Verse. 1487 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

فَاِلَّمْ يَسْتَجِيْبُوْا لَكُمْ فَاعْلَمُوْۗا اَنَّمَاۗ اُنْزِلَ بِعِلْمِ اللہِ وَاَنْ لَّاۗ اِلٰہَ اِلَّا ہُوَ۝۰ۚ فَہَلْ اَنْتُمْ مُّسْلِمُوْنَ۝۱۴
Fai llam yastajeeboo lakum faiAAlamoo annama onzila biAAilmi Allahi waan la ilaha illa huwa fahal antum muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإ» ن «لم يستجيبوا لكم» أي من دعوتموهم للمعاونة «فاعلموا» خطاب للمشركين «أنما أنزل» ملتبسا «بعلم الله» وليس افتراء عليه «وأن» مخففة أي أنه «لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون» بعد هذه الحجة القاطعة أي أسلموا.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين: أحدهما: خطاب الرسول، وهو قوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } والثاني: خطاب الكفار وهو قوله: { أية : وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود:13] فلما أتبعه بقوله: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لتعذرها عليهم، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين: فبعضهم قال: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله. والمعنى: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله، ومعنى قوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي فهل أنتم مخلصون، ومنهم من قال فيه إضمار، والتقدير: فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم الله. والقول الثاني: أن هذا خطاب مع الكفار، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة، فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول، لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله: {فَٱعْلَمُواْ } على الأمر بالثبات أو على إضمار القول، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى إضمار، فكان هذا أولى، وأيضاً فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وأقرب المذكورين في هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني، وأيضاً أن الخطاب الأول كان مع الرسول عليه الصلاة والسلام وحده بقوله: { أية : قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ } تفسير : [هود: 13] والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله: { أية : وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود:13] وقوله: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } خطاب مع الجماعة فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى. بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه؟ الجواب: المعنى فإن لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن، وقال بعضهم فإن لم يستجيبوا لكم في جملة الإيمان وهو بعيد. السؤال الثاني: من المشار إليه بقوله: {لَكُمْ }؟ والجواب: إن حملنا قوله: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } على المؤمنين فذلك ظاهر، وإن حملناه على الرسول فعنه جوابان: الأول: المراد فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعلم. والثاني: يجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. السؤال الثالث: أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء. والجواب: أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى، فقال: لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه، ثبت أنه من عند الله، فقوله: {أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ } كناية عن كونه من عند الله ومن قبله، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي. السؤال الرابع: أي تعلق لقوله: {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } يعجزهم عن المعارضة. والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ألبتة، ومتى كان كذلك، فقد بطل القول بإثبات كونهم آلهة، فصار عجز القوم المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلاً لإلهية الأصنام ودليلاً على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان قوله: {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } إشارة إلى ما ظهر من فساد القول بإلهية الأصنام: الثاني: أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول عليه السلام، وعلى هذا فكأنه قيل: لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً، وثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في دعوى الرسالة، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله فلما ثبت كونه محقاً في دعوى النبوة ثبت قوله: {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } الثالث: أن ذكر قوله {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جار مجرى التهديد، كأنه قيل: لما ثبت بهذا الدليل كون محمد عليه السلام صادقاً في دعوى الرسالة وعلمتم أنه لا إله إلا الله، فكونوا خائفين من قهره وعذابه واتركوا الإصرار على الكفر واقبلوا الإسلام ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي: { أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 24]. وأما قوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ }. فإن قلنا: إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الإخلاص. وإن قلنا: إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الإسلام.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة؛ إذ هم اللُّسْن البلغاء، وأصحاب الألسن الفصحاء. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} واعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، واعلموا {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} استفهام معناه الأمر. وقد تقدّم القول في معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب. والحمد لله. وقال: {قُلْ فَأْتُوا} وبعده. {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} ولم يقل لك؛ فقيل: هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع تعظيماً وتفخيماً؛ وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة. وقيل: الضمير في {لَكُمْ} وفي {فَٱعْلَمُوا} للجميع؛ أي فليعلم الجميع {أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ}؛ قاله مجاهد: وقيل: الضمير في {لكم} وفي {فاعلموا} للمشركين؛ والمعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة، ولا تهيأت لكم المعارضة «فَٱعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ». وقيل: الضمير في {لكم} للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفي {فاعلموا} للمشركين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإ} ن {لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } أي من دعوتموهم للمعاونة {فَٱعْلَمُواْ } خطاب للمشركين {أَنَّمَآ أُنزِلَ } متلبساً {بِعِلْمِ ٱللَّهِ } وليس افتراء عليه {وَأَنْ} مخففة أي أنه {لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } بعد هذه الحجة القاطعة؟ أي أسلموا.

ابن عطية

تفسير : لهذه الآية تأويلان: أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؛ أي فإن لم يستجب من تدعون إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليها فأذعنوا حينئذ واعلموا أنه من عند الله، ويأتي قوله {فهل أنتم مسلمون } متمكناً. والثاني: أن تكون مخاطبة من الله تعالى للمؤمنين: أي فإن لم يستجب الكفار إلى ما دعوا إليه من المعارضة فاعلموا أن ذلك من عند الله، وهذا على معنى دوموا علىعلمكم لأنهم كانوا عالمين بذلك. قال مجاهد: قوله تعالى: {فهل أنتم مسلمون} هو لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {بعلم الله } يحتمل معنيين: أحدهما: بإذنه وعلى علم منه. والثاني: أنه أنزل بما علمه الله تعالى من الغيوب، فكأنه أراد المعلومات له وقوله: {فهل أنتم مسلمون} تقرير. وقوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا...} الآية، قالت فرقة: ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الكفرة: هذا قول قتادة والضحاك، وقال مجاهد: هي في الكفرة وفي أهل الرياء من المؤمنين: وإلى هذا ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن ماتع الأصبحي عن أبي هريرة حديث : بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل المتصدق والمجاهد المقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره وكل ذلك رياء، "إنهم أول من تسعر به النار يوم القيامة" تفسير : فلما حدثه شفي بهذا الحديث، بكى معاوية وقال: صدق الله ورسوله: وتلا: { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها...} الآية، إلى قوله: { وباطل ما كانوا يعملون}. فأما من ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله {يريد} يقصد ويعتمد، أي هي وجهه ومقصده لا مقصد له غيرها. فالمعنى: من كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا يعتقد آخرة، فإن الله يجازيه على حسن أعماله - في الدنيا - بالنعم والحواس وغير ذلك: فمنهم مضيق عليه ومنهم موسع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا بالنار ولا تكون لهم حال سواها. قال القاضي أبو محمد: فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية. وهو عندي أرجح التأويلات - بحسب تقدم ذكر الكفار المناقضين في القرآن - فإنما قصد بهذه الآية {أولئك}. وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى {يريد} عنده يحب ويؤثر ويفضل ويقصد، وإن كان له مقصداً آخر بإيمانه فإن الله يجازيه على تلك الأعمال الحسان التي لم يعملها لله بالنعم في الدنيا، ثم يأتي قوله: {ليس لهم} بمعنى ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار، وجائز أن يتغمدهم الله برحمته، وهذا ظاهر ألفاظ ابن عباس وسعيد بن جبير. وقال أنس بن مالك: هي في أهل الكتاب. قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا أن أهل الكتاب الكفرة يدخلون في هذه الآية، لا أنها ليست في غيرهم. وقرأ جمهور الناس::نوف" بنون العظمة؛ وقرأ طلحة وميمون بن مهران "يوف" بياء الغائب. و {يبخسون} معناه: يعطون أقل من ثوابهم، و {حبط} معناه: يبطل وسقط ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقتل حبطاً أو يلم" تفسير : ، وهي مستعملة في فساد الأعمال، والضمير في قوله: {فيها} عائد على الدنيا في الأولين؛ وفي الثالثة عائد على الآخرة، ويحتمل أن يعود في الثلاثة على الدنيا؛ ويحتمل أن تعود الثانية على الأعمال. وقرأ جمهور الناس: "وباطلٌ" بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ أبيّ وابن مسعود: "وباطلاً" بالنصب؛ قال أبو حاتم: ثبتت في أربعة مصاحف، والعامل فيه {يعملون} و {ما} زائدة، التقدير: وباطلاً كانوا يعملون. والباطل كل ما تقتضي ذاته أن لا تنال به غاية في ثواب ونحوه وبالله التوفيق.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ}، لهذه الآية تأويلان: أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ {يَسْتَجِيبُواْ }؛ على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم. والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله؛ على هذا {فَٱعْلَمُواْ } بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }: هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام. وقوله سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...} الآية: قالت قتادةُ وغيره: هي في الكَفَرة، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين. وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ؛ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامِه»: بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيانٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِنَّمَا الأَعمْالُ بِالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مَا نَوَى » تفسير : ، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه. وقوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا }: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في «حۤم عۤسۤقۤ »: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } تفسير : [الشورى:20] الآية إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في «سورة سُبْحانَ»، وهي قوله تعالى: { أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ... } تفسير : الآية [الإِسراء:18]، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: «مَاذَا عَمِلْتَ؟» ثم قال في آخر الحديث: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُكْبَتَيَّ، وَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا }، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم. انتهى. و{حَبِطَ }: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال. قال * ص *: قوله: {مَا صَنَعُواْ}: «ما» بمعنى: «الَّذِي»، أو مصدريةٌ، و«فيها»: متعلِّقٌ بـــ «حَبِطَ»، والضمير في «فيها» عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق بـــ «صَنَعُوا»؛ فيكون عائداً على الدنيا. انتهى. و«الـــ {بَاطِلٌ}: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ }: في الآية تأويلات. قال * ع *: والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون «أَفَمَن» للمؤمنين، أوْ لهم وللنبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم، والـــ {بَيِّنَةً }: القرآن وما تضمَّن، والـــ {شَاهِدٌ}: الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في «يتلوه» للبيِّنة، وفي «منه» للربِّ، والضميرُ في «قبله» للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في «قَبْله» عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ؛ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك؛ لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان ٱلاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: { أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } تفسير : [الأحقاف:30] والأحزاب؛ هٰهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسَى الأَشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنه قَالَ: « حديث : مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار » تفسير : ، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ حَديثاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وقرأ الجمهورُ: «فِي مِرْيَةٍ» - بكسر الميم -، وهو الشكُّ، والضمير في «منه» عائدٌ على كون الكَفَرة موعدُهُم النَّارُ، وسائر الآية بيِّن. وقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ }: قالت فرقة: يُريدُ الشهداءَ مِنَ الأنبياء والملائكةِ، وقالت فرقة: الأشهادُ: بمعنى المشاهِدِينَ، ويريد جميعَ الخلائق، وفي ذلك إِشادةٌ بهم وتشهيرٌ لخزيهم، وروي في نحو هذا حديثٌ: « أَنَّهُ لاَ يُخْزَى أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ المَحْشَرَ »، وباقي الآية بيِّن مما تقدَّم في غيرها. قال * ص *: وقوله: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } يحتملُ أنْ يكون داخلاً في مفعولِ القولِ، وإِليه نحا بعضُهم. انتهى. وقوله سبحانَهُ: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ }: يَحْتَمِلُ وجوهاً: أَحدُها: أَنه وصف سبحانه هؤلاء الكُفَّار بهذه الصفة في الدنيا؛ علَى معنى أَنَّهم لا يسمعون سماعاً ينتفعُونَ به، ولا يبصُرونَ كذلك. والثاني: أنْ يكون وصفهم بذلك مِنْ أَجْلِ بِغْضَتِهِمْ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعُونَ أَنْ يحملوا نفُوسَهم على السَّمْعِ منه، والنَّظَرِ إِليه. «وَمَا»؛ في هذين الوجهين: نافيةٌ. الثالث: أنْ يكون التقديرُ: يضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا، أيْ: بسبب ما كانوا؛ فـــ «مَا» مصدريةٌ، وباقي الآية بيِّن.

ابو السعود

تفسير : {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي لم يفعلوا ما كُلِّفوه من الإتيان بمثله كقوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ }تفسير : [البقرة: 24, 279] وإنما عُبِّر عنه بالاستجابة إيماءً إلى أنه عليه الصلاة والسلام على كمال أمنٍ من أمره، كأن أمرَه لهم بالإتيان بمثله دعاءٌ لهم إلى أمر يريد وقوعَه، والضميرُ في لكم للرسول عليه الصلاة والسلام والجمعُ للتعظيم كما في قول من قال: شعر : فإن شئتِ حرَّمْتُ النساءَ سواكمُ وإن شئتِ لم أطْعَمْ نقاخاً ولا بَرْداً تفسير : أوْ له وللمؤمنين لأنهم أتباعٌ له عليه الصلاة والسلام في الأمر بالتحدّي، وفيه تنبـيهٌ لطيفٌ على أن حقَّهم ألا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام ويناصِبوا معه لمعارضة المعارِضين كما كانوا يفعلونه في الجهاد وإرشادٌ إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخَ في الإيمان والطُمأنينةَ في الإيقان، ولذلك رُتّب عليه قولُه عز وجل: {فَٱعْلَمُواْ} أي اعلموا حين ظهر لكم عجزُهم عن المعارضة مع تهالُكهم عليها علماً يقيناً متاخِماً لعين اليقينِ بحيث لا مجالَ معه لشائبة ريبٍ بوجه من الوجوه، كأن ما عداه من مراتب العلمِ ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاطِ تلك المراتبِ بل بارتفاع هذه المرتبةِ وبه يتّضح سرُّ إيرادِ كلمةِ الشكِّ مع القطعِ بعدم الاستجابةِ فإن تنزيلَ سائرِ المراتبِ منزلةَ العدمِ مستتبِعٌ لتنزيل الجزْمِ بعدم الاستجابةِ منزلةَ الشكِّ فيه، أو اثبُتوا واستمِرّوا على ما كنتم عليه من العلم {إِنَّمَا أُنزِلَ} ملتبساً {بِعِلْمِ ٱللَّهِ} المخصوصِ به بحيث لا تحوم حوله العقولُ والأفهامُ مستبداً بخصائصِ الإعجازِ من جهتي النظمِ الرائقِ والإخبار بالغيب {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي واعلموا أيضاً ألا شريكَ له في الألوهية وأحكامِها ولا يقدِر على ما يقدر عليه أحدٌ {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه؟ وهذا من باب التثبـيتِ والترقيةِ إلى معارج اليقينِ، ويجوز أن يكونَ الخطابُ في الكل للمشركين من جهة الرسولِ صلى الله عليه وسلم داخلاً تحت الأمر بالتحدّي، والضميرُ في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجبْ لكم آلهتُكم وسائرُ مَنْ إليهم تجأرون في مُهمّاتكم ومُلماتكم إلى المعاونة والمظاهَرَةِ فاعلموا أن ذلك خارجٌ عن دائرة قُدْرةِ البشر وأنه مُنزّلٌ من خالق القُوى والقدر، فإيرادُ كلمةِ الشكِّ حينئذ مع الجزم بعدمِ الاستجابة من جهة آلهتِهم تهكّمٌ بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سخافةِ العقلِ، وترتيبُ الأمرِ بالعلم على مجرد عدمِ الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء المسبوقِ بعجزهم واضطرارِهم فكأنه قيل: فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائِكم إليهم بعد ما اضطُررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيلُ وعيَّتْ بكم العللُ أو من حيث إن مَنْ يستمدّون بهم أقوى منهم في اعتقادهم، فإذا ظهر عجزُهم بعدم استجابتِهم وإن كان ذلك قبلَ ظهورِ عجزِ أنفِسهم يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ، واعلموا أيضاً أن آلهتَكم بمعزل عن رتبة الشِرْكة في الألوهية وأحكامِها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذْ لم يبْقَ بعدُ شائبةُ شبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخُلُ فيه الإذعانُ لكون القرآنِ من عند الله تعالى دخولاً أولياً أو منقادون للحق الذي هو كونُ القرآنِ من عند الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعِناد، وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ لما فيه من معنى الطلب والتنبـيهِ على قيام الموجبِ وزوالِ العذر وإقناطٌ من أن يجبُرَهم آلهتُهم من بأس الله عز سلطانُه، هذا والأول أنسبُ لما سلف من قوله تعالى: {أية : وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} تفسير : [هود: 12] ولما سيأتي من قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ }تفسير : [هود: 17] وأشدُّ ارتباطاً بما يعقُبه كما ستحيط به خُبراً.

القشيري

تفسير : يعني فإن لم يستجيبوا لكم يعني إلى الإتيان بمثله - وهم أهل بلاغة - فتحققوا أنه من قِبَلِ الله، وليس على سنة التحقيق (....) إنما العمى في بصائر من ضلُّوا عن الحقِّ، وتاهوا في سدفة الحيرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان لم يستجيبوا لكم} الضمير فى لكم للرسول عليه السلام وجمع للتعظيم اوله وللمؤمنين لانهم اتباع له عليه السلام فى الامر بالتحدى وفيه تنبيه لطيف على ان حقهم ان لا ينفكوا عنه وينصابوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه فى الجهاد. قال سعدى المفتى اختلف فى تناول خطاب النبى عليه السلام لامته فقال الشافعية لا وقال الحنفية الحنابلة نعم الا ما دل الدليل فيه على الفرق انتهى. والمعنى فان لم يستجب هؤلاء المشركون لكم يا محمد ويا اصحاب محمد عليه السلام اى ما دعوتموهم اليه من معارضة القرآن واتيان عشر سور مثله وتبيين عجزهم عنه بعد الاستعانة بمن استطاعوا بالاستعانة منه من دون الله تعالى {فاعلموا انما انزل بعلم الله} ما فى انما كافة وضمير انزل يرجع الى ما يوحى وبعلم حال اى ملتبسا بما لا يعلمه الا الله تعالى من المزايا والخواص والكيفيات. وقال الكاشفى [يعنى ملتبس بعلمى كه خاصه اوست وآن علمست بمصالح عباد وآنجه ايشانرا بكار آيد در معاش ودر معاد] وقال فى التأويلات النجمية {أية : بعلم الله} تفسير : لا بعلم الخلق فان فيه الاخبار عما سيأتى وهو بعد فى الغيب ولا يعلم الغيب الا الله انتهى والمراد الدوام والثبات على العلم اى فدوموا ايها المؤمنون واثبتوا على العلم الذى انتم عليه لتزدادوا يقينا وبات قدم على انه منزل من عند الله وانه من جملة المعجزات الدالة على صدقه عليه السلام فى دعوى الرسالة {وان لا اله الا هو} اى وداوموا على هذا العلم ايضا يعنى هو ينزل الوحى وليس احد ينزل الوحى غيره لانه الاله ولا اله غيره {فهل انتم مسلمون} ثابتون على الاسلام راسخون فيه اى فاثبتوا عليه فى زيادة الاخلاص. وفى الآيات امور. منها ان الوحى على ثلاثة انواع نوع امر عليه السلام بكتمانه اذ لا يقدر على حمله غيره ونوع خير فيه ونوع امر بتبليغه الى العام والخاص من الانس والجن وما يتعلق بمصالح العباد من معاشهم ومعادهم فلا يجوز تركه وان ترتب عليه مضرة وضاق به الصدر سبيل تبليغ الرسالة هو اللسان فلا رخصة فى الترك وان خاف. قال صاحب التيسير فهذا دليل قولنا فى المكره على الطلاق والعتاق ان تكلم به نفذ لان تعلق ذلك باللسان لا بالقلب والاكراه لا يمنع فعل اللسان فلا يمنع النفاذ انتهى. وفى الحديث "حديث : ان الله بعثنى برسالته فضقت بها ذرعا فاوحى الله تعالى الى ان لم تبلغ رسالتى عذبتك وضمن لى العصمة فقويت" تفسير : ويدخل فيه العلماء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر فانهم اذا عملوا بما علموا وتصدوا للتبليغ وخافوا الله دون غيره فان الله تعالى يحفظهم من كيد الاعداء -حكى- ان زاهدا كسر خوابى الخمر لسليمان بن عبد الملك الخليفة فاتى به يعاقبه وكان للخليفة بغلة تقتل من ظفرت به واتفق رأى وزرائه ان يلقى الزاهد بين يدي البغلة فالقى بين يديها فخضعت له فلم تقتله فلما اصبحوا نظروا اليه فاذا هو صحيح فعلموا ان الله تعالى حفظه فاعتذروا اليه وخلوا سبيله شعر : كرت نهى منكر برآيد زدست نشايد جوبى دست وبابان نشست تفسير : ومنها ان المؤمنين ينبغى ان يعاونوا أئمتهم ومن اقتدى بهم فى تنفيذ الحق واجرائه والزام الخصم واسكاته كما كان الاصحاب رضى الله عنهم يفعلون ذلك برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الجهاد وغيره من الامور الدينية وفى الحديث "حديث : المؤمن للمؤمن كبنيان يشد بعضه بعضا" تفسير : يعنى المؤمن لا يتقوى فى امر دينه ودنياه الا بمعونة اخيه كما ان بعض البناء يقوى ببعضه وفيه حث على التعاضد فى غير الاثم كذا فى شرح المشارق لابن الملك وكان النبى صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا فى المسجد فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدفع عن المسلمين ويقويهم على المشركين وكان روح القدس اى جبريل يمده بالجواب ويلهمه الصواب شعر : هجا كفتن ارجه بسنديده نيست مبادا كسى كآلت آن ندارد جه آن شاعرى كوهجا كونباشد جوشيرى كه جنكال ودندان ندارد تفسير : ومنها لزوم الثبات على التوحيد ومن علاماته التكرير باللسان جهرا واخفاء جميعة وانفرادا وفى الحديث "حديث : جددوا ايمانكم" تفسير : والمراد الانتقال من مرتبة الى مرتبة فان اصل الايمان قديم بالاول كما فى الواقعات المحمودية: قال المولى الجامى قدس سره شعر : دلت آيينه خداى نماست روى آيينه توتيره جراست صيقلى دار صيقلى ميزن باشد آيينه ات شود روشن صيقل آن اكرنه آكاه نيست جز لا اله الا الله تفسير : وفى الحديث "حديث : من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار ومن مات يعلم انه لا اله الا الله دخل الجنة " تفسير : واعلم ان كلمة هو فى قوله تعالى {لا اله الا هو} اسم تام بمنزلة لفظة الجلالة ولذا جعلها الصوفية قدس الله اسرارهم وردّ الهم فى بعض اوقاتهم. قال فى فتح القريب من خواص اسم الله انك اذا حذفت من خطه حرفا بقى دالا على الله تعالى فان حذفت الالف بقى لله وان حذفت اللام الاولى وابقيت الالف بقى اله وان حذفتهما معا بقى له ملك السموات والارض وان حذفت الثلاثة بقى هو الله الحى القيوم لا اله الا هو انتهى

الطوسي

تفسير : قيل في المعني بقوله {فإن لم يستجيبوا لكم} قولان: أحدهما - ان المراد به المؤمنون، والتقدير فان لم يقبلوا إجابتك يا محمّد والمؤمنين، ولا يأتون بعشر سور معارضة لهذا القرآن، فليعلم المؤمنون إنما أنزل بعلم الله بهذا الدليل، وهو قول مجاهد والجبائي. والآخر - أن يكون المراد به المشركين، فالتقدير فان لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المعاونة ولا يهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة. والاستجابة في الاية طلب الاجابة بالقصد إلى فعلها، يقال: استجاب وأجاب بمعنى واحد. والفرق بين الاجابة والطاعة أن الطاعة موافقة للارادة الجاذبة إلى الفعل برغبة أو رهبة، والاجابة موافقة الداعي إلى الفعل من أجل أنه دعا به. وقوله {أنزل بعلم الله} يحتمل أمرين: احدهما - بعلم الله انه حق من عنده أي عالم به. والآخر - بعلم الله بمواقع تأليفه في علو طبقته. وقوله {وأن لا إله إلا هو} اي فاعلموا أن لا إله إلا هو. وقوله {فهل أنتم مسلمون} معناه هل أنتم بعد قيام الحجة عليكم بما ذكرناه من كلام الله وانه أنزله على نبيه تصديقاً له فيما أدّاه اليكم عن الله مسلمون له موقنون به؟ لأن كل من سلم له الأمر فقد استسلم له. قال مجاهد: وهذا خطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله من المسلمين.

الجنابذي

تفسير : {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} اى ان لم يستجب الشّركاء لكم ايّها المنكرون او ان لم يستجب المنكرون لكم ايّها المؤمنون الى ما تحدّيتم به، ولمّا كان الغرض من هذا التّحدىّ تسلية المؤمنين وتقوية ضعفاء المسلمين جعلهم شركاء له (ص) فى الخطاب على هذا الوجه، ويجوز ان يكون هذا ابتداء كلام ويجوز ان يكون مقول قوله (ص) {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ} القرآن {بِعِلْمِ ٱللَّهِ} اى باطّلاعه او انّ الّذى انزل انزل باطّلاع الله لا بافتراء عليه {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} يعنى انّ الّذين يدعونه من دون الله الشّياطين والاصنام والكواكب لا تصرّف ولا تسلّط لهم على شيءٍ ولا استحقاق للعبوديّة الاّ له يعنى انّ عجزهم عن الاتيان بدليل على صدق محمّد (ص) وعلى نفى استحقاق غيره للعبادة وعلى كذب المكذّبين فى دعوى الآلهة لغيره تعالى {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} منقادون خالصون عن الرّيب ان كان الخطاب لضعفاء المسلمين او فهل انتم معتقدون لدين الاسلام داخلون فيه ان كان الخطاب للكفّار بصرف الخطاب عن المسلمين الى المشركين يعنى ان علمتم ايّها المؤمنون او ان عجزتم وعلمتم عجز شركائكم ايّها المشركون فهل انتم مسلمون.

اطفيش

تفسير : {فإنْ لَم يسْتَجيبُوا لكُم} أى يستجب لكم الذين دعوتم من الكفار من الجن والإنس، والذين دعوتم من الكفار والأصنام لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم العجز، والخطاب للذين قالوا: إنه مفترى. {فاعْلَموا أنما أنزِلَ بعِلْم اللهِ} أى ملتبسا بما لا يكون معلوما، ولا مقدورا لغير الله، والخطاب لهم أيضا {وأنْ لا إله إلاَّ هُو} أى وأعلم أن ما دعاكم إليه من التوحيد حق {فَهلْ أنتُم مسْلمُون} داخلون فى الإسلام، تائبون عن القول بأنه مفترى، وعن سائر أقوال الشرك بعد قيام البرهان القاطع، فإنه لا وجه للبقاء على ذلك مع قيامه، ولا عذر فأسلموا، وهذا الاستفهام يتضمن الاستبطاء، والأمر والتنبيه على قيام البرهان، أو الواو فى يستجيبوا للكفرة القائلة إنهم مفترى. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولو كان الخطاب فى قل له فقط، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم متناول لهم من حيث إنه يجب عليهم اتباعه فى كل أمر إلا ما خصه الدليل به، وللتنبيه على أنهم لا يغفلون عن التحدى، فلهم دخل فيه وكلام، ولو كان المتحدى هو الرسول، لأن عجز الكفرة بعد التحدى يرسخ فيهم من الإيمان، ولأن المؤمنين أيضا قد يتحدونهم بنفس ما نزل على الرسول، أو الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيما له بصورة خطاب الجماعة. وعلى كل حال صح التفريع فى العلم والإسلام، والمعنى فازدادوا علما بأنه من الله، وأنه لا معبود سوى الله وإسلاما، أو دوموا على ذلك، وفى ضمن ذلك عجز آلهتهم وتهديد بعبادتها، واقتناع من أنها لن تغنى عنهم شيئا، ووجوب الإعراض عنها، إذ لم يقدر على ذلك العقلاء الفصحاء، فضلا عنها.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبٌوا لَكُمْ} فى الإِتيان بعشر سور مثله أَو بالمعاونة، والواو لمن، فالكلام من الله أَو الواو للمشركين بالكلام من القول والفاءُ عاطفة على قل عطف طلب على طلب، لأَن المعتبر فى الشرط هو الجواب وهو هنا أَمر أَو رابطة لمحذوف أَى إِذا قلت فأْتوا إِلخ، فإِن لم يستجيبوا وذكر بعض أَنها سببية لأَن ظهور عدم الاستجابة فى تحققه مسبب عن الأَمر بإِتيان ما هو مثله ومعقب له، وإِن الموضوعة بالشك إِنما هى باعتبار وطنهم لأَن العجز قبل التدبر فى بلاغته لم يتحقق عندهم، واختار الاستجابة على الإِجابة إِذ لم يقل فإِن لم يجيبوا لأَن الاستجابة خاصة بتحصيل المطلوب، والإِجابة تعم الجواب بتحصيله أَو دونه ولم يقل فإِن لم تفعلوا كما فى سورة البقرة إِيماءً إِلى أَنه صلى الله عليه وسلم على كمال آمن من أَمره كان أَمره لهم بالإِتيان بمثله دعاءً لهم إِلى أَمر يريد وقوعه، والخطاب فى لكم لرسول الله والمؤمنين لأَن تحديه صلى الله عليه وسلم تحد لهم، ولأَن المؤْمنين يتحدونهم أَيضاً، وأَمر النبى بالتحدى أَمر لهم بالتحدى لأَن كل ما عليه أَو له عليهم أَو لهم إِلا ما خص بدليل وأَيضاً هم راضون بتحديه وحاضرون حال التحدى أَو الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع تعظيماً له، وفى آية أُخرى فإِن لم يستجيبوا لك أَو الخطاب لهم تلوينا للخطاب والجمع فى قوله {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ} على حد الجمع فى لكم تبع له والمراد المماثلة فى نوع إِعجاز القرآن لا فى إِجمال معانى القرآن كله فى عشر السور، والأَظهر لهم كأَنه تكليف بما لا يطاق، ولو كان من الجائِز أَن يأْمرهم تعجيزاً بأَن يأْتوا به كله فى عشر سور طوال جداً حتى تجمعه، والباءُ للملابسة أَى مع علم الله لا بالافتراءِ وإِنما للحصر، ولا يغرنك ما قيل أَنها لا تكون للحصر وإِن المكسورة تفيده وحدها دون المفتوحة، أَى ما أَنزل إِلا بعلم الله وقدرته لا علم فيه لغيره ولا قدرة، فهو منه أَبعد أَن ينزله غيره فيعلم هو أَو لا يعلم أَو ما اسم، أَى إِن الذى أُنزل ثابت بعلم الله وعليه فبعلم خبر لأَن ولا يتصور أَن تكون مصدرية لأَن أَن قبلها مصدرية إِذا صرنا إِلى المصدرية، ومعنى اعلموا اثبت يا محمد أَو يا محمد والمؤمنون على العلم، أَو زد أَو زيدوا منه أَو المراد العلم الذى فى المرتبة العليا التى ما عداها من علم المخلوق كلا علم، وأَجاز بعض أَن يكون الخطاب من الغيبة والأَصل فليعلموا ولا يرده عن الالتفات وجود الخطاب فى وادعوا من استطعتم إِلخ لأَنه ليس فى نظمه بل فى نظم فإِن لم يستجيبوا ويناسبه أَن ضمير الجمع فى الآية قبل لهم فليكن لهم فى هذه وأَنهم أَقرب ذكراً {وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أَن مصدرية مخففة والعطف على إنما إلخ أَى واعلموا أَن لا إِله إِلا هو أَو على علم أَى إِنما أُنزل بعلم الله وبأَن لا إِله إِلا هو، وعلى كل حال المراد توحيد العالم بما لا يعلم غيره القادر على ما لا يقدر غيره فهو المعبود لا آلهتهم لعجزها عن العلم والقدرة، فليست مجيرة لعابديها من العذاب {فَهَلْ أَنتُمْ مُسْلِمُونَ} ثابتون على الإِسلام راسخون فيه وزائِدون ثباتا عليه للإِعجاز الذى شاهدتم، أَو الخطاب للكفار، أَى فهل أَنتم داخلون فى الإِسلام لهذا الإِعجاز أَو مؤْمنون بالقرآن لهذا الاعجاز، والفاءُ سببية أَو عاطفة على اعلموا والمراد الأَمر بالإِسلام لتمام حجته كأَنه قيل قام موجب الإِيمان فلا عذر فى التخلف عنه، وقد قيل الاستفهام للأَمر أَو للاستبطاءِ أَو للتقرير أَى أَقروا بما عندكم أَبقاءٌ على الكفر أَم دخول فى الإِسلام، فإِنه لا مانع لكم إِلا حب الدنيا ولذا قال.

الالوسي

تفسير : {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} الخطاب ـ على ما روي عن الضحاك ـ للمأمورين بدعاء من استطاعوا، وضمير الجمع الغائب عائد إلى {من} أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله تعالى إلى الإسعاد والمظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن تبلغه {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} أي ما أنزل إلا ملتبساً بعلمه تعالى لا بعلم غيره على ما تقتضيه كلمة {إِنَّمَا} فإنها تفيد الحصر كالمكسورة على الصحيح، قيل: وهو معنى قول من قال: أي ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله تعالى ولا يقدر عليه سواه. وادعى بعضهم أن الحصر إنما أفادته الإضافة كما في قوله تعالى: {أية : لا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً }تفسير : [الجن: 26] والمراد بما / لا يعلمه غيره تعالى الكيفيات والمزايا التي بها الإعجاز والتحدي، وذكر عدم قدرة غيره سبحانه مما يقتضيه السياق وإلا فالمذكور في النظم الكريم العلم دون القدرة، وقيل: ذاك لأن نفي العلم بالشيء يستلزم نفي القدرة لأنه لا يقدر أحد على ما لا يعلم، والجملة الشرطية داخلة في حيز القول. وإيراد كلمة الشك مع الجزم بعدم الاستجابة من جهة من يدعونه تهكم بهم وتسجيل عليهم بكمال سخافة العقل، وترتيب الأمر بالعلم على مجرد عدم الاستجابة من حيث أنه مسبوق بالدعاء المسبوق بتعجيزهم واضطرارهم فكأنه قيل: فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائكم إليهم بعد ما اضطررتم إلى ذلك وضاعت عليكم الحيل وعيت بكم العلل فاعلموا الخ أو من حيث أن من يدعونهم إلى المعارضة أقوى منهم في اعتقادهم فإذا ظهر عجزهم بعدم استجابتهم وإن كان ذلك قبل ظهور عجز أنفسكم يكون عجزهم أظهر وأوضح. وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن لا إشكال في الآية. ومما يقضي منه العجب قول العز بن عبد السلام في «أماليه»: إن ترتيب هذا المشروط يعني العلم على ذلك الشرط يعني عدم الاستجابة مشكل، وكذا قوله سبحانه: {أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} مشكل أيضاً إذ لا تصلح الباء للسببية إذ ليس العلم سبباً في إنزاله ولا للمصاحبة إذ العلم لا يصحبه في إنزاله، وأن الجواب أنه ليس المراد بالعلم إلا علمنا نحن، وأضيف إليه عز وجل لأنه مخلوق له تعالى، ونظير ذلك ما في قوله جل وعلا: {أية : وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 106] حيث أضيفت الشهادة إلى الله سبحانه باعتبار أنه تعالى شرعها، والقرآن قد نزل بأدلة العلم بأحكام الله تبارك اسمه، فعبر بالمدلول عن الدليل، والتقدير {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلِ} مصحوباً بانتشار علم الأحكام، وهي الأدلة، ولا شك أنه يناسب إذا عجزوا عن معارضته أن يعلموا أن هذه الآيات أدلة أحكام الله تعالى انتهى، وليت شعري كيف غفل هذا العالم الماهر عن ذلك التفسير الظاهر، ولعله كما قيل: من شدة الظهور الخفاء. {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي واعلموا أيضاً أنه تعالى المختص بالألوهية وأحكامها وأن آلهتكم بمعزل عن رتبة الشركة له تعالى في ذلك {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي داخلون في الإسلام إذ لم يبق بعد شائبة شبهة في حقيته وفي بطلانه ما أنتم فيه من الشرك، فيدخل فيه الإذعان بكون القرآن من عند الله تعالى دخولاً أولياً، أو منقادون للحق الذي هو كون القرآن من عند الله تعالى وتاركون ما أنتم عليه من المكابرة والعناد، وفي هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال المانع، ولهذا جىء بالفاء. وفي التعبير ـ بمسلمون ـ دون تسلمون تأييد لما يقتضيه ترتيب ما ذكر على ما قبل بها من وجوبه بلا مهلة، قيل: وفي ذلك أيضاً إقناط لهم من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله تعالى شأنه وعز سلطانه، وجوز أن يكون الضمير في {لَكُمْ} للرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أنه جاء في آية أخرى {أية : فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ }تفسير : [القصص: 50]، وروي ذلك عن مجاهد، وكان المناسب للأمر بقل الإفراد لكنه جمع للتعظيم، وهو لا يختص بضمير المتكلم كما قاله الرضى، ومن ذلك: شعر : وإن شئت حرمت النساء سواكم تفسير : والجملة غير داخلة في حيز القول بل هي من قبله تعالى للحكم بعجزهم كقوله سبحانه: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } تفسير : [البقرة: 24] وعبر بالاستجابة إيماءً إلى أنه صلى الله عليه وسلم على كمال الأمن من أمره كأن أمره عليه الصلاة والسلام لهم بالإتيان بمثله دعاء لهم إلى أمر يريد وقوعه، ويجوز أن يكون الضمير له صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأنهم أتباع له صلى الله عليه وسلم في الأمر بالتحدي، وفيه تنبيه لطيف على أن حقهم أن لا ينفكوا عنه / عليه الصلاة والسلام ويناصبوا معه لمعارضة المعاندين كما كانوا يفعلونه في الجهاد؛ وإرشاد إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخ في الإيمان، ولذلك رتب عليه ما ترتب. والمراد بالعلم المأمور به ما هو في المرتبة العليا التي كأن ما عداها من مراتب العلم ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاط تلك المراتب بل بارتفاع هذه المرتبة، ويعلم من ذلك سر إيراد كلمة الشك مع القطع بعدم الاستجابة، فإن تنزيل سائر المراتب منزلة العدم مستتبع لتنزيل الجزم بعدم الاستجابة منزلة الشك، ويجوز أن يكون المأمور به الاستمرار على ما هم عليه من العلم ومعنى {مُّسْلِمُونَ} مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه، والكلام من باب التثبيت والترقية إلى معارج اليقين، واختار تفسير الآية بذلك الجبائي. وغيره، وذكر شيخ الإسلام ((أنه أنسب بما سلف من قوله تعالى: {أية : وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ }تفسير : [هود: 12] ولما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: أية : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ }تفسير : [هود: 17] وأشد بما يعقبه))، وقد يؤيد أيضاً بما أشرنا إليه لكن لا يخفى أن الكلام على التفسير الأول موافق لما قبله لأن ضمير الجمع في الآية المتقدمة للكفار والضمير في هذه ضمير الجمع فليكن لهم أيضاً، ولأن الكفار أقرب المذكورين فرجوع الضمير إليهم أولى، ولأن في التفسير الثاني تأويلات لا يحتاج إليها في الأول. ومن هنا استظهره أبو حيان واستحسنه الزمخشري، ولعل مرجحاته أقوى من مرجحات الأخير عند من تأمل فلذا قدمناه، وإن قيل: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك، ويكتب ـ فإلم ـ في المصحف ـ على ما قال الأجهوري ـ بغير نون، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {نزل} بفتح النون والزاي وتشديدها، وفي «البحر» أن ـ ما ـ يحتمل أن تكون مصدرية أي أن التنزيل، وأن تكون موصولة بمعنى الذي أي أن الذي نزله، وحذف العائد المنصوب في مثل ما ذكر شائع، وفاعل ـ نزل ـ ضميره تعالى، وجوز بعضهم كون ـ ما ـ موصولة على قراءة الجمهور أيضاً، ويبعد ذلك بحسب المعروف في مثله أنها موصولة فافهم.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على {أية : وادْعوا من استطعتم}تفسير : [هود: 13] أي فإن لم يستجب لكم مَن تدعو لهم فأنتم أعجز منهم لأنكم ما تدعونهم إلاّ حين تشعرون بعجزكم دون معاون فلا جرم يكون عجز هؤلاء موقعاً في يأس الدّاعين من الإتيان بعشر سور. والاستجابة: الإجابة، والسين والتاء فيه للتأكيد. وهي مستعملة في المعاونة والمظاهرة على الأمر المستعان فيه، وهي مجاز مرسل لأنّ المعاونة تنشأ عن النّداء إلى الإعانة غالباً فإذا انتدب المستعان به إلى الإعانة أجاب النداء بحضوره فسمّيت استجابة. والعلم: الاعتقاد اليقين، أي فأيقنوا أن القرآن ما أنزل إلاّ بعلم الله، أي ملابساً لعلم الله. أي لأثر العلم، وهو جعله بهذا النظم للبشر لأن ذلك الجعل أثر لقدرة الله الجارية على وفق علمه. وقد أفادت (أنما) الحصر، أي حصر أحوال القرآن في حالة إنزاله من عند الله. و{أن لا إله إلاّ هو} عطف على {أنّما أنزل} لأنهم إذا عجزوا فقد ظهر أن من استنصروهم لا يستطيعون نصرهم. ومن جملة من يستنصرونهم بطلب الإعانة على المعارضة بين الأصنام عن إعانة أتباعهم فدل ذلك على انتفاء الإلهية عنهم. والفاء في {فهل أنتم مسلمون} للتفريع على {فاعلموا}. والاستفهام مستعمل في الحثّ على الفعل وعدم تأخيره كقوله: {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91] أي عن شرب الخمر وفعل الميسر. والمعنى: فهل تسلمون بعد تحققكم أنّ هذا القرآن من عند الله. وجيء بالجملة الاسمية الدالة على دوام الفعل وثباته. ولم يقل فهل تسلمون لأنّ حالة عدم الاستجابة تكسب اليقين بصحة الإسلام فتقتضي تمكنه من النفوس وذلك التمكن تدلّ عليه الجملة الاسمية.

د. أسعد حومد

تفسير : (14) - ثُمَّ يُشْعِرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَيَقُولُ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِلَى مَا طَلَبْتُمْ مِنْهُمُ الإِتْيَانَ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ البَشَرَ لا يَسْتَطِيعُونَ الإِتْيَانَ بِمْثِلِهِ، وَأَنَّ القُرْآنَ إِنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ، وَأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لاَ إلهَ إِلاَّ هُوَ، فَأَسْلِمُوا لَهُ، وَأَخْلِصُوا إِلَيْهِ فِي إِيمَانِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والخطاب هنا موجَّه إلى الذين ادَّعوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، أو أن الخطاب مُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال في الآية السابقة: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ..} [هود: 13-14]. أي: إن لم يردُّوا على التحدي، فليعلموا وليتيقَّنوا أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى، بشهادة الخصوم منهم. ولماذا عدَّل الحق سبحانه هنا الخطاب، وقال: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ..} [هود: 14]. أي: من تدعونهم، ثم قال سبحانه: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ..} [هود: 14]. وقد قال الحق سبحانه ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُطالَبٌ بالبلاغ وما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين مطلوب منه أن يُبلغوه، وإنْ لم يستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم أو للمؤمنين، ولم يأتِ أحد مع مَنْ يتهم القرآن بأنه مُفترًى مِن محمدٍ. وقد يكون هؤلاء الموهوبون خائفين من التحدي؛ لأنهم عرفوا أن القرآن حق، وإن جاءوا ليفتروا مثله فلن يستطيعوا، ولذلك فاعلموا - يا مَنْ لا تؤمنون بالقرآن - أن القرآن: {أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ..} [هود: 14]. إذن: فالخطاب يكون مرَّة - موجَّهاً للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته. ولذلك عَدَلَ الحق سبحانه عن ضمير الإفراد إلى ضمير الجمع في قوله تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ..} [هود: 14]. أي: ازدادوا علماً أيها المؤمنون بأن القرآن إنما نزل من عند الله. والعِلْم - كما نعلم - مراحل ثلاث: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين. أو أن الخطاب مُوجَّه للكافرين الذين طلب القرآن منهم أن يَدْعُوا من يستطيعون دعاءه ليعاونهم في معارضة القرآن: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ..} [هود: 14]. وأعلى مراتب العِلْم عند الحق سبحانه الذي يعلم كل العلم أزلاً، وهو غير علمنا نحن، الذَي يتغير حسب ما يتيح لنا الله سبحانه أن نعلم، فأنت قد تكون عالماً بشيءٍ وتجهل أشياء، أوعلمتَ شيئاً وغابتْ عنك أشياء. ولذلك تجد الأطباء، وأصحاب الصناعات الدقيقة وغيرهم من الباحثين والعلماء يستدرك بعضهم البعض، فحين يذهب مريض لطبيب مثلاً ويصف له دواءً لا يستجيب له، فيذهب المريض إلى طبيب آخر، فيستدرك على الطبيب الأول، فيصف دواء، وقد لا يستجيب له المريض مرة ثانية، وهنا يجتمع الأطباء على هيئة "مجمع طبي" يُقرّر ما يصلح أو لا يصلح للمريض. ويستدرك كلٌّ منهم على الآخر إلى أن يصلوا إلى قرار، والذي يستدرك هو الأعلم؛ لأن الطبيب الأول كتب الدواء الذي أرهق المريض أو لم يَستجبْ له، وهو قد حكم بما عنده من عِلْم، كذلك بقية الباحثين والعلماء. وما دام فوق كل ذي علمٍ عليمٌ؛ فالطبيب الثاني يستدرك على الطبيب الأول.. وهكذا. ولكن أيوجد أحدٌ يستدرك على الله سبحانه وتعالى؟ لا يوجد. وما دام القرآن الكريم قد جاء بعلم الله تعالى، فلا علم لبشر يمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [هود: 14]. وجاء الحق سبحانه هنا بأنه لا إله إلا هو؛ حتى لا يدَّعي أحدٌ أن هناك إلهاً آخر غير الله. وذكر الله سبحانه هنا أن هذا القرآن قد نزل في دائرة: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} [هود: 14]. وما دام الحق سبحانه قد حكم بذلك فلنثق بهذا الحكم. مثال ذلك: هو حكم الحق سبحانه على أبي لهب وعلى امرأته بأنهما سيدخلان النار فهل كان من الممكن أن يعلن أبو لهب إسلامه، ولو نفاقاً؟ طبعاً لا؛ لأن الذي خلقَه علم كيف يتصرف أبو لهب. لذلك نجد بعد سورة المسد التي قررت دخول أبي لهب النار، قول الحق سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. أي: أن الحق سبحانه ما دام قد أصدر حكمه بأن أبا لهب سيدخل وزوجه النار، فلن يقدر أحد على أن يُغيِّر من حكمه سبحانه، فلا إله إلا هو. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: {.. فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [هود: 14]. وهذا استفهام، أي: طلب للفهم، ولكن ليس كل استفهام طلباً للفهم، فهذا الاستفهام هنا صادر عن إرادة حقيقية قادرة على فرض الإسلام على من يستفهم منهم. ولكنه سبحانه شاء أن يأتي هذا الاستفهام على لسان رسوله ليقابله جواب، ولو لم يكن السائل واثقاً أنه لا يوجد إلا الإسلام لما قالها، ولو لم يكن السائل واثقاً أنه لا جواب إلا أن يُسْلِم السامع، ما جعل جواب السامع حجة على السامع. وقائل هذا الكلام هو الخالق سبحانه، ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه مُنزَّه عن كل مثل، تجد إنساناً يحكي لك أمراً بتفاصيله، ثم يسألك: هل أنا صادق فيما قلت لك؟.. وهو يأتي بهذا الاستفهام؛ لأنه واثق من أنك ستقول له: نعم، أنت صادق. وإذا نظرنا في آية تحريم الخمر والميسر - على سبيل المثال - نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}تفسير : [المائدة: 91]. وكأن هذا الاستفهام يحمل صيغة الأمر بأن: انتهوا من الخمر والميسر، واخجلوا مما تفعلون. إذن: فقول الحق سبحانه في آخر الآية الكريمة: {.. فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [هود: 14] يعني: أسلموا، واتركوا اللجاجة بأن القرآن قد جاء من عند محمد، أو أنه افتراه، بل هو من عند الله سبحانه الذي لا إله إلا هو. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [الآية: 14]. يعني به أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم. أَنبا عبد الرحمن، أَنبا إِبراهيم، نا آدم، نا أَبو جعفر الرازي، نا الربيع بن أَنس عن أَبي العالية قال: جاءَ جبريل إِلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، بشر أُمتك بالسناءِ والدين والرفعة والنصر والتمكين. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا جبريل ثم مه؟ فقال جبريل: ثم من عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له يوم القيامة من ذلك نصيب [الآية: 15]. قال: فاسترجع رسول الله فقال{أية : إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 156]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} [الآية: 17]. قال يتبعه حافظ من الله أَي ملك.