١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القول لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغياً وجهلاً، ثم قرر كونه معجزاً بأن تحداهم بالمعارضة، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة وفي سورة يونس وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: {ٱفْتَرَاهُ } عائد إلى ما سبق من قوله: {يُوحَىٰ إِلَـيْكَ } أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى إليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك السور ولا يبعد أيضاً أن يكون المراد هو المجموع، لأن مجموع السور العشرة شيء واحد. المسألة الثانية: قال ابن عباس: هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي معينة، وهي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام، وقوله: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة، وهذا فيه إشكال، لأن هذه السورة مكية، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية، فكيف يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام، فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام وتأليفه. واعلم أن التحدي بعشر سور لا بد وأن يكون سابقاً على التحدي بسورة واحدة، وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال: قد اقتصرت منها على سطر واحد مثله. إذا عرفت هذا فنقول: التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة، وفي سورة يونس كما تقدم، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر، لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية، وأما في سورة يونس فالإشكال زائل أيضاً، لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه. المسألة الثالثة: اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزاً، فقال بعضهم: هو الفصاحة، وقال بعضهم: هو الأسلوب، وقال ثالث: هو عدم التناقض، وقال رابع: هو اشتماله على العلوم الكثيرة، وقال خامس: هو الصرف، وقال سادس: هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب، والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله: {مُفْتَرَيَاتٍ } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقاً أو كذباً، وأيضاً لو كان الوجه في كونه معجزاً هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في الفصاحة ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ }. واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا الدليل وهذه الحجة، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة.
البيضاوي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } {أَمْ } منقطعة والهاء {لِمَا يُوحَى }. {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ} في البيان وحسن النظم تحداهم أولاً بعشر سور ثم لما عجزوا عنها سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة، وتوحيد المثل باعتبار كل واحدة. {مُفْتَرَيَاتٍ } مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه بل أنتم لتعلمكم القصص والأشعار وتعودكم القريض والنظم. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ} إلى المعاونة على المعارضة. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أنه مفترى {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} بإتيان ما دعوتم إليه، وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أو لأن المؤمنين كانوا أيضاً يتحدونهم، وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم متناولاً لهم من حيث إنه يجب أتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل، وللتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم فلا يغفلون عنه ولذلك رتب عليه قوله: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله ولا يقدر عليه سواه. {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} واعلموا أن لا إله إلا الله لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، ولظهور عجز آلهتهم ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقة بإعجازه عليه، وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم. {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً، ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين والضمير في {لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ} لمن استطعتم أي فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعاوضة فاعلموا أنه نظم لا يعلمه إلا الله، وأنه منزل من عنده وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون في الإِسلام بعد قيام الحجة القاطعة، وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل أ {يَقُولُونَ ٱفْتَرَٰهُ } أي القرآن؟ {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ } في الفصاحة والبلاغة {مُفْتَرَيـَٰتٍ } فإنكم عربيون فصحاء مثلي، تحدّاهم بها أوّلاً ثم بسورة {وَٱدْعُواْ } للمعاونة على ذلك {مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أنه افتراء.
النسفي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ } «أم» منقطعة {ٱفْتَرَاهُ } الضمير لما يوحى إليك {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ } تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشر أسطر نحو ما أكتب فإذا تبين له العجز عن ذلك قال: اقتصرت منك على سطر واحد {مّثْلِهِ } في الحسن والجزالة. ومعنى {مثله} أمثاله ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له {مُفْتَرَيَاتٍ } صفة لـ {عشر سور}. لما قالوا افتريت القرآن واختلقته من عندك وليس من عند الله، أرضى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } إلى المعاونة على المعارضة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أنه مفترى {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا الله وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم، وإنما جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله {لكم فاعلموا} بعد قوله {قل} لأن الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يحدثونهم أو لأن الخطاب للمشركين. والضمير في {فإن لم يستجيبوا} لمن استطعتم أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي بإذنه أو بأمره {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة. ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد فهل أنتم مسلمون مخلصون .
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أم يقولون افتراه} يعني بل يقول كفار مكة اختلقه يعني ما أوحي إليه من القرآن {قل} أي قل لهم يا محمد {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} لما قالوا له افتريت هذا القرآن واختلقته من عند نفسك وليس هو من عند الله تحداهم وأرخى لهم العنان وفاوضهم على مثل دعواهم فقال صلى الله عليه وسلم هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي شيء وأن الأمر كما قلتم وأنتم عرب مثلي من أهل الفصاحة وفرسان البلاغة وأصحاب اللسان فأتوا أنتم بكلام مثل هذا الكلام الذي جئتكم به مختلق من عند أنفسكم فإنكم تقدرون على مثل ما أقدر عليه من الكلام فلهذا قال سبحانه وتعالى: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} في مقابلة قولهم افتراه. فإن قلت قد تحداهم فأن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك وعجزوا عنه فكيف قالوا فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ومن عجز عن سورة واحدة فهو عن العشرة أعجز. قلت: قد قال بعضهم إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس، وأنه تحداهم أولاً بعشر سور فلما عجزوا تحداهم بسورة يونس وأنكر المبرد هذا القول وقال: إن سورة يونس نزلت أولاً، قال: ومعنى قوله في سورة يونس فأتوا بسورة مثله يعني مثله في الإخبار عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد وفي قوله في سورة هود فأتوا بعشر سور مثله يعني في مجرد الفصاحة والبلاغة من غير خبر عن غيب ولا ذكر حكم ولا وعد ولا وعيد فلما تحداهم بهذا الكلام أمره بأن يقول لهم {وادعوا من استطعتم من دون الله} حتى يعينوكم على ذلك {إن كنتم صادقين} يعني في قولكم إنه مفترى {فإن لم يستجيبوا لكم} اعلم أنه لما اشتملت الآية المتقدمة على أمرين وخاطبين: أحدهما: أمر وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحانه وتعالى قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. والثاني: أمر وخطاب للكفار وهو قوله تعالى وادعوا من استطعتم من دون الله ثم أتبعه بقوله تبارك وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لعجزهم عنها واحتمل أن يكون المراد أن من يدعون من دون الله لم يستجيبوا للكفار في المعارضة فلهذا السبب اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين أحدهما أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه كانوا يتحدون الكفار بالمعارضة ليتبين عجزهم فلما عجزوا عن المعارضة قال الله سبحانه وتعالى لنبيه والمؤمنين فإن لم يستجيبوا لكم فيما دعوتموهم إليه من المعارضة وعجزوا عنه {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} يعني فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً وثباتاً لأنهم كانوا عالمين بأنه منزل من عند الله، وقيل: الخطاب في قوله فإن لم يستجيبوا لكم للنبي صلى الله عليه وسلم وحده وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له صلى الله عليه وسلم. القول الثاني: أن قوله سبحانه وتعالى فإن لم يستجيبوا لكم خطاب مع الكفار وذلك أنه سبحانه وتعالى لما قال في الآية المتقدمة وادعوا من استطعتم من دون الله قال الله عز وجل في هذه الآية فإن لم يستجيبوا لكم أيها الكفار ولم يعينوكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأنه ليس مفترى على الله بل هو أنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأن لا إله إلا هو} يعني الذي أنزل القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو لا من تدعون من دونه {فهل أنتم مسلمون} فيه معنى الأمر أي أسلموا وأخلصوا لله العبادة وإن حملنا معنى الآية على أنه خطاب مع المؤمنين كان معنى قوله فهل أنتم مسلمون الترغيب أي دوموا على ما أنتم عليه من الإسلام. قوله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} يعني بعمله الذي يعمله من أعمال البر نزلت في كل من عمل عملاً يبتغي به غير الله عز وجل: {نوف إليهم أعمالهم فيها} يعني أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا وذلك أن الله سحبانه وتعالى يوسع عليهم في الرزق ويدفع عنهم المكاره في الدنيا ونحو ذلك {وهم فيها لا يبخسون} يعني أنهم لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفرة.
البقاعي
تفسير : ولما كانوا ذوو الهمم العوال، لا يصوبون إلى الكنوز والأموال، وكان الملك إنما يراد لتطييب النفس بتثبيت الأمر. وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك، وكان في كل آية منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة، كان موضع الإنكار له، فكان كأنه قيل: أيقولون ذلك تعنتاً منهم واقتراحاً وإعراضاً عن معجز القرآن فأعرض عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل {أم يقولون} أي مكررين {افتراه} فكان ذلك موضع أن يقال: نعم، إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل} أي لهم على سبيل التنزل {فأتوا} يا معاشر العرب فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من يزيد عليَّ بالكتابة والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر {بعشر سور} أي قطع، كل قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه {مثله} أي تكون العشر مثل جميع القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها {مفتريات} أي أنكم قد عجزتم عن الإتيان بسورة أي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ملزمين بحقائق المعاني وصحة المباني - ذكره البغوي عن المبرد، وقد مضى في البقرة عند {فأتوا بسورة من مثله} عن الجاحظ وغيره ما يؤيده؛ قال أبو حيان: وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو، ثم إذا تبين عجزه قال: افعل مثلاً واحداً - انتهى. فكأنهم تحدوا أولاً بجميع القرآن في مثل قوله: {أية : فليأتوا بحديث مثله}تفسير : [الطور: 34] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد شيئاً في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم بدوام عجزهم في قوله تعالى: {أية : قل لو اجتمعت الإنس والجن} تفسير : [الإسراء: 88] تبكيتاً لهم وإخزاء وبعثاً على ذلك وإغراء، ثم تحدوا في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها بالتفصيل إلى السور تخفيفاً عليهم واستهانة بأمرهم، فلما عجزوا تحدوا بعشر مفتراه، ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني، ألزمهم بما خففه عنهم في يونس من التفصيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم واحتقار شأنهم بأن جعلها إلى عشر فقط، فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة، أي قطعة واحدة مقروناً ذلك بالإخبار بدوام عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة {أية : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} تفسير : [البقرة: 24]، فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى، وقد مضى في يونس والبقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به فهم هذا المقام، والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأوسطها وأدناها ممكن، والتحدي وقع بالعليا، وليس هذا أمراً بالافتراء لأنه تحدّ فهو للتعجيز وقوله: {وادعوا من استطعتم} أي طلبتم أن يطيعكم ففعل، ولما كانت الرتب كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال: {من دون الله} أي الملك الأعلى. وأشار إلى عجزهم بقوله: {إن كنتم صادقين*} وفي ذلك زيادة بيان وتثبيت للدليل، فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة، فعجزهم عجز لغيرهم بطريق الأولى. ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام غيره من غير علمه، وكان عجزهم عن المعارضة دليلاً قاطعاً على أنهم لم يصلوا إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئاً له يأتيهم بمثله ثبت قطعاً أن هذا القرآن غير مفترى، فقال تعالى مخاطباً للجميع بخلاف ما في القصص إشارة إلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وأن المشركين قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار كرة في أثر كرة إلى حد من العجز لا يقدرون معه على النطق في ذلك ببنت شفة: {فإن لم يستجيبوا لكم} أي يطلبوا إجابتكم ويوجدوها {فاعلموا} أيها الناس كافة {أنما أنزل} أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبساً {بعلم الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بمقتضى أن محمداً واحد منهم تمع العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلاً عن أن يكون مخترعاً له، ويجوز أن يكون ضمير {يستجيبوا} لـ "من" {من استطعتم} و {لكم} للمشركين، وكذا في قوله: فاعلموا و {أنتم} {وأن} أي واعلموا أن {لا إله إلا هو} فإنه لو كان معه إله آخر لكافأة في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم. ولما كان هذا دليلاً قطعياً على ثبوت القرآن، سبب عنه قوله مرغباً مرهباً: {فهل أنتم مسلمون*} أي منقادون أتم انقياد. ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه، وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء أحوال الدنيا عليهم، ولذلك تعنتوا بالكنز، أشار إلى عواقب ذلك بقوله: {من كان يريد} أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره {الحياة الدنيا} أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها {وزينتها} فأخلد إليها لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها {نوف} موصلين {إليهم أعمالهم} أي جزاءها {فيها} أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك {وهم فيها} أي في الأعمال أو الدنيا {لا يبخسون*} أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها، وأما أبدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معاً، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم.
القشيري
تفسير : في الآية بيانٌ أنَّ المكلَّفَ مُزَاحُ العِلَّةِ لِمَا أُقِيمَ له من البرهانِ وأُهِّلَ له من التحقيق. وأَنَّ الإيمانَ بالواسطة - صلى الله عليه وسلم وآله - واجِبٌ لِما خُصَّ به من المعجزات التي أوضحها الكتابُ المُنَزَّلُ والقرآنُ المُفَصَّلُ الذي عجز الكفار عن معارضته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام يقولون افتراه} الضمير راجع الى ما يوحى اليك وام منقطعة مقدرة ببل والهمزة ومعنى الهمزة فيه التوبيخ والانكار والتعجب اما التوبيخ فكأنه قيل ايتهالكون ان ينسبوا مثله الى الافتراء ثم الى الاقتدار على الذى هو اعظم الفرى وافحشها اذ يقوله ويفتريه على الله ولو قدر عليه دون عامة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة واذ كانت معجزة كان تصديقا من الله له والعليم الحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا. والمعنى بل أيقولون افتراه وليس من عند الله {قل} ان كان الامر كما تقولون {فائتوا} انتم ايضا {بعشر سور مثله} فى البلاغة وحسن النظم قال هنا بعشر وفى يونس والبقرة بسورة لان نزول هذه السورة الكريمة مقدم عليهما لانهم تحدوا اولا بالاتيان بعشر فلما عجزوا تحدوا بسورة واحدة. وقوله مثل نعت لسوراى امثال وتوحيده باعتبار كل واحد. وقال سعدى المفتى ولا يبعد ان يقال انه صفة للمضاف المقدر فان المراد بقدر عشر سور مثله والله اعلم {مفتريات} صفة اخرى لسور. المعنى فائتوا بعشر سور مماثلة له فى البلاغة مختلقات من عند انفسكم ان صح انى اختلقته من عند نفسى فانكم فصحاء مثلى تقدرون على ما اقدر عليه بل انتم اقدر لتعلمكم القصص والاشعار وتعودكم النثر والنظم. وفى الآية دلالة قاطعة على ان الله تعالى لا يشبهه شيء فى صفة الكلام وهو القرآن كما لا يشبهه بحسب ذاته {وادعوا} للاستظهار فى المعارضة {من استطعتم} دعاءه والاستعانة به من آلهتكم لتى تزعمون انها ممدة لكم ومدارهكم التى تلجأون الى آرائهم في الملمات ليسعدوكم فيها {من دون الله} اى حال كونكم متجاوزين الله تعالى {ان كنتم صادقين} فى انى افتريته فان ما افترى انسان يقدر انسان آخر ان يفترى مثله
الطوسي
تفسير : هذه الآية صريحة بالتحدي وفيها قطع لاعتلال المشركين وبغيهم، لأنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن قالوا: إن ما فيه من الاخبار كذب اختلقه واخترعه أو قرأ الكتب السالفة، فقال الله تعالى لهم: افتروا أنتم مثله، وادحضوا حجته فذلك أيسر وأهون مما تكلفتموه، فعجزوا عن ذلك وصاروا إلى الحرب وبذل النفس والمال وقتل الآباء والابناء. ولو قدروا على إطفاء أمره بالمعارضة لفعلوه مع هذا التقريع العظيم. وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وأنها الفصاحة في هذا النظم المخصوص، لانه لو كان غيره لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق. وقوله {فأتوا} وإن كان لفظه لفظ الأمر فالمراد به التهديد والتحدي والمثل المذكور في الاية ما كان مثله في البلاغة والنظم أو ما يقاربه؛ لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأدناها وأوسطها ممكن، فالتحدي وقع بما هو في أعلى طبقة في البلاغة، ولا يجوز أن يكون المراد بالمثل إلا المثل في الجنسية؛ لأن مثله في العين يكون حكايته وذلك لا يقع به تحدي. وانما يرجع إلى ما هو متعارف بينهم في تحدي بعضهم بعضاً كمناقضات امرئ القيس وعلقمة، وعمر بن كلثوم والحارث بن حلزة، وجرير والفرزدق وغيرهم. ومعنى {أم} تقرير بصورة الاستفهام، وتقديره بل {يقولون افتراه}. وقال بعضهم: إن الاستفهام محذوف، كأنه قال أيكذبونك أم يقولون افتراه. وهذا ليس بصحيح لأن {أم} ها هنا منقطعة ليست معادلة، وانما يجوز حذف الاستفهام في الضرورة. وقوله {ادعوا من استطعتم من دون الله} أي ادعوهم إلى معاونتكم على المعارضة. وهذا غاية ما يمكن من التحدى والمحاجّة. وقوله {بعشر سور مثله} اي مثل سورة منه كل سورة منها. ومعنى {مفتريات} أي مختلقات يقال: افترى واختلق واخترق، وخلق وخرق وخرص واخترص إذا كذب.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ} متحدّياً معهم {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} فيما تدركون منه من حسن النّظم وتناسق الحروف والكلمات وتأدية معانٍ كثيرة بالفاظ قليلةٍ والاتيان بحقّ ما يقتضيه كلّ مقام والتّأدية بأحسن ما يمكن التّأدية به بحسب كلّ مقام، وامّا ما لا تدركونه منه ممّا يترتّب على حروفه من فوائد العلوم المنوطة بحروفه من علم الاعداد والحروف والطّلسمات، وممّا يستنبط منه من المغيبات الّتى كلّها عند اهل القرآن وليس لاحدٍ الوصول اليها الاّ بتطهير قلبه من الاحداث والاخباث ودخوله فى سلك المشاهدين او المتحقّقين بحقيقة القرآن، لانّ القرآن لا يمكن مسيسه الاّ للمتطهّرين فلا كلام فيه معكم فانّكم متباعدون عن التّخاطب بامثال هذه {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} من الشّياطين والجنّة الّتى يدعوها الكهنة، ومن الكواكب والاصنام الّتى يدعوها المشركون، ومن الفصحاء الّذين يظنّهم النّاس قادرين على الاتيان بمثله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} انّه مفترى.
الهواري
تفسير : قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: افترى محمد هذا القرآن، على الاستفهام، يقول: قد قالوا ذلك. قال: { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} أي: مثل هذا القرآن { مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ} أي: من هذه الأوثان التي تعبدون من دون الله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قال: { فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} فيأتوا بعشر سور مثله، ولن يفعلوا، يعني الأوثان. { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ} أي: القرآن { بِعِلْمِ اللهِ} أي: من عند الله {وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}. يقول: قل لهم فهل أنتم مسلمون. وهو كقوله: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحَي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) تفسير : [الأنبياء:25]. قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} يعني المشرك الذي لا يؤمن بالآخرة {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} [أي جزاء حسناتهم] { فِيهَا} أي: في الدنيا. { وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي في الدنيا لا يبخسون، أي: لا يظلمون، لا يُنقصون حسناتهم التي عملوها في الدنيا. يُجَازَوْنَ بِهَا في الدنيا.
اطفيش
تفسير : {أمْ} منقطعة بمعنى بل، أو بمعنى بل وهمزة التوبيخ، أو إنكار صحة قولهم بالافتراء {يقُولُون افتَراهُ} أى افترى ذلك الذى قلنا إنه يوحى {قُلْ} لهم إن افتريته {فأتُوا بعَشْر سُوَرٍ مثْلِهِ} فى البلاغة والفصاحة، والبيان وحسن النظم، وهذه السورة نزلت قبل سورة يونس، تحداهم فى سورة يونس بسورة، بعد ما تحداهم فى سورة هود بعشر، وعجزوا، وهذا كما يقول من يتعاطى الكتابة: اكتب عشرة أسطر مثل كتابتى، وإذا أبان له العجز سهل فقال: اكتب سطرا واحدا مثل كتابتى، إذ لا يصح أن يعجزوا فى واحدة، ثم يكلفوا عشرا. وعن بعض: إن آية هود نزلت قبل آية يونس، وأنكر المبرد ذلك، وقال: إنه قال فى يونس: {بسورة} لأن المراد المماثلة فى البلاغة والفصاحة، وفى هود: {بعشر سور} لأن المراد المماثلة فى الإخبار عن الغيب، وذكر الأحكام، والوعد والوعيد، وقيل: المراد هنا المماثلة فى حسن النظم، وأقول لا مانع بعشر سور أمثاله، لأن المراد أن كلاًّ منهن تماثله، والإفراد فى تأدية هذا المعنى أقرب من الجمع، والمراد حقيقة مماثلته، لأن كل واحدة تماثل وحدها جميع القرآن، ولم يقل من أن يتحداهم أولا بسورة، ثم يتحداهم بأكثر، على معنى أنكم عجزتم عن واحدة، فكيف العشر، وقد يقال: إنه مثل لهم بعشرة إذ كان باب السور افتراء، أى إن كان القرآن من الافتراء فالإتيان به سهل، فأتوا منه بعشر سور. {مُفْتَرياتٍ} فإنكم عرب فصحاء مثلى وألزم منه لطرق الكلام، ومتدربون بالشعر والسجع {وادْعُوا} للمعاونة على ذلك {مَنِ اسْتَطعْتم} أى من استطعتموه، ولو جميع الإنس والجن، وقيل: المراد الأوثان {إنْ كُنتُم صَادقِينَ} فى قولكم إنه مفترى.
اطفيش
تفسير : {أَمْ} حرف ابتداءِ منقطعة {يَقُولُونَ} بل يقولون بأَلسنتهم أَو بل يقولون فأَم للإِضراب الانتقالى أَو له وللاستفهام الإِنكارى أَو التعجبى وذاك أَولى من جعلها متصلة عاطفة على تقدير أَيكذبونك بقلوبهم أَو يقولون، أَو أَيكذبونك بما أَوحينا إِليك معجزة أَم يقولون أَو أَيكتفون بما ذكر أَم يقولون أَن الأَصل عدم الحذف {افْتَرَاهُ} ضمير افترى له صلى الله عليه وسلم والهاءُ لما يوحى {قُلْ فَأْتُوا} إِن كنت افتريته فأْتوا فإِنكم فصحاءُ بلغاءُ مثلي فإِن عجزتم فاعلموا أَنه ليس منى بل من الله عز وجل {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} فى الفصاحة والبلاغة والحكمة والإِخبار بالغيوب، تحداهم أَولا بالقرآن فى سورة الإِسراءِ عموماً ولما عجزوا تحداهم بعشر سور، والتحدى بعشر مقدم نزولا عن التحدى بواحدة متأَخر تلاوة، ولما عجزوا تحداهم بسورة فى سورة البقرة المدنية وهى متأَخرة فى النزول عن سورة هود، وفى سورة يونس المتأَخرة فى النزول عن سورة هود، وكلتاهما مكية لأَنه من عجز عن درهم وقد قلت له أَعطنى درهما لا تقول له أَعطنى عشرة، وقد يقال الآيتان مدنيتان جعلتا فى سورتين مكيتين، والتحدى بعشر نزل قبل التحدى بواحدة، وقال المبرد مثله فى يونس وسورة البقرة بمعنى المماثلة فى الفصاحة والبلاغة والإِخبار بالغيوب والأَحكام، وفى سورة هود فى الفصاحة والبلاغة فقط، أَى بالمعنى، وزيادة هود ضعيف، إِذ الأَصل اتفاق وجه المماثلة لا يصار إِلى تخالفه مع وجود التأْويل بالاتفاق والداعى له إِلى ذلك مراعاة تتابع السور، ويظهر لى أَيضاً وجه آخر إِن شاءَ الله كان حسناً، هو أَن المعنى إِن كان كذباً فلا يعجزكم أَن تأْتوا بسور كثيرة تماثله لأَن أَمر الكذب سهل وبابه واسع، وهذا كلام يجوز أَن يتحداهم به ولو بعد ما تحداهم بسورة وأَفرد مثله باعتبار كل قرآن يدعى فإِن الهاءَ عائِدة إلى ما يوحى والمماثلة قائِمة بكل واحد إِلا بالمجموع فالأَصل بعشر سور أَمثاله أَو باعتبار أَن أَصل مثل مصدر يصلح للواحد فصاعدا، وقد أَفرد لهذا فى المثنى قال الله عز وجل "أية : لبشرين مثلنا"تفسير : [المؤمنون: 47] وروعيت المطابقة فى قوله تعالى: "أية : ثم لا يكونوا أَمثالكم" تفسير : [محمد: 38] وقوله تعالى: "أية : كأَمثال اللؤْلؤِ" تفسير : [الواقعة: 23] وقيل الإِفراد هنا لتقدير منعوت مفرد، أَى مقدار عشر سور مثله، وقد أَفرد لأَنه وصف لمجموع العشرة لأَن مدار المماثلة فى الجمع شىءٌ واحد وهو البلاغة المعجزة فكأَن الجميع واحد {مُفْتَرَيَاتٍ} مكذوبات كما ادعيتم أَنى جئْت بالقرآن من عندى كذبا منى لا من عند الله، فأَنتم أَقدر على الكذب لأَن الحق بعيد عنكم ولممارستكم الوقائِع والأَشعار والخصام، فربما تكذبون أَبلغ منى بحسب الظاهر المتعارف فيمن يمارس لكن هو أَبلغ لقوله حديث : أَنا أَفصح من نطق بالضادتفسير : ، والفصاحة فيه تشمل البلاغة {وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ} إِلى أَن يعينوكم على افتراءِ السور على حد القرآن فى الفصاحة وغيرهما أَو الاستقلال بها دونكم من الناس والأَصنام والكهان مع قدرة الكهان على حسن السجع {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أَنى افتريته.
الالوسي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} إضراب بأم المنقطعة عن ذكر ترك اعتدادهم بِـ {أية : مَا يُوحَىٰ }تفسير : [هود: 12] وعدم اكتفائهم بما فيه من المعجزات الظاهرة الدالة على صدق الدعوى، وشروع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد منه وأعظم، وتقدر ببل والهمزة الإنكارية أي بل أيقولون، وذهب ابن القشيري إلى أن {أَمْ} متصلة، والتقدير أيكتفون بما أوحينا إليك أم يقولون إنه ليس من عند الله، والأول أظهر، وأياً مّا كان فالضمير البارز في {ٱفْتَرَاهُ} لِ {مَا يُوحَىٰ}. {قُلْ} إن كان الأمر كما تقولون {فَأْتُواْ} أنتم أيضاً {بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ} في البلاغة وحسن النظم وهو نعت ـ لسور ـ وكان الظاهر مطابقته لها في الجمع لكنه أفرد باعتبار مماثلة كل واحدة منها إذ هو المقصود لا مماثلة المجموع، وقيل: مثل وإن كان مفرداً يجوز فيه المطابقة وعدمها فيوصف به الواحد وغيره نظراً إلى أنه مصدر في الأصل كقوله تعالى: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}تفسير : [المؤمنون: 47] وقد يطابق كقوله سبحانه: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم} تفسير : [محمد: 38]، وقيل: إنه هنا صفة لمفرد مقدر أي قدر عشر سور مثله، وقيل: إنه وصف لمجموع العشر لأنها كلام وشيء واحد، وأيضاً ـ عشر ـ ليس بصيغة جمع فيعطى حكم المفرد ـ كـ{أية : نَخْلٍ مُنْقَعِر}تفسير : [القمر:20]. وقوله سبحانه: {مُفْتَرَيَـٰت} نعت آخر ـ لسور ـ قيل: أخر عن نعتها بالمماثلة لـِ{أية : مَا يُوحَىٰ}تفسير : [هود: 12] لأنه النعت المقصود بالتكليف إذ به قعودهم على العجز عن المعارضة، وأما نعت الافتراء فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام التحدي، وإنما ذكر على نهج المساهلة وإرخاء العنان ولأنه لو عكس الترتيب لربما توهم أن المراد هو المماثلة له في الافتراء، والمعنى فأتوا بعشر سور مماثلة له في البلاغة مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء بلغاء ومبادي ذلك فيكم من ممارسة الخطب والأشعار ومزاولة أساليب النظم والنثر وحفظ الوقائع والأيام أتم. والكثير على أن هذا التحدي وقع أولاً فلما عجزوا تحداهم {بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ} كما نطقت به سورة البقرة[23] ويونس[38]، وهو وإن تأخر تلاوة متقدم نزولاً وأنه لا يجوز العكس إذ لا معنى للتحدري بعشر لمن عجز عن التحدي بواحدة وأنه ليس المراد تعجيزهم عن الإتيان بعشر سور مماثلات لعشر معينة من القرآن. وروي عن ابن عباس أن المراد ذلك، وجعل العشر ما تقدم من السور إلى هنا، واعترضه أبو حيان ((بأن أكثر ما ذكر مدني وهذه السورة حسبما علمت مكية فكيف تصح الحوالة بمكة على ما لم ينزل بعد، ثم قال: ولعل هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما))، وذهب ابن عطية إلى أن هذا التحدي إنما وقع بعد التحدي بسورة، وروي هذا عن المبرد وأنكر تقدم نزول هذه السورة على نزول تينك السورتين وقال: بل نزلت سورة يونس أولاً ثم نزلت سورة هود. / وقد أخرج ذلك ابن الضريس في «فضائل القرآن» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ووجه ذلك بأن ما وقع أولاً هو التحدي بسورة مثله في البلاغة والاشتمال على ما اشتمل عليه من الإخبار عن المغيبات والأحكام وأخواتها، فلما عجزوا عن ذلك أمرهم بأن يأتوا بعشر سور مثله في النظم وإن لم تشتمل على ما اشتمل عليه، وضعفه في «الكشف»، وقال: إنه لا يطرد في كل سورة من سور القرآن، وهب أن السورة متقدمة النزول إلا أنها لما نزلت على التدريج جاز أن تتأخر تلك الآية عن هذه، ولا ينافي تقدم السورة على السورة انتهى. وتعقبه الشهاب بأن قوله لا يطرد مما لا وجه له لأن مراد المبرد اشتماله على شيء من الأنواع السبعة ولا يخلو شيء من القرآن عنها، وادعاء تأخر نزول تلك الآية خلاف الظاهر، ومثله لا يقال بالرأي، وادعى أن الحق ما قاله المبرد من أنه عليه الصلاة والسلام وتحداهم أولاً بسورة مثله في النظم والمعنى، ثم تنزل فتحداهم بعشر سور مثله في النظم من غير حجر في المعنى، ويشهد له توصيفها بمفتريات، وأيد بعضهم نظر المبرد بأن التكليف في آية البقرة إنما كان بسبب الريب ولا يزيل الريب إلا العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة، وهو في هذه الآية ليس إلا بسبب قولهم: {ٱفْتَرَاهُ} فكلفوا نحو ما قالوا، وفيه أن الأمر في سورة يونس كالأمر هنا مسبوق بحكاية زعمهم الافتراء قاتلهم الله تعالى مع أنهم لم يكلفوا إلا بنحو ما كلفوا به في آية البقرة على أن في قوله: ولا يزيل الريب الخ منعاً ظاهراً، وللعلامة الطيبـي هٰهنا كلام زعم أنه الذي يقتضيه المقام وهو على قلة جدواه لا وجه لما أسسه عليه كما بين ذلك صاحب «الكشف». هذا ونقل الإمام ((أنه استدل بهذه الآية على أن إعجاز القرآن بفصاحته لا باشتماله على المغيبات وكثرة العلوم إذ لو كان كذلك لم يكن لقوله سبحانه: {مُفْتَرَيَاتٍ} معنى أما إذا كان وجه الإعجاز الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الكلام تظهر إن صدقاً وإن كذباً))، واعترض عليه الفاضل الجلبـي بما هو مبني على الغفلة عن معنى الافتراء والاختلاق، نعم ما ذكر إنما يدل على صحة كون وجه الإعجاز ذلك ولا يمنع احتمال كونه الأسلوب الغريب وعدم اشتماله على التناقض كما قيل به. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ} أي استعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به من آلهتكم التي تزعمون أنها ممدة لكم في كل ما تأتون وما تذرون والكهنة الذين تلجأون إلى آرائهم في الملمات ليسعدوكم في ذلك. {مِن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق ـ بادعوا ـ أي متجاوزين الله تعالى، وفيه على ما قال غير واحد إشارة إلى أنه لا يقدر على مثله إلا الله عز وجل {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في أني افتريته، فإن ذلك يستلزم الإتيان بمثله وهو أيضاً يستلزم قدرتكم عليه، وجواب {إِنٍ} محذوف دل عليه المذكور قبل.
ابن عاشور
تفسير : {أم} هذه منقطعة بمعنى (بل) التي للإضراب للانتقال من غرض إلى آخر، إلاّ أن (أم) مختصة بالاستفهام فتقدر بعدها همزة الاستفهام. والتقدير: بل أيقولون افتراه. والإضراب انتقالي في قوة الاستئناف الابتدائي، فللجملة حكم الاستئناف. والمناسبة ظاهرة، لأن الكلام في إبطال مزاعم المشركين، فإنهم قالوا: هذا كلام مفترى، وقرعهم بالحجة. والاستفهام إنكاري. والافتراء: الكذب الذي لا شبهة لصاحبه، فهو الكذب عن عمد، كما تقدم في قوله: {أية : ولكن الذين كفَرُوا يفترون على الله الكذب}تفسير : في سورة [العقود: 103]. وجملة {قل فأتوا} جواب لكلامهم فلذلك فصلت على ما هو مستعمل في المحاورة سواء كانت حكاية المحاورة بصيغة حكاية القول أو كانت أمراً بالقول كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30]. والضمير المستتر في (افتراه) عائد إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ المذكور في قوله: {أية : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك}تفسير : [هود: 12]. وضمير الغائب البارز المنصوب عائد إلى القرآن المفهوم من قوله: {أية : بعض ما يوحى إليك}تفسير : [هود: 12]. والاتيان بالشيء: جلبه، سواء كان بالاسترفاد من الغير أم بالاختراع من الجالب وهذا توسعة عليهم في التحدّي. وتحدّاهم هنا بأن يأتوا بعشر سور خلاف ما تحدّاهم في غير هذا المكان بأن يأتوا بسورة مثله، كما في سورة البقرة وسورة يونس. فقال ابن عبّاس وجمهور المفسرين: كان التحدّي أوّل الأمر بأن يأتوا بعشر سور مثل القرآن. وهو ما وقع في سورة هود، ثمّ نسخ بأن يأتوا بسورة واحدة كما وقع في سورة البقرة وسورة يونس. فتخطّى أصحاب هذا القول إلى أن قالوا إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس، وهو الذي يعتمد عليه. وقال المبرّد: تحدّاهم أولاً بسورة ثمّ تحدّاهم هنا بعشر سور لأنّهم قد وسع عليهم هنا بالاكتفاء بسور مفتريات فلمّا وسع عليهم في صفتها أكثَرَ عليهم عددها. وما وقع من التحدّي بسورة اعتبر فيه مماثلتها لسور القرآن في كمال المعاني، وليس بالقويّ. ومعنى {مفتريات} أنها مفتريات المعاني كما تزعمون على القرآن أي بمثل قصص أهل الجاهلية وتكاذيبهم. وهذا من إرخاء العنان والتسليم الجدلي، فالمماثلة في قوله {مثله} هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته لا في سداد معانيه. قال علماؤنا: وفي هذا دليل على أن إعجازه وفصاحته بقطع النظر عن علوّ معانيه وتصديق بعضه بعضاً. وهو كذلك. والدعاء: النداء لعمل. وهو مستعمل في الطلب مجازاً ولو بدون نداء. وحذف المتعلق لدلالة المقام، أي وادْعوا لذلك. والأمر فيه للإباحة، أي إن شئتم حين تكونون قد عجزتم عن الإتيان بعشر سور من تلقاء أنفسكم فلكم أن تدعوا من تتوسّمون فيه المقدرة على ذلك ومَن تَرجون أن ينفحكم بتأييده من آلهتكم وبتيسير الناس ليعاونوكم كقوله: {أية : وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين}تفسير : [البقرة: 23]. و{من دون الله} وصف لـ {من استطعتم}، ونكتة ذكر هذا الوصف التذكير بأنهم أنكروا أن يكون من عند الله، فلما عمّم لهم في الاستعانة بمن استطاعوا أكّد أنهم دون الله فإن عجزوا عن الإتيان بعشر سور مثله مع تمكنهم من الاستعانة بكلّ من عدا الله تبين أن هذا القرآن من عند الله. ومعنى {إن كنتم صادقين} أي في قولكم {افتراه}، وجواب الشرط هو قوله: {فأتوا بعشر سور}. ووجه الملازمة بين الشرط وجزائه أنه إذا كان الافتراء يأتي بهذا القرآن فما لكم لا تفترون أنتم مثله فتنهض حجتكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱفْتَرَاهُ} {مُفْتَرَيَاتٍ} {صَادِقِينَ} (13) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى إِعْجَازَ القُرَآنِ، وَيَرُدُّ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ مُحَمَّداً افْتَرى القُرْآنَ، وَأَتَى بِهِ مِنْ عِنْدِهِ، وَنَسَبَهُ إِلَى اللهِ، افْتِرَاءً مِنْهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ وَتَزْعُمُونَ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَاسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ فِي ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ. وَإِذَا كَانَ القُرْآنُ مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَمِنَ المَفْرُوضِ أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ قَوْلَ مِثْلِهِ لأَِنَّ مُحَمَّداً مِنْهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان لِلَوْنٍ آخر من مصادمة الكافرين لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فقالوا: إن محمداً قد افترى القرآن. والافتراء: هو الكذب المتعمَّد، ومعنى الكذب المتعمد أنه كلام يخالف واقعاً في الكون. فإذا كان الواقع نَفْياً وأنت قلت قضيةَ إثبات؛ تكون قد خالفت الواقع، كأن يُوجد في الكون شرٌّ ما ثم تقول أنت: لا يوجد شرٌّ في هذا المكان، وهكذا يكون الواقع إيجاباً والكلام نفْياً. وكذلك أن يكون في الواقع نَفْيٌّ وفي الكلام إيجابٌ، فهذا أيضاً كذبٌ؛ لأن الصدق هو أن تتوافق القضية الكلامية مع الواقع الكوني، فإن اختلفتْ مع الواقع الكوني صار الكلام كاذباً. والكذب نوعان: نوع متعمد، ونوع غير متعمد. والكذب خرق واقع واختلاق غير موجود. ويقال: خرقت الشيء أي: أنك أتيت لواقع وبدَّلت فيه. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..}تفسير : [الأنعام: 100]. ويقول أيضاً الحق سبحانه: {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ..}تفسير : [العنكبوت: 17]. أي: تأتون بشيء من عدم، وهو من عندكم فقط. ويقول الله سبحانه تعالى: {أية : .. وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}تفسير : [الأنعام: 116]. وحين اتهموا محمداً صلى الله عليه وسلم بهتاناً بأنه افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم بمنتهى البساطة، فأنتم - معشر العرب - أهل فصاحة وبلاغة، وقد جاء القرآن الكريم من جنس ونوع نُبوغكم، وما دمتم قد قُلْتم: إن محمداً قد افترى القرآن، وأن آيات القرآن ليست من عند الله، فلماذا لا تفترون مثله؟ وما دام الافتراء أمراً سهلاً بالنسبة لكم، فلماذا لا تأتون بمثل القرآن ولو بعشْر سور منه؟ وأنتم قد عِشْتم مع محمد منذ صِغَره، ولم يكن له شعْر، ولا نثر، ولا خطابة، ولا علاقة له برياضاتكم اللغوية، ولم يزاول الشعر أو الخطابة، ولم يشترك في أسواق البلاغة والشعر التي كانت تُعقد في الجاهلية مثل سوق عكاظ. وإذا كان مَنْ لا رياضة له على الكلام ولا على البلاغة، قد جاء بهذا القرآن؛ فَلْيكُنْ لديكم - وأنتم أهل قُدْرة ودُرْبة ورياضة على البلاغة أن تأتوا ببعض من مثله، وإن كان قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون مثله؟ وأنتم تعرفون المعارضات التي تُقام في أسواق البلاغة عندكم، حين يقول شاعر قصيدة، فيدخل معه شاعر أخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الأول، ثم تُعقد لجان تحكيم تُبَيِّن مظاهر الحُسْن ومظاهر السوء في أي قصيدة. ولو كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن - كما تقولون - فأين أنتم؟ ألم تعرفوه منذ طفولته؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 16]. فهَل أثرَ عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال شعراً أو ألقى خطبة أو تَبارَى في عكاظَ أو المربد أو ذي المجاز أو المَجَنَّة، وتلك هي أسواق البلاغة ومهرجاناتها في تلك الأيام؟ هو لم يذهب إلى تلك الأماكن منافساً أو قائلاً. إذن: أفليسَ الذين تنافسوا هناك أقدر منه على الافتراء؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعراً فَحْلاً؟ لقد كان، وكان له نظير يعارضه. وكذلك كان عمرو بن كلثوم، والحارث بن حِلَّزة اليشْكُري، كما جاء في عصور تالية آخرون مثل: جرير والفرزدق. إذن: فأنتم تعرفون مَنْ يقولون الشعر ومَنْ يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء. إذن: فهاتوا مَنْ يفتري مثل سور القرآن، فإنْ لم تفتروا، فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ..} [هود: 13]. فهل كانوا قادرين على قبول التحدي، بأنْ يأتُوا بعشر سُوَر من مثل القرآن الكريم في البيان الآسر وقوة الفصاحة وأسرار المعاني؟ لقد تحدَّاهم بأن يأتوا - أولاً - بمثل القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحدَّاهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم يستطيعوا، وتحدَّاهم بأن يأتوا بسورة، ثم تحدَّى أن يأتوا ولو بحديث مثله، فلم يستطيعوا. وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، وهو أنْ يأتوا بِعَشْر سُور، ولم يكتف الحق سبحانه بذلك، بل طالبهم أن يَدْعُوا مَجْمَعاً من البُلَغَاء، فقال سبحانه: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ..} [هود: 13]. أي: هاتوا كلَّ شركائكم وكل البُلغاء، من دون الله تعالى. الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم فرصة الادّعاء عليه سبحانه حتى لا يقولوا: سوف ندعو الله؛ ولذلك طالبهم الحق سبحانه أن يُجنِّبوه {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13]. أي: إن كنتم صادقين في أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وبما أنكم أهل ريادة في الفصاحة فَلْتفتروا عَشْر سُوَرٍ من مثل القرآن، أنتم ومَنْ تستطيعون دعوتهم من الشركاء. لذلك كان الرد الحكيم من الله في قول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الآية، الظاهر أن أم منقطعة فتقدر ببل، والهمزة أي بل أيقولون افتراه، والضمير في افتراه عائد على قوله: يوحى إليك وهو القرآن. ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لا تتعلق أطماعهم بأن يترك بعض ما أوحي إليه إلا لدعواهم أنه ليس من عند الله وأنه هو الذي افتراه وإنما تحداهم أولاً بعشر سور مفتريات قبل تحديهم بسورة إذ كانت هذه السورة مكية، والبقرة مدنية، وسورة يونس أيضاً مكية، ومقتضى التحدي بعشر سور أن يكون قبل طلب المعارضة بسورة فلما نسبوه إلى الافتراء طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات إرخاء لعنانهم وكأنه يقول: هبوا اني اختلقته ولم يوح إلي فأتوا أنتم بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام. وإنما عنى بقوله: مثله من حسن النظم والبيان وإن كان مفترى. وشأن من يريد تعجيز شخص أن يطالبه أولاً بأن يفعل أمثالاً مما يفعل هو ثم إذا تبين له عجزه قال له: إفعل مثالاً واحداً. {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} الذي يظهر أن الضمير في فإِن لم يستجيبوا عائد على من استطعتم. ومن لكم عائد على الكفار لعود الضمير على أقرب مذكور، ولكون الخطاب يكون لواحد ولترتب الجواب على الشرط ترتباً حقيقياً من الأمر بالعلم. ولا يتجوز بأنه أريد به فدوموا على العلم بأن لا إله إلا هو ولا أن يكون قوله: فهل أنتم مسلمون تحريضاً على تحصيل الإِسلام لا انه يراد به الإِخلاص ولما طولبوا بالمعارضة وأمروا بأن يدعوا من يساعدهم، فلم تمكن المعارضة ولا استجاب أصنامهم وآلهتهم لهم أمروا بأن يعلموا أنه من عند الله وليس مفترى، فيُمكن معارضته وأنه تعالى هو المختص بالألوهية لا يشركه في شىء منها آلهتهم وأصنامهم فلا يمكن أن يجيبوا لظهور عجزهم، وانها لا تنفع ولا تضر في شىء من المطالب. {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} الآية، مناسبتها مما قبلها أنه تعالى لما ذكر أشياء من أحوال الكفار المنافقين في القرآن، ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة. وظاهر من العموم في كل من يريد زينة الحياة الدنيا والجزاء مقرون بمشيئة الله تعالى. وجاء فعل الشرط ماضياً في قوله: من كان، وفعل الجزاء مضارعاً مجزوماً وهو نوّف والجزم أفصح من الرفع إذ لو جاء نوفى مرفوعاً لكان جائزاً كما قال الشاعر: شعر : وان أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم تفسير : فرفع يقول ولو جزمه لكان أفصح كالآية وأفرد الضمير في كان يريد على لفظ من وجمعه في قوله إليهم مراعاة للمعنى. والضمير في قوله: ما صنعوا فيها الظاهر أنه عائد على الآخرة والمجرور متعلق بحبط. والمعنى وظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة ويجوز أن يتعلق بقوله: صنعوا، فيكون عائداً على الحياة الدنيا كما عاد عليها في فيها قبل وما في ما صنعوا بمعنى الذي أو مصدرية وباطل وما بعده توكيد لقوله: وحبط ما صنعوا. وباطل خبر مقدم إن كان من عطف الجمل وما كانوا هو المبتدأ وان كان خبراً بعد خبر ارتفع ما بباطل على الفاعلية. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الآية لما ذكر حال من يريد الحياة الدنيا ذكر حال من يريد وجه الله بأعماله الصالحة. وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة والتقدير كمن يريد الحياة الدنيا، وكثيراً ما حذف في القرآن كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً}تفسير : [فاطر: 8]، وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة أي على برهان من الله وبيان أنّ دين الإِسلام حق، وهو دليل العقل. {وَيَتْلُوهُ} ويتبع ذلك البرهان. {شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي شاهد بصحته وهو القرآن منه أي من الله تعالى أو شاهد من القرآن. {وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن قبل القرآن. {كِتَابُ مُوسَىٰ} وهو التوراة أي ويتلو ذلك أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى. والإِشارة بأولئك إلى من كان على بينة راعى معنى من فجمع. {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي مكان وعده الذي يصير إليه وقال حسان: شعر : أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لاقيها تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تقدم تفسير نظير هذه الجملة والإِشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب أو جمع شهيد كشريف وأشراف. والاشهاد: الملائكة الذي يحفظون عليهم أعمالهم في الدنيا. وفي قوله: هؤلاء، إشارة إلى تحقيرهم وإصغارهم بسوء مرتكبهم. وفي قوله: على ربهم أي على من يحسن إليهم ويملك نواصيهم، وكانوا جديرين بأن لا يكذبوا عليه. {مِنْ أَوْلِيَآءَ} إسم لكان. ومن: زائدة. والضمير في ما كانوا عائد على أولياء ومعنى أنه من لا يستطيع أن يسمع ولا يبصر فكيف يصلح للولاية، ويكون يضاعف لهم العذاب اعتراضاً. وقيل: ما مصدرية، أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم وإبصارهم، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد. و{خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} خسران أنفسهم كونهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فخسروا في تجارتهم خسراناً لا أعظم منه. وهو على حذف مضاف أي راحة وسعادة أنفسهم. {لاَ جَرَمَ} مذهب الخليل وسيبويه أنهما رُكّبا مِن لا وجرم وبنيا والمعنى حق وما بعده رفع به على الفاعلية. وقال الكسائي: معناها لا صد ولا منع فيكون اسم لا وهي مبنية على الفتح. وقال قوم: انّ جرم مبنية مع لا على الفتح نحو قولك: لا رجل ومعناها لا بد ولا محالة، وهو شبيه بقول الكسائي فيكون ان لهم على إسقاط حرف الجر إذ صار التقدير لا بد من أن لهم النار أي من كينونة النار لهم ولما كان خسران النفس أعظم الخسران حكم عليهم بأنهم هم الزائدون في الخسران على كل خاسر من سواهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):