١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
8
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به أخذوا في الاستهزاء ويقولون: ما السبب الذي حبسه عنا؟ فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزؤن به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم ذلك العذاب. بقي ههنا سؤالات: السؤال الأول: المراد من هذا العذاب هو عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة؟ الجواب: للمفسرين فيه وجوه: الأول: قال الحسن: معنى حكم الله في هذه الآية أنه لا يعذب أحداً منهم بعذاب الاستئصال وأخر ذلك إلى يوم القيامة، فلما أخر الله عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء ما الذي حبسه عنا؟ والثاني: أن المراد الأمر بالجهاد وما نزل بهم يوم بدر، وعلى هذا الوجه تأولوا قوله: {وَحَاقَ بِهِم } أي نزل بهم هذا العذاب يوم بدر. السؤال الثاني: ما المراد بقوله: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ }. الجواب من وجهين: الأول: أن الأصل في الأمة هم الناس والفرقة فإذا قلت: جاءني أمة من الناس، فالمراد طائفة مجتمعة قال تعالى: { أية : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ } تفسير : [القصص: 23] وقوله: { أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } تفسير : [يوسف: 45] أي بعد انقضاء أمة وفنائها فكذا ههنا قوله: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } أي إلى حين تنقضي أمة من الناس انقرضت بعد هذا الوعيد بالقول، لقالوا ماذا يحبسه عنا وقد انقرض من الناس الذين كانوا متوعدين بهذا الوعيد؟ وتسمية الشيء باسم ما يحصل فيه كقولك: كنت عند فلان صلاة العصر، أي في ذلك الحين. الثاني: أن اشتقاق الأمة من الأَم، وهو القصد، كأنه يعني الوقت المقصود بإيقاع هذا الموعود فيه. السؤال الثالث: لم قال: {وَحَاقَ } على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع؟ والجواب: قد مر في هذا الكتاب آيات كثيرة من هذا الجنس، والضابط فيها أنه تعالى أخبر عن أحوال القيامة بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد والتقرير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} اللام في {لَئِنْ} للقسم، والجواب {لَيَقُولُنَّ}. ومعنى {إلَى أُمَّةٍ} إلى أَجل معدود وحين معلوم؛ فالأمّة هنا المدّة؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقَتَادة وجمهور المفسّرين. وأصل الأمّة الجماعة؛ فعبّر عن الحين والسنين بالأمّة لأن الأمّة تكون فيها. وقيل: هو على حذف المضاف؛ والمعنى إلى مجيء أمّة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك. أو إلى ٱنقراض أمّة فيها من يؤمن فلا يبقى بعد ٱنقراضها من يؤمن. والأمّة ٱسم مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمّة تكون الجماعة؛ كقوله تعالى: {أية : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [القصص: 23]. والأمّة أيضاً أتباع الأنبياء عليهم السلام. والأمّة الرجل الجامع للخير الذي يُقتدى به؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً} تفسير : [النحل: 120]. والأمّة الدِّين والمِلّة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 23]. والأمة الحين والزمان؛ كقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} وكذلك قوله تعالى: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} تفسير : [يوسف: 45] والأمّة القامة، وهو طول الإنسان وارتفاعه؛ يقال من ذلك: فلان حسن الأُمَّة أي القامة. والأمّة الرجل المنفرد بدينه وحده لا يُشْرِكُه فيه أحد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُبَعث زيدُ بن عمرو بن نُفَيْل أمّة وحده». تفسير : والأمة الأم؛ يقال: هذه أمّة زيد، يعني أمّ زيد. {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} يعني العذاب؛ وقالوا هذا إما تكذيباً للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالاً وٱستهزاء؛ أي ما الذي يحبسه عنا. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} قيل: هو قتل المشركين ببدر؛ وقتل جبريل المستهزئين على ما يأتي. {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل وأحاط. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي جزاء ما كانوا به يستهزئون، والمضاف محذوف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ } مجيء {أُمَّةٍ } أوقات {مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ } استهزاء {مَا يَحْبِسُهُ } ما يمنعه من النزول؟ قال تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً } مدفوعاً {عَنْهُمْ وَحَاقَ } نزل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } من العذاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُمَّةٍ} فناء أمة، أو الأجل عند الجمهور، الأُمَّة: الأجل. {مَا يَحْبِسُهُ} أي العذاب، قالوا ذلك تكذيباً له لتأخره، أو استعجالاً واستهزاء.
الخازن
تفسير : {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} يعني إلى أجل محدود وأصل الأمة في اللغة الجماعة من الناس فكأنه قال سبحانه وتعالى إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى {ليقولن ما يحبسه} يعني: أي شيء يحبس العذاب وإنما يقولون ذلك استعجالاً بالعذاب واستهزاء يعنون أنه ليس بشي قال الله عز وجل: {ألا يوم يأتيهم} يعني العذاب {ليس مصروفاً عنهم} أي لا يصرفه عنهم شيء {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} يعني ونزل بهم وبال استهزائهم. قوله سبحانه وتعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} يعني: رخاء وسعة في الرزق والعيش وبسطنا عليه من الدنيا {ثم نزعناها منه} يعني سلبناه ذلك كله وأصابته المصائب فاجتاحته وذهبت به {إنه ليؤوس كفور} يعني يظل قانطاً من رحمة الله آيساً من كل خير كفور أي جحود لنعمتنا عليه أولاً قليل الشكر لربه قال بعضهم: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من أمن وسعة وعافية فاشكرها ولا تجحدها فإن نزعت عنك فينبغي لك أن تصبر ولا تيأس من رحمة الله فإنه العواد على عباده بالخير وهو قوله سبحانه وتعالى: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته} يعني ولئن نحن أنعمنا على الإنسان وبسطنا عليه من العيش {ليقولن} يعني الذي أصابه الخير والسعة {ذهب السيئات عني} يعني ذهب الشدائد والعسر والضيق وإنما قال ذلك غرة بالله عز وجل وجرأة عليه لأنه لم يضف الأشياء كلها إلى الله وإنما أضافها إلى العوائد فلهذا ذمه الله تعالى فقال {إنه لفرح فخور} أي إنه أشر بطر والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المراد والمشتهى والفخر هو التطاول على الناس بتعديد المناقب وذلك منهي عنه ثم استثنى فقال تبارك وتعالى: {إلا الذين صبروا، وعملوا الصالحات} قال الفراء: هذا استثناء منقطع معناه لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات فإنهم ليسوا كذلك فإنهم إن نالتهم شدة صبروا وإن نالتهم نعمة شكروا عليها {أولئك} يعني من هذه صفتهم {لهم مغفرة} يعني لذنوبهم {وأجر كبير} يعني الجنة. قوله عز وجل: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فلعلك يا محمد تارك بعض ما يوحى إليك ربك أن تبلغه إلى من أمرك أن تبلغ ذلك إليه {وضائق به صدرك} يعني ويضيق صدرك بما يوحى إليك فلا تبلغه إياهم وذلك أن كفار مكة قالوا ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك ذكر آلهتهم ظاهراً فأنزل الله عز وجل فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك يعني من ذكر آلهتهم هذا ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآية وأجمع المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم فيما كان طريقه البلاغ فإنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما هو به لا خطأ ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ جميع ما أنزل الله عليه إلى أمته ولم يكتم منه شيئاً وأجمعوا على أنه لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيانة في الوحي والإنذار ولا يترك بعض ما أوحي إليه لقول أحد لأن تجويز ذلك يؤدي إلى الشك في أداء الشرائع والتكاليف لأن المقصود من إرسال الرسول التبليغ إلى من أرسل إليه فإذا لم يحصل ذلك فقد فاتت فائدة الرسالة والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ذلك كله وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد بقوله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك شيئاً آخر سوى ما ذكره المفسرون. وللعلماء في ذلك أجوبة: أحدها: قال ابن الأنباري: قد علم الله سبحانه وتعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك شيئاً مما يوحى إليه إشفاقاً من موجدة أحد وغضبه ولكن الله تعالى أكد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في متابعة الإبلاغ من الله سبحانه وتعالى كما قال:{أية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}تفسير : [المائدة: 67] الآية. الثاني: أن هذا من حثه سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتحريضه على أداء ما أنزله إليه والله سبحانه وتعالى من وراء ذلك في عصمته مما يخافه ويخشاه. الثالث: أن الكفار كانوا يستهزئون بالقرآن ويضحكون منه ويتهاونون به وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيق صدره لذلك وأن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويستهزئون به فأمره الله سبحانه وتعالى بتبليغ ما أوحي إليه وأن لا يلتفت إلى استهزائهم وأن يتحمل هذا الضرر أهون من كتم شيء من الوحي، والمقصود من هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك مشتمل على ضرر عظيم ثم علم أن الضرر في باب الترك أعظم سهل عليه الإقدام على الفعل، وقيل: إن الله سبحانه وتعالى مع علمه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك شيئاً من الوحي هيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة باستهزائهم وردهم إلى قبول قوله بقوله: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم مخافة ردهم واستهزائهم به وضائق به صدرك أي بأن تتلوه عليهم {أن يقولوا} يعني مخافة أن يقولوا {لولا أنزل عليه كنز} يعني يستغني به وينفقه {أو جاء معه ملك} يعني يشهد بصدقه وقائل هذه المقالة هو عبد الله بن أمية المخزومي. والمعنى أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كانت صادقاً في قولك بأنك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وأنت عزيز عنده مع أنك فقير فهلا أنزل عليك ما تستغني به أنت وأصحابك وهل أنزل عليك ملكاً يشهد لك بالرسالة فتزول الشبهة في أمرك فأخبر الله عز وجل أنه صلى الله عليه وسلم نذير بقوله عز وجل: {إنما أنت نذير} تنذر بالعقاب لمن خالفك وعصى أمرك وتبشر بالثواب لمن أطاعك وآمن بك وصدقك {والله على كل شيء وكيل} يعني أنه سبحانه وتعالى حافظ يحفظ أقوالهم وأعمالهم فيجازيهم عليها يوم القيامة.
ابن عادل
تفسير : قال الحسنُ: حكم الله أنه لا يعذب أحداً من هذه الأمة بعذاب الاستئصال، وأخَّر ذلك العذاب إلى القيامة؛ فلمَّا أخَّر عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء: ما الذي حبسهُ عنَّا؟. وقيل: المرادُ بالعذاب: ما نزل بهم يوم بدرٍ. وأصل "الأمَّة" الجماعة، قال تعالى: {أية : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [القصص:23] وقوله: {أية : وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف:45]، أي: انقضاء أمة، فكأنَّهُ قال: إلى انقراض أمةٍ ومجيء أخرى. وقيل: اشتقاق الأمَّةِ من الأمِّ، وهو القصد، كأنَّهُ يعني الوقت المقصود بإيقاع الموعود فيه. {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي شيء يحبسه، يقولون ذلك، استعجالاً للعذابِ واستهزاءً، يعنُون أنه ليس بشيء. قوله: "لَيَقولُنَّ" هذا الفعلُ معربٌ على المشهورِ؛ لأنَّ النُّون مفصولةٌ تقديراً، إذ الأصل: "لَيَقُولُوننَّ" النون الأولى للرفع، وبعدها نونٌ مشددة، فاستثقل توالي ثلاثةِ أمثال، فحذفت نونُ الرفع؛ لأنَّها لا تدلُّ من المعنى على ما تدلُّ عليه نون التَّوكيد، فالتقى ساكنان، فحذفت الواوُ التي هي ضميرُ الفاعل لالتقائهما، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. و "مَا يَحْبِسُهُ" استفهامٌ، فـ "ما" مبتدأ، و "يَحْبِسُهُ" خبره، وفاعل الفعل ضميرُ اسم الاستفهام، والمنصوبُ يعودُ على العذابِ، والمعنى: أيُّ شيءٍ من الأشياء يحبسُ العذاب؟ قوله: "ألا يَوْمَ يَأتيهِمْ" "يَوْمَ" منصوبٌ بـ "مَصْرُوفاً" الذي هو خبرُ "ليس"، وقد استدلَّ به جمهور البصريين على جواز تقديم خبر "ليس" عليهما، ووجهُ ذلك أنَّ تقديم المعمول يُؤذن بتقديم العامل، و "يوم" منصوب بـ "مَصْرُوفاً" وقد تقدَّم على "ليس" فليَجُزْ تقديمُ الخبر بطريق الأولى، لأنَّه إذا تقدَّم الفرعُ فأولى أن يتقدَّم الأصلُ. وقد ردَّ بعضهم هذا الدليل بشيئين: أحدهما: أنَّ الظرف يُتوسَّعُ فيه ما لا يتوسَّع في غيره. والثاني: أنَّ هذه القاعدة مُنْخرمةٌ، إذ لنا مواضع يتقدَّمُ فيها المعمولُ ولا يتقدم فيها العاملُ، وأورد من ذلك نحو قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}تفسير : [الضحى:9، 10] فـ "اليتيمَ" منصوبٌ بـ "تَقْهَرْ"، و "السَّائِل" منصوبٌ بـ "تَنْهَرْ" وقد تقدَّما على "لا" النَّاهية، ولا يتقدَّمُ العاملُ - وهو المجزومُ - على "لا"، وللبحث في هذه المسألة موضعٌ أليقُ به. قال أبُو حيَّان: وقد تتبَّعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر "ليسَ" عليها، ولا بمعموله إلاَّ ما دلَّ عليه ظاهرُ هذه الآية وقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2945- فَيَأبَى فما يَزْدَادُ إلاَّ لجَاجَةً وكُنْتُ أبِيّاً في الخَنَى لسْتُ أقْدِمُ تفسير : واسمُ "ليس" ضميرٌ عائدٌ على "العذاب"، وكذلك فاعل "يأتيهم"، والتقدير: ألا ليس العذاب مصرُوفاً عنهم يوم يأتيهم العذاب. وحكى أبو البقاءِ عن بعضهم أنَّ العامل في "يَوْمَ يأتيهم" محذوفٌ تقديره: أي: لا يصرفُ عنهم العذابُ يوم يأتيهم، ودلَّ على المحذوف سياق الكلام. قال: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} وذكر "حَاقَ" بلفظ الماضي مبالغة في التَّأكيد والتقرير وأنَّ خبر الله تعالى واقعٌ لا محالة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: لما نزل {أية : اقترب للناس حسابهم} تفسير : [الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء، فأنزل الله {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه} تفسير : [النحل: 1] فقال أناس: أهل الضلالة هذا أمر الله قد أتى، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء، فأنزل الله هذه الآية {ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر إلى أمة معدودة قال: إلى أجل معدود. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {ليقولن ما يحبسه} قال: للتكذيب به وأنه ليس بشيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} يقول: وقع العذاب الذي استهزأوا به. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة...} الآية. قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها، وإذا نزعت منك يبتغي لك فراغك فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته، كذلك أمر المنافق والكافر. وفي قوله {ولئن أذقناه نعماء} إلى قوله {ذهب السيئات عني} قال: غره بالله وجرأه عليه أنه لفرح والله لا يحب الفرحين، فخور لما أعطى لا يشكر الله، ثم استثنى فقال {إلا الذين صبروا} يقول: عند البلاء {وعملوا الصالحات} عند النعمة {أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} قال: الجنة {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} إن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت {أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز} لا ترى معه مالاً {أو جاء معه ملك} ينذر معه {إنما أنت نذير} فبلغ ما أمرت به فإنما أنت رسول {أم يقولون افتراه} قد قالوه {فأتوا بعشر سور مثله} مثل القرآن {وادعوا شهداءكم} يشهدوا إنها مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فهل أنتم مسلمون} قال لأصحاب محمد.
ابو السعود
تفسير : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} المترتِّبَ على بعثهم أو العذابَ الموعود في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } تفسير : [هود: 3] وقيل: عذابُ يومِ بدر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قتلُ جبريلَ عليه السلام للمستهزِئين، والظاهرُ أن المرادَ به العذابُ الشاملُ للكفرة دون ما يُخَصّ ببعض منهم، على أنه لم يكن موعوداً يستعجل منه المجرمون {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} إلى طائفة من الأيام قليلةٍ لأن ما يحصُره العدُّ قليلٌ {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي أيُّ شيءٍ يمنعه من المجيء فكأنه يريده فيمنعه مانعٌ وإنما كانوا يقولونه بطريق الاستعجالِ استهزاءً لقوله تعالى: {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} ومرادُهم إنكارُ المجيءِ والحبْسِ رأَساً لا الاعترافُ به والاستفسارُ عن حابسه {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} ذلك {لَيْسَ مَصْرُوفاً} محبوساً {عَنْهُمْ} على معنى أنه لا يرفعه رافعٌ أبداً إن أريد به عذابُ الآخرة أو لا يدفعه عنكم دافعٌ بل هو واقعٌ بكم إن أريد به عذابُ الدنيا، ويومَ منصوبٌ بخبر ليس مقدماً عليه، واستدل به البصريون على جواز تقديمِه على ليس إذ المعمولُ تابعٌ للعامل فلا يقع إلا حيث يقعُ متبوعُه، ورُدَّ بأن الظرفَ يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسّعاً وبأنه قد يُقدّم المعمولُ حيث لا مجالَ لتقدم العامِلِ كما في قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا ٱلسَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ }تفسير : [الضحى: 9, 10] فإن اليتيمَ والسائلَ مع كونهما منصوبـين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهيةِ مع امتناع تقدمِ الفعلين عليهما. قال أبو حيان: وقد تتبعتُ جملةً من دواوين العربِ فلم أظفَرْ بتقديم خبرِ ليس عليها ولا بتقديمِ معمولِه إلا ما دل عليه ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ وقولُ الشاعر: شعر : فيأبىٰ فما يزدادُ إلا لجاجة وكنتُ أبـياً في الخنا لست أُقدِمُ تفسير : {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} أي العذابُ الذي كانوا يستعجلون به استهزاءً، وفي التعبـير عنه بالموصول تهويلٌ لمكانه وإشعارٌ بعليّة ما ورد في حيز الصلةِ من استهزائهم به لنزوله وإحاطتِه، والتعبـيرُ عنها بالماضي واردٌ على عادة الله تعالى في أخباره لأنها في تحققها وتيقُّنها بمنزلة الكائنةِ الموجودةِ، وفي ذلك من الفخامة والدلالةِ على علو شأنِ المُخْبَرِ به ما لا يخفى. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً} أي أعطيناه نعمةً من صحة وأمْنٍ وجِدَةٍ وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذّتها {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} أي سلبناه إياها، وإيرادُ النزعِ للإشعار بشدة تعلُّقِه بها وحِرْصِه عليها {أَنَّهُ} شديدُ القنوطِ من رَوْح الله قَطوعٌ رجاءَه من عَود أمثالِها عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لقلة صبرِه وعدمِ توكلِه عليه وثقتِه به {لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} عظيمُ الكُفرانِ لِما سلف من النعم، وفيه إشارةٌ إلى أنّ النزْعَ إنما كان بسبب كفرانِهم بما كانوا يتقلّبون فيه من نعم الله عز وجل، وتأخيره عن وصف يأسِهم مع تقدمه عليه لرعاية الفواصلِ على أن اليأسَ من فضل الله سبحانه وقطعَ الرجاءِ عن إفاضة أمثالِه في العاجل وإيصالِ أجرِه في الآجل من باب الكُفران للنعمة السالفة أيضاً.
القشيري
تفسير : يقول: إنْ أَمْهَلْنَا، وأخَّرْنا عليهم العذابَ لا يَرْعَوُون، بل يستعجلون العقوبة. ولئن عَجَّلْنا لهم العقوبةَ لا يتوبون ولا يستغفرون... استولى عليهم الجهلُ في الحاليْن، وعَمِيَتْ بصائرُهم عن شهودِ التقدير والإيمان بالغيب في النوعين. ويوم يأتيهم العذابُ فلا مناصَ ولا منجاةَ ولا مراحَ لهم منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولئن اخرنا عنهم العذاب} الموعود {الى امة معدودة} الى طائفة من الايام قليلة لان ما يحصره العد قليل {ليقولن} اى الكفار {ما يحبسه} اى أى شيء يمنع العذاب من المجيئ والنزول فكأنه يريد فيمنعه مانع وانما كانوا يقولونه بطريق الاستعجال استهزاء ومرادهم انكار المجيء والحبس رأسا لا الاعتراف به والاستفسار عن حابسه {ألا} [بدانيد] {يوم يأتيهم} العذاب كيوم بدر {ليس مصروفا عنهم} اى مدفوعا عنهم يعنى لا يدفعه عنكم دافع بل هو واقع بكم. ويوم منصوب بخبر ليس وهو دليل على جواز تقديم خبر ليس على ليس فانه اذا جاز تقديم معمول خبرها عليها كان ذلك دليلا على جواز تقديم خبرها اذ المعمول تابع للعامل فلا يقع الا حيث يقع العامل {وحاق بهم} ونزل بهم واحاط وهو بمعنى يحيق فعبر عن المستقبل بلفظ الناضى تنبيها على تحقق وقوعه {ما كانوا به يستهزئون} اى العذاب الذ كانوا يستعجلون به استهزاء. واعلم ان السبب الموجب للعذاب كان الاستهزاء والباعث على الاستهزاء كان الانكار التكذيب والناس صنفان فى طريق الآخرة صنف مبتاع نفسه من عذاب الله تعالى بالايمان والاعمال الصالحة وصنف مهلكها باتباع الهوى وترك الاعمال الصالحة والكفار امنوا من عذاب الله تعالى وسخطه فوقعوا فيما وقعوا من العذاب العاجل والآجل وفى الحديث القدسى "حديث : وعزتى لا اجمع على عبدى خوفين وامنين اذا خافنى فى الدنيا آمنته يوم القيامة واذا أمننى فى الدنيا اخفته يوم القيامة" تفسير : ولشدة الامر قال الفضيل بن عياض انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا اليس هؤلاء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخلق لانه لا يرى احوال القيامة وشدائدها. وعن السرى السقطى اشتهى ان اموت ببلدة غير بغداد مخافة ان لا يبقى قبرى فافتضح عندهم. فعلى العاقل ان يتدارك امره قبل حلول الاجل كما قيل علاج واقعه بيش از وقوع بايد كرد. ويخاف من ربه ويستغفر من ذنبه ويحترز عن الاصرار وفى الحديث "حديث : المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه" تفسير : والله تعالى يريد من كل جزء من اجزاء الانسان ما خلقه له فمن القلب المعرفة والتوحيد ومن اللسان الشهادة والتلاوة وترك الاذية بالاستهزاء وغيره فمن ترك الوفاء بما تعهد له من استعمال كل عضو فيما خلق هو لأجله فقد تعرض لسخط الله تعالى وعذابه وقد حديث : استهزأ ابو جهل بالنبى عليه السلام فى بعض الاوقات حيث سار خلفه عليه السلام فجعل يخلج انفه وفمه يسخر به فاطلع عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له "كن كذلك" فكان كذلك الى ان مات تفسير : لعنه الله واستهزأ به عليه السلام عتبة بن ابى معيط بصق فى وجهه فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا ومر عليه السلام بجماعة من كفار اهل مكة فجعلوا يغمزون فى قفاه ويقولون هذا يزعم انه نبى وكان معه عليه السلام جبريل فغمز جبريل باصبعه فى اجسادهم فصاروا جروحا وانتنت فلم يستطع احد ان يدنو منهم حتى ماتوا وقس عليه التعرض لاهل الحق بشيء مكروه كما يفعله اهل الانكار فى حق سادات الصوفية ولا يدرون انه يوجب المقت وربما يبتلى احدهم بمرض هائل فى بدنه وهو غافل عن سببه وجهة نزوله به وكل عمل لا بد وان يصل جزاؤه الى عامله فى الحال ولكن لا يرى فى الدنيا بعين اليقين وانما يرى فى الآخرة اذا قيل له فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ألا ترى ان عذاب البعد الواقع لاهل الغفلة الحجاب ولكن ما ذاقوا ألمه لانهم نيام فاذا ماتوا انتبهوا وذاقوا ذلك حسا ولئن قلت للاشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا بالحقيقة فان الحياة الحقيقة تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ليقولن الذى ستروا حسن استعدادهم الفطرى بتعلق المكونات ومحبتها وهم الاشقياء ان هذا الا كلام مموه لا اصل له كما فى التأويلات النجمية: قال السعدى شعر : بكوى آنجه دانى سخن سودمند وكر هيج كس رانيا يد بسند كه فردا بشيمان بر آرد خروش كه آوخ جرا حق نكردم بكوش تفسير : وفى المثنوى شعر : منقبض كردند بعضى زين قصص زانكه هرمرغى جدا دارد قفص كود كان كرجه بيك مكتب درند در سبق هريك زيك بالاترند مرك بيش ازمرك اينست اى فتى اين جنين فرمود مارا مصطفى كفت وتوا كلكم من قبل ان يأتى الموت تموتوا بالفتن
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (يوم): معمول لخبر ليس، وهو دليل جواز تقديمة إن كان ظرفاً. {يقول الحق جل جلاله:} {ولئن أخَّرنا عنهم العذابَ} الموعود في الدنيا، أو في الآخرة، {إلى أمة} أي: أوقات معدودة قلائل، {ليقولن}؛ استهزاء: {ما يحْسبُه}؟ أي: ما يمنعه من الوقوع الآن؟ {ألا يوم يأتيهم} وينزل بهم كيوم بدر، أو يوم القيامة {ليس مصروفاً عنهم} ليس مدفوعاً عنهم حين ينزل بهم، {وحاقَ}؛ نزل وأحاط {بهم ما كانوا به يستهزئون}، وضع الماضي الاستقبال؛ تحقيقاً للوقوع، ومبالغة في التهديد. الإشارة: إمهال العاصي بإهمال له؛ فإن الله تعالى يمهل ولا يهمل. فإمهاله إما استدراج، أو انتظار لتوبته، فليبادر بالتوبة قبل الفوات، وبالعمل الصالح قبل الممات. فما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت، وبالله التوفيق. ومما وقع به الاختبار: الوقوف مع النعم دون شهود المنعم، كما أبان ذلك بقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً}.
الطوسي
تفسير : اللام في قوله {ولئن أخرنا} لام القسم. ولا يجوز ان تكون لام الابتداء، لانها دخلت على (ان) التي للجزاء، ولام الابتداء إنما هي للاسم او ما ضارع الاسم في باب (ان) وجواب الجزاء مستغنى عنه بجواب القسم، لانه اذا جاء في صدر الكلام غلب عليه كما انه اذا تأخر او توسط الغي. ومعنى قوله {أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة} اخر إلى حين أمة معدودة كما قال {أية : وادكر بعد أمة} تفسير : اي بعد حين. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والزجاج والفراء وغيرهم. وقال الجبائي: معناه إلى أمم بعد هؤلاء يكلفهم فيعصونه فتقتضي الحكمة إهلاكهم وإقامة القيامة. وقال الرماني: معناه إلى جماعة معدودة بانه ليس فيها من يؤمن فاذا صاروا إلى هذه الصفة أهلكوا بالعذاب، كما اهلك قوم نوح في الدنيا. وأهلكوا بعذاب الآخرة لكونهم على هذه الصفة. وقوله {ليقولن ما يحبسه} فالحبس المنع بالحصر في خباء. ويقال حبس الماء إذا منع من النفوذ. وحبس السلطان الرزق اذا معنه. وحبس عنهم العذاب إذا منع من اتيانهم إلى الاجل المعلوم. والتقدير ما الذي يمنع من تعجيل هذا العذاب الذي نتوعد به؟ فقال الله تعالى {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} ومعناه ان هذا العذاب الذي يستبطئونه اذا نزل بهم في الوقت المعلوم لا يقدر على صرفه أحد عنهم ولا يتمكنون من اذهابه عنهم اذا اراد الله ان تأتيهم به. وقوله {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} معناه انه نزل بهم الذي كانوا يسخرون منه من نزول العذاب ويتحققونه.
الجنابذي
تفسير : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} الّذى وعدناهم على لسانك {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} الامّة ههنا البرهة من الزّمان لكونها مقصودة متوجّهاً اليها والمعدودة القليلة، او المراد اصحاب القائم عجّل الله فرجه الثّلاثمائة وبضع عشر؛ وقد اشير فى الاخبار الى كليهما {لَّيَقُولُنَّ} استهزاءً {مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} يوم ظهور القائم (ع) او يوم الموت او يوم عذاب الدّنيا او يوم السّاعة {وَحَاقَ بِهِم} قبل هذا الزّمان العذاب الموعود فانّ مادّته محيطة بهم وصورته مكمونة فيهم لكن لا يشعرون به لغشاوة أبصارهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} نعمة صحّة وسعة وولد {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} عن اعطائها لعدم صحّة اعتقاده بفضلنا {كَفُورٌ} لتعلّق قلبه بالنّعمة نفسها وبعد انتزاعها لا يبقى له حالة شكر على النّعمة لغفلته عن المنعم وانقطاعه بالزّوال عن النّعمة.
اطفيش
تفسير : {ولَئنْ أخَّرنا عَنْهم العَذابَ} الموعود به {إلى أمةٍ مَعدُودةٍ} جملة قليلة من الأوقات، وهذا يعم قول الكلبى: سنين معدودة، وقول بعض: مدة معدودة، وقول بعض: أجل معدود، وقول مجاهد: إلى حين معدود، والكل بمعنى، ويصح أن يكون المعنى إلى انقراض أمة من الناس ومجئ أخرى {ليقُولنَّ} استهزاء وإنكاراً {ما} مبتدأ استفهامية وجملة {يحْبسُه} أى العذاب خبر {إلاَّ يَوْم} متعلق بخبر ليس وهو {مصروفا}. قال ابن هشام: احتج به مجيز تقديم خبر ليس عليها، أى لأن تقديم المعمول وهو هنا يوم لا يصح غالبا إلا إذا صح تقديم عامله، وهو هنا {مصروفا} ومن غير الغالب امتناع تقديم معمول لن كزيدا من لن أضرب زيدا لضعف الحرف. قال: وأجيب بأن المعمول ظرف فيتسع فيه انتهى، ولا يلزم الجمهور تقديم خبر ليس إذا كان ظرفا، أن معمول خبر الناسخ دون الخبر، ولا يلزم من انتقال الضعيف عن محله انتقال القوى، وأجيب أيضا بأن يوم مفعول لمحذوف، أى لا يعرفون يوم، فتكون جملة {مصروفا} حال مؤسسة، وأجاز خالد كونها مؤكدة وهو ضعيف، وبأنه متعلق بليس، فإن الصحيح أن الأفعال الناقصة تدل على الحدث، فيصح التعليق بها، وذلك كله على أن ضمير يأتى، وضمير ليس عائدان إلى العذاب، وأجيب أيضا بأن يوم مبتدأ بنى على الفتح لإضافته للجملة، وخبره ليس مصروفا، فالضمير فى يأتى للعذاب، وفى ليس لليوم. {يَأتيهمْ لَيسَ مَصْروفا عَنْهم} وذلك يوم بدر وعذابه، وقال ابن عباس: وقت قتل جبريل المستهزئين، وقيل: يوم النفخة وعذابها، إذ ينفخ على الدائنين بدين أبى جهل لعنه الله، فالضمير لجنس الكفار، ولو كان الخطاب لمخصوصين، وقيل: يوم القيامة وعذابه هو قول الكلبى. {وحَاقَ} نزل وأحاق {بِهِم} الباء للإلصاق وللاستعلاء {ما كانُوا بهِ يسْتَهزئونَ} وهو العذاب المذكور بأقواله، أو حاق بهم جزاء استهزائهم به، أى بالعذاب، فعلى هذا الوجه تكون ما مصدرية، والهاء للعذاب، ويجوز أن يكون يستهزئون موضوعا موضع يستعجلون، "لأن استعجالهم استهزاء، فإن قولهم: ما يحبسه" مثل قولهم: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك} تفسير : الخ وقولهم: {أية : ائتنا بعذاب الله} تفسير : وحاق بمعنى يحيق، أو نزل الحال منزلة الحاضر، لأنه واقع لا بد، للمبالغة فى التهديد.
اطفيش
تفسير : {ولئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} إلى مجىءِ أَوقاتِ معدودة، فالأُمة الطائِفة من الزمان كالطائِفة من الناس، والتنكير للتقليل وأَل فى العذاب للجنس الشامل بعذاب الناس الكفرة وللعهد وهو العذاب الموعود به وهو عذاب بدر أَو عذاب يوم القيامة فى قوله عذاب يوم كبير، وقيل: العذاب قتل جبريل خمسة مستهزئِين قبل بدر، وقيل الجماعة يتعارفون ولا يكون فيهم مؤمن، وقيل أَمة يعصون بعد هؤلاءِ فيملكون معا وزعمت الإِمامية من الشيعة أَنهم ثلاثمائِة وبِضعة عشر رجلا كعدة أَهل بدر من أَهل البيت يكونون على المهدى، وإِذا جاءَك حديث فى أَهل البيت وفى سنده شيعى فخذ حذرك فإِنهم يكذبون {ليَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} عن الوقوع لو صح، وهذا استهزاءُ وإِنكار له وفى لفظ الحبس العذاب متهىءٌ للوقوع لولا أَنه محبوس عنه، تهكموا بهذا وأَنكروا أَيضاً أَلبتة {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} متعلق بمصروفاً وتقديم معمولى خبر ليس عليها دليل على جواز تقديم خبرها عليها من باب أَولى، ويقال: لا نسلم الأَولوية فإِن تقديم الخبر أَعظم من تقديم معموله ولا سيما أَن المعمول الظرفى يتوسع فيه ومعمول جواب إِما يتقدم مع الفاءِ ولو كان ظرفا مع أَنه لا يتقدم العامل نحو أَمَّا اليوم فأُكرم زيدا وأَما فى الدار فأُكرم زيدا اليوم، ويجوز ما اليوم زيدا ذاهباً بتقديم معمول خبر ما على اسمها مع أَنه لا يجوز خبرها، والمانع وهم الكوفيون يقدرون أَلا يلازمهم العذاب يوم يأْتيهم {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} وضمير يأْتى وليس للعذاب والأَصل ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأْتيهم {وَحَاقَ} نزل أَو أَحاط، ولا يستعمل إِلا فى الشر، والمراد يحيق لكن استعمل الماضى فى موضع المضارع مبالغة فى التهديد لإِبراز ما سيقع فى صورة الواقع، وفيه استعارة تبعية باعتبار الزمان {بِهِمْ} عليهم {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} جزاء كونهم يستهزئون بالنبى صلى الله عليه وسلم والوحى من القرآن وغيره، وذلك الجزاءُ هو العذاب، والمضارع مقدر كما رأَيت وما مصدرية كما رأَيت، ويجوز أَن تكون اسماً ويضاف الجزاءُ لما استهزءُوا به لأَنه سببه إِذ كذبوا بما كانوا يستهزئُون به، ويجوز جعل الاستهزاءِ وما كانوا به يستهزئُون بمعنى العذاب، أَو الجزاء تسمية للمسبب باسم السبب والهاء للعذاب إِذا كانت ما مصدرية، ولما إِذا كانت اسماً، والمراد بالاستهزاءِ الاحتقار بذلك إِذ جعلوه كذبا أَو الاستعجال لكن الاستعجال مبنى على التكذيب، ويجوز أَن يكون المعنى وحاق بهم العذاب الذى يستهزئُون به.
الالوسي
تفسير : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} أي المترتب على بعثهم أو الموعود بقوله سبحانه: {أية : وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }تفسير : [هود: 3] وقيل: عذاب يوم بدر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قتل جبريل عليه السلام المستهزئين وهم خمسة نفر أهلكوا قبل بدر، والظاهر أن المراد العذاب الشامل للكفرة، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة قال: لما نزل {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ }تفسير : [الأنبياء: 1] قال ناس: إن الساعة قد اقتربت فتناهوا فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء فأنزل الله سبحانه {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ}تفسير : [النحل: 1] فقال أناس من أهل الضلالة: هذا أمر الله تعالى قد أتى فتناهى القوم ثم عادوا إلى عكرهم عكر السوء فأنزل الله تعالى هذه الآية. {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} أي طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل. وقيل: المراد من الأمة الجماعة من الناس أي ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى جماعة يتعارفون ولا يكون فيهم مؤمن؛ ونقل هذا عن علي بن عيسى، وعن الجبائي أن المعنى إلى أمة بعد هؤلاء نكلفهم فيعصون فتقتضي الحكمة إهلاكهم وإقامة القيامة، وروى الإمامية ـ وهم بيت الكذب ـ عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالأمة المعدودة أصحاب المهدي في آخر الزمان وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي أيّ شيء يمنعه من المجيء فكأنه يريده ويمنعه مانع، وكانوا يقولون ذلك بطريق الاستعجال وهو كناية عن الاستهزاء والتكذيب لأنهم لو صدقوا به لم يستعجلوه وليس غرضهم الاعتراف بمجيئه والاستفسار عن حابسه كما يرشد إليه ما بعد. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ} ذلك العذاب الأخروي أو الدنيوي {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي أنه لا يرفعه رافع أبداً، أو لا يدفعه عنهم دافع بل هو واقع بهم، والظاهر أن {يَوْمَ} منصوب ـ بمصروفا ـ الواقع خبر {لَيْسَ}، واستدل بذلك جمهور البصريين على جواز تقديم خبرها عليها كما يجوز تقديمه على اسمها بلا خلاف معتدّ به لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل بطريق الأولى وإلا لزم مزية الفرع على أصله، وذهب الكوفيون والمبرد إلى عدم الجواز وادعوا أن الآية لا تصلح حجة لأن القاعدة المشار إليها غير مطردة ألا ترى قوله سبحانه: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ }تفسير : [الضحى: 9] كيف تقدم معمول الفعل مع امتناع تقديمه لأن الفعل لا يلي أما، وجاء عن الحجازيين أنهم يقولون ما اليوم زيد ذاهباً مع أنه لا يجوز تقديم خبر ما اتفاقاً، وأيضاً المعمول فيها ظرف والأمر فيه مبني على التسامح مع أنه قيل: إنه متعلق بفعل محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير ألا يصرف عنهم العذاب أو يلازمهم يوم يأتيهم، ومنهم من جعله متعلقاً ـ بيخافون ـ محذوفاً أي ألا يخافون يوم الخ، وقيل: هو مبتدأ لا متعلق ـ بمصروفاً ـ ولا بمحذوف، وبني على الفتح لإضافته للجملة، ونظير ذلك قوله سبحانه: {أية : هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ }تفسير : [المائدة: 119] على قراءة الفتح، وأنت تعلم أن في بناء الظرف المضاف لجملة صدرها مضارع معرف خلافاً بين النحاة، وأن الظاهر تعلقه ـ بمصروفا ـ نعم عدم صلاحية الآية للاحتجاج مما لا ريب فيه، وفي «البحر» ((قد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر ليس عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة، وقول الشاعر: شعر : فيأبـى فما يزداد إلى لجاجة وكنت أبياً في الخنى لست أقدم)) تفسير : {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل وأحاط، وأصله حق فهو ـ كزل وزال وذم وذام ـ والمراد يحيق بهم. {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} إلا أنه عبر بالماضي لتحقق الوقوع، والمراد بالموصول العذاب وعبر به عنه تهويلاً لمكانه، وإشعاراً بعلية ما ورد في حيز الصلة من استهزائهم به لنزوله وإحاطته ووضع الاستهزاء موضع الاستعجال لأنه كان استهزاءً.
ابن عاشور
تفسير : {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ}. مناسبته لما قبله أن في كليهما وصف فنّ من أفانين عناد المشركين وتهكمهم بالدعوة الإسلامية، فإذا خبّرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعث وأنّ شركهم سببٌ لتعذيبهم جعلوا كلامه سحراً، وإذا أنذرهم بعقوبة العذاب على الإشراك استعجلوه، فإذا تأخّر عنهم إلى أجل اقتضته الحكمة الربّانيّة استفهموا عن سبب حبسه عنهم استفهام تَهكم ظناً أن تأخره عجز. واللام موطئة للقسم. وجملة {ليقولن مَا يَحبسه} جواب القسم مغنية من جواب الشرط. والأمّة: حقيقتها الجماعة الكثيرة من النّاس الذين أمْرُهُمْ واحد، وتطلق على المُدة كأنهم رَاعَوا أنّها الأمد الذي يظهر فيه جيل فأطلقت على مطلق المدة، أي بعد مدة. و{معدودة} معناه مقدرة، أي مؤجلة. وفيه إيماء إلى أنّها ليست مديدة لأنّه شاع في كلام العرب إطلاق العَدّ والحساب ونحوهما على التّقليل، لأن الشيء القليل يمكن ضبطه بالعدد، ولذلك يقولون في عكسه: بغير حساب، مثل {أية : والله يرزق من يشاء بغير حساب}تفسير : [البقرة: 212]. والحبس: إلزام الشيء مكاناً لا يتجاوزه. ولذلك يستعمل في معنى المنع كما هنا، أي ما يمنع أن يصل إلينا ويحل بنا وهم يريدون التهكم. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. هذه الجملة واقعة موقع الجواب عن كلامهم إذ يقولون ما يحبس عنا العذاب، فلذلك فصلت كما تفصل المحاورة. وهذا تهديد وتخويف بأنّه لا يصرف عنهم ولكنه مؤخر. وافتُتح الكلام بحرف التّنبيه للاهتمام بالخبر لتحقيقه وإدخال الروع في ضمائرهم. وتقديم الظرف للإيماء بأنّ إتيان العذاب لا شك فيه حتى أنه يوقّت بوقت. والصرف: الدفع والإقصاء. والحَوْق: الإحاطة. والمعنى: أنه حالّ بهم حلولاً لا مخلص منه بحال. وجملة {وحَاقَ بهم} في موضع الحال أو معطوفة على خبر {ليس}. وصيغة المضي مستعملة في معنى التحقق، وهذا عذاب القتل يوم بدر. وماصدق {ما كانوا به يستهزئون} هو العذاب، وباء {به} سببية أي بسبب ذكره فإن ذكر العذاب كان سبباً لاستهزائهم حين توعدهم به النّبيء صلى الله عليه وسلم والإتيان بالموصول في موضع الضمير للإيماء إلى أن استهزاءهم كان من أسباب غضب الله عليهم. وتقديره إحاطة العذاب بهم بحيث لا يجدون منه مخلصاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} الآية. المراد بالأمة هنا: المدة من الزمن. ونظيره قوله تعالى {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}تفسير : [يوسف: 45] الآية. أي تذكر بعد مدة. تنبيه استعمل لفظ {الأمَّة} في القرآن أربعة استعمالات: الأول: هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في البرهة من الزمن. الثاني: استعمالها في الجماعة من الناس، وهو الاستعمال الغالب، كقوله {أية : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ}تفسير : [ص: 23] الآية، وقوله {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُول} تفسير : [يونس: 47] الآية، وقوله {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً} تفسير : [البقرة: 213] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. الثالث: استعمال {الأمَّة} في الرجل المقتدى به. كقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}تفسير : [النحل: 120] الآية. الرابع: استعمال {الأمَّة} في الشريعة والطريقة. كقوله: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}تفسير : [الزخرف: 22] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [الأنبياء: 92] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلَئِنْ} {يَسْتَهْزِءُونَ} (8) - وَإِذَا أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ وَالمُؤَاخَذَةِ إِلى أَجَلٍ (أُمَّةٍ) مُؤَكَّدٍ مَحْصُورٍ، فَسَيَتَسَاءَلُونَ اسْتِهْزَاءً مَا الذِي يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ العَذَابِ الذِي يُنْذِرُ بِهِ الرَّسُولُ؟، فَقَدْ أَلِفَتْ نُفُوسُهُمُ الشَّكَّ وَالتَّكْذِيبَ. وَلَكِنْ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ الذِي يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَنْ يُصْرَفَ عَنْهُمْ، وَسَيُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. أُمَّةٍ مَعدُودَةٍ - طَائِفَةٍ مِنَ الأَيَّامِ قَلِيلَةِ العَدَدِ - أَوْ أَجَلٍ مُؤَكَّدٍ مَحْصُورٍ. حَاقَ بِهِمْ - نَزَلَ وَأَحَاطَ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تجد {لَئِنْ} فافهم اللام الأولى التي بعد "و" إنما جاءت؛ لتدل على أن الكلام فيه قسم مؤكد، وإن كان محذوفاً، واكتفى باللام عن القسم، وتقديره: "والله لئن". والقسم يأتي لتأكيد المقسم عليه بالمقسم به، وتأكيد المقسم عليه إنما يأتي لأن هناك من يشك فيه. فأنت لا تُقسم لإنسان تلقاه وتقول له: والله لقد كنت عند فلان بالأمس. إذن: فالقسم يأتي لشك طرأ عند السامع، وأنت لا تقسم ابتداء. ويأتي القسم على مقدار مراتب الشك، وتأكيداً بأدواته. والقرآن الكريم يقول هنا: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ..} [هود: 8]. فالواو هنا هي واو القسم، وهنا أيضاً شرط، والقسم يحتاج لجواب، والشرط أيضاً يحتاج إلى جواب. وإذا اجتمع الشرط والقسم فبلاغة الأسلوب تكتفي بجواب واحد، مثلما نقول: "والله إن فعلت كذا لأفعلن معك كذا". وهكذا يُغْنِي جواب القسم عن جواب الشرط، والمتقدم سواء أكان قسماً أو شرطاً هو الذي يغني جوابه عن الآخر. مثلما نقول: "والله إن جاء فلان لأكرمته"، فالقسم هنا متقدم، وأغنى جوابه عن جواب الشرط. وإن قلت: إن جاءك فلان والله لتكرمه، فهنا الشرط هو المتقدم. والاثنان متحدان، لكن غاية ما هناك أن القسم تأكيد والشرط تأسيس، فإذا تقدم ذو خبر على الاثنين - على الشرط وعلى القسم - نأتي بجواب الشرط فوراً، مثلما نقول: "زيد والله إن جاءك أكرمه"؛ لأن الشرط كما قلنا تأسيس، والقسم تأكيد، ويرجح هنا الشرط، لأن التأسيس أولى من التأكيد. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ..} [هود: 8]. والجواب هنا للقسم، وهو يغني عن جواب الشرط. أي: أن العذاب يُؤخَّر. وقد أوعد الحق - سبحانه - الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يعذبهم، وكان العذاب للأمم السابقة هو عذاب استئصال، منهم من أرسل الله سبحانه عليه عاصفة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أغرقه، ومنهم من خسف به الأرض. فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا الدعوة، ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالات. ولكن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يفضِّل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم كلها، وأن تعذِّب الكافرين في المعارك. وحين يتوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب، فللعذاب ميلاد، وقد يُؤخَّر ليرى المحيطون بالكافرين الضلال والفساد، فإذا ما وقع عذاب الله سبحانه على هؤلاء الكافرين، فلن يحزن عليهم أحد. وهكذا أراد الله سبحانه الإمهال والإملاء ليكون لهما معنى واضح في الحياة، والإملاء للظالم؛ لتزداد مظالمه زيادة تجعل الأمة التي يعيش فيها تكره ظلمه، فإذا وقع عليه عذاب، لا يعطف عليه أحد. ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد، فحين يُقتل واحد وتمر سنوات على قضيته، ثم يصدر الحكم بإعدامه، فالناس تنسى لذعة القتل الأول، وتعطف على القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه. ولذلك أقول دائماً: إن من دواعي استمرار الجرائم إبطاءات المحاكمة، تلك الإبطاءات التي تجعل عواطف الناس من المجرم؛ لأن مشهد المقتول أولاً قد انتهى من ذاكرتهم. ولكن لو استحضر الناس - وقت العقوبة - ظرف الجريمة؛ لَفرِحوا بالحكم على القاتل بالقتل. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - حينما يريد أن يعذب أحداً يقول: {أية : .. وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى بمظالمهم، فمن يُعتدَى على عرضه، ويرى عذاب المعتدي فهو يُشْفى. وهنا يبيِّن الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لقد توعدتهم بالعذاب. ونحن نبطن العذاب بالإمهال لهم، ولكنهم جعلوا من ذلك مناط السخرية والاستهزاء والتهكم، وتساءلوا: أين هو العذاب؟ ونحن نجد القرآن يقول على ألسنتهم: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [ص: 16]. والقط: هو جزاء العمل، وهو مأخوذ من القط أي: القطع. والعذاب إنما يتناسب مع الجرم، فإن كانت الجريمة كبيرة فالعذاب كبير، وإن كانت الجريمة صغيرة فالعذاب يكون محدوداً، فكان العذاب موافقاً للجريمة. ومن العجيب أن منهم من قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]. وجاء على ألسنتهم ما أورده القرآن الكريم في قولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ..}تفسير : [الإسراء: 92]. ولا شك أن الإنسان لا يتمنى ولا يرجو أن يقع عليه العذاب، ولكنهم قالوا ذلك تحديا وسخرية واستهزاءً. وشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يعذب الكافرين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما عذب الكافرين الذين عاصروا الرسالات السابقة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ..}تفسير : [الأنفال: 33]. فضلاً عن أن هناك أناساً منهم ستروا إيمانهم؛ لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مجابهة الكافرين، ولا يملكون القوة ليرحلوا إلى دار الإيمان بالهجرة، وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا مع الكافرين. وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك، حين قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح: 25]. أي: لو تميَّز الكافرون عن المؤمنين لسلّط الحق سبحانه العذاب الأليم على الكافرين، لكن لو دخل المسلمون بجيشهم الذي كان في الحديبية على مكة، ودارت هناك معركة، فهذه المعركة ستصيب كل أهل مكة، وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين، وهم غير متحيزين في جهة بحيث يوجد المسلمون الضربة للجانب الكافر. إذن: فلو ضرب المسلمون المقاتلون، لضربوا بعضاً من المؤمنين، وهذا ما لا يريده الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ..} [هود: 8]. والأمة: هي الطائفة أو الجماعة من جنس واحد، مثل أمة الإنس، وأمة الجن، وأمة النمل.. وغير ذلك من خلق الله. والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}تفسير : [الأنعام: 38]. والأمة: طائفة يجمعها نظام واحد وقانون واحد، وأفرادها متساوون في كل شيء، فتكون كل واحدة من هذه الأمم أمة، وهناك الأمة: الطائفة من الزمن. مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ..}تفسير : [يوسف: 45]. أي: أن هذا الذي تذكر بعد فترة من الزمن، وقد تكون الفترة المسماة "أمة"، هي الزمن الذي يتحمل جيلاً من الأجيال. الأمة - إذن - هي جماعة وطائفة لها جنس يجمعها، ولها تميزات أفرادية، وهي تلتقي في معنى عام. فأمة الإنسان هي حيوان ناطق مفكر، وهناك قدر عام يجمع كل إنسان، ولكن هناك تفاوتات في المواهب. ولا توجد نفس بشرية واحدة تملك موهبة الهندسة والطب والتجارة والصيدلة والمحاسبة؛ لأن كل حرفة من تلك الحرف تحتاج إلى دراسة. ولا يملك إنسان من العمر ما يتيح له التخصص في كل تلك المجالات؛ ولذلك يتخصص كل فرد في مجال؛ ليخدم غيره فيه، وغيره يتخصص في مجال آخر ويخدم الباقين، وهكذا. وفي هذا تكافل اجتماعي، يشعر فيه كل فرد بـأنه يحتاج للآخرين، وأنه لا يستطيع أن يحيا مستقلاً بذاته عن كل الخلق. ولو عرف واحد كل الحرف التي في الدنيا، من طب وهندسة وقضاء، وسباكة، ونجارة، وزراعة، وغيرها فلن يسأل عن الباقين؟ لذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن تلتحم المجتمعات ضرورة وقسراً، لا تفضُّلاً من أحد على أحد. والذي يكنس الشارع أو يعمل في تنظيف الصرف الصحي لا يفعل ذلك تفضُّلاً، بل يفعل ذلك احتياجاً؛ لأنه يحتاج إلى العمل والرزق؛ لأن جسمه يحتاج إلى الطعام، وإلى الستر بالملابس، وأولاده يطلبون الطعام والمأوى والملبس، ولولا ذلك لما عمل في تلك المهنة. وإذا أخلص في عمله فالله سبحانه يحببه فيها، وإن ارتقت أحواله، يظل في هذا العمل؛ لأنه عشق إتقان مهنته. ولقد رأيت رجلاً كان يعمل في هذه المهنة، ويحمل الأقذار على كتفه، وحين وسَّع الله عليه، اشترى عربة يجرها حمار ليحمل فيها ما ينزحه من تلك المجاري. وحين وسَّع الله عليه أكثر، اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات، وصار يجلس على الكرسي، ويدير "موتور" نزح المجاري لداخل خزان السيارة المخصص لذلك. إذن: فارتباطات المجتمع لا بد أن تنشأ عن حاجة، لا عن تفضُّل؛ لأن التفضل ليس فيه إلزام بالعمل، لكن الحاجة هي التي فيها إلزام بالعمل؛ لتسير حركة الحياة. ومن يعشق عمله على أي وضع كان، يوفقه الله تعالى فيه أكثر؛ لأنه احترم قدر الله تعالى في نفسه، ولم يستنكف، ويعطيه الله سبحانه كل الخير من هذا العمل، بقدر حبه للعمل وإخلاصه فيه. وإن نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم لقدر الله سبحانه وتعالى فيهم. ونحن نعلم أن قيمة كل امرىء فيما يحسنه؛ ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة، حتى يحتاج كل إنسان إلى عمل غيره. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..}تفسير : [الزخرف: 32]. لأن أحداً لا يسخِّر الآخر لعمل إلا إذا كان المسخَّر في حاجة إلى هذا العمل. ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل: ألا تحتاج إلى سائق؟ ألا تحتاج إلى خادم؟ وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه؛ لعله يجد العمل الذي يتقنه. ولذلك يجب ألا يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من الحرف أنه يخدم المخدوم، لا.. إنه يخدم حاجة نفسه. وهكذا تترابط الأمة ارتباط حاجات، لا ارتباط تفضل. وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ..}تفسير : [النحل: 120]. لأن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه، وهي مواهب لا تجتمع إلا في أمة من الناس. وكلمة "أمة" تطلق على الزمن، وتطلق على الجماعة من كل جنس، وتطلق على الرجل الجامع لكل خصال الخير. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ..} [هود: 8]. وعادة ما تأتي كلمة {مَّعْدُودَةٍ} لتفيد القلة؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ}تفسير : [يوسف: 20]. وما دام الثمن بَخْساً فلا بد أن تكون الدراهم معدودة. والسبب في فهمنا لكلمة {مَّعْدُودَةٍ} أنها تفيد القلة، هو أننا لا نُقبل على عَدِّ شيء إلا مظنة أننا قادرون على عَدِّه؛ لأنه قليل، لكن مالا نُقبل على عدِّه فهو الكثير. ومثال ذلك: أن أحداً لم يعد الرمل، أو النجوم. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..}تفسير : [إبراهيم: 34]. و"إن" - كما نعلم - تأتي للشك، ونعم الله سبحانه ليست مظنة الحصر. ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الإحصاء فهل تفرَّغ أحد ليُحصي نعم الله؟ طبعاً لا.. وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص. وقديماً كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها، فيضعوا الورق من فئة المائة جنيه معاً، والورق من فئة العشرة جنيهات معاً، وكذلك بقية الفئات من الأوراق المالية، إلى أن يصلوا إلى القروش، فيقوموا بوزن كيلو جرام منها، ويحسبوا كم قرشاً في الكيلو جرام، ويزنوا بعد ذلك بقية القروش؛ ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكيلو جرام الأول. وقول الحق سبحانه هنا: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ..} [هود: 8]. كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء: لماذا يتأخر العذاب الذي توعَّدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يتشوق إلى ما يؤلمه، ولا يقال مثل هذا الكلام إلا على سبيل التهكم. ويأتي الرد عليهم بأداة التنبيه، وهي "ألا" أي: تَنبَّهوا إلى هذا الرد. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ..} [هود: 8]. وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي، ولكن العباد دائماً يعجلون. والله سبحانه لا يعجل بعجلة العباد؛ حتى تبلغ الأمور ما أراد، وكل أمر له وقت وله ميلاد، وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: {.. وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8]. وقد جاء تأكيد وصول العذاب إليهم بأشياء: أولها: "ألا" وهي أداة تنبيه، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {يَوْمَ يَأْتِيهِمْ}، وهذا خبر بأن العذاب آت لا محالة؛ لأن الذي يخبر به هو الله سبحانه وتعالى. وأيضاً فهذا العذاب: {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ..} [هود: 8]. أي: أنه عذاب مستمر. وقول الحق سبحانه وتعالى: {.. وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} [هود: 8]. يعني: أنه حل بهم ونزل عليهم، ووقع لهم العذاب الذي استهزأوا به من قبل. ونحن نعلم أن كلمة (حاق) فعل ماضٍ، والكلام على أمر مستعجل، ويُعبَّر عن الأمر المستعجل بالمضارع؛ لأن الفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال، فكيف يستعجلون أمراً، ويأتي التعبير عنه بالفعل الماضي؟ ولكن القائل هنا هو الله الحق سبحانه وتعالى، والكلام مأخوذ بقانون المتكلم، وكل فعل يُنسَب إلى قوة فاعله، والله سبحانه هو قوة القوى. وقال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..}تفسير : [النحل: 1]. وكلمة "أتى" في عرفنا اللغوي فعل ماضٍ، أي: أن الكلام جاء من المتكلم بعد وقوع النسبة خارجاً، مثلما نقول: "نجح محمد" فهذا يعني أن النجاح قد حدث بالفعل. وحين يقول الله سبحانه: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} نفهم أن {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} نسبة كلامية سبقتها نسبة واقعية. وقوله سبحانه بعد ذلك: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} يدل على أن الأمر لم يقع، ولكن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى. والمعنى أن الأمر واقع لا محالة؛ ذلك لأن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل. ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى - أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ضخمة وثقيلة، فيقول ابنك الشاب: دعني أحملها لك، وهو يقول ذلك لأنه قادر على أن يحملها في زمن يناسب قوته. وإن جاءك ابنك الصغير وقال: سأحملها أنا. فهو لن يحمل الحقيبة إلا في مقدار زمن يناسب قوته، وهي قوة ضعيفة. إذن: ففي المجال البشري أنت تحكم على الماضي، وقد يكون الحكم صادقاً أو كاذباً، ولكنك بالنسبة لأمر مستقبل، لا تستطيع أن تحكم عليه؛ لأنك لا تملك من المستقبل شيئاً. أما إذا كان قائل الكلام قادراً على إنفاذ ما يقوله الآن في المستقبل، ولا عائق يعوقه، فاعلم أن الأمر قادم لا محالة. وهنا نجد الإخبار من الله سبحانه وتعالى، ولا شيء في الكون يتأبَّى على الله سبحانه. وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمرٌ قد أتى، فهو آتٍ لا محالة. ولذلك قال سبحانه: {وَحَاقَ بِهِم ..} [هود: 8]. مع أن السياق في العرف البشري أن يقال: وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون؛ لأنهم كانوا يستعجلون العذاب. وجاء قول الحق سبحانه وتعالى: {وَحَاقَ} لأن الأمر بالنسبة له سبحانه لن يحول بينه وبين وقوعه أي عائق. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} معناهُ أجلٌ مَعْدودٌ. تفسير : وقوله تعالى: {وَحَاقَ بِهِم} معناهُ أَحَاطَ بِهِمْ.
همام الصنعاني
تفسير : 1186- عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}: [الآية: 8]، قال: إلى أجل معدود. 1187- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}: [الآية: 8]، قال: إلى أجلٍ معدود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):