبلوكم أيكم أحسن عملا‏ً} ‏ فقلت‏:‏ ما معنى ذلك يا رسول الله‏؟‏ قال‏: ‏ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً، ثم قال‏:‏ وأحسنكم عقلاً، أورعكم عن محارم الله، وأعلمكم بطاعة الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ليبلوكم‏} ‏ قال‏:‏ يعني الثقلين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ليبلوكم‏} ‏ قال‏:‏ ليختبركم ‏ {‏أيكم أحسن عملا‏ً} ‏ قال‏:‏ أيكم أتم عقلا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه ‏ {‏ليبلوكم أيكم أحسن عملاً‏} ‏ قال‏:‏ أزهد في الدنيا‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا‏}‏ الآية. وأخرج أبو الشيخ عن زائدة رضي الله عنه قال‏:‏ قرأ سليمان بن موسى في هود عند سبع آيات ‏{‏ساحر مبين‏}‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} السمواتِ في يومين والأرضَ في يومين وما عليها من أنواع الحيواناتِ والنباتِ وغيرِ ذلك في يومين حسبما فُصِّل في سورة حم السجدةُ ولم يُذكر خلقُ ما في الأرض لكونه من تتمات خلقِها وهو السرُّ في جعل زمان خلقِه تتمةً لزمان خلقِها في قوله تعالى: {أية : فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } تفسير : [فصلت: 10] أي في تتمة أربعةِ أيام. والمرادُ بالأيام الأوقاتُ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ }تفسير : [الأنفال: 16] أي في ستة أوقاتٍ أو مقدارِ ستةِ أيامٍ فإن اليومَ في المتعارَف زمانُ كونِ الشمسِ فوق الأرضِ، ولا يُتصوَّر ذلك حين لا أرضَ ولا سماءَ، وفي خلقها مدرجاً مع القدرة التامةِ على خلقها دفعةً دليلٌ على أنه قادرٌ مختارٌ واعتبارٌ للنُظّار وحثٌّ على التأنّي في الأمور. وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعيَّنِ فأمرٌ استأثر بعلم ما يقتضيه علامُ الغيوب جلت حِكمتُه، وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإشارة إلى كونها أجراماً مختلفةَ الطبائعِ ومتفاوتةَ الآثارِ والأحكام {وَكَانَ عَرْشُهُ} قبل خلقِهما {عَلَى ٱلْمَاء} ليس تحته شيءٌ غيرُه سواءٌ كان بـينهما فُرجةٌ أو كان موضوعاً على متنه كما ورد في الأثر، فلا دلالةَ فيه على إمكان الخلاء، كيف لا ولو دلّ لدلّ على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماءِ أولَ ما حدث في العالم بعد العرش، وإنما يدلّ على أن خلقَهما أقدمُ من خلق السموات والأرضِ من غير تعرضٍ للنسبة بـينهما {لِيَبْلُوَكُمْ} متعلقٌ بخلق أي خلق السمواتِ والأرضَ وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودِكم وأسبابِ معايشِكم وأودع في تضاعيفهما من تعاجيب الصنائعِ والعبرِ ما تستدلون به على مطالبكم الدينيةِ ليعاملَكم معاملةَ من يبتليكم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فيحازيَكم بالثواب والعقاب غِبّ ما تبـين المحسنُ من المسيء وامتازت درجاتُ أفرادِ كلَ من الفريقين حسب امتيازِ طبقاتِ علومِهم واعتقاداتِهم المترتبة على أنظارهم فيما نُصب من الحُجج والدلائل والأماراتِ والمخايلِ ومراتب أعمالِهم المتفرِّعة على ذلك فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارح، ولذلك فسره عليه السلام بقوله: «حديث : أيكم أحسنُ عقلاً وأورعُ عن محارم الله وأسرعُ في طاعة الله؟»تفسير : فإن لكل من القلب والقالَبِ عملاً مخصوصاً به فكما أن الأولَ أشرفُ من الثاني فكذا الحالُ في عمله كيف لا ولا عملَ بدون معرفةِ الله عز وجل الواجبةِ على العباد آثرَ ذي أثيرٍ وإنما طريقُها النظريُّ التفكرُ في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاقِ والتدبّرِ في آياتة البـيناتِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاق، ولا طاعة بدون فهم ما في مطاوي الكتابِ الحكيم من الأوامر والنواهي وغيرِ ذلك مما له مدخلٌ في الباب. وقد روي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تفضلوني على يونس بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض» تفسير : قالوا: وإنما كان ذلك التفكرَ في أمر الله عز وجل الذي هو عملُ القلبِ لأن أحداً لا يقدر على أن يعملَ في اليوم بجوارحه مثلَ عملِ أهلِ الأرض، وتعليقُ فعلِ البلوى أي تعقيبُه بحرف الاستفهام لا التعليقُ المشهورُ الذي يقتضي عدمَ إيرادِ المفعولِ أصلاً مع اختصاصه بأفعال القلوبِ لما فيه من معنى العلمِ باعتبار عاقبتِه كالنظرِ ونظائرِه، ولذلك أُجريَ مُجراه بطريق التمثيلِ أو الاستعارةِ التبعية، وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ مع أن الابتلاء شاملٌ للفريقين باعتبار أعمالهِم المنقسمةِ إلى الحسن والقبـيحِ أيضاً لا إلى الحسن والأحسنِ فقط للإيذان بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ مما ذكر من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمطِ الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوهِ اللائقةِ وأكملِ الأساليب الرائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يَحيدُ أحدٌ عن سَننه المستبـينِ بل يهتدي كلُّ فردٍ إلى ما يُرشد إليه من مطلق الإيمانِ والطاعةِ، وإنما التفاوتُ بـينهم في مراتبهما بحسب القوةِ والضَّعفِ والكثرةِ والقلة، وأما الإعراضُ عن ذلك والوقوعُ في مهاوي الضلالِ فبمعزلٍ من الاندراج تحت الوقوعِ فضلاً عن أن ينتظِم ظهورُه في سلك العلةِ الغائيةِ لذلك الصنعِ البديعِ، وإنما هو عملٌ يصدُر عن عامله بسوء اختيارِه من غير مصحِّحٍ له ولا تقريب، ولا يخفى ما فيه من الترغيب في الترقي إلى معارج العلومِ ومدارجِ الطاعات والزجرِ عن مباشرة نقائضِها والله تعالى أعلم. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} على ما يوجبه قضيةُ الابتلاءِ ليترتبَ عليه الجزاءُ المتفرِّعُ على ظهور مراتبِ الأعمال {لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} إن وُجِّه الخطاب في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ} إلى جميع المكلّفين بالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولَن الكافرون منهم، وإن وجِّه إلى الكافرين منهم فهو واردٌ على طريقة الذم. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي مثلُه في الخديعة أو البطلان، وهذا إشارةٌ إلى القول المذكورِ أو إلى القرآن فإن الإخبارَ عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب كونُه بطريق الوحي المتلوِّ إلا أنهم عند سماعِهم ذلك تخلّصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضعٍ، وكونِه علَماً عندهم في ذلك فعمَدوا إلى تكذيبه وتسميتِه سحراً تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سَنن الرشاد، وقيل: هو إشارةٌ إلى نفس البعثِ ولا يلائمه التسميةُ بالسحر، فإنه إنما يُطلقُ على شيء موجودٍ ظاهراً لا أصلَ له في الحقيقة، ونفسُ البعثِ عندهم معدومٌ بحتٌ، وتعلّقُ الآيةِ الكريمةِ بما قبلها إما من حيث إن البعثَ كما أشير إليه من تتمات الابتلاءِ المذكورِ فكأنه قيل: الأمرُ كما ذكر ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذّةٍ من مقدماته وقضيةٍ فردةٍ من تتماته لا يتلعثمون في الرد ويعدّون ذلك من قبـيل ما لا صِحةَ له أصلاً فضلاً عن تصديق ما هذه من تتماته، وإما من حيث إن البعثَ خلقٌ جديد فكأنه قيل: وهو الذي خلق جميعَ المخلوقاتِ ابتداءً لهذه الحكمة البالغةِ ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه يعيدهم تارةً أخرى وهو أهونُ عليه يقولون ما يقولون فسبحان الله عما يصفون، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ إلا ساحرٌ على أن الإشارةَ إلى القائل أو إلى القرآن على أسلوب شعرٌ شاعرٌ وقرىء بالفتح على تضمين قلتَ معنى ذكرتَ أو على أن أنك بمعنى عنك في علّك، أي ولئن قلتَ: لعلكم مبعوثون على أن الرجاءَ والتوقعَ باعتبار حالِ المخاطبـين أي توقّعوا ذلك ولا تبُتّوا القولَ بإنكاره أو على أنه مجاراةٌ معهم في الكلام على نهج المساعدةِ لئلا يسارعوا إلى اللَّجاج والعِنادِ ريثما قَرعَ أسماعَهم بتُّ القولِ بخلاف ما ألِفوا وألفَوْا عليه آباءَهم من إنكار البعثِ ويكون ذلك أدعىٰ لهم إلى التأمل والتدبّر وما فعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى &#1649 ;لْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. وأَحْسَنُ الأعمالِ موافقةُ الأمرِ، ولم يَقُلْ أكثر عملاً. ويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبُه أشدَّ إخلاصاً فيه. ويقال أحسنهم عملاً أبعدُهم عن ملاحظة أعماله. ويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار. ويقال أحسن الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه عِوَضَاً. ويقال أحسن الأعمال ما غابَ عنه صاحبه لاستغراقه في شهود المعبود. قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ} الابتلاءُ مِنْ قِبَلِه تعريفُ الملائكة حالَ من يبتليه في الشكر عند اليُسْر والصبر عند العُسر. قوله جلّ ذكره: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. استبعدوا النَّشْرَ لِتَقاصُرِ علومهم عن التحقُّق بكمال قدرة الحق، ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاصٍ في الإيجاد ولا بمستحيلٍ في التقدير.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهو الذى خلق السموات} السبع. السماء الدنيا وهو فلك القمر من الموج المكفوف المجتمع وهو مقر ارواح المؤمنين. والسماء الثانية وهو فلك عطارد من درة بيضاء وهو مقر ارواح العباد. والسماء الثالثة وهو فلك الزهرة من الحديد وهو مقر ارواح الزهاد. والسماء الرابعة وهو فلك الشمس من الصفر وهو مقام ارواح اهل المعرفة. والسماء الخامسة وهو فلك المريخ من النحاس وهو مقام ارواح الانبياء. والسماء السادسة وهو فلك المشترى من الفضة وهو مقام ارواح الانبياء. والسابعة وهو فلك زحل من الذهب وهو مقام ارواح الرسل وفوق هذه السموات الفلك الثامن وهو فلك الثوابت ويقال له الكرسى وهو مقام ارواح اولى العزم من الرسل وفوقه عرش الرحمن وهو مقام روح خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين وجمع السموات لاختلاف العلويات اصلا كما ذكرنا وذاتا لانها سبع طبقات بين كل اثنين منها مسيرة خمسمائة على ما ورد فى الخبر وكذا ما بين السابعة والكرسى وبين الكرسى والعرش على ما نقل عن ابن مسعود رضى الله عنهما قدم السموات لانها منشاة احكامه تعالى ومصدر قضاياه ومتنزل اوامره ونواهيه وارزاقه ووعده ووعيده فان يؤمرون به وينهون عنه وما يرزقونه فى الدنيا وما يوعدونه فى العقبى كله مقدر مكتوب فى السماء ولانها وما فيها من الآثار العلويات اظهر دلالة على القدرة الباهرة وابين شهادة على الكبرياء والعظمة {والارض} اى الارضين السبع بدليل قوله السموات وافردت فان السفليات واحدة بالاصل والذات وقوله تعالى {أية : ومن الارض مثلهن} تفسير : اول بالاقاليم السبعة كما فى حواشى سعدى المفتى وبين المشرق والمغرب خمسمائة عام كما بين السماء والارض واكثر الارض مفازة وجبل وبحار والقليل منها العمران ثم اكثر العمران اهل الكفر والقليل منها اهل الايمان والاسلام واكثر اهل الاسلام اهل البدع والاهواء وكلها على الضلالة والباطل والقليل منهم على الحق وهم اهل السنة والجماعة وحول الدنيا ظلمة ثم وراء الظلمة جبل قاف وهو جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء واطراف السماء ملتصقة به ووسط الارض كلها عامرها وخرابها قبة الارض وهو مكان تعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى فيه الليل والنهار ابدا لا يزيد احدهما على الآخر ولا ينقص واما الكعبة فهى وسط الارض المسكونة وارفع الارضين كلها الى السماء مهبط آدم عليه السلام بارض الهند وهو جبل عال يراه البحريون من مسافة ايام وفيه اثر قدم آدم مغموسة فى الحجر ويرى علىهذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له فى كل يوم من مطر يغسل قدمى آدم وذروة هذا الجبل اقرب ذرى جبال الارض الى السماء كما فى انسان العيون {فى ستة ايام} السموات فى يومين والارض فى يومين وما عليها من انواع الحيوان والنباتات وغير ذلك فى يومين حسبما قيل فى سورة حم السجدة ولم يذكر خلق ما فى الارض لكونه من تتمات خلقها. والمراد فى ستة اوقات على ان يكون المراد باليوم يوم الشان وهو الآن وهو الزمان الفرد الغير المنقسم وقد مر تحقيقه او فى مقدار ستة ايام من الدنيا اولها يوم الاحد وآخرها يوم الجمعة فان الايام فى المتعارف زمان كون الشمس فوق الارض ولا يتصور ذلك حين لا ارض ولا سماء او من ايام الآخرة كل يوم كالف سنة مما تعدون على ما نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما وفى خلقها على التدريج مع انه لو شاء لكان ذلك فى اقل من لمح البصر حث على التأنى فى الامور ولعل تخصيص ذلك بالعدد المعين باعتبار صناف الخلق من الجماد والمعدن والنبات والحيوان والانسان والارواح {وكان عرشه} العرش فى اصل اللغة السرير والعرش المضاف اليه تعالى عبارة عن مخلوق عظيم موجود هو اعظم المخلوقات. قال مقاتل جعل الله تعالى للعرش اربعة اركان بين كل ركن وركن وجوه لا يعلم عددها الا الله تعالى اكثر من نجوم السماء وتراب الارض وورق الشجر ليس لطوله وعرضه منتهى لا يعلمه احد الا الله تعالى فان قيل لم خلق الله تعالى العرش وهو سبحانه لا حاجة له به اجيب بوجوده احدهما موضع خدمة ملائكته لقوله تعالى {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش}تفسير : . وثانيها انه اراد اظهار قدرته وعظمته كما قال مقاتل السموات والارض فى عظم الكرسى كحلقة فى فلاة والكرسى مع السموات والارض فى عظم العرش كحلقة فى فلاة وكلها فى جنب عظمة الله تعالى كذرة فى جنب الدنيا فخلقه كذلك ليعلم ان خالقه اعظم منه. وثالثها انه خلق العرش ارشادا لعباده الى طريق دعوته ليدعوه من الفوق لقوله تعالى {أية : يخافون ربهم من فوقهم} تفسير : ورابعها انه خلقه لاظهار شرف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قوله تعالى {أية : عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا} تفسير : وهو مقام تحت العرش. وخامسها انه جعله معدن كتاب الابرار لقوله تعالى {أية : ان كتاب الابرار لفى عليين} تفسير : وفيه تعظيم لهم ولكتابهم. وسادسها انه جعله مرآة الملائكة يرون الآدميين واحوالهم كى يشهدوا عليهم يوم القيامة لان عالم المثال والتمثال فى العرش كالاطلس فى الكرسى. وسابعها انه جعله مستوى الاسم الرحمن اى محل الفيض والتجلى والايجاد الاحدى كما جعل الشرع الذى هو مقلوبه مستوى الامر التكليفى الارشادى لا مستوى نفسه تعالى عن ذلك {على الماء} اى العذب كما فى انسان العيون قال كعب الاحبار اصله ياقوتة خضراء فنظر اليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى فلذلك يرتعد الماء الى الآن وان كان ساكنا ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها اى ظهرها ثم وضع العرش على الماء وليس ذلك على معنى كون احدهما على الآخر ملتصقا بالآخر بل ممسك بقدرته كما فى فتح القريب قال الاصم هذا كقولهم السماء على الارض وليس ذلك على سبيل كون احداهما ملتصقة بالاخرى فالمعنى وكان عرشه تعالى قبل خلق السموات والارض على الماء لم يكن حائل محسوس بينهما وانما قلنا محسوس فان بين السماء والارض حائلا هو الهواء لكن ما لم يكن محسوسا لم يعد حائلا وفيه دليل على ان العرش والماء خلقا قبل السموات والارض والجمهور على ان اول ما خلق الله من الاجسام هو العرش ومن الارواح الروح المحمدى الذى يقال له العقل الاول والفلك الاعلى ايضا. وفيه دليل ايضا على امكان الخلاء فان الخلاء هو الفراغ الكائن بين الجسمين اللذين لا يتماسان وليس بينهما ما يماسهما فاذا لم يكن بين العرش والماء حائل يثبت الخلاء والحكماء ذاهبون الى امتناع الخلاء والمتكلمون الى امكانه. قال فى كتب الهيئة مقعر سطح الفلك الاعظم يماس محدب فلك الثوابت ومحدبه لا يماس شيئا اذ ليس وراءه شيء لاخلاء ولا ملاء بل عنده ينقطع امتدادات العالم كلها. وقيل من ورائه افلاك من انوار غير متناهية ولا قائل بالخلاء فيما تحت الفلك الاعظم بل هو الملاء. وقال المولى ابو السعود رحمه الله وكان عرشه قبل خلقهما على الماء ليس تحته شيء غير سواه كان بينهما فرجة او كان موضوعا على متنه كما ورد فى الاثر فلا دلالة فيه على امكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على امكانه فقط ولا على كون الماء اول ما حدث فى العالم بعد العرش وانما يدل على ان خلقهما اقدم من خلق السموات والارض من غير تعرض للنسبة بينهما انتهى. قال الكاشفى [دروقوف عرش برآب واستقرار آب برباد اعتبار عظيم است مر اهل تفكررا از عباد] {ليبلوكم} متعلق بخلق واللام لام العلة عقلا ولام الحكمة والمصلحة شرعا بمعنى ان الله تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من يراعى المصالح لم يفعله الا لتلك المصلحة اى خلق السموات والارض وما فيهما من المخلوقات التى من جملتها انتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون اليه من مبادى وجودكم واسباب معايشكم واودع فى تضاعيفهما من اعاجيب الصنائع والعبر وما تستدلون به على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم {ايكم احسن عملا} فيجازيكم بالثواب والعقاب بعد ما تبين المحسن من المسيء. فان قلت الاختبار يعلق بجميع العباد. محسنين كانوا او مسيئين واحسن عملا يخصصه بالمحسنين منهم لان العمل الاحسن يخص بالمحسنين ولا يتحقق فى اهل القبائح فيلزم ان يعتبر عموم الابتلاء وخصوصه معا وهما متنافيان قلت الابتلاء وان كان يعم الفرق المكلفين الا ان المراد خصوصه بالمحسنين تنبيها على ان المقصود الاقصى من خلق المخلوقات ان يتوسلوا باحسن الاعمال الى اجل المثوبات وتحريضا لهم على ترك القبائح والمنكرات والمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك فسره عليه السلام بقوله "حديث : ايكم احسن عقلا واورع عن محارم الله واسرع فى طاعة الله" تفسير : فان لكل من القلب والقالب عملا مخصوصا به فكما ان الاول اشرف من الثانى فكذ الحال فى عمله فكيف لا ولا عمل بدون معرفة الله تعالى الواجبة على العباد وانما طريقها النظرى التفكر فى عجائب صنعه ولا طاعة بدون فهم الاوامر والنواهى. وقد روى عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : لا تفضلونى على يونس بن متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل اهل الارض" تفسير : قالوا وانما كان ذلك التفكر فى امر الله تعالى الذى هو عمل القلب لان احدا لا يقدر على ان يعمل فى اليوم بجوارحه مثل عمل اهل الارض واما ذات الله تعالى فلا يسعها التفكر: وفى المثنوى شعر : بى تعلق نيست مخلوقى بدو آن تعلق هست بيجون اى عمو اين تعلق را خرد جون ره برد بسته فصلست ووصلست اين خرد زين وصيت كرد مارا مصطفى بحث كم جوئيد در ذات خدا آنكه درذاتش تفكر كرد نيست در حقيقت آن نظر در ذات نيست هست آن بندار او وزيرا براه صد هزاران برده آمد تااله تفسير : وفى التأويلات النجمية الابتلاء على قسمين. قسم للسعداء وهو بلاء حسن وذلك ان السعيد لا يجعل المكونات مطلبه ومقصده الاصلى بل يجعل ذلك حضرة المولى والرفيق الاعلى ويجعل ما سوى المولى باذن مولاه وامره ونهيه وسيلة الى القربات وتحصيل الكمالات فهو احسن عملا. وقسم للاشقياء وهو بلاء سيء وذلك ان الشقى يجعل المكونات مطلبه ومقصده الاصلى ويتقيد بشهواتها ولذاتها ولم يتخلص من نار الحرص عليها والحسرة على فواتها ويجعل ما انعم الله عليه من الطاعات والعلوم التى هى ذريعة الى الدرجات والقربات وسيلة الى نيل مقاصده الفانية واستيفاء شهواته النفسانية فهو اسوء عملا انتهى. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى بعض تحريراته نية الانسان لا تخلو اما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيء نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه هو الآخرة وفى جنانه هو الدنيا فهو اسوأ نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا واما ان يكون متعلقها فى لسانه وجنانه هو وجه الله تعالى فهو احسن نية وعملا فالاول حال الكفار والثانى حال المنافقين والثالث حال الابرار والرابع حال المقربين وقد اشار الحق سبحانه الى احوال المقربين عبارة والى احوال غيرهم اشارة فى قوله تعالى {أية : انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملا} تفسير : انتهى باجمال: قال الحافظ شعر : صحبت خورنخواهم بودعين قصور باخيال تو اكر باد كرى بر دازم تفسير : اللهم اجعلنا من الفارين اليك والحاضرين لديك {ولئن قلت} يا محمد لقومك وهم اهل مكة واللام لام التوطئة للقسم {انكم} ايها المكلفون {مبعوثون من بعد الموت} يعنى يوم القيامة {ليقولن الذين كفروا} منهم وهو جواب القسم وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه {ان هذا} ما هذا القرآن الناطق بالبعث {الا سحر مبين} اى مثله فى البطلان فان السحر لا شك تمويه وتخييل باطل اذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته انكار ما فيه من البعث وغيره

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض} وما بينهما وما فيهما {في} مقدار {ستة أيام} من أيام الدنيا، أو خلق العالم العلوي والسفلي في مقدار ذلك. وجمع السماوات دون الأرض؛ لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات. {وكان عرشه على الماء} قيل: لم يكن بينهما حائل، وكان موضوعاً على متن الماء. واستدل به على إمكان الخلاء، وعلى أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الريح. والله أعلم بذلك. قاله البيضاوي. قلت: الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان. وهو عند المتكلمين من جملة الممكنات، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه: أن العرش والماء لما كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء، وكل ما سوى الله فهو ممكن. وعند الصوفية: هو أسرارالذات الأزلية الجبروتية، كما أن الأكوان هي أنوار الصفات الملكوتية، ولا شيء معه، {سبحانه وتعالى عما يشركون}. ونقل بعض أهل التاريخ: أن الله تعالى خلق بعد العرش ياقوته صفراء، ذكروا من عظمتها وسعتها، ثم نظر إليها، فذابت من هيبته، فصارت ماء، فكان العرش مرتفعاً فوقها، ثم اضطرب ذلك الماء، فعلته زبدة، خلق منها الأرض، ثم ارتفع من الماء دخان خلق منه السماوات. هـ. خلق ذلك {لِيبلُوكم أيُّكم أحسن عملاً} أي: ليختبركمْ اختباراً تقوم به الحجة عليكم، {أيكم احسن عملاً} بالزهد في هذا العالم الفاني، وتعلق الهمه بالعالم الباقي قال البيضاوي: أي: يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم، كيف تعملون؟ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها. ثم قال: فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله".تفسير : والمعنى: أكمل علماً وعملاً. هـ. قال المحشي: ويتجه كون المعنى: أيكم أكثر شكراً لله على تمهيد تلك المنافع والمصالح. والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية. ويحتمل أنه كآية: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]. وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف، فإذا لم يبق في الأرض من يعبد الله انقضت الدنيا، وجاءت الساعة، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح والمتبادر ما قدمناه، وحاصله: أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته تعالى، ويعترف بشكره، وإفراد عبادته. وقد جاء: "خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي". قلت: فيكون المعنى: هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه، ليختبركم أيكم أحسن عملاً بالاشتغال بالله، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون، والاشتغال بحسه، مع كونه خُلق من أجله. ثم قال: وقوله تعالى: {لئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت...} الآية، هو: تنبيه على أن الإنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم، الذي هو أعظم من البعث، تناقض منهم؛ لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض. هـ. أي: ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر. أي: ما البعث أو القول به، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة ساحر أي: القائل بهذا. والله تعالى أعلم. الإشارة: في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَانَ اللَّهُ ولا شَيء مَعه، وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ"تفسير : الحديث. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق جل جلاله كان في أزله لا شيء معه، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره، فهو الآن على ما كان عليه. وعن أبي رَزِينٍ: قلنا: يا رَسُولَ الله! أَيْنَ كَانَ ربُّنَا قَبْل أنْ يَخْلُقَ خَلقَهُ؟ قال:حديث : كَان في عَمَاءٍ ما فَوْقَه هَوَاءٌ، ومَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وخَلَق عَرشَه عَلَى المَاءِ". تفسير : والعماء هو: الخفاء، قال تعالى: {أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ } تفسير : [القصص: 66]،أي: خفيت. ويقال للسحاب عماء؛ لأنه يخفى ما فيه. وقال الششتري: في المقاليد: كان في عمّى، ما فوقه هَوَاء، وما تحته هواء. هي الوحدة المُصْمتة الصّمدية، البحر الطامس الذي هو الأزل والأبد، فلم يكن موجود غير الوجود هو هو.هـ. والحاصل: أن الحق جل جلاله كا في سابق أزله ذاتاً مقدسة، لطيفة خفيفة عن العقول، نورانية متصفة بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال لها: كوني محمداً، فمن جهة حسها محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء. وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية ـ وهو تفسير للعماء المذكور قبلُ ـ فقال: شعر : صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطفٌ ولاَ هواً ونورٌ ولا نارٌ، وروحٌ ولا جِسمٌ تَقَدَّمَ كلَّ الكائنات حديثُها قديماً ولا شكلٌ هناك، ولا رَسْم وقامت بها الأشياءُ ثمَّ لحكمَةِ بها احتَجَبَت عن كلّ من لا له فَهْمُ تفسير : فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له، فهي حقيقة، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها. فهي كثلجة في بحرٍ، ماؤها الباطن متصل في البحر، وظاهرها محدود محصور. فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت. ولذلك قال صاحب العينية: شعر : هو العَرْشُ الكُرسِيُّ والمَنْظَرُ البهي هو السِّدرةُ التي إِليهَا المَرَاجعُ تفسير : وقال أيضاً: شعر : هُوَ المُوجِدُ الأَشْيَاءِ وهوَ وُجُودُهَا وعَيْنُ ذَوَاتِ الكُلّ وهْوَ الجَوَامعُ فَأوْصَافُهُ والاسْمُ والأثَرُ الذي هُو الكَونُ عَيْنُ الذَّات والله جَامِعُ تفسير : فالأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق تعالى كما كان لا شيء معه، فهو الآن كما كان. إذ التغير في حقه تعالى مُحال، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار، وحسب من لم يصحبهم التسليم. كما رمزوا وأشاروا إليه: شعر : وإن لَمْ تَرَ الهِلال فَسَلَّمْ لأُناسٍ رَأوْهُ بالأبْصارِ تفسير : وقوله تعالى: {ليبلُوكم أيكم أحسنُ عملاُ} أي: ليظهر منكم من يقف مع الأكون، ومن ينفذ إلى شهود المكون. وهو الذي حسن عمله، وارتفعت همته. ولئن قلت أيها العامي: إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتمُوني، ليقولن أهلُ الإنكار: إن هذا إلا سحر مبين. ثم خوفهم بالعذاب الذي استعجلوه، فقال: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والارض وأنشأهما في ستة ايام، وانما خلقهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته ان يخلقهما في أقل من لمح البصر ليبين بذلك ان الامور جارية في التدبير على منهاج، ولما علم في ذلك من مصالح الخلق من جهة اقتضاء ان ينشأها على ترتيب يدل على انها كانت عن تدبير عالم بها قبل فعلها مثل سائر الافعال المحكمة. وقوله {وكان عرشه على الماء ليبلوكم} معناه انه خلق الخلق ودبر الامر ليظهر احسان المحسن، لأنه الغرض الذي يجري بالفعل اليه. وفي وقوف العرش على الماء، والماء على غير قرار اعظم للاعتبار لمن امعن النظر واستعمل الفكر. والمراد بقوله {في ستة أيام} ما مقدارة مقدار ستة أيام، لانه لم يكن هناك ايام تعد، لان اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها. وقوله {ليبلوكم} معناه ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في العدل لئلا يتوهم أنه يجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. وقوله {أيكم أحسن عملاً} فيه دلالة على أنه يكون فعل حسن أحسن من فعل حسن آخر لان لفظة أفعل حقيقتها ذلك. ولا يجوز ترك ذلك الا لدليل، وليس ها هنا ما يوجب الانصراف عنه. وقوله {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} إعلام من الله تعالى لنبيه انه لو قال لهؤلاء الكفار ان الله يبعثكم بعد موتكم ويجازيكم على أعمالكم لقالوا: ليس هذا القول الا سحر ظاهر. ومن قرأ {ساحر} اراد ليس هذا يعنون النبي صلى الله عليه وآله الا ساحر مبين. وقال الجبائي في الاية دلالة على انه كان قبل خلق السماوات والارض الملائكة قال: لان خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه الا أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد اذاً من حيّ مكلف. والاقوى ان يقال: انه لا يمتنع ان يتقدم خلق الله لذلك اذا كان في الاخبار بتقدمه مصلحة الملكلفين، وهو الذي اختاره الرماني. وكان علي بن الحسين الموسوي المعروف بالمرتضى (ره) ينصره. وظاهر الاية يقتضي ان العرش الذي تعبد الله الملائكة بحمله كان مخلوقاً قبل السموات والارض، وهو قول جميع المفسرين: كابن عباس ومجاهد وقتادة والبلخي والجبائي والرماني والفراء والزجاج وغيرهم. وقال ابن عباس: كان العرش على الماء، والماء على الهواء. وقال الجبائي: ثم نقل الله العرش إلى فوق السماوات

الجنابذي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} سماوات الارواح وارض الاشباح الملكوتيّة النّوارنيّة والملكيّة الظّلمانيّة والسّفليّة السّجّينيّة وسماوات عالم الطّبع وارض ذلك العالم {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} قد مرّ تفسير الآية ووجه التّقييد بستّة ايّام فى سورة الاعراف {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} عرش الرّحمن مشيّته الّتى هى فعله وكلمته والحقّ المخلوق به والولاية المطلقة والحقيقة المحمّديّة (ص) واضافته الاشراقيّة وهى اضافة الحقّ الى الخلق، ولها وجه الى الحقّ المطلق وبهذا الوجه تسمّى عرشاً ووجه الى الخلق وبهذا الوجه تسمّى كرسيّاً، وهى بوجهها الاوّل ظهوره تعالى باسمائه وبوجهها الثّانى ظهوره تعالى بافعاله اذا اعتبرت اضافتها الى الخلق كان حاملها اقرب الممكنات اليها، وهم اربعة فى النّزول واذا اعتبر الصّاعدون معها صاروا ثمانية {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} تفسير : [الحاقة:17] واذا قطع النّظر عن اضافتها الى الخلق كان وجهها الخلقىّ وجوداً صرفاً ويعبّر عنه بالماء وكان الوجه الخلقىّ حاملاً لها من حيث وجهها الحقّىّ فقبل اعتبار الخلق كان عرشه على الماء، وما ورد فى الاخبار من التّفاسير المختلفة راجع الى ما ذكرنا {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ليعلم بالاختيار ايّكم احسن عملاً ولهذا التّضمين علّق يبلوكم باداة الاستفهام والمعنى انّا خلقنا السّماوات والارض فى المراتب السّتّ من مراتب العالم وخلقكم بين السّماوات والارض وجعل لكم طريقاً اليهما وسهّل لكم الصّعود الى السّماوات والنّزول الى الارض، واودع فيكم انموذجاً من كلّ ليبلوكم بذلك ويظهر من كان منكم احسن عملاً، وانّما اقتصر على ذكر حسن العمل واتى بصيغة التّفضيل اشارة الى انّ الغاية هو الّذى يكون احسن عملاً والباقى منظور اليه بالتّبع وامّا قبح العمل فهو من الطّوارى فالآية اشارة الى شرافة الانسان وترغيبه فى محاسن الاعمال بألطف وجه {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالمعاد سواء كفروا بالمبدأ ام لا {إِنْ هَـٰذَآ} القول بالعود {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} السّحر يطلق على عدّة معانٍ منها القول الباطل الّذى لا يعلم وجه صحّة له وقد ابرز بتمويهات وتخييلات مبرز الحقّ.

فرات الكوفي

تفسير : {وكان عرشه على الماء7} فرات قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعناً: عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه [أ: عليهما] السلام قال: شهدت [مع. أ، ب] أبي عند عمر بن الخطاب وعنده كعب الأحبار [رضي الله عنه. ر] وكان رجلاً قد قرأ التوراة وكتب الأنبياء عليهم [الصلاة و. ر] السلام فقال له عمر: يا كعب من كان أعلم بني إسرائيل بعد موسى [بن عمران. ر.عليه (الصلاة. ر) والسلام. ب، ر]؟قال: [كان أعلم بني اسرائيل بعد موسى. ر، ب] [بن عمران. ر] يوشع بن نون وكان وصي موسى [بن عمران. ر. من. أ، ب] بعده وكذلك كل نبي خلا من قبل موسى [بن عمران. ر] ومن بعده كان له وصي يقوم في أمته من بعده. فقال له عمر: فمن وصي نبينا وعالمنا؟ أبو بكر؟ قال: وعلي ساكت لا يتكلم، فقال كعب: مهلاً [يا عمر ب] فإن السكوت عن هذا أفضل، كان أبو بكر رجلاً حظي [ب: حظياً] بالصلاح فقدمه المسلمون لصلاحه، ولم يكن بوصي، فإن موسى [بن عمران (ص). ر] لما توفي أوصى إِلى يوشع بن نون فقبله طائفة من بني إِسرائيل وأنكرت فضله طائفة فهي التي ذكر الله [أ: ذكرت] في القرآن:أية : فآمنت طائفة من بني إِسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين تفسير : [14/ الصف] وكذلك الأنبياء [السالفة.ر] والأمم الخالية لم يكن نبي إلاّ وقد كان له وصي يحسده قومه ويدفعون فضله. فقال: ويحك يا كعب فمن ترى وصي نبينا؟ قال كعب: معروف في جميع كتب الأنبياء والكتب المنزلة من السماء علي أخو النبي العربي [ص. ر] يعينه على أمره [يؤازره. ب] ويبارز [5. ر، أ] على من ناوأه، له زوجة مباركة وله منها ابنان يقتلهما أمته من بعده، ويحسد وصيه كما حسدت الأمم أوصياء أنبيائها، فيدفعونه عن حقه ويقتلون ولده من بعده كحذو الأمم الماضية. قال: فأفحم عمر عندها وقال: يا كعب لئن صدقت في كتاب الله المنزل قليلاً لقد كذبت كثيراً. فقال [أ، ب: قال] كعب: والله ما كذبت في كتاب الله قط ولكن سألتني عن أمرٍ لم يكن لي بدّ من تفسيره والجواب فيه، فإني لأعلم أن أعلم هذه الأمة [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب عليه السّلام بعد نبيها لأني [أ، ب: إِلاّ أني] لم أسأله عن شيءٍ إِلا وجدت عنده علماً تصدقه به التوراة وجميع كتب الأنبياء. فقال له عمر: اسكت يا ابن اليهودية فوالله إِنك لكثير التخرص بالكذب [أ: والكذب. ر: بكذب]. فقال كعب: والله ما علمت أني كذبت في شيءٍ من كتاب الله منذ جرى لله علي الحكم، ولئن شئت لألقين عليك [أ: إليك] شيئاً من علم التوراة فإن فهمته فأنت أعلم منه وإِن فهمه فهو أعلم منك. فقال له عمر: هات بعض هناتك. فقال كعب: أخبرني عن قول الله [تعالى. ب]: {وكان عرشه على الماء} فأين كانت الأرض وأين كانت السماء وأين كان جميع خلقه؟ فقال [له. ر] عمر: ومن يعلم غيب الله منا إِلا ما سمعه رجل من نبينا. قال: ولكن أخاك أبا حسن [أ: الحسن] لو سئل عن ذلك لشرحه بمثل ما قرأناه في التوراة، فقال له عمر: فدونكه إِذا اختلف [ب (خ ل): اختلا] المجلس. قال: فلمّا دخل على عمر أصحابه أراد [أ، ر: أرادوا] إِسقاط [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] فقال كعب: يا أبا الحسن أخبرني عن قول الله عز وجل [ر: تعالى في كتابه]: {وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام: نعم. كان عرشه على الماء حين لا أرض مدحية، ولا سماء مبنية، ولا صوت يسمع، ولا عين تنبع، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا نجم يسري، ولا قمر يجّري، ولا شمس تضيء، وعرشه على الماء، غير مستوحش إِلى أحدٍ من خلقه، يمجد نفسه ويقدسها كما شاء أن يكون [كان. ر، أ]. ثم بدا أن يخلق الخلق فضرب بزارخ البحور فثار منها مثل الدخان كأعظم ما يكون من خلق الله فبنى بها سماءً رتقا، ثم دحى [أ (خ ل): انشق] الأرض من موضع الكعبة وهي وسط [الأرض. أ، ر] فطيقت [ر: فطبقت] إلى [ب: على] البحار، ثم فتقها بالبنيان وجعلها سبعاً بعد إِذ كانت واحدة ثم استوى إِلى السماء وهي دخان من ذلك الماء الذي أنشأه من تلك البحور فخلقها سبعاً طباقاً بكلمته التي لا يعلمها غيره، وجعل في كل سماءٍ ساكناً من الملائكة خلقهم [مصمتين. ب. أ: مضمنين] معصومين من نور من بحورٍ عذبة وهو بحر الرحمة، وجعل طعامهم التسبيح والتهليل والتقديس. فلما قضى أمره وخلقه استوى على ملكه فمدح كما ينبغي له أن يمدح [أ، ر: يحمد]، ثم قدر ملكه فجعل في كل سماء شهب معلقة كواكب كتعليق القناديل من [ب: في] المساجد ما لا يحصيها غيره تبارك وتعالى، والنجم من نجوم السماء كأكبر مدينة في الأرض. ثم خلق الشمس والقمر فجعلهما شمسين فلو تركهما تبارك وتعالى كما كان [في] ابتدائهما في أول مرة لم يعرف خلقه الليل من النهار ولا عرف الشهر ولا السنة ولا عرف الشتاء من الصيف ولا عرف الربيع من الخريف، ولا علم أصحاب الدين متى يحل دينهم، ولا علم العامل متى ينصرف في معيشته، ومتى يسكن لراحة بدنه، فكان الله تبارك أرأف بعباده وأنظر لهم، فبعث جبرئيل [عليه السلام. ر] إلى إحدى الشمسين فمسح بها جناحه فأذهب منها الشعاع والنور وترك فيها الضوء فذلك قوله: {أية : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً} تفسير : [12/ الإسراء] وجعلهما يجريان في الفلك والفلك يجري فيما بين السماء والأرض مستطيل في السماء استطالته [أ: استطالة] ثلاثة فراسخ يجري في غمرة الشمس والقمر، كل واحد منهما [على عجلة. ر، ب] يقودهما ثلاثمائة ملك بيد كل ملك منها [ر: منها] عروة يجرونها في غمرة ذلك البحر، لهم زجل بالتهليل والتسبيح والتقديس، لويدن [كل. ب] واحد منها من غمر ذلك البحر لاحترق كل شيءٍ على وجه الأرض حتى الجبال والصخور وما خلق الله من شيء. فلما خلق الله السماوات والأرض والليل والنهار والنجوم والفلك جعل [ن: وجعل] الأرضين على ظهر حوت [فـ] أثقلها فاضطربت فأثبتها بالجبال. فلما استكمل خلق ما في السماوات - والأرض يومئذٍ خالية ليس فيها أحد - قال {أية : للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} تفسير : [30/ البقرة]، فبعث الله جبرئيل عليه السلام فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح وركب فيه الطبائع قبل أن ينفخ فيه الروح فخلقه من أديم الأرض فلذلك سمي آدم لأنه لما عجن بالماء استأدم فطرحه في الجبل! كالجبل العظيم وكان إبليس يومئذٍ خازناً على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره ثم يضرب بيده فيقول لأي أمر خلقت لئن جعلت فوقي لا أطعتك ولئن جعلت أسفل مني لا أبقيتك [أ: لابقيتك. ر: لا أعبينك] فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح فخلقه من ماءٍ وطين ونورٍ وظلمة وريح، والنور من نور الله، فأما النور فيورثه الإيمان، وأما الظلمة فتورثه الضلال والكفر، وأما الطين فيورثه الرعدة والضعف والقشعريرة [ر: والاقشعراريرة!] عند إصابة الماء فينبعث به على أربع الطبائع على الدم والبلغم والمرار والريح فذلك قوله تبارك وتعالى: {أية : أو لا يذكر الإنسان أنّا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً} تفسير : [مريم: 67]. قال: فقال كعب: يا عمر بالله أتعلم كعلم علي؟ فقال: لا. فقال كعب: علي [بن أبي طالب. ر] وصي الأنبياء ومحمد خاتم الأنبياء [عليهم الصلاة والسلام. ر] علي [خاتم. أ، ب] الأوصياء [عليهم السلام. ر] وليس على الأرض اليوم منفوسة إلا وعلي [بن أبي طالب. ر] أعلم منه، والله ما ذكر من خلق الإنس والجن والسماء والأرض والملائكة شيئاً إلا وقد قرأته في التوراة كما قرأت. قال: فما رئي عمر غضب قط مثل غضبه ذلك اليوم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يعني: وما بينهما. وقد فسّرنا ذلك في غير هذا الموضع. وهذا من الإِضمار. قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} قال مجاهد: قبل أن يخلق شيئاً. { لِيَبْلُوَكُمْ} أي ليختبركم بالأمر والنهي. { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: فيما ابتلاكم. قوله: { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: إن هذا القرآن إلا سحر مبين، تكذيباً منهم بالبعث. قوله: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} أي: إلى سنين معدودة، في تفسير الكلبي. وقال مجاهد: إلى حين. وقال بعضهم: إلى أجل معدود. وذلك عند بعضهم عذاب الآخرة. وتفسير الحسن: إلى النفخة الأولى، لأن الله قضى ألا يعذّب كفار هذه الأمة بعذاب الاستئصال إلا بالساعة. { لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} قال بعضهم: لما قالوا: {مَا يَحْبِسُهُ}، يعنون العذاب. قال الله: { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}. ثم أنزل بعد ذلك: (أية : أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) تفسير : [النحل:1] فذلك قوله: {مَا يَحْبِسُهُ} أي ما يحبس العذاب. قال الحسن: وذلك قولهم للنبي: (أية : ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ) تفسير : [العنكبوت:29]. قال الله: (أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ العَذَابُ) تفسير : [العنكبوت:53]. قال: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} يعني الذين تقوم عليهم الساعة، الدائنين بدين أبي جهل وأصحابه. {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي ليسوا بالذين يستطيع أحدهم أن يصرف عنهم عذاب الله إذا نزل بهم. { وَحَاقَ بِهِم} يومئذٍ { مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وتفسير الكلبي: عذاب الآخرة.

اطفيش

تفسير : {وهُو الَّذى خَلَق السَّماواتِ} مع ما فيهن، أو أراد بالسماوات بها ما فى جهة العلو والسمو {والأرْض} مع ما فيها، أو أراد بها ما فى جهة السفل {فى سِتَّةِ أيامٍ وكانَ عَرْشُه عَلى الماءِ} قبل خلقهن، وذلك من كمال القدرة، إذ جعل الماء حاملا للجسم العظيم وهو العرش. روى أن الله خلق ياقوتة خضراء فخشعت بأمر الله فصارت ماء، وخلق الريح وجعل عليه الماء، ثم العرش وجعله على الماء، ثم خلق السماوات والأرضين من دخان من ماء، ثم القلم وكتب ما كان قبله وما يكون، ومجد ذلك الكتاب ألف عام، ثم سائر الخلق، وقيل: خلق العرش قبل الريح، وليس خلقه ذلك احتياجا إليه تعالى، بل كلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه. وروى أنه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض. "حديث : وسأل أبو زين العقليى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: "كان فى عمى"" تفسير : بالقصر وهو ماخفى، يعنى كان ولا شئ معه، فضلا عن أن يكون فيه تعالى عن الحلول والحيث والأين، فما ليسه بثبات فهو عمى عن الخلق، لكونه ليس شيئا، ويجوز أن يكون المراد: أين كان عرش ربنا؟ فأجابه بأنه كان فى عمى، أى فى غير شئ، ثم خلق الماء فجعله عليه، وأجابه بأنه كان فى عماء بالمد وهو السحاب الرقيق أو الكثيف أو الضباب، والمعنى أن عرشه كان عليه قبل خلق الماء، ثم كان على الماء، أو المعنى أنه تعالى على ذلك، أى مستول عليه خالق له. {ليَبْلوكُم} متعلق بخلق، وقيل: بأعلم محذوفا، أى أعلمكم بذلك: والأول أولى، أى لم يخلقهن عبثا، بل ليفعل بكم فعل من يختبر أحوالكم، وقد علمها، ولكن ليقطع معاذركم، ففى الكلام استعارة تمثيلية تبعية، شبه حال المكلف الممكن المختار مع تعلق علم الله بأفعاله، بحال المختبر، ثم استعير لجانب المشبه {ليبلوكم} الخ موضع "ليعلم أيكم" الخ، والقرينة أن الله لا يخفى عنه شئ. {أيَّكُم أحسَنُ عَملاً} أطوع لله فى الاستدلال بهن على وجوده، وكمال قدرته، واشكر لنعمه التى منهن كالماء والنجوم، والشمس والقمر، والنبات والسكون، والجملة مفعول ليبلو معلق عنها بالاستفهام، لأنه بمعنى العلم من حيث إنه طريق إلى العلم، وكما يكون التعليق عن المفعولين يكون عن المفعول، فيبلوا متعدٍ لاثنين، لأنه بمنزلة يعلم هنا، فعلق عن الثانى بمعنى أنه عطل عن أن يكون ثانية مفردا، هذا تحقيق المقام. ولم يذكر عمل الشر، مع أن الابتلاء والاختبار عم المؤمن والكافر إعراضا عن المعصية، وتنبيها على أنه لا سبيل لأحد إلى شئ ما منها، وقال: أحسن بصيغة التفضيل، ولم يقل حسن بصيغة الصفة المشبهة تحضيضا على معاطاة المقام الأعلى فى العمل الشامل لعمل الجوارح، وعمل اللسان، وهو التكلم بخير، وعمل القلب وهو اعتقاد الغير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع فى طاعة الله ". تفسير : {ولَئن قُلتَ} يا محمد لكفار قومك {إنَّكم} وقرئ بفتح الهمزة لتضمن القول معنى الذكر، أو إن بمعنى لعل، أى ولئن قلت لعلكم {مبْعُوثونَ} توقعوا بعثكم وظنوه واقعا، ولا تقطعوا بإنكاره {مِنْ بَعْد الموتِ} للعقاب إن أصررتم، وللثواب إن تبتم {لَيقولنَّ الَّذينَ كَفَرُوا} الأصل ليقولن بضم اللام مع إسقاط الذين كفروا، ووضع الظاهر موضع الضمير ففتحت اللام، أو الخطاب فى إنكم لجميع الكفرة من أنكر البعث ومن لم ينكره كأهل الكتاب، أو للناس مطلقا فلا يكون من وضع الظاهر موضع المضمر، بل يكون المعنى: ليقولن الذين كفروا بالبعث، أو الكفار المعهودون وهم قومك. {إنْ هَذا} أى قولك بالبعث، أو البعث أو القرآن الناطق بالبعث {إلا سحرٌ مُبينٌ} واضح أى كالسحر فى الخديعة، أو البطلان، وقرأ حمزة والكسائى هنا وفى الصف وفى المائدة إلا ساحر بألف وكسر الحاء على أن الإشارة إلى القائل.

اطفيش

تفسير : {وَهُوَ الَّذِى خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وما فيها وما بينها، ويدل على هذا أَن خلقهما أَعظم فغيرهما مخلوق بالأَولى له، ولأَن الانفراد بالشىءِ دال على انفراد ما فيه أَو لابسه، ولكن خص السماوات والأَرض بالذكر لقوله {فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ} أَو أَراد بالسماوات كل العلويات فشمل العرش والكرسى وما فى ذلك، وبالأَرض كل السفليات فشمل ما فيها، كذا قيل على التجوز، وفيه أَنه خلاف الأَصل ولأَنه لا يصلح له ذكر ستة أَيام، ويجاب بأَنه لا مانع من خلق ما فيهن فى ستة أَيام، والأَولى حمل الآية على ظاهرها وحكمته أَن الناس يعرفون السماوات والأَرض وهما عظيمان فلوح إِلى أَن من خلقهما لا يعجزه شىءٌ والمراد بالأَرض الأَرضون، فأل للاستغراق أَو هذه الأَرض الواحدة لأَن المخاطبين قد لا يعرفون سبع أَرضين وهم يعرفون سبع سماوات، وعلى الاستغراق فإِنما أَفرد الأَرض لأَنها نوع واحد وهو التراب بخلاف السماوات فبعضها ذهب وبعضها فضة وبعضها زبرجد، وهكذا وقيل فى الأَرضين أَيضاً باختلاف النوع والأَيام الستة على التوزيع خلق السماوات فى يومين والأَرض فى يومين والأَقوات فى يومين، والمراد بستة أَيام مقدارها لأَن خلق السماوات والأَرض حين لا شمس ولا قمر وأَما الزمان فإِما عدم وإِما موجود بعد عدم، وقد يجوز أَن يخلق الشمس والقمر ثم يخلق السماوات بحيث يأْخذان منها محلا. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} مماسًّا قبل خلق السماوات والأَرض، سواءٌ خلق العرش قبل الماءِ ثم خلق الماءَ تحته عمدة له، أَو خلق الماءَ قبله ثم خلق على الماءِ، وقيل أَول مخلوق من العالم بعد العرش الماءُ، وخرج بالعالم نوره صلى الله عليه وسلم وروحه فإِنهما مخلوقان قبل العرش، ولا مانع من خلق العرش والماءِ معاً بوقت واحد. قال كعب الأَحبار: خلق الله ياقوتة خضراءَ وصيرها ماءً وخلق الريح تحته ثم وضع العرش على الماءِ، ولا مانع من كونه مماساً للماءِ، ومنعه بعض واستدل بالآية على إِمكان الخلاءِ الموهوم وهو الفراغ الموهوم وحقيقته أَن يكون الجسمان لا يتمسان وليس بينهما فضاءٌ والحق منعه ولا دليل فى الآية على الجواز ولا مانع من التماس، وقيل معنى كونه على الماءِ إِنما كما هو الآن فى محله عال على الماءِ وملكه والعرش الملك {لِيَبْلُوَكُمْ} متعلق والمعنى ليعاملكم معاملة المختبر لأَحوالكم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} عمل جارحة أَو عمل قلب كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَيكم أَحسن عقلا وأَورع عن محارم الله وأَسرع فى طاعة الله عز وجل"تفسير : وعن سفيان معنى أَحسن عملا أَزهد فى الدنيا، وعن مقاتل أَتقى لله عز وجل، وعن الضحاك أَكثرهم شكراً، ومدار العمل على القلب إِذا رسخت فيه، وقد يرفع لصاحبه عمل الأَرض، وجاءَ الحديث بأَن تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة، وقول ليبلوكم إِلخ استعارة ووجه كون خلق السماوات والأَرض معلولا للابتداءِ أَن منهما الأَرزاق وفيهم النظر للاستدلال على وجود الله وكمال قدرته وعلمه، وإِنما قال أَحسن عملا بصيغة التفضيل ولم يقل أَيكم حسن عملا بصيغة الصفة المشبهة مع أَن أَفعال المكلفين معتبرة بالتفاوت بالحسن والقبح لا إِلى أَحسن وأَقبح للتحضيض على التنافس بالترقى والازدياد فى مراتب الحسن، وإِنما علق البلوى بالاستفهام لما فيه من معنى العلم وحقيقة التعليق تعطل العامل عن عمله الأَصلى، تقول: علمت هل قام زيد أَو هل زيد قائِم فعطلت علم من نصب مفردين بنصب محل الجملة قائِمة مقامها، وأَصل البلوى التعدية بالباءِ فعطل عنها بنصب محل الجملة قائِمة مقام مفعول مفرد وأَما كونه بمعنى العلم المستحق لمفعولين فكفى عنه اشتمال اللفظ على المسند والمسند إِليه {وَلَئِنْ قُلْتَ} يا محمد للمشركين {إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ} ستبعثون {مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ} الخطاب هنا للمشركين، وفى قوله ليبلوكم أَيكم للمؤمنين أَولهم وللمشركين، وهو أَولى لأَن الكلام قبل وبعد فى غير خصوص المؤمنين أَو المشركين كما هنا أَو هنا أَيضاً للمشركين والمؤمنين، وقوله {ليَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} لا يمنع من التعميم لأَن المعنى عليه، ولئِن قلت للناس إِنكم مبعوثون ليقولن الذين كفروا منهم وعلى أَنه هنا للمشركين لم يضمر فى الجواب لأَنه لم يظهر فى الشرط بل حذف، ولو قال قلت للكفار إِنكم مبعوثون لقال ليقولن ما هذا إِلخ بضم اللام، واستبعد أَن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر، وإِنما ذلك لو أَظهر فى الشرط اللهم إِلا بدعوى أَن قوله إِنكم مبعوثون ظاهر فى الكفرة، فمقتضى الظاهر بعد الإِضمار لهم لا الإِظهار كأَنه بظهوره قد أَظهر فى الشرط، ولا يخفى بعد عود الخطاب فى يبلوكم للكفرة خصوصاً لأَن الكافر بيد الله بالحسنية والقبيحة لا بالأَحسنية والأَقبحية لكثرة الدلائِل حتى أَنهم آمنوا {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ما هذا الذى تقول من البعث، وهذا أَولى من رد الإِشارة إِلى البعث لأَنهم لا يقولون البعث سحر، بل القول به إِلا أَن يراد بالسحر مطلق الباطل الذى لا أَصل له، وأَولى من رد الإِشارة إِلى القرآن لأَنه لم يذكر لهم لفظ القرآن مثل أَن يقول جاءَنى فى القرآن أَنكم مبعوثون، ولو كان المعنى عليه وصحيحاً أَيضاً من حيث المعنى لو تلوت عليهم من القرآن ما فيه إِثبات البعث ومن حيث إِن ذكر البعث مشعر بالقرآن لذكره فيه فكأَنه ذكر القرآن وأَشاروا إِليه، وإِنما البعث سحر عندهم باعتبار القول به والوعظ فإِنه يؤَثر فى النفوس بالإِعراض عن الدنيا كالسحر كما أَن القرآن كذلك.

الالوسي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تقريراً للتوحيد لأن من شمل علمه وقدرته هو الذي / يكون إلهاً لا غيره مما لا يعلم ولا يقدر على ضر ونفع وتأكيداً لما سبق من الوعد والوعيد لأن العالم القادر يرجى ويخشى، وجوز أن تكون الآية تقريراً لقوله سبحانه: {أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }تفسير : [هود: 5] وما بعدها تقريراً لقوله سبحانه: {أية : وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }تفسير : [هود: 4] وفيه بعد، وكأن المراد بخلق السماوات والأرض الخ خلقهما وما فيهما، أو تجعل السماوات مجازاً عن العلويات فتشملها وما فيها، وتجعل الأرض مجازاً بمعنى السفليات فتشملها وما فيها من غير تقدير، واحتيج لذلك لاقتضاء المقام إياه وإلا فخلقهما في تلك المدة لا ينافي خلق غيرهما فيها، والمراد باليوم الوقت مطلقاً لا المتعارف إذ لا يتصور ذلك حين لا شمس ولا أرض، وقيل: أريد به مدة زمان دور المحدد المسمى بالعرش دورة تامة، وإليه ذهب الشيخ الأكبر قدس سره، وقد علمت حاله فيما تقدم، وقيل: غير ذلك. وفي عدم خلقهما دفعة كما علمت دليل ـ كما قال غير واحد ـ على كونه سبحانه قادراً مختاراً مع ما فيه من الاعتبار للنظار والحث على التأني في الأمور، وقد تقدم ما قيل في وجه تخصيص هذا العدد دون الزائد عليه كالسبعة أو الناقص عنه كالخمسة للخلق، ولعلنا نحقق ذلك في موضع آخر، وإيثار صيغة الجمع في السماوات لاختلافها بالأصل والذات دون الأرض، وإن قيل: إنها مثل السماء في كونها سبعاً طباقاً بين كل أرض وأرض مسافة وفيها مخلوقات، وبذلك فسر قوله سبحانه: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ }تفسير : [الطلاق: 12] والكثير على أن الأرض كرة واحدة منقسمة إلى سبعة أقاليم وحملوا الآية على ذلك. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآء} عطف على جملة {خُلِقَ} مع ضميره المستتر أو حال من الضمير بتقدير قد على ما هو المشهور في الجملة الحالية الماضوية من اشتراط قد ظاهرة أو مقدرة؛ والمضي المستفاد ـ من {كَانَ} بالنسبة للحكم لا للتكلم أي كان عرشه على الماء قبل خلقهما وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد، وبه صرح القاضي البيضاوي، ثم قال: لم يكن حائل بينهما أي العرش والماء لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم انتهى، وكذا صرح به العلامة أبو السعود مفتي الديار الرومية لكنه قال: ليس تحته ـ يعني العرش ـ شيء غيره أي الماء سواء كان بينهما فرجة، أو موضوعاً على متنه كما ورد في الأثر فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد العرش وإنما يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السماوات والأرض من غير تعرض للنسبة بينهما انتهى، ولا يخفى ما بين القاضي والمفتي من المخالفة، والأكثرون على أن الحق مع المفتي كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وانتصر بعضهم للقاضي بأنه لو كان موضوعاً على متن الماء للزم قبل خلق تمام العالم أحد الأمور الستة: إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي، أو خروج العرش عن حيزه الطبيعي، أو تخلخل الماء أو نموه أو تخلخل العرش، أو نموه، وحين خلق العالم أحد الأمور الخمسة: إما حركة العرش بالاستقامة إلى حيزه الطبيعي، أو تكاثف الماء، أو ذبوله، أو تكاثف العرش، أو ذبوله، وهذه الأمور باطلة كما لا يخفى على من تدرب في الحكمة، ويحمل الإمكان في كلامه على الإمكان الوقوعي، أو يراد به الإمكان الذاتي وبالخلاء الخلاء في عالمنا هذا فإنه المتنازع فيه فكأنه قيل واستدل به على أن الخلاء في عالمنا ممكن بالإمكان الذاتي وتوجيه الاستدلال به حينئذٍ على ذلك هو أن الخلاء قبل عالمنا هذا كان واقعاً ووقوع شيء في وقت من الأوقات دليل على إمكانه الذاتي في جميع الأوقات فإن ثبوت الإمكان للممكن واجب فالممكن في وقت ممكن في وقت آخر كما حققه «شارح حكمة العين»، ووجه الدلالة على أن الماء أول / حادث بعد العرش أن كل جسم بسيط فله مكان طبيعي وأن المكان من لوازم وجود الجسم فإن الفاعل إذا أوجد الجسم أوجده لا محالة في مكان كما صرحوا به، والمكان للخفيف من الأجسام هو الفوق، وللثقيل التحت على حسب الثقل والخفة وتحددهما إنما هو بالفلك الأعظم فوجود الماء في جوف العرش يتوقف على وجود مكانه المتوقف على وجود العرش فيتأخر عنه حدوثاً ولا يخفى ما في هذا الوجه من النظر، ولا أقل من أن يقال لم لا يجوز أن يخلق الله تعالى العرش والماء معاً؟ على أنه قد جاء في بعض الآثار ما هو ظاهر في أن الماء كان مخلوقاً قبل العرش فقد أخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «الأسماء والصفات» وغيرهم حديث : عن أبـي رزين العقيلي قال: «قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء» تفسير : وقال بعض في بيان وجه ذلك: إنه لما كان معنى كون العرش على الماء أنه موضوع فوقه لا مماسه وأن خلق السماوات والأرض إنما كان بعدهما اقتضى ذلك أن العرش مخلوق قبل وأن الماء أول حادث بعده وهو من فحوى الخطاب، وقوله: لا أنه كان موضوعاً الخ لأن سياقه لبيان قدرته تعالى يقتضيه وفيه ما فيه كما لا يخفى، وتعقب بعض فضلاء الروم ما ذكر أولاً بأن حاصله أن الشق الثاني من الشقين المذكورين في كلام العلامة الثاني مستلزم لأحد أمور تقرر في علم الحكمة بطلانها فيتعين الأول منهما، وهو الذي ذهب إليه العلامة الأول، وهو إنما يتم أن لو كانت المقدمات المذكورة في إبطال تلك الأمور يقينية وهو ممنوع فإن أكثرها مبني على أصول الفلاسفة، وقد بين القاضي نفسه بطلان أكثرها في «الطوالع» وهو إنما يراعي القواعد الحكمية إذا لم تكن مخالفة للقواعد الإسلامية على أن في كلام ذلك المنتصر خللاً من وجوه: الأول: أن قوله: يلزم إما خروج الماء عن حيزه الطبيعي الخ يقال في جوابه: أنه يجوز أن يخرج الماء عن حيزه الطبيعي وذلك غير محال وإن كان خروجه بنفسه بطريق السيلان عن حيزه الطبيعي محالاً، ويشهد لذلك أنهم ذكروا أن الماء لثقله الإضافي يقتضي أن يكون فوق الأرض والأرض لثقلها الحقيقي تقتضي أن تكون مغمورة بأسرها فيه بحيث يمكن أن يفرض في جوفها نقطة تكون الخطوط الخارجة منها إلى سطح الماء متساوية من جميع الجهات مع أن الأمر اليوم ليس كذلك لانكشاف ربع شمالي من الأرض، وانحسار الماء عنه إما بسبب قرب الشمس في الجنوب إلى الأرض عند كونها في الحضيض بقدر ثخن المتمم المحوى كما قيل أو لأمر آخر يعلمه الله تعالى، الثاني: أن ما ذكره من استحالة تخلخل الماء ممنوع عندهم أيضاً، وما يقال: إن القول بالتخلخل لا يتصور في البسائط الحقيقية للزوم تركيب ما فيه مدفوع. فقد صرح في «حكمة العين» و«شرحها» بأن التخلخل الحقيقي ـ وهو أن يزداد مقدار الجسم من غير أن يزاد عليه شيء من خارج ـ ممكن، وحققه سيد المحققين في حواشيه بأن الجسم سواء كان مركباً من الهيولى والصورة أو لم يكن يمكن التخلخل والتكاثف فيه لأن مقدار الجسم زائد عليه والجسم من حيث هو لا مقدار له في ذاته فنسبته إلى جميع المقادير على السواء فأمكن أن يتصف بأكبر مما هو متصف به أو أصغر، وأيضاً الجسم متصل واحد والمقدار زائد عليه والجسم البسيط جزؤه يساوي كله فإذا اتصف الكل بمقدار خاص فجزؤه إذا انفرد وجب أن يكون قابلاً للاتصاف بذلك المقدار والكل بالعكس ضرورة تساوي المتماثلات في الأحكام، وحينئذٍ يتحقق إمكان ذلك، والثالث: أن التوجيه بحمل الإمكان على الإمكان الذاتي الخ منظور فيه إذ لا يلزم من وقوع شيء في وقت من الأوقات إلا إمكان وجوده في ذلك الوقت وإن كان ذلك الإمكان مستمراً واجباً في جميع الأوقات، فقوله: إن ثبوت الإمكان للممكن واجب، فالممكن في وقت ممكن في كل وقت / إن أراد به أن إمكانه أمر ثابت له في كل وقت على أن قوله في كل وقت ظرف للإمكان فهو مسلم لكن اللازم منه أن يكون ذلك الشيء متصفاً بالإمكان إمكاناً مستمراً دائماً غير مسبوق بعدم الاتصاف ولا سابق عليه ولا يلزم منه أن يكون وجوده في كل وقت ممكناً لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ممكناً إمكاناً مستمراً ولا يكون وجوده في كل وقت ممكناً بل ممتنع؛ ولا يلزم من هذا أن يكون الشيء من قبيل الممتنعات دون الممكنات فإن إمكان الشيء ليس معناه جواز اتصافه بجميع أنحاء الوجود بل معناه جواز اتصافه بوجود ما في الجملة فيكفي في إمكان الشيء جواز اتصافه بالوجود الواقع في وقت، والممتنع هو الذي لا يقبل الوجود بوجه من الوجوه، وإن أراد أنه ممكن الوجود في كل وقت على أن يكون في كل وقت ظرفاً للوجود فهو ممنوع ولا يتفرع على كون ثبوت الإمكان للممكن واجباً، فإنه قد حقق المحقق الدواني في بعض تصانيفه أن إمكان الممكن وإن كان مستمراً في جميع الأزمنة لا يستلزم إمكان وجود ذلك الممكن في تلك الأزمنة، وعلى هذا اعتمد المتكلمون في الجواب عن استدلال الفلاسفة على قدم العالم بأنه ممكن الوجود في الأزل وإلا لزم الانقلاب وهو محال بالضرورة، وقدرة الباري تعالى أزلية بالاتفاق فلو كان العالم حادثاً لزم ترك الجود وهو إفاضة الوجود وما يتبعه من الكمالات على الممكنات مدة غير متناهية وهو محال على الجواد الحق الكريم وحاصل الجواب: أن قولكم العالم ممكن الوجود في الأزل إن أردتم به أنه يمكن له الوجود الأزلي على أن يكون في الأزل متعلقاً بالوجود فهو ممنوع لجواز أن يكون وجوده في الأزل ممتنعاً، وإن أردتم به أن إمكان وجوده في الجملة مستمر في الأزل على أن يكون الظرف متعلقاً بالإمكان فمسلم، ولا يلزم أن يكون وجود العالم في الأزل ممكناً لجواز أن يكون وجوده في الأزل مستحيلاً مع أنه في الأزل متصف بإمكان وجوده فيما لا يزال، وهذا ما يقال إنّ أزلية الإمكان لا تستلزم إمكان الأزلية، وما قيل في إثبات الاستلزام إن إمكانه إذا كان مستمراً في الأزل لم يكن هو في ذاته مانعاً من قبول الوجود في شيء من أجزاء الأزل فيكون عدم منعه منه أمراً مستمراً في جميع تلك الأجزاء، فإذا نظر إلى ذاته من حيث هو لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها بل جاز اتصافه به في كل منها بدلاً فقط بل معاً أيضاً، وجواز اتصافه في كل منها هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية صحيح إلى قوله: لم يمنع من اتصافه بالوجود في شيء منها فإنه إن أراد أن ذاته لا تمنع في شيء من أجزاء الأزل من الاتصاف بالوجود في الجملة بأن يكون قوله في شيء منها متعلقاً بعدم المنع فيكون معناه أنه لا يمنع في شيء من أجزاء الأزل من الوجود بعده فهو بعينه أزلية الإمكان ولا يلزم منه عدم منعه من الوجود الأزلي الذي هو إمكان الأزلية، وإن أراد به أن ذاته لا تمنع من الوجود في شيء من أجزاء الأزل بأن يكون الجار متعلقاً بالوجود فهو بعينه إمكان الأزلية، والنزاع إنما وقع فيه فهو مصادرة على المطلوب، وليت شعري كيف صدر هذا الكلام من قائله مع أنّ من الموجودات ما هو إني الوجود كبعض الحروف ومع التصريح بأن ماهية الزمان تقتضي لذاتها عدم اجتماع أجزائها وتقدم بعضها على بعض إذ يلزم منه إمكان وجود كل من تلك الأجزاء في الأزل نظراً إلى ذاته، وتمام الكلام في ذلك يطلب من «شرح المواقف» و«حواشيه». وأورد على كون المراد بالخلاء الخلاء في عالمنا لأنه المتنازع فيه أنه صرح غير واحد بأن المتنازع فيه إنما هو الخلاء داخل العالم وحقيقته أن يكون الجسمان بحيث لا يتماسان وليس بينهما ما يماسهما بناءاً على كونه متقدراً / قطعاً، وأما الخلاء خارج العالم فمتفق عليه إذ لا تقدر هناك بحسب نفس الأمر، فالنزاع إنما هو في التسمية بالبعد، فالفلاسفة يقولون حقه أن لا يسمى بعداً ولا خلاءاً، والمتكلمون يسمونه بعداً موهوماً ولا شك أن عالم كون العرش على الماء من داخل العالم فالخلاء فيه داخل في المتنازع فيه، وقد نص عليه أيضاً بعض المتأخرين. ومن الناس من اعترض على قوله: إنه لو كان موضوعاً على متن الماء للزم الخ بأن الأمور التي يلزم أحدها ذلك التقدير ـ وهي فاسدة ـ أكثر مما ذكر وسود وجه القرطاس ببيان ذلك وهو مما لا يحتاج إليه بل ولا يعول عليه، وزعم البعض أن ما راعاه القاضي في هذا الفصل ليس شيء منه مخالفاً للقواعد الإسلامية، ووسوست له نفسه أن خروج الماء عن حيزه مما لا يجوز لأن الله سبحانه إن كان موجباً بالذات فلا يتصور الإخراج منه سبحانه لأن نسبته إليه على السوية بحسب الأوقات فلا يمكن كونه قاصراً في بعض دون بعض، وإن كان مختاراً يقال: إن ذلك الخروج ممتنع في نفسه وهو سبحانه لا يفعل الممتنع ولا تتعلق قدرته به، وكذا يقال في التخلخل والتكاثف، ويجوز أن يكون بالطبع وإلا لكانا دائمين لأن مقتضى الذات لا يتخلف عنه، وممن ذهب إلى امتناعهما الأصفهاني في «شرح حكمة المطالع» ثم تكلم منتصراً لنفسه وللقاضي بما لا يسمن ولا يغني. وقال ابن صدر الدين بعد نقل كلام العلامتين: قد تقرر في علم الأبعاد والأجرام أن ليس لمجموع كرات العناصر بالنسبة إلى الفلك الأعظم الذي هو المراد بالعرش قدر محسوس فلا يتصور كونه موضوعاً على متن كرة الماء فإن ذلك إنما يكون إذا كان عظم كرة الماء بحيث يملأ جوف العرش مماساً محدّ به مقعره وإلا لم يكن موضوعاً على متنه الذي هو عبارة عن السطح المحدب بل إما أن لا يتماسا أصلاً أو يتماسا بنقطة على ما يشهد به التخيل الصحيح، وكيف يتصور كونه مالئاً له وهو الآن لم يمتلىء إلا بالسماوات والأرض والكرسي والعناصر بجملتها، وليس لك أن تقول: لعل الماء في ابتداء الخلقة قد كان على هذا المقدار الصغير الذي الآن عليه فتخلخل إلى حيث ملأ جوفه لامتناع الخلاء، فلما خلق سائر الأجرام العلوية والسفلية عاد بطبعه إلى ما تراه لأنا نقول: التخلخل عبارة عن ازدياد مقدار الجسم من غير أن ينضم إليه شيء فيستدعي حركة أينية وهي تستدعي وجود فضاء خال عن الشاغل وهو المراد بالخلاء، وكذا ليس لك أن تقول: فليكن في ابتداء الخلقة عظيم المقدار بحيث يملأ جوف العرش وتكاثف بعد خلق سائر الأجرام إلى هذا المقدار الصغير لأنا نقول أيضاً: التكاثف الذي هو عبارة عن انتقاص مقدار الجسم من غير أن ينقص منه شيء سببه على ما تقرر عندهم أمران: أحدهما: التخلخل السابق العارض له بما يوجبه فإذا زال ذلك العارض عاد بطبعه إلى مقداره الأول كما في المد والجزر، وفي الصورة المذكورة لا يتصور هذا لأن المفروض أنه خلق ابتداءاً عظيم المقدار بحيث يملأ جوف العرش فكيف يتصور أن يتخلخل بعارض حتى يعود عند زواله إلى مقداره الطبيعي الصغير وهو ظاهر؛ وثانيهما: الانجماد باستيلاء البرودة الشديدة، وهذا أيضاً لا يتصور هٰهنا أما أولاً فلأن الماء المنعقد جمداً وإن كان أصغر مقداراً منه غير منعقد لكنه لا إلى مرتبة لا يكون له قدر محسوس بالنسبة إلى مقداره الأول بل يقرب منه في الحس كما يشاهد في المياه المنعقدة ولا قدر لكرة الماء الموجود الآن بالنسبة إلى المالىء جوف العرش وهذا مثل أن ينعقد البحر فيصير كالعدسة ولا يلتزمه عاقل. وأما ثانياً فلأن كرة الماء على ما يشاهد غير متجمدة بل باقية على طبعها من الذوبان، فإن قلت: بقي على تقدير كون الماء في ابتداء الخلقة عظيم المقدار مالئاً لجوف العرش احتمال آخر وهو أن يفرز بعض أجزاء هذه الكرة العظيمة ويجعل مادة لسائر الأجرام السماوية والأرضية كما في سورة انقلاب بعض العناصر إلى بعض. / ويؤيده ما ورد في الأثر من أن العرش كان قبل خلق السماوات والأرض على الماء، ثم إنه تعالى أحدث في الماء اضطراباً فأزبد فارتفع منه دخان وبقي الزبد على وجه الماء فخلق فيه اليبوسة فصار أرضاً، وخلق من الدخان السماوات، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآء وَهِيَ دُخَانٌ }تفسير : [فصلت: 11] قلنا: إن هذا الاحتمال غير واقع أما على تقدير تركب الجسم من الهيولى والصورة على ما ذهب إليه المشاؤون من الفلاسفة فلأن هيولى العناصر وإن كانت واحدة بالشخص قابلة لأن يتوارد عليها صور العناصر بواسطة استعدادات متعاقبة تعرض إلا أن هيولى كل فلك مخالفة لهيولى فلك آخر لا تقبل إلا الصورة التي حصلت فيها، وأما على تقدير تركبه من الجواهر الفردة على ما هو مذهب أهل الحق فلأنها متخالفة الحقائق عند محققي المتأخرين على ما صرحوا به، فما يتركب منه الماء لا يجوز أن يتركب منه سائر الأجسام، وأما ما ورد في الأثر وأشارت إليه الآية من جعل الدخان المرتفع من الماء مادة للسماوات فمصروف عن ظاهره إذ الدخان أجزاء نارية خالطتها أجزاء صغار أرضية تلطفت بالحرارة ولا تمايز بينهما في الحس لغاية الصغر، فقبل خلق السماوات والأرض بما فيهما لم تكن نار وأرض، فمن أين يتولد الدخان؟ وكذا إن أريد بالدخان البخار لأنه أجزاء هوائية مازجتها أجزاء صغار مائية تلطفت بالحرارة بحيث لا تمايز بينهما في الحس أيضاً فحيث لا هواء لا بخار، ولهذا قال القاضي في تفسير {أية : وَهِيَ دُخَانٌ}تفسير : [فصلت: 11]: أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي ركبت منها، ومن هنا ظهر أن ما في الأثر لا يؤيد كون العرش موضوعاً على متن الماء ملتصقاً به بل يؤيد أن لا يكون بينهما حائل إذ ارتفاع الدخان والبخار يستدعي وجود فضاء تتحرك فيه تلك الأجزاء، وفي صورة الالتصاق لا يمكن ذلك كما لا يخفى على من له تخيل سليم. ويعلم مما ذكر أنه يجب تفسير الآية بما فسرها به القاضي ولا مجال للقول بالوضع على المتن فيتم الاستدلال، وأما قول أبـي السعود: إنه لو دل الخ ففيه أن الوقوع أدل دليل على إمكان الشيء، ومثل هذا الاستدلال شائع ذائع في كلامهم، وأما أن المراد بالإمكان الإمكان الوقوعي فكلا إذ النزاع في الإمكان لا الوقوع، وما ينقل عن الأصمعي من أن هذا كقولهم السماء على الأرض مع أن أحدهما ليس ملتصقاً بالآخر، وحينئذٍ يكون معنى قول القاضي: لم يكن حائل بينهما أنه لم يكن حائل محسوس بينهما وكان حائل غير محسوس وهو الهواء ليس بشيء ولا يصلح ما ذكر معنى لذلك إذ الفوقية كانت قبل خلق جميع أجرام هذا العالم فعلى تقدير عدم الالتصاق لا يتصور حائل أصلاً، ثم بين وجه دلالة الآية على أن الماء أول حادث بعد العرش بنحو ما قدمنا ذكره انتهى المراد منه. وأقول: إن هذا الاحتمال الذي أجاب عنه بزعمه قوي جداً، وما ذكره عن محققي المتأخرين صرح الجمهور بخلافه، وقد حقق ذلك في موضعه فلا مانع من أن يخلق الله تعالى من الماء الأجرام السماوية والأرضية بل وكل شيء، وما ذكره في حيز تعليل صرف الأثر عن ظاهره ليس بشيء أصلاً إذ يجوز أن يحيل سبحانه بعض ذلك الماء المالىء أجزاء نارية وبعضه أجزاء أرضية ويجعل المجموع دخاناً، وكذا يجوز أن يحيل البعض أجزاء هوائية فتمازج أجزاء صغاراً مائية متلطفة بحرارة يخلقها حيث شاء فيتكون البخار، وفي الأثر عن وهب بن منبه أنه جل شأنه قبض قبضة من الماء ثم فتح القبضة فارتفع الدخان ثم قضاهن سبع سماوات في يومين ويؤول حديث الارتفاع بما لا يستدعي الفضاء نحو أن يكون المعنى فوجد بعضه دخاناً مرتفعاً، وقد يقال: يجوز أن يكون الماء في ابتداء الخلقة مالئاً للعرش ثم إنه سبحانه لما أراد أن يخلق ما يخلق أفنى منه ما أراد وخلق بلا فاصل يتحقق معه الخلاء بدله ما خلق لا من شيء، والقول باستحالة هذا الخلق مفض إلى فساد عظيم وخطب جسيم لا يكاد يستسهله أحد من المسلمين وهو ظاهر، / وما ذكره في دفع قول شيخ الإسلام: أنه لو دل لدل الخ غير ظاهر فيه، قيل: إذ الاعتراض بطريق أنه لو دل لدل على وجود الخلاء لا على إمكانه الصرف لأن الشيء إذا كان موجوداً كان وجوده ضرورياً لا ممكناً صرفاً على ما بين في محله، وينادي على أن الاعتراض كذلك تقييد الإمكان في عبارته بقيد فقط مع القول بالدلالة على الوجود. وأورد بعضهم على قوله: قد تقرر في علم الأبعاد والأجرام الخ أن ذلك مبني على ظن أن الماء في الآية هو الماء العنصري وأنه من بعض الظن إذ ذاك إنما خلق بعد خلق الأرض فكيف يتصور أن يكون العرش الذي خلق قبل السماوات والأرض عليه فضلاً عن أن يكون موضوعاً على متنه أو غير موضوع عليه من غير حائل بينهما، وإنما هو الماء الطبيعي النوري العمائي الذي تكون العرش منه، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره، ونظير ذلك ما قاله الكامل ابن الكمال: ليس المراد من العرش تاسع الأفلاك، ولا من الماء أحد العناصر لما شهد بذلك شهادة صحيحة لا مرد لها ما أخرجه مسلم في «صحيحه» من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان الله تعالى ولم يكن معه شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض»تفسير : فلا وجه للاستدلال به على إمكان الخلاء، وأن الماء أول حادث بل عرشه سبحانه عبارة عن قيوميته بناءً على أنه في الأصل سرير الملك وهو مظهر سلطانه، والماء إشارة إلى صفة الحياة باعتبار أن منه كل شيء حي، فمعنى {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاءِ} وكان حياً قيوماً، وفي لفظة {عَلَىٰ} تنبيه على ترتب أحدهما على الآخر فتدبر انتهى. ولعل وجه شهادة الخبر بذلك النفي تضمنه على تقدير الإثبات ما ينافي ما تضمنه النفي فيه إذ يكون حينئذ شيآن معه سبحانه فضلاً عن شيء، ولا يخفى أن هذا إنما يتم لو كانت الجملة الماضوية في موضع الحال، والظاهر أنها كغيرها معطوفة على الجملة المستأنفة، وليس في الكلام ما يقتضي أن المعنى {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآء} مع وجوده تعالى بدون معية شيء له ليضطر إلى حمل الماء والعرش على ما علمت من صفتيه تعالى، ولا أرى في الحديث أكثر من إفادة ثبوت ما تضمنته المتعاطفات قبل خلق السماوات والأرض، وأما أن كونه تعالى ولم يكن معه شيء ـ وكون عرشه سبحانه على الماء، وكتابته في الذكر ما كتب كلها في وقت واحد هو وقت وجوده تعالى الواقع بعده خلق السماوات والأرض بمهلة وتراخ ـ فلا أراه، وقد جاء في بعض الروايات عطف الخلق على ما قبله بالواو كسائر المعطوفات. أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمران بن حصين قال: «حديث : قال أهل اليمن: يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله تعالى قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء وخلق السماوات والأرض»تفسير : الخبر، ثم إنه لا يتم أمر الشهادة بمجرد ما تقدم بل لا بد أيضاً من حمل الكتابة في الذكر على التقدير، ونفى أن يكون هناك كتابة ومكتوب فيه حسبما يتبادر منهما، ويلتزم هذا في الخبر الثاني أيضاً، ومع ذلك يعكر على القول بكون زمن التقدير متحداً كزمن قيوميته وحياته تبارك وتعالى مع زمن وجوده سبحانه ما أخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء»تفسير : لأن أجزاء الزمان الموهوم الفاصل بين زمان وجوده تعالى ووجود صفاته وزمان وجود الخلق غير متناهية، فكيف تقدر بخمسين ألف سنة وضربها في نفسها وضرب الحاصل من ذلك بنفسه ألف ألف مرة أقل قليل بل لا شيء يذكر بالنسبة إلى غير المتناهي؛ ويعارض هذه / الشهادة أيضاً ما تقدم في حديث أبـي رزين العقيلي من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : وخلق عرشه على الماء»تفسير : فإنه نص في أن العرش مخلوق، ولا يجوز أن تكون القيومية مخلوقة، وكذا ما روي عن كعب من أنه سبحانه خلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماءاً، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، وجاء حديث كون الماء على متن الريح عن ابن عباس، وقد أخرج ذلك عنه ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، وإباء ما ذكر عن كون الماء بمعنى صفة الحياة له تعالى ظاهر، ومثله ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه قال: كان عرشه سبحانه على الماء فلما خلق السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفاً تحت العرش ـ وهو البحر المسجور ـ فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى، ولعل وجه الأمر بالتدبر في كلام هذا الفاضل الإشارة إلى ما ذكرنا. وبالجملة لا شك أن المتبادر من الماء ما هو أحد العناصر ومن العرش الجسم الذي جاء في الأخبار من وصفه ما يبهر العقول وشهادة الخبر السابق مع كونها شهادة نفي عارضتها شهادات إثبات غير نص في المطلوب كما علمت، ومن كون العرش على الماء ما يعم الشقين كونه موضوعاً على متنه مماسا له وكونه فوقه من غير أن يكون بينهما ما يماسهما، وتخصيصه بالشق الثاني مما لا يتم له دليل ولا يصفو عن القال والقيل، وأن الآية لا تصلح دليلاً على كون الماء أول حادث بعد العرش، ومن رجع إلى الأخبار المعول عليها رأى بعضها كخبر أبـي رزين الذي حسنه الترمذي ظاهراً في أن الماء قبل العرش، وقصارى ما يقال في هذا المقام: إن الحق مع شيخ الإسلام وأن نصرة القاضي ـ وإن كان ناصر الدين ـ نصرة خارجة عن الطريق المستبين، فلا تلتفت هداك الله سبحانه إلى من أطال في ذلك بلا طائل، وأتى بكلام لا يشبه كلام عاقل، وزعم أن ذاك من الحكمة وهو عنها ـ علم الله بمراحل، ولولا الوقوع في العبث لنقلناه ونبهنا على ما فيه، وإن كان حال ظاهره مؤذناً بحال خافيه، نعم قد يقال: إن البيضاوي إنما ذكر أنه استدل بالآية على كذا وكذا، ولم يدّع أن فيها دليلاً على ذلك، فما يتوجه من الاعتراضات إنما يتوجه على المستدل دونه وكأنه من وجه إليه ذلك ادعى ارتضاءه للاستدلال بدليل ما وطأه له من المقال، وزعم الجبائي أن في الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات والأرض حي مكلف لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف بمكلف يمكنه الاستدلال به، ورده عليّ ابن عيسى بأنه لا يلزم ذلك ويكتفي بكون الأخبار به نافعاً للمكلفين واختاره المرتضى، ومنشأ ذلك الاعتزال، والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. {لِيَبْلُوَكُمْ} اللام للتعليل مجازاً متعلقة بـ {خَلِقَ} أي خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسباب معاشكم وأودع في تضاعيفهما ما تستدلون به من تعاجيب الصنائع والعبر على مطالبكم الدينية ليعاملكم معاملة من يختبركم. {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} فيجازيكم حسب أعمالكم، وقيل: متعلق بفعل مقدر أي أعلم بذلك ليبلوكم وقيل: التقدير وخلقكم ليبلوكم وقيل: في الكلام جملة محذوفة أي وكان خلقه لهما لمنافع يعود عليكم نفعها في الدنيا دون الآخرة وفعل ذلك ليبلوكم والكل كما ترى. والابتلاء في الأصل الاختبار والكلام خارج مخرج التمثيل / والاستعارة، ولا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأنه إنما يكون لمن لا يعرف عواقب الأمور. وقيل: إنه مجاز مرسل عن العلم للتلازم بين العلم والاختبار، وهو محوج إلى تكلف أن يراد ليظهر تعلق علمه الأزلي وإلا فالعلم القديم الذاتي ليس متفرعاً على غيره، وما تقدم لا تكلف فيه، وهو مع بلاغته مصادف محزه، والمراد بالعمل ما يشمل عمل القلب وعمل القالب، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم في «التاريخ» وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {لِيَبْلُوَكُمْ} الخ فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، ثم قال: وأحسنكم عقلاً أورعكم عن محارم الله تعالى وأعملكم بطاعة الله تعالى» تفسير : لكن ذكر الحافظ السيوطي أن سنده واه. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سفيان أن معنى {أَحْسَنُ عَمَلاً} أزهد في الدنيا، وعن مقاتل أتقى لله تعالى، وعن الضحاك أكثرهم شكراً، ولعل أخذ العمل شاملاً للأمرين أولى، وأفضلها ما كان عمل القلب كيف لا ومدار العبادة القالبية الواجبة على العباد معرفة الله تعالى التي تحل القلب، وقد يرفع به للعبد في يوم مثل عمل أهل الأرض. وفي بعض الآثار «تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة» واعتبار خلق السماوات في ضمن المفرع عليه لما أن في السماوات مما هو من مبادي النظر وتهيئة أسباب المعاش الأرضية التي بها قوام القالب ما لا يخفى، وقريب من هذا أن ذكر السماوات وخلقها لتكون أمكنة الكواكب والملائكة العاملين فيها لأجل الإنسان. وقال بعض المحققين. إن كون خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهر، وأما خلق السماوات فذكر تتميماً واستطراداً مع أن السموات مقر الملائكة الحفظة وقبلة الدعاء ومهبط الوحي إلى غير مما له دخل في الابتلاء في الجملة، ولعل ما أشير إليه أولاً أولى. وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعل البلوى على المشهور، وجعل في «الكشاف» الفعل هنا معلقاً لما فيه من معنى العلم، ومنع في سورة الملك تسمية ذلك تعليقاً مدعياً أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعاً ـ كعلمت أيهما فعل كذا. وعلمت أزيد منطلق ـ وبين كلاميه في السورتين اضطراب بحسب الظاهر، وأجاب عنه في «الكشف» بما حاصله أن للتعليق معنيين: مصطلح ويعدى بعن وهو المنفى في تلك السورة ولغوي ويعدى بالباء وعلى، وهو خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوه، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنى وإعراباً سواء كان لفظاً أو محلاً وهو المثبت هٰهنا، وقال الطيبـي: يمكن أن يكون ما هنا على إضمار العلم كأنه قيل: ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً والتعليق فيه ظاهر، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم كأنه قيل: ليعلمكم أيكم الخ فيصح النفي، ولا يخفى على من راجع كلامه أن فيه ما يأبـى ذلك، وقد يقال: إن التعليق لا يختص بما كان من الأفعال بمعنى العلم كما ذهب إليه ثعلب والمبرد وابن كيسان، وإن وجهه أويس بما في «همع الهوامع»، ورجحه الشلوبين، ولا بالفعل القلبـي مطلقاً بل يكون فيه وفي غيره مما ألحق به لكن من الاستفهام خاصة، واقتصر بعضهم في الملحق على بصر وتفكر وسأل ـ وزاد ابن خروف نظر ـ ووافقه ابن عصفور وابن مالك، وزاد الأخير نسي كما في قوله: شعر : ومن أنتم إنا نسينا من أنتم تفسير : ونازعه أبو حيان بأن ـ من ـ تحتمل الموصولية والعائد محذوف أي من هم أنتم، وكذا زاد أيضاً ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلق بفعل القلب ـ كترى البصرية ـ في قوله: أما ترى أي برق هنالك، وكيستنبئون في قوله تعالى: / {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} تفسير : [يونس: 53] وكنبلو فيما نحن فيه، ونازعه أبو حيان بأن ترى في الأول علمية، وأيكم في الأخير موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل من ضمير الخطاب بدل بعض، ونقل ذلك عنه الجلال السيوطي ولم أجده في «بحره»، وفي الرضي أن جميع أفعال الحواس تعلق عن العمل، وفي «التسهيل» ما يؤيده، وأجاز يونس تعليق كل فعل غير ما ذكر، وخرج عليه {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}تفسير : [مريم: 69] والجمهور لم يوافقوه على ذلك، وقد ذكر بعض الفضلاء أن الفعل القلبـي وما جرى مجراه إما متعد إلى واحد أو اثنين، فالأول يجوز تعليقه سواء تعدى بنفسه كعرف، أو بحرف كتفكر لأن معموله لا يكون إلا مفرداً، وبالتعليق بطل عمله في المفرد الذي هو مقتضاه وتعلق بالجملة، ولا معنى للتعليق إلا إبطال العمل لفظاً لا محلا وإن تعدى لاثنين، فإما أن يجوز وقوع الثاني جملة كما في باب علم أو لا، فإن جاز علق عن المفعولين نحو علمت لزيد قائم لا عن الثاني لأنه يكون جملة بدون تعليق فلا وجه لعده منه إذ لا فرق بين أداة التعليق وعدمها فالتعليق لا يبطل عمل الفعل أصلاً كما في علمت زيداً أبوه قائم، وعلمت زيداً لا أبوه قائم، فإن عمله في محل الجملة لا فرق فيه بين وجود حرف التعليق وعدمه وإن لم يجز، وورد فيه كلمة تعليق كان منه نحو {أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 215] فإن المسؤول عنه لا يكون إلا مفرداً. والفعل فيما نحن فيه يحتمل أن يكون عاملاً فيما بعده وهو المختبر به غير متضمن علماً، وفعل البلوى إذا كان كذلك يتعدى بالباء إلى المختبر به ولا يكون إلا مفرداً كما في قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ }تفسير : [البقرة: 155] والاستفهام قد أبطل مقتضاه لفظاً وهو التعليق، ويحتمل أن يكون متضمناً معنى العلم ويكون العلم عاملاً فيه وهو مفعوله الثاني، وحينئذ لا تعليق، ومن هنا يظهر أن تعليق الفعل في الآية إنما هو على تقدير إعمال فعل البلوى، وعدم تعليقه على تقدير إعمال العلم فلا منافاة بين الكلامين انتهى وهو تفصيل حسن، وفي «الهمع» أن الجملة بعد المعلق في باب علم وأخواتها في موضع المفعولين فإن كان التعليق بعد استيفاء المفعول الأول فهي في موضع المفعول الثاني، وأما في غير هذا الباب فإن كان الفعل مما يتعدى بحرف الجر فالجملة في موضع نصب باسقاطه نحو فكرت أهذا صحيح أم لا، وجعل ابن مالك منه {أية : فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا} تفسير : [الكهف: 19] وإن كان مما يتعدى لواحد فهي في موضعه نحو عرفت أيهم زيد، فإن كان مفعوله مذكوراً نحو عرفت زيداً أبو من هو، فالجملة بدل منه على ما اختاره السيرافي وابن مالك، وهو بدل كل من كل بتقدير مضاف أي قصة زيد أو أمره عند ابن عصفور، والتزم ذلك ليكون المبدل منه جملة في المعنى، وبدل اشتمال ولا حاجة إلى التقدير عند ابن الصائغ، وذهب المبرد والأعلم وابن خروف وغيرهم إلى أن الجملة في موضع نصب على الحال، وذهب الفارسي إلى أنها في موضع المفعول الثاني لعرفت على تضمينه معنى علمت، واختاره أبو حيان وفيه نوع مخالفة في الظاهر لما تقدم تظهر بالتأمل إلا أنه اعترض القول بأن ما بعد فعل البلوي مختبر به بأن المختبر به إنما هو خلق السماوات والأرض، وأجيب بأن ذلك وإن كان في نفس الأمن مختبراً عنه والمختبر به ما ذكر إلا أنه جعل مختبراً به باعتبار ترتبه على ذلك، ولا يحفى ما فيه. وقال بعض أرباب التحقيق في دفع المخالفة: إن الزمخشري جعل قوله سبحانه هنا: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} بجملته استعارة تمثيلية فتكون مفرداته مستعملة في معناها الحقيقي معطاة ما تستحقه، وفعل البلوى يعلق عن المفعول الثاني لأنه لا يكون جملة إذ هو يتعدى له بالباء وحرف الجر لا يدخل على الجمل، وجرى التعليق فيه بناءً على أنه مناسب لفعل القلوب معنى، وقد صرح غير واحد بجريانه في ذلك وجعله ثمة مستعاراً لمعنى العلم، والفعل إذ تجوز به عن معنى فعل آخر عمل عمله وجرى عليه حكمه، وعلم لا يعلق عن المفعول الثاني فكذا / ما هو بمعناه فيكون قد سلك في كل من الموضعين مسلكاً تفنناً، وكثيراً ما يفعل ذلك في كتابه، ولعله لم يعكس الأمر لأن ما فعله في كل أنسب بما قبله من خلق السماوات والأرض وما فيها من النعم والمنافع وخلق الموت والحياة، ولا يخفى أن هذا قريب مما تقدم وفيه ما فيه. والإتيان بصيغة التفضيل الدالة على الاختصاص بالمختبرين الأحسنين أعمالاً مع شمول الاختبار لفرق المكلفين وتتفاوت أعمال الكفار منهم إلى حسن شرعي وقبيح لا إلى حسن وأحسن كما في أعمال المؤمنين للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقي دائماً لدلالته على أن الأصل المقصود بالاختبار ذلك الفريق ليجازيهم أكمل الجزاء فكأنه قيل: المقصود أن يظهر أفضليتكم لأفضلكم فإن ذلك مفروغ عنه لا يحيد عنه ذو لب، وجوز أن يكون من باب الزيادة المطلقة وأن يكون من باب{أية : أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً}تفسير : [مريم: 73] وأياً مّا كان فالخطاب ليس خاصاً بالمؤمنين لأن إظهار حال غيرهم مقصود أيضاً لكنه لا بالذات على الوجه الأول. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. أي مثله في الخديعة والبطلان، فالتركيب من التشبيه البليغ، والإشارة إلى القول المذكور، وجوز أن تكون للقرآن كأنه قيل: لو تلوت عليهم من القرآن ما فيه إثبات البعث لقالوا هذا المتلو سحر، والمراد إنكار البعث بطريق الكناية الايمائية لأن إنكار البعث إنكار للقرآن، وقيل: إن الإخبار عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب عن كونه بطريق الوحي المتلو إلى أنهم عند سماعهم ذلك تخلصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضع وكونه علماً عندهم في ذلك فعمدوا إلى تكذيبه وتسميته سحراً تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سنن الرشاد وهو خلاف الظاهر، وقيل: الإشارة إلى نفس البعث، وتعقب بأنه لا يلائمه التسمية بالسحر فإنه إنما يطلق على شيء موجود ظاهراً لا أصل له في الحقيقة، ونفس البعث عندهم معدوم بحت، وفيه بحث لجواز أنهم أرادوا من السحر الأمر الباطل والشيء الذي لا أصل له ولا حقيقة لشيوعه فيما بينهم بذلك حتى كأنه علم له. وجوز أن تكون الإشارة إلى القائل، والإخبار عنه بالسحر للمبالغة، والخطاب في {إِنَّكُمْ} إن كان لجميع المكلفين فالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولنّ الكافرون منهم، وإن كان للكافرين فذكر الموصول ليتوصل به إلى ذمهم بعنوان الصلة. وتعلق الآية الكريمة بما قبلها إما من حيث أن البعث من تتمات الابتلاء المذكور فيه كأنه قيل: الأمر كما ذكر، ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذة من مقدماته وقضية فردة من تتماته يقولون ما يقولون فضلاً عن أنهم يصدقون بما وقع هذا تتمة له، وإما من حيث أن البعث خلق جديد فكأنه قيل: وهو الذي خلق جميع المخلوقات ليترتب عليها ما يترتب، ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه سبحانه يعيدهم تارة أخرى وهو أهون عليه يعدون ذلك ما يعدون فسبحان الله عما يصفون. وقرأ عيسى الثقفي {ولئن قلت} بضم التاء على أن الفعل مسند إليه تعالى أي ولئن قلت ذلك في كتابـي المنزل عليك ليقولن الذين كفروا الخ، وفي «البحر» ((أن المعنى على ذلك ولئن قلت مستدلاً على البعث من بعد الموت إذ في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [الحديد: 4] الخ دلالة على القدرة العظيمة، فمتى أخبر بوقوع ممكن وقع لا محالة وقد أخبر بالبعث فوجب قبوله وتيقن وقوعه)) انتهى وهو لدى الذوق السليم كماء البحر. وقرأ الأعمش {أنكم} بفتح الهمزة على تضمين {قلت} معنى ذكرت ولئن قلت ذاكراً أنكم مبعوثون فأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول للذكر، واستظهر بعضهم كون القول بمعنى الذكر مجازاً، وتعقب بأن الذكر والقول مترادفان فلا معنى للتجوز حينئذ، ولما كان القول باقياً في التضمين جاء الخطاب على مقتضاء. وجوز أن تكون أن بمعنى علّ، ونقل ذلك عن سيبويه، وجاء ائت السوق علك تشتري لحماً وأنك تشتري لحماً، وهي لتوقع المخاطب لكن لا على سبيل الإخبار فإنهم لا يتوقعون البعث بل على سبيل الأمر كأنه قيل: توقعوا بعثكم ولا تبتوا القول بإنكاره، وبذلك يندفع ما يقال: إن النبـي صلى الله عليه وسلم قاطع بالبعث فكيف يقول لعلكم مبعوثون، وأيضاً القراءة المشهورة صريحة في القطع والبت، وهذه صريحة في خلافه فيتنافيان، ومنهم من قال: يجوز أن يكون هذا من الكلام المنصف والاستدراج فربما ينتبهون إذا تفكروا ويقطعون بالبعث إذا نظروا. وقرأ حمزة والكسائي {إلا ساحر} والإشارة إلى القائل، ولا مبالغة في الإخبار كما كانت على هذا الاحتمال في قراءة الجمهور، ويجوز أن تكون للقول أو للقرآن، وفيه من المبالغة ما في قولهم: شعر شاعر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها}تفسير : [هود: 6]. والمناسبة أنّ خلق السماوات والأرض من أكبر مظاهر علم الله وتعلقات قدرته وإتقان الصنع، فالمقصود من هذا الخبر لازمه وهو الاعتبار بسعة علمه وقدرته، وقد تقدم القول في نظيرها في قوله: {أية : إنّ ربّكُمْ اللّهُ الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ ثم استوى على العرش}تفسير : في سورة [الأعراف: 54]. وجملة {وكان عرشه على الماء} يجوز أن تكون حالاً وأن تكون اعتراضاً بين فعل (خلق) ولام التعليل. وأما كونها معطوفة على جملة {أية : وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها}تفسير : [هود: 6] المسوقة مساق الدليل على سعة علم الله وقدرته فغير رشيق لأنّ مضمون هذه الجملة ليس محسوساً ولا متقرراً لدى المشركين إذ هو من المغيبات وبعضه طرأ عليه تغيير بخلق السماوات فلا يحسن جعله حجة على المشركين لإثبات سعة علم الله وقدرته المأخوذ من جملة {أية : وما من دابة في الأرض}تفسير : [هود: 6] الخ. والمعنى إن العرش كان مخلوقاً قبل السماوات وكان محيطاً بالماء أو حاوياً للماء. وحمل العرش على أنّه ذات مخلوقة فوق السماوات هو ظاهر الآية. وذلك يقتضي أن العرش مخلوق قبل ذلك وأن الماء مخلوق قبل السماوات والأرض. وتفصيل ذلك وكيفيته وكيفية الاستعلاء مما لا قبل للأفهام به إذ التعبير عنه تقريب. ويجوز أن يكون المراد من العرش ملك الله وحكمه تمثيلاً بعرش السلطان، أي كان ملك الله قبل خلق السماوات والأرض مُلكاً على الماء. وقوله: {ليبلوكم} متعلق بـ{خلق} واللاّم للتعليل. والبلو: الابتلاء، أي اختبار شيء لتحصيل علم بأحواله، وهو مستعمل كناية عن ظهور آثار خلقه تعالى للمخلوقات، لأن حقيقة البلو مستحيلة على الله لأنّه العليم بكلّ شيء، فلا يحتاج إلى اختباره على نحو قوله: {أية : إلاّ لنَعْلَم مَن يتّبعُ الرسول}تفسير : في سورة [البقرة: 143]. وجُعل البلو علة لخلق السماوات والأرض لكونه من حكمة خلق الأرض باعتبار كون الأرض من مجموع هذا الخلق، ثم إن خلق الأرض يستتبع خلق ما جعلت الأرض عامرة به، واختلاف أعمال المخاطبين من جملة الأحوال التي اقتضاها الخلق فكانت من حكمة خلق السماوات والأرض، وكان التّعليل هنا بمراتب كثيرة، وعلة العلة علّة. و{أيكم}: اسم استفهام، فهو مبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر سادّة مسدّ الحال اللاّزم ذكرها بعد ضمير الخطاب في {يبلوكم}، نظراً إلى أن الابتلاء لا يتعلق بالذوات، فتعدية فعل (يبلو) إلى ضمير الذوات ليس فيه تمام الفائدة فكان محتاجاً إلى ذكر حال تُقَيّد متعلق الابتلاء، وهذا ضرب من التعليق وليس عينه. وفي الآية إشارة إلى أن من حكمة خلق الأرض صدور الأعمال الفاضلة من شرف المخلوقات فيها. ثم إن ذلك يقتضي الجزاء على الأعمال إكمالاً لمقتضى الحكمة ولذلك أعقبت بقوله: {ولئنْ قلت إنّكم مبعوثون} الخ. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} يظهر أن الواو واو الحال والجملة حال من فاعل {خلَق السماوات والأرض} باعتبار ما تعلق بالفعل من قوله في {ستة أيام}، وقوله: {ليبلوكم}، والتقدير: فعل ذلك الخلق العجيب والحال أنهم ينكرون ما هو دون ذلك وهو إعادة خلق الناس. ويجهلون أنه لولا الجزاء لكان هذا الخلق عبثاً كما قال تعالى: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}تفسير : [الدخان: 38]. فإنْ حمل الخبر في قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض} على ظاهر الإخبار كانت الحال مقدّرة من فاعل {خلَق} أي خلق ذلك مقدّراً أنكم تنكرون عظيم قدرته، وإن حمل الخبر على أنه مستعمل في التنبيه والاعتبار بقدرة الله كانت الحال مقارنة. ووجه جعلها جملة شرطية إفادة تجدد التكذيب عند كلّ إخبار بالبعث، واللاّم موطّئة للقسَم، وجواب القسَم {ليقولن} الخ، فاللام فيه لام جواب القسم. وجواب (إنْ) محذوف أغنى عنه جواب القسَم كما هو الشأن عند اجتماع شرط وقسم أنْ يحذف جواب المتأخر منهما. وتأكيد الجملة باللام الموطئة للقسم وما يتبعه من نون التوكيد لتنزيل السامع منزلة المتردد في صدور هذا القول منهم لغرابة صدوره من العاقل، فيكون التأكيد القوي والتنزيل مستعملاً في لازم معناه وهو التعجيب من حال الذين كفروا أن يحيلوا إعادة الخلق وقد شاهدوا آثار بدء الخلق وهو أعظم وأبدع. وقرأ الجمهور {إلاّ سحرٌ} على أنّ {هذا} إشارة إلى المدلول عليه بـ(قُلتَ)، ومعنى الإخبار عن القول بأنّه سحرٌ أنهم يزعمون أنّه كلام من قبيل الأقوال التي يقولها السحرة لخصائص تؤثر في النفوس. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: {إلاّ ساحرٌ} فالإشارة بقوله {هذا} إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من ضمير {قلتَ} أي أنه يقول كلاماً يسحرنا بذلك. ووجه جعلهم هذا القول سحراً إن في معتقداتهم وخرافاتهم أنّ من وسائل السحر الأقوال المستحيلة والتكاذيب البهتانيّة، والمعنى أنّهم يكذّبون بالبعث كلّما أخبروا به لا يترددون في عدم إمكان حصوله بله إيمانهم به. و{مبين} اسم فاعل أبان المهموز الذي هو بمعنى بَانَ المجرد، أي بَيّنٌ وَاضحٌ أنه سحر أو أنه ساحرٌ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}. صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق، ولم يخلقهما عبثاً ولا باطلاً. ونزه نفسه تعالى عن ذلك، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم بالنار، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص: 27] وقال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 115-116] وقال {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56]، وقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [الملك: 2] إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 7- والله خلق السموات والأرض وما فيهما فى ستة أيام، ومن قبل ذلك لم يكن الوجود أكثر من عالم الماء، ومن فوقه عرش الله. وقد خلق الله هذا الكون ليظهر بالاختبار أحوالكم - أيها الناس - ليظهر منكم من يقبل على الله بالطاعة والأعمال الحسنة، ومن يُعرض عن ذلك.. ومع هذه القدرة الخالقة إن قلت لهم مؤكداً: أنهم سيبعثون من قبورهم، وأنهم خلقوا ليموتوا ويُبعثوا، سارعوا إلى الرد عليك مؤكدين أن هذا الذى جئتهم به لا حقيقة له، وما هو إلا كالسحر الواضح الذى يلعب بالعقول. 8- ولئن اقْتضت حكمتنا تأخير عذاب كفرهم فى الدنيا إلى وقت مُحدد عندنا هو يوم القيامة، ليقولون مستهزئين: ما الذى يمنعه عنا الآن؟ فليأت به إن كان صادقاً فى وعيده. ألا فليعلم هؤلاء أن العذاب آتٍ حتماً، وأنه لا خلاص لهم منه حين يأتيهم، وأنه سيحيط بهم بسبب استهزائهم واستهتارهم. 9- وإن من طبيعة الإنسان أن تستغرق نفسه الحالُ التى يكون عليها، فإذا أعطيناه بعض النعم رحمة منا كالصحة والسعة فى الرزق، ثم نزعنا بعد ذلك هذه النعمة لحكمة منا، أسرفَ فى يأسه من عودة هذه النعمة إليه، وأسرف فى كفره بالنعم الأخرى التى لا يزال يتمتع بها. 10- وإننا لو أعطينا الإنسان نعمة بعد ضر لحق به، فإنه يقول: ذهب ما كان يسوؤنى ولن يعود ويحملُه ذلك على شدة الفرح بمتاع الدنيا، وعلى المبالغة فى التفاخر على الغير، فينشغل قلبه عن شكر ربه، هذا هو شأن غالب بنى الإنسان: مضطرب بين اليأس والتفاخر. 11- ولا يخلو من هذا العيب إلا الذين صبروا عند الشدائد، وعملوا الصالحات فى السرَّاء والضرَّاء. هؤلاء لهم مغفرة من الذنوب وأجر كبير على أعمالهم الصالحة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {وَلَئِن} (7) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى الخَلْقِ، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ عَرْشُهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى المَاءِ (وَعَرْشُ الرَّحْمَنِ عَالِمِ الغَيْبِ لاَ تُدْرِكُهُ الحَوَاسُّ، وَلاَ تَتَصَوَّرُهُ أَفْكَارُ البَشَرِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ إِدْرَاكَ كُنْهِ اسْتِوَائِهِ عَلَيهِ)، وَقَدْ خَلَقَ اللهُ البَشَرَ وَمَكَّنَهُمْ فِي الأَرْضِ لِيَخْتَبِرَهُمْ (لِيَبْلُوَهُمْ)، وَلِيَرَى أَيُّهُمْ سَيَكُونُ أَحْسَنَ عَمَلاً. وَلاَ يَكُونُ العَمَلُ حَسَناً إِلاّ إِذَا كَانَ خَالِصاً للهِ، وَمُوَافِقاً لِلشَّرْعِ، وَمَتَى فَقَدَ العَمَلُ وَاحِداً مِنْ هذِينِ الشَّرْطَيْنِ حَبطَ وَبَطَلَ. وَإِذَا أَخْبَرْتَ يِا مُحَمَّدُ، هؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ أَنَّ اللهَ سَيَبْعَثُهُمْ، بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، كَمَا بَدَأَ خَلْقَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَسَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لاَ يُصَدِّقُونَ مَا تَقُولُ مِنْ وُقُوعِ البَعْثِ، وَلاَ يُؤْمِنُ بِمَا تَقُولُ إِلاَّ مَنْ سَحَرْتَهُ أَنْتَ، فَهُوَ الذِي يُتَابِعُكَ وَيُصَدِّقُ قَوْلَكَ هذا. لِيَبْلُوَكُمْ - لِيَخْتَبِرَكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِكُمْ. أَحْسَنُ عَمَلاً - أَكْثَرُ طَاعَةً للهِ، وَأَكْثَرُ تَوَرُّعاً عَنْ مُقَارَفَةِ مَحَارِمِهِ.

الثعلبي

تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} قبل أن يخلق السماوات والأرض وذلك الماء على متن الريح. وقال كعب: خلق الله ياقوتة حمراء لا نظير لها [فنظر إليها بالهيبة] فصارت ماء، [يرتعد من مخافة الله تعالى] ثمّ خلق الريح فجعل الماء [على قشرة] ثم وضع العرش على الماء. وقال ضمرة: إنّ الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم وكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبّح الله ومجدّه قبل أن يخلق شيئاً من الخلق. {لِيَبْلُوَكُمْ} ليختبركم وهو أعلم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ليبلوكم أيّكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ". تفسير : قال ابن عباس: أيّكم أعمل بطاعة الله. قال مقاتل: أيّكم أتقى لله، الحسن: أيّكم أزهد في الدنيا زاهداً وأقوى لها تركاً. {وَلَئِن قُلْتَ} يا محمد {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} يعنون القرآن، ومن قرأ: ساحر ردّه إلى محمد (صلى الله عليه وسلم). {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} إلى أجل معدود ووقت محدود،وأصل الأُمّة الجماعة، وإنما قيل للحين: أُمّة، لأن فيه يكون الأُمّة، فكأنه قال: إلى مجيء أُمّة وانقراض أُخرى قبلها، كقوله: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف: 45]. {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} يقولون استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون أنه ليس بشيء. قال الله تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} العذاب {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} خبر [ليس] عنهم. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي رجع إليهم ونزل بهم وبال استهزائهم {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} سعة ونعمة {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا} سلبناها {مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} قنوط في الشدّة {كَفُورٌ} في النعمة. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} بعد بلاء وشدة {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} زالت الشدائد عني {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أشر بطر، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فإنهم إن نالتهم شدّة وعسرة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة، وإنما جاز الاستثناء مع اختلاف الحالين لأن الإنسان اسم الجنس كقوله: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [العصر: 1-3]. {فَلَعَلَّكَ} يا محمد {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} فلا تبلِّغه إياهم، وذلك أن مشركي مكة قالوا: آتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا. {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ} لأن يقولوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} ينفقه {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدّقه، قال عبد الله بن أُمية المخزومي قال الله: يا أيها النذير (ليس عليك إلاّ البلاغ) والله على كل شيء وكيل {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ} مثله {مُفْتَرَيَاتٍ} بزعمكم {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} لفظه جمع والمراد به الرسول وحده كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ}تفسير : [المؤمنون: 51] ويعني الرسول. وقال مجاهد: عنى به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} يعني القرآن {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} لفظه استفهام ومعناه أمر. {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أي من كان يريد بعمله الحياة الدنيا {وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} نوفر لهم أجور أعمالهم في الدنيا {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} لا ينقصون. قتادة يقول: من كانت الدنيا همّه وقصده وسروره وطلبته ونيّته جازاه الله تعالى ثواب حسناته في الدنيا، ثم يمضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحسن من محسن فقد وقع أجره على الله في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ". تفسير : واختلفوا في المعنيّ بهذه الآية فقال بعضهم: هي للكفار، وأما المؤمن فإنه يريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة على إرادته للدنيا، ويدل عليه قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} في الدنيا {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال مجاهد: هم أهل الربا. وروى ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: حدثني الوليد بن أبي الوليد بن عثمان أن عقبة بن مسلم حدّثه أن شقي بن قابع الأصبحي حدّثنا أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قيل: أبو هريرة. قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدّث الناس، فلما سكت وخلا، قلت: وانشدك الله لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم [عقلته وعلمته] فقال: لأحدّثنّك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في [هذا البيت] ثم غشي عليه ثم أفاق فقال: أحدثك حديثاً حدّثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت، ولم يكن أحد غيره وغيري، ثم شهق أبو هريرة شهقة شديدة ثم قال: [فأرى على وجهه ثمّ استغشى] طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة دعا العباد ليقضي بينهم، وكل أُمة جاثية فأول من يدعو رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله للقارئ: ألم أعلّمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: ماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، فيقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت،ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله فيقال له: في ماذا قُتلت؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك" ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: "يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة ". تفسير : قال الوليد: وأخبرني غيره أن شقياً دخل على معاوية وأخبره بهذا عن أبي هريرة فقال معاوية: وقد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية [وضرب خدّيه] حتى ظننّا أنه هالك، ثم أفاق معاوية لا يمسح وجهه وقال: صدق الله ورسوله {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} وقرأ إلى قوله: {بَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد تعرض القرآن الكريم لمسألة خلق الأرض والسماء أكثر من مرة. وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يخلق الأرض والسماوات في ستة أيام من أيام الدنيا، وكان من الممكن أن يخلقها في أقل من طرفة عين بكلمة "كن" وعرفنا أن هناك فارقاً بين إيجاد الشيء، وطرح مكونات إيجاد الشيء. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حين يريد الإنسان صنع "الزبادي"، فهو يضع جزءاً من مادة الزبادي - وتسمى "خميرة" - في كمية مناسبة من اللبن الدافىء، وهذه العملية لا تستغرق من الإنسان إلا دقائق، ثم يترك اللبن المخلوط بخميرة الزبادي، وبعد مضي أربع وعشرين ساعة يتحول اللبن المخلوط بالخميرة إلى زبادي بالفعل. وهذا يحدث بالنسبة لأفعال البشر، فهي أفعال تحتاج إلى علاج، ولكن أفعال الخالق سبحانه وتعالى لا علاج فيها؛ لأنها كلها تأتي بكلمة "كن". أو كما قال بعض العلماء: إن الله شاء أن يجعل خلق الأرض والسماوات في ستة أيام، وقد أخذ بعض المستشرقين من هذه الآية، ومن آيات أخرى مجالاً لمحاولة النيل من القرآن الكريم، وأن يدَّعوا أن فيه تعارضاً، فالحق سبحانه وتعالى هنا يقول: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ..} [هود: 7]. وجاءوا إلى آية التفصيل وجمعوا ما فيها من أيام، وقالوا: إنها ثمانية أيام، وهي قول الحق سبحانه: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ..}تفسير : [فصلت: 9-12]. وهنا قال بعض المستشرقين: لو كانت هذه قصة الخلق للأرض والسماوات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل. وقال أحدهم: لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح، وأعطيت فلاناً خمسة أرادب وفلاناً ثلاثة أرادب، وفلاناً أعطيته إردبين، وبذلك ينفد ما عندي؛ لأن التفصيل مطابق للإجمال. وادَّعى هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال. ولم يفطنوا إلى أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى، وهو يكلم أناساً لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة؛ وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون. هم فهموا، كأهل فصاحة، أن الحق - سبحانه وتعالى - قد خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسي وبارك فيها، إما في الأرض أو في الجبال، وقدَّر فيها أقواتها، وكل ذلك تتمة للحديث عن الأرض. ومثال ذلك: حين أسافر إلى الإسكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة - مثلاً - وإلى الإسكندرية في ساعتين، أي: أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي السفر إلى الإسكندرية. وكذلك خلق الأرض والرواسي وتقدير القوت، كل ذلك في أربعة أيام متضمنة يَوْمَىْ خَلْق الأرض، ثم جاء خلق السماء في يومين. ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ ..} [هود: 7]. كل هذه المسائل الغيبية لها حجة أساسية، وهي أن الذي أخبر بها هو الصادق، فلا أحد يشك أن الأرض والسماوات مخلوقة، ولا أحد يشك في أن السماوات والأرض أكبر خلقاً من خلق الناس، وليس هناك أحد من البشر ادَّعى أنه خلق الأرض أو خلق السماوات. وكل المخترعات البشرية نعرف أصحابها، مثل: المصباح الكهربي، والهاتف، والميكروفون، والتليفزيون، والسيارة، وغيرها. ولكن حين نجيء إلى السماوات والأرض لا نجد أحداً قد ادعى أنه قد خلقها. وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه هو الذي خلقها، وهي لمن ادّعاها إلى أن يظهر مُعارِض، ولن يظهر هذا المعارض أبداً. وكل هذا الخلق من أجل البلاء: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ..} [هود: 7]. أي: ليختبركم أيكم أحسن عملاً، ولكن من الذي يحدد العمل؟ إنه الله سبحانه وتعالى. وهل الحق سبحانه في حاجة إلى أن يختبر مخلوقاته؟ لا، فالله سبحانه يعلم أزلاً كل ما يأتي من الخلق، ولكنه سبحانه أراد بالاختبار أن يطابق ما يأتي منهم على ما علمه أزلاً؛ حجة عليهم. وهكذا فاختبار الحق سبحانه لنا اختبار الحجة علينا. ثم يقول الحق سبحانه: {.. وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7]. وهنا يصور الحق - سبحانه وتعالى - تكذيب المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يلقون بالألفاظ على عواهنها من قبل أن تمر على تفكيرهم. فلو أنهم قد مروا بهذه الكلمات على تفكيرهم؛ لاستحال منطقياً أن يقولوها. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم ببلاغ الحق سبحانه وتعالى لهم بأنهم مبعوثون من بعد الموت. وهذا كلام إخباري بأنهم إن ماتوا - وهم سيموتون لا محالة - سيبعثهم الله سبحانه، فما كان منهم إلا أن قالوا: {.. إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7]. والخبر الذي يقوله لهم هو خبر، فما موقع السحر منه؟ إنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك إلا من نص القرآن الكريم، وهم يقولون عن القرآن الكريم إنه سحر، فكأن النص نفسه من السحر الذي حكموا به على القرآن. وأوضحنا من قبل أن إبطال قضية السحر في القرآن الكريم دليله منطقي مع القول؛ لأنهم إن كانوا قد ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن محمداً - في عرفهم - قد سحر القوم الذين اتبعوه. فالساحر له تأثير على المسحور، والمسحور لا دخل له في عملية السحر، فإذا كان محمد قد سحر القوم الذين اتبعوه، فلماذا لم يسحر هؤلاء المنكرين لرسالته؛ بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم؟ وحيث إنهم قد بقوا على ما هم عليه من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن المسألة ليست سحراً، ولو كان الأمر كذلك لسحرهم جميعاً. وقولهم: {.. إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7]. يدل على أنه سحر محيط، لا سحر لأناس خاصين، فكلمة {سِحْرٌ مُّبِينٌ} تعني: سحراً محيطاً بكل من يريد سحره. وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول الله يدل على أن المسألة ليست سحراً. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} معناهُ العزُّ والسُّلطانُ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} أنى يعزب ويغيب عن عمله شيء؟! {هُوَ ٱلَّذِي خَلَق} أي: أظهر وأبدع {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العلويات والسفليات اللتين هما بمثابتة الآباء والأمهات والفواعل والقوابل لنشأتكم وظهوركم {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ليحيط بالجهات كلها {وَكَانَ عَرْشُهُ} أي: مجلاه ومحل بروزه على الماء، وتشعشع تجلياته قبل ظهور هذه المظاهر والمكونات {عَلَى ٱلْمَآءِ} أي: على الحياة الحقيقية الخالية من التغرات والانقالابات المتوهمة من التعينات العدمية والتشخيصات الهيولانية، وإنما أظهرها على هذا التمثال وأوجدهها على هذا المنوال {لِيَبْلُوَكُمْ} ويختبركم أيها الأظلال والعكوس {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وقبولاً، وأتم توجهاً ورجوعاً، وأكمل تحققاً ووصولاً في يوم الجزاء. {وَ} بعدما نبههم الحق على ما هو الحق، وأوجدهم على فطرة الفطنة و الذكاء بمبدئهم ونشأتهم الأصلية {لَئِن قُلْتَ} يا أكمل الرسل تذكيراً له وإصلاحاً لحالهم: {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} للحساب والجزاء وتنفيذ الأعمال، فعليكم أن تتهيأوا لها وتدخروا لأجلها حتى لا تؤاخذوا و لاتعاقبوا {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} منهم من كمال غفلتهم وقسوتهم بعدما سمعوا منك قولك هذا: {إِنْ هَـٰذَآ} أي: ما الذي تقول به هذا الرجل إن وقع وتحقق {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [هود: 7] عظيم؛ إذ إحياء الموتى من العظام الرفات لا يُتصور إلا بالسحر الخارق للعادات، فإن وقع فهو في غاية العظمة ونهاية الغرابة. {وَ} بعدما استوجبوا لأسوأ العذاب واستحقوا الأليم العقاب بكفرهم وإنكارهم {لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} المعد لهم؛ أي: إتيانه {إِلَىٰ أُمَّةٍ} أي: جماعة من الأيام والأوقات {مَّعْدُودَةٍ} قلائل {لَّيَقُولُنَّ} مستهزئين مستسخرين من غاية جهلهم وإنكارهم: {مَا يَحْبِسُهُ} أي: يمنعه عن إتيان ما يدعيه من العذاب ووقوع ما يعد به من الأخذ والبطش {أَلاَ} تنبهوا أيها المؤمنون وتذكروا {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} العذاب، واعلموا يقيناً أن العذاب {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} حينئذ، ساقطاً عن ذمتهم، بل نزل عليهم {وَحَاقَ} وأحاط {بِهِم} حتماً {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8] من العذاب الموعود وقت إنذار الرسول. {وَ} من غاية لطفنا وجودنا إلى الإنسان، ونهاية إحساننا معه وتفقدنا لحاله {لَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ} المجبول على النسيان والكفران وأعطيناه {مِنَّا رَحْمَةً} ونعمة تسره وتفرج همه {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} ومنعناها عنه؛ إظهاراً لقدرتنا وكمال بسطتنا {إِنَّهُ} من قلة تصبره وغاية ضعفه وتكسره {لَيَئُوسٌ} قنوط من فضلنا ورحمتنا {كَفُورٌ} [هود: 9] لما وصل إلي من نعمتنا. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} وأنعمنا عليه {نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} أي: أعجزته وأزعجته {لَيَقُولَنَّ} متفخراً مباهياً بطراً {ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ} المؤلمة المحزنة {عَنِّيۤ إِنَّهُ} من غاية غفلته عن المنعم {لَفَرِحٌ} بطر فرحان {فَخُورٌ} [هود: 10] مغرور مفتخر بما في يده من النعم، مشغل بها عن شكرها وأداء حقها. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} على ما أصابهم من السيئات المملة المؤلمة، واسترجعوا إلى الله لكشفها {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} وواظبوا على الخيرات والحسنات وداوموا على الإيثار والصدقات؛ شكراً لما أنعمنا عليها {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء الصابرون عن البلاء، الشاكرون على النعماء عليهم {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي: ستر ومحو لذنوبهم التي مضت عليهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] هو الرضاء منهم تفضلاً عليهم وامتناناً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { و } حين خلق السماوات والأرض { كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } فوق السماء السابعة. فبعد أن خلق السماوات والأرض استوى عليه، يدبر الأمور، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية. ولهذا قال: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: ليمتحنكم، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض بأمره ونهيه، فينظر أيكم أحسن عملا. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "أخلصه وأصوبه". قيل يا أبا علي: "ما أخلصه وأصوبه" ؟. فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب: أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة، وهذا كما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ }. تفسير : وقال تعالى: {أية : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } تفسير : فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه وصفاته، وأمرهم بذلك، فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين، ومن أعرض عن ذلك، فأولئك هم الخاسرون، ولا بد أن يجمعهم في دار يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم. ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء، فقال: { وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ }. أي: ولئن قلت لهؤلاء وأخبرتهم بالبعث بعد الموت، لم يصدقوك، بل كذبوك أشد التكذيب، وقدحوا فيما جئت به، وقالوا: { إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } ألا وهو الحق المبين. { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ } أي: إلى وقت مقدر فتباطأوه، لقالوا من جهلهم وظلمهم { مَا يَحْبِسُهُ } ومضمون هذا تكذيبهم به، فإنهم يستدلون بعدم وقوعه بهم عاجلا على كذب الرسول المخبر بوقوع العذاب، فما أبعد هذا الاستدلال!! { أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } العذاب { لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ } فيتمكنون من النظر في أمرهم. { وَحَاقَ بِهِمْ } أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } من العذاب، حيث تهاونوا به، حتى جزموا بكذب من جاء به.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} [7] 259- أنا عِمران بن بكَّار بن راشد، نا علي بن عياش، نا شعيب قال: حدثني أبو الزِّناد مما حدَّثه عبد الرحمن الأعرج مما ذكر أنه سمع أبا هريرة يحدِّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يمين الله ملأى لا تغيضها، نَفقةٌ سحَّاءُ الليل والنهار وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق / السموات والأرض، فإنه لم ينفق ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع ". تفسير : 260- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد - يعني ابن الحارث، نا عبد الرحمن قال: أنبأني جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحْرز، عن ابن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الله ولا شيء غيره، وكان عرشه على الماء فكتب في الذِّكر كل شيء ثم خلق سبع سموات ".

همام الصنعاني

تفسير : 1182- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}: [الآية: 7]، قال: هذا بدء خَلْقِهِ قبل أن يخلق السَّمَاء والأرْضَ. 1185- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}: [الآية: 7]، على أي شيء كانَ الماءُ؟. قال: على مَتْنِ الريح.