Verse. 1489 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

اُولٰۗىِٕكَ الَّذِيْنَ لَيْسَ لَہُمْ فِي الْاٰخِرَۃِ اِلَّا النَّارُ۝۰ۡۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوْا فِيْہَا وَبٰطِلٌ مَّا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۶
Olaika allatheena laysa lahum fee alakhirati illa alnnaru wahabita ma sanaAAoo feeha wabatilun ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط» بطل «ما صنعوا» ـه «فيها» أي الآخرة فلا ثواب له «وباطل ما كانوا يعملون».

16

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} إشارة إلى التّخليد، والمؤمن لا يُخلَّد؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ} تفسير : [النساء: 116] الآية. فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج؛ إما بالشفاعة، وإما بالقَبْضة. والآية تقتضي الوعيد بسلْب الإيمان؛ وفي الحديث (الماضي) يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك على ما تقدّم بيانه في «النساء» ويأتي في آخر «الكهف». {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ابتداء وخبر؛ قال أبو حاتم: وحذف الهاء؛ قال النحاس: هذا لا يحتاج إلى حذف؛ لأنه بمعنى المصدر؛ أي وباطل عمله. وفي حرف أبيّ وعبد الله «وَبَاطِلاً مَا كَانُوا يَعْمَلُون» وتكون «ما» زائدة؛ أي وكانوا يعملون باطلاً.

البيضاوي

تفسير : {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} مطلقاً في مقابلة ما عملوا لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة، أو لم يكن لأنهم لم يريدوا به وجه الله والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإِخلاص، ويجوز تعليق الظرف بـ{صَنَعُواْ} على أن الضمير لـ {ٱلدُّنْيَا }. {وَبَـٰطِلٌ } في نفسه. {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لأنه لم يعمل على ما ينبغي، وكأن كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها. وقرىء «باطلاً» على أنه مفعول يعملون و {مَا} إبهامية أو في معنى المصدر كقوله:شعر : وَلاَ خَارِجاً منْ في زُور كَلاَم تفسير : وبطل على الفعل {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة، وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الحياة الدنيا، وهو حكم يعم كل مؤمن مخلص. وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وقيل مؤمنو أهل الكتاب. {وَيَتْلُوهُ } ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل. {شَاهِدٌ مّنْهُ} شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن. {وَمِن قَبْلِهِ} ومن قبل القرآن. {كِتَابُ مُوسَىٰ } يعني التوراة فإنها أيضاً تتلوه في التصديق، أو البينة هو القرآن {وَيَتْلُوهُ } من التلاوة والشاهد جبريل، أو لسان الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظه. والضمير في {يتلوه} إما لمن أو للبينة باعتبار المعنى {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} جملة مبتدأة. وقرىء {كِتَابٌ} بالنصب عطفاً على الضمير في {يتلوه} أي يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة دالة على أنه حق كقوله: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الأحقاف: 10] ويقرأ من قبل القرآن التوراة. {إِمَاماً } كتاباً مؤتماً به في الدين. {وَرَحْمَةً} على المنزل عليهم لأنه الوصلة إلى الفوز بخير الدارين. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى من كان على بينة. {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالقرآن. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ} من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} يردها لا محالة. {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } من الموعد، أو القرآن وقرىء «مُرْيَةٍ» بالضم وهما الشك. {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} لقلة نظرهم واختلال فكرهم. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الكاذبون. {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم. {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم، وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف. {هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله. {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن دينه. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} والحال أنهم كافرون بالآخرة وتكريرهم لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ} أي ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء} يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم. {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} استئناف وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يُضَّعف» بالتشديد. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} لتصامهم عن الحق وبغضهم له. {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} لتعاميهم عن آيات الله، وكأنه العلة لمضاعفة العذاب. وقيل هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء} فإن ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية وقوله: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} اعتراض. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى.. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتها، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} لا أحد أبين وأكثر خسراناً منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ } بطل {مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي الآخرة فلا ثواب له {وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

الخازن

تفسير : {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها} يعني وبطل ما عملوا في الدنيا من أعمال البر {وباطل ما كانوا يعملون} لأنه لغير الله واختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية فروى قتادة عن أنس أنها في اليهود والنصارى وعن الحسن مثله، وقال الضحاك: من عمل عملاً صالحاً في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك اجراً في الدنيا وهو أن يصل رحماً أو يعطي سائلاً أو يرحم مضطراً أو نحو هذا من أعمال البر فيجعل الله له ثواب عمله في الدنيا يوسع عليه في المعيشة والرزق ويقر عينه فيما خوله ويدفع عنه المكاره في الدنيا وليس له في الآخرة نصيب ويدل على صحة هذا القول سياق الآية وهو قوله أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار الآية وهذه حالة الكافر في الآخرة وقيل نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الآخرة وقيل إن حمل الآية على العموم أولى فيندرج الكافر والمنافق الذي هذه صفته والمؤمن الذي يأتي بالطاعات وأعمال البر على وجه الرياء والسمعة قال مجاهد في هذه الآية هم أهل الرياء وهذا القول مشكل لأن قوله سبحانه وتعالى أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار ويدل على هذا ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حديث : قال الله تبارك وتعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"تفسير : أخرجه مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار"تفسير : أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"تفسير : يعني ريحها أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا يا رسول الله وما جب الحزن قال واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم ألف مرة قيل يا رسول الله من يدخله قال القراء المراؤون بأعمالهم"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب قال البغوي وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء"تفسير : أخرجه بغير سند والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة ليحمده الناس عليها أو ليعتقدوا فيه الصلاة أو ليقصدوه بالعطاء فهذا العمل هو الذي لغير الله نعوذ بالله من الخذلان قال البغوي وقيل هذا في الكفار يعني قوله من كان يريد الحياة وزينتها أما المؤمن فيريد الدنيا والآخرة وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وروينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيراً"تفسير : أخرجه البغوي بغير سند. قوله سبحانه وتعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} لما ذكر الله سبحانه وتعالى: في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة فقال سبحانه وتعالى افمن كان على بينة من ربه أي كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار وإنما حذف هذا الجواب لظهوره ودلالة الكلام عليه وقيل معناه أفمن كان على بينة من ربه وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمن هو في ضلالة وكفر والمراد بالبينة الدين الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالبينة اليقين يعني أنه على يقين من ربه أنه على الحق {ويتلوه شاهد منه} يعني ويتبعه من يشهد له بصدقه واختلفوا في الشاهد من هو، فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعكرمة والضحاك وأكثر المفسرين: أنه جبريل عليه السلام يريد أن جبريل يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيده ويسدده ويقويه وقال الحسن وقتادة هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن محمد بن الحنفية قال قلت لأبي يعني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى: عنه أنت التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله سبحانه وتعالى ويتلوه شاهد منه قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه هذا القول إن اللسان لما كان يعرف عما في الجنان ويظهره جعل كالشاهد له لأن اللسان هو آلة الفضل والبيان وبه يتلى القرآن وقال مجاهد الشاهد هو ملك يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم ويسدده وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هو القرآن لأن إعجازه وبلاغته وحسن نظامه يشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بنبوته ولأنه أعظم معجزاته الباقية على طول الدهر، وقال الحسين بن علي وابن زيد: الشاهد منه هو محمد صلى الله عليه وسلم ووجه هذا القول أن من نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعين العقل والبصيرة علم أنه ليس بكذاب ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون، وقال جابر بن عبد الله قال علي بن أبي طالب: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه الآية والآيتان فقال له رجل وأنت أي آية نزلت فيك فقال على ما تقرأ الآية التي في هود ويتلوه شاهد منه فعلى هذا القول يكون الشاهد علي بن أبي طالب وقوله يعني من النبي صلى الله عليه وسلم والمراد تشريف هذا الشاهد وهو علي لاتصاله بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل يتلوه شاهد منه يعني الإنجيل وهو اختيار الفراء والمعنى أن الإنجيل يتلو القرآن في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به وإن كان قد نزل قبل القرآن. وقوله سبحانه وتعالى: {ومن قبله} يعني ومن قبل نزول القرآن وإرسال محمد صلى الله عليه وسلم {كتاب موسى} يعني التوراة {إماماً ورحمة} يعني أنه كان إماماً لهم يرجعون إليه في أمور الدين والأحكام والشرائع وكونه رحمة لأنه الهادي من الضلال وذلك سبب حصول الرحمة وقوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} يعني أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم هم المشار إليهم بقوله أولئك يؤمنون به يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {ومن يكفر به} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم {من الأحزاب} يعني من جميع الكفار وأصحاب الأديان المختلفة فتدخل فيه اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وغيرهم والأحزاب الفرق الذين تحزبوا وتجمعوا على مخالفة الأنبياء {فالنار موعده} يعني في الآخرة روى البغوي بسنده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"تفسير : قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله عز وجل حتى بلغني هذا الحديث لا يسمع بي أحد من هذه الأمة الحديث، قال سعيد: فقلت أين هذا في كتاب الله حتى أتيت على هذه الآية {ومن قبله كتاب موسى} إلى قوله سبحانه وتعالى: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} قال فالأحزاب أهل الملل كلها ثم قال سبحانه وتعالى: {فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك} فيه قولان أحدهما أن معناه فلا تك في شك من صحة هذا الدين ومن كون القرآن نازلاً من عند الله فعلى هذا القول يكون متعلقاً بما قبله من قوله تعالى: {أم يقولون افتراه} والقول الثاني: إنه راجع إلى قوله { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} يعني فلا تك في شك من أن النار موعد من كفر من الأحزاب والخطاب في قوله {فلا تك في مرية} للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك قط ويعضد هذا القول سياق الآية وهو قوله سبحانه وتعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} يعني لا يصدقون بما أوحينا إليك أو من أن موعد الكفار النار.

البقاعي

تفسير : ولما بين حالهم في الدنيا، بين حالهم في الأخرى مشيراً بأداة البعد إلى أنهم أهل البعد واللعنة والطرد في قوله نتيجة لما قبله: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين ليس لهم} أي شيء من الأشياء {في الآخرة إلا النار} أي لسوء أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا {وحبط} أي بطل وفسد {ما صنعوا فيها} أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير أساس؛ ولما كان تقييد الحبوط بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال: {وباطل} أي ثابت البطلان في كل من الدارين {ما كانوا يعملون*} أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه على غير أساس؛ والزينة: تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة؛ والتوفية: تأدية الحق على تمام؛ وحبوط العمل: بطلانه، من قولهم: حبط بطنه - إذا فسد بالمأكل الرديء. ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج، كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي، فكيف يفضل إما باعتبار النظر إلى الرئاسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عناداً كمن قال من اليهود للمشركين: أنتم أهدى منهم، فقال: {أفمن كان على بينة} أي برهان وحجة {من ربه} بما آتاه من نور البصيرة وصفاء العقل فهو يريد الآخرة ويبني أفعاله على أساس ثابت {ويتلوه} أي ويتبع هذه البينة {شاهد} هو القرآن {منه} أي من ربه، أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي بكلام معجز وكان {ومن قبله} أي هذا الشاهد مؤيداً له {كتاب موسى} أي شاهد أيضاً وهو التوارة حال كونه {إماماً} يحق الاقتداء به {ورحمة} أي لكل من اتبعه. ولما كان الجواب ظاهراً حذفه، وتقديره - والله أعلم: كمن هو على الضلالة فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنياً على أساس صحيح، فيكون في دار البقاء والسعادة هباء منثوراً؛ ولما كان هذا الذي على البينة عظيماً، ولم يكن يراد به واحداً بعينه، استأنف البيان لعلو مقامه بأداة الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده مصدق له {يؤمنون به} أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون الآتي به إلى أنه افتراه {ومن يكفر به} أي بهذا الشاهد {من الأحزاب} من جميع الفرق وأهل الملل سواء، سوى بين الفريقين جهلاً أو عناداً {فالنار موعده} أي وعيده وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها. ولما عم بوعيد النار، اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز، فاقتضى الأمر حذف نون "تَكن" فقيل: {فلا تكُ} أي أيها المخاطب الأعظم {في مرية} أي شك عظيم ووهم {منه} أي من القرآن ولا يضيق صدرك عن إبلاغه، أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه في الدنيا؛ ثم علل النهي بقوله: {إنه} القرآن أو الموعد {الحق} أي الكامل، وزاد في الترغيب فيه بقوله: {من ربك} أي المحسن إليك بانزاله عليك. ولما كان كونه حقاً سبباً يعلق الأمل بإيمان كل من سمعه، قال: {ولكن أكثر الناس} أي الذين هم في حيز الاضطراب {لا يؤمنون} بأنه حق لا لكون الريب يتطرق إليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه، والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله {فهل أنتم مسلمون} من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين وركاكة آرائهم. ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدين من غير دليل وما نسبوا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء، أتبع ذلك سبحانه قوله: {ومن أظلم} أي لا أحد أظلم {ممن افترى} أي تعمد أن اختلق متكبراً {على الله} أي الملك الأعظم {كذباً} الآية، وهو موضع ضمير لو أتى به لقيل: لا يؤمنون ظلماً منهم، ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين، فأتى بهذا الظاهر بياناً لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على أنه علته. ولما بين أنهم أظلم، أتبعه جزاءهم بقوله استئنافاً: {أولئك} المستحقو البعد؛ ولما كان نفس العرض مخوفاً، بنى للمجهول قوله: {يعرضون} أي لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض، فعرضهم في غاية السهولة {على ربهم} أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه، العالم بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم {ويقول} على سبيل التكرار {الأشهاد} وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار إليه بقوله {ويتلوه شاهد منه} والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن أعضائهم حين يختم على أفواههم {هؤلاء} إشارة بأداة القرب إلى تحقيرهم {الذين كذبوا} متكبرين {على ربهم} في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه، وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية التشنيع عليهم، فتكررت بهذا القول فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع هذا الكلام لأنه لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترىء بالكذب على الرؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم وكل من أهل الموقف مرتقب برّه خائف من انتقامه، وكأنه قيل: فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة؟ فقيل: {ألا لعنة الله} وهي طرد الملك الأعظم وإبعاده، وانظر إلى تهويل الأمر باسم الذات ما أشده {على الظالمين} فكيف بأظلم الظالمين، ثم فصل ظلمهم بقوله: {الذين يصدون} أي يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم {عن سبيل} أي دين {الله} أي الملك الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد {ويبغونها} أي يريدون بطريق الدين الواسعة السهلة {عوجاً} بإلقاء الشبهات والطعن في الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة. ولما كان النظر شديداً إلى بيان كذبهم وتكذيبهم، بولغ في تأكيد قوله: {وهم} أي بضمائرهم وظواهرهم؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديداً، قدم قوله: {بالآخرة} وأعاد الضمير تأكيداً لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم واختصاصهم بمزيد الكفر فقال: {هم كافرون} أي عريقون في هذا الوصف؛ والعرض: إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حالة، والصد: المنع بالإغراء الصارف عن الأمر؛ والبغية: طلب أمر من الأمور، وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمه فيه؛ والعوج: العدول عن طريق الصواب، وهو في المعنى كالدين بالكسر، وفي غيره كالعود بالفتح فرقاً بين ما يرى وما لا يرى، جعلوا السهل للسهل والصعب للصعب؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في النجوى: "حديث : يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه: تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف رب أعرف - مرتين، ويقول: سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم يطوي صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار فينادي على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} .

القشيري

تفسير : أولئك الذين خَابَتْ آمالُهُم، وظهرت لهم - بخلاف ما احتسبوا - ألامُهم، حَبِطَتْ أعمالُهم- وحاق بهم سوء حالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} المريدون للحياة الدنيا وزينتها الموفون فيها ثمرات اعمالهم من غير بخس {الذين ليس لهم فى الآخرة الا النار} لان هممهم كانت مصروفة الى الدنيا واعمالهم مقصورة على تحصيلها فقد اجتنبوا ثمراتها فلم يبق فى الآخرة الا العذاب المخلد {وحبط ما صنعوا فيها} يعنى بطل ثواب اعمالهم التى صنعوها فى الدنيا لانها لم تكن لوجه الله تعالى والعمدة فى اقتضاء ثواب الآخرة هو الاخلاص {وباطل} [وناجيزاست] فى نفس الامر {ما كانوا يعملون} رياء وسمعة. فقوله باطل خبر مقدم وما كانوا يعملون مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها. والآية فى حق الكفار كما يفصح عنه الحصر فى كينونة النار لهم. واعلم ان حسنات الكفار من البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعى فى دفع الشرور واجراء الانهار ونحو ذلك مقبولة بعد اسلامهم يعنى يحسب ثوابها ولا يضيع واما قبل الاسلام فانعقد الاجماع على انهم لا يثابون على اعمالهم بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن يكون بعضهم اشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم. وذكر الامام الفقيه ابو بكر البيهقى انه يجوز ان يراد بما فى الآيات والاخبار من بطلان خيرات الكفار انهم لا يتخلصون بها من النار ولكن يخفف عنهم ما يستوجبونه بجنايات ارتكبوها سوى الكفر ووافقه المازرى كما فى شرح المشارق لابن الملك. وقال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت هذه الآية فى اهل الرياء من اهل القبلة فمعنى قوله تعالى {ليس لهم فى الآخرة الا النار} ليس يليق لهم الا النار ولا يستحقون بسبب الاعمال الريائية الا اياها كقوله تعالى {أية : فجزاؤهم جهنم} تفسير : وجائز ان يتغمدهم الله برحمته فليس فى الآية دلالة على الخلود والعذاب البتة والظاهر ان الآية عامة لاهل الرياء مؤمنا كان او كافرا او منافقا كما فى زاد المسير والرياء مشتق من الرؤية واصله طلب المنزلة فى قلوب الناس برؤيتهم خصال الخير كما فى فتح القريب وفى الحديث "حديث : ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر" قالوا وما الشرك الاصغر يا رسول الله قال "الرياء يقول الله عز وجل اذا جزى الناس باعمالهم قال اذهبوا الى الذين كنتم تراؤون فى الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" شعر : مرايى هر كسى معبود سازد مرايى را ازان كفتند مشرك تفسير : قال فى شرح الترغيب المشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم ومجوسى ويهودى ونصرانى ومرتد وزنديق وعلى المرائى وهو الشرك الاصغر والشرك الخفى يقال للقراء من اهل الرياء اردت ان يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك ولمن وصل الرحم وتصدق فعلت حتى يقال فقيل ولمن قاتل فقتل قاتلت حتى يقال فلان جريئ فقد قيل ذلك فهؤلاء الثلاثة اول خلق تسعر بهم النار كما فى الحديث "حديث : ويصعد الحفظة بعمل العبد الى السماء السابعة من صلاة وصوم ونفقة واجتهاد وورع فيقول لهم الملك الموكل بها اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه فانه اراد بعمله غير الله تعالى ويصعد الحفظة بعمله من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها فيقول لهم الله تعالى اراد به غيرى فعليه لعنتى فيقول الملائكة كلها عليه لعنتك ولعنتنا يلعنه السموات السبع ومن فيهن" تفسير : كما ورد فى الحديث: قال الحافظ شعر : كوييا باور نمى دارند روزداورى كين همه قلب ودغل دركاردورميكنند تفسير : قال الفضيل ترك العمل لاجل الناس رياء والعمل لاجل الناس شرك والاخلاص الخلاص من هذين معنى كلامه ان من عزم على عبادة الله تعالى ثم تركها مخافة ان يطلع الناس عليه فهو مراء لانه لو كان عمله لله تعالى لم يضره اطلاع الناس عليه ومن عمل لاجل ان يراه الناس فقد اشرك فى الطاعة ويستثنى من كلامه مسألة لا يكون ترك العمل فيها لاجل الناس رياء وهى اذا كان الشخص يعلم انه متى فعل الطاعة بحضرة الناس آذوه واغتابوه فان الترك من اجلهم لا يكون رياء بل شفقة عليه ورحمة كما فى فتح القريب. وقال فى شرح الطريقة من مكايد الشيطان ان الرجل قد يكون ذا ورد كصلاة الضحى والتهجد وتلاوة القرآن والادعية الماثورة فيقع فى قوم لا يفعلونه فيتركه خوفا من الرياء وهذا غلط منه اذ مداومته السابقة دليل الاخلاص فوقوع خاطر الرياء فى قلبه بلا اختيار ولا قبول لا يضر ولا يخل بالاخلاص فترك العمل لاجله موافقة للشيطان وتحصيل لغرضه نعم عليه ان لا يزيد على معتاده ان لم يجد باعثا وقد يترك لا خوفا من الرياء بل خوفا من ان ينسب اليه ويقال انه مراء وهذا عين الرياء لانه تركه خوفا من سقوط منزلته عند الناس وفيه ايضا سوء الظن بالمسلمين وقد يقع فى خاطره ان تركه لاجل صيانتهم من الغيبة لا لاجل الفرار من المذمة وسقوط المنزلة وهذا ايضا سوء الظن بهم اذ صيانة الغير من المعصية انما يكون فى ترك المباحات دون السنن والمستحبات انتهى كلامه. قال فى التأويلات النجمية {وحبط ما صنعوا} من اعمال الخير {فيها} فى الدنيا للدنيا {وباطل ما كانوا يعملون} من الاعمال وان كانت حقا لانهم عملوها لغير وجه الله وهو باطل وبه يشير الى ان كل من يعمل عملا يطلب به غير الله فان عمله ومطلوبه باطل كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان اصدق كلمة قالها العرب ألا كل شيء ما خلا الله باطل " تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدسنا الله بسره الاطهر اعلم ان الموجودات كلها وان وصفت بالباطل فهى حق من حيث الوجود ولكن سلطان المقام اذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث انه ليس له وجود من ذاته فحكمه حكم العدم وهذا معنى قولهم قوله باطل اى كالباطل لان العالم قائم بالله لا بنفسه فهو من هذا الوجه باطل والعارف اذا وصل الى مقامات القرب فى بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجبت عن شهودها بشهود الخلق لانها زالت من الوجود بالكلية ثم اذا كمل عرفانه شهد الحق تعالى والخلق معا فى آن واحد وما كل احد يصل الى هذا المقام فان غالب الناس ان شهد الخلق لم يشهد الحق وان شهد الحق لم يشهد الخلق ولا يدرك الوحدة الا من ادرك اجتماع الضدين ولعل من المشهد الاول قول الاستاذ الشيخ ابى الحسن البكرى قدس سره استغفر الله مما سوى الله تعالى لان الباطل يستغفر من اثبات وجوده لذاته كذا فى انسان العيون فى سيرة الامين المأمون: قال الشيخ المغربى شعر : سايه هستى مو نمايد ليك اندراصل نيست نيست را ازهست اربشنا ختى يابى نجات تفسير : وقال ايضا شعر : بيدار شواز خواب كه اين جمله خيالات اندر نظر ديده بيدار جو خوابيست تفسير : نسأل الله سبحانه ان يكشف القناع عن وجه المقصود ويتجل لنا بجماله فى وجه كل مظهر وموجود وهو الرحيم الودود ذو الفضل والفيض والجود

الطوسي

تفسير : قوله {أولئك} كناية عن الذين ذكرهم في الاية الأولى، وهم الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، دون ثواب الاخرة. فأخبر الله أنه ليس لهم في الآخرة مستقر إلا النار، وأن أعمالهم كلها محبطة لا يستحقون عليها ثواباً؛ لأنهم أوقعوهاعلى غير الوجه المأمور به، وعلى حدّ لا تكون طاعة، وأن جميع ما فعلوه في الدنيا باطل لا ثواب عليه. وقد بينا فساد القول بالاحباط على ما يذهب اليه المعتزلة وأصحاب الوعيد، سواء قالوا الاحباط بين الطاعة والمعصية أو بين المستحق عليها، فلا معنى للتطويل بذكره ها هنا. وقوله {وباطل ما كانوا يعملون} بعد قوله {حبط ما صنعوا فيها} يحقق ما نقوله: إن نفس الاعمال تبطل بأن توقع على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب.

الجنابذي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} اى فى الدّنيا او فى الآخرة ظرف للصنّع او للحبط {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لمّا توهّم من ذكر الحبط انّ اعمالهم لها شوب من الحقّيّة قال باطل اشارة الى انّه لا حقّيّة لها اصلا بل هى بالفعل باطلة لا انّها يطرؤها البطلان فى الآخرة.

الهواري

تفسير : { أُوْلَئِكَ} يعني المشركين {الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: من حسنات الآخرة لأنهم جوزوا بها في الدنيا. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قيل يا رسول الله: هذا المؤمن المعروف إيمانه شدد عليه عند الموت، وهذا الكافر المعروف كفره يهوَّن عليه عند الموت. قال: حديث : سأخبركم عن ذلك. إن المؤمن يكون قد عمل السيئة فشدد عليه عند الموت ليكون بها، وإن الكافر يكون قد عمل الحسنة فيهون عليه عند الموت ليكون بها تفسير : قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: على بيان ويقين. قال بعضهم: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. قال الحسن: شاهد منه لسانه. يعني النبي عليه السلام. وفي تفسير الكلبي: {شَاهِدٌ مِّنْهُ}: جبريل، أي: شاهد من الله. قال: { وَمِن قَبْلِهِ} قال الكلبي: ومن قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَى} أي: التوراة { إِمّاماً وَرَحْمَةً} يقول: تلا جبريل على موسى التوراة إماماً ورحمة. وقال ابن عباس: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: هو المؤمن. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي: من أهل الكتاب. قال: {وَمِن قَبْلِهِ} أي من قبل القرآن {كِتَابُ مُوسَى} أي التوراة {إِمَاماً} أي يأتم به من قبله وعمل به، {وَرَحْمَةً} له. قوله: {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني المؤمنين يؤمنون بالقرآن والتوراة والإِنجيل. { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي: بالقرآن { مِنَ الأَحْزَابِ} أي: من اليهود والنصارى. قال الله: {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي: في شك منه. يقول للنبي عليه السلام: ومن يكفر به فالنار موعده { إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. قال: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} هل يستوى هو ومن كفر يكفر بالقرآن والتوراة والإِنجيل؛ إنهما لا يستويان عند الله.

اطفيش

تفسير : {أولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لهم فى الآخِرةِ إلاَّ النَّار} لأن ما عملوا من حسنات أكلوا ثوابه فى الدنيا، لأنه لا ثواب مع الإصرار على الشرك أو لنفاق إلا ثواب الدنيا، فبقيت عليهم أوزارهم استوجبوا بها النار. {وحَبِطَ} بطل {ما صَنعُوا} من أعمال الخير، ويجوز كون ما مصدرية {فيها} فى الدنيا تعلق بصنعوا، أو بحبط أى بطل فى الدنيا، ولم يبق إلى الآخرة، أو الضمير للآخرة، فيتعلق بحبط، أى ظهر حبوطه فى الآخرة، ومعنى الحبوط فساد الأعمال، وسقوط ثوابها، كأنه قيل: لم يبق لهم ثواب فى الآخرة، أو لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به وجه الله، فمن عمل عملا وقصد به الله، وعمل ما يبطله أعطى ثوابه فى الدنيا، وأن عمله لغير الله كرياء وسمعة، فلا ثواب له أصلا، والجملة معللة لما قبلها من حيث المعنى. {وباطِلٌ} خبر مبتدأ {ما كانُوا يعْملُون} على أن ما اسم أو مصدرية، أى هو باطل فى نفسه أيضا إذا لم يخلصوه لله، ويجوز عطف باطل على الذين، أو على حبط، فيكون ما بعده فاعلا، ويناسبه قراءة بعضهم: وبطل بصيغة الفعل الماضى، وقرئ: وباطلا بالنصب على أنه مفعول ليعملون، وما حرف مؤكد أو نكرة تامة نعت لباطل تزيده إبهاما، أى وباطلا، أى باطل كانوا يعملون، أو على أنه مصدر بوزن اسم الفاعل مفعول مطلق لمحذوف، أى وبطل بطلانا ما كانوا يعملون، فما أو المصدر من يعمل فاعل الباطل المحذوف، وعلى كل حال فهذه الجملة معللة لقوله حبط ما صنعوا فيها من حيث المعنى.

اطفيش

تفسير : {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ} جزاءَ ما أَصروا عليه من شرك وما دونه من عمل أَو اعتقاد، وقد قال القرطبى عن بعض العلماءِ إِن الآية فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إِنما الأَعمال بالنيات"تفسير : ، فكل عمل لا يعمل إِلا على وجه القربة لا تؤْخذ الأُجرة عليه. والآية دلت على ذلك، وكذا شرط العلم فى النيات، فمن صام رمضان قضاءً آخر، وللكفارة أَو غير ذلك لم يجزه لرمضان ولا لغيره، ومن غسل للتبرد لم يجزه{وَحَبِطَ} بطل {مَا صَنَعُوا} من الحسنات لصلة رحم وصدقة وتوحيد وغير ذلك من الفرض والنفل أَى بطل جزاءُ ما عملوا أَو عملوا اسم لمسببه، أَو بطل نفس عملهم كأَنه لم يعملوه لعدم وجود ثمرة له، وذلك الحبوط فى الآخرة لا فى الدنيا، لأَنهم قد استوفوه فيها {فِيهَا} متعلق بصنعوا والضمير للدنيا أَى بطل فى الآخرة ما صنعوا فى الدنيا، أَو بطل فى الدنيا ما صنعوا فى الدنيا أَو عائِد إِلى الآخرة فيتعلق بحبط لا بصنعوا لأَنه لا عمل فى الآخرة، والمعنى حبط فيها أَى فى الآخرة ما صنعوا فى الدنيا، فحذف فى الدنيا للعلم به وعلى كل حال المراد حبط ما صنعوه أَو حبط صنعهم {وَبَاطِلٌ} معطوف على ليس لهم فى الآخرة إِلا النار عطف مفرد على جملة، وكذا إِن عطف على حبط ما صنعوا {مَا} فاعل لباطل أَو مبتدأٌ خبره باطل، والجملة معطوفة كذلك عطف جملة على أُخرى وعليه قدم باطل للفاصلة {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ما يعملونه أَو عملهم، والكلام على المجموع لأَن بعض الأَشقياءِ العاملين لا جزاءَ لهم فى الدنيا ولا فى الآخرة وبعض يثاب فى الدنيا فقط وبعض فى الآخرة فقط، مثل أَن ينقص من عذابه، وبعض يثاب فيهما، وثواب الآخرة للشقى النقص فى الآخرة، روى قومنا أَنه رؤى أَبو لهب فقال يخفف عنى فى كل الاثنين لأَنى سررت بمحمد إِذ ولد يوم الاثنين وأُعتقت ثويبة لما بشرتنى وأَسقى فى مثل نقرة الإِبهام والله أَعلم بصحة ذلك، وكونه خصوصاً من عموم أَن الكافر لا يخفف عنه، وروى مسلم عن أَبى هريرة أَنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : قال الله تعالى: أَنا أَغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملا أَشرك فيه معى غيرى تركته وشركهتفسير : ، وفيه روايات أُخر، وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : من تعلم علماً لغير الله أَو أَراد به غير الله فليتبوأُ مقعده من النار"تفسير : . رواه الترمذى. وعن أَبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من تعلم علما مما يبتغى فيه وجه الله لا يتعلمه إِلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"تفسير : . يعنى ريحها رواه أَبو داود. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أَن فيه خيراً ولا خير فيه"تفسير : ، وذلك فى نحو المرائى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا كان يوم القيام يؤْتى برجل قرأَ جميع القرآن فيقال له: ما عملت فيه؟ فيقول: قمت به آناءَ الليل وأطراف النهار"تفسير : . فيقول الله تعالى: كذبت، أَردت أَن يقال فلان قارىءٌ، وقد قيل ذلك، ويؤْتى بصاحب المال فيقول الله تعالى: أَلم أُوسع عليك؟ فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول: وصلت الرحم وتصدقت. فيقول الله تعالى: كذبت، بل أَردت أَن يقال فلان جواد، وقد قيل ذلك، ويؤْتى بمن قتل فى سبيل الله فيقول: قاتلت فى الجهاد حتى قتلت. فيقول الله تعالى: كذبت، بل أَردت أَن يقال فلان جرىءٌ مقدام فارس. قال الراوى قال أَبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتى وقال: يا أَبا هريرة، أُولئِكَ الثلاثة أَول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة. ورواه مسلم مختصرا. وذكر أَن أَبا هريرة بكى بكاءً شديداً ثم قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، من كان يريد الحياة الدنيا إِلخ، وروى أَن أَبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى حتى ظننا أَنه هالك، فقال صدق الله ورسوله، {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إِليهم أَعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أُولئِك الذين ليس لهم فى الآخرة إِلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} وذكر من يريد بعمله الآخرة بقوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} الهمزة داخلة على جملة معطوف عليها بالفاءِ، التقدير اذكر من كان يريد الحياة الدنيا فاذكر من كان على بينة أَو يقال من كان يريد الحياة الدنيا فيقال من كان على بينة وإِذا قدرنا اذكر فمعناه أَقول فى الذى بعد الفاءِ أَو من كان مستبصراً أَفمن كان على بينة أَو الهمزة مما بعد الفاءِ فالمعطوف عليه من كان يريد الحياة الدنيا إِلخ، والهمزة للإِنكار والفاءُ للتعقيب، أَنكر أَن يعقب من كان على بينة من لم يكن عليها أَو يقاربه فضلا عن أَن يماثله والذى على بينة هو النبى صلى الله عليه وسلم أَو المؤمنون أَو كلاهما أَو مؤمنو أَهل الكتاب ويأْبى عنه أُولئِك يؤمنون به، وعلى الأَول يكون الجمع فى قوله أُولئِك إِلخ تعظيماً، والبينة القرآن أَو البرهان، والقرآن برهان أَو الحذف هنا مثله فى قوله أَفمن زين له، أَمَّن هو قانت، والتقدير أَفمن كان على بينة من ربه إِلخ كمن يريد الحياة الدنيا أَو كمن ليس على بينة من ربه إِلخ، فيعبر عنه بقولنا كمن ليس كذلك أَو على أَن شرطية فكمن بالفاءِ ومن مبتدأُ خبره مقدر كما رأَيت، ومن الغريب ترجيح بعض أَن يقدر أَمَّن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة من ربه، يعقبونهم أَو يضربونهم مع أَن هذه عبارة ينزه القرآن عنها. وما مراده إِلا الرد على الإِمام أَبى حيان ولو أَنصف لهذا الإِمام لكان أَولى، وادعى بعض أَن التقدير إِذا لم يأْتوا بعشر سور مثله فقل لهم أَفمن كان{وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} يتبعه شاهد هو جبريل يأْتيه من الله والهاءُ لمن والشاهد القرآن على أَن البينة مطلق البرهان أَو على أَنها القرآن يكون سماه باسم الشاهد وباسم البينة لاختلاف مفهوميهما فإِن مفهوم البينة البيان ومفهوم شاهد الإِخبار بالواقع، أَو البينة الدليل العقلى، ويجوز أَن يكون يتلوه يقرؤه فتكون الهاءُ للبينة، وضمير المذكر للتأْويل بالقرآن أَو البرهان، ويجوز أَن يكون الشاهد جبريل يتلوه أَى البينة أَى القرآن أَى يقرؤه أَو الشاهد النبى صلى الله عليه وسلم يتلوه أَى يقرأ القرآن المعبر عنه بالبينة، وفيه أَن الكفار لا يعتذرون بشهادته لنفسه، أَو البينة القرآن والشاهد الإِنجيل، أَو عبد الله بن سلام كما قال الله عز وجل "أية : وشهد شاهد من بنى إِسرائيل على مثله"تفسير : [الأحقاف: 10] أَو الشاهد المعجزات وأُفرد لأَنها كلها دليل وهاءُ منه لله أَو للرسول على أَن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم وفيه ما ذكر، وروى الطبرى والطبرانى عن محمد بن الحنفية ـ وهو ابن على بن أَبى طالب ـ لأَبيه: إِن الناس يزعمون أَنك التالى الشاهد فى قوله ويتلوه شاهد فقال: وددت أَنى هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رد لما روى عن بعض أَهل البيت عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من كان على بينة من ربه أَناتفسير : ، ويتلوه شاهد علىُّ، وإِن بعض الشيعة وضعه عن بعض أَهل البيت ليستدلوا به على أَن الإِمام على هو أَهل للإِمامة قبل الصديق ولا دليل لهم فيه {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى} عطف على كان على بينة على أَن من اسم موصول أَو نكرة للتعظيم موصوفة أَو حال ويتعين الحال إِن جعلت شرطية والهاءُ للبينة بمعنى القرآن أَو للشاهد وكذلك، والكتاب التوراة تتلو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو تتلو القرآن أَى تتبعه بالتصديق أَوتقرؤه بمعنى أَنه يذكر فأَسند إِليها قراءَته والحاصل أَن التوراة تصدقه، والجملة مبتدأُ وخبر وكتاب موسى معطوف على شاهد ومن قبله حال من كتاب موسى، وقيل مبتدأُ وخبر غير متصل بما قبله ويدل للاتصال نصب كتاب فى قراءَة عطفاً على هاءِ يتلوه أَو نصبا باذكر محذوفاً وذكر التوراة دون الإِنجيلِ لاتفاق اليهود والنصارى عليها فتقوم الحجة عليهم بخلاف الإِنجيل فإِن اليهود جحدوه {إِمَاماً} حال من ضمير الاستقرار ومعناه متبوعا فى الدين {وَرَحْمَةً} دينية ودنيوية وأُخروية لأَهل التوراة والإِنجيل قبل نزول القرآن وأَما بعده فالرحمة القرآن وما وافق القرآن، وإِنما هو رحمة من حيث إِن القرآن لم ينسخه إِلا باستقلاله، هما رحمة بعد نزوله أَيضاً لأَنهما يرشدان إِلى الإِيمان به، ولا شك أَن ما لم يحرف ولم يخالف القرآن رحمة إلى يوم القيامة دينا ودنيا {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} الإِشارة إلى من كان على بينة والهاءُ للبينة بمعنى القرآن أَو أَحد معانيه السابقة إِلا أَن القرآن أَولى لأَن هاءَ من قبله تناسب القرآن، إِذ لا يترجح هنا بأَن يقال ومن قبل محمد صلى الله عليه وسلم كتاب موسى ومن يؤْمن بالقرآن فموعده الجنة، وقيل الهاءُ لكتاب موسى عليه السلام لقربه ولا يناسبه ما بعد، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ} الجماعات المتحزبة أَى المتجمعة على الكفر من أَهل مكة وغيرهم، وقيل الكفار مطلقاً لتحزبهم على الكفر، وقيل اليهود والنصارى وقيل قريش وقيل كفار بنى أُمية. وبنى آل المغيرة المخزومى. وآل بنى طلحة بن عبيد الله والتعميم إِلى يوم القيامة أَولى {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} لا يتخلف عنها وهو اسم مكان الوعد لكن الوعد لم يعقد فى النار بل أَزلى، فالمعنى أَن النار مكان تعلق الوعد ويجوز أَن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الموعود به {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} شك {مِنْهُ} من القرآن أَو من الموعد والخطاب فى تك للنبى صلى الله عليه وسلم زيادة فى تقوية يقينه أَو لمن يصلح للخطاب، وهكذا يجوز فى كل ما لا يتصور منه صلى الله عليه وسلم أَن ينهى ويبقى على ظاهره تأْكيداً فى جميع القرآن مثل ولا تكونن من المشركين فى وجه {إِنَهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} ويجوز عود الهاءَين للشاهد بمعانيه ولكنك تعرف أَن الراجح عودها إِلى بينة بمعنى القرآن{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} لإِهمالهم التدبر.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى المذكورين باعتبار استمرارهم على إرادة الحياة الدنيا، أو باعتبار توفيتهم أجورهم فيها من غير بخس، أو باعتبارهما معاً، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في سوء الحال {ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} لأن هممهم كانت مصروفة إلى اقتناص الدنيا وأعمالهم كانت ممدودة ومقصورة على تحصيلها؛ وقد ظفروا بما يترتب على ذلك ولم يريدوا به شيئاً آخر فلا جرم لم يكن لهم في الآخرة إلا النار وعذابها المخلد. {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي في الآخرة كما هو الظاهر، فالجار متعلق ـ بحبط ـ و {مَا} تحتمل المصدرية والموصولية أي ظهر في الآخرة حبوط صنعهم، أو الذي صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب الأخروي لو كانت معمولة للآخرة، ويجوز أن يعود الضمير إلى الدنيا فيكون الجار متعلقاً بصنعوا ـ و{مَا} على حالها، والمراد بحبوط الأعمال عدم مجازاتهم عليها لفقد الاعتداد بها لعدم الإخلاص الذي هو شرط ذلك، وقيل: لجزائهم عليها في الدنيا. {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال أبو حيان: هو تأكيد لقوله سبحانه: {حَبِطَ} الخ، والظاهر أنه حمل {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} على معنى {مَا صَنَعُواْ} والبطلان على عدم النفع وهو راجع إلى معنى الحبوط. ولما رأى بعضهم أن التأسيس أولى من التأكيد أبقى ما يعملون على ذلك المعنى، وحمل بطلان ذلك على فساده في نفسه لعدم شرط الصحة، وقال: كأن كلاً من الجملتين علة لما قبلها على معنى ليس لهم في الآخرة إلا النار لحبوط أعمالهم وعدم ترتب الثواب عليها لبطلانها وكونها ليست على ما ينبغي، والأولى ما صنعه المولى / أبو السعود عليه الرحمة حيث حمل البطلان على الفساد في نفسه، و {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} على أعمالهم في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية، ثم قال: ولأجل أن الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة، وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبـىء عن الحدوث، وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلاً بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه، وفي زيادة ـ كان ـ في الثاني دون الأول إيماءً إلى أن صدور أعمال البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي مقدمات مطالبهم الدنيئة انتهى. ويحتمل عندي على بعد أن يراد ـ بما كانوا يعملون ـ هو ما استمروا عليه من إرادة الحياة الدنيا وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نسب إليها الحبوط وإطلاق مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به لأنها من أعمال القلب، ووجه الإتيان ـ بكان ـ فيه موافقته لما أشار هو إليه، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله أراد بها الحياة الدنيا وزينتها، وأياً مّا كان فالظاهر أن {بَاطِل} خبر مقدم و {مَا كَانُواْ} هو المبتدأ، وجوز في «البحر» كون {بَاطِل} خبراً بعد خبر، و {مَا} مرتفعة به على الفاعلية. وقرىء ـ وبطل ـ بصيغة الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقاً، وقرأ أبـي وابن مسعود ـ وباطلاً ـ بالنصب ونسب ذلك إلى عاصم وخرجه صاحب «اللوامح» على أن {مَا} سيف خطيب ـ وباطل ـ مفعول ـ ليعلمون ـ وفيه تقديم معمول {كَانَ} وفيه ـ كتقديم الخبر ـ خلاف، والأصح الجواز لظاهر قوله تعالى: {أية : أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}تفسير : [سبأ: 40] ومن منع تأول، وجوز أن يكون منصوباً ـ بيعملون ـ و {مَا} إبهامية صفة له أي باطلاً أي باطل، ونظير ذلك حديث ما على قصره ولأمر ما جدع قصير أنفه، وأن يكون مصدراً بوزن فاعل، وهو منصوب بفعل مقدر، و {مَا} اسم موصول فاعله أي بطل بطلاناً الذي كانوا يعملونه، ونظيره خارجاً في قول الفرزدق: شعر : ألم ترني عاهدت ربـي وأنني لبين رتاج قائماً ومقام عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما ولا (خارجاً) من في زور كلام تفسير : فإنه أراد ولا يخرج من في زور كلام خروجاً، وفي ذلك على ما في «البحر» إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر هذا، والظاهر أن الآية في مطلق الكفرة الذين يعملون البر لا على الوجه الذي ينبغي، وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في اليهود والنصارى، ولعل المراد ـ كما قال ابن عطية ـ أنهم سبب النزول فيدخلون فيها لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرهم، وقال الجبائي: هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله تعالى حظهم من ذلك سهمهم في الغنائم، وفيه أن ذلك إنما كان بعد الهجرة والآية مكية، وقيل: في أهل الرياء يقال لقارىء القرآن منهم: أردت أن يقال: فلان قارىء، فقد قيل اذهب فليس لك عندنا شيء، وهكذا لغيره من المتصدق والمقتول في الجهاد وغيرهما ممن عمل من أعمال البر لا لوجه الله تعالى، وربما يؤيد ذلك ما روي عن معاوية حين حدثه أبو هريرة بما تضمن ذلك فبكى، وقال: صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} إلى قوله سبحانه: {أية : وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 61] وعليه فلا بد من / تقييد قوله عز وجل: {لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} بأن ليس لهم بسبب أعمالهم الريائية إلا ذلك وهو خلاف الظاهر، والسياق يقتضي أنها في الكفرة مطلقاً وبرهم كما قلنا، ومن هنا اشتهر أن الكافر يعجل له ثواب أعماله في الدنيا بتوسعة الرزق وصحة البدن وكثرة الولد ونحو ذلك وليس لهم في الآخرة من نصيب لكن ذهب جماعة إلى أنه يخفف بها عنه عذاب الآخرة، ويشهد له قصة أبـي طالب، وذهب آخرون إلى أن ما يتوقف على النية من الأعمال لا ينتفع الكافر به في الآخرة أصلاً لفقدان شرطه إذ لم يكن من أهل النية لكفره، وما لا ينتفع به ويخفف به عذابه، وبذلك يجمع بين الظواهر المقتضي بعضها للانتفاع في الجملة وبعضها لعدمه أصلاً فتدبر. ووجه ارتباط هذه الآية بما قبلها على ما في «مجمع البيان» ((أنه سبحانه لما قال: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} [هود: 14]؟ فكأن قائلاً قال: إن أظهرنا الإسلام لسلامة النفس والمال يكون ماذا؟ فقيل: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا }تفسير : )) [هود: 15] الخ، أو يقال: إن فيما قبل ما يتضمن إقناط الكفرة من أن يجيرهم آلهتهم من بأس الله عز سلطانه كما تقدم، وذكره بعض المحققين فلا يبعد أن يكون سماعهم ذلك سبباً لعزمهم على إظهار الإسلام، أو فعل بعض الأعمال الصالحة ظناً منهم أن ذلك مما يجيرهم وينفعهم فشرح لهم حكم مثل ذلك بقوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ }تفسير : [هود: 15] الخ لكن أنت تعلم أن هذا يحتاج إلى ادعاء أن ذلك العزم من باب الاحتياط. وفي «البحر» في بيان المناسبة أنه سبحانه لما ذكر شيئاً من أحوال الكفار في القرآن ذكر شيئاً من أحوالهم الدنيوية وما يؤولون إليه في الآخرة، وأبو السعود بين ذلك على وجه يقوي به ما ادعاه من أنسبية كون الخطاب فيما سلف له عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فقال: والذي يقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً فإنه عز وجل لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن منزل بعلم الله سبحانه وبأن لا قدرة لغيره سبحانه على شيء أصلاً وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله تعالى عن المعارضة وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شؤونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظ العاجلة واستوائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بين ذلك أي بيان انتهى، ولا يخفى أنه يمكن أن يقرر هذا على وجه لا يحتاج فيه إلى توسط حديث جعل الخطاب السابق له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فليفهم. واستدل في الأحكام بالآية على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمن أخذ عليه الأجرة خرج من أن يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة، وادعى إلكيا أنها مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : وتدل على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وعلى أن من توضأ للتبرد أو التنظف لا يصح وضوؤه، وفي ذلك خلاف مبسوط بما له وعليه في محله.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلآخِرَةِ} {وَبَاطِلٌ} (16) - وَهؤلاءِ الذِينَ لاَ هَمَّ لَهُمْ إِلاَّ الدُّنْيا، وَزِينَتُهَا، وَزُخْرُفُهَا ... لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ، لأَِنَّ الجَزَاءَ فِيهَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى الأَعْمَالِ فِي الدُّنْيا، وَهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا فِي دُنْيَاهُمْ لآخِرَتِهِمْ شَيْئاً لِيَنْتَفِعُوا بِهِ. حَبِطَ - هَلَكَ وَبَطَلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: فالنار مثوى هؤلاء الذين عملوا من أجل الدنيا دون إيمان بالله، فقد أخذوا حسابهم في الدنيا، أما عملهم فقد حبط في الآخرة، والحَبَط هو انتفاخ الماشية حين تأكل شيئاً أخضر لم ينضج بعد، ويقال في الريف عن ذلك: "انتفخت البهيمة" أي: أن هناك غازات في بطنها، وقد يظنها الجاهل سِمْنةً، لكن هذا الانتفاخ يزول بزوال سببه. وعمل الكافرين إنما يحبط في الآخرة؛ لأنه باطل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ ...}.