Verse. 1482 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَىِٕنْ اَذَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَۃً ثُمَّ نَزَعْنٰہَا مِنْہُ۝۰ۚ اِنَّہٗ لَيَـــُٔــوْسٌ كَفُوْرٌ۝۹
Walain athaqna alinsana minna rahmatan thumma nazaAAnaha minhu innahu layaoosun kafoorun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن أذقنا الإنسان» الكافر «منا رحمة» غنى وصحة «ثم نزعناها منه إنه ليئوس» قنوط من رحمة الله «كفور» شديد الكفر به.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم، ذكر بعده ما يدل على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب. فقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ {ٱلإِنسَـٰنَ } في هذه الآية فيه قولان: القول الأول: أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى استثنى منه قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر، وذلك يدل على ما قلناه. الثاني: أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى: { أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [العصر: 1 ـ 3] وموافقة أيضاً لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 19 ـ 21] الثالث: أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز. قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من الله فأنت كفور، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط. والقول الثاني: أن المراد منه الكافر، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة. الثاني: أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤساً، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى: { أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القووم الكافرون } تفسير : [يوسف: 87] ووصفه أيضاً بكونه كفوراً، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضاً بأنه عند وجدان الراحة يقول: { ذهب السيئات عني } [هود:10] وذلك جراءة على الله تعالى، ووصفه أيضاً بكونه فرحاً { أية : وٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ } تفسير : [القصص: 76] ووصفه أيضاً بكونه فخوراً، وذلك ليس من صفات أهل الدين. ثم قال الناظرون لهذا القول: وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات. المسألة الثانية: لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين، فهذه الإذاقة من قليل، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها. وأما النعماء فقال الواحدي: إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء، والمضرة والضراء. المسألة الثالثة: اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية، بل هي أبداً في التغير والزوال، والتحول والانتقال، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب، ومن المحرمات إلى الطيبات. أما القسم الأول: فهو المراد من قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤس كفور. وتقريره أن يقال: أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤساً، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس. وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفوراً لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة. فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوساً وعند حصولها يكون كفوراً. وأما القسم الثاني: وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب، ومن المحنة إلى النعمة، فههنا الكافر يكون فرحاً فخوراً. أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها، وأما كونه فخوراً فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين. ثم لما قرر ذلك قال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } والمراد منه ضد ما تقدم فقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين، وقوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين. ثم بين حالهم فقال: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } فجمع لهم بين هذين المطلوبين. أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } والثاني: الفوز بالثواب وهو المراد من قوله: {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضاً معجز بحسب معانيه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} الإنسان ٱسم شائع للجنس في جميع الكفار. ويقال: إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت. وقيل: في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ. «رَحْمَةً» أي نعمة. {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} أي سلبناه إياها. {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} أي يائس من الرحمة. {كَفُورٌ} للنعم جاحد لها؛ قاله ٱبن الأعرابي. النحاس: {لَيَؤُوسٌ} من يَئِس، يَيْأَس، وحكى سيبويه يَئس يَيْأَس على فَعِل يفعِل، ونظيره حَسِب يَحْسِب ونَعِم يَنْعِم، ويَأَس ييئس؛ وبعضهم يقول: يَئس يَيئِسُ؛ ولا يعرف في الكلام (العربي) إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فَعِل يفعِل؛ وفي واحد منها ٱختلاف. وهو يَئِسٌ و «يَؤُوسٌ» على التكثير كفخور للمبالغة. قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ} أي صحة ورخاء وسعة في الرزق. {بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} أي بعد ضُرٍّ وفقر وشدّة. {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضُّرّ والفقر. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي يفرح ويفخر بما ناله من السَّعَة وينسى شكر الله عليه؛ يقال: رجل فاخر إذا ٱفتخر ـ وفخور للمبالغة ـ قال يعقوب القارىء: وقرأ بعض أهل المدينة «لَفَرُحٌ» بضم الراء كما يقال: رجل فَطُنٌ وحَذُرٌ ونَدُسٌ. ويجوز في كلتا اللغتين الإِسكان لثقل الضمة والكسرة. قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد. وهو في موضع نصب. قال الأخفش: هو ٱستثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفرّاء: هو ٱستثناء من {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو ٱستثناء متصل وهو حسن. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} ابتداء وخبر. {وَأَجْرٌ} معطوف. {كَبِيرٌ} صفة.

البيضاوي

تفسير : { وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً } ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها. {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ثم سلبنا تلك النعمة منه. {إِنَّهُ لَيُؤُوسٌ} قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به. {كَفُورٌ} مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين: أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة، حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفر وجحود لماضي الحال؛ كأنه لم ير خيراً، ولم يرج بعد ذلك فرجاً. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} أي: يقول: ما ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي: فرح بما في يده، بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} أي: على الشدائد والمكاره {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي: في الرخاء، والعافية {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي: بما يصيبهم من الضراء {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} بما أسلفوه في زمن الرخاء كما جاء في الحديث: «حديث : والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه» تفسير : وفي الصحيحين: «حديث : والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن» تفسير : ولهذا قال الله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر:1-3] وقال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً} تفسير : [المعارج: 19] الآيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَٰنَ } الكافر {مِنَّا رَحْمَةً } غِنىً وصحة {ثُمَّ نَزَعْنَـٰهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} قنوط من رحمة الله { كَفُورٌ } شديد الكفر به.

الشوكاني

.تفسير : اللام في: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } هي الموطئة للقسم، والإنسان الجنس، فيشمل المؤمن والكافر، ويدل على ذلك الاستثناء بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } وقيل: المراد: جنس الكفار، ويؤيده أن اليأس والكفران والفرح والفخر، هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب. وقيل المراد بالإنسان: الوليد بن المغيرة. وقيل: عبد الله بن أمية المخزومي. والمراد بالرحمة هنا: النعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } أن سلبناه إياها {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} أي: آيس من الرحمة، شديد القنوط من عودها، وأمثالها، والكفور: عظيم الكفران، وهو الجحود بها قاله ابن الأعرابي؛ وفي إيراد صيغتي المبالغة في {لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } ما يدلّ على أن الإنسان كثير اليأس، وكثير الجحد عند أن يسلبه الله بعض نعمه، فلا يرجو عودها، ولا يشكر ما قد سلف له منها. وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها عليه، لأن الإذاقة والذوق: أقلّ ما يوجد به الطعم، والنعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضرّاء: ظهور أثر الإضرار على من أصيب به. والمعنى: أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة، والغنى بعد أن كان في ضرّ من فقر أو مرض أو خوف، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه، بل يقول ذهب السيئات: أي المصائب التي ساءته من الضرّ والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها، غير شاكر لله، ولا مثن عليه بنعمه {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } أي: كثير الفرح بطراً وأشراً، كثير الفخر على الناس، والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم، وفي التعبير عن ملابسة الضرّ له بالمس مناسبة للتعبير في جانب النعماء بالإذاقة، فإن كلاهما لأدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة، كما تقدّم {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن، والشكر عند حصول الممن. قال الأخفش: هو استثناء ليس من الأوّل: أي ولكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفراء؛ هو استثناء من لئن أذقناه: أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس: يشمل الكافر والمؤمن، فهو استثناء متصل، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم {وَأَجْرٌ } يؤجرون به لأعمالهم الحسنة {كَبِيرٌ } متناه في الكبر. ثم سلَّى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } أي: فلعلك لعظم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب، واقتراح الآيات التي يقترحونها عليه على حسب هواهم، وتعنتهم تارك بعض ما يوحى إليك مما أنزله الله عليك وأمرك بتبليغه، مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به، كسبّ آلهتهم وأمرهم بالإيمان بالله وحده. قيل: وهذا الكلام خارج مخرج الاستفهام: أي هل أنت تارك؟ وقيل: هو في معنى النفي مع الاستبعاد: أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك، أحبوا ذلك أم كرهوه، شاءوا أم أبوا {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } معطوف على {تارك}، والضمير في "به" راجع إلى "ما" أو إلى {بعض}، وعبر بضائق دون ضيق لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث والعروض والصفة المشبهة فيها معنى اللزوم {أَن يَقُولُواْ } أي: كراهة أن يقولوا، أو مخافة أن يقولوا أو لئلا يقولوا {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ } أي: هلا أنزل عليه كنز: أي مال مكنوز مخزون ينتفع به {أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } يصدّقه ويبين لنا صحة رسالته. ثم بيّن سبحانه أن حاله صلى الله عليه وسلم مقصور على النذارة، فقال: {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، وليس عليك حصول مطلوبهم وإيجاد مقترحاتهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } "أم" هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة، وأضرب عما تقدّم من تهاونهم بالوحي، وعدم قنوعهم بما جاء به من المعجزات الظاهرة، وشرع في ذكر ارتكابهم لما هو أشدّ من ذلك، وهو افتراؤهم عليه بأنه افتراه، والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والضمير المستتر في {افتراه} للنبي صلى الله عليه وسلم، والبارز إلى ما يوحى. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بما يقطعهم ويبين كذبهم ويظهر به عجزهم، فقال: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } أي: مماثلة له في البلاغة، وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعاني. ووصف السور بما يوصف به المفرد، فقال: مثله، ولم يقل أمثاله، لأن المراد مماثلة كل واحد من السور، أو لقصد الإيماء إلى وجه الشبه، ومداره المماثلة في شيء واحد، وهو البلاغة البالغة إلى حدّ الإعجاز، وهذا إنما هو على القول بأن المطابقة في الجمع والتثنية، والإفراد شرط، ثم وصف السور بصفة أخرى، فقال: {مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ } للاستظهار على المعارضة بالعشر السور {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ } دعاءه، وقدرتم على الاستعانة به، من هذا النوع الإنساني، وممن تعبدونه وتجعلونه شريكاً لله سبحانه. وقوله: {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بـ {ادعوا}: أي ادعوا من استطعتم متجاوزين الله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تزعمون من افترائي له. {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } أي: فإن لم يفعلوا ما طلبته منهم، وتحدّيتهم به من الإتيان بعشر سور مثله، ولا استجابوا إلى المعارضة المطلوبة منهم، ويكون الضمير في "لكم" لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وجمع تعظيماً وتفخيماً {فَٱعْلَمُواْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للرسول صلى الله عليه وسلم وحده على التأويل الذي سلف قريباً. ومعنى أمرهم بالعلم، أمرهم بالثبات عليه؛ لأنهم عالمون بذلك من قبل عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور مثله، أو المراد بالأمر بالعلم: الأمر بالازدياد منه، إلى حدّ لا يشوبه شك، ولا تخالطه شبهة، وهو علم اليقين. والأوّل: أولى. ومعنى: {أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ } أنه أنزل متلبساً بعلم الله المختص به، الذي لا تطلع على كنهه العقول، ولا تستوضح معناه الأفهام، لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي: واعلموا أن الله هو المتفرد بالألوهية لا شريك له، ولا يقدره غيره على ما يقدر عليه. ثم ختم الآية بقوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي: ثابتون على الإسلام، مخلصون له، مزدادون من الطاعات، لأنه قد حصل لكم بعجز الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم عليه، وبصيرة زائدة، وإن كنتم مسلمين من قبل هذا فإن الثبوت عليه وزيادة البصيرة فيه والطمأنينة به مطلوب منكم. وقيل: إن الضمير في {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ } للموصول في {من استطعتم}، وضمير {لكم}، للكفار، الذين تحدّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ضمير {فاعلموا} والمعنى: فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاضدة والمناصرة على الإتيان بعشر سور من سائر الكفار ومن يعبدونهم، ويزعمون أنهم يضرّون وينفعون، فاعلموا أن هذا القرآن الذي أنزله الله على هذا الرسول، خارج عن قدرة غيره سبحانه وتعالى، لما اشتمل عليه من الإعجاز الذي تتقاصر دونه قوّة المخلوقين، وأنه أنزل بعلم الله الذي لا تحيط به العقول، ولا تبلغه الأفهام، واعلموا أنه المنفرد بالألوهية لا شريك له، فهل أنتم بعد هذا مسلمون؟ أي: داخلون في الإسلام، متبعون لأحكامه، مقتدون بشرائعه. وهذا الوجه أقوى من الوجه الأوّل من جهة، وأضعف منه من جهة، فأما جهة قوّته. فلا تساق الضمائر وتناسبها، وعدم احتياج بعضها إلى تأويل، وأما ضعفه، فَلِما في ترتيب الأمر بالعلم على عدم الاستجابة ممن دعوهم واستعانوا بهم من الخفاء واحتياجه إلى تكلف، وهو أن يقال: إن عدم استجابة من دعوهم واستعانوا بهم من الكفار والآلهة مع حرصهم على نصرهم، ومعاضدتهم، ومبالغتهم في عدم إيمانهم واستمرارهم على الكفر، يقيد حصول العلم لهؤلاء الكفار، بأن هذا القرآن من عند الله، وأن الله سبحانه هو الإلٰه وحده لا شريك له، وذلك يوجب دخولهم في الإسلام، واعلم أنه قد اختلف التحدّي للكفار بمعارضة القرآن، فتارة وقع بمجموع القرآن، كقوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } تفسير : [الإسراء: 88] وبعشر سور كما في هذه الآية، وذلك لأن العشرة أوّل عقد من العقود، وبسورة منه كما تقدّم، وذلك لأن السورة أقلّ طائفة منه. ثم إن الله سبحانه توعد من كان مقصور الهمة على الدنيا لا يطلب غيرها ولا يريد سواها، فقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } قال الفراء: إن {كان} هذه زائدة، ولهذا جزم الجواب. وقال الزجاج: {من كان} في موضع جزم بالشرط، وجوابه {نوفّ إليهم}: أي من يكن يريد. واختلف أهل التفسير في هذه الآية، فقال الضحاك: نزلت في الكفار، واختاره النحاس بدليل الآية التي بعدها {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ }. وقيل: الآية واردة في الناس على العموم، كافرهم ومسلمهم. والمعنى: أن من كان يريد بعمله حظّ الدنيا يكافأ بذلك، والمراد بزينتها: ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن، والسعة في الرزق، وارتفاع الحظّ، ونفاذ القول، ونحو ذلك. وإدخال {كان} في الآية يفيد أنهم مستمرّون على إرادة الدنيا بأعمالهم، لا يكادون يريدون الآخرة، ولهذا قيل: إنهم مع إعطائهم حظوظ الدنيا يعذّبون في الآخرة، لأنهم جرّدوا قصدهم إلى الدنيا، ولم يعملوا للآخرة. وظاهر قوله: {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } أن من أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء الدنيوي ولا محالة، ولكن الواقع في الخارج يخالف ذلك، فليس كل متمنّ ينال من الدنيا أمنيته، وإن عمل لها وأرادها، فلا بد من تقييد ذلك بمشيئة الله سبحانه. قال القرطبي: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة، وكذلك الآية التي في الشورى {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } تفسير : [الشورى: 20]. وكذلك {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران: 145] قيدتها وفسرتها التي في سبحان {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء: 18] قوله: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } أي: وهؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم فيها: أي في الدنيا لا يبخسون: أي لا ينقصون من جزائهم فيها بحسب أعمالهم لها، وذلك في الغالب، وليس بمطرد، بل إن قضت به مشيئته سبحانه، ورجحته حكمته البالغة. وقال القاضي: معنى الآية: من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها، نوفّ إليهم أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما ينالون من الصحة والكفاف، وسائر اللذات والمنافع، فخصّ الجزاء بمثل ما ذكره، وهو حاصل لكل عامل للدنيا، ولو كان قليلاً يسيراً. قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ } الإشارة إلى المريدين المذكورين، ولا بدّ من تقييد هذا بأنهم لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتدّ بها، الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة، أو تكون الآية خاصة بالكفار، كما تقدّم {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ } أي: ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي، لولا أنهم أفسدوها بفساد مقاصدهم، وعدم الخلوص، وإرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قصروا ذلك على الدنيا وزينتها؛ ثم حكم سبحانه ببطلان عملهم فقال: {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: أنه كان عملهم في نفسه باطلاً غير معتدّ به، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء، ويترتب عليه ما يترتب على العمل الصحيح. قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } بيّن سبحانه أن بين من كان طالباً للدنيا فقط، ومن كان طالباً للآخرة تفاوتاً عظيماً، وتبايناً بعيداً. والمعنى: أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالله، كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها. وقيل: المراد بمن كان على بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم: أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به الكتب السالفة، كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. ومعنى البينة: البرهان الذي يدلّ على الحق، والضمير في قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } راجع إلى البينة باعتبار تأويلها بالبرهان، والضمير في منه راجع إلى القرآن، لأن قد تقدّم ذكره في قوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } تفسير : [يونس: 38] أو راجع إلى الله تعالى. والمعنى: ويتلو البرهان الذي هو البينة شاهد يشهد بصحته من القرآن، أو من الله سبحانه. والشاهد: هو الإعجاز الكائن في القرآن، أو المعجزات التي ظهرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك من الشواهد التابعة للقرآن. وقال الفراء قال بعضهم: {ويتلوه شاهد منه}: الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في {منه} لله عزّ وجلّ؛ وقيل المراد بمن كان على بينة من ربه: هم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأضرابه. قوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } معطوف على {شاهد}. والتقدير: ويتلو الشاهد شاهد آخر من قبله هو كتاب موسى، فهو وإن كان متقدّماً في النزول، فهو يتلو الشاهد في الشهادة، وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى، مع كونه متأخراً في الوجود، لكونه وصفاً لازماً غير مفارق، فكان أغرق في الوصفية من كتاب موسى. ومعنى شهادة كتاب موسى، وهو التوراة أنه بشّر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر بأنه رسول من الله. قال الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى، لأن النبي موصوف في كتاب موسى، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. وحكى أبو حاتم، عن بعضهم، أنه قرأ: "ومن قبله كتاب موسى" بالنصب، وحكاه المهدوي، عن الكلبي، فيكون معطوفاً على الهاء في {يتلوه}. والمعنى: ويتلو كتاب موسى جبريل، وانتصاب {إماماً ورحمة} على الحال. والإمام: هو الذي يؤتمّ به في الدين ويقتدى به، والرحمة: النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على من أنزله عليهم، وعلى من بعدهم باعتبار ما اشتمل عليه من الأحكام الشرعية الموافقة لحكم القرآن، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بتلك الصفة الفاضلة، وهو الكون على البينة من الله. واسم الإشارة مبتدأ وخبره {يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي: يصدّقون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ } أي: بالنبيّ أو بالقرآن. والأحزاب المتحزّبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم، أو المتحزّبون من أهل الأديان كلها {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ } أي: هو من أهل النار لا محالة، وفي جعل النار موعداً إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من أفانين العذاب، ومثله قول حسان:شعر : أوردتموها حياض الموت صاحية فالنار موعدها والموت لاقيها تفسير : {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي: لا تك في شك من القرآن، وفيه تعريض بغيره صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معصوم عن الشك في القرآن، أو من الموعد {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } فلا مدخل للشك فيه بحال من الأحوال {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك مع وجوب الإيمان به، وظهور الدلائل الموجبة له، ولكنهم يعاندون مع علمهم بكونه حقاً، أو قد طبع على قلوبهم فلا يفهمون أنه الحق أصلاً. وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أنس، في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } قال: نزلت في اليهود والنصارى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن معبد، قال: قام رجل إلى عليّ فقال: أخبرنا عن هذه الآية {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } إلى قوله: {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قال: ويحك، ذاك من كان يريد الدنيا لا يريد الآخرة. وأخرج النحاس عن ابن عباس {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } أي: ثوابها {وَزِينَتَهَا } مالها {نُوَفّ إِلَيْهِمْ } نوفر لهم بالصحة والسرور في الأهل، والمال، والولد {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } لا ينقصون. ثم نسخها:{أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء } تفسير : [الإسراء: 18] الآية. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية قال: من عمل صالحاً: التماس الدنيا صوماً أو صلاة، أو تهجداً بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله أو فيه الذي التمس في الدنيا وحبط عمله الذي كان يعمل، وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك، قال: نزلت هذه الآية في أهل الشرك. وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله: {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ } قال: طيباتهم. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن جريج، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } قال: حبط ما عملوا من خير، وبطل في الآخرة، ليس لهم فيها جزاء. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية، قال: هم أهل الرياء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن عليّ بن أبي طالب، قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } رسول الله صلى الله عليه وسلم بينة من ربه، وأنا شاهد منه. وأخرج ابن عساكر، وابن مردويه من وجه آخر، عنه، قال: قال رسول الله: «حديث : أفمن كان على بينة من ربه: أنا، ويتلوه شاهد منه: عليّ»تفسير : . وأخرج أبو الشيخ، عن أبي العالية، في قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } قال: ذاك محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو الشيخ، عن إبراهيم، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، عن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: قلت لأبي: إن الناس يزعمون في قول الله سبحانه {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } أنك أنت التالي، قال: وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن الشاهد جبريل ووافقه سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس، قال: جبريل فهو شاهد من الله بالذي يتلوه من كتاب الله الذي أنزل على محمد {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } قال: ومن قبله التوراة على لسان موسى، كما تلا القرآن على لسان محمد . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن الحسن بن عليّ، في قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } قال: محمد هو الشاهد من الله. وأخرج أبو الشيخ، عن إبراهيم {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } قال: ومن قبله جاء الكتاب إلى موسى. وأخرج عبد الرزاق، وأبو الشيخ، عن قتادة {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ } قال: الكفار أحزاب كلهم على الكفر. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ } قال: من اليهود والنصارى.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّه} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه القرآن، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية وأبو صالح وقتادة والسري والضحاك. الثالث: الحجج الدالة على توحيد الله تعالى ووجوب طاعته، قاله ابن بحر. وذكر بعض المتصوفة قولاً رابعاً: أن البينة هي الإشراف على القلوب والحكمة على الغيوب. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه لسانه يشهد له بتلاوة القرآن، قاله الحسن وقتادة، ومنه قول الأعشى: شعر : فلا تحبسنّي كافراً لك نعمةً على شاهدي يا شاهد الله فاشهد. تفسير : الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم شاهد من الله تعالى، قاله علي بن الحسين. الثالث: أنه جبريل عليه السلام، قاله ابن عباس والنخعي وعكرمة والضحاك. الرابع: أنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، روى المنهال عن عباد بن عبد الله قال: قال عليّ: ما في قريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية، قيل له: فما نزل فيك؟ قال {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنُهُ} الخامس: أنه ملك يحفظه، قاله مجاهد وأبو العالية. ويحتمل قولاً سادساً: ويتلوه شاهد من نفسه بمعرفة حججه ودلائله وهو عقله ووحدته، قال ابن بحر. {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى} فيه وجهان: أحدهما: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة، قاله ابن زيد. الثاني: ومن قبل محمد كتاب موسى، قاله مجاهد. {إِمَاماً وَرَحْمَةًً} فيه وجهان: أحدهما يعني متقدماً علينا ورحمة لهم. الثاني: إماماً للمؤمنين لاقتدائهم بما فيه ورحمة لهم. {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الأديان كلها لأنهم يتحزبون: قاله سعيد بن جبير. الثاني: هم المتخزبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمعون على محاربته. وفي المراد بهم ثلاثة أوجه: أحدها: قريش، قال السدي. الثاني: اليهود والنصارى، قاله سعيد بن جبير. الثالث: أهل الملل كلها. {فَالْنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي أنها مصيره، قال حسان بن ثابت: شعر : أوردتموها حياض الموت ضاحيةً فالنار موعِدُها والموت لاقيها تفسير : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ منه} فيه وجهان: أحدهما: في مرية من القرآن قاله مقاتل. الثاني: في مرية من أن النار موعد الكفار، قاله الكلبي، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به جميع المكلفين.

ابن عطية

تفسير : {أذقنا } ها هنا مستعارة، لأن " الرحمة " ها هنا تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه وغير ذلك. و {الإنسان } ها هنا اسم الجنس والمعنى أن هذا الخلق في سجية الناس، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح. و {يؤوس } و {كفور } بناءان للمبالغة، و {كفور } ها هنا من كفر النعمة، والمعنى أنه ييأيس ويحرج ويتسخط، ولو نظر إلى نعمة الله الباقية عليه في عقله وحواسه وغير ذلك، ولم يكفرها لم يكن ذلك، فإن اتفق هذا أن يكون في كافر أيضاً بالشرع صح ذلك ولكن ليس من لفظ الآية. وقال بعض الناس في هذه الآية: {الإنسان } إنما يراد به الكافر وحمله على ذلك لفظة {كفور }، وهذا عندي مردود، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة الإنسان. و" النعماء " تشمل الصحة والمال ونحو ذلك و" الضراء " من الضر وهو أيضاً شامل. وقد يكثر استعمال الضراء فيما يخص البدن. ولفظة {ذهب السيئات عني } تقتضي بطراً وجهلاً أن ذلك بإنعام من الله، واعتقاد أن ذلك اتفاق أو بسعد من الاعتقادات الفاسدة، وإلا فلو قالها من يعتقد أن ذهابها بإنعام من الله وفضل، لم يقع ذلك. و {السيئات} ها هنا كل ما يسوء في الدنيا. وقرأت فرقة " لفرِح" بكسر الراء، وقرأت فرقة: لفرُح" بضمها، وهذا الفرح مطلق، ولذلك ذم، إذ الفرح انهمال النفس: ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحاً إلا إذا قيد بأنه في خير. وقوله تعالى: {إلا الذين صبروا }، الآية هذا الاستثناء متصل على ما قدمناه من أن الإنسان عام يراد به الجنس: ومن قال إنه مخصوص بالكافر قال هاهنا: إن الاستثناء منقطع، وهو قول ضعيف من جهة المعنى وأما من جهة اللفظ فجيد، وكذلك قاله من النحاة قوم. واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره ومثابرة عبادة الله: وليس شيء من ذلك في سجية البشر وإنما حمل على ذلك حب الله وخوف الدار الآخرة. و"الصبر" و"العمل الصالح" لا ينفع إلا مع هداية وإيمان، ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة تحريضاً عليها وحضاً، بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم.

النسفي

تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ } هو للجنس {مِنَّا رَحْمَةً } نعمة من صحة وأمن وجدة. واللام في {لئن} لتوطئة القسم {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ثم سلبناه تلك النعمة وجواب القسم {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} شديد اليأس من أن يعود إلى مثل تلك النعمة المسلوبة قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه { كَفُورٌ } عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نسّاء له {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } وسعنا عليه النعمة بعد الفقر الذي ناله {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيّئَاتُ عَنّي } أي المصائب التي ساءتني {إِنَّهُ لَفَرِحٌ } أشر بطر {فَخُورٌ } على الناس بما أذاقه الله من نعمائه قد شغله الفرح والفخر عن الشكر {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } في المحنة والبلاء {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } وشكروا في النعمة والرخاء {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يعني الجنة كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشاداً لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم {أية : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} تفسير : [الفرقان: 7] وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به فكان يضيق صدر رسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } بأن تتلوه عليهم ولم يقل ضيق ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت لأنه عليه السلام كان أفسح الناس صدراً ولأنه أشكل بـ {تارك} {أَن يَقُولُواْ } مخافة أن يقولوا {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه والملائكة لنصدقه ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك أن ردوا أو تهاونوا {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل، فتوكل عليه وكل أمرك إليه وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم.

الثعالبي

تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً...} الآية: «الرحمة» هنا: تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعومٍ وملبوسٍ وجَاهٍ وغيرِ ذلك، و{ٱلإِنسَـٰنَ } هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى: إِن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم ٱستثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، و{كَفُورٌ } هنا: مِنْ كُفْر النعمة، والـــ {نَعْمَاءَ}: تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، والـــ {ضَرَّاءَ }: من الضُّرِّ، وهو أيضاً شاملٌ؛ ولفظة {ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّي }: يقتضي بطَراً وجهلاً أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، و{ٱلسَّيِّئَاتُ} هنا: كلُّ ما يسوء في الدنيا، والْـــ {فَرِح}؛ هنا: مطلق؛ فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ ٱنهمالُ النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحاً إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ. وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ }: ٱستثناءٌ متصلٌ؛ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ؛ وهو الصواب، ومَنْ قال: إِنه مخصوصٌ بالكافر قال: هٰهنا ٱلاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ؛ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ؛ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان وٱستثنَى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ. وقوله سبحانه: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ}: سَببُ هذه الآية: أَنَّ كفَّار قريش قالوا: يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك وٱتَّبَعْنَاكَ، وقالوا له: ٱئْتِ بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان. قال * ص، وع *: وعبَّر بـــ {ضَآئِقٌ} وإِن كان أقلَّ ٱستعمالاً من «ضَيِّقٍ» لمناسبة {تَارِكٌ }؛ ولأن {ضَآئِقٌ} وصفٌ عارضٌ؛ بخلاف «ضيق»؛ فإِنه يدل على الثبوت، والصَّالحُ هنا الأولُ بالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم، والضمير في «به» عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على «ما» و{أَن يَقُولُواْ } أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ }، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ }: «أم» بمعنى: «بل»، وٱلافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر. وقوله سبحانه: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ؛ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً. قال * ع *: وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في «سورة يونس»، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله: { إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}: يريد في أَنَّ القُرآن مفترًى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} الآية. لما ذكر أنَّ عذاب الكُفَّار وإن تأخَّر لا بد أن يحيق بهم، ذكر بعدهُ ما يدلُّ على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لهذا العذاب، فقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ}. وقيل: المراد منه مطلق الإنسان؛ لأنَّه استثنى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}؛ ولأنه موافق لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [العصر:2، 3] {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}تفسير : [المعارج:19] ولأنَّ مزاج الإنسان مجبولٌ على الضَّعف والعجز. قال ابنُ جريج في تفسير هذه الآية: يا ابنَ آدم إذا نزلت بك نعمةٌ من الله، فأنت كفورٌ، وإذا نزعت منك فيئوسٌ قنوط. وقيل: المرادُ به الكافر؛ لأنَّ الأصل في المفرد المعرف بالألف واللاَّم أن يعود على المعهود السَّابق إلاَّ أن يمنع مانع منه، وههنا لا مانع؛ فوجب حمله على المعهود السابق، وهو الكافر المذكور في الآية المتقدمة. وأيضاً فالصِّفاتُ المذكورة في الإنسان هنا لا تليقُ إلاَّ بالكافر؛ لأنَّهُ وصفهُ بكونه كفوراً، وهو تصريح بالكفر، ووصفه عند وجدان الراحة بقوله: {ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} وذلك جراءة على الله تعالى، ووصفه بكونه فرحاً {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}تفسير : [القصص:76] وصفه بكونه فخوراً، وذلك ليس من صفات أهل الدِّين. وإذا كان كذلك؛ وجب حمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع. واعلم أنَّ لفظ "الإذَاقة والذَّوق" يفيدُ أقل ما يوجدُ من الطَّعم، فكان المراد أنَّ الإنسان بوجدان أقل القليل من الخير في العاجلة يقعُ في الكفر والطُّغيان وبإدراك أقل القليل من البلاءِ يقع في اليأس والقنوط، قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} نعمة وسعة {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} سلبناها منه {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} في الشِّدة كفور بالنعمة. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ} قال الوَاحديُّ: النَّعْمَاء إنعام يظهر أثرهُ على صاحبه، والضَّرَّاءُ مضرَّةٌ يظهر أثرها على صاحبها؛ لأنَّها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو: حمراء وسوداء، وهذا هو الفرق بين النِّعمةِ والنَّعماء، والمضرة والضَّراء. والمعنى: إذا أذقناه نعمة بعد بلاء أصابه: "ليقُولنَّ ذهبَ السيِّئاتَ عنِّي" زالت الشَّدائدُ عنِّي، إنَّهُ لفرحٌ فخورٌ أشر بطر، والفرح: لذَّة في القلب بنيل المشتهى. والفخرُ: هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهيٌّ عنه. فصل اعلم أنَّ أحوال الدنيا أبداً في التَّغير والزَّوال، والتحوُّل والانتقال، فإمَّا أن يتحوَّل الإنسانُ من النِّعمة إلى المِحْنةِ أو العكس. فأمَّا الأوَّلُ: فهو المراد بقوله عز وجل: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود:9] أي أنه حال زوال تلك النعمة يصير يَئُوساً؛ لأنَّ الكافر يعتقدُ أنَّ السبب في حصول تلك النِّعمة سببٌ اتفاقي، ثُمَّ إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى، فلا جرم يستبعد تلك النعمة فيقع في اليأسِ. وأمَّا المسلمُ، فيعتقد أنَّ تلك النِّعمة إنَّما حصلت من فضل الله وإحسانه، فلا ييأس، بل يقول لعلَّه يؤخِّرها إلى ما هو أحسن، وأكمل ممَّا كانت، وأمَّا الإنسان يكونُ كفوراً حال تلك النعمة، فإنَّ الكافر لمَّا اعتقد أنَّ حصولها كان على سبيل الاتفاق، أو أنَّهُ حصلها بجدِّه واجتهاده، فحينئذٍ لا يشتغل بشكرِ الله على تلك النِّعمة والمسلم يشكر الله تعالى. والحاصلُ أنَّ الكافر يكون عند زوال النِّعمة يئوساً وعند حصولها كفوراً. وأمَّا انتقال الإنسان من المحنة إلى النِّعمة، فالكافرُ يكون فرحاً فخوراً؛ لأنَّ منتهى طبع الكافر هو الفوزُ بهذه السَّعادات الدُّنيوية، وهو منكرٌ للسعادات الأخرويَّة. قوله: "لفرحٌ" قرأ الجمهو بكسر الرَّاءِ، وهو قياسُ اسم الفاعل من "فَعِلَ" اللاَّزم بكسر العين نحو: أشِرَ فهو أشِرٌ، وبَطِرَ فهو بَطِرٌ، وقرئ شاذاً "لَفَرُحٌ" بضمِّ الرَّاء نحو: يَقِظٌ ويَقُظٌ، وندِس وندُس. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على الاستثناء المتَّصل، إذا المرادُ به جنس الإنسان لا واحدٌ بعينه. والثاني: أنَّهُ منقطعٌ، إذ المراد بالإنسان شخصٌ معينٌ، وهو على هذين الوجهين منصوبُ المحلِّ. والثالث: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} وهو منقطعٌ أيضاً. والمعنى: أنَّ هؤلاء لا يكُونُون عند البلاء من الصَّابرين وعند الرَّاحةِ والخير من الشَّاكرين. قال الفراء: هو استثناءٌ منقطع معناه: لكن الذين صبروا وعملوا الصَّالحات؛ فإنَّهم إن يأتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} يجوزُ أن يكون "مَغْفِرةٌ" مبتدأ، و"لهُم" الخبرُ، والجملة خبر "أولئكَ"، ويجوز أن يكون "لَهُم" خبر "أولئكَ" و "مَغْفِرَةٌ" فاعلٌ بالاستقرار. فجمع لهم بين شيئين: أحدهما: زوال العقاب بقوله: "لَهُم مَغْفرةٌ" والثاني: الفوز بالثَّواب بقوله "وأجْرٌ كبيرٌ". قوله: "فَلَعَلَّكَ" الأحسنُ أن تكون على بابها من التَّرجِّي بالنسبة إلى المخاطب. وقيل: هي للاستفهام كقوله - صلوات الله وسلامه عليه - "حديث : لعلَّنا أعْجلنَاكَ ". تفسير : فإن قيل: "فَلعَلَّك" كلمة شك فما فائدتها؟. فالجوابُ: أنَّ المراد منها الزَّجرُ، والعرب تقول للرجلُ إذا أرادوا إبعاده عن أمر: لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنَّهُ لا شك فيه، ويقول لولده: لعلك تقصر فيما أمرتك، ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك. وقوله: "وضَائِقٌ" نسقٌ على "تَاركٌ"، وعدل عن "ضيِّق" وإن كان أكثر من "ضائق". قال الزمخشريُّ: ليدُلَّ على أنَّهُ ضيِّق عارضٌ غيرُ ثابتٍ، ومثله سيدِّ وجواد - تريد السِّيادة والجود الثَّابتين المستقرين - فإذا أردت الحدوث قلت: سائِدٌ وجائدٌ. قال أبُو حيَّان: وليس هذا الحكمُ مختصّاً بهذه الألفاظ؛ بل كلُّ ما بني من الثلاثي للثبوتِ والاستقرارِ على غير فاعل رُدَّ إليه إذا أريد به معنى الحدوث تقول: حَاسِن وثَاقِل وسامِن في: "حَسُن وثقُلَ وسمُن"؛ وأنشد قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2946- بمَنْزِلَةٍ أمَّا اللَّئِيمُ فسَامِنٌ بهَا وكرامُ النَّاسِ بادٍ شُحُوبُهَا تفسير : وقيل: إنَّما عدل عن "ضيِّق" إلى "ضَائِقٌ" ليناسب وزن "تَارِكٌ". والهاءُ في "به" تعود على "بعض". وقيل: على "ما". وقيل: على التَّكذيب و "صَدْرُكَ" مبتدأ مؤخَّرٌ، والجملةُ خبرٌ عن الكاف في "لعَلَّكَ"؛ فيكون قد أخبر بخبرين: أحدهما: مفرد، والثاني: جملة عطفت على مفردٍ، إذ هي بمعناه، فهو نظير: "إنَّ زيداً قائمٌ، وأبوه منطلقٌ". قوله: "أن يقُولُوا" في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على الخلاف المشهور في "أنَّ" بعد حذف حرف الجرِّ أو المضاف، تقديره: كراهة أو مخافة أن يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، أو بأن يقولوا. وقال أبو البقاء: لأن يقُولُوا أي: لأن قالوا، فهو بمعنى الماضي وهذا لا حاجة إليه، وكيف يُدَّعى ذلك فيه ومعه ما هو نصٌّ في الاستقبال وهو الناصب؟. و "لَوْلاَ" تحضيضيةٌ، وجملة التَّحضيض منصوبةٌ بالقول. فصل المعنى: فلعلَّك يا محمد تارك بعض ما يوحى إليك، فلا تبلغة إيَّاهم، وذلك أن كفار مكة قالوا: ائتِ بقرآن غير هذا، ليس فيه سب آلهتنا، فهمَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم - أن يدع آلهتهم ظاهراً؛ فأنزل الله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} يعنى سب الآلهة: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي: ولعلَّ يضيق صدرك {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدِّقه، قاله عبد الله بنُ أميَّة المخزُومي. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رؤساء مكَّة قالوا: يا محمد: اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً، وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك، فقال: لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية. وأجمع المسلمون على أنَّهُ لا يجوزُ على الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يخُون في الوَحْي والتبليغ، وأن يترك بعض ما يوحى إليه؛ لأنَّ تجويزه يُؤدِّي إلى الشَّك في كل الشرائع وذلك يقدحُ في النبوةِ، وأيضاً فالمقصودُ من الرِّسالة تبليغ التكاليف، والأحكام، فإنه لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها. وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المرادُ من قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} شيئاً آخر سوى أنه فعل ذلك. وذكروا فيها وجوهاً أخر، قيل: إنَّهم كانوا لا يقبلون القرآن ويتهاونون به، فكان يضيق صدر الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فأهله الله لأداء الرِّسالة، وطرح المبالاة بكلماتهم الفاجرة، وترك الالتفات إلى استهزائهم، والغرض منه التنبيه على أنه إذا أدَّى ذلك الوحي وقع في سفاهتهم، وإن لم يُؤد ذلك وقع في ترك وحي الله - تعالى - وفي إيقاع الخيانةِ، وأنه لا بد من تحمل أحد الضَّررين؛ فتحمل ضرر سفاهتهم أسهل من تحمل الخيانة في وَحْي الله، والغرض من ذكر هذا الكلام: التنبيهُ على هذه الدقيقة؛ لأنَّ الإنسان إذا علم أنَّ كلَّ واحدٍ من طرفي الفعل والترك مشتملٌ على ضررٍ عظيم، على أنَّ الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف. فإن قيل: الكنز كيف ينزل؟ فالجواب: أنَّ المراد ما يكنز، وجرت العادة على أنَّ المال الكثير يسمَّى كنزاً، فقال القومُ: إن كنت صادقاً في أنَّك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كلِّ شيء وأنك عزيزٌ عنده فهلاَّ أنزل عليك ما تستغني به في مهماتك وتعين أنصارك، وإن كنت صادقاً فهلاَّ أنزل الله معك ملكاً يشهد لك على صدق قولك، ويعينك على تحصيل مقصودك وتزول الشبهة في أمرك، فلمَّا لم يفعل لك ذلك فأنت غير صادقٍ، فبيَّن الله تعالى أنَّهُ رسول ينذر بالعقاب ويبشر بالثَّواب وليس له قدرة على إيجاد هذه المطلوبات، والذي أرسله هو القادرُ على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ولا اعتراض لأحدٍ عليه. ومعنى "وكيلٌ": حفيظ أي: يحفظُ عليهم أعمالهم، حتى يجازيهم بها، ونظير هذه الآية، قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً}تفسير : [الإسراء:90] إلى قوله: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء:93]. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود:13]. لمَّا طلبوا منه المعجز قال: معجزتي هذا القرآن، فلمَّا حصل المعجز الواحد كان طلب الزِّيادة بغياً وجهلاً. و في "أمْ" هذه وجهان: أحدهما: أنها منقطعةٌ فتقدَّر بـ "بَلْ" والهمزة، فالتقدير: بل أتقولون افتراه. والضمير في "افتراهُ" لما يوحى. والثاني: أنَّها متصلة، فقدَّروها بمعنى: أيكفرون بما أوحينا إليك من القرآن أم يقولون إنَّهُ ليس من عند الله؟ قوله "مِثْلِهِ" نعت لـ "سُورٍ" و "مثل" وإن كانت بلفظ الإفراد فإنه يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث، كقوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}تفسير : [المؤمنون:74] ويجوز المطابقة. قال تعالى: {أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ}تفسير : [الواقعة:22، 23] وقال تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}تفسير : [محمد:38]. قال ابن الخطيب: "مِثلِهِ" بمعنى "مثاله" حملاً على كُلِّ واحدة من تلك السور، ولا يبعد أيضاً أن يكون المرادُ المجموع؛ لأنَّ مجموع السور العشرة شيء واحد. والهاء في "مِثْلِهِ" تعود لما يوحى أيضاً، و "مُفْترياتٍ" صفة لـ "سُورٍ" جمع "مُفْتراة" كـ "مُصْطفيَات" في "مُصْطَفاة" فانقلبت الألفُ ياءً كالتثنية. فصل قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - هذه السور التي وقع بها التَّحدي سور معينة، هي سورة البقرة وآل عمران والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس وهود، فقوله عز وجل: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} الإشارة إلى هذه السور وهذا فيه إشكال، لأنَّ هذه السُّورة مكية، وبعض السُّور المتقدمة مدنية، فكيف يمكنُ أن يكون المراد هذه العشر عند نزول هذا الكلام؟ فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور. فإن قيل: قد قال في سورة يونس {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}تفسير : [يونس:38] وقد عجزوا عنهُ. فكيف قال {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ} فهو كرجل يقول لآخر: أعطني درهماً؛ فيعجز، فيقول: أعطني عشرة؟. فالجوابُ: قد قيل: نزلت سورة هودٍ أولاً، وأنكر المبردُ هذا وقال: بل سورة يونس أولاً، وقال: ومعنى قوله في سورة يونس: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}تفسير : [يونس:38] أي: مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هودٍ: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الإخبار، والأحكام، والوعد، والوعيد (فأتوا بعشر سور مثله) من غير وعْدٍ ووعيدٍ، وإنما هي مجرد بلاغة. فصل اختلفوا في الوجه الذي كان القرآن لأجله معجزاً، فقيل: هو الفصاحةُ وقيل: الأسلوب، وقيل: عدم التناقض، وقيل: اشتمالهُ على الإخبار عن الغيوبِ، والمختار عند الأكثرين أن القرآن معجز من جهة الفصاحة، واستدلُّوا بهذه الآية، لأنَّهُ لو كان إعجازه هو كثرة العلوم، أو الإخبار عن الغيوب، أو عدم التناقض لم يكن لقوله: "مفترياتٍ" معنى، أمَّا إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صحَّ ذلك؛ لأنَّ فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقاً أو كذباً، ثم إنه لمَّا قرر وجه التحدِّي قال: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} واستعينوا بمن استطعتم "من دُون الله إن كنتم صادقينَ فإن لمْ يستجيبُوا لكُم" يا أصحاب محمد، وقيل: لفظه جمع والمراد به الرسول - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه وحده - والمرادُ بقوله: {فَإِن لمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي: الكفار، يحتمل أنَّ من يدعونه من دون الله لمْ يَسْتَجِيبُوا. قوله: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ} "ما" يجوز أن تكون كافة مهيئة، وفي "أنزِلَ" ضميرٌ يعودُ على {مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} [هود:12]، و "بعلْم" حال أي: ملتبساً بعلمه، ويجوز أن تكون موصولة اسمية أو حرفية اسماً لـ "أنّ" والخبرُ الجارُّ تقديره: فاعلموا أن تنزيله، أو أن الذي أنزل ملتبسٌ بعلمٍ. وقرأ زيد بن علي "نزَّل" بفتح النون والزاي المشددة، وفاعل "نزَّل" ضميرُ الله تعالى، و {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نسقٌ على "أنَّ" قبلها، ولكن هذه مخففةٌ فاسمها محذوفٌ، وجملة النَّفي خبرها. فصل إن قلنا هذا خطاب للمؤمنين، فالمعنى: ابقوا على العلم الذي أنتم عليه؛ لتزدادوا يقيناً وثبات قدمٍ، على أنه منزَّل من عند الله. وقوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي: مخلصون، وقيل: فيه إضمار، أي: فقولوا أيُّها المسلمون للكفار: اعلموا أنَّما أنزل بعلم الله، يعني القرآن. وقيل: أنزله، وفيه علمه، وإن قيل: إن هذا الخطاب مع الكفار، فالمعنى: إن الذين تدعونهم من دون الله، إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة، فاعلموا أيها الكفار؛ أن هذا القرآن، إنما أنزل بعلمه، فهل أنتم مسلمون، فقد وقعت الحجة عليكم، وأن لا إله إلا هو، فاعلموا أنَّهُ لا إله إلا هُو. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} لفظهُ استفهام، ومعناه أمر، أي: أسلموا. قال بعض المفسِّرين: وهذا القول أولى؛ لأن القول الأول يحتاج فيه إلى إضمار القول، وهذا لا يحتاج إلى إضمار، وأيضاً: فعود الضمير إلى أقرب مذكور أولى، وأيضاً: فالخطابُ الأول كان مع الكفار بقوله: {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، وأيضاً فالأول أمر بالثبات. فإن قيل: أين يعلَّق الشرط المذكور في هذه الآية، وأين ما فيها من الجزاء؟ فالجواب: أن القوم ادعوا كون القرآن مفترًى على الله تعالى، فقال: لو كان مفترًى على الله تعالى، لوجب أن يقدر الخلقُ على مثله، ولما لم يقدروا عليه، ثبت أنَّهُ من الله، فقوله (إنما أنزل بعلم الله): كنايةٌ عن كونه من عند الله، ومن قبله؛ كما يقول الحاكم: هذا الحكم جدير بعلمي. فإن قيل: أي تعلُّق لقوله: {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} بعجزهم عن المعارضة؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه تعالى لمَّا أمر محمداً - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - بأن يطلب من الكفار ان يستعينوا بالأصنامِ في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنَّها لا تنفعُ ولا تضرُّ في شيءٍ من المطالب ألبتة، ومن كان كذلك، فقد بطلت إلهيته، فصار عجزُ القوم عن المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلاً لإلهية الأصنام، ودليلاً على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم، فكان قوله: {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} إشارة إلى ظهور فسادِ إلاهيَّة الأصنام. وثانيها: أنَّهُ ثبت في علم الأصول أنَّ القول بنفي الشَّريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرَّسُول - صلوات الله وسلامه عليه - فكأنَّهُ قيل: لمَّا ثبت عجزُ الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً، وثبت كون قول محمد صدقاً في دعوى الرِّسالةِ. وإذا ثبت ذلك فأعلمهم يا محمد أن لا إله إلا هو، واتركُوا الإصرار على الكفر، واقبلوا الإسلام. ونظيره قوله تعالى - في سورة البقرة عند ذكر آية التحدِّي - {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة:24].

البقاعي

تفسير : ولما كان قولهم ذلك ناشئاً عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة، بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم. وبعلم ذلك يعلم مقدار نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله مؤكداً لأن كل أحد ينكر أن يكون طبعه كذلك: {ولئن أذقنا} أي بما لنا من العظمة {الإنسان} أي هذا النوع المستأنس بنفسه؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار. وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده، قدم الصلة دليلاً على العارية فقال: {منا رحمة} أي نعمة فضلاً منا عليه لا بحوله ولا بقوته من جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق من المذوق {ثم نزعناها} أي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك {منه} أخذاً لحقنا {إنه ليئوس} أي شديد اليأس من أن يعود له مثلها {كفور*} أي عظيم الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك {ولئن أذقناه نعماء} من فضلنا. ولما كان استملاكه العارية طبعاً له، لا ينفك عنه إلا بمعونة شديد من الله. دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في الضر ثم نال حالة يرضاها عقب زمن الضر سواء بادر إلى اعتقاد أنها هي الحالة الأصلية له وأنها لا تفارقه أصلاً ولا يشوبها نوع ضرر ولا يخالط صفوها شيء من كدر. فقال دالاًّ على اتصال زمن الضر بالقول بنزع الخافض من الظرف: {بعد ضراء} أي فقر شديد مضر ببدنه، ولم يسند المس إليه سبحانه كما فعل في النعماء تعليماً للأدب فقال: {مسته} أي بما كسبت يداه {ليقولن} مع قرب عهده بالضراء خفة وطيشاً {ذهب السيِّئات} أي كل ما يسوءني {عني} وقوله {إنه} الضمير فيه للإنسان، المعنى أن الإنسان. فهي كلية مشهورة بمستغرق، أي أن كل إنسان {لفرح فخور} أي خارج عن الحد في فرحه شديد الإفراط في فخره على غيره بكل نعمة تفضل الله عليه بها. لا يملك ضر نفسه ومنعها من ذلك فلذا اتصل بها قوله مستثنياً من الإنسان المراد به اسم الجنس: {إلا الذين صبروا} في وقت الشدائد وزوال النعم رجاء لمولاهم وحسن ظن به بسبب إيمانهم الموجب لتقيدهم بالشرع {وعملوا الصالحات} أي من أقوال الشكر وأفعاله عند حلول النعم، فهم دائماً مشغولون بمولاهم شكراً وصبراً، وهم الذين أتم عليهم سبحانه نعمه، وخلقهم في أحسن تقويم. وهم أقل من القليل لعظيم جهادهم لنفوسهم فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات وغيرها وشياطينهم. ولما كان كأنه قيل: فما لهم لم يكونوا كذلك! أنتج السياق مدحهم فقال: {أولئك} أي العالو المراتب {لهم مغفرة} إذا وقعت منهم هفوة {وأجر كبير*} على صبرهم وشكرهم؛ والذوق: تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم كما أن الشم ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة؛ والنزع: رفع الشيء عن غيره مما كان مشابكاً له كالقلع والقشط؛ واليأس: القطع بأن الشيء لا يكون، وهو ضد الرجاء، ويؤوس: كثير اليأس، وهو ذم لأنه للجهل بسعة الرحمة الموجبة لقوة الأمل في كل ما يجوز في الحكمة فعله؛ والنعماء: إنعام يظهر أثره على صاحبه، كما أن الضراء مضرة تظهر الحال بها، لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من حمراء وعوراء مع ما في مفهومها من المبالغة؛ والسيئة: ما يسوء من جهة نفور طبع أو عقل، وهي هنا المرض والفقر ونحوه؛ والفرح: انفتاح القلب بما يلتذ به؛ وعبارة البغوي: هو لذة في القلب بنيل المشتهى وهو أعظم من ملاذ الحواس؛ والفخر: التطاول بتعديد المناقب؛ والصبر: حبس النفس عن المشتهى من المحارم ونحوها، والصبر على مر الحق يؤدي إلى الفوز في الآخرة مع ما فيه من جمال في الدنيا؛ والكبير واحد يقصر مقدار غيره عنه؛ والكثير: جمع يزيد على عدد غيره. ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى برزانة الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل، وكان صلى الله عليه وسلم رأس الصابرين، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم {ما يحبسه} وتثنيهم صدورهم أسباباً لضيق صدره صلى الله عليه وسلم، فربما كانت مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعاً في إقبالهم أو خوفاً من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون: ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر، قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في صيغة الخبر: {فلعلك تارك} أي إشفاقاً أو طمعاً {بعض ما} ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله: {يوحى إليك} كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم {وضآئق به} أي بذلك البعض {صدرك} مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي مخافة أو لأجل أن {يقولوا} تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة {لولا} أي هلا ولم لا {أنزل عليه كنز} يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عناداً ومكابرة {أو جاء معه ملك} أي ليؤيد كلامه وليشهد له، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائناً فيها ما كان، فكان المعنى: فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من التقلبات، فلا تكن موضع رجائهم في أن تكون تاركاً ما يغيظهم مما نأمرك به، بل كن من الصابرين؛ قال أهل السير: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه الله؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أم المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا. ولما أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار، كان كأنه قيل له: هذا الرجاء المرجو منكر، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة على النفوس، وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال: {إنما أنت نذير} فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة. ولما كان السياق لإحاطته سبحانه، قدم قوله: {على كل شيء} منهم ومن غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره {وكيل*} فهو يدبر الأمور على ما يعلمه من الحكم، فإنشاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي التي يطعمون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة؛ والصدر: مسكن القلب، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس؛ والكنز: المدفون، وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفوناً، والآية من الاحتباك: نفي أولاً قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلاً على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانياً. وأثبت الوكالة ثانياً دليلاً على نفيها أولاً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} [الآية: 9]. قال أبو سعيد الخراز: من أذيق حلاوة الذكر وصفاء السر ثم نزع منه ذلك فلم تظهر عليه الاهتمام به، والذبول لفقده ولا يرى من سره مطالبة لما نزع منه من سنى المقامات والأحوال فليحكم لقلبه بالموت ولسره بالعمى عن طريق الهدى كذلك قال الله {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} وهو محل القربة ثم نزعناها منه وهو حجاب النعمة.

القشيري

تفسير : تَكَدُّرُ ما صفا من النِّعم، وتَغيُّرُ ما أُتيح من الإحسان والمِنَن حالٌ معهودةٌ وخُطَّة عامة، فلا أحدَ إلا وله منها خِطَّه فَمْنْ لم يرجع بالتأسُّفِ قلبه، ولم يتضاعفْ في كل نَفَسٍ تَلَهفُّهُ وكَرْبُه ففي ديوان النسيان، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران. ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاساتِ الحسرة عُلَلاً بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجَدَّدَ له ما اندرس من أحوال القربة، وأطْلَعَ عليه شمسَ الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل: شعر : تَقَشَعَ غَيمُ الهجرِ عن قمر الحبِّ وأشرق نورُ الصبح في ظلمة الغيب تفسير : وليس للأحوال الدنيوية خَطَرٌ في التحقيق، ولا يُعدُّ زوالها وتكدُرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل، لكنَّ المحنة الكبرى والرزيةَ العظمى ذبولُ غصنِ الوصال؛ وتكدرُ مشرب القرب، وأفولُ شوارق الأُنْسِ، ورَمَدُ بصائر أرباب الشهود... فعند ذلك تقوم قيامتُهم، وهناك تُسْكَبُ العَبَراتُ. ويقال إذا نَعَقَ في ساحاتِ هؤلاء غرابُ البيْن ارتفع إلى السماء نُوَاحُ أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون نحيبهم ما قلتُ: شعر : قولاً لَمِنْ سَلَبَ الفؤادَ فراقُه ولقد عَهِدنا أن يُبَاحَ عِتَاقُه بَعُدَ الفراقِ... فبالذي هو بيننا هَلاَّ رحمتم مَنْ دنا إزهاقُه؟ عهدي بمن جحد الهوى أزمان كُــ ــنَّا بالصبابةِ - لا يَضيق نِطاقُه والآن مُذْ بَخِلَ الزمانُ بوصلنا ضاق البسيطة حين دام فراقُه هل تُرتَجى من وصل عِزِّك رجعةٌ تحنو على قمرٍ يدوم محاقُه؟ إن كان ذاك كما تروم فأخْبِروا أنَّى له أن يعودَ شروقَه؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} ان الله سبحانه وصف الممتحن الذى ذاق من طعم احوال العارفين والمحبين والمريدين واقتحم فى خطوط النفس وظلمات هواها واحتجب بها عن مذاق مراتب الذاكرين والصالحين ولم يتدارك ما فاته من عمارة الاوقات وحراسة الانفاس بقى فى حجابه وليس من مدارك احواله وزاد خوضه فى متابعة النفس ويكون هالكا مع الهالكين وكم من طائفة هلكوا فى هذه الوصلة ولم ينتعشوا قال قائلهم وكان لى مشري يصفوا برؤيتكم فكذرته الايام حين صفا قال ابو سعيد الخراز من ذيق حلاوة الذكر وصفاء السر ثم نزع منه من ستى المقامات والاحوال فليحكم لقلبه بالموت ولسره بالعمى عن طريق الهدى لذلك قال الله ولئن اذقنا الانسان منا رحمة وهو يحل القربة ثم نزعناها منه وهو حجاب النعمة ثم ذكر سبحانه وصف المتخلص من محن الفراق والناقة من مرض سم افاعى القهر بمفرح الترياق اذ ادرك ما فاته وطلع عليه شمس العناية مشرق الكفاية واقبل عليه ايام السعادة بعذ ذهاب ايام الشقاوة بقوله {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} اذقناه نعماء الوصال بعد ضراء الفراق اذقناه من شراب الوداد بعد رجوعه الى المراد يطربه المواجيد ويسكره انوار شراب الوصلة فيهيج نفسه بهيجان قلبه ويضطرب ويفرح بذهاب ظلمة الهجران عنه ويظن ان الاوقات باقيات عليه فيدعى بدعاوى البشرية بالمقامات والاحوال عند الخلق وذلك غلط عظيم يفرح بغلطه ولا يعلم مزلة قدمه فيكون بعد ذهاب الوقت كما كان وذلك معنى قوله {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} ثم استثنى الله سبحانه اهل الاستقامة والثبات فى موازات تجلى انوار قدمه نبعت الختوع والفناء حتى يجرى عليهم بديهة المكاشفة وجدوا من اغلى الزلفة وارفع القربة ولا يفشون تلك الاسرار عند الخلق بنعت الدعوى ومعنى قوله علموا الصالحات استقامتهم على تدارك الاوقات بوصف ومنع اقدام الصدق على هواهم حيث يراعون انفاسهم ويقدسونها عن شوبها مع الخطرات ثم وعد الله لهم بصبرهم واستقامتهم وتدارك احوالهم عقران ما مضى من الفترة والغفلة وانه تعالى يسترهم عن نفوسهم وهو اجسها وشياطينهم ووساوسها بقوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} المغفرة اقبال الله عليهم بوصف قبولهم والاجر الكبير ودوام الاوقات على السرمدية وتواتر المواجيد وبلوغهم الى انبساطات الاول بوصف رفع الاحتشام وتذكير ما سلف من الفرقة وقال الاستاد فى تفسير قوله ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته من استمسك بعروة التضرع واعتكف بعقوة التذلل وتحسر كاسات الحسرة علا بعد نهل كالعة الحق بنعت الرحمة وجدد له ما اندرس من احوال القربة واطلع عليه شمس الاقبال بعد الافول والغيبة كما قيل شعر : تقشع غيم الهجر عن قمر الحب واشرف نور الصبح فى ظلمات الغيب تفسير : وليس للاحوال الدنياوية كبر خطر فى التحقيق ولا بعد نوالها وتكدرها من جملة المحن عند ارباب التحصيل لكن المحبة الكبرى والوزية العظمى ذبول غصن الوصال وتكدر مشرب القرب وافول شوارق الانس ومد بصائر ارباب الشهود فعند ذلك يقوم قيامتهم وهنالك تسلب العبرات وهى ارواح فتقطر من العيون بتصاعدها فاذا نعق فى ساحات هؤلاء غراب البين ارتفع الى السماء نباح اسرارهم بالويل ومن جملة ما قولا فى ذلك شعر : لولا لمن سلب الفواد فراقه ولقد عهدنا والمناخ عناقه تغد الغراء فبالذى هو بيننا الا وثبت لزدنا ازهاقه عهدى لن حجد الهوى ارمان ما نور الصبابة لا يضيق نطاقه فالآن === الزمان بوصلنا ضاق البسيط فشانه فعرافه هل ترتحى من وصل عزة رجعه تخفوا على فمر يدوم === ان كان ذاك كما تريد فخازما فجر المسرة ان يرى اشراقه

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن} اللام موطئة للقسم {اذقنا الانسان منا رحمة} اى اعطيناه نعمة من صحة وامن وجدة وغيرها واوصلناها اليه بحيث يجد لذتها والمراد مطلق الانسان وجنسه الشامل للمؤمن والكافر بدلالة الاستثناء الآتى. وقوله منا حال من رحمة اى لا باستحقاق منه {ثم نزعناها منه} اى سلبنا تلك النعمة منه وأزلناها عنه وايراد النزع للاشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليها. قال سعدى المفتى الظاهر ان من صلة نزعناها اى قلعناها منه ولا يبعد ان يقال والله اعلم ان من التعليل يعنى ان منشأ النزع شؤم نفسه بارتكاب معصية الله {انه ليئوس} شديد اليأس من ان يعود اليه مثل تلك النعمة المسلوبة قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وتسليمه لقضائه وعدم ثقته به وهو جواب القسم ساد مسد جواب الشرط {كفور} عظيم الكفران لما سلف له من النعم نساءله: قال السعدى قدس سره شعر : سكى را لقمه كردادى فراموش نكردد كرزنى صد نوبتش سنك وكر عمرى نوازى سفله را بكمتر تندى آيد باتو درجنك تفسير : ومعنى الكفر ان انكار النعمة والمعروف وستره وترك شكره وحمده وعدم الثناء على فاعله ومعطيه. وفيه اشارة الى ان النزع انما كان بسبب كفرانهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (ولئن): شرط وقسم، ذكر جواب القسم، واستغنى به عن جواب الشرط. يقول الحق جل جلاله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمةً} أي: أعطيناه نعمة يجد لذتها. {ثم نزعناها منه} أي: سلبنا تلك النعمة منه {إنه ليؤوسٌ}؛ قنوط، حيث قلَّ رجاؤه من فضل الله؛ لقلة صبره، وعدم ثقته بربه، {كفور}: مبالغ في كفران ما سلف له من النعم، كأنه لم ير نعمة قط. {ولئن أذقناه نعماءَ بعد ضراء مسَّتْه}؛ كصحة بعد سقم، وغنى بعد فقر، أو علم بعد جهل، {ليقولنَّ ذهب السيئاتُ}. أي: المصائب التي مستني، {عني}، ونسي مقام الشكر. {إنه لفرح} أي: بطر متعزز بها، {فخورٌ} على الناس، متكبر بها، مشغول بذلك عن شكرها، والقيام بحقها. قال البيضاوي: وفي لفظ الإذاقة والمس تنبيه على ان ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء؛ لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. هـ. {إلا الذين صبروا} على الضراء؛ إيماناً بالله، واستسلاماً لقضائه، {وعملوا الصالحات} شكراً لآلائه، سابقها ولاحقها، {أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم، {وأجر كبير} أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء من الإنسان؛ لأن المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر ـ لسبق ذكرهم ـ جعله منقطعاً. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكراً للنعم، صابراً عند النقم، واقفاً مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رَجَى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: ان يكون عبداً لله في جميع الحالات. حُكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر ساجداً متضرعاً، فقال: يا ابن عمران؛ إن رضاي في رضائك بقضائي. هـ. وقال ابن عباس رضي الله عنه أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقاً، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ رباً سوائي. هـ. ورُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة: الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. هـ. من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ:

الطوسي

تفسير : أقسم الله تعالى في هذه الاية انه لو احل تعالى بالانسان رحمة من عنده يعني ما يفعله الله تعالى بهم في الدنيا من الارزاق، فانه يعم بها خلقه كافرهم ومؤمنهم. ثم نزعها منه وسلبها، وسمى احلال اللذات بهم اذاقة تشبيهاً ومجازاً، لان الذوق في الحقيقة تناول الشيء بالفم لادراك الطعم، والانسان حيوان على الصورة الانسانية لأن الصورة الانسانية بانفرادها قد تكون للتمثال ولا يكون انساناً فاذا اجتمعت الحيوانية والصورة لشيء فهو انسان. قال الرماني: وكلما لا حياة فيه فليس بانسان كالشعر والظفر وغيرهما. والنزع رفع الشيء عن غيره مما كان مشابكا له، والنزع والقلع والكشط نظائر. واليأس القطع بأن الشيء لا يكون وهو ضد الرجاء ويؤوس كثير اليأس من رحمة الله وهذه صفة ذم، لانه لا يكون كذلك الا للجهل بسعة رحمة الله التي تقتضي قوة الأمل. وفائدة الآية الاخبار عن سوء خلق الانسان وقنوطه من الرحمة عند نزول الشدة وأنه إذا أنعم عليه بنعمة لم يشكره عليها وإذا سلبها منه يئس من رحمة الله وكفر نعمه، وهو مصروف إلى الكفار الذين هذه صفتهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} والإِنسان ها هنا المشرك، والرحمة في هذا الموضع الصحة والسعة في الرزق. قال: { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} أي من رحمة الله أن تصل إليه فيصيبه رخاء بعد شدة { كَفُورٌ} أي: لنعمة الله. قال: { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} فعافيناه من تلك الضراء. والضرّاء: المرض واللاواء، وهي الشدائد { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} أي: بعد إذ نزلت به {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي ليست له حسبة عند ضراء، ولا شكر عند سراء. {فَرِحٌ} أي بالدنيا، مثل قوله: (أية : وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا) تفسير : [الرعد:26] وهم أهل الشرك. ثم استثنى الله أهل الإِيمان فقال: { إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} أي: على هذه اللاواء والشدائد { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: إنهم لا يفعلون ذلك الذي وصف من فعل المشركين. { أُوْلَئِكَ} الذين هذه صفتهم { لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي: الجنة. قوله: { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} يعني النبي عليه السلام، حتى لا تبلّغ عن الله الرسالة مخافة قومك { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا} أي: بأن يقولوا: { لَوْلاَ} أي: هلا { أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} أي: مال فإنه فقير ليس له شيء {أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} فيخبرنا أنه رسول الله فنؤمن به. وقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} على الاستفهام، أي: لست بتارك ذلك حتى تبلغ عن الله الرسالة. { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} أي: تنذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا { وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي: حفيظ لأعمالهم حتى يجازيهم بها.

اطفيش

تفسير : {ولَئنْ أذقْنا الإنْسانَ} أراد الجنس، فالاستثناء بعد ذلك متصل، ولكن جعله منفصلا بالنظر إلى أن النفس ولو نفس المؤمن مطبعة على الإياس والكفر والفرح والفخر، لكنه ينزع ويتوب، فكأنه قيل: لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات لهم مغفرة، ولا تنوهم أن الذين مبتدأ، وإن قلنا: الإنسان هنا المشرك والمنافق كان منفصلا. {مِنَّا رحْمةً} كصحة وغنى وعافية وعز، ونحو ذلك مما يجد لذته {ثمَّ نزعْنَاها منْهُ إنَّه ليئُوسٌ} كثير الإياس وعظيمه لقلة صبره، وعدم الثقة بالله سبحانه، مع رحمة الله واسعة ترجع بعد الذهاب {كَفورٌ} شديد الكفران بنعم الله التى هو فيها، والتى سبقت.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ} أَعطيناه مشركا أَو موحدا، لأَن كفران النعم والإِياس والبطر والعجز تصدر منه كما تصدر من المشرك، ويجوز أَن تكون للمعهود الكافر فى الآية قبله كما قيل الأَصل فى أَل للعهد فلا تحمل على غيره إِلا لدليل ولا دليل هنا إِلا الاستثناءُ بعد والأَصل فيه الاتصال وعلى العهد يكون منقطعاً بذلك الوجه أَو على أَن الذين مبتدأٌ خبره لهم مغفرة {مِنَّا} للابتداءِ متعلق بأَذقنا أَو حال من قوله {رَحْمَةً} نعمة يجد لذتها كما هو شأْن الذوق، وذلك كالغنى والصحة والإِذاقة مستعار للإِمضاء المشتمل لإِدراك أَثر النعمة، لأَن الذوق إِدراك الطعوم ويستعمل اتساعاً لمطلق إِدراك المحسات والمعقولات واختار لفظ الرحمة على فضل الإِنعام لأَنه أَدل على التفضل وعدم الوجوبِ {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} من للابتداءِ ويضعف ما قيل إِنها للتعليل، أَى لأَجل ذنبه ولا دليل عليه، والمراد النزع بعد تراخ طويل فى التلذذ بها فكيف لو نزعت على عجل فإِنه يكون أَشد كفرا، والتعبير بالنزع دون السلب للدلالة على شدة تمسكه بها {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} عظيم انقطاع الرجاءِ لفضل الله ورجوعها إِليه لقلة يقينه وصبره أَو لعدمها ونزعها منه لكفره لها ولو نزعت مع شكره لأُثيب عليها دنيا أَو أُخرى أَو فيهما، أَو كفر عنه ذنوبا {كَفُورٌ} عظيم كفران النعم الماضية والنعم الباقية وكثير الكفران، ويكرر الكفران ويعظمه ولو على زوال نعمة واحدة ومن الكفر الإِياس وقدم على كفور للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً} أي أعطيناه نعمة من صحة وأمن وجدة وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذتها فالإذاقة مجاز عن هذا الإعطاء {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا} أي سلبنا تلك الرحمة {مِنْهُ} صلة النزع، والتعبير به للإشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليه {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} شديد اليأس كثيره قطوع رجاءه من عود مثل تلك النعمة عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لعدم صبره وتوكله عليه سبحانه وثقته به. {كَفُورٌ} كثير الكفران لما سلف لله تعالى عليه من النعم، وتأخير هذا الوصف عن وصف يأسهم لرعاية الفواصل على أن اليأس من باب الكفران للنعمة السالفة أيضاً.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : ولئن أخّرْنَا عنهم العذاب إلى أمّة معدُودة}تفسير : [هود: 8]. فإنه لما ذكر أن ما هم فيه متاع إلى أجل معلوم عند الله. وأنهم بطروا نعمة التمتيع فسخروا بتأخير العذاب، بيّنت هذه الآية أن أهل الضلالة راسخون في ذلك لأنّهم لا يفكّرون في غير اللّذَات الدنيوية فتجري انفعالاتهم على حسب ذلك دون رجاء لتغير الحال، ولا يتفكرون في أسباب النعيم والبؤس وتصرفات خالق الناس ومُقدّر أحوالهم، ولا يتّعظون بتقلبات أحوال الأمم، فشأن أهل الضلالة أنّهم إن حلّت بهم الضراءُ بعد النعمة ملكهم اليأس من الخير ونَسُوا النعمة فجحدوها وكفروا منعمها، فإنّ تأخير العذاب رحمةٌ وإتيان العذاب نزع لتلك الرحمة، وهذه الجملة في قوة التذييل. فتعريف (الإنسان) تعريف الجنس مراد به الاستغراق، وبذلك اكتسبت الجملة قوة التذييل. فمعيار العموم الاستثناء في قوله تعالى: {أية : إلاّ الذّين صبرُوا وعملُوا الصّالحَات}تفسير : [هود: 11] كما يأتي، فيكون الاستغراق عرفياً جارياً على اصطلاح القرآن من إطلاق لفظ الإنسان أو الناس، ولأن وصفي {يؤوس كفور} يُناسبان المشركين فيتخصص العام بهم. وقيل التّعريف في {الإنسان} للعهد مراد منه إنسان خاص، فرَوى الواحدي عن ابن عبّاس أنّها نزلت في الوليد بن المغيرة. وعنه أنّها نزلت في عبد الله بن أبي أميّة المخزومي. ويجوز أن يكون المراد كلّ إنسان إذا حلّ به مثل ذلك على تفاوت في النّاس في هذا اليأس. واللاّم موطئة للقسم. والإذاقة مستعملة في إيصال الإدراك على وجه المجاز، واختيرت مادة الإذاقة لما تشعر به من إدراك أمر محبوب لأنّ المرء لا يذوق إلاّ ما يشتهيه. والرحمة، أريدَ بها: رحمة الدنيا. وأطلقت على أثرها وهو النعمة كالصحة والأمن والعافية، والمراد النعمة السابقة قبل نزول الضر. والنزع حقيقته: خلع الثوب عن الجسد. واستعمل هنا في سلب النعمة على طريقة الاستعارة، ولذلك عدّي بحرف (من) دون (عن) لأنّ المعنى على السلب والافتكاك، فذكر (من) تجريد للمجاز. وجملة {إنه ليؤوس كفور} جواب القسم، وجردت من الافتتاح باللاّم استغناء عنها بحرف التوكيد وبلام الابتداء في خبر (إنّ). واستغني بجواب القسم عن جواب الشرط المقارن له كما هو شأن الكلام المشتمل على شرط وقسم كما تقدم في قوله: {أية : ولئن أخّرنا عنهم العذاب}تفسير : [هود: 8] إلى آخره. واليؤوس والكفور مثالا مبالغة في الآيس وكافر النعمة، أي جاحدها، والمراد بالكفور: منكر نعمة الله لأنّه تصدُر منه أقوال وخواطر من السخط على ما انتابه كأنّه لم ينعم عليه قط. وتأكيد الجملة باللاّم الموطئة للقسم وبحرف التوكيد في جملة جواب القسم لقصد تحقيق مضمونها وأنّه حقيقة ثابتة لا مبالغة فيها ولا تغليب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أذقنا الإِنسان: أي أنلناه رحمة أي غنى وصحة. ثم نزعناها منه: أي سلبناها منه. يؤوس كفور: أي كثير اليأس أي القنوط شديد الكفر. نعماء بعد ضراء: أي خيراً بعد شر. السيئات: جمع سيئة وهي ما يسوء من المصائب. فرح فخور: كثير الفرح والسرور والبطر. صبروا: أي على الضراء والمكاره. مغفرة: أي لذنوبهم. وأجر كبير: أي الجنة دار الأبرار. معنى الآيات: يخبر تعالى أن الإِنسان الذي لم يستنر بنور الإِيمان ولم يتحل بصالح الأعمال إن أذاقه الله تعالى رحمة منه برخاء وسعة عيش وصحة بدن، ثم نزعها منه لأمر أراده الله تعالى {إِنَّهُ} اي ذلك الإِنسان {لَيَئُوسٌ} أي كثير اليأس والقنوط {كَفُورٌ} لربه الذي أنعم عليه جحود لما كان قد أنعم به عليه. وقوله {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ} أي أذقناه طعم نعمة ولذاذة رخاء وسعة عيش وصحة بدن بعد ضراء كانت قد أصابته من فقر ومرض {لَيَقُولَنَّ} بدل أن يحمد الله ويشكره على إسعاده بعد شقاء وإغنائه بعد فقر وصحة بعد مرض يقول متبجحاً {ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ} أي كثير السرور {فَخُورٌ} كثير الفخر والمباهاة، وهذا علته ظلمة النفس بسبب الكفر والمعاصي، أما الإِنسان المؤمن المطيع لله ورسوله فعلى العكس من ذلك إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وذلك لما في قلبه من نور الإِيمان وفي نفسه من زكاة الأعمال. هذا ما تضمنه قوله تعالى {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} عن ربهم وهو الجنة دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- أن الإِنسان قبل أن يطهر بالإِيمان والعمل الصالح يكون في غاية الضعف والانحطاط النفسي. 2- ذم اليأس والقنوط ولحرمتهما. 3- ذم الفرح بالدنيا والفخر بها. 4- بيان كمال المؤمن الروحي المتمثل في الصبر والشكر وبيان جزائه بالمغفرة والجنة.

القطان

تفسير : أذقنا: اعطينا. نزعناها منه: اخذنا منه. يؤوس: مبالغة في اليأس. نعماء: نعمة. ضراء: مضرة. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً..} الآية. هذه طبيعةُ الانسان العَجول القاصر، إذا أعطيناه بعضَ النِعم رحمةً منا كالصحّة والرِزق الواسع، ثم نزعنا تلك النعمة أسرفَ في يأسه من عودتها، وقطع الرجاءَ من رحمةِ الله. إنه يؤوس منَ الخير، كفور بالنعمة. {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}. واذا منحنا هذا الانسانَ اليؤوسَ الكفور نعمةً أذقناه لذَّتها بعد ضرر لحِقَ به، لم يقابلْها بالشُّكر والطاعة، بل تجده يبطَر ويفخَر على الناس ويقول: ذهبَ ما كان يسؤوني. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. وذلك لا ينطبق على الذين صبروا عند الشدائد، وعملوا الصالحاتِ في السّراء والضراء، فهؤلاء لهم مغفرة من الذنوب، وأجر كبير عند الله في نعيم الجنة الأبدي.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَلَئِنْ} {ٱلإِنْسَانَ} {نَزَعْنَاهَا} {لَيَئُوسٌ} (9) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا فِي نُفُوسِ البَشَرِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَمِيمَةِ، إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ، فَإِذَا أَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ، اعْتَرَاهُمُ اليَأْسُ وَالقُنُوطُ مِنْ أَنْ يُفْرِّجَ اللهُ عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةٍ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَكَفَرُوا بِنِعَمِ اللهِ وَفَضْلِهِ. لَيَؤُوسٌ - شَديدُ اليَأْسِ وَالقُنُوطِ. كَفُورٌ - كَثيرُ الكُفْرَانِ بِالنِّعْمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا أيضاً تبدأ الآية الكريمة بقوله سبحانه: {وَلَئِنْ} وهذا يعني أن اللام قد سبقت لتدل على القسم، وكأنه يقول: لئن أذقنا الإنسان رحمة، ثم نزعناها منه لوقع في اليأس. وهنا أيضاً قسم وشرط، والقسم متقدم، فالجواب يكون للقسم. وكلمة {أَذَقْنَا} توضح أن الإذاقة محلها الأول الفم، ومعناها: تناول الشيء لإدراك طعمه: حلو أو مر، لاذع أوغير لاذع، قلوي أم حامض. ومن العجيب في دقة التكوين الإنساني أن كل منطقة في اللسان لها طعم تنفعل له، فطرف اللسان ينفعل لطعم معين، ووسط اللسان ينفعل لطعم آخر، وجوانب اللسان تنفعل لطعم ثالث، وهكذا. كل ذلك في عضو واحد شاء له الحق سبحانه هذه الدقة في التركيب. وكل "حلمة" من مكوِّنات اللسان لها شيء تحس به ؛ ولذلك نجد الإنسان يذوق الطعام، فيقول: إن هذا الطعام ينقصه الملح، أو يذوق الحلوى - مثل الكنافة - فيقول: إن السكر المحلاة به مضبوط. وكذلك حرارة الجسم، يقيس الإنسان حرارته، فإن وجدها سبعة وثلاثين درجة ونصف الدرجة؛ فيقول: إنها حرارة طبيعية. وإن نقصت حرارة الإنسان عن ذلك يقال: إنه مصاب بالهبوط. وإن ارتفعت يقال: مصاب بالحمى. وهذا قياس للحرارة بالجملة لجسم الإنسان، ولها المنافذ الخاصة بها. ولكن كل عضو في الجسم تلزمه درجة حرارة خاصة به ليؤدي عمله. فالكبد إن قلَّت درجة حرارته عن أربعين درجة لا يؤدي مهمته. وجسم الإنسان فيه جوارح متعددة؛ وحرارة العين مثلاً تسع درجات؛ لأنها لو زادت حرارتها عن ذلك لانفجرت العين، وحرارة الأذن ثماني درجات. وأنت لا تستطيع أن تأتي بأشياء مختلفة الحرارة وتضعها مع بعضها، ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء ذلك بالنسبة للجسم الإنساني. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ ..} [هود: 9]. والذوق هو للإدراك، لا للأكل، فأنت حين تشتري فاكهة يقول لك البائع: "تفضَّل ذُقْ" فتأخذ واحدة منها لتستطيب طعمها. فالذوق - إذن - هو تناول الشيء لإدراك طعمه. والنعمة حين يشاء الحق سبحانه وتعالى أن تصيب الإنسان، ثم تُنزَع منه، هنا يصاب الإنسان بالقلق أو الحزن أو الهلع، أو اليأس. والنعمة مهما قلَّت فالإنسان يستطيبها، وإن نُزعت منه فهو يئوس كفور. واليأس: هو قطع الأمل من حدوث شيء، ولأن الإنسان لا يملك الفعل، ولو كان يقدر عليه لما يئس. والمؤمن لا ييأس أبداً؛ لأن الله سبحانه هو القائل: {أية : .. إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [يوسف: 87]. اليأس - إذن - هو أن تقطع الأمل من أمر مراد لك، ولا تملك الوسائل لتحققه. والذي ييأس هو الذي ليس له إله يركن إليه؛ لأن الله تعالى هو الركن الرشيد الشديد، والمؤمن إن فقد شيئاً يقول: "إن الله سيُعوِّضني خيراً منه". أما الذي لا إيمان له بإله فهو يقول: "إن هذه الصدفة قد لا تتكرر مرة أخرى". فالإنسان الذي يُسْرَق منه جنيه قد يحزن، ولكن إذا ما كان عنده في المنزل عشرة جنيهات فهو يحزن قليلاً على الجنيه المفقود. والإنسان لا ييأس إلا عند عدم يقينه بمصدر يرد عليه ما يريده، ولكن حين يؤمن بمصدر يرد عليه ما يريده فلا تجده يائساً قانطاً. والمؤمن يعلم أن النعمة لها واهب، إن جاءت شكر الله عليها، وإن سُلبت منه، فهو يعلم أن الحق سبحانه قد سلبها لحكمة. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ..} [هود: 9]. ونحن نعلم أن الإنسان مقصود به كل أبناء آدم - عليه السلام - وهم كثيرون، منهم المؤمن، ومنهم الكافر. وهنا تأتي كلمة "الإنسان" على إطلاقها، ولكن الحق سبحانه وتعالى يستثنى المؤمن في موضع آخر حين يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..}تفسير : [العصر: 1-3]. و"الإنسان" مفرد يدل على الإنسان في كل مدلولاته، ويستثنى من نوع الإنسان من آمن به. فإن رأيت كلمة إنسان فاعلم أن المراد بالإنسان أفراد الإنسان كلهم. والإنسان لو عزل نفسه عن منهج الله تعالى فهو في خسران إلا إذا اتبع منهج الله، فالمنهج يحميه من الزلل، وتسير غرائزه إلى ما أراد الحق سبحانه لها. فقد خلق الحق سبحانه الغرائز لمهام أساسية، فغريزة الجوع تجعل الإنسان يطلب الطعام، والعطش أراده الله سبحانه وتعالى لينتبه الإنسان إلى طلب الارتواء بالماء. وغريزة بقاء النوع تدفع الإنسان للزواج، وغريزة حب الاستطلاع هي التي تدفع الإنسان إلى كشف المخترعات. والحق سبحانه وتعالى هو القائل عن الساهين عن استكشاف آيات الله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يوسف: 105]. والباحث العلمي التجريبي المعملي ينظر في ظواهر الكون ليستطلع أسرار الكون. وهناك فارق بين حب الاستطلاع لاكتشاف أسرار الكون، وحب الاستطلاع لأخبار الناس. إن حب الاستطلاع عموماً هو مدار التقاءات الكون، ولكن الدين والخلق هو الذي يوجه حب الاستطلاع. إذن: فالقرائن لها مهمة يجب ألاّ تنفلت إلى غيرها، والدين قد جاء ليعلي من الغرائز ويوجهها إلى مهامها. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ ..}تفسير : [الحجرات: 12]. أي: لا تتبعوا العورات؛ لأننا لو أبحنا لواحد أن يتتبع عورات الناس؛ لأبحنا لكل الآخرين أن يتتبعوا عوراته. وحين منع الحق - سبحانه وتعالى - الإنسان من تتبُّع عورات غيره، فهو قد حماه من تتبع عوراته. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ..} [هود: 9]. وكلمة "النزع" تفيد أن الإنسان حريص على ما وهبه له الله تعالى من خير وصحة وعافية ويُسْر. وحين تؤخذ منه النعمة فهو يقاوم. والنزع يعني: استمساك المنزوع منه بالشيء المنزوع. ولذلك يقول الحق سبحانه في سورة آل عمران: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ ..}تفسير : [آل عمران: 26]. كأن الموجود في الملك يتشبث به جداً. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} [هود: 9]. وفي نفس السورة يأتي الاستثناء، فيقول الحق سبحانه: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}تفسير : [هود: 11]. وسنأتي لها بالخواطر من بعد ذلك. ويقول الحق - سبحانه وتعالى - في المقابل لمن نُزِعَتْ منه الرحمة واليئوس الكفور: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} معناهُ يائِسٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، أنه جاهل ظالم بأن الله إذا أذاقه منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها، أو خيرا منها عليه. وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، ويقول: { ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } أي: فرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه، فخور بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر والبطر والإعجاب بالنفس، والتكبر على الخلق، واحتقارهم وازدرائهم، وأي عيب أشد من هذا؟!! وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات. { أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، يزول بها عنهم كل محذور. { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.