١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم، وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى. {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيّئَاتُ عَنّي } أي المصائب التي ساءتني. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ } بطر بالنعم مغتر بها. {فَخُورٌ } على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها، وفي لفظ الاذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنـَٰهُ نَعْمآءَ بَعْدَ ضَرّآءَ } فقر وشدّة {مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ } المصائب {عَنِّي } ولم يتوقع زوالها ولا شكر عليها {إِنَّهُ لَفَرِحٌ } بَطِر {فَخُورٌ } على الناس بما أُوتي.
ابو السعود
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} كصِحّة بعد سَقَم وجِدَةٍ بعد عدمٍ وفرجٍ بعد شدة، وفي التعبـير عن ملابسة الرحمةِ والنعماءِ بالذوق المُؤْذِنِ بلذتهما وكونِهما مما يُرْغب فيه، وعن ملابسة الضراءِ بالمسِّ المُشْعِرِ بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الملاقاة من مراتبها، وإسنادُ الأولِ إلى الله عز وجل دون الثاني، ما لا يخفى من الجزالة والدِلالةِ على أن مرادَه تعالى إنما هو إيصالُ الخير المرغوبِ فيه على أحسن ما يكون، وأنه إنما يريد بعباده اليُسرَ دون العسرِ وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارِهم نيلاً يسيراً كأنما يلاصقُ البشرَةَ من غير تأثيرٍ، وأما نزعُ الرحمةِ فإنما صدَر عنه بقضية الحِكمةِ الداعية إلى ذلك وهي كفرانُهم بها كما سبق، وتنكيرُ الرحمة باعتبار لحُوقِ النزْعِ بها {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيّئَاتُ عَنّي} أي المصائبُ التي تسوءني ولن يعترِيَني بعدُ أمثالُها كما هو شأنُ أولئك الأشرارِ، فإن الترقّبَ لورود أمثالِها مما يكدّر السرورَ وينغّص العيش {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} بطِرٌ وأشِرٌ بالنعم مغترٌّ بها {فَخُورٌ} على الناس بما أوتيَ من النعم مشغولٌ بذلك عن القيام بحقها، واللامُ في لئن في الآيات الأربعِ موطّئةٌ للقسم، وجوابُه سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} على ما أصابهم من الضراء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله واستسلاماً لقضائه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} شكراً على آلائه السالفةِ والآنفةِ، واللامُ في الإنسان إما لاستغراق الجنسِ فالاستثناءُ متصلٌ أو للعهد فمُنقطعٌ {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتّصافِه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وبُعدِ منزلِتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الحميدة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمةٌ لذنوبهم وإن جمّت {وَأَجْرٌ} ثوابٌ لأعمالهم الحسنة {كَبِيرٌ} ووجهُ تعلّقِ الآياتِ الثلاثِ بما قبلهن من حيث إن إذاقةَ النَّعماءِ ومِساسَ الضّراءِ فصلٌ من باب الابتلاءِ واقعٌ موقعَ التفصيلِ من الإجمال الواقعِ في قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 7, الملك: 2] والمعنى أن كلاًّ من إذاقة النَّعماءِ ونزعِها مع كونه ابتلاءً للإنسان أيشكُر أم يكفُر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحَيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلالِ فلا يَظهرُ منه حسنُ عملٍ إلا من الصابرين الصالحين أو من حيث إن إنكارَهم بالبعث واستهزاءَهم بالعذاب بسبب بطرِهم وفخرِهم كأنه قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبـيعةَ الإنسانِ مجبولةٌ على ذلك.
السلمي
تفسير : لو رددنا عليه ما قبضناه منه ليقولن ذهب السيئات عنى أمنّا من مكرى وطمأنينةً إلى الدنيا إنه لفرح بغير مفروحٍ به فخور بما لا يُفتخر به.
القشيري
تفسير : إذا كشفنا الضُرَّ عنهم رحمةً مِنَّا عادوا إلى تهتكهم بدلاً من أن يتقربوا إلينا، وأساءوا بخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتَحْنَا لهم من إمهالنا أَمِنوا لمكرنا ولم يخافوا أنْ نأخذَهم فجأة بقهرنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته} كصحة بعد سقم وجدة بعد عدم وفرج بعد شدة اضاف سبحانه وتعالى اذاقة النعماء لى ذاته الكريمة ومس الضراء اليها لا الى ذاته الجليلة تنبيها على ان القصد الاول ايصال الخبر الى العباد تفضلا منه تعالى ورحمة ومساس الشر ليس الا لشؤم نفسه وفساد حاله مجازاة وانتقاما قال الله تعالى {أية : ما اصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك} تفسير : وهذا هو المراد من قول البيضاوى وفى اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى وفى التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق الذى هو ادراك الطعم وعن ملابسة الضراء بالمس الذى هو مبدأ الوصول كانما يلاصق البشرة من غير تأثير تنبيه على ان ما يجده الانسان فى الدنيا من النعم والمحن كالانموذج لما يجده فى الآخرة {ليقولن} الانسان {ذهب السيآت عنى} اى المكاره والمصائب التى ساءتنى اى فعلت بى ما اكره ولن يعترينى بعد امثالها فان الترقب لو ورد امثالها مما يكدر السرور وينغص العيش {انه لفرح} [شادمانست مغروريان] وهو اسم فاعل من فعل اللازم. والفرح اذا اطلق فى القرآن كان للذم واذا كان للمدح ياتى مقيدا بما فيه خير كقوله تعالى {أية : فرحين بما آتاهم الله من فضله} تفسير : كذا فى حواشى شعدى المفتى تفسير : يقول الفقير يرده قوله تعالى {أية : اذا فرحوا بما اوتوا اخذناهم بغتة} تفسير : والظاهر ان كونه للمدح او للذم انما هو بحسب المقام والقرائن. واعلم ان الفرح بالنعمة ونسيان المنعم فرح الغافلين والعطب الى هذا اقرب من السلامة والاهانة اوفى من الكرامة. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى بعض تحريراته هو المحبوب لذاته لا لعطائه وعطاؤه محبوب لكونه محبوبا لا لنفسه ونحبه ونحب عطاءه لحبه انتهى باجمال يشير قدس سره الى الفرح بالله تعالى على كل حال {فخور} على الناس بما اوتى من النعم مشغول بذلك عن القيام بحقها: قال السعدى قدس سره شعر : جو منعم كند سفله رآ روزكار نهد بردل تنك درويش بار جوبام بلندش بودخودبرست كندبول وخاشاك بربام بست تفسير : وقال شعر : كه اندر نعمتى مغرور وغافل كهى از تنك دستى خسته وريش جو درسرا وضرا حالت اينست ندانم كى بحق بردازى از خويش تفسير : [يعنى كى فارغ شوى از خود وبحق مشغول شوى]
الطوسي
تفسير : أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه لو أحل بالانسان {نعماء بعد ضراء مسته} لان الهاء كناية عن الانسان الذي مضى ذكره، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه والضراء مضرة تظهر الحال بها؛ لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة كحمراء وعوراء مع ما فيها من المبالغة. ومعنى {مسته} نالته. وقوله {ليقولن ذهب السيئات عني} أي يقول عند نزول النعماء به بعد أن كان في ضدها من الضراء: دهبت الخصال التي تسوء صاحبها من جهة نفور طبعه أو عقله، وهو - ها هنا - بمعنى المرض والفقر، ونحو ذلك. وقوله {إنه لفرح فخور} إخبار منه تعالى أن الانسان فرح فخور. والفرح انفتاح القلب بما يلتذ به وضده الغم، ومثله السرور والمرح. والفرح لذة في القلب أعظم من ملاذ الحواس، والفخور المتطاول بتعديد المناقب، وفخور كثير الفخر، وهي صفة ذم إذا اطلقت لما فيه من التكبر على من لا يجوز أن يتكبر عليه. وقيل: للعالم أن يفخر على الجاهل بالعلم لتعظيم العلم وتحقير الجهل، ولذلك تفخر النبي على الكفار.
الجنابذي
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} كان حقّ العبارة ان يقول: ولئن اصبناه بضرّاء ثمّ كشفناها عنه حتّى يوافق قرينته لكنّه تعالى اراد ان يفتتح القرينتين بنسبة الانعام اليه ولا ينسب مسيس الضّرّ الى نفسه لانّه تابع لاعمال الانسان {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} لانّ نظره كان مقصوراً على صورة النّعمة غير متجاوز الى المنعم والى غاية النّعمة {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} جواب سؤالٍ عن علّة القول اى يقول ذلك لانّ فى جبلّته الفرح بالنّعمة والفخر على الخلق بها او جواب سؤالٍ عن حال القائل.
اطفيش
تفسير : {ولَئنْ أذقْناهُ نعْماءَ} مفرد بمعنى النعمة، أو اسم جمع للنعمة، أو بمعنى الإنعام، أو اسم جمع له ذكر غير الأول الشنوانى كصحة وغنى وعافية وعز {بَعْد ضَرَّاءَ} كسقم وفقر، وفتنة وذل {مسَّتْه} صفة لضراء، والمس مبدأ الوصول، والذوق إدراك الطعم، ففى الآية تنبيه على ما يجده الإنسان من النعم والفخر قليل جدا بالنسبة لما فى الآخرة، وأنه بأدنى شئ يقع فى الفرح والفخر، وأسند الإذاقة إلى الله، والمس إلى الضراء، ولو كان الكل من الله، لأن الخير تفضل من الله تعالى، ولو حوسب الإنسان لم يستحق لعمله الصالح شيئا من ثواب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل أحد بعمله الجنة ولا أنا إلا بفضل الله" تفسير : والضر يمسه بعروض حيث يكتسب موجبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصيب مسلما شئ ولو انقطاع شسع إلا بذنب وما يعفو الله أكثر ". تفسير : {ليقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيئاتُ عنِّى} هذا ذم، لأنه بقول ذلك على فرح وافتخار، واطمئنان إلى الدنيا، وعدم استشعار رجوعهن، وعدم الحمد والشكر على الذهاب، أو لأن النفس قد تضيف ذلك إلى العادة، ولا سيما نفس المشرك، هذا ما ظهر لى، والله أعلم. والسيئات ما يسوؤه كالسقم والفقر والذل، ولم يؤنث الفعل، لأن الفاعل ظاهر مجازى للتأنيث. {إنَّه لَفرحٌ} بطر بالنعمة، مغتر بها، ساكن إليها، وليس فى القرآن فرح ممدوح إلا مقيدا بخير {فَخورٌ} كثير الفخر على الناس، مشغول عن الشكر والقيام بحقها، قيل: الفرح لذة تحصل فى القلب بنيل المراد، والفخر التطاول على الناس بتعديد المناقب.
اطفيش
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ} كصحة وخصب وعز {بَعْدَ ضَراءَ مَسَّتْهُ} كمرض وجدب وذل ومسته نعت ضراءَ، وذلك من الأُمور التى يظهر أَثرها على صاحبه، ولا يخفى ظهور أَثر المرض وما بعده وكعكسها على البدن، قال بعض المفسرين النعماءُ نعم يظهر أَثرها على صاحبها والضراءُ مضرة يظهر أَثرها على صاحبها لأَنها خرجت مخرج الأَحوال الظاهرة كحمراءَ وبيضاءَ وهو بهذا الوزن، إِلا أَنها اسم جمع لا واحد له إِلا بالمعنى كنعمة، لأَنها ليست جمع نعمة والنعمة أَعم من النعماءِ لأَنها لا تختص بما يظهر أَثره، والمضرة والضراءُ أَعم كذلك من الضراءِ، وعبر بالذوق وهو ما يختبر به الطعم والمس وهو أَول الاتصال تنبيها على أَن ما فى الدنيا تمثيل بقليل الدنيا على ما فى الآخرة كالعنوان، وإِن الإِنسان يبطر بأَدنى شىءٍ وخالف بين تحول النعمة إِلى الشدة وعكسه، ولم يوفق بأَن يقول بدل قوله ولئِن أَذقنا إِلخ، ولئِن أَذقنا الإِنسان شدة وضرا بعد ما أَعطيناه رخاءً ورحمة على حد، ولئِن أَذقناه نعماءَ إِلخ للتنبيه على سبق رحمة الله غضبه، ولأَن المقصود بالذات الرحمة والبلاءُ للخروج عن الطريق بسوءِ التدبير فهو بالعرض، ولذلك أَيضاً لم يقل بعد مس ضراءَ بتقديم المس، وأَيضاً لم يقل أَمسسنا كما قال أَذقنا ليدل على أَن المقضى بالذات الخير، وأَما الشر فمقضى بالعرض، وللتنبيه على مراعاة الأَدب مع الله كما ورد بيدك الخير مع أَن الشر بيده أَيضاً، وأَما إِسناد النزع إِليه فليس إِسناد شر صراحة بل تلطفاً {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى} الأُمور التى تسوؤُنى أَو الأَشياءُ التى تسيئُنى، وقد كان لا يتوقع زوالها لأَنه يؤُوس ولم يشكر نعمة زوالها كما قال {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} بأَمر الدنيا فرح بطر واغترار وأَكثر ما ورد الفرح فى القرآن للذم وهو فى قوله تعالى: "أية : فرحين بما آتاهم"تفسير : [آل عمران: 170] لغير الذم لأَنه فى الشهداءِ {فَخُورٌ} على الناس بما آتاه الله ليشكره عليه مشتغل به عن الشكر، وفى لفظ الإِذاقة والمس تنبيه على أَنه يقع فى الكفران بأَدنى مضرة وفى البطر والفخر بأَدنى نعمة، وكل ما أَصاب الشقى أَو السعيد من الشدائِد شىءٌ يسير، وكالعدم بالنسبة للعذاب فى الآخرة ونعمها، ولذلك جاءَ أَن الدنيا سجن المؤْمن وجنة الكافر ولو كان يصيبه الشدائِد.
الالوسي
تفسير : {وَلَئِنْ أَذَقْنَـٰهُ نَعْمَآء} كصحة وأمن وجدة {بَعْدَ ضَرَّآء مَسَّتْهُ} كسقم وخوف وعدم، وفي إسناد الإذاقة إليه تعالى دون المس إشعار بأن إذاقة النعمة مقصودة بالذات دون مس الضر بل هو مقصود بالعرض، ومن هنا قال بعضهم: إنه ينبغي أن تجعل ـ من ـ في قوله سبحانه: {أية : مِنْهُ }تفسير : [هود: 9] للتعليل أي نزعناها من أجل شؤمه وسوء صنيعه وقبح فعله ليكون منا، و {مِنْهُ} مشيراً إلى هذا المعنى ومنطبقاً عليه كما قال سبحانه: {أية : مَّآ أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النساء: 79] ولا يخفى أن تفسير {مِنْهُ} بذلك خلاف الظاهر المتبادر ولا ضرورة تدعو إليه، وإنما لم يؤت ببيان تحول النعمة إلى الشدة وبيان العكس على طرز واحد بل خولف التعبير فيهما حيث بدىء في الأول باعطاء النعمة وإيصال الرحمة ولم يبدأ في الثاني بإيصال الضر على نمطه تنبيهاً على سبق الرحمة على الغضب واعتناءاً بشأنها. وفي التعبير عن ملابسة الرحمة والنعماء بالذوق المؤذن على ما قيل بلذتهما وكونهما مما يرغب فيه وعن ملابسة الضراء بالمس المشعر بكونها في أدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة من مراتبها من اللطف ما لا يخفى، ولعله يقوي عظم شأن الرحمة. وذكر البعض أن في لفظ الإذاقة والمس - بناءاً على أن الذوق ما يختبر به الطعوم، والمس أول الوصول - تنبيهاً على أن ما يجد الإنسان في الدنيا من المنح والمحن نموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء. {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيّئَاتُ عَنّي} أي المصائب التي تسوؤني ولن يعتريني بعد أمثالها {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} / بطر بالنعمة مغتر بها، وأصله فارح إلا أنه حول لما ترى للمبالغة، وفي «البحر» أن فعلاً بكسر العين هو قياس اسم الفاعل من فعل اللازم، وقرىء {فرح} بضم الراء كما تقول: ندس. ونطس، وأكثر ما ورد الفرح في القرآن للذم فإذا قصد المدح قيد كقوله سبحانه: {أية : فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [آل عمران: 170] {فَخُورٌ} متعاظم على الناس بما أوتي من النعم مشغول بذلك عن القيام بحقها، واللام في {لَئِنْ} في الآيات الأربع موطئة للقسم، وجوابه سادّ مسدّ جواب الشرط كما في قوله: شعر : لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها وأمكنني منها إذن لا أقيلها
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة تتميم للّتي قبلها لأنها حكت حالة ضدّ الحالة في الّتي قبلها، وهي جملة قسم وشرط وجواب قسم كما تقدم في نظائرها. وضمير {أذقناه} المنصوب عائد إلى الإنسان فتعريفه كتعريف معاده للاستغراق بالمعنى المتقدم. والنعماء ـ بفتح النون وبالمد ـ النعمة واختير هذا اللفظ هنا وإن كان لفظ النعمة أشهر لمحسن رعي النظير في زنة اللّفظين النعماء والضراء. والمراد هنا النعمة الحاصلة بعد الضراء. والمس مستعمل في مطلق الإصابة على وجه المجاز. واختيار فعل الإذاقة لما تقدم، واختيار فعل المس بالنسبة إلى إدراك الضرّاء إيماء إلى أنّ إصابة الضرّاء أخفّ من إصابة النّعماء، وأن لطف الله شامل لعباده في كلّ حال. وأكّدَت الجملة باللاّم الموطئة للقَسَم وبنون التّوكيد في جملة جواب القسم لمثل الغرض الذي بيّنّاه في الجملة السابقة. وجعل جواب القسم القول للإشارة إلى أنّه تبجحٌ وتفاخر، فالخبر في قوله: {ذهب السيئات عنّي} مستعمل في الازدهاء والإعجاب، وذلك هو مقتضى زيادة {عنّي} متعلقاً بـ {ذهب} للإشارة إلى اعتقاد كل واحد أنّه حقيق بأن تَذهب عنه السيّئات غروراً منه بنفسه، كما في قوله: {أية : ولئن أذقناه رحمةً منّا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمةً ولئن رجعت إلى ربّي إن لي عندَه لَلْحسنى}تفسير : [فصلت: 50]. وجملة {إنّه لفرح فخور} استئناف ابتدائي للتعجيب من حاله، و(فرح وفخور) مثالاَ مبالغة، أي لشديد الفرح شديد الفخر. وشدة الفرح: تجاوزه الحد وهو البطر والأشَر، كما في قوله: {أية : إنّ اللّهَ لاَ يُحبُّ الْفَرحين}تفسير : [القصص: 76]. والفخر: تباهي المرء على غيره بما له من الأشياء المحبوبة للنّاس. والمعنى أنّه لا يشكر الله على النعمة بعد البأساء وَمَا كان فيه من الضرّاء فلا يتفكر في وجود خالق الأسباب وَنَاقل الأحوال، والمخالف بين أسبابها. وفي معنى الآيتين قولُه في سورة [الشورى: 48] {أية : وَإنّا إذا أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً فَرحَ بهَا وإن تصبهم سيئةٌ بما قدمت أيديهم فإنّ الإنسانَ كفور}.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلَئِنْ} {أَذَقْنَاهُ} (10) - وَكَذَلِكَ الحَالُ إِذا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ، بَعْدَ نَقْمَةٍ وَشِدَّةٍ، فَسَيَقُولُونَ: لَنْ يُصِيبَنا بَعْدَ هذا ضَيْمٌ وَلا سُوءٌ، وَيَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الفَرَحِ بِمَتَاعِ الدُّنيا، وَعَلَى المُبَالَغَةِ فِي التَّفَاخُرِ عَلَى النَّاسِ، فَيَنْشَغِلُ قَلْبُهُمْ عَنْ شُكْرِ رَبِّهِمْ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ. ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ - نَائِبَةٍ أَوْ نَكْبَةٍ أَصَابَتْهُ. إِنَّهُ لَفَرحٌ - لَبَطِرٌ بِالنِّعْمَةِ، مُغْتَرٌّ بِهَا. فَخُورٌ - عَلَى النَّاسِ بِمَا أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا نجد الضراء هي الموجودة، والنعماء هي التي تطرأ، عكس الحالة الأولى، حيث كانت الرحمة - من خير ويسر - هي الموجودة. فالنزع في الأولى طرأ على رحمة موجودة، والنعماء طرأت على ضرَّاء موجودة. وهناك فرق بين نعماء ونعمة، وضراء وضر؛ فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس، والنعمة هي الشيء الذي تتنعم به النفس. لكن التنعُّم والألم قد يكونان في النفس، ولا ينضح أي منهما على الإنسان، فإن نضح على الإنسان أثر النعمة يقال فيها "نعماء"، وإن نضح عليه أثر من الضر يقال: "ضراء". وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ ..} [هود: 10]. ولا يفطن من يقول ذلك إلى المُذْهِب الذي أذهبَ السيئات؛ لأن السيئة لا تذهب وحدها. ولو كان القائل مؤمناً لقال: رفع الله عني السيئات. لكنه غير مؤمن؛ ولذلك يغرق في فرح كاذب وفخر لا أساس له. ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله: {.. إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود: 10]. وكأن الفرح بالنعمة أذهله عن المنعم، وعمن نزع منه السيئة. وأما الفخر، فنحن نعلم أن الفخر هو الاعتداد بالمناقب، وقد تجد إنساناً يتفاخر على إنسان آخر بأن يذكر له مناقب وأمجاداً لا يملكها الآخر. ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في المجتمع، ولكن أدب الإيمان يفرض ألا يفخر الإنسان بالتميز. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ". تفسير : وفي أحدى المعارك نجده صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". تفسير : وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك؛ لأن الكافرين في تلك المعركة ظنوا أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب، لكنه صلى الله عليه وسلم بشجاعته أعلن: "حديث : أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"تفسير : وكان أقرب المسلمين إلى مكان الأعداء الكافرين وفي مواجهتهم. ونحن نجد المتصارعين أو المتنافسين، واحدهم يدخل على الآخر بصوت ضخم ليهز ثقة الطرف الآخر بنفسه. والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب التي يتفاخر بها، ولو كان مستحضراً لجلال الواهب لتضاءل أمامه، ولو اتجهت بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى لتضاءل أمامه، ولردَّ كل شيء إلى الواهب. ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان صاحب موسى عليهما السلام: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..}تفسير : [الكهف: 82]. وهذا سلوك العابد المتواضع. أما حال الفخورين اللاهين عن الحق سبحانه وتعالى، فقد صوره القرآن في قول قارون: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..}تفسير : [القصص: 78]. وكان مصيره هو القول الحق: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [القصص: 81]. ولذلك قلنا: إنك تحصِّن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها: "بسم الله ما شاء الله"؛ لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط، ولكنها جاءت لك أولاً بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وذلك لتبقي عين الواهب حارسة للنعمة التي عندك. أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك. ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..}تفسير : [يونس: 58]. ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث لأتفه الأسباب، والملازم له، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} معناه أمسَسْنَاهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):