١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمداً صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمداً مبطل ونحن محقون، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل، وكانوا كاذبين فيه، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى. ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء: 18] وقوله: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومالَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } تفسير : [الشورى: 20] وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في الآية قولين: القول الأول: أنها مختصة بالكفار، لأن قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق، لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر، لأن قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لا يليق إلا بالكفار، فصار تقدير الآية: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالباً لسعادات الآخرة، كان حكمه كذا وكذا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه، فمنهم من قال: المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا، وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر. والقول الثاني: أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها. والقول الثالث: أن المراد: اليهود والنصارى؛ وهو منقول عن أنس. والقول الرابع: وهو الذي اختاره القاضي أن المراد: من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها، وعمل الخير قسمان: العبادات، وإيصال المنفعة إلى الحيوان، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار. فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا، فإن بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين، فكلها تكون من أعمال الخير، فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم. وأما العبادات: فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة، فإذا لم يؤت بتلك النية، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات. وإذا عرفت هذا فنقول قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر. القول الثاني: وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم، ونقول: إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته، وهذا القول مشكل، لأن قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ } لا يليق المؤمن إلا إذا قلنا المراد أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء، ثم القائلون بهذا القول ذكروا أخباراً كثيرة في هذا الباب. روي أن الرسول عليه السلام قال: « حديث : تعوذوا بالله من جب الحزن » تفسير : قيل وما جب الحزن؟ قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون » تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيراً ولا خير فيه » تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن، فيقال له ما عملت فيه؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال: فلان قارىء، وقد قيل ذلك، ويؤت بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك فيقول: وصلت الرحم وتصدقت، فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك » تفسير : قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا }. المسألة الثانية: المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات، بل ليس لهم منها إلا النار. واعلم أن العقل يدل عليه قطعاً، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ولأجل الرياء، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزاً عن وجدانها غير قادر على تحصيلها، ومن أحب شيئاً ثم حيل بينه وبين المطلوب فإنه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطاً باطلاً عديم الأثر.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {مَن كَانَ} كان زائدة، ولهذا جزم بالجواب فقال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} قاله الفراء. وقال الزجاج: {مَنْ كَانَ} في موضع جزم بالشرط، وجوابه {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} أي من يَكُنْ يريد؛ والأول في اللفظ ماض والثاني مستقبل، كما قال زهير:شعر : وَمَنْ هَاب أسباب المنيةِ يَلْقَها ولو رامَ أسبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ تفسير : وٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل: نزلت في الكفار؛ قاله الضحاك، واختاره النحاس؛ بدليل الآية التي بعدها {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فيِ الآخَرِةِ إِلاَّ النَّارُ} أي من أتى منهم بصلة رَحِم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة له في الآخرة. وقد تقدم هذا المعنى في «براءة» مستوفى. وقيل: المراد بالآية المؤمنون؛ أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عُجل له الثواب ولم يُنقص شيئاً في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الأعمال بالنيات» تفسير : فالعبد إنما يُعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره؛ وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل مِلّة. وقيل: هو لأهل الرياء؛ وفي الخبر«حديث : أنه يقال لأهل الرياء: صُمتم وصلّيتم وتصدّقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك ثم قال: إنّ هؤلاء أولُ من تُسْعَر بهم النار». تفسير : رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديداً وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} وقرأ الآيتين، خرّجه مسلم (في صحيحه) بمعناه والترمذيّ أيضاً. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن؛ قاله مجاهد وميمون ابن مِهْران، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مِهْران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفّي ثوابها؛ فإن كان مسلماً مخلصاً وُفّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافراً وُفِّي في الدنيا. وقيل: من كان يريد (الدنيا) بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وُفِّيَها، أي وُفِّي أجر الغَزاة ولم يُنقص منها؛ وهذا خصوص والصحيح العموم. الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه السلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : . وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وتدلّ على أن من توضأ للتبرّد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه. الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة؛ وكذلك الآية التي في «الشورى» {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [الشورى: 42] الآية. وكذلك {أية : وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران:145] قيدها وفسرها التي في «سبحان» {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18] إلى قوله: {مَحْظُورًا} فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضّحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أنها منسوخة بقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ}. والصحيح ما ذكرناه؛ وأنه من باب الإِطلاق والتقييد؛ ومثله قوله: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كلّ داعٍ دائماً على كل حال، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} تفسير : [الأنعام: 41]. والنسخ في الأخبار لا يجوز؛ لاستحالة تبدّل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى؛ فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو مذكور في الأصول؛ ويأتي في «النحل» بيانه إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} بإحسانه وبره. {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرئاسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد. وقرىء «يوف» بالياء أي يوف الله و {نُوَفّ } على البناء للمفعول و «نُوَفّ» بالتخفيف والرفع لأن الشرط ماض كقوله:شعر : وَإِنْ أَتَاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرَمُ تفسير : {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} لا ينقصون شيئاً من أجورهم. والآية في أهل الرياء. وقيل في المنافقين. وقيل في الكفرة وغرضهم وبرهم.
ابن كثير
تفسير : قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً، يقول: من عمل صالحاً التماس الدنيا؛ صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله؛ لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين، وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد، وقال أنس بن مالك والحسن: نزلت في اليهود والنصارى، وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء، وقال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطىٰ بها جزاء، وأما المؤمن، فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة، وقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا، وقال تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ ٱلأَخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلاَْخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء:18-21] وقال تعالى: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }تفسير : [الشورى: 20].
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } بأن أصَرَّ على الشرك، وقيل: هي في المرائين {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي جزاء ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم {فِيهَا } بأن نوسِّع عليهم رزقهم {وَهُمْ فِيهَا } أي الدنيا {لاَ يُبْخَسُونَ } ينقصون شيئاً.
النسفي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } نوصل إليهم أجور أعمالهم وافيه كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وهم الكفار أو المنافقون {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يزيدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا وقد وفى إليهم ما أرادوا {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة من ربه أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يعني أن بين الفريقين تبايناً بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة من ربه أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام وهو دليل العقل {وَيَتْلُوهُ } ويتبع ذلك البرهان {شَاهِدٌ } يشهد بصحته وهو القرآن {مِنْهُ } من الله أو من القرآن فقد مر ذكره آنفاً {وَمِن قَبْلِهِ } ومن قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَىٰ } وهو التوراة أي ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى عليه السلام {إِمَاماً } كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه {وَرَحْمَةً } ونعمة عظيمة على المنزل إليهم وهما حالان {أُوْلَـٰئِكَ } أي من كان على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالقرآن {وَمن يَكْفُرْ بِهِ } بالقرآن {مّن ٱلأَحَزَابِ } يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ } مصيره ومورده {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } شك {مِنْهُ } من القرآن أو من الموعد {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } الكاذبين على ربهم والأشهاد جمع شاهد كأصحاب وصاحب أو شهيد كشريف وأشراف {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } يصرفون الناس عن دينه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد {وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } «هم» الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ } أي ما كانوا {مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم وهو من كلام الأشهاد {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ } لأنهم أضلوا الناس عن دين الله يضعّف مكي وشامي {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } أي استماع الحق {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } الحق {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله {وَضَلَّ عَنْهُم } وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتها.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآية. قيل: إنَّها مختصةٌ بالكُفَّار لقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود:16] وهذا ليس إلاَّ للكفار، فيكون التقدير: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط، أي: تكون إرادته مقصورةٌ على حُبِّ الدنيا وزينتها، ومن طلب السعادات الأخرويَّة كان حكمه كذا وكذا. واختلف القائلون بهذا القول فقال الأصم: المرادُ مُنْكِرُو البعث فإنَّهم ينكرون الآخرة ويرغبون في سعادات الدُّنيا. وقيل: المراد المنافقون، كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة. وقال أنس - رضي الله عنه -: المرادُ اليهود والنَّصارى. وقال القاضي: المراد من كان يريدُ بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها. وعمل الخير قسمان: العبادات وإيصال المنفعة إلى الحيوان كالبر، وصلة الرَّحمِ، والصَّدقة، وبناء القناطر، وتسوية الطرق، ودفع الشر، وإجراء الأنهار، فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافرُ لأجل الثناء في الدُّنيا، فإنَّ بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين، وهي من أعمال الخير، فقد تصدرُ من المسلم والكافر. وأمَّا العباداتُ فإمَّا أن تكون طاعات بنيَّاتٍ مخصوصة، فإذا لمْ يؤتَ بتلك النِّية، وإنَّما أتى فاعلها بها طلباً لزينة الدنيا، وتحصيل الرِّياء والسمعةِ؛ فلا تكونُ طاعةً ووجودها كعدمها بل هو شر منها. وعلى هذا فالمرادُ منه الطَّاعات التي يصحُّ صدورها من الكفار. وقيل: الآية على ظاهرها في العموم؛ فيندرج فيه المؤمنُ الذي يأتِي بالطَّاعات رياءً وسمعةً ويندرج فيه الكافرُ الذي هذا صفته. ويشكلُ على هذا قوله في آخر الآية {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} إلاَّ إذا قلنا: إنَّ المراد: أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار بسبب الأعمال الفاسدة، والأفعال الباطلة. والقائلون بهذا القول أكَّدُوا قولهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حديث : تعوَّذُوا بالله من جُبِّ الحُزْنِ" قيل: وما جُبُّ الحُزنِ؟ قال: "وادٍ في جَهَنَّمَ يُلْقَى فيه القُرَّاء المُراءُونَ ". تفسير : وقال - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : أشدُّ النَّاسِ عذاباً يوْمَ القيامةِ مَنْ يَرَى النَّاسُ فيه خَيْراً ولا خَيْرَ فِيهِ ". تفسير : وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كَانَ يَوْمَ القيامةِ يُؤتى برجُلٍ جَمَعَ القرآنَ فيقالُ: ما عَمِلْتَ فيه؟ فيقولُ: يا رب قُمْتُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، والنَّهَارِ، فيقُول الله - تبارك وتعالى - كذبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقالَ: فلانٌ قارىءٌ، وقدْ قِيل ذلِكَ، ويُؤتى بصاحبِ المَالِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ ألَمْ أوسِّعْ عليكَ؟ فماذا عَمِلْتَ فيما آتَيْتُكَ؟ فيقُولُ: وصَلْتُ الرَّحِمَ وتصدَّقْتُ، فيقُولُ: كذَبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقال فلانٌ جوادٌ، وقد قِيلَ ذلك، ويُؤتى بمن قُتِلَ في سبيل الله فيقول: قاتَلْتُ في سَبِيل اللهِ حتَّى قُتِلْتُ، فيقُولُ اللهُ عزَّ وجلَّ كذبْتَ بَلْ أرَدْتَ أن يقال: فلانٌ فارسٌ". ثم ضربَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال: "يا أبا هريرة أولئك الثَّلاثةُ أوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْم القِيامَةِ ". تفسير : وقد روي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - ذكر هذا الحديث عند معاوية - رضي الله عنه -. قال الراوي: فبكى حتَّى ظننا أنَّهُ هالك ثمَّ أفاق وقال: صدق الله ورسوله {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود:15]. فصل نقل القرطبيُّ عن بعض العلماء: أنَّ معنى هذه الآية: هو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ"تفسير : ، وهذا يدلُّ على من صام في رمضان لا عن رضمان لا يقعُ عن رمضان، وتدلُّ على أن من توضَّأ للتبرد والتنظف لا يقعُ عن جهة الصَّلاةِ، وكذلك كل من كان في معناه. قوله: "نُوَفِّ". الجمهور على "نُوفِّ" بنون العظمة وتشديد الفاء من "وفَّى يُوفِّي". وطلحة وميمون بياءِ الغيبةِ، وزيد بن علي كذلك، إلاَّ أنَّه خفَّف الفاء من "أوْفَى يُوفِي"، والفاعلُ في هاتين القراءتين ضميرُ الله تعالى. وقرئ "تُوفَّ" بضم التاء، وفتح الفاء مشددة من "وُفِّيَ يُوَفَّى" مبنياً للمفعول. "أعْمَالهم" بالرَّفع قائماً مقام الفاعل. وانجزم "نُوَفِّ" على هذه القراءاتِ لكونه جواباً للشَّرطِ، كما في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}تفسير : [الشورى:20]. وزعم الفرَّاء أنَّ "كان" هذه زائدة، ولذلك جزم جوابه، ولعلَّ هذا لا يصحُّ، إذ لو كانت زائدة لكان "يُرِيدُ" هو الشَّرط، ولو كان الشَّرط، لانجزم، فكان يقال: "مَنْ كَان يُرِدْ" وزعم بعضهم أنه لا يؤتى بفعل الشَّرط ماضياً، والجزاء مضارعاً إلاَّ مع "كان" خاصة، ولهذا لم يجىء في القرآن إلا كذلك، وهذا ليس بصحيح لوروده في غير "كان"؛ قال زهير: [الطويل] شعر : 2947- ومَنْ هَابَ أسْبابَ المنَايَا يَنَلْنَهُ ولو رَامَ أسبابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ تفسير : وأمَّا القرآنُ فجاء من باب الاتفاق لذلك. وقرأ الحسنُ "نُوفِي" بتخفيف الفاء وثبوتِ الياء من "أوْفَى"، ثمَّ هذه القراءةُ محتملةٌ: لأن يكون الفعل مجزوماً، وقُدِّر جزمه بحذفِ الحركةِ المقدرة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2948- ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لاقَتْ لبُونُ بَنِي زِيادِ تفسير : على أنَّ ذلك يأتي في السَّعةِ نحو:{أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ}تفسير : [يوسف:90] وسيأتي مُحَرَّراً في سورته، ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعاً لوقوع الشَّرط ماضياً؛ كقوله: [الطويل]. شعر : 2949- وإنْ شُلَّ ريْعَانُ الجَميعِ مَخَافَةً نَقُولُ جِهَاراً: ويْلَكُمْ لا تُنَفِّرُوا تفسير : وكقول زهير: [البسيط] شعر : 2950- وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ يقُولُ لا غَائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ تفسير : وهل يجوزُ الرفع؛ لأنه على نيَّة التقديم، وهو مذهب سيبويه، أو على نيَّة الفاءِ، كما هو مذهب المبرد؛ خلافٌ مشهورٌ. ومعنى {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} أي: نُوفِّ إليهم أجور أعمالهم في الدنيا بسعةِ الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي: في الدنيا لا ينقص حظهم. حديث : روى أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف ومجد وكرم وبجل وعظم قال: "إنَّ الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حَسَنَةً يُثاب عليْهَا الرزقَ في الدُّنيا، ويُجْزَى عليها فِي الآخِرةِ، وأمَّا الكَافِرُ فيُطْعَمُ بِحسنَاتِهِ في الدُّنْيَا حتَّى إذا أفْضَى إلى الآخرةِ لمْ تَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بها خَيْراً ". تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} في الدنيا {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} هذه الآية إشارة إلى التَّخليد في النَّار، والمؤمن لا يخلدُ، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48]. قوله: {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} يجوز أن يتعلَّق "فِيهَا" بـ "حَبِطَ" والضميرُ على هذا يعودُ على الآخرة، أي وظهر حبوطُ ما صنعوا في الآخرة، ويجوزُ أن يتعلَّق بـ "صَنَعُوا" فالضَّميرُ يعودُ على الحياةِ الدُّنيا كما عاد عليها في قوله: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} [هود:15]. و "ما" في "مَا صَنَعُوا" يجوز أن تكون بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ، أي: الذي صنعوه، وأن تكون مصدرية، أي: وحبط صنعهم. قوله: {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قرأ الجمهورُ برفع الباطل، وفيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أن يكون "بَاطِلٌ" خبراً مقدماً، و "مَا كانُوا يَعْمَلُون" مبتدأ مؤخَّر، و "ما" تحتملُ أن تكون مصدرية، أي: وباطلٌ كونهم عاملين، وأن تكون بمعنى "الذي" والعائدُ محذوفٌ، أي: يعملونه، وهذا على أنَّ الكلام من عطف الجملِ، عطف هذه الجملة على ما قبلها. الثاني: أن يكون "باطلٌ" مبتدأ، و "مَا كانُوا يَعْمَلُون" خبرهُ، قال مكي، ولم يذكر غيره، وفيه نظر. الثالث: أن يكون "بَاطِلٌ" عطفاً على الأخبار قبله، أي: أولئك باطلٌ ما كانوا يعملون و "ما كانُوا يَعْمَلُونَ" فاعلٌ بـ "بَاطِلٌ"، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي "وبَطَلَ ما كانُوا يَعملُونَ" جعله فعلاً ماضياً معطوفاً على "حَبطَ". وقرأ أبيّ وابن مسعود: "وبَاطلاً". قال مكيّ: "وهي في مصحفهما كذلك". ونقلها الزمخشري عن عاصم "وبَاطِلاً" نصباً، وفيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّه منصوبٌ بـ "يَعْمَلُون" و "ما" مزيدة، وإلى هذا ذهب مكي، وأبو البقاءِ وصاحب اللوامح، وفيه تقديمُ معمولِ خبر "كان" على "كان" وهي مسألةُ خلافٍ، والصحيحُ جوازها، كقوله تعالى {أية : أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [سبأ:40]، فالظاهرُ أنَّ "إيَّاكُمْ" منصوب بـ "يَعْبُدُون". والثاني: أن تكون "ما" إبهامية، وتنتصب بـ "يَعْمَلُون" ومعناه: "باطلاً أي باطلٍ كانُوا يَعْمَلُون". والثالث: أن يكون "بَاطِلاً" بمعنى المصدر على بطل بُطلاناً ما كانوا يعملون، ذكر هذين الوجهين الزمخشري، ومعنى قوله "ما" إبهامية أنها هنا صفةٌ للنَّكرة قبلها، ولذلك قدَّرها بـ "باطلاً أيَّ باطلٍ" فهو كقوله: [المديد] شعر : 2951-......................... وحَديثٌ ما عَلَى قِصَرِهْ تفسير : و "لأمرٍ ما جدعَ قصيرٌ أنفهُ"، وقد قدَّم هو ذلك في قوله تعالى: {أية : مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً}تفسير : [البقرة:26].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} قال: نزلت في اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير ابن أبي حاتم عن عبد الله بن معبد رضي الله عنه قال: قام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: أخبرنا عن هذه الآية {من كان يريد الحياة الدنيا} إلى قوله {وباطل ما كانوا يعملون} قال: ويحك...! ذاك من كان يريد الدنيا لا يريد الآخرة. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما {من كان يريد الحياة الدنيا} أي ثوابها {وزينتها} مالها {نوف إليهم} نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد {وهم فيها لا يبخسون} لا ينقضون ثم نسخها {أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} تفسير : [الإِسراء: 18] الآية. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا، يقول الله: أو فيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمل، وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {من كان يريد الحياة الدنيا} قال: هو الرجل يعمل العمل للدنيا لا يريد به الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: نزلت في أهل الشرك. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: هم أهل الرياء. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول من يدعى يوم القيامة رجل جمع القرآن يقول الله تعالى له: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: فماذا عملت فيما علمتك؟ فيقول: يا رب كنت أقوم به الليل والنهار. فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان قارىء فقد قيل، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء، ثم يدعى صاحب المال فيقول الله: عبدي ألم أنعم عليك، ألم أوسع عليك، فيقول: بلى يا رب. فيقول: فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: يا رب كنت أصل الأرحام، وأتصدق وأفعل. فيقول الله له: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ويدعى المقتول فيقول الله له: عبدي فيم قتلت؟ فيقول: يا رب فيك وفي سبيلك. فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك الثلاثة شر خلق الله يسعر بهم النار يوم القيامة. فحدث معاوية بهذا إلى قوله {وباطل ما كانوا يعملون} ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاثة فرق. فرقة يعبدون الله خالصاً: وفرقة يعبدون الله رياء، وفرقة يعبدون الله يصيبون به دنيا، فيقول للذي كان يعبد الله للدنيا: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ فيقول: الدنيا. فيقول: لا جرم لا ينفعك ما جمعت ولا ترجع إليه انطلقوا به إلى النار، ويقول للذي يعبد الله رياء: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال: الرياء. فيقول: إنما كانت عبادتك التي كنت ترائي بها لا يصعد إليّ منها شيء ولا ينفعك اليوم، انطلقوا به إلى النار، ويقول للذي يعبد الله خالصاً: بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ فيقول: بعزتك وجلالك لأنت أعلم به مني كنت أعبدك لوجهك ولدارك. قال: صدق عبدي انطلقوا به إلى الجنة ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يؤتى يوم القيامة بناس بين الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها استنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من الثواب وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون. قال: ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظيم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ولم تجلوني، وتركتم للناس ولم تتركوا إلي، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم من الثواب ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} قال: يؤتون ثواب ما عملوا في الدنيا وليس لهم في الآخرة من شيء وقال: هي مثل الآية التي في الروم {أية : وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله} تفسير : [الروم: 39]. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها...} الآية. يقول: من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته وحاجته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة ليس له فيها حسنة، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة {وهم فيها لا يبخسون} أي لا يظلمون. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {من كان يريد الحياة الدنيا} قال: من عمل للدنيا لا يريد به الله وفاه الله ذلك العمل في الدنيا أجر ما عمل، فذلك قوله {نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} أي لا ينقصون، أي يعطوا منها أجر ما عملوا. وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم على عمله كائناً ما كان، ولا عمل مؤمن ولا كافر من عمل صالح إلا جاء الله به، فأما المؤمن فيجزيه به في الدنيا والآخرة بما شاء، وأما الكافر فيجزيه في الدنيا ثم تلا هذه الآية {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله {نوف إليهم أعمالهم} قال: طيباتهم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج {نوف إليهم أعمالهم فيها} قال: نعجل لهم فيها كل طيبة لهم فيها وهم لا يظلمون بما لم يعجلوا من طيباتهم، لم يظلمهم لأنهم لم يعملوا إلا للدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {نوف إليهم أعمالهم فيها} قال: تعجل لمن لا يقبل منه. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وحبط ما صنعوا فيها} قال: حبط ما عملوا من خير {وباطل} في الآخرة ليس لهم فيها جزاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {وحبط} يعني بطل. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ "وباطلاً ما كانوا يعملون".
ابو السعود
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} أي ما يزيِّنها ويحسِّنها من الصحة والأمنِ والسعةِ في الرزق وكثرةِ الأولادِ والرياسةِ وغيرِ ذلك، والمرادُ بالإرادة ما يحصُل عند مباشرةِ الأعمالِ لا مجردُ الإرادةِ القلبـية لقوله تعالى: {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} وإدخالُ كان عليها للدِلالة على استمرارها منهم بحيث لا يكادون يريدون الآخِرةَ أصلاً، وليس المرادُ بأعمالهم أعمالَ كلِّهم فإنه لا يجد كلُّ متمنَ ما يتمناه ولا كلُّ أحدٍ ينال كلَّ ما تهواه، فإن ذلك منوطٌ بالمشيئة الجاريةِ على قضية الحِكمة كما نطَق به قولُه تعالى:أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ تفسير : [الإسراء: 18] ولا كلَّ أعمالِهم بل بعضَها الذي يترتب عليه الأمورُ المذكورةُ بطريق الأجرِ والجزاءِ من أعمال البرِّ وقد أُطلقت وأريد بها ثمراتُها، فالمعنى نوصِلُ إليهم ثمراتِ أعمالِهم في الحياة الدنيا كاملةً، وقرىء يُوفِّ على الإسناد إلى الله عز وجل وتُوَفَّ بالفوقانية على البناء للمفعول ورفعِ أعمالَهم، وقرىء نُوْفي بالتخفيف والرفع لكون الشرط ماضياً كقوله:شعر : وإن أتاه خليلٌ يومَ مسغَبة يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ تفسير : {وَهُمْ فِيهَا} أي في (الحياة) الدنيا {لاَ يُبْخَسُونَ} أي لا يُنقَصون، وإنما عبّر عن ذلك بالبخْس الذي هو نقصُ الحقِّ مع أنه ليس لهم شائبةُ حقَ فيما أوتوه كما عبّر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاءُ الحقوقِ مع أن أعمالَهم بمعزل من كونها مستوجبةً لذلك بناءً للأمر على ظاهر الحالِ ومحافظةً على صور الأعمالِ ومبالغةً في نفي النقص، كأن ذلك نقصٌ لحقوقهم فلا يدخُل تحت الوقوعِ والصدورِ عن الكريم أصلاً، والمعنى أنهم فيها خاصةً لا يُنقصون ثمراتِ أعمالِهم وأجورَها نقصاً كلياً مطرداً ولا يُحرَمونها حِرماناً كلياً، وأما في الآخرة فهم في الحِرمان المطلقِ واليأسِ المحقق كما ينطِق به قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} فإنه إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار إرادتِهم الحياةَ الدنيا أو باعتبار توْفيتِهم أجورَهم من غير بخسٍ أو باعتبارهما معاً. وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعد منزلتِهم في سوء الحالِ أي أولئك المُريدون للحياة الدنيا وزينتِها المُوَفَّوْن فيها ثمراتِ أعمالِهم من غير بخس {ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} لأن هِممَهم كانت مصروفةً إلى الدنيا وأعمالَهم مقصورةً على تحصيلها وقد اجتنَوْا ثمرتَها ولم يكونوا يريدون بها شيئاً آخرَ، فلا جرمَ لم يكن لهم في الآخرة إلا النارُ وعذابُها المخلّد {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي ظهر في الآخرة حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدِّي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البِرِّ إذ شرْطُ الاعتدادِ بها الإخلاصُ {وَبَـٰطِلٌ} أي في نفسه {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في أثناء تحصيلِ المطالبِ الدنيويةِ، ولأجل أن الأولَ من شأنه استتباعُ الثوابِ والأجرِ وأن عدمَه لعدم مقارنتِه للإيمان والنيةِ الصحيحةِ وأن الثانيَ ليس له جهةٌ صالحة قطُّ عُلّق بالأول الحُبوطُ المؤذِنُ بسقوط أجرِه بصيغة الفِعل المنبىءِ عن الحدوث وبالثاني البُطلانُ المُفصِحُ عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاسمية الدالةِ على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه، وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءٌ إلى أن صدورَ البرِّ منهم وإن كان لغرض فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوامِ كصدور الأعمالِ التي هي من مقدّمات مطالبِهم الدنية، وقُرىء وبطَل على الفعل أي ظهر بطلانُه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوط الدنيويةِ مما لا طائلَ تحته أو انقطع أثرُه الدنيويُّ فبطَل مطلقاً، وقرىء وباطلاً ما كانوا يعملون على أن ما إبهاميةٌ أو في معنى المصدر كقوله: شعر : [على حَلْفةٍ لا أَشْتُم الدهرَ مسلماً] ولا خارجاً مِنْ فِيَّ زورُ كلامِ تفسير : وعن أنس رضي الله عنه أن المرادَ بقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ} الخ اليهودُ والنصارى إن أعطَوا سائلاً أو وصَلوا رحِماً عُجّل لهم جزاءُ ذلك بتوسعة في الرزق وصِحةٍ في البدن، وقيل: هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسْهم لهم في الغنائم، وأنت خبـيرٌ بأن ذلك إنما كان بعد الهجرةِ، والسورةُ مكيةٌ، وقيل: هم أهلُ الرياءِ. يقال للقرّاء منهم: أردتَ أن يقال فلانٌ قارىءٌ فقد قيل ذلك وهكذا لغيره ممن يعمل أعمالَ البِرِّ لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لا بد من تقيـيد قوله: {ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} بأنْ ليس لهم بسبب أعمالِهم الريائيةِ إلا ذلك، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أن المرادَ به مطلقُ الكفَرة بحيث يندرِجُ فيهم القادحون في القرآن العظيمِ اندراجاً أولياً فإنه عز وعلا لما أمر نبـيَّه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآنَ منزلٌ بعلم الله وبأن لا قُدرةَ لغيره على شيء أصلاً وهيّجهم على الثبات على الإسلام والرسوخِ فيه ـ عند ظهورِ عجزِ الكفرةِ وما يدْعون من دون الله عن المعارضة وتبـيّن أنهم ليسوا على شيء أصلاً ـ اقتضى الحالُ أن يتعرّض لبعض شؤونِهم الموهمةِ لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظَ العاجلةَ واستيلائهم على المطالب الدنيويةِ وبـيانِ أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بُـيِّن ذلك أيَّ بـيانٍ ثم أعيد الترغيبُ فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيدِ والإسلام فقيل:
التستري
تفسير : قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ}[15] قال: يعني من أراد بعلمه غير الله آتاه الله أجر عمله في الدنيا، فلا يبقى له في الآخرة شيء، لأنه لم يخلص بعمله لله لما أحب له من المنزلة في الدنيا، ولو علم أن الله سخر الدنيا وأهلها لطلاب الآخرة لم يراء بعلمه. وقد قيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ فقال: الإخلاص. قيل: ولِمَ ذلك؟ فقال: لأنه ليس للنفس فيه نصيب. وسئل: هل يدخل الفرائض رياء؟ فقال: نعم، قد دخل الإيمان الذي هو أصل الفرائض حتى أبطله وصار نفاقاً، فكيف العمل، فكل من لم يعب أحد عليه في ظاهره، ويعلم الله خلافه من سره في أي حال كان، فهو المرائي الذي لا شك فيه.
السلمي
تفسير : قال أبو بكر الوراق: حياة الدنيا هى ارتكاب الأمانى واتباع الشهوات والجولان فى ميادين الآمال والغفلة عن بَغتة الآجال وجمع ما فيها من الأموال من وجوه الحلال والحرام، وزينة الدنيا هى ما أظهر الله فيها من الأموال ومن وجوه أنواع العلائق التى أخبر الله عنها بقوله: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} تفسير : [آل عمران: 14]. قال بعضهم: إرادة الحياة هى كراهية الموت، وكل مريب خائف. قال أبو حفص فى قوله {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} قال: حياة الدنيا هى صحبة أهل الدنيا والميل إليهم والأُنس بهم. ومن أحب الدنيا فقد أحب ما أبغض الله، ومن صحب أهلها فقد مال إليهم، ومن مال إليهم فقد مال عن طريق الحق، فإن الحق مبائن للدنيا وأهلها لأنها لهو ولعب. الآية كما أخبر الله عنها فقال: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [الحديد: 20].
القشيري
تفسير : مَنْ قَنَع منهم بدنيا الدناءةُ صِفَتُها وَسَّعْنَا عليه في الاستمتاع بأيام فيها، ولكن عَقِبَ اكتمالِها سيرى زوالَها، ويذوق بعد عسلِها حَنْظَلَها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} اخبر الله سبحانه اهل الرياء والسمعة الذين لا يريدون من اعمالهم الا الترفع والجاه والزينة والمال وهم عن الاخرة بها محجوبون ولو ذاقوا لهم رؤية الاخرة وجاء اهل المعرفة التفتوا الى حظوظ انفسهم ومع ذلك اعطاهم الله ما يحجبهم عنه فى الدنيا والاخرة ولا تظن يا خى ان العارف المتمكن اذا باشر الدنيا وزينتها هو من جملتهم انه يريد الله برغبة المعرفة والشوق ويريد الدنيا للكفاف والعقاب يرزقه الله حياة حسنة طيبة بانه يجعل الدنيا خادمه له فيخله فى عين الخلق وترفع هيبته فى قلوب الناس قال الله فلنحيينه حياة طيبة وقال عليه السلام من احسن فقد وقع اجره على الله فى عاجل الدنيا واجل الاخرة وليس كالمرايين الذين جعلهم الله محرومين عن شرف الاخرة بقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ} قال ابو بكر الوراق الحياة الدنيا هى ارتكاب الامانى واتباع الشهوات والجولان فى ميادين الامال والغفلة عن بغتة الاجاغل وجمع ما فيها من الاموال من وجوه الحرام والحلال فى زينة الدنيا هى ما اظهر الله فيها من انواع العلائق التى اخبر الله عنها بقوله زين للناس حب الشهوات الاية وتصديق ما ذكرنا من وصف العارفين والمرايين.
اسماعيل حقي
تفسير : {من كان} [هركه باشدكه ازدنائت همت] وكان صلة اى زائدة كما فى التبيان. وقال فى الارشاد للدلالة على الاستمرار {يريد} بما عمله من اعمال البر والاحسان {الحيوة الدنيا وزينتها} اى ما يزينها ويحسنها من الصحة والامن والسعة فى الرزق وكثرة الاولاد والرياسة وغير ذلك لا وجه الله تعالى والمراد بالارادة ما يحصل عند مباشرة الاعمال لا مجرد الارادة القلبية لقوله تعالى {نوف اليهم اعمالهم فيها} اى نوصل اليهم ثمرات اعمالهم فى الحياة الدنيا كاملة وليس المراد باعمالهم اعمال كلهم فانه لا يجد كل متمن ما تمناه فان ذلك منوط بالمشيئة الالهية كما قال تعالى {من كان يريد لعاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} ولا كل اعمالهم بل بعضها الذى يترتب عليه الاجر والجزاء {وهم فيها} اى فى الحياة الدنيا {لا يبخسون} لا ينقصون شيئا من اجورهم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "ما صنعوا فيها": الضمير يعود على الدنيا، والظرف يتعلق بصنعوا. أو يعود على الآخرة، ويتعلق الظرف بحبط، أي: حبط في الآخرة ما صنعوا من الأعمال في الدنيا. يقول الحق جل جلاله: {من كان يريد} بعمله {الحياةَ الدنيا وزينتَها}، فكان إحسانه وبره رياء وسمعَة، {نُوفّ إليهم أعمالَهم فيها} أي: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا، من الصحة والرئاسة، وسعة الأرزاق، وينالُون ما قصدوا من حمد الناس، وإحسانهم وبرهم، {وهم فيها لا يُبخسون} لا يُنقصون شيئاً من أجورهم، فيحتمل: أن تكون الآية نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يراؤون بأعمالهم؛ كما ورد في حديث الغازي والغني القارئ المرائين، وأنهم أول من تُسعر بهم جهنم. ويحتمل أن تكون نزلت في الكفار، وهو أليق بقوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النارُ}؛ لأنهم استوفواما تقضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. {وحَبِطََ ما صنعوا فيها} أي: في الدنيا فكل ما صنعوا في الدنيا من الإحسان حبط يوم القيامة؛ لأنهم لم يريدوا به وجه الله. والعمدة في انتظار ثواب الأعمال هو الإخلاص، {وباطلٌ ما كانوا يعملون}؛ لأنه لم تتوفر فيه شروط الصحة التي من جملتها الإخلاص. الإشارة: في الحديث: "حديث : مَن كَان الدُّنيا هَمَّه: فَرَّق اللَّهُ عَليْهِ أَمْرَهُ، وجَعَل فَقْرَه بَينَ عَينَيه، وَلم يَأتِهِ مِنَ الدُّنيا إلا ما قُسِمَ له. ومن كَانت الآخرةُ نيته: جمعَ اللَّهُ عَليه أَمْرَه، وجَعَل غَناهُ في قَلبِه، وأَتتهُ الدُّنيا وهِي صَاغِرة ".تفسير : قلت: ومن كان الله همه كفاه هَم الدارين. فطالبُ الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن الدار الفانية، وعلق قلبك بالدار الباقية، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية، ولا تكن ممن قصرَ همته على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصّن أعمالك بالإخلاص، وإياك وملاحظة الناس؛ فتبوأ بالخيبة والإفلاس، وبالله التوفيق. ثم ذكر ضد من تقدم، فقال: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}.
الطوسي
تفسير : شرط الله تعالى بهذه الآية أن {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} وحسن بهجتها، ولا يريد الآخرة، فان الله تعالى يوفيه جزاء عمله فيها يعني في الدنيا، ولا يبخسه شيئاً منه. والزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة، يقال: زانه يزينه وزّينه تزييناً. والتوفية تأديه الحق على تمام. والبخس نقصان الحق، يقال: بخسه بخساً إذا ظلمه بنقصان الحق. وفي المثل (يبخسها حمقاء) وهي باخس. وقيل في العمل الذي يوفون حقهم من غير بخس قولان: أحدهما - قال الضحاك ومجاهد: هو أن يصل الكافر رحمه أو يعطي سائلا سأله أو يرحم مضطراً أو غير ذلك من أفعال الخير، فان الله تعالى يعجل له جزاء عمله في الدنيا بتوسيع الرزق، وإقرار العين فيما خوِّل، ودفع مكاره الدنيا. الثاني - الغزو مع النبي صلى الله عليه وآله للغنيمة دون ثواب الاخرة، أمر الله نبيه أن يوفيهم قسمهم وهذا من صفة المنافقين، ذكره الجبائي. وانما جاز أن يقول {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم} ولم يجز أن تقول: من جاءني اكرمه، لأن الاجود في الشرط والجزاء أن يكونا مستقبلين أو يكونا ماضيين بنية الاستقبال، فان كان أحدهما ماضياً، والآخر مستقبلا كان جائزاً على ضعف كما قال زهير: شعر : ومن هاب أسباب المنايا تنلنه ولو رام أسباب السماء بسلم تفسير : قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال الفراء: إن المعنى من يرد الحياة الدنيا و {كان} زائدة. والثاني إن المعنى أن يصح أنه كان، كقوله { أية : إن كان قميصه قد من دبر فكذبت} تفسير : ولا يجوز مثل هذا في غير {كان} لأنها أم الأفعال.
الجنابذي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} باعماله الاسلاميّة وارتكاب صور الاعمال الحسنة وتحمّل المشّاق وانفاق الاموال فى حفظ الاسلام واعلائه كما فعل المنافقون من اصحاب الرّسول (ص) واظلالهم من اتباعهم الى يوم القيامة وكلّ من تحمّل المتاعب الشّديدة من متاعب الغربة والاسفار البعيدة والصّبر على الجوع والحرّ والبرد فى تحصيل المسائل الدّينيّة لغرض الوصول الى المناصب الدّنيويّة داخل فى مصداق الآية ويدلّ على هذا التّفسير قوله تعالى {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} لانّ توفية الاعمال فى الدّنيا ليست الاّ لمن عمل الاعمال الصّالحة صورة وذلك لان يخرجوا من الدّنيا ومالهم من صورة اعمالهم المشابهة لاعمال المؤمنين شيءٌ {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} هذا بحسب حال الاغلب والاّ فقد يريد الدّنيا ويتعب نفسه فى تحصيلها وفى تحصيل العلم وارتكاب صور الاعمال الشّرعيّة لغرض من الاغراض الدّنيويّة ولا يصل اليها كما ترى من حرمان بعض عن اغراضهم فليس له الآخرة لانّها لم تكن مقصودة له ولا الدّنيا لحرمانها عنها فيشبه دنياه آخرة يزيد لعنه الله وآخرته دنيا ابى يزيد ولهذا قيّد الاتيان فى آية اخرى بما يشاء لمن يشاء.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كانَ يُريدُ الحياةَ الدُّنْيا} بأعماله الحسنة كالقراءة، وصلة الرحم، والصدقة، والجهاد، وفك الأسير، وغير ذلك مما يفعله الموحد والمشرك {وزِينَتَها} كالرياسة ونفوذ الأمر، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد. {نُوفِّ} وقرأ الحسن بإثبات الياء والتخفيف، فإن الشرط ماض، فأهملت الأداة عن العمل فى الجواب لما أهملت عن العمل فى لفظ الشرط، أو التقدير: فقد نوفى، أو فنحن نوفى، وسهل حذف الفاء حذف ما اتصل بها، وقرأ يوفى بالياء المثناة التحتية أولا، أى يوف الله، وقرأ توف بالمثناة الفوقية والبناء للمفعول، ورفع أعمال {إلَيهم أعمالَهم} أى نوصل إليهم جزاء أعمالهم {فِيهَا} فى الدنيا كالصحة والرياسة، ونفوذ الأمر، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد، والثناء عليهم، واشتهارهم. {وهُم فِيها لا يُبخسُون} لا ينقص الله شيئا من أجور أعمالهم فى الدنيا، حتى أنهم ليوفون يوم القيامة ومالهم حسنة، فيأتى المشرك وقد أكل فى الدنيا ماله من طيب، على صلته للرحم، وفكه الأسير، وصدقته ونحو ذلك، ويأتى المنافق وقد جاهد قصدا للغنيمة فغنم فيما له إلا سهمه فى الغنيمة، ويأتى بعمل عمله رياء، فيقال له: عملت ليقال فقد قيل، ويقال: ارجع إلى من عملت له يجازك، وقد قال الله: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشركة، فمن اشرك أحدا فى عملى تركته لمن أشركه معى ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تعلم علما لغير الله، أو أراد به غيره فليتبوأ مقعده من النار، وإن فى جهنم جُبّ الحزن، وهو واد تعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة يدخله القراء المراءون، وإن أخوف ما أخاف على أمتى الشرك الأصغر وهو الرياء، وإن أول خلق تسعَّر بهم النار جامع القرآن، والقتيل فى الجهاد، وجامع المال وذلك فى غير الله ". تفسير : وعن قتادة، عن أنس: أن الآية فى اليهود والنصارى، وكذا قال الحسن، وقال الضحاك: فى المشركين عموما، وقيل: فى المنافقين الذين جاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل الغنيمة، وقال مجاهد: فى أهل الرياء، يقال للقارئ: أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك، ولمن وصل الرحم وتصدق: وفعلت حتى يقال فقيل، ولمن قاتل وقتل: قاتلت حتى يقال: فلان جرئ فقد قيل. والتعميم عندى أولى، لأن الأعمال بالنيات، ولا يعطى الإنسان إلا على وجه قصده، وهب أن الآية نزلت فى خاص لكن لفظها عام، والعبرة بعموم اللفظ لا مخصوص السبب، وقد تقدم أن هذه الآية مقيدة بآية الإسراء: {أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} تفسير : فليس كل من أراد العاجلة أعطى، وأما المؤمن فيثاب على عمله فى الدنيا والآخرة، أو يدخر له ثوابه كله إلى الآخرة.
اطفيش
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ} من المشركين والموحدين، وقيل المراد المشركون لكن يعتبر فى المعنى عموم اللفظ، وكذا فى القول بأَنها فى المرائِين {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} مطلق الحياة ضد الموت {وَزِينتَها} الأَموال والصحة والعز والجاه والرياءُ والأَولاد، أَو الحياة الدنيا المال والصحة وزينتها الجاه والعز وما يفتخر به كالأَولاد واللباس الحسن والمسكن البديع والرياسة، ويريد بمعنى يحب الدنيا خاصة ولا بد من أَن يكون قد عمل فيها طاعة أَو مكارم الأَخلاق فقال {نُوفِّ إِليْهِمْ} عدى بإِلى لتضمن معنى نوصل {أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} ثواب أَعمالهم فحذف المضاف أَو الأَعمال نفس الثواب تسمية للمسبب باسم السبب، أَى نعطهم ما أَرادوا من ذلك عوضاً فيدخلوا الآخرة بلا عمل حسن، أَو المعنى من كان يريد بعمله {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون} لا ينقصون شيئاً من ثواب أَعمالهم وقدم فيها للفاصلة، وهذه الآية مقيدة بالمشيئة التى ذكرت فى الآية الأُخرى "أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له ما نشاءُ لمن نريد"تفسير : [الإِسراء: 18] ومقيدة بمن نريد فى الآية الأُخرى حتى قيل إِنها منسوخة بهذه الأُخرى ولا نسخ فى الأَخبار، والتقييد ليس نسخاً ولا سيما التقييد بمشيئة الله تعالى لأَنه شىءٌ يراد فى كل أَمر من الأُمور، ولا سيما فى كلامه تعالى فهى مذكورة ولو لم يذكر.
الالوسي
تفسير : {مَن كَانَ يُرِيدُ} أي بأعماله الصالحة بحسب الظاهر {ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} أي ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن وكثرة الأموال والأولاد والرياسة وغير ذلك، وإدخال {كَانَ} للدلالة على الاستمرار أي من يريد ذلك بحيث لا يكاد يريد الآخرة أصلاً {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا} أي نوصل إليهم أجور أعمالهم في الدنيا وافية، فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الأعمال عبارة عن الأجور مجازاً، وإليه يشير كلام شيخ الإسلام والأول أولى، و {نُوَفِّ} متضمن معنى نوصل ولذا عدي بإلى، وإلا فهو مما يتعدى بنفسه، وقيل: إنه مجاز عن ذلك، وقرأ طلحة بن ميمون ـ يوف ـ بالياء، وإسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ـ يوف ـ بالياء مخففاً مضارع أوفى، وقرىء ـ توف ـ بالتاء مبنياً للمفعول، ورفع {أَعْمَـٰلَهُمْ} والفعل في كل ذلك مجزوم على أنه جواب الشرط كما انجزم في قوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} تفسير : [الشورى: 20] وحكى الفراء أن {كَانَ} زائدة ولذا جزم الجواب، وتعقبه أبو حيان بأنه لو كانت زائدة لكان فعل الشرط {يُرِيدُ} وكان يكون مجزوماً، وأجيب بأنه يحتمل أنه أراد بكونها زائدة أنها غير لازمة في المعنى، وقرأ الحسن ـ نوفي ـ بالتخفيف وإثبات الياء، وذلك إما على لغة من يجزم المنقوص بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:شعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي تفسير : أو على ما سمع في كلام العرب إذا كان الشرط ماضياً من عدم جزم الجزاء وإما لأن الأداة لما لم تعمل في الشرط القريب ضعفت عن العمل في لفظ الجزاء البعيد فعملت في محله. / ونقل عن عبد القاهر أنها لا تعمل فيه أصلاً لضعفها، والمشهور فيه عن النحاة مذهبان: كون الجزاء في نية التقديم. وكونه على تقدير الفاء والمبتدأ، ويمكن أن يرد ذلك إلى هذا، وليس هذا مخصوصاً فيما إذا كان الشرط كان على الصحيح لمجيئه في غيره كثيراً، ومنه: شعر : وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول: لا غائب مالي ولا حرم تفسير : {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي لا ينقصون، والظاهر أن الضمير المجرور ـ للحياة الدنيا ـ وقيل: الأظهر أن يكون للأعمال لئلا يكون تكراراً بلا فائدة، وردّ بأن فائدته إفادته من أول الأمر أن عدم البخس ليس إلا في الدنيا فلو لم يذكر توهم أنه مطلق على أنه لا يجوز أن يكون للتأكيد ولا ضرر فيه، وإنما عبر عن ذلك بالبخس الذي هو نقص الحق، ولذلك قال الراغب: هو نقص الشيء على سبيل الظلم مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل من كونها مستوجبة لذلك ـ كما قال بعض المحققين ـ بناءاً للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً لكن ينبغي أن يعلم أن هذا ليس على إطلاقه بل الأمر دائر على المشيئة الجارية على قضية الحكمة كما نطق به قوله سبحانه: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآء لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء: 18]. وأخرج النحاس في «ناسخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه الآية نسخت الآية التي نحن فيها، وأنت تعلم أنه لا نسخ في الأخبار، ولعل هذا إن صح محمول على المسامحة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف اعتراضي بين الجملتين ناشىء عن جملة {أية : فهل أنتم مسلمون}تفسير : [هود: 14] لأنّ تلك الجملة تفرّعت على نهوض الحجة فإن كانوا طالبين الحق والفوز فقد استتبّ لهم ما يقتضي تمكن الإسلام من نفوسهم، وإن كانوا إنّما يطلبون الكبرياء والسيادة في الدنيا ويأنفون من أن يكونوا تبعاً لغيرهم فهم مريدون الدنيا فلذلك حذّرُوا من أن يغتروا بالمتاع العاجل وأعْلِموا بأنّ وراء ذلك العذابَ الدائم وأنّهم على الباطل، فالمقصود من هذا الكلام هو الجملة الثانية، أعني جملة {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النّار} الخ... وما قبل ذلك تمهيد وتنبيه على بوارق الغرور ومزالق الذهول. ولمّا كان ذلك هو حالهم كان في هذا الاعتراض زيادة بيان لأسباب مكابرتهم وبعدهم عن الإيمان، وفيه تنبيه المسلمين بأن لا يغتروا بظاهر حسن حال الكافرين في الدنيا، وأن لا يحسبوا أيضاً أنّ الكفر يوجب تعجيل العذاب فأوقظوا من هذا التوهم، كما قال تعالى: {أية : لا يغرنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد متاعٌ قليلٌ ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 196، 197]. وفعل الشرط في المقام الخطابي يفيد اقتصار الفاعل على ذلك الفعل، فالمعنى من كان يريد الحياة الدنيا فقط بقرينة قوله: {أولئك الذين ليس لَهمْ في الآخرة إلاّ النّار} إذ حصر أمرهم في استحقاق النار وهو معنى الخلود. ونظير هذه الآية {أية : من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً}تفسير : [الإسراء: 18، 19]. فالمعنى من كان لا يطلب إلاّ منافع الحياة وزينتها. وهذا لا يصدر إلاّ عن الكافرين لأنّ المؤمن لا يخلو من إرادة خير الآخرة وما آمن إلاّ لذلك، فموْرد هذه الآيات ونظائرها في حال الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة. فأمّا قوله تعالى: {أية : يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتنّ تردْن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتّعْكنّ وأسرّحْكن سراحاً جميلاً وإن كنتُنّ تُردن الله ورسوله والدّار الآخرة فإنّ الله أعدّ للمُحْسنات منكُنّ أجراً عظيماً}تفسير : [الأحزاب: 28، 29] فذلك في معنى آخر من معاني الحياة وزينتها وهو ترف العيش وزينة اللباس، خلافاً لما يَقتضيه إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن كثير من ذلك الترَف وتلك الزينة. وضمير {إليهم} عائد إلى {مَن} الموصولة لأنّ المراد بها الأقوام الذين اتصفوا بمضمون الصلة. والتوفية: إعطاء الشيء وافياً، أي كاملاً غير منقوص، أي نجعل أعمالهم في الدّنيا وافية ومعنى وفائها أنّها غير مشوبة بطلب تكاليف الإيمان والجهاد والقيام بالحق، فإن كل ذلك لا يخلو من نقصان في تمتع أصحاب تلك الأعمال بأعمالهم وهو النقصان الناشىء عن معاكسة هوى النفس، فالمراد أنهم لا يُنقصون من لذاتهم التي هيّأوها لأنفسهم على اختلاف طبقاتهم في التمتع بالدنيا، بخلاف المؤمنين فإنهم تتهيّأ لهم أسباب التمتع بالدنيا على اختلاف درجاتهم في ذلك التهيؤ فيتركون كثيراً من ذلك لمراعاتهم مرضاة الله تعالى وحذرهم من تبعات ذلك في الآخرة على اختلاف مراتبهم في هذه المراعاة. وعُدّي فعل {نُوفّ} بحرف (إلى) لتضمنه معنى نوصل أو نبلغ لإفادة معنيين. فليس معنى الآية أن من أراد الحياة وزينتها أعطاه الله مراده لأن ألفاظ الآية لا تفيد ذلك لقوله: {نُوَفّ إليهم أعمالهم}، فالتوفية: عدم النقص. وعلقت بالأعمال وهي المساعي. وإضافة الأعمال إلى ضمير {هم} تفيد أنها الأعمال التي عُنوا بها وأعدُّوها لصالحهم أي نتركها لهم كما أرادوا لا نُدخل عليهم نقصاً في ذلك. وهذه التوفية متفاوتة والقدر المشترك فيها بينهم هو خلوّهم من كُلف الإيمان ومصاعب القيام بالحق والصبر على عصيان الهوى، فكأنه قيل نتركهم وشأنهم في ذلك. وقوله: {وهم فيها لا يُبخسون} أي في الدنيا لا يجازون على كفرهم بجزاء سَلب بعض النعم عنهم بل يتركون وشأنهم استدراجاً لهم وإمهالاً. فهذا كالتكملة لمعنى جملة {نوف إليهم أعمالهم فيها}، إذ البَخس هو الحط من الشيء والنقص منه على ما ينبغي أن يكون عليه ظلماً. وفي هذه الآية دليل لما رآه الأشعري أنّ الكفر لا يمنع من نعمة الله. وضمير {فيها} يجوز أن يعود إلى {الحياة} وأن يعود إلى (الأعمال). وجملة {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاّ النار} مستأنفة، ولكن اسم الإشارة يربط بين الجملتين، وأتي باسم الإشارة لتمييزهم بتلك الصفات المذكورة قبل اسم الإشارة. وفي اسم الإشارة تنبيه على أن المشار إليه استحق ما يذكر بعد اختياره من الحكم من أجل الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة كما تقدم في قوله: {أية : أولَئِكَ عَلى هُدى منْ ربّهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. و{إلاّ النار} استثناء مفرّغ من {ليس لهم} أي ليس لهم شيء ممّا يعطاه الناس في الآخرة إلاّ النار. وهذا يدل على الخلود في النار فيدل على أن هؤلاء كفار عندنا. والحَبْط: البطلان أي الانعدام. والمراد بـ {ما صنعوا} ما عملوا، ومن الإحسان من الدنيا كإطعام العُفاة ونحوه من مواساة بعضهم بعضاً، ولذلك عبر هنا بـ{صنعوا} لأنّ الإحسان يسمى صنيعة. وضمير {فيها} يجوز أن يعود إلى {الدنيا} المتحدث عنها فيتعلّق المجرور بفعل {صنعوا}. ويجوز أن يعود إلى {الآخرة} فيتعلق المجرور بفعل (بطل)، أي انعدم أثره. ومعنى الكلام تنبيه على أن حظهم من النعمة هو ما يحصل لهم في الدنيا وأن رحمة الله بهم لا تعدو ذلك. وقد حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما ذكر له فارس والروم وما هم فيه من المتعة «أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»تفسير : . والباطل: الشيء الذي يذهب ضياعاً وخسراناً.
الشنقيطي
تفسير : صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملاً يريد به الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الشورى: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20] ولكنه تعالى يبين في سوره بني إسرائيل تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا بقوله: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18] الآية وقد أوضحنا هذه المسألة غاية الإيضاح في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في الكلام على هذه الآية الكريمة، ولذلك اختصرناها هنا.
الواحدي
تفسير : {من كان يريد الحياة الدنيا} أَيْ: مَنْ كان يريدها من الكفَّار، ولا يؤمن بالبعث ولا بالثَّواب والعقاب {نوف إليهم أعمالهم} جزاء أعمالهم في الدُّنيا. يعني: إنَّ مَنْ أتى من الكافرين فِعلاً حسناً من إطعام جائعٍ، وكسوة عارٍ، ونصرة مظلومٍ من المسلمين عُجِّل له ثواب ذلك في دنياه بالزِّيادة في ماله {وهم فيها} في الدُّنيا {لا يُبخسون} لا يُنقصون ثواب ما يستحقُّون، فإذا وردوا الآخرة وردوا على عاجل الحسرة؛ إذ لا حسنة لهم هناك، وهو قوله تعالى: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلاَّ النار...} الآية. {أفمن كان} يعني: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم {على بيِّنة من ربه} بيانٍ من ربِّه، وهو القرآن {ويتلوه شاهد} وهو جبريل عليه السَّلام {منه} من الله عزَّ وجلَّ. يريد أنَّه يتَّبعه ويؤيِّده ويشهده {ومن قبله} ومن قبل القرآن {كتاب موسى} التَّوراة يتلوه أيضاً في التَّصديق، لأنّ موسى عليه السلام بَشّر به في التوراة، فالتوراة تتلو النبي صلى الله عليه وسلم في التصديق، وقوله: {إماماً ورحمة} يعني أنَّ كتاب موسى كان إماماً لقومه ورحمة، وتقدير الآية: أفمَنْ كان بهذه الصِّفة كمَنْ ليس يشهد بهذه الصِّفة؟ فترك ذكر المضادِّ له. {أولئك يؤمنون به} يعني: مَنْ آمن به مِنْ [أهل] الكتاب {ومن يكفر به من الأحزاب} أصنافِ الكفَّار {فالنار موعده فلا تك في مِرْيةٍ منه} من هذا الوعد {إنَّه الحقُّ من ربك ولكنَّ أكثر النَّاس لا يؤمنون} يعني: أهل مكَّة. {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} فزعم أنَّ له ولداً وشريكاً {أولئك يعرضون على ربهم} يوم القيامة {ويقول الأشهاد} وهم الأنبياء والملائكة والمؤمنون {هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم ألا لعنةُ اللَّهِ} إبعاده من رحمته {على الظالمين} المشركين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: زينة الحياة الدنيا: المال والولد وأنواع اللباس والطعام والشراب. نوفّ إليهم: نعطهم نتاج أعمالهم وافياً. لا يبخسون: أي لا ينقصون ثمرة أعمالهم. وحبط: أي بطل وفسد. على بينة من ربه: أي على علم يقيني. ويتلوه شاهد منه: أي يتبعه. كتاب موسى: أي التوراة. ومن يكفر به: أي بالقرآن. فالنار موعده: أي مكان وعد به فهو لا محالة نازل به. في مرية منه: أي في شك منه. معنى الآيات: لما أقام الله تعالى الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإِتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات حيث ادعوا أن القرآن مفترى وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افتراه ولم يبق إلا أن يختار المرء أحد الطريقين طريق الدنيا أو الآخرة الجنة أو النار فقال تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} من مال وولد وجاه وسلطان وفاخر اللباس والرياش. {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا} نعطهم نتاج عملهم فيها وافياً غير منقوص فعلى قدر جهدهم وكسبهم فيها يعطون ولا يبخسهم عملهم لكفرهم وتركهم، ثم هم بعد ذلك إن لم يتوبوا إلى ربهم. هلكوا كافرين ليس لهم إلا النار {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ} في هذه الدار من أعمال وبطل ما كانوا يعملون. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [15 والثانية 16] وهو قوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقوله تعالى في الآية الثالثة [17] {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} بما أوحى إليه من القرآن وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى المعاد الآخر، وقوله {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي ويتبع ذلك الدليل دليل آخر وهو لسان الصدق الذي ينطق به وكمالاته الخُلُقَيَّة والروحية حيث نظر إليه أعرابي فقال والله ما هو بوجه كذّاب، ودليل ثالث في قوله {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} أي التوراة {إِمَاماً وَرَحْمَةً} شاهد له حيث حمل نعوت الرسول وصفاته ونعوت أمته وصفاتها في غير موضع منه أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه، كمن لا دليل له ولا برهان إلا التقليد للضلال والمشركين، وقوله {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي أولئك الذين ثبتت لديهم تلك البيّنات والحجج والبراهين {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالقرآن الحق والنبي الحق والدين الحق. وقوله تعالى {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن ونبيه ودينه من الأحزاب أي من سائر الطوائف والأمم والشعوب فالنار موعده، وحسبه جهنم وبئس المصير. وقوله تعالى {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي فلا تك في شك منه أي في أن موعد من يكفر به من الأحزاب النار. وقوله {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي القرآن الذي كذّب به المكذبون وما تضمنه من الوعد والوعيد، والدين الحق كل ذلك هو الحق الثابت من ربك، إلا أن {أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} وإن ظهرت الأدلة ولاحت الأعلام وقويت البراهين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حقيقة وهي أن الكفر غير مانع من أن ينتج الكافر بحسب جهده من كسب يده فيحصد إذ زرع، ويربح إذا اتجر، وينتج إذا صنع. 2- بيان أن الكافر لا ينتفع من عمله في الدنيا ولو كان صالحاً وأن الخسران لازم له. 3- المسلمون على بينة من دينهم، وسائر أهل الأديان الأخرى لا بينة لهم وهم في ظلام التقليد وضلال الكفر والجهل. 5- بيان سنة الله في الناس وهي أن أكثرهم لا يؤمنون.
القطان
تفسير : نوف اليهم: نؤد الحق كاملا. لا يبخسون: لا ينقصون. وحبط ما صنعوا: بطل وفسد. بينة: برهان واضح. يتلوه: يتبعه. مرية: شك. بعد قيام الحجّةِ على حقيقة الاسلام، والتحديث الشديد بالقرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله - ظل المشركون يكابرون.. لأنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به من منافع وسلطة وشهوات، لهذا يعقّب القرآنُ على ذلك كله بما يناسب حالهم ويصور لهم عاقبة أمرهم بقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}. من كان يطلب الحياةَ الدنيا والتمتع بلذّاتها وزينتِها من طعامٍ وشرابٍ ومال وأولاد وغيرِ ذلك نعطِهم ثمراتِ أعمالهم لا يُنْقَص منها شيء. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. هؤلاء الذين قَصَروا همَّهم على الدنيا وما فيها من لذائذ ليس لهم في الآخرة إلا عذاب النار، جزاءَ كل ما صنعوه في الدنيا، لأنه لم يكن للآخرة فيه نصيب. وبعد ان ذكَر اللهُ مآل من يعمل للدنيا وزينتِها، ولا يهتمُّ بالآخرة وأعمالِها، ذكر هنا من كان يريدُ الآخرة ويعمل لها، ومعه شاهد عل صدقه وهو القرآن فقال: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}. أفمَن كان يسير في حياته على بصرةٍ وهداية من ربّه، ومعه شاهدٌ بالصدقِ من الله وهو القرآن، وشاهدٌ من قبله وهو كتابُ موسى الذي أنزله الله قدوةً ورحمة لمتّبعيه، كمن يسيرُ على ضلالٍ وكفرٍ فلا يهتمُّ الا بالدنيا وزينتها؟! كلاّ أبداً. اولئك الأَوّلون هم الذين أنارَ الله بصائرهم، فهم يؤمنون بالنبيّ والكتابِ الذي أُنزل عليه. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ومن يكفر به ممن تألّبوا على الحقّ وتحزَّبوا ضده، فالنارُ موعدُه يوم القيامة. {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}. لا تكن أيها النبيّ في شكّ من هذا القرآن. وحاشا النبيَّ ان يشكّ. واذا كان لخطاب موجَّها اليه فالمقصود به كل من سمع برسالة محمد، والمعنى لا ينبغي لعاقلٍ ان يشك في رسالة محمد ولا في القرآن المنزل عليه. {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. ان هذا القرآن هو الحقُّ النازل من عند ربّك، لا يأتيه الباطل، ولكنّ اكثر الناس تُضِلُّهم شهواتهم فلا يؤمنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةَ} {أَعْمَالَهُمْ} (15) - مَنْ كَانَ يَطْلُبُ الحَيَاةَ الدُّنْيا، وَالتَّمَتُّعَ بِلَذَّاتِهَا مِنْ طَعَامٍ وَشَرابٍ، وَزِينَتَهَا مِنَ الثِّيَابِ وَالأَثَاثِ وَالأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، دُونَ اسْتِعدَادٍ لِلحَيَاةِ الآخِرَةِ بِعَمَلِ البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِعَمَلِ الطَّاعَاتِ، نُؤَدِّ إِلَيْهِمْ ثَمَرَاتِ أَعْمَالِهِمْ وَافيةً تَامَّةً، وَلاَ يُنْقَصُونَ شَيْئاً مِنْ نِتَاجِ كَسْبِهِمْ لأَِجْلِ كُفْرِهِمْ، لأَِنَّ مَدَار الأَرْزَاقِ عَلَى الأَعْمَالِ لاَ عَلَى النِّيَّاتِ وَالمَقَاصِدِ، فَجَزَاءُ الأَعْمَالِ فِي الدُّنْيا مَنُوطٌ بِأَمْرينِ: كَسْبِ الإِنْسَانِ، وَقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ. وَأَمَّا جَزَاءُ الآخِرَةِ فَهُوَ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى بِلاَ وِسَاطَةِ أَحَدٍ. لاَ يُبْخَسُونَ - لاَ يُنْقَصُونَ شَيْئاً مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكان الكافرون قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ ..}تفسير : [هود: 12]. فهم - إذن - مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها. والحياة تتطلب المقومات الطبيعية للوجود، من ستر عورة، وأكل لقمة وبيت يقي الإنسان ويؤويه. أما الزينة فأمرها مختلف، فبدلاً من أن يرتدي الإنسان ما يستر العورة، يطلب لنفسه الصوف الناعم شتاء، والحرير الأملس صيفاً، وبدلاً من أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر، يطلب لنفسه قصراً. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ..}تفسير : [آل عمران: 14]. وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا، ويقول الحق سبحانه: {أية : .. ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ}تفسير : [آل عمران: 14]. إذن: ما معنى كلمة "زينة"؟ معنى كلمة "زينة" أنها حُسْنٌ أو تحسين طارىء على الذات، وهناك فرق بين الحسن الذاتي والحسن الطارىء من الغير. والمرأة - على سبيل المثال - حين تتزين فهي تلبس الثياب الجميلة الملفتة، وتتحلّى بالذهب البرَّاق، فهو المعدن الذي يأخذ نفاسته من كثرة تلألئه الذي يخطف الأبصار، ولا تفعل ذلك بمغالاة إلا التي تشك في جمالها. أما المرأة الجميلة بطبيعتها، فهي ترفض أن تتزين؛ ولذلك يسمونها في اللغة: "الغانية"، أي: التي استغنت بجمالها الطبيعي عن الزينة، ولا تحتاج إلى مداراة كِبرَ أذنيها بقُرْط ضخم، ولا تحتاج إلى مداراة رقبتها بعقد ضخم، ولا تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار، وترفض أن تُخفِي جمال أصابعها بالخواتم. وحين تُبالغ المرأة في ذلك التزيُّن فهي تعطي الانطباع المقابل. وقد يكون المثل الذي أضربه الآن بعيداً عن هذا المجال، لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالَغ فيه المقابل له. وفي ذلك يقول المتنبي: شعر : الطِّيبُ أنت إذَا أصَابكَ طِيبهُ والماءُ أنتَ إذا اغتسلتَ الغاسلُ تفسير : وهو هنا يقول: إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف، فالطيب هو الذي يتطيَّب، كما أن الماء هو الذي يُغْسَل إذا ما لمس هذا الإنسان، وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تُزيِّن نَحْرَها بقلادة؛ لأن نحرها بدون قلادة يكون أكثر جمالاً. ويقال عن مثل هذه المرأة "غانية"؛ لأنها استغنتْ بجمالها. ويقال عن جمال نساء الحضر: إنه جمال مصنوع بمساحيق، وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط، وكأن كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة في وجهها. ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك، ويختل مشهد وجهها بخليط الألوان؛ ولذلك يقال: شعر : حُسْنُ الحضَارةِ مُجْلُوبٌ بِتَطْريةٍ وفي البدَاوةِ حُسْنٌ غيرُ مَجْلوبِ تفسير : إذن: فالزينة هي تحسين الشيء بغيره، والشيء الحسن يستعني عن الزينة. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15]. أي: إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة وزينتها؛ لأنه رب، وهو الذي خلقكم واستدعاكم إلى الوجود، وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من مقومات الحياة وزينتها؛ لأنه سبحانه هو القادر على أن يوفِّي بما وعد. وهو سبحانه يقول هنا: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ ..} [هود: 15]. أي: أنهم إن أخذوا بالأسباب فالحق سبحانه يُلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملاً غير منقوص. وهم في هذه الدار الدنيا لا يُبْخَسون في حقوقهم، فمن يتقن عمله يأخذ ثمرة عمله. وهذا القول الكريم يحُلُّ لنا إشكالاً كبيراً نعاني منه، فهناك مَنْ يقول: إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويبنون المساجد، بينما هُمْ قومٌ متخلّفون ومتأخّرون عن رَكْب الحضارة، بينما نجد الكافرين وهم يَرْفُلُون في نعيم الحَضَارة. ونقول: إن لله تعالى عطاءَ ربوبية للأسباب، فمن أحسنَ الأسباب حتى لو كان كافراً، فالأسباب تعطيه، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيراً للناس بخيرٍ في الدنيا، ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في الدنيا، ويجزي من يمدُّ يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا. وكلها أعمال مطلوبة في الدِّين، ولكنَّ الكافر قد يفعلها، فيردُّ الله سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا، وإنْ كان قد فعل ذلك ليُقَال: إن فلاناً عَمِلَ كذا، أو فلاناً كان شَهْماً في كذا، فيُقال له: "عملْتَ لِيُقال وقد قِيل". وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب؛ فالحق سبحانه يعطيهم ثمرة ما أخذوا من الأسباب. ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين بالتخلُّف: لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين، وكانوا سادة حين طبَّقوا دينهم، ظاهراً وباطناً، شكلاً ومضموناً. وعلى ذلك فالتخلُّف ليس لازماً ولا ملازماً للإسلام، وإنما جاء التخلُّف لأننا تركنا روح الإسلام وتطبيقه. وإنْ عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي المسيطرة، كنا نجد كل صاحب نشاط عقلي مُبْدِعٍ ينال القتل عقوبة على الإبداع، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا "العصور المظلمة". وحينما جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين، ودحرهم المسلمون، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة، وعندما فعلوا ذلك تَقَدَّموا. هم - إذن - عندما تركوا سلطان البابا تقدموا، ونحن حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلَّفنا. إذن: فأيُّ الجَرْعَتيْن خير؟ إن واقع الحياة قد أثبت تقدُّم المسلمين حين أخذوا بتعاليم الإسلام، وتخلفوا حين تركوها. وهكذا.. فمعيار التقدُّم هو الأخذْ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حُسْن خير الدنيا وحُسْن ثواب الآخرة، ومَنْ لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم يَنَلْ ثواب الآخرة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..}تفسير : [النور: 39]. وهكذا يُفاجأ بالإله الذي كذَّب به. والحق سبحانه يقول: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ..}تفسير : [إبراهيم: 18]. إذنْ: فمن أراد الدنيا وزينتها، فالحق الأعلى سبحانه يوفِّيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئاً، فحاتم الطائي - على سبيل المثال - أخذ صفة الكرم، وعنترة أخذ صفة الشجاعة، وكل إنسان أحسن عملاً أخذ أجره، ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى، وآمن به. وحتى الذين دخلوا الإسلام نفاقاً وحاربوا مع المسلمين، أخذوا نصيبهم من الغنائم، ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب. إذن: فالوفاء يعني وجود عَقْد، وما دام هناك عقد بين العامل والعمل، وأتقن العاملُ العملَ فلا بد أن يأخذ أجره دون بَخْس؛ لأن البَخْسَ هو إنقاص الحق. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } أي: كل إرادته مقصورة على الحياة الدنيا، وعلى زينتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة، من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث. قد صرف رغبته وسعيه وعمله في هذه الأشياء، ولم يجعل لدار القرار من إرادته شيئا، فهذا لا يكون إلا كافرا، لأنه لو كان مؤمنا، لكان ما معه من الإيمان يمنعه أن تكون جميع إرادته للدار الدنيا، بل نفس إيمانه وما تيسر له من الأعمال أثر من آثار إرادته الدار الآخرة. ولكن هذا الشقي، الذي كأنه خلق للدنيا وحدها { نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } أي: نعطيهم ما قسم لهم في أم الكتاب من ثواب الدنيا. { وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ } أي: لا ينقصون شيئا مما قدر لهم، ولكن هذا منتهى نعيمهم. { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ } خالدين فيها أبدا، لا يفتَّر عنهم العذاب، وقد حرموا جزيل الثواب. { وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا } أي: في الدنيا، أي: بطل واضمحل ما عملوه مما يكيدون به الحق وأهله، وما عملوه من أعمال الخير التي لا أساس لها، ولا وجود لشرطها، وهو الإيمان.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 350 : 1: 13 - سفين عن مجاهد في قوله {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ (فِيهَا) وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} قال، ما كان من عمل صالح، صلوة أو صوم، يجازون به في الدنيا. {لاَ يُبْخَسُونَ} لا ينقصون منه شيئاً. [الآية 15].
همام الصنعاني
تفسير : 1188- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: [الآية: 15]، قال من كان إنما همُّه الدنيا أن يطلبها إياها، أعطاه الله مالاً وأعطاه ما يعيش به وكَانَ ذلك قصَاصاً له بِعَمَلِهِ قال: {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}: [الآية: 15]، يَقُولُ: لا يظلمونَ. 1189- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عَنْ لَيْث بْنِ أبي سليم، عن محمد بن كعب القرظي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ أحْسَنَ من محسن فقد وقع أجره عَلَى [الله] في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ". تفسير : 1190- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عيسى، عن مجاهد، في قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا}: [الآية: 15]، من لا تُقْبَل منه جُوزِيَ به، يُعطى ثوابه في الدنيا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):