١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار، والله تعالى بين أن قلب الرسول ضاق بسببه، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالإكرام والتأييد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً، وقال آخرون: ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك. فقال: لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية. واختلفوا في المراد بقوله: {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: «ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك، وقال الحسن اطلبوا منه لا يقول: { أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ } تفسير : [طه: 15] وقال بعضهم: المراد نسبتهم إلى الجهل والتقليد والإصرار على الباطل. المسألة الثانية: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه، لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضاً فالمقصود من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } شيئاً آخر سوى أنه عليه السلام فعل ذلك وللناس فيه وجوه: الأول: لا يمتنع أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إنما ترك التقصير في أداء الوحي والتنزيل لسبب يرد عليه من الله تعالى أمثال هذه التهديدات البليغة الثاني: أنهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به، فكان يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فهيجه الله تعالى لأداء الرسالة وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم، والغرض منه التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي وقع في سخريتهم وسفاهتهم وإن لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه، فإذا لا بد من تحمل أحد الضررين وتحمل سفاهتهم أسهل من تحمل إيقاع الخيانة في وحي الله تعالى، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة، لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك يشتمل على ضرر عظيم، ثم علم أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه. فإن قيل: قوله: {فَلَعَلَّكَ } كلمة شك فما الفائدة فيها؟ قلنا: المراد منه الزجر، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه، ويقول لولده لو أمره لعلك تقصر فيما أمرتك به ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك. وأما قوله: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } فالضائق بمعنى الضيق، قال الواحدي: الفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض غير لازم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدراً، ومثله قولك: زيد سيد جواد تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين، فإذا أردت الحدوث قلت: سائد وجائد، والمعنى: ضائق صدرك لأجل أن يقولوا: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ }. فإن قيل: الكنز كيف ينزل؟ قلنا: المراد ما يكنز وجرت العادة على أنه يسمي المال الكثير بهذا الاسم، فكأن القوم قالوا: إن كنت صادقاً في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وإنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكد والعناء وتستعين به على مهماتك وتعين أنصارك وإن كنت صادقاً فهلا أنزل الله معك ملكاً يشهد لك على صدق قولك ويعينك على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة في أمرك، فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق، فبين تعالى أنه رسول منذر بالعقاب ومبشر بالثواب ولا قدرة له على إيجاد هذه الأشياء. والذي أرسله هو القادر على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه في فعله وفي حكمه. ومعنى {وَكِيلٌ } حفيظ أي يحفظ عليهم أعمالهم، أي يجازيهم بها ونظير هذه الآية، قوله تعالى: { أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذٰلِكَ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } تفسير : [الفرقان: 10] وقوله: { أية : قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: { أية : قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 93].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه. وقيل: إنهم لما قالوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} هَمَّ أن يدع سبّ آلهتهم فنزلت هذ الآية؛ فالكلام معناه الاستفهام؛ أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ؛ كقوله: {أية : يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67] وقيل: معنى الكلام النفي مع ٱستبعاد؛ أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتبعناك، فهَمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سبّ آلهتهم؛ فنزلت. قوله تعالى: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} عطف على {تَارِكٌ} و {صَدْرُكَ} مرفوع به، والهاء في «به» تعود على «ما» أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب. وقال: {ضَائِقٌ} ولم يقل ضيّق ليشاكل «تَارِكٌ» الذي قبله؛ ولأن الضّائق عارض، والضيّق ألزم منه. {أَن يَقُولُواْ} في موضع نصب؛ أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا يقولوا كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلّوا. أو لأن يقولوا. {لَوْلاَ} أي هلاّ {أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدقه؛ قاله عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ؛ فقال الله تعالى: يا محمد {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حافظ وشهيد. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} «أم» بمعنى بل، وقد تقدّم في «يونس» أي قد أزحت عِلّتهم وإشكالهم في نبوّتك بهذا القرآن، وحَجَجْتَهم به؛ فإن قالوا: افتريته ـ أي ٱختلقته ـ فليأتوا بمثله مفترىً بزعمهم. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الكهنة والأعوان.
البيضاوي
تفسير : {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به، ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة في الوحي والثقة في التبليغ ها هنا. {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } وعارض لك أحياناً ضيق صدرك بأن تتلوه عليهم مخافة. {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ } ينفقه في الاستتباع كالملوك. {أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } يصدقه وقيل الضمير في {بِهِ } مبهم يفسره {أَن يَقُولُواْ }. {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا الإِنذار بما أوحي إليك ولا عليك ردوا أو اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يتعنت به المشركون فيما كانوا يقولونه عن الرسول؛ كما أخبر تعالى عنهم في قوله: {أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } تفسير : [الفرقان:7-8] فأمر الله تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يصدنه ذلك، ولا يُثْنينَّه عن دعائهم إلى الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} تفسير : [الحجر: 97] الآية، وقال ههنا: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ} أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير، ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك؛ فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل، ثم بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. ثم قال تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله، متضمن علمه وأمره ونهيه {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَعَلَّكَ } يا محمد {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ } فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } بتلاوته عليهم لأجل {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ } هلا {أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ } يصدقه كما اقترحنا {إِنَّمآ أَنتَ نَذِيرٌ } فلا عليك إلا البلاغ لا الإِتيان بما اقترحوه {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ } حفيظ فيجازيهم.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآيات أن كفار قريش قالوا: يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك واتبعناك. وقالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال. فخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفاً راداً على أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنى أنه صلى الله عليه وسلم هم بشيء من ذلك فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان. و {لعلك } ها هنا بمعنى التوقيف والتقرير، و {ما يوحى إليك } هو القرآن والشريعة والدعاء إلى الله تعالى كأن في ذلك سب آلهتهم وتسفيه آبائهم أو غيره؛ ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد عظم عليه ما يلقى من الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة ونحو هذا من الاعتقادات التي تليق به صلى الله عليه وسلم، كما جاءت آيات الموادعة. وعبر بـ {ضائق } دون ضيق للمناسبة في اللفظ مع {تارك}، وإن كان ضيق أكثر استعمالاً لأنه وصف لازم، و{ضائق} وصف عارض فهو الذي يصلح هنا، والضمير في {به } عائد على " البعض "، ويحتمل أن يعود على " ها" و" أن " في موضع نصب على تقدير كراهة أن و" الكنز " ها هنا: المال وهذا طلبهم آية تضطر إلى الإيمان: والله تعالى لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار وإنما بعثهم بآيات النظر والاستدلال، ولم يجعل آية الاضطرار إلا للأمم التي قدر تعذيبها لكفرها بعد آية الاضطرار، كالناقة لثمود. ثم أنسه تعالى بقوله: {إنما أنت نذير } ، أي هذا القدر هو الذي فوض إليك، والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء. وقوله تعالى: {أم يقولون...} الآية، هذه {أم } التي هي عند سيبويه بمعنى بل وألف الاستفهام، كأنه أضرب عن الكلام الأول، واستفهم في الثاني على معنى التقرير، كقولهم: إنها لإبل أم شاء، و" الافتراء " أخص من الكذب، ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر، وجاء بأمر عظيم منكر، ووقع التحدي في هذه الآية {بعشر} لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غاية القيام، إذ قد عجزهم في غير هذه الآية {أية : بسورة من مثله } تفسير : [البقرة: 23، يونس:38] دون تقييد فهذه مماثلة تامة في غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده وعجزوا في هذه الآية بل قيل لهم عارضوا القدر منه بعشر أمثاله في التقدير والغرض واحد واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه فهذه غاية التوسعة؛ وليس المعنى عارضوا عشر سور بعشر، لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة ولا تبالي عن تقديم نزول هذه على هذه: ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة؛ وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم {افتراه} فكلفوا نحو ما قالوا: ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدمة في النزول على تلك، ولا يصح أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشراً؛ والتكليفان سواء، ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة وآية سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: {افتراه}، وكذلك آية البقرة وإنما ريبهم بأن القرآن مفترى. قال القاضي أبو محمد: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين: في كمال المماثلة مرة، ووقوفها على النظم مرة. و {من } في قوله: { من استطعتم } يراد بها الآلهة والأصنام والشياطين وكل ما كانوا يعظمونه، وقوله: {إن كنتم صادقين } يريد في أن القرآن مفترى.
ابو السعود
تفسير : {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} من البـينات الدالةِ على حقية نبوَّتِك المناديةِ بكونها من عند الله عز وجل لمن له أُذنٌ واعية {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي عارضٌ لك ضِيقُ صَدرٍ بتلاوته عليهم وتبليغِه إليهم في أثناء الدعوةِ والمُحاجّة {أَن يَقُولُواْ} لأن يقولوا تعامِياً عن تلك البراهينِ التي لا تكاد تخفىٰ صحّتُها على أحد ممن له أدنى بصيرةٍ، وتمادياً في العِناد على وجه الاقتراح {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} مالٌ خطيرٌ مخزونٌ يدل على صدقه {أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ} يصدّقه. قيل: قاله عبدُ اللَّه بنُ أميةَ المخزوميُّ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساءَ مكةَ قالوا: يا محمد اجعل لنا جبالَ مكةَ ذهباً إن كنت رسولاً، وقال آخرون: ائتِنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال: «لا أقدِر على ذلك» فنزلت فكأنه عليه الصلاة والسلام لما عاين اجتراءَهم على اقتراح مثلِ هذه العظائمِ، غيرَ قانعين بالبـينات الباهرةِ التي كانت تَضْطرّهم إلى القَبول لو كانوا من أرباب العقولِ وشاهدَ ركوبَهم من المكابرة مَتنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاءِ وتسميتِها سحراً ـ مُثّل حالُه عليه الصلاة والسلام بحال من يُتوقّع منه أن يضيقَ صدرُه بتلاوة تلك الآيات الساطعةِ عليهم وتبليغِها إليهم فحُمل على الحذر منه بما في لعل من الإشفاق فقيل: {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} ليس عليك إلا الإنذارُ بما أوحي إليك غيرَ مبالٍ بما صدر عنهم من الرد والقَبولِ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ} يحفَظ أحوالَك وأحوالَهم فتوكلْ عليه في جميع أمورِك فإنه فاعلٌ بهم ما يليق بحالهم، والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحزّ {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} إضرابٌ بأمْ المنقطعةِ عن ذكر تركِ اعتدادِهم بما يوحىٰ وتهاونِهم به وعدمِ اقتناعِهم بما فيه من المعجزات الظاهرةِ الدالةِ على كونه من عند الله عز وجل وعلى حقية نبوتِه عليه الصلاة والسلام وشروعٌ في ذكر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ، وما فيها من معنى الهمزةِ للتوبـيخ والإنكارِ والتعجيب، والضميرُ المستكنُّ في افتراه للنبـي صلى الله عليه وسلم والبارزُ لما يوحىٰ أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله. {قُلْ} إن كان الأمرُ كما تقولون {فَاتُواْ} أنتم أيضاً {بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ} في البلاغة وحُسنِ النظمِ وهو نعتٌ لسُوَر أي أمثالِه، وتوحيدُه إما باعتبار مماثلةِ كلِّ واحدةٍ منها أو لأن المطابقةَ ليست بشرط، حتى يوصَفُ المثنّىٰ بالمفرد كما في قوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } تفسير : [المؤمنون: 47] أو للإيماء إلى أن وجهَ الشبهِ ومدارَ المماثلةِ في الجميع شيءٌ واحدٌ هو البلاغةُ المؤديةُ إلى مرتبة الإعجازِ فكأن الجميعَ واحدٌ {مُفْتَرَيَاتٍ} صفةٌ أخرى لسُور أُخِّرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحىٰ لأنها الصفةُ المقصودةُ بالتكليف إذ بها يظهر عجزُهم وقعودُهم عن المعارضة، وأما وصفُ الافتراء فلا يتعلق به غرضٌ يدور عليه شيءٌ في مقام التحدِّي وإنما ذُكر على نهج المساهلةِ وإرخاءِ العِنانِ، ولأنه لو عُكس الترتيبُ لربما تُوُهّم أن المرادَ هو المماثلةُ في الافتراء، والمعنى فأتوا بعشر سورٍ مماثلةٍ له في البلاغة مختلفاتٍ من عند أنفسِكم إن صحّ أني اختلقتُه من عندي، فإنكم أقدرُ على ذلك مني لأنكم عرَبٌ فصحاءُ بلغاءُ قد مارستم مبادىءَ ذلك من الخُطَب والأشعارِ وحفِظتم الوقائعَ والأيامَ وزاولتم أساليبَ النظْمِ والنثر. {وَٱدْعُواْ} للاستظهار في المعارضة {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون أنها مُمِدّةٌ لكم في كل ما تأتون وما تذرون، والكهنةِ ومَدارِهِكم الذين تلجأون إلى آرائهم في المُلمّات ليُسعدوكم فيها {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق بادعوا أي متجاوزين الله تعالى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أني افتريتُه فإن ذلك يستلزِمُ إمكانَ الإتيانِ بمثله وهو أيضاً يسلِزمُ قدرتَكم عليه، والجوابُ محذوفٌ يدل عليه المذكور.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ}. اقترحوا عليه أن يأتي بكتاب ليس فيه سَبُّ آلهتهم، وبيَّن الله - سبحانه - له ألا يتركَ تبليغ ما أُنزِل عليه لأجْلِ كراهتهم، ولا يُبَدِّلَ ما يُوحَى إليه. قوله جلّ ذكره: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}. وهذا على وجه الاستبعاد؛ أي لا يكون منك تركُ ما أُوحِيَ إليك، ولا يضيق صَدرُك بما يبدو من الغيب... ومَنْ شرح الله بالتوحيد صدرَه، ونوَّر بشهود التقدير سِرَّه -متى يلحقه ضيقُ صدْرٍ أو استكراهُ أَمْرٍ؟ ثم قال: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}: أي أنت بِالإرسال منصوبٌ، وأحكامُ التقدير عليكَ مُجْرَاةٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك} -روى- ان مشركى مكة لما قالوا ائت بقرآن غير هذا ليس فيه سب آلهتنا ولا مخالفة ابنائنا همّ النبى عليه السلام ان يدع سب آلهتهم ظاهرا فانزل الله تعالى هذه الآية ولعل اما للترجى ومعناه توقع امر مرجو لا وثوق بحصوله كقوله تعالى {أية : لعلكم تفلحون} تفسير : واما للاشفاق وهو توقع امر مخوف كقوله تعالى {أية : لعل الساعة قريب} تفسير : والرجاء والاشفاق يتعلقان بالمخاطبين دون الله سبحانه والمراد هنا اما الاول فالمعنى لعظم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم انهم يزيلونك عن بعض ما انت عليه من تبليغ ما اوحى اليك ولا يلزم من توقع الشيء وجود ما يدعو اليه ووقوعه لجواز ان يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة فى الوحى والثقة فى التبليغ ههنا واما الثانى فالمعنى اشفق على نفسك ان تترك تبليغ ما يوحى اليك وهو ما يخالف رأى المشركين مخافة ردهم له واستهزائهم وهو اوجه من الاول كما فى بحر العلوم للسمرقندى. قال الكاشفى {أية : فلعلك تارك} تفسير : [بس شايد كه توترك كننده باشى. امام ما تريدى رحمة الله ميكويد استفهام بمعنى نهى است: يعنى ترك مكن] {وضائق به صدرك} اى عارض لك ضيق صدر بتلاوته عليهم وتبليغه اليهم فى اثناء الدعوة والمحاجة وضمير به يعود الى بعض ما يوحى وعدل عن ضيق الى ضائق ليدل على انه ضيقا عارضا غير ثابت لان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان افسح الناس صدرا ونحوه فلان سائد لمن عرضه له السودد وسيد لمن هو عريق فيه {ان يقولوا} اى مخافة ان يقولوا مكذبين {لولا انزل عليه} هلا القى عليه {كنز} مال من السماء يستعين به فى اموره وينفقه فى الاستتباع كالملوك. قال ابن الشيخ كنز اى مال كثير من شأنه ان يجعل كنزا اى مالا مدفونا فان الكنز اسم للمال المدفون فهو لا ينزل فوجب ان يكون المراد به ههنا ما يكنز وقد جرت العادة بان يسمى المال الكثير بهذا الاسم {او جاء معه ملك} يشهد له على صدق قوله ويعينه على تحصيل مقصوده فتزول الشبهة عن امره كما قال رؤساء مكة يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا ان كنت رسولا وقال آخرون ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوتك {انما انت نذير} ليس عليك الا الانذار بما اوحى اليك ولا عليك ردوا او تهكموا او اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك {والله على كل شيء وكيل} فتوكل عليه فانه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء اقوالهم وافعالهم قال الكواشى تلخيصه ادّ الرسالة غير ملتفت اليهم فانى حافظك وناصرك عليهم شعر : در شبى مهتاب مه را برسماك ازسكان وعوعو ايشان جه باك تفسير : قال فى المفاتيح الوكيل القائم بامور العباد وتحصيل ما يحتاجون اليه. وقيل الموكول اليه تدبير البرية وحظ العبد منه ان يكل اليه ويتوكل عليه ويلقى بالاستعانة اليه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فلعلك تارك بعضَ ما يُوحى إليك}، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يترك شيئاً من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار. ثم قال له: {وضائق به صدرُكَ}؛ أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة {أن يقول لولا أُنزل عليه كنز} ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، {أو جاء معه ملكٌ} يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يُبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال: {ضائق}؛ ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. {إنما أنت نذير} ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. {والله تعالى على كل شيء وكيل} فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم. {أَمْ}؛ بل {يقولون افتراه} أي: ما يوحى إليه، {قل} لهم: {فأتوا بعشر سُورٍ مثِلهِ} في البيان وحسن النظم. تحداهم أولاً بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. {مُفتريات}؛ مختلفات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي؛ فإنكم عرب فصحاء مثلي. {وادعوا من استطعتم من دون الله} للمعاونه على المعارضة، {إن كنتم صادقين} أنه مفترى. {فإن لم يستجيبوا لكم}؛ فإن عجزوا عن الإتيان، {فاعلموا} أيها الرسول المؤمنون {إنما أُنزل بعلم الله}؛ بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقيناً فيه. قال البيضاوي: وجمع الضمير؛ إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول ـ عليه الصلا ة والسلام ـ متناولاً لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: {فاعلموا أنما أُنزل بعلم الله}؛ ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، لأن العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. {وأن لا إله إلا هو}؛ لظهور عجز آلهتهم. {فهل أنتم مسلمون}؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً. ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين، والضمير في {يستجيبوا} لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، {فاعلموا} أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ؛ لما فيه معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. هـ. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم؛ من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، {فهل أنتم مسلمون}؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله: {أية : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91]. هـ. الإشارة ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يعمموا الناس في التذكير، ولا يفرقوا بين أهل الصدق، وأهل التنكير. يل ينصحوا العباد كلهم، ولا يتركوا تذكيرهم، ومخافة الرد عليهم، ولا تضيق صدورهم بما يسمعون منهم، اقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد قال لقمان لابنه حين أمره بالتذكير: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُور} تفسير : [لقمان: 17]، فإن طلبوا من المذكر الدليل فليقل: إنما أنا نذير، والله على كل شيء وكيل: فإن قالوا: هذا الذي تذكر كلنا نعرفه، فليقل: فأتوا بسورة من مثله، أو بعشر سور من مثله. والله تعالى أعلم. ولا ينفع الوعظ والإنذار إن كانت همته كلها مصروفة للدنيا، كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يحثه على أداء جميع ما بعثه به وأوحى اليه، وينهاه عن كتمانه، ويشجعه على الاداء، ويقول له لا يكون لعظم ما يرد على قلبك ويضيق به صدرك من غيظهم يوهمون عليك انهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من امر ربك، وأنك تترك بعض الوحي ويضيق به صدرك مخافة أن يقولوا أو لئلا يقولوا {لولا أنزل عليه كنز} أي هلا انزل عليه كنز فينفق منه {أو جاء معه ملك} يعينه على أمره بل {إنما أنت نذير} أي منذر مخوف من معاصي الله وعقابه {والله على كل شيء وكيل} أي حافظ يكتب عليهم أفعالهم وأقوالهم، ومجازيهم عليها، فلا تغمك اقوالهم ولا أفعالهم ولا يضيق بذلك صدرك فان وبال ذلك عائد عليهم. وضائق وضيق واحد الا ان {ضائق} ها هنا احسن لمشاكلته لقوله: تارك، والضيق قصور الشيء عن مقدار غيره ان يكون فيه، فاذا ضاق صدر الانسان قصر عن معان يتحملها الواسع الصدر. والصدر مسكن القلب ويشبه به رفيع المجالس ورئيس القوم لشرفه على غير. والكنز المال المدفون لعاقبته، وصار في الشرع اسم ذم في كل مال لا يخرج منه حق الله من الزكاة وغيره، وإن لم يكن مدفونا.
فرات الكوفي
تفسير : {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك12} فرات قال: حدثني الحسن بن علي [لؤلؤ قال: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا أبو حفص الأعشى عن أبي الجارود. ش]: عن أبي جعفر [عليه السلام. ر، ش] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : سألت ربي مؤاخاة علي ومؤازرته وإخلاص قلبه ونصيحته فأعطاني. تفسير : قال: فقال: رجلٌ من أصحابه يا عجباً لمحمد. [يقول: سألت [ربي. ب. أ: الله] مؤاخاة علي ومؤازرته وإخلاص قلبه فأعطاني ما كان [بالذي. ر، أ] يدع ابن عمه إلى شيءٍ إلا أجابه [إليه. ن] والله لشنة بالية فيها صاع من تمر أحبّ إلي مما سأل [محمد ربه. ن]، ألا سأل محمد ربه ملكاً يعينه أو كنزاً يدع [ش: يتقوى] به على عدوه. قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضاق من ذلك [ضيقاً شديداً. ن. ش: صدره] قال: فأنزل الله [تعالى. ر]: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك [وضائق به صدرك. ن. صدرك [أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت منذر والله على كل شيء وكيل}.أ، ب. ر: إلى آخر الآية. ش: الآية] قال: فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسلى [ب: يتسلى. ش: سلى] ما بقلبه.
الأعقم
تفسير : {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك} الآية نزلت في أهل مكة قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كنت رسولاً فحوّل لنا جبال مكة ذهباً لنستغني فإنا نراك فقيراً، أو تأتينا بالملائكة لتشهد لك بالنبوة، وقيل: قالوا: ائتنا بكتاب ليس في سب آلهتنا فنزلت الآية {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} أي لعلك أن تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به {وضائق به صدرك} أن تتلوه عليهم مخافة {أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز} أي هلا أنزل عليه ما اقترحناه نحن من الكنز والملائكة {إنما أنت نذير} أي ليس عليك الا تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك إن ردّوا أو تهاونوا أو اقترحوا {والله على كل شيء وكيل} يحفظ ما يقولون عالم به {أم يقولون افتراه} يعني أما أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو يقولوا افتراه اختلعه من عنده {قل} يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} وهذا تحدي يعني ان كان هذا كلامك فقل لهم: فاتوا بعشر سور مثله في الفصاحة والنظم والمعنى {وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} إنه كلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أي ادعوا كل من تستطيعون إلى المعاونة على المعارضة، وقيل: شركاؤكم، وقيل: من خالف محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) من جميع الأمم {فإن لم يستجيبوا لكم}، قيل: معناه فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين أن رسول الله والمؤمنين كانوا يتحدونهم وقد قال في موضع آخر {فإن لم يستجيبوا لك} ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجه آخر وهو أن يكون الخطاب للمشركين، والضمير في تستجيبوا إلى من استطعتم، يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله تعالى إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه وإن طاعتهم أقصر من أن تبلغه {فاعلموا أنَّما أنزل بعلم الله} أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله تعالى من نظم معجز للخلق {وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} متابعون للاسلام بعد هذه الحجة القاطعة فهذا وجه حسن روى ذلك جار الله، ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فأثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، ومعنى فهل أنتم مسلمون قيل: أنتم مخلصون {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ إليهم} نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وقيل: هم أهل الرياء، وعن أنس: هم اليهود والنصارى، وقيل: هم الذين جاهدوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنافقين، قوله تعالى: {وحبط ما صنعوا فيها} يعني لم يكن لهم ثواب لأنهم لا يريدون به الآخرة وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفّى إليهم ما أرادوه {وباطل ما كانوا يعملون} يعني لأنه لم يعمل لوجه صحيح والعمل الباطل لا ثواب له.
اطفيش
تفسير : {فَعلَّك تَاركٌ بَعضَ ما يُوحَى إليْكَ} هذا كلام مترتب على قولهم: {أية : إن هذا إلاَّ سحر مبين} تفسير : أو على قولهم: {أية : ما يحبسه} تفسير : أو على الفرح والفخر الموصلين إلى تكذيبه، وذلك أن المشركين يردون عليه، ويهزءون بما يتلوا، فقال الله سبحانه وتعالى: فلعلك تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ما يخالف رأيهم لئلا يردوه ويهزءوا به، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركا ولا مهتما بالترك، فإنه معصوم عن الخيانة فى الوحى، والتقية فى التبليغ، فليست صيغة التوقع لوقوع خبرها، ولكنها للتحذير والتحريض عن التبليغ، وتضمن ذلك تنبيها على أن تحمل أذاهم أهون من ترك بعض الوحى. {وضَائقٌ به} ببعض ما يوحى إليك، أو بما يوحى إليك، وإنما قال: {ضائق} لا ضيق، لأن المراد الحدوث، فإنك إن أردت زيدا كان فيما مضى كريما، أو سيكون كريما، أو حدث له الكرم فى الحال قلت: زيد كارم، والمناسب التارك، ولم يضق رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قط، فالكلام فى ضائق كالكلام فى تارك، وإنما ضاق قلبه أحيانا بقولهم، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم همَّ بعد التبليغ أن يترك ذكر آلهتهم بسوء ظاهر، واشتد عليه أن يتلوها فيه ذكرها بسوء لما يلقى منهم من كلام السوء فى القرآن ونبوته، فنزل ذلك، وقيل: الهاء فى به لمبهم يفسره قوله: {أنْ يقُولُوا} مخافة أن يقولوا، أو حذر أن يقولوا، أو لئلا أن يقولوا {لَوْلا} توبيخ {أنزِلَ عليْهِ} من السماء {كَنزٌ} يستفنى به وينفعه، وذلك أنهم رأوه فقيرا، أو ينفقه على الناس فى أن يتبعوه كما تفعل الملوك. {أوْ جاءَ مَعَهُ مَلكٌ} يصدقه أنه رسول، وأنه صادق. روى أن عبد الله بن أمية المخزومى قال: إن كنت رسول الله الذى تصفه بالقدرة على كل شئ، وأنت عنده عزيز، فهلا أنزل عليك ما تستغنى به أنه وأصحابك، وهلا نزل ملك يصدقك فتزول الشبهة، فالمراد بقوله: {أن يقولوا} أن يعبدوا القول بأن يتكرر فيهم تبعا لمن قاله أولا. {إنما أنتَ نذِيرٌ} هذا حصر إضافى منظور فيه إلى ما اقترحوه، وإلا فهو بشير وغير ذلك، فكأنه قيل: أنت مقصور على الإنذار لا تتجاوزه إلى إنزال كنز عليك، ومجئ ملك معك يصدقك، بل الإنذار يتضمن التبشير، لأنه قد قرر لهم أنه لا منزل إما الجنة أو النار، فإنذاره بالنار لمن لم يتب والتبشير بالجنة لمن تاب. {واللهُ عَلى كلِّ شيءٍ وَكيلٌ} فهو حافظ لأقوالهم وأفعالهم، فيجازيهم عليها.
اطفيش
تفسير : {فَلَعَلَّكَ} تفريع على ما تقدم من استهزائِهم ومساوئِهم، وكأَنه قيل إِذا تحقق شأْنهم فى قلبك فلعلك {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} الله عالم بكل شىءٍ فلا يتوقع والرسول صلى الله عليه وسلم لا يترك ولا يهم بالترك، فطريق لعل هنا طريق إِن الشرطية قبلها والجزم بعد ذلك، باعتبار نفس الأَمر، فإِنما جاءَت لعل باعتبار المخلوق فى بادىءِ الرأْى إِذا رأَى تلهفه صلى الله عليه وسلم، أَو باعتباره صلى الله عليه وسلم قبل أَن يعلم أَن الله عصمه من الخيانة فى التبليغ والتقية فيه أَو بعد علمه لكن يغلبه التلهف حتى يكون كغيره، وأَما ما قيل فى الجواب عن ذلك من أَنه لا يلزم من توقع الشىءِ لوجود ما يدعو إِليه وقوعه لجواز أَن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل من الخيانة فى الوحى والتقية فى التبليغ مانعاً فلا يتم جواباً لأَنه لا يبقى توقع مع العلم بالعصمة أَو التوقع باعتبار المشركين، أَى بلغ بك الجهد فى التبليغ أَنهم يتوقعون منك ترك تبليغ البعض ويجوز أَن تكون للاستبعاد المتضمن للنهى كما تقول لمن حرص جداً لعلك تطير إِلى السماءِ، أَى لا تحرص ذلك الحرص أَو للاستفهام الإِنكارى كما قيل فى قوله صلى الله عليه وسلم لعلك أَعجلناك، استبعد ذلك أَو أَنكر العصمة وذلك البعض هو ما اشتد المشركون فى إِنكار آلهتهم، وذلك لمخافة ردهم عليه واستهزائِهم يصعب عليه أَن يردوا كلام الله أَو يستهزِئُوا به، ويجوز أَن يكون المعنى كأَنى بك ستترك بعض ما يوحى إِليك على معنى أَن حالك تشبه حال من يقال له ذلك، ولا ينافيه قوله إِن يقولوا لولا إِلخ، لأَن قوله هذا علة لقوله ذلك ويجوز أَن يكون المعنى ستترك بعض ما يوحى إِليك مما يشق عليك بأَدنى، وهو أَن يرخص لك فيه كأَمر الواحد للعشرة إِذ ردوا إِلى واحد باثنين على أَن يراد ترك الجدال بالقرآن إِلى القتال لأَن السورة مكية {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} عطف على تارك وصدر فاعل أَو مبتدأٌ لضائِق والجملة معطوفة على تارك ونقل ضيقاً بشد الياءِ إِلى ضائِق للدلالة على الحدود لا لمشاركة تارك كما قيل، وذلك كقولك فى كريم كارم أَى حادث الكرم فى الماضى لا الحال أَو الاستقبال، وذلك مقيس كما قال ابن مالك: أَى يعرض لك أَحياناً ضيق صدرك ببعض ما يوحى إِليك، أَى بتلاوته على الكفرة لا لذاته بل لإِنكارهم واستهزائِهم {أَنْ يَقُولُوا} مخافة أَن يقولوا أَو حذر أَن يقولوا، أَو لئَلا يقولوا وبأَن لا يقولوا {لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} ويجوز أَن يكون الهاءُ لمبهم يفسر أَن يقولوا فمصدر يقول بدل من هاءِ به بدل مطابق ولا يجوز أَن يقدر هنا ليقولوا لأَنه ليس يضيق صدره ليثبت قولهم، ولا يقدر أَيضاً لئلا يقولوا لأَنه أَيضاً لا يضيق لانتفاءِ القول وفى الآية دلالة على أَنه صلى الله عليه وسلم راسخ الصبر وفسيح الصدر، فإِن حصل ضيق فحادث عارض يزول، وذلك أَنه لم يقل ضيق، ومعنى نزول الكنز عليه حصوله له لا خصوص ونزوله من السماءِ كما قال وأَنزلنا الحديد والمراد المال الكثير الذى من شأْنه أَن يدفن مخافة عليه أَو وجه ذلك أَن مرادهم التعجيز فأَرادوا كنزا من غير محله وهو السماءُ ومحله الأَرض فيحتمل أَنهم شبهوا السماءَ بالأَرض، ورمزوا لذلك بالكنز أَو شبهوا الإِنزال من السماءِ بالإِخراج من الأَرض ورمزوا لذلك بالكنز، قال رؤُساءُ مكة: اجعل جبال مكة ذهباً وفضة تنفقها على أَهلك وأَصحابك وتكثر به جنودك، أو جىء بملك يصدقك وجىء بقرآن ليس فيه إِبطال آلهتنا، خيروه فى ذلك، وقيل: قالت طائفة لولا أُنزل عليه كنز وقالت طائِفة هلا جاءَ معه ملك، أَو قائِل ذلك عبدالله بن أُمية ورضوا به فنسب للكل، قيل هم النبى صلى الله عليه وسلم أَن لا يذكر الآيات التى فيها ذم آلهتهم فنزلت الآية، وهذا لا يصح بظاهره لأَنه صلى الله عليه وسلم لا يهم بما لا يجوز فكيف فى شأْن التبليغ والتوحيد ولعل المراد بالهم الخطور فى باله كما هو شأْن البشر لا حقيقة الاهتمام بإِيقاع ولا يثبت ولو أَقل من لحظة {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} جوابا من الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم كأَنه قيل قل إِنما أَنا نذير، إِنما على التبليغ لا الإِتيان بما اقترحتموه فلا يضق صدرك بقولهم ولا سيما أَن الله عز وجل منتقم منهم لذلك كما قال {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} أَى حفيظ فيجازيهم على كفرهم ويجازيك على إِيمانك فتوكل عليه عز وجل ففى ذكر وكيل أَمر بالتوكل.
الالوسي
تفسير : {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به، فاسم الفاعل للمستقبل ولذا عمل. و ـ لعل ـ للترجي وهو يقتضي التوقع ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه ولا ترجح وقوعه لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل بأن توقع ترك التبليغ منه صلى الله عليه وسلم مما لا يليق بمقام النبوة، والمانع من ذلك فيه عليه الصلاة والسلام عصمته كسائر الرسل الكرام عليهم السلام عن كتم الوحي المأمور بتبليغه والخيانة فيه وتركه تقية، والمقصود من ذلك تحريضه صلى الله عليه وسلم وتهييج داعيته لأداء الرسالة، ويقال نحو ذلك في كل توقع نظير هذا التوقع، وقيل: إن التوقع تارة يكون للمتكلم وهو الأصل / لأن المعاني الإنشانئية قائمة به، وتارة للمخاطب، وأخرى لغيره ممن له تعلق وملابسة به، ويحتمل أن يراد هنا هذا الأخير ويجعل التوقع للكفار، والمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم ما أوحى إليك أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، وقيل: إن ـ لعل ـ هنا ليست للترجي بل هي للتبعيد، وقد تستعمل لذلك كما تقول العرب: لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه، فالمعنى لا تترك. وقيل: إنها للاستفهام الإنكاري كما في الحديث «حديث : لعلنا أعجلناك»تفسير : واختار السمين وغيره كونها للترجي بالنسبة إلى المخاطب على ما علمت آنفاً، ولا يجوز أن يكون المعنى كأني بك ستترك بعض ما أوحي إليك مما شق عليك بإذني ووحي مني، وهو أن يرخص لك فيه كأمر الواحد بمقاومة عشرة إذ أمروا بمقاومة الواحد لاثنين وغير ذلك من التخفيفات لأنه وإن زال به الإشكال إلا أن قوله تعالى بعد {أَنْ يَقُوْلُواْ} يأباه، نعم قيل: لو أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد والضرب والطعان ـ لأن هذه السورة مكية نازلة قبل الأمر بالقتال ـ صح لكن في «الكشف» بعد كلام: إعلم لو أخذت التأمل لاستبان لك أن مبنى هذا السورة الكريمة على إرشاده تعالى كبرياؤه نبيه صلى الله عليه وسلم إلى كيفية الدعوة من مفتتحها إلى مختتمها وإلى ما يعتري لمن تصدى لهذه الرتبة السنية من الشدائد واحتماله لما يترتب عليه في الدارين من العوائد لا على التسلي له عليه الصلاة والسلام فإنه لا يطابق المقام، وانظر إلى الخاتمة الجامعة أعني قوله سبحانه: {أية : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ }تفسير : [هود: 123] تقض العجب وهو يبعد هذه الإرادة إن قلنا: إن ذلك من باب التخفيف المؤذن بالتسلي فتأمله. والضمير في قوله سبحانه: {وَضَآئِقٌ بِهِ} لـِ {مَا يُوحَىٰ} أن للبعض وهو الظاهر عند أبـي حيان، وقيل: للتبليغ أو للتكذيب، وقيل: هو مبهم يفسره {أَن يَقُولُواْ}، والواو للعطف {وَضَآئِقٌ} قيل: عطف على {تَارِكٌ} وقوله تعالى: {صَدْرُكَ} فاعله، وجوز أن يكون الوصف خبراً مقدماً و {صَدْرُكَ} مبتدأ والجملة معطوفة على {تَارِكٌ}، وقيل: يتعين أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها حالية لأن هذا واقع لا متوقع فلا يصح العطف، ونظر فيه بأن ضيق صدره عليه الصلاة والسلام بذلك إن حمل على ظاهره ليس بواقع، وإنما يضيق صدره الشريف لما يعرض له في تبليغه من الشدائد، وعدل عن ضيق الصفة المشبهة إلى ـ ضائق ـ اسم الفاعل ليدل على أن الضيق مما يعرض له صلى الله عليه وسلم أحياناً، وكذا كل صفة مشبهة إذا قصد بها الحدوث تحول إلى فاعل فتقول في سيد وجواد وسمين مثلاً: سائد وجائد وسامن، وعلى ذلك قول بعض اللصوص يصف السجن ومن سجن فيه: شعر : بمنزلة أما اللئيم (فسامن) بها وكرام الناس باد شحوبها تفسير : وظاهر كلام البحر أن ذلك مقيس فكل ما يبنى من الثلاثي للثبوت والاستقرار على غير وزن فاعل يرد إليه إن أريد معنى الحدوث من غير توقف على سماع، وقيل: إن العدول لمشاركة {تَارِكٌ} وليس بذلك. {أَن يَقُولُواْ لَوْلآ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} أي مال كثير، وعبروا بالإنزال دون الإعطاء لأن مرادهم التعجيز بكون ذلك على خلاف العادة لأن الكنوز إنما تكون في الأرض ولا تنزل من السماء، ويحتمل أنهم أرادوا بالإنزال الإعطاء من دون سبب عادي كما يشير إليه سبب النزول أي لولا أعطي ذلك ليتحقق عندنا صدقه. {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدقه لنصدقه، روي أنهم قالوا: اجعل لنا جبال مكة ذهباً أو ائتنا بملائكة يشهدون بنبوتك إن كنت رسولاً فنزلت، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن كلاً من القولين قالته طائفة / فقال عليه الصلاة والسلام: لا أقدر على ذلك فنزلت، وقيل: القائل لكل عبد الله بن أمية المخزومي، ووجه الجمع عليه يعلم مما مر غير مرة، ومحل {أَن يَقُولُواْ} نصب أو جر وكان الأصل كراهة أو مخافة أن يقولوا أو لئلا أو لأن أو بأن يقولوا، ولوقوع القول قالوا: إن المضارع بمعنى الماضي، و {أَن} المصدرية خارجة عن مقتضاها، ورجحوا تقدير الكراهة على المخافة لذلك، وقد يراد عند تقديرها مخافة أن يكرروا هذا القول؛ واختار بعض أن يكون المعنى على الجميع أن يقولوا مثل قولهم لولا الخ ـ فإن ـ على مقتضاها، ولا يرد شيء. {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي [إليك] غير مبال بما يصدر عنهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي قائم به وحافظ له فيحفظ أحوالك وأحوالهم فتوكل عليه في جميع أمورك فإنه فاعل بهم ما يليق بحالهم، والاقتصار على النذير في أقصى غاية من إصابة المحز، والآية قيل: منسوخة، وقيل: محكمة.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قولِه {أية : وَلَئِنْ قُلْت إنّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد الْمَوْت} تفسير : [هود: 7] إلَى قوله {أية : يَسْتَهْزئُون}تفسير : [هود: 8] مِن ذكر تكذيبهم وعنادهم. يشير هذا التّفريع إلى أنّ مضمون الكلام المفرع عليه سبب لتوجيه هذا التوقع لأنّ من شأن المفرع عليه اليأس من ارعوائهم لتكرر التكذيب والاستهزاء يأساً قد يَبْعَثُ على ترك دعائهم، فذلك كله أفيد بفاء التفريع. والتوقع المستفاد من (لعل) مستعمل في تحذير من شأنه التبليغ. ويجوز أن يقدّر استفهام حذفت أداته. والتقدير: ألَعَلّكَ تارك. ويكون الاستفهام مستعملاً في النفي للتحذير، وذلك نظير قوله تعالى: {أية : لَعَلّكَ بَاخِعٌ نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3]. والاستفهام كناية عن بلوغ الحالة حداً يوجِبُ توقع الأمر المستفهَم عنه حتى أنّ المتكلّم يستفهم عن حصوله. وهذا أسلوب يقصد به التحريك من همة المخاطب وإلهابُ همته لدفع الفتور عنه، فليس في هذا تجويز ترك النّبيّء صلى الله عليه وسلم تبليغ بعض ما يوحى إليه، وذلك البعض هو مّا فيه دعوتهم إلى الإيمان وإنذارهم بالعذاب وإعلامهم بالبعث كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى {أية : وإذَا لَمْ تَأتِهِمْ بِآيَةٍ قَالوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتهَا}تفسير : [الأعراف: 203]. والمعنى تحذيره من التأثّر بعنادهم وتكذيبهم واستهزائهم، ويستتبع ذلك تأييسَ المشركين من تركه ذكر البعث والإنذار بالعذاب، فالخطاب مستعمل في حقيقته ومراد منه مع ذلك علم السامعين بمضمونه. {وضائق}: اسم فاعل من ضاق. وإنما عدل عن أن يقال (ضيّق) هنا إلى {ضائق} لمراعاة النظير مع قوله: (تارك) لأنّ ذلك أحسن فصاحة. ولأنّ {ضائق} لاَ دَلالَة فيه على تمكّن وصف الضّيْق من صدره بخلاف ضيّق، إذ هو صفة مشبهة وهي دالة على تمكن الوصف من الموصوف، إيماء إلى أنّ أقْصَى ما يتوهّم توقعه في جانبه صلى الله عليه وسلم هو ضَيْق قليل يعرض له. والضيق مستعمل مجازاً في الغم والأسف، كما استعمل ضده وهو الانشراح في الفرح والمسرة. و{ضائق} عطف على {تارك} فهو وفاعله جملة خبر عن (لعلّك) فيتسلط عليه التفريع. والباء في {بِه} للسببية، والضمير المجرور بالباء عائد على ما بعده وهو {أن يقولوا}. و{أن يقولوا} بدل من الضمير. ومثل ذلك مستعمل في الكلام كقوله تعالى: {أية : وأسروا النّجْوَى الّذينَ ظَلَموا}تفسير : [الأنبياء: 3]، فيكون تحذيراً من أن يضيق صدره لاقتراحهم الآيات بأن يقولوا: {لولا أنزل عليه كنزٌ أو جاء معه ملكٌ}، ويحصل مع ذلك التحذير من أن يضيق صدره من قولهم:{ أية : إن هذا إلاّ سِحْرٌ مبِين}تفسير : [هود: 7]، ومن قولهم: ما يَحْبس العذاب عنا، بواسطة كون {ضائق} داخلاً في تفريع التحذير على قولَيْهم السّابقَيْن. وإنما جيء بالضمير ثم أبدل منه لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل ليكون أشد تمكّناً في الذهن، ولقصد تقديم المجرور المتعلق باسم الفاعل على فاعله تنبيهاً على الاهتمام بالمتعلّق لأنّه سبب صدور الفعل عن فاعله فجيء بالضمير المفسر فيما بعدُ لما في لفظ التفسير من الطول، فيحصل بذكره بُعد بين اسم الفاعل ومرفوعه، فلذلك اختصر في ضمير يعود عليه، فحصَل الاهتمام وقُوّيَ الاهتمام بما يدل على تمكنه في الذهن. ومعظم المفسرين جعلوا ضمير {به} عائداً إلى {بعض ما يوحى إليك}. على أن ما يوحى إليه سبب لضيق صدره، أي لا يضيق له صدرك، وجعلوا {أن يقولوا} مجروراً بلام التعليل مقدرة. وعليه فالمضارع في قوله: {أن يقولوا} بمعنى المضي لأنهم قالوا ذلك. واللام متعلقة بـ{ضائق} وليس المعنى عليه بالمتين. و{لولا}: للتحضيض، والكنز: المال المكنوز أي المخبوء. وإنزاله: إتيانه من مكان عَال أي من السماء. وهذا القول صدر من المشركين قبل نزول هذه الآية فلذلك فالفعل المضارع مراد به تجدد هذا القول وتكرره منهم بقرينة العلم بأنه صدر منهم في الماضي، وبقرينة التحذير من أن يكون ذلك سبباً في ضيق صدره لأن التحذير إنما يتعلق بالمستقبل. ومرادهم بـ{جاء معه ملك} أن يجيء ملك من الملائكة شاهداً برسالته، وهذا من جهلهم بحقائق الأمور وتوهمهم أنّ الله يعبأ بإعراضهم ويتنازل لإجابة مقترح عنادهم، ومن قصورهم عن فهم المعجزات الإلهية ومَدى التأييد الربّاني. وجملة {إنّمَا أنْتَ نَذيرٌ} في موقع العلّة للتحذير من تركه بعض ما يوحى إليه وضيق صدره من مقالتهم. فكأنه قيل لا تترك إبلاغهم بعض ما يوحى إليك ولا يضق صدرك من مقالهم لأنك نذيرٌ لاَ وَكيل على تحصيل إيمانهم، حتى يترتب على يأسك من إيمانهم تركُ دعوتهم. والقصر المستفاد من {إنما} قصر إضافي، أي أنت نذير لا موكّل بإيقاع الإيمان في قلوبهم إذ ليس ذلك إليك بل هو لله، كما دلّ عليه قوله قبله {فَلَعَلّك تَاركٌ بعضَ مَا يوحَى إلَيْكَ وَضَائِقٌ بِه صَدْرُكَ} فهو قصر قلب. وفيه تعريض بالمشركين برد اعتقادهم أنّ الرسول يأتي بما يُسأل عنه من الخوارق فإذا لم يأتهم به جعلوا ذلك سنداً لتكذيبهم إيّاه رداً حاصلاً من مستتبعات الخطاب، كما تقدم عند قوله تعالى: {فَلَعَلّكَ تَاركٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إلَيْكَ} إذ كثر في القرآن ذكر نحو هذه الجملة في مقام الردّ على المشركين والكافرين الذين سألوا الإتيان بمعجزات على وفق هواهم. وجملة {وَاللّه عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيل} تذييل لقوله: {فَلَعَلّكَ تَاركٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إلَيْكَ} إلى هنا، وهي معطوفة على جملة {إنما أنت نذير} لما اقتضاه القصر من إبطال أن يكون وكيلاً على إلجائهم للإيمان. ومما شمله عموم {كل شيء} أن الله وكيل على قلوب المكذبين وهم المقصود، وإنما جاء الكلام بصيغة العموم ليكون تذييلاً وإتياناً للغرض بما هو كالدّليل، ولينتقل من ذلك العموم إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله مطلع على مكر أولئك، وأنه وكيل على جزائهم وأن الله عالم ببذل النبي جهده في التبليغ.
الواحدي
تفسير : {فلعلك تاركٌ...} الآية. قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتابٍ ليس فيه سبُّ آلهتنا حتى نتَّبعك، وقال بعضهم: هلاَّ اُنزل عليك مَلَكٌ يشهد لك بالنُّبوَّة والصِّدق، أو تُعطى كنزاً تستغني به أنت وأتباعك، فهمَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يدع سبَّ آلهتهم، فأنزل الله تعالى: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} أَيْ: لعظيم ما يَرِدُ على قلبك من تخليطهم تتوهَّم أنَّهم يُزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربِّك {وضائق به صدرك أن يقولوا} أَيْ: ضائق صدرك بأن يقولوا {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير} عليك أن تُنذرهم، وليس عليك أن تأتيهم بما يقترحون {والله على كلِّ شيء وكيل} حافظٌ لكلِّ شيءٍ. {أم يقولون} بل أيقولون {افتراه} افترى القرآن وأتى به من قبل نفسه {قل فأتوا بعشر سورٍ مثله} مثل القرآن في البلاغة {مُفترياتٍ} بزعمكم {وادعوا من استطعتم من دون الله} إلى المعاونة على المعارضة {إن كنتم صادقين} أنَّه افتراه. {فإلّم يستجيبوا لكم} فإن لم يستجب لكم مَنْ تدعونهم إلى المعاونة، ولم يتهيَّأ لكم المعارضة فقد قامت عليكم الحجَّة {فاعلموا أنما أُنْزِلَ بعلم الله} أَيْ: أُنزل والله عالمٌ بإنزاله، وعالمٌ أنَّه من عنده {فهل أنتم مسلمون} استفهامٌ معناه الأمر، كقوله: {أية : فهل أنتم منتهون }.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 12- لا تحاول - أيها النبى - إرضاء المشركين لأنهم لا يؤمنون، وعساك إن حاولت إرضاءهم أن تترك تلاوة بعض ما يوحى إليك مما يشق سماعه عليهم، كاحتقار بعض آلهتهم، خوفاً من قبح ردهم واستهزائهم، وعسى أن تحس بالضيق وأنت تتلوه، لأنهم يطلبون أن ينزل الله عليك كنزاً تنعم به كالملوك، أو يجئ معك مَلَك يخبرهم بصدقك، فلا تبال - أيها النبى - بعنادهم، فما أنت إلا منذر ومحذِّر من عقاب الله من يخالف أمره، وقد فعلت فأرِحْ نفسك منهم. واعلم أن الله على كل شئ رقيب ومهيمن، وسيفعل بهم ما يستحقون. 13- إن القرآن فيه الآية الدالة على صدقك، فإن قالوا: إنه ألَّفه من عنده أو افتراه على الله، فقل لهم: إن كان هذا القرآن من عند بشر، أمكن للبشر أن يأتوا بمثله، وأنتم فصحاء البشر. فأتوا بعشر سور مثله مُختَلَقَات، واستعينوا بما يمكنكم الاستعانة به من الإنس والجن، إن كنتم صادقين فى دعواكم أنه كلام بشر. 14- فإن عجزتم، وعجز من استعنتم بهم فأتوا بمثله ولو مُفْترىً، فاعلموا أن هذا القرآن ما أنزل إلا مقترناً بعلم الله، فلا يعلم علمه أحد، واعْلموا أنه لا إله إلا الله فلا يعمل عمله أحد. فأسلموا بعد قيام هذه الحُجة عليكم، إن كنتم طالبين للحق. 15- من كان يطلب الحياة الدنيا، والتَّمتع بلذاتها وزينتها، نعطهم ثمرات أعمالهم وافية لا ينقص منها شئ. 16- هؤلاء الذين قصروا هممهم على الدنيا، ليس لهم فى الآخرة إلا عذاب النار، وبَطَل نفع ما صنعوه فى الدنيا لأنه لم يكن للآخرة فيه نصيب، وهو فى نفسه باطل أيضاً، لأن العمل الذى لا يفيد السعادة الدائمة كأنه لم يكن.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلعلك: للاستفهام الإِنكاري أي لا يقع منك ترك ولا يضق صدرك. ضائق به صدرك: أي بتلاوته عليهم كراهية أن يقولوا كذا وكذا. كنز: مال كثير تنفق منه على نفسك وعلى أتباعك. وكيل: أي رقيب حفيظ. افتراه: اختلقه وكذبه. من استطعتم: من قدرتم على دعائهم لإِعانتكم. فهل أنتم مسلمون: أي أسلموا لله بمعنى انقادوا لأمره وأذعنوا له. معنى الآيات: بعد أن كثرت مطالبة المشركين الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحول لهم جبال مكة ذهباً في اقتراحات منها لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي لا تتلوه على المشركين ولا تبلغهم إياه لتهاونهم به وإعراضهم عنه {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} أي بالقرآن، كراهة أن تواجههم به فيقولوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} أي مال كثير يعيش عليه فيدل ذلك على إرسال الله له {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يدعو بدعوته ويصدقه فيها ويشهد له بها فلا ينبغي أن يكون ذلك منك أي فبلغ ولا يضق صدرك {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} أي محذر عواقب الشرك والكفر والمعاصي، والله الوكيل على كل شيء أي الرقيب الحفيظ أما أنت ليس عليك من ذلك شيء. وقوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل يقولون افتراه أي افترى القرآن وقال من نفسه بدون ما أوحي إليه، قل في الرد عليهم {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} دعوتهم لإِعانتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم أني افتريته، فإِن لم تستطيعوا ولن تستطيعوا فتوبوا إلى ربكم وأسلموا له. وقوله {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي قل لهم يا رسولنا فإِن لم يستجب لنصرتكم من دعوتموه وعجزتم {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} أي أنزل القرآن متلبساً بعلم الله وذلك أقوى برهان على أنه وحيه وتنزيله {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه، وأخيراً {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي أسلموا بعد قيام الحجة عليكم بعجزكم، وذلك خير لكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ولاية الله لرسوله وتسديده له وتأييده. 2- بيان ما كان عليه المشركون من عناد في الحق ومكابرة. 3- بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لَمْ يُكَلَّفْ هداية الناس وإنما كلف إنذارهم عاقبة كفرهم وعصيانهم، وعلى الله تعالى بعد ذلك مجازاتهم. 4- تحدي الله تعالى منكري النبوة والتوحيد بالإِتيان بعشر سور من مثل القرآن فعجزوا وقامت عليهم الحجة وثبت أن القرآن كلام الله ووحيه وأن محمداً عبده ورسوله وأن الله لا إله إلا هو.
القطان
تفسير : وضائق به صدرك: تحس بالغم والحزن. كنز: أصل الكنز المالُ المدفون تحت التراب، وكل مال مدخر فهو كنز. افتراه: جاء به من عنده كذبا. لا تحاول ايها النبيُّ إرضاءَ المشركين، فهم لا يؤمنون. ولعلّك يا محمد تاركٌ تلاوةَ بعضِ ما يوحى اليك مما يشُقُّ سماعه على المشركين، بل قد تحسّ بالضِيق وانت تتلو عليهم ما لايقبلون. {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ}. إنهم يطلبون ان يُنزل اللهُ عليك كنزا، او يجيء مَلَك يؤَيّدك في دعوتك، فلا تبالِ بعنادهم. {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}. فأنت منذِر ومحذِّر من عقاب الله لمن يخالف أمره، وقد أدّيتَ رسالتك، وليس عليك من أعمالهم شيء. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. لقد تكرر هذا القول، وتكرر التحدي، فقد جاء في سور {البقرة الآية: 23] قوله تعالى: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...الآية} تفسير : وفي سورة [يونس الآية 38] {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ... الآية} تفسير : أما هنا في سورة هود فالوضع فيه تحدٍّ، لكنّه يختلف عن السورتين السابقتين، فالله تعالى يقول لهم: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}، أي فاتوا بمثله ولم كَذِباً مفترى. والمعنى: قل لهم: إن كان هذا القرآن مما افتريتُه على الله من عندي، فإن كنتُم صادقين في دعواكم هذه، فهاتوا من عندكم عشرَ سُورٍ مثله مفتريات مكذوبات، واستعينوا في ذلك بكل من تستطيعون من فصحائكم وبُلغائكم وشعرائكم وجنّكم وإنسكم. فالقرآن الكريم معجز باسلوبه، وبما فيه من القصص الصادق، وما فيه من العلوم الكونية التي اشار اليها، ولم تكن معروفة في عصر نزوله، وفي الاحكام التي اشتمل عليها. {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}. فان عجزتم وعجز من استعنتم بهم، فاعلموا ان هذا القرآن انما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمقتضى علم الله وارادته، ولا يقدر عليه محمد ولا غيره ممن تدعون زورا انهم أعانوه. واعلموا انه لا إله الا الله، فلا يعمل عمله احد، فهل انتم بعد ان قامت عليكم الحجة داخلون في الاسلام الذي ادعوكم اليه بهذا القرآن؟ وان هذا التحدي لايزال قائما الى يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ضَآئِقٌ} (12) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ عَنَتِ المُشْرِكِينَ، وَمِن تَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَارِكٌ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّسُولُ إِبْلاَغَ المُشْرِكِينَ بَعْضَ مَا يُوحِيهِ إِليْكَ رَبُّكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهُ، كَالأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالنَّهِيِ عَنِ الشِّرْكِ، وَضَائِقٌ صَدْرُكَ أَنْ تُبَلِغَهُمْ إِيَّاهُ؟ ثُمَّ أَرْشَدَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم إِلى أَنَّ عَلَيْهَ أَنْ لاَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِذَلِكَ، وَأَنْ لاَ يُصْرِفَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَثْنِيهِ عَنْ دَعْوَتِهِمْ إِلى اللهِ، آَنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَأَنْ لاَ يَتَضَايَقَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لِمَاذَا لاَ يُنْزِلُ رَبُّهُ عَلَيْهِ كَنْزاً، أَوْ يُرْسِلُ مَعَهُ مَلكاً يُصَدِّقُهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأَقْوَالِ المْتَعَنِّتَةِ .... وَيُخْبِرُ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَذِيرٌ مِنَ اللهِ إِلى النَّاسِ، يُبَلِّغُهُمْ مَا يُؤْمرُ بِإِبْلاَغِهِ، وَاللهُ هُوَ القَادِرُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ لَوْ شَاءَ، وَهُوَ الوَكِيلُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ فِي الكَوْنِ. وَكِيلٌ - قَائِمٌ بِهِ، حَافِظٌ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا نجد الحق سبحانه يأتي بصيغة الاستفهام في قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ..} [هود: 12]. وهو استفهام في معرض النهي. ولله المثل الأعلى - أنت قد تقول لابنك لتحثَّه على الاجتهاد: "لعلَّك سُررت من فشل فلان" وفَحْوَى هذا الخطاب، استفهام في معرض النهي، وهو استفهام يحمل الرجاء. وهنا تجد أن الراجي هو ربك - سبحانه وتعالى - الذي أرسلك بالدعوة. ولذلك يأتي قول الحق سبحانه مُبيِّناً: لا يضيق صدرك يا رسول الله من هؤلاء المتعنتين، الذين يريدون أن يخرجوك عن مقامك الذي تلحُّ دائماً في التأكيد عليه، فأنت تؤكد لهم دائماً أنك بشرٌ، وكان المفروض فيهم أن تكون مطلوباتهم منك على مقدار ما أقررت على نفسك، فأنت لم تَقُلْ أبداً عن نفسك إنك إله، ليطلبوا منك آيات تُخالف النواميس، بل أنت مُبلِّغ عن الله تعالى. وإياك أن يضيق صدرك فلا تُبلغهم شيئاً مما أنزِلَ إليك؛ لأن البلاغَ هو الحُجَّة عليهم، فلو ضاق صدرُك منهم، وأنقصتَ البلاغ الموكَّل إليك؛ لأنهم كلما أبلغوا بآية كذَّبوها، فاعلمْ أن الله سبحانه وتعالى سوف يزيد عقابهم بقدر ما كذَّبوا. وكلمة "ضائق" اسم فاعل، ويعني أن الموصوف به لن يظل محتفظاً بهذه الصفة لتكون لازمة له، ولكنها تعبِّر عن مرحلة من المراحل، مثلما نقول: "فلان نَاجِر" أي: أنه قادر على القيام بأعمال النجارة مرَّة واحدة - أو قليلاً - ولا يحترف هذا العمل. وكذلك كلمة "ضائق" وهي تعبِّر في مرحلة لا أكثر مِنْ فَرْط ما قابلوا الرسول صلى الله عليه وسلم من إنكار، وما طالبوا به من أشياء تخرج عن نطاق إنسانيته، فقد طالبوا هنا أن ينزل عليه كَنْزٌ. وقد جاء الحق سبحانه بذكر مسألة الكنز؛ ليدلنا على مدى ما عندهم من قيم الحياة، فقيمة القيم عندهم تركزَّتْ في المال؛ ولذلك تمنَّوا لو أن هذا القرآن قد نزل على واحد من الأثرياء، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: فلم يكن اعتراضهم على القرآن، بل على مَنْ نزل عليه القرآن. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها، طلبوا أن ينزل إليه كَنْزٌ، وقد ظنوا أن الثراء سيلهيه هو ومَنْ معه عن الدعوة إلى الله تعالى ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل. وهكذا وضح لمن عرض عليه هذا الأمر أن مسألة الكنز لا تشغله صلى الله عليه وسلم. والكَنْزُ - لغويّاً - هو الشيء المجتمع، فإن كانت الماشية - مثلاً - مليئة باللحم يقال لها: "مُكْتَنِزَةٌ لحماً" ولكن كلمة "الكنز" أطلقت على الشيء الذي هو ثمن لأي شيءٍ، وهو الذهب. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ..}تفسير : [التوبة: 34]. ونحن نعلم أن هناك فارقاً بين الرزق المباشر والرزق غير المباشر، فالرزق الغير مباشر هو ما تنتفع به، طعاماً أو شراباً، وهناك شيء يأتي لك بالرزق الغير مباشر؛ لكنه لا يُغني عن الرزق المباشر المستمر. فلو أن إنساناً في صحراء ومعه قناطير مقنطرة من الذهب، ولا يجد طعاماً ولا شربة ماء، ماذا يفعل له الذهب؟ ولو عرض عليه إنسانٌ آخر رغيف خبز وشربة ماء مقابل كل ما يملك من ذهب لوافق على الفور. وهنا لا يكون التقييم أن قنطار الذهب مقابل الرغيف وشربة الماء، ولكن قنطار الذهب هنا مقابل استمرار الحياة وضرورة الحاجة. إذن: معنى كلمة "كنز" هو نقد من الذهب والفضة مجتمعاً، ويقال عنه بالعامية عندنا في مصر: "نقود تحت البلاطة"، ولكن إذا أدَّى صاحب هذا النقد حقَّ الله تعالى فيما ادَّخره، لا يُعتبر كَنْزاً؛ لأن الشرط في الكَنْزِ أن يكون مَخفيّاً، والزكاة التي تُخرَج من المال المدَّخر توضح للمجتمع أن صاحب المال لا يُخفى ما عنده. ولذلك لا يُسمَّى الكَنْزُ إلاَّ للشيء المجتمع وممنوع منه حق الله تعالى، فإنْ أدَّى حقُّ الله سبحانه فقد رُفعَتْ عنه الكَنزية؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : .. وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [التوبة: 34]. ومن هذا القول الكريم نفهم أن مَنْ يملك مالاً ويؤدِّي حقَّ الله فيه، لا يُعتبر كَنْزاً، وحين تُنقِص الزكاةُ المالَ في ظاهر الأمر، فهي تدفع الإنسان إلى أن يُحْسِن استثمار هذا المال؛ حتى لا يفقده على مدار أربعين عاماً، بحكم أن زكاة المال هي اثنان ونصف في المائة؛ ولذلك يحاول صاحب المال أن يُثمِّره، وهو بذلك يُهيِّىء فرصة لغير واجدٍ وقادرٍ لأن يعمل، وبذلك تقلُّ البطالة. وقد تكون أنت صاحب المال؛ لكنك لا تفهم أسرار التجارة والصناعة، فتشارك مَنْ يفهم في التجارة أو الصناعة، وبذلك تفتح أبواب فرص عمل لمن لا عمل له وقادر على إدارة العمل. هذه هي إرادة الحق سبحانه وتعالى في أن يجعل من تكامل المواهب نماءً وزيادة، تكامل مواهب الوَجْد - النقود - ومواهب الجَهْد، وبين الوجد والجهد تنشأ الحركة، ويتفق صاحب المال مع صاحب الجهد على نسب الربح حسب العرض والطلب؛ لأن كل تبادل إنما يخضع لهذا الأمر - العرض والطلب - لأن مثل هذا التعاون بين الواجد والقادر ينتج سلعة، والسلعة لا هَوًى لها، ولكن من يملك السلعة ومن يشتري السلعة لهما هوى، فمالكُ السلعة يرغب في البيع بأعلى سعر، ومن يرغب في شراء السلعة يريدها بأقل سعر، لكن السلعة نفسها لا هوى لها. وما دام العرض والطلب هو الذي يتحكَّم في السلع، فهذا توازن في ميزان الاقتصاد. وعلى سبيل المثال: إن عُرضت اللحوم بسعر مرتفع، فكبرياء الذات في النفس البشرية تدفع غير القادر لأن يقول: إن تناول اللحم يرهقني صحيّاً. ويتجه إلى الأطعمة الأخرى التي يقدر على ثمنها؛ لأن السلعة هي التي تتحكم، أما إذا تدخل أحدٌ في تسعير السلع، بأن اكتنز المال، ولم يخرجه للسوق لاستثماره، حينئذ تختفي قدرة الحركة لصاحب المال، ولا يجد صاحب الموهبة مجالاً لإتقان صنعته. وقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية: {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ..} [هود: 12]. فكلمة "لولا" - كما نعلم - للتمني، وهم تمنوا الكنز أولاً، ثم طلبوا مجيء مَلَك، وكيف ينزل المَلَك؟ أينزل على خِلقته أم على خِلْقته بأن يتجسد على هيئة رجل؟ والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ..}تفسير : [الأنعام: 9]. وإن نزل المَلَك على هيئة رجل فكيف يتعرَّفون إلى أصله كمَلَك؟ وهذا غباء في الطلب. وأيضاً قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94-95]. ولو أنزله الحق سبحانه مَلَكاً فسوف يكون من نفس طبيعتهم البشرية، وسوف يلتقي بهم ويتكلم معهم، ولن يستطيعوا تمييزه عن بقية الناس وسوف يُكذِّبونه أيضاً. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه رَدًّا له عن هذا الطلب: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ..} [هود: 12]. وهذا الكلام موجَّه من الله سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ليُلقِّنه الحجة التي يرد بها عليهم، وقد قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه إنه نذير وبشير، وقد طلب غيركم الآيات، وحين جاءت الآيات التي طلبوها لم يؤمنوا، بل ظلُّوا على تكذيبهم؛ فنكَّل الحق سبحانه بهم. إذن: فالعناد بالكفر لا ينقلب إلى إيمان بمجرد نزول الآيات، والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..}تفسير : [الإسراء: 59]. أي: أن الآيات التي طلبها الكافرون لم يأت بها الله سبحانه؛ لأن الأولين قد كذَّبوا بها؛ ولذلك يبلغ الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم هنا بقوله: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ..} [هود: 12]. وهو صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه القرآن بالنذارة والبشارة. ويُنهي الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: {.. وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12]. وأنت حين توكِّل إنساناً في البيع والشراء والهِبَة والنَّقل، وله حرية التصرف في كل ما يخصك، وترقب سلوكه وتصرُّفه، فإنْ أعجبك ظللتَ على تمسكك بتوكيله عنك، وإن لم يعجبك تصرُّفه فأنت تُلْغي الوكالة، هذا في المجال البشري، أما وكالة الله سبحانه وتعالى على الخَلْق فهي باقية أبداً، وإن أبى الكافرون منهم. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ ...}.
الجيلاني
تفسير : {فَلَعَلَّكَ} يا أكمل الرسل من غاية ودادك إيمانهم ومحبتك متابعتهم {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} من عندنا، مشتملاً على توبيخهم وتقريعهم وزجرهم وتشنيعهم، كراهة أن يركنوا عنك ونصرفوا عن متابعتك {وَضَآئِقٌ} أي: بسبب وما يوحى إليك {بِهِ صَدْرُكَ} مخافة {أَن يَقُولُواْ} حين أظهرت عليهم بما أوحيت به: { لَوْلاَ} أي: هلا {أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} بدل هذه التوبيخات والتقريعات من عند ربه ليتابع الناس له {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} مصدق لنوبته ورسالته ليطيعوا ويؤمنوا له طوعاً بلا كلفة، لا تبالِ يا أكمل الرسل بهم وبقولهم {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} بلغ ما أنزل إليك من إنذارهم وتخويفهم، ولا تلتفت إلى ردهم وقبولهم، وتوكل على دينك وثق به، فإنه يكفي عنك مؤمنة شرورهم وضررهم {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} صدر عنهم {وَكِيلٌ} [هود: 12] عليهم يعلم منهم ما هو مستوجب العقوبة والعذاب، وما هو قوي للنوال والثواب، يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته، أو لم يكف بتصديقك القرآن المعجز لأرباب اللسن والبيا في تشددهم في المعارضة والمقاتلة. {أَمْ يَقُولُونَ} مكابرة وعناداً: {ٱفْتَرَاهُ} واختلقه من تلقاء نفسه ونسبه إلى الوحي { قُلْ} لهم يا أ:مل الرسل حين نسبوك إلى الافتراء والاختلاق: {فَأْتُواْ} أيها المكابرون المعاندون {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} أي: مثل أقصر سورة من سور القرآن {مُفْتَرَيَٰتٍ} مختلفات على ما زعمتم مع أنكم أحق باختلافها؛ لكثرة تمرنكم وتزاولكم في أمر الإنشاد والإنشاء، وتتبع كلام البغاء والتعود بممارسة القصص والقصائد، وإن عجزتم عن اختلاقها بأنفسكم، فاستظهروا بإخوانكم ومعاونيكم {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} واتفقوا معهم في اختلافها {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] في ظنكم هذا. {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أيها المؤمنون ولم يأتوا بماتحديتم لهم {فَٱعْلَمُوۤاْ} أيها المؤمنون واطمأنوا وتيقنوا { أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} وبكمال قدرته وإرادته، لا يمكن لأحد من مظاهره ومصنوعاته أن يأتي بمثله ويعارض معه، وكيف لا يعراض معه؛ إذ لا شيء سواه {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ} في الوجود {إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [هود: 14] مناقدون لحكمه مسلمون أموركم كلها إليه، مخلصون مطمئنون، متمكنون في جادة التوحيد، بل أنتم أيها الموحدون المحمديون هكذا. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير: {مَن كَانَ} بارتكاب الأعمال واحتمال شدائدها ومتاعبها {يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} المزخرفة التي تترتب عليها من الأموال والأود {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} لأجلها {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15] أي: لا ينقص شيء من أجور أعمالهم في النشأة الأولى إن كن غرضهم مقصوراً عليها، محصوراً بها. وأمَّا في النشأة الأخرى {أُوْلَـٰئِكَ} القاصرون المقصرون هم {ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي: لم يبقَ لهم مما يترتب على أعمالهم فيها {إِلاَّ ٱلنَّارُ} إذ حسناتهم تفوى إليهم في النشأة الأولى ولم يبقَ لهم إلا توفية السيئات، وليس توفية السيئات إلا بالنار وما يترتب عليها من العذاب والآلام {وَ} بالجملة: {حَبِطَ} وضاع واضمحل {مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي: في النشأة الأولى من الخيرات والمبرات بإرادتهم الأمور الدنيوية لأجلها {وَ} صار بعدم إصلاحهم وعكس مرادهم {بَاطِلٌ} فساد مقتضى {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 16] من الصالحات فيها، وإن ظهر على صورة الصالحات.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن استدعاء الكفار وضيق صدر النبي صلى الله عليه وسلم المختار بقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} [هود: 12] إلى قوله: {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 16] قوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي: لثقله، {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12] بحمله مثل قوله: {أية : وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [التوبة: 20]، {أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود: 12] لئلا يطمع في أموالنا، {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [هود: 12] ليعينه على الجهاد كما جاء جبريل عليه السلام لوطاً ليعينه في إهلاك قومه، ثم قال تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} [هود: 12] يعني: فما عليك ألا التبليغ والإنذار، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] من إنزال الكتب وإرسال الملك والهداية؛ لقبول الدعوة والضلالة لرد الدعوة، فيجري عليهم ما يشاء كما يشاء. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} [هود: 13] محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه فيما يأمرنا من الجهاد بأموالنا وأنفسنا، وفيما يصعب علينا من الأوامر والنواهي، {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} [هود: 13] مثل القرآن المشتمل على الحكم والمعاني والأسرار والأنوار والدقائق والحقائق والفصاحة والبلاغة والهداية والإعجاز والإرشاد إلى سبيل الرشاد، {مُفْتَرَيَٰتٍ} [هود: 13] إن كان مفترى، {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [هود: 13] ليفترى معكم، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] بأنه مفتري ، فإن لما افترى إنسان بقدر إنسان آخر أن يفتري مثله، {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} [هود: 14] أهل العالم جنسه وأنسه في افتراء مثله. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} [هود: 14] لا بعلم الخلق، فإنه فيه الأخبار عما سيأتي وهو يعد في الغيب إلا الله، {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [هود: 14] الذي أنزل القرآن وليس إلا آخر إن ينزل مثل ما أنزل الله، {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [هود: 14] بهذه الدلائل والبراهين التي تلقى الإسلام في الصدور، وتقذف الإيمان في القلوب المستعدة لقبول الإيمان. ثم أخبر عمن يختار الحياة الدنيا وزينة الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والحرث، ولا يختار الآخرة والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس فقال: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود: 15] في طلب الدنيا وشهواتها؛ أي: في الدنيا، {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15] لا ينقصون في الدنيا بما سعوا في طلبه، ولكن لا يقضون في الآخرة من أجورهم وإن كانت الأعمال الأخروية؛ لأنهم طلبوا بذلك الدنيا وأرادوا بها الفاني وآثروها على الباقي. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} [هود: 16] وإن أشد النيران نار القطيعة، {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ} [هود: 16] أعمال الخير، {فِيهَا} [هود: 16] في الدنيا الدنية، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 16] من الأعمال فإن كانت حقاً؛ لأنهم عملوها لغير وجه الله وهو باطل، وبه يشير إلى كل من عمل عملاً يطلب به غير الله بأن عمله ومطلوبه باطل كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أصدق كلمة قالتها العرب: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، عن تكذيب المكذبين-: { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ كَنز } أي: لا ينبغي هذا لمثلك، أن قولهم يؤثر فيك، ويصدك عما أنت عليه، فتترك بعض ما يوحى إليك، ويضيق صدرك لتعنتهم بقولهم: { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ كَنز أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ } فإن هذا القول ناشئ من تعنت، وظلم، وعناد، وضلال، وجهل بمواقع الحجج والأدلة، فامض على أمرك، ولا تصدك هذه الأقوال الركيكة التي لا تصدر إلا من سفيه ولا يضق لذلك صدرك. فهل أوردوا عليك حجة لا تستطيع حلها؟ أم قدحوا ببعض ما جئت به قدحا، يؤثر فيه وينقص قدره، فيضيق صدرك لذلك؟! أم عليك حسابهم، ومطالب بهدايتهم جبرا؟ { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } فهو الوكيل عليهم، يحفظ أعمالهم، ويجازيهم بها أتم الجزاء. { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } أي: افترى محمد هذا القرآن؟ فأجابهم بقوله: { قُلْ } لهم { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنه قد افتراه، فإنه لا فرق بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة، وأنتم الأعداء حقا، الحريصون بغاية ما يمكنكم على إبطال دعوته، فإن كنتم صادقين، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ } على شيء من ذلكم { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزلَ بِعِلْمِ اللَّهِ } [من عند الله] لقيام الدليل والمقتضي، وانتفاء المعارض. { وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: واعلموا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ أي: هو وحده المستحق للألوهية والعبادة، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي: منقادون لألوهيته، مستسلمون لعبوديته، وفي هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين. خصوصا إذا كان القدح لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها. بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على جميع المسائل والمطالب. وفيها أن هذا القرآن، معجز بنفسه، لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، بل ولا بسورة من مثله، لأن الأعداء البلغاء الفصحاء، تحداهم الله بذلك، فلم يعارضوه، لعلمهم أنهم لا قدرة فيهم على ذلك. وفيها: أن مما يطلب فيه العلم، ولا يكفي غلبة الظن، علم القرآن، وعلم التوحيد، لقوله تعالى: { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):