١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على الضراء إيماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } شكراً لآلائه سابقها ولاحقها. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } أقله الجنة والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس فإذا كان محلى باللام أفاد الاستغراق ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعل الاستثناء منقطعاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِلاَّ } لكن {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ } على الضرّاء {وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَـٰتِ } في النعماء {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } هو الجنة.
القشيري
تفسير : الإنسان في الآية السابقة اسم جنس. وإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى "لكن"، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكنَّ الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم لصبرهم على ما به أُمِروا، وعما عنه زُجِروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزَّلات...فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجرٌ على إحسانهم. والفريقان لا يستويان، قال قائلهم: شعر : أَحْبَابُنا شَتَّان وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطٌُّ مُحبٌّ وباغض
اسماعيل حقي
تفسير : {الا الذين} [مكر آنان كه] والاستثناء متصل {صبروا} على الضراء ايمانا بقضاء الله وقدره وفى الحديث "حديث : ثلاثة لا تمسهم فتنة الدنيا والآخرة المقر بالقدر والذى لا ينظر بالنجوم والمتمسك بسنتى" تفسير : ومعنى الايمان بالقدر ان يعتقد ان الله تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وان جميع الكائنات بقضائه وقدره وهو مريد لها واما النظر فى النجوم فقد كان حقا فى زمن ادريس عليه السلام يدل عليه قوله تعالى خبرا عن ابراهيم عليه السلام {أية : فنظر نظرة فى النجوم فقال انى سقيم} تفسير : استدل بالنظر فى النجوم على انه سيسقم ثم نسخ فى زمن سليمان عليه السلام كما فى بحر الكلام وفى كتاب تعليم المتعلم على النجوم بمنزلة المرض فتعلمه حرام لانه يضر ولا ينفع والهرب من قضاء الله تعالى وقدره غير ممكن انتهى فينبغى ان لا يصدق اهل النجوم فيما زعموا ان الاجتماعات والاتصالات الفلكية تدل على حوادث معينة وكوائن مخصوصة فى هذا العالم. قال العماد الكاتب اجمع المنجمون فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فى جميع البلاد على خراب اعالم فى شعبان عند اجتماع الكواكب الستة فى الميزان بطوفان الريح وخوفوا بذلك ملوك الاعاجم والروم فشرعوا فى حفر مغارات ونقلوا اليها الماء والازواد وتهيئوا فلما كانت الليلة التى عينها المنجمون للخراب بمثل ريح عاد كنا جلوسا عند السلطان والشموع تتوقد فلا تتحرك ولم نر ليلة مثلها فى ركودها ذكره الامام اليافعى. وقال فى انسان لعيون اول من استخرج علم النجوم ادريس عليه السلام اى علم الحوادث التى تكون فى الارض باقتران الكواكب. قال الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره وهو علم صحيح لا يخطئ فى نفسه وانما الناظر فى ذلك هو الذى يخطئ لعدم استيفائه النظر انتهى {وعملوا الصالحات} شكرا لنعمائه الظاهرة والباطنة او السالفة والانفة والعمل الصالح هو ما كان لوجه الله تعالى وعن عمر رضى الله عنه الشكر والصبر مطيتان ما باليت ايهما اركب يشير رضى الله عنه الى ان كل واحد من طريق الصبر والشكر موصل الى الله تعالى {اولئك} الموصوفون بتلك الصفات الحميدة {لهم مغفرة} عظيمة لذنوبهم وان جمت {واجر} ثواب لاعمالهم الحسن {كبير} اقله الجنة كما فى تفسير البيضاوى وهو الجنة كما فى الكواشى. قال سعدى المفتى وصف الاجر بقوله كبير لما احتوى عليه من النعيم السرمدى ورفع التكاليف والأ من من العذاب ورضى الله عنهم والنظر الى وجهه الكريم انتهى. يقول الفقير الظاهر ان المراد بالاجر الكبير هو الجنة لان نعم الله تعالى ادناه متاع الدنيا واعلاها رضوان الله لقوله {أية : ورضوان من الله اكبر} تفسير : واوسطها الجنة ونعيمها فاذا وصف الرضى بالاكبرية لزم ان توصف الجنة بالكبيرية. قال الكاشفى [شيخ الاسلام فرموده كه درجنت نعمتى هست كه همه نعيم بهشتى در جنب آن محقر ومختصر باشد يعنى مشاهده انوار لقاى خدا] شعر : مارا بهشت بهر لقاى تودر خورست بى برتو جمال توجنت محقرست تفسير : وفى الآيتين اشارتان. الاولى ان من ذاق طعم بعض المقامات الالهية وشهد بعض المشاهد الربانية ثم نزع ذلك منه بشؤم خطاياه وسوء ادبه ينبغى ان لا ييأس من روح الله ولا يكفر بنعمته كأبليس بل اذا ابتلى بسدل الحجاب ورد الباب كان من شرط عبوديته ان يرج الى ربه معترفا بظلمه على نفسه كآدم عليه السلام ليجتبيه ربه فيتوب عليه ويهديه فان من رحمة الله ونعمته على عبده انه اذا اسرف على نفسه ثم تاب ورجع الى ربه وجده غفورا رحيما. والثانية ان من ذاق برد العفو وحلاوة الطاعة ينبغى ان لا يقول صرت معصوما مطهرا مرفوع الحجاب فتعجبه نفسه فينظر اليها بنظر الاعجاب وينظر الى غيره بنظر الحقارة ويامن مكر الله فهو فى كلتا الحالتين مذموم فى حالة اليأس وكفران النعمة وفى حالة الاعجاب بنفسه وامنه من مكر الله: قال الحافظ شعر : زاهد غرور داشت سلامت نبرد راه رند ازره نياز بدار السلام رفت تفسير : وقال شعر : زاهد ايمن مشوى ازبازى غيرت زنهار كه ره از صومعه تادير مغان اين همه نيست تفسير : فالايتان تناديان على النفس الامارة بصفاتها الرذيلة فلا بد من معالجتها واصلاحها بما امكن من المجاهدات اصلحها الله سبحانه وتعالى
الطوسي
تفسير : لما أخبر الله تعالى عن أحوال الخلق وأن أكثرهم إذا حل بهم نعمه تعالى بعد أن كانوا في مضرة شديدة وانهم إذاً يقولون ذهب السيئات عنهم وان كثيراً منهم فرح فخور، استثنى من جملتهم المؤمنين بتوحيد الله الصابرين على طاعاته والكف عن معاصيه وأضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحات. والصبر حبس النفس عن المشتهى من المحارم. والصبر على مرارة الحق يؤدي إلى الفوز بالجنة في الآخرة مع ما فيه من الجمال في الدنيا. واستثنى الذين صبروا من الانسان، لانه في معنى الجمع كما قال {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : وقال الزجاج والاخفش: (إلا) بمعنى (لكن) لأنه ليس من جنس الأول. والأول قول الفراء. وقوله {أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} إخبار من الله تعالى عن هؤلاء المؤمنين بأن لهم عند الله المغفرة والأجر العظيم.
الجنابذي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} فانّهم لصبرهم وثباتهم على النّظر الى المنعم لا يخرجهم زوال النّعمة الى اليأس والكفران غفلة عن المنعم ولا تجرّهم النّعمة الى البطر والفخر لخوفهم عن الاستدراج وعن زوالها {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} والمراد بالصّبر حقيقة هو الدّخول فى الاسلام وتحت احكام النّبوّة ولقد فسّر الصّبر فى قوله واستعينوا بالصّبر بمحمّدٍ (ص) لنبوّته والمراد بعمل الصّالحات حقيقة هو الدّخول فى الايمان وتحت احكام الولاية وقد فسّر الصّلاة فى الآية المذكورة وهى اصل الاعمال الصّالحة بعلىّ (ع) لولايته {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} فى فضيلة علىّ (ع) او فى ولايته كما روى انّه (ص) دعا لعلىّ (ع) فاستهزأ قومه او انّه (ص) بعد ما نزل الوحى بولاية علىّ (ع) خاف من تكذيب قومه فنزل الآية او بعض ما يوحى اليك مطلقاً على ظاهره {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ} لان يقولوا او كراهة ان يقولوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} ان كان صادقاً فى انّه ينزل عليه الوحى او فى انّه يجاب دعاؤه {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} فيعينه او يصدّقه {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} تعليل للمقصود من قوله لعلّك تارك يعنى لا ينبغى لك التّرك لقولهم واستهزائهم لانّ شأنك الانذار وليس عليك قبولهم وردّهم حتّى تترك شأنك لردّهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} لا انت فعليه ترك الانذار والاهمال حيثما استحقّوا ذلك والامر بالانذار والرّدع عن المساوى حيثما استحقّوا ذلك وعليه اثابة الفاعل وعقوبة المنكر فليس عليك الاّ ما هو شأنك من الانذار والتّبليغ ما لم تنه عنه من الله.
اطفيش
تفسير : {إلاَّ الَّذينَ صَبَروا} على الشدائد ونزع الرحمة، إيمانا ورضا بالقضاء {وعَملُوا الصَّالحاتِ} شكرا للنعم الفائتة واللاحقة، فإنهم ليسوا فى الإياس والكفر، والفرح والفخر الضارات، بل إذا صدر ذلك منهم تابوا. {أولئِكَ لَهم مغْفِرةٌ} بذنوبهم {وأجْرٌ كَبيرٌ} فى الآخرة أقله الجنة، وأكثره رضا الله عنهم، وقيل: هو الجنة وهو قول أوضح وأظهر.
اطفيش
تفسير : {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا} على الضراءِ إِيماناً واستسلاما، والسياق لذلك ولو كان لا بد أَيضاً من أَنهم صبروا على الشهوات وعلى الطاعات، والاستثناءُ من الإِنسان وهو متصل إِن كان أَلـ للاستغراق، ومنقطع إِن كان للعهد، وعن ابن عباس: المراد الوليد بن المغيرة، وقيل عبدالله بن أُمية المخزومى {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} على النعماءِ شكراً أَو السياق لذلك ودخل فى عمل الصالحات ترك المعاصى، والأَعمال الصالحات هنا عبارة عن الشكر والإِيمان قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإِيمان نصفان؛ نصف صبر ونصف شكر"تفسير : . {أُولَئِكَ لهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم وتقصيرهم ومكاريههم، ولا يخلو عن ذلك، والشقى يعاقب على صغائِره وكبائِره وتقصيره والمكروه الكراهة الشديدة {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} الجنة ودفع التكاليف والأَمن من عذاب الله، أو الأَجر الكبير أَدناه الجنة حين يدخلونها وازديادها فى مقدار كل يوم تخرج به عن الأَدنى أَو الأَجر الكبير الجنة مطلقا، وهى أَدناه والأَعلى رضى الله عنه على معنى أَنه ولى لهم وأَنهم أَولياؤُه لا يسخط عليهم، وقال: كبير بدل عظيم للفاصلة لأَنه على الراءِ وتارة تكون على الموازنة وهؤُلاءِ أَربعة شروط وأَربعة أَقسام أُجيب الأَقسام لتقدمها بدليل اللام قبل أَن وأَغنت أَجوبتها على أَجوبة الشروط، والشرط متحقق فى ذلك كله فوجه أَن الشرطية الموضوعة للشك اعتبار ما سيقع متكرراً بعد الوقوع الأَول مثلا قبله سيق مساق ما يشك فيه لأَنه لم يقع، ويجمع ذلك أَن تقول الشك باعتبار الخلق.
الالوسي
تفسير : {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} استثناء من{أية : ٱلإِنْسَانَ}،تفسير : [هود: 9] وهو متصل إن كانت أل فيه لاستغراق الجنس، وهو الذي نقله الطبرسي مخالفاً لابن الخازن عن الفراء، ومنقطع إن كانت للعهد إشارة إلى الإنسان الكافر مطلقاً، وعن ابن عباس أن المراد منه كافر معين وهو الوليد بن المغيرة، وقيل: هو عبد الله بن أمية المخزومي، وذكره الواحدي، وحديث الانقطاع على الروايتين متصل، ونسب غير مقيد بهما إلى الزجاج والأخفش وأيًا مّا كان فالمراد صبروا على ما أصابهم من الضراء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} شكراً على نعمه سبحانه السابقة واللاحقة، قال المدقق في «الكشف»: لما تضمن اليأس عدم الصبر والكفران عدم الشكر كان المستنثى من ذلك ضده ممن اتصف بالصبر والشكر فلما قيل: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ} الخ كان بمنزلة إلا الذين صبروا وشكروا وذلك من صفات المؤمن، فكني بهما عنه فلذا فسره الزمخشري بقوله: إلا الذين آمنوا، فإن عادتهم إذا أتتهم رحمة أن يشكروا وإذا زالت عنهم نعمة أن يصبروا فلذا حسنت الكناية به عن الإيمان، ثم عرض بشيخه الطيبـي بقوله: وأما دلالة {صَبَرُواْ} على أن العمل الصالح شكر لأنه ورد في الأثر «الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، ودلالة {عَمِلُواْ} على أن الصبر إيمان لأنهما ضميمتان في الأكثر فغير مطابق لما نحن فيه إلا أن يراد وجه آخر كأنه قيل: إلا المؤمن الصالح الصابر الشاكر وهو وجه لكن القول ما قالت حذام لأن الكناية تفيد ذلك مع ما فيها من الحسن والمبالغة. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصول باعتبا اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد لما مر غير مرة أي أولئك الموصوفون بتلك الصفات الحميدة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمة لذنوبهم ما كانت {وَأَجْرٌ} ثواب لأعمالهم الحسنة {كَبِيرٌ} وصف بذلك لما احتوى عليه من النعيم السرمدي ورفع التكاليف والأمن من العذاب ورضا الله سبحانه عنهم والنظر إلى وجهه الكريم في جنة عرضها السماوات والأرض، ووجه تعلق الآيات الثلاث بما قبلهن على ما في «البحر» أنه تعالى لما ذكر أن عذاب الكفار وإن تأخر لا بد أن يحيق بهم ذكر ما يدل على كفرهم وكونهم مستحقين العذاب لما جبلوا عليه من كفر نعماء الله تعالى وما يترتب على إحسانه تعالى إليهم مما لا يليق بهم من البطر والفخر، قيل: وهو إشارة إلى أن الوجه تضمن الآيات تعليل الحيق ويبعده تعليله بما في حيز الصلة قبل، واختار بعضهم أنه الاشتراك في الذم فما تضمنه الآيات قبل بيان بعض هناتهم وما تضمنته هذه بيان بعض آخر. وقال بعض المحققين: إن وجه التعلق من حيث أن إذاقة النعماء ومساس الضراء فصل من باب الابتلاء واقع موقع التفصيل من الإجمال في قوله سبحانه: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7] والمعنى أن كلاً من إذاقة النعماء ونزعها مع كونه ابتلاء للإنسان أيشكر أم يكفر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلال / فلا يظهر منه حسن عمل إلا من الصابرين الصالحين، أو من حيث أن إنكارهم البعث واستهزاءهم بالعذاب بسبب بطرهم وفخرهم كأنه قيل: إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعة الإنسان مجبولة على ذلك انتهى، ولا يخفى ما في الأول من البعد والثاني أقرب، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {الۤر} إشارة إلى ما مرت الإشارة إليه {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي حقائقه وأعيانه في العالم الكلي فلا تتبدل ولا تتغير {ثُمَّ فُصّلَتْ} في العالم الجزئي وجعلت مبنية معينة بقدر معلوم {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ} فلذا أحكمت {أية : خَبِيرٌ }تفسير : [هود: 1] فلذا فصلت، وقد يقال: الإشارة إلى آيات القرآن قد أحكمت في قلوب العارفين ثم فصلت أحكامها على أبدان العاملين، وقيل: أحكمت بالكرامات ثم فصلت بالبينات {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي أن لا تشركوا في عبادته سبحانه وخصصوه عز وجل بالعبادة {إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ} عقاب الشرك وتبعته {أية : وَبَشِيرٌ } تفسير : [هود: 2] بثواب التوحيد وفائدته، وقيل: {نَّذِيرٌ} بعظائم قهره {وَبَشِيرٌ} بلطائف وصله {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} اطلبوا منه سبحانه أن يستركم عن النظر إلى الغير حتى أفعالكم وصفاتكم {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} ارجعوا بالفناء ذاتاً، وقيل: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} من الدعاوي {وَتُوبُواْ إِلَيْهِ} من الخطرات المذمومة {يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا} بتوفيقكم لاتباع الشريعة حال البقاء بعد الفناء، ويقال: المتاع الحسن صفاء الأحوال وسناء الأذكار وحلاوة الأفكار وتجلي الحقائق وظهور اللطائف والفرح برضوان الله تعالى وطيب العيش بمشاهدة أنواره سبحانه، والمتاع كل المتاع مشاهدة المحب حبيبه، ولله در من قال: شعر : مناي من الدنيا لقاؤك مرة فإن نلتها استوفيت كل منائيا تفسير : {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقت وفاتكم {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} بالسعي والاجتهاد وبذل النفس {فَضْلِهِ} في الدرجات والقرب إليه سبحانه؛ ويقال: {يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ} في الاستعداد {فَضْلِهِ} في الكمال، وسئل أبو عثمان عن معنى ذلك فقال: يحقق آمال من أحسن به ظنه {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تعرضوا عن امتثال الأمر والنهي {أية : فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } تفسير : [هود: 3] وهو يوم الرجوع إلى الله تعالى الذي يظهر فيه عجز ما سواه تعالى ويتبين قبح مخالفة ما أمر به وفظاعة ارتكاب ما نهى عنه {أَلآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ} يعطفون صدورهم على ما فيها من الصفات المذمومة {لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} تعالى وذلك لمزيد جهلهم بما يجوز عليه جل شأنه وما لا يجوز {أية : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}تفسير : [هود: 5] من الأقوال والأفعال وسائر الأحوال، وقيل: {مَا يُسِرُّونَ} من الخطرات {وَمَا يُعْلِنُونَ} من النظرات، وقيل: {مَا يُسِرُّونَ} بقلوبهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} بأفواههم، وقيل: مَا يُسِرُّونَ بالليل وَمَا يُعْلِنُونَ بالنهار، والتعميم أولى ومن الناس من جعل ضمير منه للرسول صلى الله عليه وسلم وقد علمت أنه يبعده ظهور أن ضمير {يَعْلَمْ} له تعالى لكن ذكر في «أسرار القرآن» أنه تعالى كسا أنوار جلاله أفئدة الصديقين فيرون بأبصار قلوبهم ما يجري في صدور الخلائق من المضمرات والخطرات كما يرون الظواهر بالعيون الظاهرة، وقد جاء «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» وعلى هذا فيمكن أن يكون ضمير {يَعْلَمْ} للرسول عليه الصلاة والسلام، وأياً مّا كان فالآية نازلة في غير المؤمنين حسبما يقتضيه الظاهر، وقد تقدم لك أن الأمر على ما روي عن الحبر رضي الله تعالى عنه مشكل. وقال بعض أرباب الذوق: إن الآية عليه إشارة إلى أن أولئك الأناس لم يصلوا إلى مقام الجمع ولم يتحققوا بأعلى مراتب التوحيد وفيه خفاء أيضاً فتفطن {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي ما تتغذى به / شبحاً وروحاً، ويقال: لكل رزق عليه تعالى بقدر حوصلته فرزق الظاهر للأشباح، ورزق المشاهدة للأرواح، ورزق الوصلة للأسرار؛ ورزق الرهبة للنفوس، ورزق الرغبة للعقول، ورزق القربة للقلوب، وهذا بالنظر إلى الإنسان، وأما بالنظر إلى سائر الحيوانات فلها أيضاً رزق محسوس ورزق معقول يعلمه الله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}تفسير : [هود: 6] فمستقر الجميع أصلاب العدم ومستودعها أرحام الحدوث {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وما في كل {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء} أي كان حياً قيوماً ـ كما قال ابن الكمال ـ. وقيل: الماء إشارة إلى المادة الهيولانية، والمعنى {وَكَانَ عَرْشُهُ} قبل خلق السماوات والأرض بالذات لا بالزمان مستعلياً على المادة فوقها بالرتبة، وقيل: غير ذلك، وإن شئت التطبيق على ما في تفاصيل وجودك فالمعنى على ما قيل: خلق سماوات قوى الروحانية، وأرض الجسد في الأشهر الستة التي هي أقل مدة الحمل، وكان عرشه الذي هو قلب المؤمن على ماء مادة الجسد مستولياً عليه متعلقاً به تعلق التصوير والتدبير {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود: 7] قيل: جعل غاية الخلق ظهور الأعمال أي خلقنا ذلك لنعلم العلم التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء أيكم أحسن عملاً {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً}تفسير : [هود: 9] الخ تضمن الإشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يكون في السراء والضراء واثقاً بربه تعالى متوكلاً عليه غير محتجب عنه برؤية الأسباب لئلا يحصل له اليأس والكفران والبطر والفخر بذلك وجوداً وعدماً، فإن آتاه رحمة شكره أولاً: برؤية ذلك منه جل شأنه بقلبه. وثانياً: باستعمال جوارحه في مراضيه وطاعاته والقيام بحقوقه تعالى فيها، وثالثاً: بإطلاق لسانه بالحمد والثناء على الله تعالى وبذلك يتحقق الشكر المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : [سبأ: 13] وإلى ذلك أشار من قال: شعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا تفسير : وبالشكر تزداد النعم كما قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]، وعن علي كرم الله تعالى وجهه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر، ثم إن نزعها منه فليصبر ولا يتهم الله تعالى بشيء فإنه تعالى أبر بالعبد وأرحم وأخبر بمصلحته وأعلم، ثم إذا أعادها عليه لا ينبغي أن يبطر ويغتر ويفتخر بها على الناس فإن الاغترار والافتخار بما لا يملكه من الجهل بمكان، وقد أفاد سبحانه أن من سجايا الإنسان في الشدة بعد الرحمة اليأس والكفران وبالنعماء بعد الضراء الفرح والفخر {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} مع الله تعالى في حالتي النعماء والضراء والشدة والرخاء، فالفقر والغنى مثلاً عندهم مطيتان لا يبالون أيهما امتطوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} ما فيه صلاحهم في كل أحوالهم {أُوْلَٰـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} من ذنوب ظهور النفس باليأس والكفران والفرح والفخر {أية : وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }تفسير : [هود: 11] من ثواب تجليات الأفعال والصفات وجنانهما، والله تعالى ولي التوفيق.
ابن عاشور
تفسير : احتراس باستثناء من (الإنسان). والمراد بالّذين صبروا المؤمنون بالله لأنّ الصبر من مقارنات الإيمان فَكنيَ بالذين صبروا عن المؤمنين فإنّ الإيمان يَرُوضُ صاحبَه على مفارقة الهوى ونبذ معتاد الضلالة. قال تعالى: {أية : إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصّالحَات وَتَوَاصَوْا بالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بالصّبْر}تفسير : [العصر: 3]. ومنْ معاني الصبر انتظار الفرج ولذلك أوثرَ هنا وصفُ (صبروا) دون (آمنوا) لأنّ المرادَ مقابلة حالهم بحال الكفّار في قوله: {أية : إنّه ليؤوس كفور}تفسير : [هود: 9]. ودل الاستثناء على أنّهم متّصفون بضد صفات المستثنى منهم. وفي هذا تحذير من الوقوع فيما يماثل صفات الكافرين على اختلاف مقادير. وقد نسجت الآية على هذا المنوال من الإجمال لتذهب نفوس السامعين من المؤمنين في طرق الحذر من صفتي اليأس وكفران النعمة، ومن صفتي الفرح والفخر كل مذهب ممكن. وجملة {أولئك لهم مغفرة وأجْرٌ كبير} مستأنفة ابتدائية. والإتيان باسم الإشارة عقب وصفهم بما دل عليه الاستثناء وبالصبر وعمل الصالحات تنبيهٌ على أنّهم استحقوا ما يذكر بعد اسم الإشارة لأجْل ما ذكر قبله من الأوصاف كقوله: {أية : أولَئكَ عَلَى هُدىً منْ رَبهمْ وأولئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُون}تفسير : [البقرة: 5].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّالِحَاتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} (11) - وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنَ الأُنَاسِ اللَّجُوجينَ القَنُوطِينَ، المُؤْمِنينَ الذِينَ صَبَرُوا عَلى الشَّدَائِدِ وَالمَكَارِهِ، إِيمَاناً بِاللهِ، وَاحْتِسَاباً، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، فَهؤُلاَءِ سَيَغْفُرُ اللهُ لَهُمْ بِمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الضَّرَّاءِ، وَسَيَجْزِيهِمْ أَجْراً كَبِيراً بِمَا أَسْلَفُوا فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ مِنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {صَبَرُواْ} هنا موافقة للأمرين الذين سبقا في الآيتين السابقتين، فهناك نزع الرحمة، وكذلك هناك "نعماء" من بعد "ضرَّاء"، وكلا الموقفين يحتاج للصبر؛ لأن كلاّ منا مقدور للأحداث التي تمر به، وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه. وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بالاستثناء، فقال جل وعلا: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ..} [هود: 11]. ولولا هذا الاستثناء لكان الكل - كل البشر - ينطبق عليهم الحكم الصادر في الآيتين السابقتين، حكم باليأس والكفر، أو الفرح والفخر دون تذكُّر واهب النعم سبحانه. ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليُطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة، أو ما يصيبهم في ذواتهم؛ لا من الكافرين؛ لكن بتقدير العزيز العليم. أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين. إذن: فالصبر معناه حدُّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها. والأمر المكروه له مصادر عدة، منها: * أمر لا غريم لك فيه كالمرض مثلاً. * أو أن يكون لك غريم في الأمر؛ كأن يُسرق منك متاع، أو يُعتدى عليك، وفي هذه الحالة تنشغل برغبة الانتقام، وتتأجج نفسك برغبة النيل من هذا الغريم، أكثر مما تتأجج في حالة عدم وجود الغريم، فحين يمرض الإنسان فلا غريم له. وفي حالة الرغبة من الانتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة وجود الغريم. ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتِّي الصبر حسب هذه المراحل، فسيدنا لقمان يقول لابنه: {أية : .. وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [لقمان: 17]. وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [الشورى: 43]. وفي هذه الآية "لام" التوكيد لتؤكد أن هذا الأمر يحتاج إلى عزم قوي؛ لأن لي فيها غريماً يثير غضبي. فساعة أرى من ضربني أو أهانني أو سرقني أو أساء إليَّ إساءة بالغة، فالأمر هنا يحتاج صبراً وقوة وعزيمة. أما في الحالة الأولى - حالة عدم وجود غريم - فالحق سبحانه يكتفي فقط بالقول الكريم: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ..}تفسير : [لقمان: 17]. ولكنه سبحانه أضاف في الآية الأخرى "اللام" لتأكيد العزم، وليضيف سبحانه في حالة وجود غريم طلب الغفران، فيقول سبحانه: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}تفسير : [الشورى: 43]. وهكذا نجد المستثنى، وهم الصابرون على ألوانهم المختلفة. وهنا يقول سبحانه: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [هود: 11]. وما دام هنا صبر، فالصبر لا يكون إلا على إيذاء. ولكن إياك أن يكون الإيذاء من خصمك في الإيمان، أو من خصمك في ما دون الإيمان، صارفاً لك عن نشاطك في طاعة الله سبحانه؛ لأن الصبر لا يعني أن تكبت غضبك وتعذب نفسك بهذا الكبت بما يصرفك عن مهامك في الحياة، بل يسمح لك الحق سبحانه أن تتخلص من غلِّك وحقدك، بمعايشة الإيمان الذي يُخفف من غَلْواء الغضب. ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك. ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل فيقول عز وجل: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 194]. ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ..}تفسير : [آل عمران: 134]. ومعنى كظم الغيظ: أن الغيظ موجود، لكن صاحبه لا يتحرك بنزوع انتقامي، مثلما تقول: "كظمت القِرْبة" لأن حامل القربة لو لم يكظم الماء فيها، لتفلَّت الماء منها، أي: أنه يحبس الماء فيها. وكظم الغيظ درجة ومنزلة، قد لا تكون إيجابية؛ لأن الغيظ ما زال موجوداً؛ ولذلك تأتي مرحلة أرقى، وتتمثل في قول الحق سبحانه: {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [آل عمران: 134]. أي: أن تُخرج الغيظ من قلبك وتتسامح. إذن: فأنت هنا أمام مراحل ثلاث: أن تردَّ الاعتداء عليك بمثله، والمثليَّة في رد الاعتداء أمر لا يمكن أن يتحقق، فمن صفعك صفعة، كيف تستطيع أن تضبط كمية الألم في الصفعة التي تردها إليه؟ إن المتحكم في ردِّ الاعتداء هو الغضب، والغضب لا يقيس الاعتداء بمثله، فلا يتحقق العدل المطلوب؛ لهذا يكون الصبر خيراً مصداقاً لقوله تعالى: {أية : .. وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126]. فإن أزدتَ من قوة صفعتك تكون معتدياً. ولعلنا نذكر مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلاً مالاً، وكان صَكُّ القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلاً من لحم المقترض إن تأخر في السداد. وتأخَّر المقترض في السداد، وأراد المرابي اليهودي أن يقتطع رطلاً من لحم المقترض، وعُرِض الأمر على القاضي، وكان القاضي رجلاً حكيماً، وأراد أن يصدر حكماً يتلمس فيه العدالة، فقال القاضي: لا مانع أن تأخذ رطلاً من لحم الرجل؛ هات السكين، واقطع رطلاً واحداً بلا زيادة أو نقصان؛ لأننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت بنفس السكين، وكذلك إن قطعت من اللحم ما يقل عن الرطل، فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقاباً لك. وتردَّد المرابي اليهودي؛ لأن الجزار - أيَّ جزار - لا يمكن أن يضبط يده ليقطع رطلاً مكتمل الوزن، بل يقطع أحياناً ما يزيد عن الوزن المطلوب، ويقطع أحياناً ما يقل عن الوزن المطلوب، ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل حالة. وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه، والذي دفعه إلى ذلك هو عدم قدرته على أخذ المثل، فلو كان قد ارتقى قليلاً في مشاعره لما وصل إلى هذا الحكم. والحق سبحانه وتعالى يحضنا على أن نرد العدوان بمثله، وإن أردنا الارتقاء فلنكظم الغيظ، وإن أردنا الارتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ولنكن من العافين عن الناس؛ لننال محبة الله تعالى، لأنه سبحانه يقول: {أية : .. وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 134]. وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج الله سبحانه، فيجعل المعتدَى عليه هو الذي يُحسن. وحين تريد أن تفسر حب الله سبحانه للمحسنين فلسفيّاً أو منطقياً أو اقتصادياً، ستجد القضية صحيحة، والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..}تفسير : [النور: 22]. فإن أساء أخوك إليك سيئة، فإما أن ترد بالمثل، أو تكظم الغيظ أو ترقى إلى العفو، وبذلك تكون من المحسنين؛ لأنك إذا كنت قد ارتكبت سيئة، وعلمت أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لك، ألا تشعر بالسرور؟ إذن: فما دُمْت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده، فلماذا لا تعفو عن سيئة أخيك في حقك؟ وقول الحق سبحانه: {أية : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..}تفسير : [النور: 22]. وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس، فجعل عفو العبد عن سيئة العبد بحسنة، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى؛ لأن العبد سيأخذ مغفرة الله تعالى، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك، وعند التسليم له راحة. ولو اقتصصتَ أنت ممن أساء إليك، فقصاصك على قدر قوتك، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى، فهذا أصعب وأشق؛ لأنك تركته إلى قوة القوي. وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية؛ لأنه جعل الله - سبحانه وتعالى - في جانبه. وهناك من يقول: كيف يأمر الدين الناس بأن يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس. ونقول: إن الإحسان إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء، وليست تكليفاً أصيلاً؛ لأن الحق سبحانه قد أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حثَّ المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه وتعالى. وانظر إلى نفسك - ولله المثل الأعلى ومنزَّه سبحانه عن كل مَثلٍ - إنْ أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولداً من أولادك قد اعتدى على أخيه، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدَى عليه. ومن يقول: كيف يكلّفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إليَّ؟ نقول له: تذكَّرْ قول الحسن البصري رضي الله عنه: "أفلا أحْسِنُ لمن جعل الله في جانبي". ولو طبَّق العالم هذه القاعدة بيقينٍ وإخلاصٍ لصارت الحياة على الأرض جنة معجَّلة، التسامح، قوامها القرب، ومنهجها الحب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11]. وإن تسأل أحد: ولماذا ينالون المغفرة؟ نقول: لأنهم صبروا وغفروا؛ لذلك يهديهم الله تعالى مغفرة من عنده، لأنه صبر على الإساءة، وغفر لمن أساء، فلا بد أن يُثيبه الله تعالى، لا بالمغفرة فقط، ولكن بالأجر الكبير أيضاً. ويقول سبحانه بعد ذلك: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):