Verse. 1490 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

اَفَمَنْ كَانَ عَلٰي بَيِّنَۃٍ مِّنْ رَّبِّہٖ وَيَتْلُوْہُ شَاہِدٌ مِّنْہُ وَمِنْ قَبْلِہٖ كِتٰبُ مُوْسٰۗى اِمَامًا وَّرَحْمَۃً۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ يُؤْمِنُوْنَ بِہٖ۝۰ۭ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِہٖ مِنَ الْاَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُہٗ۝۰ۚ فَلَا تَكُ فِيْ مِرْيَۃٍ مِّنْہُ۝۰ۤ اِنَّہُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ وَلٰكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُوْنَ۝۱۷
Afaman kana AAala bayyinatin min rabbihi wayatloohu shahidun minhu wamin qablihi kitabu moosa imaman warahmatan olaika yuminoona bihi waman yakfur bihi mina alahzabi faalnnaru mawAAiduhu fala taku fee miryatin minhu innahu alhaqqu min rabbika walakinna akthara alnnasi la yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفمن كان على بيِّنة» بيان «من ربه» وهو النبي أو المؤمنون، وهي القرآن «ويتلوه» يتبعه «شاهد» له بصدقه «منه» أي من الله وهو جبريل «ومن قبله» القرآن «كتاب موسى» التوراة شاهد له أيضا «إماما ورحمة» حال كمن ليس كذلك؟ لا «أولئك» أي من كان على بينة «يؤمنون به» أي بالقرآن فلهم الجنة «ومن يكفر به من الأحزاب» جميع الكفار «فالنار موعده فلا تَكُ في مِرْيَةِ» شك «منه» من القرآن «إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس» أي أهل مكة «لا يؤمنون».

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى: { أية : أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء } تفسير : [فاطر: 8] وقوله: { أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ سَـٰجِداً وَقَائِماً } تفسير : [الزمر: 9] وقوله: { أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 9]. واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل. فالأول: أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو. والثاني: أنه ما المراد بهذه البينة. والثالث: أن المراد بقوله: {يتلوه} القرآن أو كونه حاصلاً عقيب غيره. والرابع: أن هذا الشاهد ما هو؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية. أما الأول: وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو؟ فقيل: المراد به النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد به من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية: {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وهذا صيغة جمع، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في {يتلوه} يرجع إلى معنى البينة، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى. واعلم أن كون كتاب موسى تابعاً للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و {إِمَاماً } نصب على الحال، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها: دلالة البينات العقلية على صحته. وثانيها: شهادة القرآن بصحته. وثالثها: شهادة التوراة بصحته، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر. فالقول الأول: أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن، والمراد بقوله: {يتلوه} هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوهاً: أحدها: أنه جبريل عليه السلام، والمعنى: أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام. وثانيها: أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال: قلت لأبي أنت التالي قال: وما معنى التالي قلت قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تالياً على سبيل المجاز كما يقال: عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق. وثالثها: أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله: {مِنْهُ } أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام. ورابعها: أن لا يكون المراد بقوله: {وَيَتْلُوهُ } القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم. القول الثاني: أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبينة القرآن {وَيَتْلُوهُ } أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد فقال بعضهم: إنه محمد عليه السلام وقال آخرون: بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعاً على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله، وقوله: {شَاهِدٌ مّنْهُ } أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به. وثالثها: قال الفراء: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله، والمعنى أنه يتلوه في التصديق، وتقريره: أنه تعالى ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، وأمر بالإيمان به. واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم. واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماماً ورحمة، ومعنى كونه إماماً أنه كان مقتدى العالمين، وإماماً لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سبباً للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } والمعنى: أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون. واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد، وهذا القسم الثاني على قسمين، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته، وكان البرهان اليقيني قائماً على صحته، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية، وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام، وقوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَامًا وَرَحْمَةً } إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه. ثم قال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلاْحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ } والمراد من الأحزاب أصناف الكفار، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس. روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » حديث : لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار « تفسير : قال أبو موسى: فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن، فوجدت الله تعالى يقول: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلاْحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ } وقال بعضهم: لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده. ثم قال تعالى: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } ففيه قولان: الأول: فلا تك في مرية من صحة هذا الدين، ومن كون القرآن نازلاً من عند الله تعالى، فكان متعلقاً بما تقدم من قوله تعالى: { أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } تفسير : [هود:13] الثاني: فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار. وقرىء {مِرْيَةٍ } بضم الميم. ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } والتقدير: لما ظهر الحق ظهوراً في الغاية، فكن أنت متابعاً له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} ٱبتداء والخبر محذوف؛ أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعه من الفضل ما يتَبيّن به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ٰ عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. وكذلك قال ٱبن زيد: إن الذي على بيّنة هو من ٱتبع النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} من الله، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد بقوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} النبيّ صلى الله عليه وسلم، والكلام راجع إلى قوله: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}؛ أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل ـ على ما يأتي ـ وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يُسْلِمه. والهاء في {ربّه} تعود عليه، وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. وروى عِكرمة عن ٱبن عباس أنه جبريل؛ وهو قول مجاهد والنَّخَعِيّ. والهاء في {منه} لله عز وجل؛ أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عز وجل. وقال مجاهد: الشاهد ملَك من الله عزّ وجلّ يحفظه ويُسدّده. وقال الحسن البصري وقَتَادة: الشاهد لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن علي بن الحنفية: قلت لأبي أنت الشاهد؟ فقال: وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو علي بن أبي طالب؛ روي عن ٱبن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب؛ وروي عن عليّ أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان؛ فقال له رجل: أي شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}. وقيل: الشاهد صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله؛ لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالهاء على هذا ترجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، على قول ٱبن زيد وغيره. وقيل الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد؛ قاله الحسين بن الفضل، فالهاء في {منه} للقرآن. وقال الفرّاء قال بعضهم: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق؛ والهاء في {منه} لله عزّ وجلّ. وقيل: البيّنة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقلُ الذي رُكِّب في دماغه وأشرق صدره بنوره. {وَمِن قَبْلِهِ} أي من قبل الإنجيل. {كِتَابُ مُوسَىٰ} رفع بالابتداء، قال أبو إسحق الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف في كتاب موسى {أية : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157]. وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} بالنصب؛ وحكاها المهدويّ عن الكَلْبيّ؛ يكون معطوفاً على الهاء في {يَتْلُوهُ} والمعنى: ويتلو كتابَ موسى جبريلُ عليه السلام؛ وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ المعنى من قبله تلا جبريلُ كتابَ موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضاً من هذا القول أن يُرفع {كتاب} على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك؛ أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد. {إَمَاماً} نصب على الحال. {وَرَحْمَةً} معطوف. {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} إشارة إلى بني إسرائيل، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك؛ وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار؛ حكاه القشيريّ. والهاء في {به} يجوز أن تكون للقرآن، ويجوز أن تكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن أو بالنبيّ عليه السلام. {مِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني من الملل كلها؛ عن قَتَادة؛ وكذا قال سعيد بن جُبَير: {الأحزاب} أهل الأديان كلها؛ لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش وحلفاؤهم. {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي هو من أهل النار؛ وأنشد حسان:شعر : أَوردتموها حياضَ الموتِ ضاحية فالنارُ موعدُها والموتُ لاقيها تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفس محمد بيده لاَ يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ (ثم يموت) ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلاّ كان من أصحاب النار». تفسير : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي في شك. {مِّنْهُ} أي من القرآن. {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي القرآن من الله؛ قاله مقاتل. وقال الكَلْبيّ: المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار. {إِنَّه الْحَقُّ} أي القول الحق الكائن؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع المكلَّفين.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده؛ من الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو؛ كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} الآية. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» تفسير : الحديث. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» تفسير : وفي المسند والسنن: «حديث : كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه» تفسير : الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة، قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة، المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}: إنه جبريل عليه السلام. وعن علي رضي الله عنه والحسن وقتادة: هو محمد صلى الله عليه وسلم وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلاً من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما، بلغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة، وقيل: هو عليّ، وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} وهو القرآن، بلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته، ثم قال تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى، وهو التوراة {إَمَامًا وَرَحْمَةً} أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إماماً لهم، وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن، ولهذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ثم قال تعالى متوعداً لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض؛ مشركهم وكافرهم، وأهل الكتاب وغيرهم من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن؛ كما قال تعالى: {أية : لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ}تفسير : [الأنعام: 19] وقال تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 58] وقال تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}. وفي صحيح مسلم من حديث شعبة: عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار» تفسير : وقال أيوب السختياني عن سعيد بن جبير قال: كنت لا أسمع بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، إلا وجدت مصداقه - أو قال: تصديقه - في القرآن، فبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار» تفسير : فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقاً في القرآن، حتى وجدت هذه الآية {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلاَْحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} قال: من الملل كلها. وقوله: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} الآية، أي: القرآن حق من الله، لا مرية ولا شك فيه؛ كما قال تعالى: {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [السجدة:1-2] وقال تعالى: {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [البقرة:1-2] وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وقال تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 20].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } بيان {مِّن رَّبِّهِ } وهو النبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنون وهي القرآن {وَيَتْلُوهُ } يتبعه {شَاهِدٌ } له بصدقه {مِنْهُ } أي من الله وهو جبريل {وَمِن قَبْلِهِ } أي القرآن {كِتَٰبُ مُوسَىٰ } التوراة شاهد له أيضاً {إَمَامًا وَرَحْمَةً }؟ حال، كمن ليس كذلك؟ لا {أُوْلَٰئِكَ } أي من كان على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالقرآن فلهم الجنة {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ } جميع الكفار {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } شك {مِنْهُ } من القرآن {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي أهل مكة {لاَ يُؤْمِنُونَ }.

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأولون في المراد بقوله {أفمن} فقالت فرقة: المراد بذلك المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة المراد محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك وابن عباس: المراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون جميعاً. وكذلك اختلف في المراد بـ "البيّنة" فقالت فرقة: المراد بذلك القرآن، أي على جلية بسبب القرآن، وقالت فرقة: المراد محمد صلى الله عليه وسلم والهاء في "البيّنة" للمبالغة كهاء علامة ونسابة. وكذلك اختلف في المراد بـ "الشاهد" فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والضحاك وأبو صالح وعكرمة: هو جبريل. وقال الحسين بن علي: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد أيضاً: هو ملك وكّله الله بحفظ القرآن. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بهذه الألفاظ جبريل. وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي ذلك عنه، وقالت فرقة: هو الإنجيل، وقالت فرقة: هو القرآن، وقالت فرقة: هو إعجاز القرآن. قال القاضي أبو محمد: ويتصرف قوله {يتلوه} على معنيين: بمعنى يقرأ، وبمعنى يتبعه، وتصرفه بسبب الخلاف المذكور في "الشاهد" ولنرتب الآن اطراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا إن قوله: "أفمن" يراد به المؤمنون: فإن جعلت بعد ذلك "البيّنة" محمد صلى الله عليه وسلم صح أن يترتب "الشاهد" الإنجيل ويكون {يتلوه} بمعنى يقرأه، لأن الإنجيل يقرأ شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأن يترتب جبريل عليه السلام ويكون {يتلوه} بمعنى يتبعه أي في تبليغ الشرع والمعونة فيه وأن يترتب الملك ويكون الضمير في {منه} عائداً على البيّنة التي قدرناها محمداً صلى الله عليه وسلم وأن يترتب القرآن ويكون {يتلوه} بمعنى يتبعه، ويعود الضمير في {منه} على الرب. وإن جعلنا "البيّنة" القرآن على أن {أفمن} هم المؤمنون - صح أن يترتب "الشاهد" محمد صلى الله عليه وسلم، وصح أن يترتب الإنجيل وصح أن يترتب جبريل والملك، ويكون {يتلوه} بمعنى يقرأه: وصح أن يترتب "الشاهد" الإعجاز، ويكون {يتلوه} بمعنى يتبعه، ويعود الضمير في {منه} على القرآن. وإذا جعلنا {أفمن} للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت "البيّنة" القرآن، وترتب "الشاهد" لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وترتب الإنجيل، وترتب جبريل والملك، وترتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وترتب الإعجاز. ويتأول {يتلوه} بحسب "الشاهد" كما قلنا ولكن هذا القول يضعفه قوله {أولئك} فإنا إذا جعلنا قوله: {أفمن} للنبي صلى الله عليه وسلم وحده لم نجد في الآية مذكورين يشار إليهم بذلك ونحتاج في الآية إلى تجوز وتشبيه بقوله تعالى: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} تفسير : [الطلاق: 1] وهو شبه ليس بالقوي. والأصح في الآية أن يكون قوله: {أفمن} للمؤمنين، أو للمؤمنين والنبي معهم بأن لا يترتب "الشاهد" بعد ذلك يراد به النبي إذا قدرناه داخلاً في قوله: {أفمن}. وما تركناه من بسط هذا الترتيب يخرجه التدبر بسرعة فتأمله. وقرأ جمهور الناس "كتابُ" بالرفع؛ وقرأ الكلبي وغيره "كتاباً" بالنصب فمن رفع قدر "الشاهد" الإنجيل معناه يقرأ القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم - بحسب الخلاف - و"الإنجيل" و "من قبل" كتاب موسى إذ في الكتابين ذكر القرآن وذكر محمد صلى الله عليه وسلم. ويصح أن يقدر الرافع "الشاهد" القرآن، وتطرد الألفاظ بعد ذلك، ومن نصب "كتاباً" قدر "الشاهد" جبريل عليه السلام، أي يتلو القرآن جبريل ومن قبل القرآن كتاب موسى. قال القاضي أبو محمد: وهنا اعتراض يقال: إذ قال {من قبله كتاب موسى} أو "كتابَ" بالنصب على القراءتين: والضمير في {قبله} عائد على القرآن - فلم لم يذكر الإنجيل - وهو قبله - بينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال: أنه خص التوراة بالذكر لأن الملّتين مجمعتان أنهما من عند الله، والإنجيل ليس كذلك: فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الطائفتين أولى: وهذا يجري مع قول الجن: {أية : إنا سمعنا كتاب أنزل من بعد موسى} تفسير : [الأحقاف: 30] ومع قول النجاشي: إن هذا، والذي جاء به موسى، لخرج من مشكاة واحدة؛ فإنما اختصر الإنجيل من جهة أن مذهبهم فيه مخالف لحال القرآن والتوراة، ونصب {إماماً} على الحال من {كتاب موسى}، و{الأحزاب} ها هنا يراد به جميع الأمم، وروى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا من اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" تفسير : فقلت: أين مصداق هذا من كتاب الله؟ حتى وجدته في هذه الآية، وكنت إذا سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم طلبت مصداقه في كتاب الله. قال القاضي أبو محمد: والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون {أفمن} للمؤمنين أو لهم وللنبي معهم، إذ قد تقدم ذكر {أية : الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} تفسير : [هود: 16]، فعقب ذكرهم بذكر غيرهم، و "البيّنة" القرآن وما تضمن. و"الشاهد" محمد صلى الله عليه وسلم أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: {أفمن} أو الإنجيل والضمير في {يتلوه} للبيّنة، وفي {منه} للرب تعالى، والضمير في {قبله} للبيّنة وغير هذا مما ذكرته آنفاً محتمل. وقرأ الجمهور "في مِرية" بكسر الميم، وقرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي "في مُرية" بضم الميم، وهما لغتان في الشك، والضمير في {منه} عائد على كون الكفرة موعدهم النار، وسائر الآية بيّن. وفي هذه الآية معادلة محذوفة يقتضيها ظاهر اللفظ تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربه كمن كفر بالله وكذب أنبياءه، ونحو هذا، في معنى الحذف، قوله عز وجل: {أية : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} تفسير : [الرعد: 31]، لكان هذا القرآن، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]. شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا تفسير : التقدير لرددناه ولم نصغ إليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَيِّنَةٍ} القرآن، أو دلائل التوحيد ووجوب الطاعة، أو محمد صلى الله عليه وسلم {شَاهِدٌ مِّنْهُ} لسانه يشهد له بتلاوة القرآن، أو الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد من الله ـ تعالى ـ أو جبريل ـ عليه السلام ـ "ع" أو قال علي ـ رضي الله عنه ـ ما في قريش أحد إلا وقد نزلت فيه آية قيل: فما نزل فيك قال: "ويتلوه شاهد منه" {قَبْلِهِ} الضمير للقرآن، أو للرسول صلى الله عليه وسلم {إِمَاماً} للمؤمنين لاقتدائهم به {وَرَحْمَةً} لهم، أو إماماً متقدماً علينا ورحمة لهم. {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه {الأَحْزَابِ} أهل الأديان كلها، أو المتحزبون على الرسول صلى الله عليه وسلم وحربه؛ قريش، أو اليهود والنصارى، أو أهل الملل كلها. {مَوْعِدُهُ} مصيره. {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} من القرآن، أو من أن النار موعد الكافرين به.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الآية. وتقدير تعلقهما بما قبلها: (أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها). وقوله: {أفمن كان على بينة} فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوفٌ، تقديره: أفمن كان على هذه الأشياء كغيره، كذا قدَّرهُ أبو البقاءِ، وأحسن منه (أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها) وحذف المعادل الذي دخلت عليه الهمزة كثيرٌ نحو: {أية : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ}تفسير : [فاطر:8]، {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ}تفسير : [الزمر:9] إلى غير ذلك، وهذا الاستفهام بمعنى التقرير. الثاني: - وإليه نحا الزمخشري - أن هذا معطوفٌ على شيءٍ محذوفٍ قبله، تقديره: "أمن كان يريد الحياة الدنيا، وزينتها كمن كان على بينةٍ"، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم. يريد: أن بين الفريقين تفاوتاً، والمراد من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام، وهذا على قاعدته من تقديره معطوفاً بين همزة الاستفهام، وحرفِ العطفِ، وهو مبتدأ أيضاً، والخبر محذوفٌ كما تقدم تقريره. قوله: "ويَتْلُوهُ" اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في "يَتْلوهُ"، وفي "مِنْهُ"، وفي "قَبْلِهِ": فقيل: الهاء في "يَتْلُوهُ" تعودُ على "مَنْ"، والمراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك الضميران في "مِنْهُ"، و "قَبلهِ"، والمراد بالشَّاهد لسانه صلى الله عليه وسلم والتقدير: ويتلو ذلك الذي على بيِّنةٍ، أي: ويتلو محمَّداً - أي: صِدْقَ محمدٍ - لسانه "ومِنْ قَبْلِهِ" أي: قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشَّاهدُ جبريلُ - عليه الصلاة والسلام - والضميرُ في "مِنْهُ" لله - تعالى -، وفي قبله للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشَّاهدُ الإنجيلُ، و "كِتابُ مُوسَى" - عليه الصلاة والسلام - عطف على "شاهدٌ"، والمعنى: أنَّ التوراة والإنجيل يتلُوان محمداً في التَّصديق، وقد فصل بين حرف العطف والمعطوف بقوله: "مِنْ قَبْلِهِ"، والتقدير: شاهدٌ منهُ، وكتابُ موسى من قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على الفصلِ بين حرفِ العطفِ، والمعطوفِ مُشْبَعاً في النِّساءِ [58]. وقيل: الضميرُ في "يتْلوهُ" للقرآن، وفي "مِنْهُ" لمحمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه -. وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآن شاهدٌ من محمدٍ، وهو لسانهُ، أو من جبريل والهاء في "مِنْ قبلِهِ" أيضاً للقرآن. وقيل الهاءُ في "يَتْلُوهُ" تعودُ على البيانِ المدلولِ عليه بالبيِّنة. وقيل: المرادُ بالشَّاهدِ إعجازُ القرآنِ، فالضَّمائر الثلاثة للقرآن. وقيل غير ذلك. وقرأ محمد بن السَّائب الكلبي "كِتابَ مُوسَى" بالنَّصْب وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ معطوفٌ على الهاءِ في "يَتْلوهُ"، أي: يتلوه، ويتلو كتابَ مُوسَى، وفصل بالجارِّ بين العاطفِ والمعطوف. والثاني: أنَّهُ منصوبٌ بإضمار فعلٍ. قال أبُو البقاء: "وقد تمَّ الكلامُ عند قوله "منهُ" و "كتابُ مُوسَى"، أي: "ويتلُو كتابَ مُوسَى" فقدَّر فعلاً مثل الملفُوظ به، وكأَنَّهُ لَمْ يَرَ الفصل بين العاطف والمعطوف، فلذلك قدَّر فعلاً". و "إماماً ورحمةً" منصوبان على الحالِ من "كِتابُ مُوسَى" سواءً أقرىء رفعاً أم نَصْباً. و "أولئك" إشارةٌ إلى مَنْ كان على بيِّنة، جمع على معناها، وهذا إن أريد بـ "مَنْ كَانَ" النبيُّ وصحابته - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه، ورضي عن صحابته أجمعين - وإن أريد هو وحدهُ فيجوزُ أن يكون عظَّمَهُ بإشارة الجمع كقوله: [الطويل] شعر : 2952- فإنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ ............................. تفسير : والهاءُ في "بِهِ" يجوزُ أن تعود على "كِتَابُ مُوسَى" وهو أقربُ مذكورِ. وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الهاء في "بِهِ" الثانية. و "الأحْزَابُ" الجماعةُ التي فيها غلظةٌ، كأنَّهم لكثرتهم وصفوا بذلك، وفيه وصفُ حمار الوحش بـ "حَزَابِيَة" لغلظه. والأحزابُ جمع حِزب وهو جماعة النَّاس. فصل قيل: في الآية حذف، والتقدير: "أفمن كان على بيَّنةٍ من ربِّهِ كمن يريدُ الحياة الدنيا وزينتها"، أو من كان على بيِّنةٍ من ربه كمن هو في الضَّلالةِ. والمرادُ بالذي هو عليه بيِّنةٍ: النبي - صلوات الله وسلامه عليه -. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي: يتبعه من يشهد له بصدقه. واختلفوا في هذا الشَّاهد: فقال ابنُ عبَّاسٍ، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك وأكثرُ المفسِّرين - رضي الله عنهم -: إنَّه جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقال الحسنُ وقتادةُ: هو لسانُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابنُ جريج عن مجاهدٍ قال: هو ملك يحفظه ويسدده. وقال الحسينُ بن ُ الفضلِ: هو القرآن ونظمه. وقيل: هو عليّ بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - قال علي: "مَا مِنْ رجُلٍ من قريش إلاَّ ونزلت فيه آية من القرآن"، فقال له رجلٌ: "أي شيء نزل فيك"؟ قال: "ويَتْلُوهُ شاهدٌ مِنْهُ". وقيل: هو الإنجيلُ. و "مِنْ قَبْلِهِ" أي: من قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من قبل نزول القرآن. {كِتَابُ مُوسَىٰ} أي: كان كتاب موسى {إَمَاماً وَرَحْمَةً} لمن اتَّبعهُ، أي التَّوراة، وهي مصدقةٌ للقرآن، شاهدةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد الذين أسْلَمُوا من أهل الكتاب. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي: بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. وقيل بالقرآن "مِنَ الأحزابِ" من الكفَّار وأهْلِ المللِ، {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} اسمُ مكانِ وعده؛ قال حسَّانُ: [البسيط] شعر : 2953- أوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ المَوْتِ ضَاحِيَةً فالنَّارُ مَوْعِدُهَا والمَوْتُ سَاقِيهَا تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: حديث : والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لا يسمعُ بي أحدٌ من هَذِهِ الأمَّة، ولا يَهُودِيّ ولا نَصْرانيّ، ومات ولَمْ يؤمنْ بالَّذِي أرْسِلْتُ به إلاَّ كَانَ مِنْ أصْحابِ النَّارِ . تفسير : {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي: شكٍّ، و "المِرْيَة" بكسر الميم وضمِّها الشكُّ، لغتان: أشهرهما الكسرُ، وهي لغة أهْلِ الحجازِ، وبها قرأ الجمهور. والضَّمُّ لغةُ وتميم، وبها قرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السَّدُوسي. والمعنى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي: من صحَّة هذا الدِّين، ومن كون هذا القرآن نازِلاً من عند الله - تعالى -. وقيل: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} من أنَّ موعد الكفار النَّارُ. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} الآية. أورده في معرض المبالغة دليلاً على أنَّ الافتراء على الله - تعالى - أعظمُ أنواع الظُّلْمِ. {أية : أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ}تفسير : [الأنعام:21] يعنى: القرآن، "أولَئِكَ" يعنى: الكاذبين والمكذبين. {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} فيسألهم عن إيمانهم، وخصَّهم بهذا العرض، وإن كان العرضُ عاماً في كُلِّ العباد لقوله تعالى: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً}تفسير : [الكهف:48]؛ لأنهم يعرضون، فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم: {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} فليحقهم من الخزي والنَّكالِ ما لا مزيد عليه. و "الأشهادُ" جمعُ شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جَمْعُ شهيد كشريف وأشْراف. والمرادُ بـ "الأشهادِ" قال مجاهدٌ هم الملائكة الحفظة. وقال قتادةُ، ومقاتلٌ: "الأشْهَادُ" النَّاس. وقيل: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -. فإن قيل: إذا لمْ يجز أن يكون الله - تعالى - في مكان؛ فكيف قال {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} فالجوابُ: أنَّهُم يُعْرضُونَ على الأماكنِ المعدَّة للحساب، والسؤال، ويجُوزُ أن يعرضوا على من شاء الله من الخلقِ بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. ثُمَّ لمَّا أخبر عن حالهم في عقاب القيامة أخبر أنَّهُم في الحال ملعونون عند الله - عزَّ وجلَّ-. روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ الله - تعالى - يُدْنِي المُؤمنَ يَوْمَ القيامةِ فيسْتُرهُ مِنَ النَّاسِ، فيقُولُ: أي عَبْدِي أتعرفُ ذَنْبَ كذا وكذا؟ فيقول: نَعَمْ حتّى إذا قرَّرهُ بذُنُوبهِ، قال: فإنِّي سترتُها عليْكَ في الدنيا، وقد غفرتها لك اليوم ثُمَّ يُعْطَى كتابَ حسناتهِ، وأمَّا الكُفَّار والمُنافقُون، فيقُولُ الأشْهَادُ: هؤلاء الذين كذبُوا على ربِّهمْ ألا لَعْنَةُ الله على الظَّالمينَ ". تفسير : {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} يمنعون عن دين الله {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: إنَّهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر، والضَّلال، فقد أضافُوا إليه المنع من الدِّين الحق، وإلقاءِ الشُّبهِ وتعويج الدَّلائلِ المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العاصي: يبغي عوجاً، وإنما يقالُ ذلك في العالم بكيفية الاستقامة وكيفية العوج بسبب إلقاء الشُّبهاتِ. ثم قال: {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. قال الزَّجَّاجُ: "كرر كلمة "هُمْ" توكيداً لشأنهم في الكُفْرِ". {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ}. قال الواحديُّ: "معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد، يقال: أعجزني فلانٌ: أي: منعني من مرادي، ومعنى {مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: لا يمكنهم أن يهربُوا من عذابنا، فإنَّ هربَ العبدِ من عذابِ الله - تعالى - محالٌ؛ لأنَّه - تعالى - قادرٌ على جميع الممكنات". وقال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - "سَابقين". وقال مقاتلٌ: "فائتين". {فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} يعني أنْصَاراً يحفظونهم من عذابنا. {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي: يُزادُ في عذابهم. وقيل: تضعيف العذاب عليهم لإضلالهم الغير. وقيل سبب تضعيف عذابهم أنَّهُم كفروا بالبَعْثِ والنشور. قوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} يجوز في "ما" هذه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن تكون نافيةً، نفى عنهم ذلك لمَّا لمْ يَنْتَفعُوا به، وإن كانُوا ذوي أسماع وأبصار، أو يكون متعلَّقُ السَّمْعِ والبصر شيئاً خاصاً. والثاني: أن تكون مصدرية، وفيها حينئذٍ تأويلان: أحدهما: أنَّها قائمةٌ مقام الظرف، أي: مُدة استطاعتهم، وتكونُ "مَا" منصوبة بـ "يُضاعَفُ"، أي: لا يضاعفُ لهم العذابُ مُدة استطاعتهم السَّمْعَ والأبصار. والثاني: أنَّها منصوبة المحلِّ على إسقاطِ حرف الجر كما يحذف من "أنْ" و "أنّ" أختيها، وإليه ذهب الفرَّاءُ، وذلك الجَارُّ متعلقٌ أيضاً بـ "يُضَاعَفُ" أي: يضاعفُ لهم بكونهم كانوا يسمعون، ويبصرون، ولا ينتفعون. والثالث: أن تكون "ما" بمعنى "الَّذي"، وتكون على حذف حرف الجر أيضاً، أي: بالذي كانوا، وفيه بعدٌ لأنَّ حذف الحرفِ لا يطَّرد. والجملة من قوله: "يُضاعَفُ" مستأنفة. وقيل: إنَّ الضمير في قوله "مَا كَانُوا" يعودُ على "أوْليَاء" وهم آلهتهم، أي: فما كان لهم في الحقيقةِ من أولياء، وإن كانُوا يعتقدون أنَّهم أولياء، فعلى هذا يكون {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} معترضاً. فصل احتجُّوا بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى قد يخلقُ في المكلف ما يمنعه من الإيمان. روي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنَّهُ قال: إنَّه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وفي الآخرة. أمَّا في الدنيا ففي قوله {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}. وأمَّا في الآخرة ففي قوله - عز وجل - {أية : وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}تفسير : [القلم:42]. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} أي: أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام. قوله: "لا جَرَمَ" في هذه اللفظةِ خلافٌ بين النحويين، ويتلخصُ ذلك في خمسة أوجهٍ: أحدها - وهو مذهبُ الخليل وسيبويه وجماهير النَّاس - أنََهُما رُكِّبتا من "لا" النَّافية و "جَرَم" وبُنيتَا على تركيبها تركيب خمسة عشر، وصار معناهما معنى فعل وهو "حقَّ" فعلى هذا يرتفعُ ما بعدهما بالفاعليَّة، فقوله - تعالى -: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}تفسير : [النحل:62] أي: حق وثبت كون النَّار لهم، أو استقرارها لهم. الوجه الثاني: أنَّ "لا جَرَمَ" بمنزلة "لا رجُل" في كون "لا" نافية للجنس، و "جَرَمَ" اسمها مبنيٌّ معها على الفتح، وهي واسمها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وما بعدها خبر "لا" النافية، وصار معناها: لا محالة ولا بُدَّ، قاله الفرَّاءُ. الثالث: - كالذي قبله - إلاَّ أنَّ "أنَّ" وما بعدها في محلِّ نصبٍ، أو جرٍّ بعد حذف الجار، إذ التقدير: لا محالةَ أنَّهُم في الآخرة، أي: في خسرانهم. الرابع: أنَّ "لا" نافيةٌ لكلام متقدم تكلَّم به الكفرةُ، فردَّ الله ذلك عليهم بقوله: "لا" كما تُرَدُّ "لا" هذه قبل القسم في قوله - عزَّ وجلَّ - {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ}تفسير : [البلد:1] وقوله تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [النساء:65] وقد تقدَّم تحقيقه، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي "جرم أنَّ لهُم كَذَا"، و "جرم" فعل ماضٍ معناه "كسب"، وفاعله مستتر يعودُ على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و "أنَّ" وما في حيِّزها في موضع المفعول به، لأنَّ "جَرَمَ" يتعدَّى إذْ هو بمعنى "كَسَبَ"؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 2954- نَصَبْنَا رَأْسَهُ فِي جِذْعِ نَخْلٍ بِمَا جَرَمَتْ يَدَاهُ ومَا اعْتَدَيْنَا تفسير : أي: بما كسبتْ يداهُ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في المائدة [6] وجريمةُ القوم كاسبهم؛ قال: [الوافر] شعر : 2955- جَرِيمةُ نَاهِضٍ فِي رَأسِ نيقٍ تَرَى لِعظَامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا تفسير : فتقدير الآية: كَسَبَهُم - فعلهم أو قولهم - خسرانهم، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، وعلى هذا فالوقفُ على قوله "لا" ثم يبتدأ بـ "جَرَمَ" بخلاف ما تقدَّم. الوجه الخامس: أن معناها لا صدَّ ولا منع، وتكون "جَرَمَ" بمعنى "القطع" تقول: جرمتُ أي: قطعت، فيكون "جَرَمَ" اسمَ "لا" مبنياً معها على الفتح؛ كما تقدَّم، وخبرها "أنَّ" وما في حيِّزها، أو على حذف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم؛ فيعودُ الخلافُ المشهور وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ: فيقال: لا جِرمَ بكسر الجيم، ولا جُرم بضمها، ولا جَرَ بحذف الميم، ولا ذا جرم، ولا إنَّ ذا جرم، ولا عن ذا جرم، ولا أنْ جرم، ولا ذُو جرم، ولا ذا جر والله لا أفعل ذلك. وعن أبي عمروٍ: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}تفسير : [النحل:62] على وزن لا كرم، يعني بضمِّ الراءِ، ولا جرَ، قال: "حذفُوه لكثرةِ الاستعمالِ كما قالوا: "سَو ترى" أي: سوف ترى". وقوله: {هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} يجوز أن يكون "هُمُ" فصلاً، وأن يكون توكيداً، وأن يكون مبتدأ وما بعده خبره، والجملةُ خبر "أنَّ". قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} لمَّا ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم، أتبعهُ بذكر أحوالِ المؤمنين، والموصولُ اسم "إنَّ"، والجملةُ من قوله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ} خبرها. والإخْبَاتُ: الاطمئنان والتذلُّل، والتَّواضع، والخضوع، وأصله من الخَبْتِ وهو المكانُ المطمئنُّ، أي المنخفضُ من الأرض، وأخْبَتَ الرَّجلُ: دخل في مكانٍ خبت، كأنْجَدَ وأتهم إذا دخل في أحد هذين المكانين، ثُمَّ تُوُسِّعَ فيه فقيل: خَبَتَ ذكرهُ، أي: خَمَدَ، ويقال للشَّيءِ الدَّنيء الخبيث؛ قال الشاعر: [الخفيف] شعر : 2956- يَنْفَعُ الطَّيِّبُ القليلُ مِنَ الرِّزْ قِ ولا ينفعُ الكثيرُ الخَبِيتُ تفسير : هكذا ينشدون هذا البيت في هذه المادة، الزمخشري وغيره. والظَّاهرُ أن يكون بالثَّاءِ المثلثة ولا سيما لمقابلته بالطَّيِّب، ولكن الظَّاهر من عباراتهم أنَّه بالتاء المثناة لأنَّهُم يسوقونهُ في هذه المادة، ويدل على أنَّ معنى البيت إنما هو على الثَّاء المثلثة قول الزمخشري: "وقيل: التَّاءُ فيه بدل من الثَّاءِ". ومن مجيء "الخَبْت" بمعنى المكان المطمئن قوله: [الوافر] شعر : 2957- أفَاطِمُ لَو شَهِدْتِ ببطْنِ خَبْتٍ وقَدْ قَتَلَ الهزَبْرُ أخَاكِ بِشْرَا تفسير : وفي تركيب البيت قلقٌ، وحلُّهُ: لو شهدتِ أخاك بشراً وقد قتل الهِزَبْرَ، ففاعل "قتل" ضمير يعودُ على "أخاك". و "أخْبَت" يتعدَّى بـ "إلى" كهذه الآية، وباللاَّم كقوله تعالى: {أية : فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الحج:54] ومعنى الآية: قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - خافُوا. وقال قتادةُ: تابُوا وقال مجاهدٌ: اطمأنُّوا. وقيل: خشعُوا إلى ربِّهم. {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن‏.‏ فقال له رجل‏:‏ ما نزل فيك‏؟‏ قال‏:‏ أما تقرأ سورة هود ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه‏}‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه وأنا شاهد منه‏. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : أفمن كان على بينة من ربه أنا، ويتلوه شاهد منه قال‏:‏ علي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ ‏"‏ذاك محمد صلى الله عليه وسلم‏"‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم رضي الله عنه ‏{‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قلت لأبي‏:‏ إن الناس يزعمون في قول الله ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ أنك أنت التالي‏.‏ قال‏:‏ وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن علي بن الحنفية ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ قال‏:‏ لسانه‏. وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏} ‏ قال‏:‏ أما الحسن رضي الله عنه فكان يقول‏:‏ اللسان‏.‏ وذكر عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أنه جبريل عليه السلام‏.‏ ووافقه سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ هو جبريل‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏}‏ قال‏:‏ هو اللسان‏.‏ ويقال‏:‏ أيضاً جبريل‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏}‏ قال‏:‏ محمد ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏} ‏ قال‏:‏ جبريل، فهو شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل على محمد ‏ {‏ومن قبله كتاب موسى‏} ‏ قال‏:‏ ومن قبله تلا التوراة على لسان موسى كما تلا القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ هو محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏ويتلوه شاهد منه‏} ‏ قال‏:‏ ملك يحفظه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسين بن علي في قوله ‏ {‏ويتلوه شاهد منه‏} ‏ قال‏:‏ محمد هو الشاهد من الله‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏أفمن كان على بينة من ربه‏} ‏ قال‏:‏ المؤمن على بينة من ربه‏. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم ‏{‏ومن قبله كتاب موسى‏} ‏ قال‏:‏ ومن جاء بالكتاب إلى موسى‏. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ومن يكفر به من الأحزاب‏}‏ قال‏:‏ الكفار أحزاب كلهم على الكفر‏. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏ومن يكفر به من الأحزاب‏}‏ قال‏:‏ من اليهود والنصارى‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أهل النار‏.‏ قال سعيد‏:‏ فقلت ما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا هو في كتاب الله، فوجدت ‏ {‏ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده‏}‏ ‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار‏. فجعلت أقول‏:‏ أين تصديقها في كتاب الله‏؟‏ وقلما سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدت تصديقه في القرآن حتى وجدت هذه الآية ‏{‏ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده‏} ‏ قال‏:‏ الأحزاب الملل كلها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال‏:‏ ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} أي برهانٍ نيِّرٍ عظيمِ الشأنِ يدل على حقية ما رَغّب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآنُ، وباعتباره أو بتأويل البرهانِ ذُكر الضميرُ الراجعُ إليها في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ} أي يتبعه {شَاهِدٌ} يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو الإعجازُ في نظمه المطّردِ في كل مقدارِ سورةٍ منه أو ما وقع في بعض آياتِه من الإخبار بالغيب، وكلاهما وصفٌ تابعٌ له شاهدٌ بكونه من عند الله عز وجل غيرَ أنه على التقدير الأولِ يكون في الكلامِ إشارةٌ إلى حال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تمسّكهم بالقرآن عند تبـيُّنِ كونِه منزلاً بعلم الله بشهادة الإعجاز {مِنْهُ} أي من القرآنِ غيرَ خارجٍ عنه أو من جهة الله تعالى فإن كلاًّ منهما واردٌ من جهته تعالى للشهادة، ويجوز على هذا التقديرِ أن يراد بالشاهد المعجزاتُ الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أيضاً من الشواهد التابعةِ للقرآن الواردةِ من جهته تعالى، فالمرادُ بَمنْ في قوله تعالى: {أَفَمَنِ} كلُّ من اتصف بهذه الصفةِ الحميدةِ فيدخُل فيه المخاطَبون بقوله تعالى {فَٱعْلَمُواْ فَهَلْ أَنتُمْ} دخولاً أولياً وقيل: هو النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه، وقيل: المرادُ بالبـينة دليلُ العقلِ وبالشاهد القرآنُ فالضمير في منه لله تعالى، أو البـينةُ القرآنُ ويتلوه من التلاوة والشاهدُ جبريلُ أو لسانُ النبـي صلى الله عليه وسلم على أن الضميرَ له أو من التُّلُوّ والشاهدُ مَلَكٌ يحفظ، والأَوْلى هو الأولُ، ولما كان المرادُ بتلوّ الشاهدِ للبرهان إقامةَ الشهادة بصحته وكونِه من عند الله تابعاً له بحيث لا يفارقه في مشهد من المشاهد فإن القرآنَ بـيِّنةٌ باقيةٌ على وجه الدهرِ مع شاهدها الذي يشهد بأمرها إلى يوم القيامةِ عند كلِّ مؤمنٍ وجاحدٍ عُطف كتابُ موسى في قوله عز قائلاً: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} على فاعله مع كونه مقدَّماً عليه في النزول فكأنه قيل: أفمن كان على بـينةٍ من ربه ويشَهد به شاهدٌ منه وشاهدٌ آخرُ مِنْ قبله هو كتابُ موسى، وإنما قُدّم في الذكر المؤخَّرِ في النزول لكونه وصفاً لازماً له غيرَ مفارِقٍ عنه ولعراقته في وصف التلوِّ، والتنكيرُ في (بـينةٍ) و(شاهدٌ) للتفخيم {إِمَاماً} أي مؤتماً به في الدين ومقتدىً، وفي التعرض لهذا الوصفِ بصدد بـيانِ تلوِّ الكتابِ ما لا يخفى من تفخيم شأنِ المَتْلوِّ {وَرَحْمَةً} أي نعمةً عظيمة على من أُنزل إليهم ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامِه الباقيةِ المؤيَّدةِ بالقرآن العظيمِ وهما حالان من الكتاب. {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بتلك الصفةِ الحميدةِ وهو الكونُ على بـينة من الله، ولِما أن ذلك عبارةٌ عن مطلق التمسكِ بها وقد يكون ذلك بطريق التقليدِ لمن سلف من عظماء الدين من غير عُثورٍ على دقائق الحقائقِ وصفهم بأنهم {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي يصدقونه حقَّ التصديقِ حسبما تشهد به الشواهدُ الحقّة المعربةُ عن حقيته {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن ولم يصدِّق بتلك الشواهد الحقَّةِ {مّن ٱلأَحَزَابِ} من أهل مكةَ ومن تحزّب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} يردّها لا محالة حسبما نطَق به قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ }تفسير : [هود: 16] وفي جعلها موعداً إشعارٌ بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذابِ {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ} أي في شك من أمر القرآنِ وكونِه من عند الله عز وجل حسبما شهِدت به الشواهدُ المذكورةُ وظهر فضلُ من تمسك به {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} الذي يربِّـيك في دينك ودنياك {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك إما لقصور أنظارِهم واختلالِ أفكارِهم وإما لعنادهم واستكبارِهم، فمَنْ في قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} مبتدأٌ حُذف خبرُه لإغناء الحالِ عن ذكره وتقديرُه أفمن كان على بـينة من ربه كأولئك الذين ذُكرت أعمالَهم وبُـيِّن مصيرُهم ومآلُهم، يعني أن بـينهما اتفاقاً عظيماً بحيث لا يكاد يتراءىٰ ناراهما، وإيرادُ الفاءِ بعد الهمزةِ لإنكار ترتّبِ توهّم المماثلةِ على ما ذكر من صفاتهم وعُدّد من هَناتهم كأنه قيل: أبعدَ ظهورِ حالِهم في الدنيا والآخرة كما وُصف يُتوهم المماثلةُ بـينهم وبـين مَنْ كان على أحسن ما يكون في العاجل والآجل كما في قوله تعالى: {أية : أَفَٱتَّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } تفسير : [الرعد: 16] أي أبعدَ أن علمتموه ربَّ السمواتِ والأرض اتخذتم من دونه أولياءَ وقولِه تعالى: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}تفسير : [الرعد: 19].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} [الآية: 17]. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: سمعت ابن الكاتب يقول: جاء رجل إلى الجنيد رحمة الله عليه فقال: أسألك عن شىء فى ضميرى، فقال: سل. فقال: قد سألت، فقال الجنيد: قد سألت عن كذَا وكَذَا والجواب فيه كَذَا وكَذَا. فقال الرجل: لا. قال: بَلى ولكنك قلبت السؤال إلى كذا وكذا، والجواب فيه كذا وكذا. قال الشيخ أبو عثمان: وهذا تفسير قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} ومن كان على البينة لا يخفى عليه سر. وقال رويم: البينة هى الإشراف على القلوب والحكم على الغيوب. وقال سهل فى قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: هى التقى والبر. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. قال: هو حالة للعبد وقت ذكر الله. وقال الجنيد رحمة الله عليه: البينة حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. وقال النورى أبو الحسين: البينات هى التى لا تكشف أواخرها عن عثرة ولا غلط. قال أبو بكر بن طاهر فى قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} قال: من كان من ربه على بينة كانت جوارحه وقفًا على الطاعات والموافقات ولسانه ملزوم بالذكر ونشر الآلاء والنعماء، وقلبه منور بأنوار التوفيق وضياء التحقيق، وسره وروحه مشاهد للحق فى جميع الأوقات عالم بما يبدو من مكنون الغيوب ومستورها، ورؤيته للأشياء رؤية يقين لا شك فيه، وحكمه على الخلق لحكم الحق. لا ينطق إلا بحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق فى الحق فأنى له مرجع إلا إلى الحق ولا إخبار إلا عنه.

القشيري

تفسير : فيه إضمار ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة...لا يستويان. والبيِّنَةُ لأقوامٍ برهانُ العِلْمِ، ولآخرين بيانُ الأمر بالقطع والجزم؛ يُشْهِدهم الحقُّ ما لا يطلع عليه غيرهم، كما قلت: شعر : ليلى من وجهك شمس الضحا (......................) فالناس في الظلمة من ليلهم ونحن من وجهك في الضوء والشاهد تفسير : فالذي يتولاه فهو مشاهِدٌ، وفي الخبر "أولياءُ الله الذين إذا أرادوا ذكر الله........." قال تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} تفسير : [محمد: 30].

البقلي

تفسير : قوله سبحانه {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} تقدير الاية على وجه الاستفهام افمن كان على بينة من ربه كمن هو فى الضلالة والجهالة افمن كان معرفة من ربه وولاية وعلامة من كراماته وكل عارف اذا شهد الحق سبحانه بقلبه وروحه وعقله وسره وادرك فيض انوار جماله وقربه يوثر ذلك فى هياكله حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع ويراه كل صاحب نظر قال تعالى ويتلوه شاهد منه فالبينة بصيرة المعرفة والشاهد بروز نور المشاهدة منه وايضا البينة كلام المعرفة وشاهده الكتاب والسنة ومن كان بهذه المثابة يرى بعين الحق مكنون الغيوب واسرار القلوب ومشاهدته غالب على يقينه ويقينه غالب على بصيرته وبصيرته غالبة على عقله وعقله غالب على نفسه بحيث لا يزاحم هواجسها على مناطق الغيب وظلمتها لا تغشى انوار القرب بل هى فانية بجملتها تحت وارد الحق من الكشف والعيان والبيان ويبين ما قلنا ويصدقه قوله تعالى {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} كل وارد من الحق فهو الحق حين زال عنده معارضة النفس فان خطر معارضة فى اول نزول الوارد فهى امتحان الحق فيرد عليها واردات حقيقة فتزيلها اصلا قال الله فلا تك فى مرية منه انه الحق من ربك حين بقيت الواردات وزالت المعارضات قال ابو عثمان من كان على البينة لا يخفى عليه سر وقال دويم البينة هى الاشراف علىالقلوب والحكم على الغيوب قال الجنيد البينة حقيقة يؤيدها ظاهر العلم قال ابو بكر بن طاهر من كان من ربه على بينة كانت جوارحه وقف على الطاعات والموافقات ولسانه مزموما بالذكر ونشر الالاء والنعماء وقلبه منورا بانوار الوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدا للحق فى جميع الاوقات عالما بما يبدوا من مكنون الغيوبُ مستورها ورويته للاشياء رؤية يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق الا بحق ولا يرى الا بحق لانه مستغرق فى الحق فانى له مرجع الا الى الحق ولا اخبار له الا عنه ولما وصف الله اهل البينة وصدق الشاهد وصف المغالطين ومد عين مقامات اهل الولاية افتراء وزورا وبهتانا

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن كان على بينة من ربه} الهمزة للانكار والبينة الحجة والبرهان وعلى للاستعلاء المجازى وهو الاستيلاء والاقتدار على اقامتها والاستدلال بها ومن شرطية او موصولة مبتدأ حذف خبره والتقدير افمن كان على برهان ثابت من ربه يدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره وهو كل مؤمن مخلص كمن ليس على بينة يعنى سواء بل الاول على السعادة وحسن العاقبة والثانى على الشقاوة وسوء الخاتمة {ويتلوه} من التلو وهو التبع ذلك البرهان الذى هو دليل العقل فتذكير الضمير الراجع الى البينة انما هو بتأويل {شاهد منه} اى شاهد من الله تعالى يشهد بصحته وهو القرآن {ومن قبله} اى ومن قبل القرآن الشاهد {كتاب موسى} وهو التوراة فانها ايضا تتلو ذلك البرهان فى التصديق {اماما} كتابا مؤتما به فى الدين ومقتدى وانتصابه على الحال {ورحمة} اى نعمة عظيمة على من انزل اليهم ومن بعدهم الى يوم القيامة باعتبار احكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم. قال فى انسان العيون التوراة اول كتاب اشتمل على الاحكام والشرائع بخلاف ما قبله من الكتب فانها لم تشتمل على ذلك وانما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز انتهى {اولئك} اشارة الى من كان على بينة {يؤمنون به} اى يصدقون بالقرآن {ومن يكفر به} [وهر كه كافر شود بقرآن] {من الاحزاب} من اهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال تحزبوا عليه اى اجتمعوا {فالنار موعده} اى مكان وعده الذى يصير اليه وفى جعلها موعد اشعار بان له فيها ما يوصف من افانين العذاب {فلا تك فى مرية منه} اى فى شك من امر القرآن وكونه من عند الله {انه الحق من ربك} الذي يربيك فى دينك ودنياك {ولكن اكثر الناس لا يؤمنون} بان ذلك حق لا شبهة فيه اما لقصور انظارهم واختلال افكارهم واما لعنادهم واستكبارهم هذا ما اختاره البيضاوى وتبعه فى ذلك اكثر المفسرين. وقال المولى ابو السعود فى الارشاد ما حاصله ان المراد بالبينة البرهان الدال على حقيقة الاسلام وهو القرآن والكون على بينة من الله عبارة عن التمسك بها ويتلوه اى يتبعه شاهد من القرآن شهيد بكونه من عند الله وهو اعجازه وما وقع فيه من الاخبار بالغيب او شاهد من الله تعالى كالمعجزات الظاهرة على يديه عليه السلام ولما كان المراد بتلو الشاهد للبرهان اقامة الشهادة بصحته وكونه من عند الله تعالى تابعا له بحيث لا يفارقه فى مشهد من المشاهد فان القرآن بينة باقية على وجه الدهر مع شاهدها الذى يشهد بامرها الى يوم القيامة عند كل مؤمن وجاحد. عطف كتاب موسى فى قوله تعالى {ومن قبله كتاب موسى} على فاعله مع كونه مقدما عليه فى النزول فكأنه قيل أفمن كان على بينة من ربه ويشهد به شاهد آخر من قبل هو كتاب موسى. وقال فى التأويلات النجمية وحمل الآية فى الظاهر على النبى صلى الله عليه وسلم وابى بكر اولى واحرى فانه عليه السلام كما كان على بينة من ربه كان ابو بكر شاهدا يتلوه بالايمان والتصديق يدل عليه قوله {أية : والذى جاء بالصدق} تفسير : يعنى النبى عليه السلام وصدق به يعنى ابا بكر رضى الله عنه وهو الذى كان ثانيه فى الغار وتاليه فى الامامة فى مرضه عليه السلام حين قال "حديث : مر ابا بكر فليصل بالناس" تفسير : وكان تاليه بالخلافة باجماع الصحابة وكان منه حيث حديث : قال صلى الله عليه وسلم لابى بكر وعمر رضى الله عنهما"انهما منى بمنزلة السمع والبصر" تفسير : {ومن قبله} اى من قبل ابى بكر وشهادته بالنبوة كان {كتاب موسى} وهو التوراة {اماما} يأتم به قومه بعده وفى ايام محمد صلى الله عليه وسلم كما ائتم به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من احبار اليهود ولانه كان فيه ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة {ورحمة} اى الكتاب كان رحمة لاهل الرحمة وهى الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما قال {اولئك الذين يؤمنون به} يعنى اهل الرحمة {ومن يكفر به} اى بالكتاب وبما فيه {من الاحزاب} اى حزب اهل الكتاب وحزبالكفار وحزب المنافقين وان زعموا انهم مسلمون لان الاسلام بدعوى اللسان فحسب وانما يحتاج مع دعوى اللسان الى صدق الجنان وعمل الاركان {فلا تك فى مرية منه} اى من ان يكون الكافر بك وبما جئت به من اهل النار لان الايمان بك ايمان بى وان طاعتك طاعتى فلا يخطرن ببالك انى من سعة رحمتى لعلى ارحم من كفر بك كائنا من كان فانى لا ارحمهم لانهم مظاهر قهرى {انه الحق من ربك} اى يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف {ولكن اكثر الناس لا يؤمنون} بصفات لطفه لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله فانه غرهم بالله وكرمه الشيطان الغرور انتهى: قال الحافظ شعر : دركارخانه عشق از كفرنا كزيرست آتش كرابسوز دكر بولهب نباشد تفسير : واعلم ان حضرة القرآن انما نزل لتمييز اهل اللطف واهل القهر فهو البرهان النير العظيم الشان وبه يعلم اهل الطاعة من اهل العصيان ولما كان الكلام صفة من الصفات القديمة له تعالى قال اهل التأويل فى اشارة قوله {أفمن كان على بينة من ربه} اى كشف بيان من تجلى صفة من صفات ربه {ويتلوه شاهد منه} اى ويتبع الكشف شاهد من شواهد الحق فان الكشف يكون مع الشهود ويكون بلا شهود. والمعنى أفمن كان على بينة من كشوف الحق وشواهده كما كان على بينة من العقل والنقل مع احتمال السهو والغلط فيها ولذا: قال الحافظ شعر : غشق ميورزم واميدكه اين فن شريف جون هنر هاى دكر موجب حرمان نشود تفسير : وقال الصائب شعر : طريق عقل را بر عشق رجحان مى دهد زاهد عصايى بهتر ازصد شمع كافورست اعمى را تفسير : وقال شعر : جمعى كه بشت كرم بعشق ازل نيند نازسمور ومنت سنجاب ميكشند تفسير : جعلنا الله واياكم من المستبصرين لشواهد الحق واوصلنا واياكم الى شهود النور المطلق وحشرنا واياكم تحت لواء الفريق الاسبق

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (أفمن كان): مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمن كان يريد الدنيا وزينتها. يقول الحق جل جلاله: {أفمن كان على بينةٍ}، طريقة واضحة {من ربه} وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، كمن ليس كذلك، ممن همه الدنيا؟! والمراد بالبينة: ما أدرك صحتَه العقلُ والذوقُ، أي: على برهان واضح من ربه، وهو الدليل العقلي؛ والأمر الجلي. أو برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما ياتيه ويذره، {ويتلُوه}؛ ويتبع ذلك البرهان ـ الذي هو دليل العقل، {شاهدٌ منه} أي: من الله يشهد بصحته، وهو: القرآن، لأنه مصباح البصيرة والقلب؛ فهو يشهد بصحة ما أدركه العقل من البرهان. {ومن قبله} أي: من قبل القرآن، {كتابُ موسى} يعني: التوارة، فإنها أيضاً متلوة شاهدة بما عليه الرسول ومن تبعه من البينة الواضحة. أو البينة: القرآن، والشاهد: جيريل عليه السلام، أو عَلِيٌّ ـ كرم الله وجهه ـ، أو الإنجيل، وهو حسن، لقوله: {ومن قبله كتابُ موسى}؛ فإن التوراة قبل الإنجيل. قال ابن عطية: وهنا اعتراض؛ وهو أن الضمير قي "قبله" عائداً على القرآن، فَلِمَ لَمْ يذكر الإنجيل ـ وهو قبله ـ وبينه وبين كتاب موسى؟ فالانفصال عنه: أنه خَصَّ التوراة بالذكر؛ لأن الملّتين متفقتان على أنها من عند الله، والإنجيل قد خالف فيها. فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الكتابين أولى. وهذا كقول الجن: {أية : إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} تفسير : [الاحقاف: 30]. وقول النجاشي: "إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاه واحدة"،. هـ. وإذا فسرنا الشاهد بالإنجيل سقط الاعتراض. ثم وصف التوراة بقوله: {إماماً}. أي: مؤتماً به في الدين، لأجله، {ورحمةً} على المنزل عليهم. {أولئك} أي: من كان على بينة من ربه، {يُؤمنون به} أي: بالقرآن، {ومن يكفرْ به من الأحزاب}: كأهل مكة، ومن تحزب منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، {فالنارُ موعده} يدخلها لا محالة، {فلا تكُ في مريةٍ}؛ شك {منه} أي: من ذلك الموعد، أو القرآن، {إنه الحقُ من ربك} الثابت وقوعه، {ولكن أكثرَ الناس لا يؤمنون}؛ لقلة نظرهم، وإخلال فكرتهم. الإشارة: لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران، أولهما: التوبة النصوح، والثاني: الزهد التام. فإذا تحقق فيه الأمران كان بينة من ربه. وهي درجات؛ أولها: بينة ناشئة عن صحيح النظر ولاعتبار، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب، وهم: أهل الدليل والبرهان. وثانيها: بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات، فخرقت لهم العوائد الحسيات فرأوا كرامات وخوارق عادات، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان، مع رقة الحجاب والوقوف بالباب. وهم: العُبّاد، والزهاد، والصالحون من أهل الجد والاجتهاد. وثالثها: بينة ناشئة عن الذوق والوجدان، والمكاشفة والعيان، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ، فتأدبوا وتهذبوا، وشربوا خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم؛ فغابوا عن الأكوان بشهود المكون. فهم يستدلون بالله على غيره. قَدَّّسُوا الحق أن يحتاج إلى دليل، وهؤلاء هم الأفراد وخواص العباد، وإليهم أشار الشاعر بقوله: شعر : الطُّرقُ شَتَّى وطَريقُ الحَقِّ مُقفِرَةٌ والسَّالكون طَريق الحقّ أَفرادُ لا يُعرفُون ولا تُدرَى مَسالِكُهم فهم على مَهَلٍ يَمشُونَ قُصّادُ والنَّاسُ في غفلَةٍ عَمَّا يَراد بِهِم فَجُلُّهم عَن سَبِيل الحَقِّ رُقَّادُ تفسير : وقال في القوت: {أفمن كان على بينة من ربه} أي: من شهد مقام الله ـ عز وجل ـ بالبيان، فقام له بشهادة الإيقان، فليس هذا كمن زُين له سُوء عمله، واتبع هواه، فآثره على طاعة مولاه. بل هذا قائم بشهادته، متبع لشهيده، مستقيم على محبة معبوده هـ. وقال الورتجبي: تقدير الآية على وجه الاستفهام: أفمن كان على بينة من ربه؛ كمن هو في الضلالة والجهالة؟ أفمن كان على معرفة من ربه، وولاية وسلامة وكرامة، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه، وعقله وسره، فأدرك فيض أنوار جماله، وقربه، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع، ويراه كل صاحب نظر، قال تعالى: {ويتلوه شاهد منه}، والبينة: بصيرة المعرفة، والشاهد: بروز نور المشاهدة منه. وأيضاً: البينة: كلام المعرفة. والشاهد: الكتاب والسنة. ثم قال عن الجنيد: البينة: حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. هـ. والحاصل: أن البينة أمر باطني، وهي: المعرفة، إما بالبرهان، أو بالعيان، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل، فتتفق الحقيقة مع الشريعة. كلِّ في محله، الباطن منور بالحقائق، والظاهر مُؤيد بالشرائع. وهذا غاية المطلوب والمرغوب. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنِّه وكرمه. ثم ذكر وعيد من كذب بها، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}.

الطوسي

تفسير : الالف في قوله {أفمن كان} ألف استفهام، والمراد بها التقرير، والتقدير هل الذي كان على بينة - يعني برهان وحجة من الله - والمراد بالبينة ها هنا القرآن والمعني بقوله {أفمن كان على بينة} النبي صلى الله عليه وآله وكل من اهتدى به واتبعه. وقوله {ويتلوه شاهد منه} قيل في معناه أقوال: أحدها - شاهد من الله هو محمّد صلى الله عليه وآله. وروي ذلك عن الحسين بن علي عليهما السلام وذهب اليه ابن زيد واختاره الجبائي. والثاني - قال ابن عباس ومجاهد وابراهيم والفراء والزجاج: جبرائيل يتلو القرآن على النبي صلى الله عليه وآله. والثالث - شاهد منه لسانه، روي ذلك عن محمّد بن علي أعني ابن الحنفية، وهو قول الحسن وقتادة والرابع - روي عن أبي جعفر محمّد ابن علي بن الحسين عليهم السلام أنه علي بن ابي طالب عليه السلام ورواه الرماني، وذكره الطبري باسناده عن جابر بن عبد الله عن علي عليه السلام. وذكر الفراء وجهاً خامساً - قال: ويتلوه يعني القرآن يتلوه شاهد هو الانجيل، ومن قبله كتاب موسى يعني التوراة. والمعنى ويتلوه في الحجة والبينة. وقوله {ومن قبله كتاب موسى} الهاء في {قبله} عائدة على القرآن المدلول عليه فيما تقدم من الكلام، والمعنى أنه يشهد به بالبشارة التي فيه. وقوله {إماماً ورحمة} العامل فيه أحد امرين: احدهما - الظرف في قوله ومن قبله. والثاني - وشاهد من قبله كتاب موسى إماماً ورحمة، وخبر {من} في قوله {أفمن كان على بينة من ربه} محذوف والتقدير أفمن كان على بينة من ربه وعلى الأوصاف التي ذكرت كمن لا بينة معه، قال الشاعر: شعر : وأقسم ولو شيء أتانا رسوله سواك ولكـن لـم نجـد عنــك مدفعــا تفسير : وأنشد الفراء: شعر : فما أدري إذا يممت وجهـاً أريـد الخيــر أيهمــا يلينــي آلخير الذي أنــا أبتغيـــه أم الشــر الــذي لا يأتلينــي تفسير : قال: أيهما، وإنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى مفهوم، لأن المبتغي للخير متق للشر. وقال قوم خبره قوله {من كان يريد الحياة الدنيا} وقد تقدمه، واستغني به. وقوله {أولئك يؤمنون به} كناية عمن كان على بينة من ربه أنهم يصدقون بالقرآن ويعترفون بأنه حق. وقوله {ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده} معناه إن كل من يجحده ولا يعترف به من الاحزاب الذين اجتمعوا على عداوته. وقال الفراء: يقال كل كافر حزب النار {والنار موعده} يعني مستقره وموعده {فلا تك} يا محمد صلى الله عليه وآله في شك من ذلك، فالخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين. وقوله {إنه الحق من ربك} اخبار منه تعالى بأن هذا الخبر الذي ذكره حق من عند الله. ولكن اكثر الناس لا يعلمون صحته وصدقه لجهلهم بالله وجحدهم نبوة نبيه صلى الله عليه وآله. وروي أن الحسن قرأ {في مرية} بضم الميم، وهي لغة أسد وتميم، وأهل الحجاز يكسرون الميم وعليه القراء.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَاماً وَرَحْمَةً} الهمزة للانكار والخبر محذوف اى كمن ليس له بيّنة فى دعويه ويريد الدّنيا، والمراد بالموصول محمّد (ص) او علىّ (ع) او جملة المؤمنين والمراد بالبيّنة الرّسول (ص) او رسالته او معجزاته او كتابه او احكام رسالته او علىّ (ع) او ولايته، ويتلوه امّا من التّلاوة او من التّلو وضمير المنصوب امّا للموصول او للبيّنة والتّذكير باعتبار المعنى او للقرآن بقرينة ذكره سابقاً والشّاهد امّا محمّد (ص) او علىّ (ع) او القرآن او البرهان الّذى يؤتيه الله المؤمن من الآيات الآفاقيّة والانفسيّة، وضمير المجرور امّا للموصول او للرّبّ او للبيّنة، وضمير من قبله راجع الى الموصول او الى البيّنة او الى الشّاهد، ومن قبله كتاب موسى امّا جملة حاليّة او معطوفة على خبر كان والجملة امّا ظرفيّة مكتفية بمرفوعها عن الخبر او اسمّية وخبره مقدّم، او من قبله كتاب موسى (ع) عطف على شاهد عطف المفرد، واماماً ورحمة امّا حال عن الموصول او عن البيّنة او عن الشّاهد او عن كتاب موسى (ع)، فهذه تسعة الاف وسبعمائة وعشرون (9720) وجهاً حاصلةً من ضرب بعض الوجوه فى بعضٍ هذا بالنّظر الى المعنى، وامّا بالنّظر الى وجوه الاعراب واعتبارات النّحو مثل احتمال كونه اماماً حالاً من المستتر فى كان او فى على بيّنة او من مفعول يتلوه او المجرور فى منه او المستتر فى من قبله وكذلك احتمالات كون جملة من قبله كتاب موسى (ع) حالاً من كلّ من المذكورات السّابقة، فالوجوه والاحتمالات تصير اكثر من ذلك ويسقط بعض الاحتمالات لعدم صحّتها او تكرّرها او بعدها ويبقى الباقى صحيحاً، وقد اشير الى اجمالها فى الاخبار وهذا من سعة وجوه القرآن وصحّة حمله على كلّ وجهٍ ويستفاد من تفاسيرهم (ع) انّ احسن الوجوه الّذى امروا بالحمل عليه فيما نسب اليهم (ع) من مضمون: انّ القرآن ذو وجوهٍ فاحملوه على احسن وجوهه؛ هو ما يوافق مقام البيان {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالقرآن او الرّسول (ص) او علىّ (ع) او ما انزل من ولاية علىّ (ع) {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} من القرآن او شأن رسالتك او علىّ (ع) او شأن ولاية علىّ (ع)، هذا على ان يكون الخطاب لمحمّد (ص) وان كان الخطاب عامّاً فالمعنى فلانك يا من يتأتّى منه الخطاب فى مرية من محمّد (ص) او رسالته او القرآن او علىّ (ع) او ولايته {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} صورة الآية عامّة فى كلّ من ادّعى شيئاً وادّعى انّه من الله، مثل الوثنىّ والصّابئىّ وغيرهم من المشركين المدّعين انّ اشراكهم من الله، ومثل المبتدعين من اصحاب الملل الآلهيّة مع ادّعائهم انّ ابتداعهم من نبيّهم ومن دينهم، ومثل المنحرفين من اهالى المذاهب المختلفة من امّة محمّد (ص)، ومثل اصحاب الفتاوى من العامّة ومثل اصحاب الفتاوى من اهل المذهب الحقّ من غير اذنٍ واجازةٍ من المعصوم (ع) عموماً او خصوصاً بواسطة او بلا واسطة، ومثل المنتحلين للتّصوّف من غير اذنٍ واجازةٍ صحيحة من المشايخ الحقّة سواء كانوا مدّعين للشّيخوخة من غير اذنٍ او للسّلوك من غير اخذٍ، لكنّ المقصود اصل الكاذبين الّذين نصبوا انفسهم دون ولىّ الامر (ع) وادّعوا انّه من الله ومن رسوله (ص) والاشهاد خلفاء الله الّذين يشهدون على اعمال اهل الارض ويقبل الله منهم الشّهادة يوم القيامة على اهل عصرهم او الملائكة الموكّلة عليهم {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} من قول الاشهاد ومن قول الله ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشعار بأنّهم ظالمون وللاشارة الى انّ المراد مخالفوا آل محمّد (ص) وصفهم بقوله {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عَليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قَالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيْلُ بنُ صَبِيْحٍ، قالَ: حَدَّثَنا أَبُو الجَارُوْدِ، عن حَبِيْبِ بنِ يَسَارٍ، عَن زَاذَانَ، قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّاً عَلَيْهِ السَّلامُ يقولُ: "وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ الَّنَسَمَةَ (لَوْ كُسِرَتْ لِي وِسَادَةٌ، وَأُجْلِسْتُ عَلَيْهَا لَحَكَمْتُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْراةِ بِتَوْراتِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الإِنْجِيْلِ بِإِنْجِيْلِهِمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَبَيْنَ أَهْلِ الفُرْقَانِ بِفُرْقَانِهِمْ، بِقَضَاءٍ يَزْهَرُ، يَصْعَدُ اِلَى الله. وَالله ما نَزَلَتْ آيَةٌ في لَيْلٍ أَوْ نَهارٍ وَلا سَهْلٍ وَلا جَبَلٍ وَلا بَرٍّ وَلا بَحْرٍ، اِلاَّ وَقَدْ عَرَفْتُ أَيَّ سَاعَةٍ نَزَلَتْ؟ وَفي مَنْ نَزَلَتْ؟). ما مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ جُرَّتْ عَلَيْهِ المَواسِي، إلاَّ أَنا أَعْرَفُ بِهِ، آيَةٌ تَسُوقُهُ اِلى جنَّةٍ، وَآيَةٌ تَسُوقُهُ اِلى نَارٍ؟". فَقَامَ رَجُلٌ، فقالَ: ما آيَتُكَ يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيْكَ؟ قالَ: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهٍ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَأَنا الشَّاهِدُ مِنْهُ، أَتْلُوهُ: أَتْبَعُهُ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا حِبَّانٌ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. عليٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ خَاصَّةً. تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم ـ معنعناً ـ عن عَبَّاد بن عَبْد الله الأَسَديّ، قالَ: سمعتُ عليَّ بنَ أَبي طالبٍ عليه السَّلامُ وَهُوَ على المِنْبَر، قالَ: والله ما جُرَّتْ المَواسِي على رَجُلٍ من قُرَيْشٍ اِلاَّ نَزَلَ آيةٌ أو آيَتانِ. قالَ: فقالَ رَجُلٌ من القوم: ما نَزَلَتْ فيكَ آيةٌ؟ قَالَ: فَغَضِبَ، ثمَّ قالَ: اَمَا اِنَّكَ لَولا أَنَّكَ سَأَلْتَنِي على رُؤُوْسِ القومِ ما حَدَّثْتُكَ. هَلْ تَقْرَأُ سورةَ هُودٍ؟ ثُمَّ قَرَأَ: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} فَرَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ على بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَأَنَا الشَّاهِدُ مِنْهُ.

فرات الكوفي

تفسير : {أفمن كان على بينةٍ من ربه ويتلوه شاهد منه17} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن زاذان في قوله: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه وعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] الشاهد منه التالي. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن زاذان قال: قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب.ر] عليه السلام ذات يوم: والله ما من قريش رجلٌ جرت عليه المواسي والقرآن تنزل [ب: ينزل] إلا وقد نزلت فيه آية تسوقه إلى الجنة أو تسوقه إلى النار. فقال رجل من القوم: فما آيتك التي نزلت فيك؟ قال: ألم تر أن الله يقول: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فرسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر] على بينة من ربه وأنا الشاهد منه اتبعته. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد [قال: حدثنا محمد بن حماد قال: حدثنا محمد بن سنان عن أبي الجارود عن حبيب بن يسار]: عن زاذان قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم بقضاءٍ يزهر يصعد إلى الله، والله ما نزلت آية في ليل أو في نهار، ولا سهل ولا جبل، ولا بر ولا بحر، إلا وقد عرفت أي ساعة نزلت وفيمن نزلت، وما من قريش رجل جرى عليه المواسي إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنة [أ: جنة] أو تقوده إلى نار [ب: النار]. قال: فقال قائل: فما نزلت فيك يا أمير المؤمنين؟ قال: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه وأنا الشاهد منه أتلو آثاره. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن هشام معنعناً: عن الحسن بن الحسين أنه حمد الله [تعالى. ر] وأثنى عليه وقال: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} [فالذي كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] والذي يتلوه [علي عليه السلام. أ، ب]. فرات قال: حدثني الحسين بن الحكم [قال: حدثني سعيد بن عثمان عن أبي مريم]: عن عبد الله بن عطاء قال: كنت جالساً مع أبي جعفر عليه السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت [ابن] عبد الله بن سلام جالساً في ناحية فقلت لأبي جعفر [عليه السلام. ب] زعموا أن أبا هذا الذي عنده علم من الكتاب. فقال: لا إنما ذاك [أ (خ ل)، ب: ذلك] [أمير المؤمنين. ر، ح] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] نزل فيه: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه و [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] الشاهد منه [ر: ويتلوه شاهد منه]. فرات قال: حدثني محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان معنعناً: عن عباد بن عبد الله قال: جاء حاجاً إلى [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} قال: قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر. عليه السلام. ر، ب]: ما جرت المواسي على رجل من قريش [ر: ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي] إلا وقد نزل فيه طائفة من القرآن [أ، ب: من القرآن طائفة] والله لأن يكونوا يعلمون ما سبق لنا أهل البيت على لسان النبي الأمي [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] أحب إلي من أن يكون لي ملء هذه الرحبة ذهباً وفضة، وما بي أن يكون القلم وقد جف بما قد كان ولكن لتعلموا والله إن مثلنا في هذه الأمة كمثل سفينة نوح ومثل باب حطة في بني إسرائيل. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن عباد بن عبد الله قال: بينما أنا عند [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام في الرحبة فأتاه رجل فسأله عن هذه الآية: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فقال علي عليه السلام: ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلا وقد نزلت فيه طائفة من القرآن والله لأن يكونوا يعلمون ما سبق لنا أهل البيت على لسان النبي الأمي أحب إلي من أن يكون لي ملؤ هذه الرحبة ذهباً وفضة والله إن مثلنا في هذه الأمة كمثل [سفينة نوح في قوم نوح وإن مثلنا في هذه الأمة كمثل. ب] باب حطة في بني إسرائيل. فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم معنعناً: عن عباد بن عبد الله الأسدي قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام وهو على المنبر قال: والله ما جرت المواسي على رجل من قريش إلا نزل فيه آية و [ب: أو] آيتان. قال: فقال رجل من القوم: ما نزل فيك آية! قال: فغضب ثم قال: أما أنك لو [لا أنك. أ]! سألتني على رؤوس القوم ما حدثتك هل تقرأ سورة هود؟ ثم قرأ: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه وأنا الشاهد منه. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير [عن رزيق بن مرزوق] معنعناً: عن عبد الله بن نجي قال: قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] على المنبر: ما أحد من قريش إلا وقد نزلت فيه آية وآيتان. فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين [فـ] ما نزلت فيك؟ قال: ويلك أما تقرأ سورة هود {ويتلوه شاهد منه}. قال رزيق: يعني نفسه. فرات قال: حدثني علي [بن محمد بن عمر الزهري] معنعناً: عن زيد بن سلام الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: أصلحك الله حدثني خيثمة عنك في قول الله [تعالى. ب]: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فحدثني أنك حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان على بينة من ربه وعليٌّ [يتلوه من بعده. ر، ب] وهو الشاهد وفيه نزلت هذه الآية: قال: صدق والله خيثمة لهكذا حدثته.

الأعقم

تفسير : {أفمن كان على بيِّنةٍ من ربه} أي معه حجة من الله تعالى وهو القرآن {ويتلوه شاهد} أي يتبعه من يشهد بصحة القرآن، قيل: هو جبريل (عليه السلام)، وقيل: هو شاهد من الله وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن الحسن بن علي (عليه السلام)، وقيل: هو علي (عليه السلام) يشهد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو {منه} ذكره الحاكم قال: والصحيح أنه من كان على بينة من ربه وهو كل محق يعتقد التوحيد والعدل، والبينات هي الحجج الدالة على ذلك، ويتلوه شاهد مؤكد وهو القرآن يشهد على ذلك ومنه كناية عن الله تعالى لأنه أنزله وكذلك التوراة يشهد على ذلك {ومن قبله} أي من قبل القرآن {كتاب موسى} يعني التوراة {إماماً} يؤتم به في أمور الدين {ورحمةً} يعني نعمة من الله تعالى على عباده ثم نسخ، وقيل: هي شاهدة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فيها من البشارة {أولئك يؤمنون به}، قيل: أصحاب موسى (عليه السلام) يؤمنون بالتوراة وما فيها، وقيل: يؤمنون بالقرآن {ومن يكفر به}، قيل: بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: بالقرآن {فالنار موعده}، قوله تعالى: {إنه الحق من ربك} يعني القرآن {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب وظلم النفس أن تحرمها ثواب الأبد وتهلكها بعذاب الأبد {أولئك يعرضون على ربهم} يقفون موقفاً يراه الخلائق للمطالبة بما عملوا {ويقول الأشهاد}، قيل: هم الملائكة الحفظة، وقيل: هم شهداء كل عصر من المؤمنين، وقيل: هم الأنبياء (عليهم السلام) {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} يعني كذبوا الرسل هذا من كلام الأشهاد، واللعن الطرد والابعاد في اللغة وفي الشرع عقوبة من الله تعالى ثم وصفهم تعالى فقال: {الذين يصدون عن سبيل الله} الآية، قوله: {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} يعني هؤلاء الكفار لم يكونوا ممتنعين من العذاب ولا يمنعهم غيرهم، وقيل: سابقين، وقيل: فائتين {وما كان لهم من دون الله من أولياء} من أنصار ينصرونهم من دون الله لدفع العذاب {يضاعف لهم العذاب} أي يُزاد لهم في العذاب {ما كانوا يستطعيون السمع وما كانوا يبصرون}، قيل: يثقل عليهم سماع الأدلة والقرآن بغضاً وعناداً، فلا يسمعوا ولا لهم به علم ولا بصيرة، وقيل: صمّ عن سماع الحق، عمي عن رؤيته {لا جرم}، قيل: خفاء، وقيل: حقاً، وقيل: لا بدّ ولا محالة {وأخبتوا إلى ربهم} أي واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع {مثل الفريقين} يعني المؤمن والكافر {كالأعمى والأصم والبصير والسميع} سمي المؤمن بالسميع والبصير، والكافر بالأعمى والأصم، لأن المؤمن ينتفع والكافر لا ينتفع فصارت آلته كالمعدومة {هل يستويان}، قيل: لا يستويان في استحقاق الثواب، وقيل: كيف يستويان.

اطفيش

تفسير : {أفمنْ} مبتدأ واقع على النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو عليه أو عليهم، أو مؤمنى أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، والهمزة للإنكار، والخبر محذوف يقدر بعد قوله: {إماما ورحمة} تقديره كمن يرد الحياة وزينتها، كما تدل عليه الآية قبل، فإن هذا المبتدأ فيمن أراد الآخرة وأخلص العمل، أو تقديره كمن كان على ضلال وكفر {كانَ عَلى بيِّنةٍ} بيان وهو القرآن {مِنْ ربِّهِ ويتْلُوه} أى يتبع ذلك الذى كان على بينة {شاهِدٌ منهُ} من ربه وهو جبريل عند ابن عباس، والنخعى، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والأكثرين، فإنه شاهد بصحة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. وعن مجاهد: هو ملك يحفظ للنبى صلى الله عليه وسلم ويسدده، وقال الفراء: هو الإنجيل لأنه متصل بالقرآن لا كتاب بينهما، وقال على، والحسن البصرى، وقتادة: هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، سماه شاهدا، لأنه يعبر عما فى القلب وعن الوحى، وهذا على أن من والهاء فى منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن، لأنه معجز على طول الدهر، وهذا على أن البينة مطلق الحق والصواب، أو ما يدل على ذلك غير القرآن من البراهين التى يستدل بها العقل. وقال الحسن بن على، وابن زيد: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أمره عند التأمل شاهد بالصدق، وهذا على أن من واقعة على غيره، وهاء منه لربنا. وقال جابر بن عبد الله، عن على: إنه وذلك أنه متصل بالنبى صلى الله عليه وسلم إعانة ونسبا فى هاء منه لربنا، أو لمن إن أوقعناه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز عود هاء يتلوه إلى البينة، لأنها بمعنى البرهان أو القرآن، وإنما يجوز عودها للقرآن إن فسرنا الشاهد بغيره، كجبريل والنبى ولسانه، فيكون يتلوه بمعنى يقرؤه، وكالإنجيل وملك فيكون يتلوه بمعنى يتبعه. {ومِنْ قَبْله كِتابُ مُوسَى} مبتدأ وخبره، والجملة مستأنفة أو معطوفة على الصلة، والرابط محذوف، أى إماما له ولغيره، أى ضابط يتبعه هو بكتاب يشبه كتابه، ورحمة له ولغيره إذ يصدق القرآن، والهاء عائدة إلى بينة، لأن البينة برهان أو قرآن، أو إلى شاهد، وقرئ بنصب كتاب عطفا على هاء يتلوه، فيكون من قبله حالا من كتاب، وكتاب موسى هو التوراة، وخصت على أن الشاهد غير الإنجيل للإجماع عليها، بخلاف الإنجيل فإن اليهود كذبوه. {إماماً} يرجع إليه أهله فى دينهم، وهو حال من كتاب فى قراءة النصب، ومن ضمير الاستقرار فى قراءة الرفع {ورحْمةً} على المنزل عليهم، لأنه صلة إلى خير الدنيا والآخرة {أولئِكَ الَّذينَ} على بينة {يُؤمنُون بهِ} أى بالبينة، لأن المراد بها مذكرا، وبالشاهد على أنها أو أنه القرآن، أو أنه الرسول. {ومَنْ يكْفُر به مِنَ الأحْزابِ} الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، وأهل الكتاب، وسائر الكفرة {فالنَّار موْعِدهُ} أى موضع وعد الله أن يضله لا محالة. {فَلا تَكُ} يا محمد، والمراد غيره، أو دم على عدم كونك شاكا، أو يا من يمكن منه الشك والاستدراك الآتى أنسب بالأول والثالث {فى مِرْيةٍ} وقرئ بضم الميم أى فى شك {مِنْه} أى من البينة أو الشاهد، على أنها أو إياه القرآن، أو على أنها مطلق الحق والصواب، أو من الموعد أو من كون الكفرة موعدهم النار، والأوجه التى قبلهما أولى، وعليهما يكون الكلام عائد إلى قوله: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} كما يعود إليه عليهما، أو عائد إلى قوله: {أفمن كان على بينة} الخ أى ليسا سواء {فلا تك} إلخ أولى قوله: {أية : أم يقولون افتراه} تفسير : والاستدراك الآتى أنسب بهذا. {إنَّه} تعليل مستأنف {الحقُّ مِنْ ربِّكَ} خبر ثان أو حال من الحق {ولكنَّ أكْثَر النَّاس لا يعْلمُونَ} بما أوحينا إليك، ومنه الموعد المذكور لاختلال نظرهم وقلته.

الالوسي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} تدل على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره، ويدخل في ذلك الإسلام دخولاً أولياً، واقتصر عليه بعضهم بناءً على أنه المناسب لما بعد، وأصل ـ البينة ـ كما قيل: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة، وتطلق على الدليل مطلقاً، وهاؤها للمبالغة، أو النقل، وهي وإن قيل: إنها من بان بمعنى تبين واتضح لكنه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة، والتنوين فيها / هنا للتعظيم أي بينة عظيمة الشأن، والمراد بها القرآن وباعتبار ذلك أو البرهان ذكر الضمير الراجع إليها في قوله سبحانه: {وَيَتْلُوهُ} أي يتبعه {شَاهِدٌ} عظيم يشهد بكونه من عند الله تعالى شأنه وهو ـ كما قال الحسين بن الفضل ـ الإعجاز في نظمه، ومعنى كون ذلك تابعاً له أنه وصف له لا ينفك عنه حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها فلا يستطيع أحد من الخلق جيلاً بعد جيل معارضته ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. وكذا الضمير في {مِنْهُ} وهو متعلق بمحذوف وقع صفة لشاهد، ومعنى كونه منه أنه غير خارج عنه. وجوز أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الرب سبحانه، ومعنى كونه منه تعالى أنه وارد من جهته سبحانه للشاهد، وعلى هذا يجوز أن يراد بالشاهد المعجزات الظاهرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من الشواهد التابعة للقرآن الواردة من قبله عز وجل، وأمر التبعية فيها ظاهر، والمراد بالموصول كل من اتصف بتلك الكينونة من المؤمنين. وعن أبـي العالية أنه النبـي عليه الصلاة والسلام ولا يخفى أن قوله سبحانه الآتي: {أُوْلَـٰئِكَ} الخ لا يلائمه إلا أن يحمل على التعظيم، وأيضاً إن السياق كما ستعلم إن شاء الله تعالى للفرق بين الفريقين المؤمنين ومن يريد الحياة الدنيا لا بينهم وبين النبـي صلى الله عليه وسلم، وفسر أبو مسلم وغيره البينة بالدليل العقلي، والشاهد بالقرآن وضمير {مِنْهُ} لله تعالى، و(من) ابتدائية، أو للقرآن فقد تقدم ذكره، و(من) حينئذٍ إما بيانية وإما تبعيضية بناءاً على أن القرآن ليس كله شاهداً وليس من التجريد على ما توهم الطيبـي، فيكون في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي والسمعي، ومعنى كون الثاني تابعاً للأول على ما قيل: إنه موافق له لا يخالفه أصلاً، ومن هنا قالوا: إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، ولذا أولوا الدليل السمعي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي، ولعل في التعبير عن الأول بالبينة التي جاء إطلاقها في كلام الشارع على شاهدين، وعن الثاني بالشاهد الإيماء إلى أن الدليل العقلي أقوى دلالة من الدليل السمعي لأن دلالة الأول قطعية ودلالة الثاني ظنية غالباً للاحتمالات الشهيرة التي لا يمكن القطع معها، وقد يقال: إن التعبير عن الثاني بالشاهد لمكان التلو. وعن ابن عباس ومجاهد والنخعي والضحاك وعكرمة وأبـي صالح وسعيد بن جبير أن البينة القرآن، والشاهد هو جبريل عليه السلام ـ ويتلو ـ من التلاوة لا التلو، وضمير {مِنْهُ} لله تعالى، وفي رواية عن مجاهد أن الشاهد ملك يحفظ القرآن وليس المراد الحفظ المتعارف لأنه ـ كما قال ابن حجر ـ خاص بجبريل عليه السلام، وضمير {مِنْهُ} كما في سابقه إلا أن يتلو من التلو والضمير المنصوب للبينة، وقيل: لمن كان عليها، وعن الفراء أن الشاهد هو الإنجيل، {وَيَتْلُوهُ} وضمير {مِنْهُ} على طرز ما روي عن مجاهد سوى أن ضمير ـ يتلوه ـ للقرآن. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن الحنفية أن الشاهد لسانه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أهل اللغة ذلك؛ وكذا الملك من معانيه، و ـ يتلو ـ حينئذٍ من التلاوة، والإسناد مجازي ومفعوله للبينة، وضمير {مِنْهُ} للرسول صلى الله عليه وسلم بناءاً على أنه المراد بالموصول، و(من) تبعيضية، وقيل: الشاهد صورته عليه الصلاة والسلام ومخايله لأن كل عاقل يراه يعلم أنه عليه الصلاة والسلام رسول الله. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «ما من رجل من قريش إلا نزل / فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الآية من كان على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد منه»، وأخرج المنهال عن عبادة بن عبد الله مثله، وأخرج ابن مردويه بوجه آخر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} أنا {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ} علي» تفسير : .وأخرج الطبرسي نحو ذلك عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم وتعلق به بعض الشيعة في أن علياً كرم الله تعالى وجهه هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى سماه شاهداً كما سمى نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في قوله سبحانه: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً }تفسير : [الفتح: 8] والمراد شاهداً على الأمة كما يشهد له عطف {مُبَشّرًا وَنَذِيرًا} عليه فينبغي أن يكون مقامه كرم الله تعالى وجهه بين الأمة كمقامه عليه الصلاة والسلام بينهم، وحيث أخبر سبحانه أنه يتلوه أي يعقبه ويكون بعده دل على أنه خليفته، وأنت تعلم أن الخبر مما لا يكاد يصح، وفيما سيأتي في الآية إن شاء الله تعالى إباء عنه، ويكذبه ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في «الأوسط» عن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنه قال: قلت لأبـي كرم الله تعالى وجهه: إن الناس يزعمون في قول الله تعالى: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ} أنك أنت التالي؟ قال: وددت أني هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم، على أن في تقرير الاستدلال ضعفاً وركاكة بلغت الغاية القصوى كما لا يخفى على من له أدنى فطنة. ونقل أبو حيان أن هذا الشاهد هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفيه ما فيه. وفي عطف ـ يتلوه ـ احتمالان: الأول: أن يكون على ما وقع صفة لبينة، والثاني: أن يكون على جملة {كَانَ} ومرفوعها، وقوله سبحانه: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} عطف على {شَاهِدٌ} والضمير المجرور له، وقد توسط الجار والمجرور بينهما، والظاهر أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الكتاب أي: ويتلوه في التصديق كتاب موسى منزلاً من قبله، وحاصله أفمن كان على بينة من ربه ويشهد لصدقه شاهد منه وشاهد آخر من قبله وهو كتاب موسى، قيل: وإنما قدم في الذكر المؤخر في النزول لكونه وصفاً لازماً له غير مفارق عنه ولعراقته في وصف التلو، وهذا على تقدير أن يكون المراد بالشاهد الإعجاز ـ كما اختاره بعض المحققين ـ وقد يقال: إن تأخير بيان شهادة هذا الشاهد عن بيان شهادة الشاهد الأول لأنها ليست في الظهور عند الأمة كشهادة الأول وهو جار على غير ذلك التقدير أيضاً، وتخصيص كتاب موسى عليه السلام بالذكر بناءً على عدم إرادة الإنجيل فيما تقدم لأن الملتين مجتمعتان على أنه من عند الله تعالى بخلاف الإنجيل فإن اليهود مخالفون فيه فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الفريقين أولى. وأوجب بعضهم كون {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} جملة مبتدأة غير داخلة في حيز شيء مما قبلها وهو مبني على كثير من الاحتمالات السابقة في الشاهد، وقرأ محمد بن السائب الكلبـي وغيره {كِتَابٌ} بالنصب على أنه معطوف على مفعول ـ يتلوه ـ أو منصوب بفعل مقدر أي ويتلو كتاب موسى، والأول أولى لأن الأصل عدم التقدير و {يَتْلُو} في هذه القراءة من التلاوة، والضمير المنصوب للقرآن والمجرور لمن، و {مِنْ} تبعيضية لا تجريدية، والمعنى على ما يقتضيه كلام «الكشاف» أفمن كان على بينة على أن القرآن حق لا مفترى، والمراد به أهل الكتاب ممن كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق وأن كتابه هو الحق لما كانوا وجدوه في التوراة، ويقرأ القرآن شاهد من هؤلاء، ويقرأ من قبل القرآن كتاب موسى، والمراد بهذا الشاهد ما أريد به / في قوله سبحانه: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ }تفسير : [الأحقاف: 10] وهو عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، ففي الآية مدح أهل الكتاب وخص من بينهم تالي الكتابين وشاهدهم بالذكر دلالة على مزيد فضله وتنبيهاً على أنهم مشايعوه في اتباع الحق وإن لم يبلغوا رتبة الشاهد، وفي قوله تعالى: {يتلوه} استحضار للحال ودلالة على استمرار التلاوة، وهو كما قيل في غاية التطابق للكلام {إِمَاماً} أي مؤتماً به في الدين ومقتدى، وفي التعرض لهذا الوصف مع بيان تلو الكتاب ما لا يخفى من تفخيم شأن المتلو والتنوين فيه للتعظيم، وكذا في قوله سبحانه: {وَرَحْمَةً} أي نعمة عظيمة على من أنزل إليهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامه الباقية المؤيدة بالقرآن العظيم وهما حالان من الكتاب. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بتلك الصفة الحميدة وهي الكون على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي يصدقون بالقرآن حق التصديق حسبما يشهد به تلك الشواهد الحقة المعربة عن حقيته ولا يقلدون أحداً من عظماء الدين؛ فالضمير للقرآن، وقيل: إنه لكتاب موسى عليه السلام لأنه أقرب ولا يناسب ما بعد، وإن لم يك خالياً عن الفائدة، وقيل: إنه للنبـي صلى الله عليه وسلم {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن ولم يعتد بتلك الشواهد الحقة ولم يصدق بها {مّن ٱلأَحَزَابِ} من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بعضهم، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة أن الأحزاب الكفار مطلقاً فإنهم تحزبوا على الكفر، وروي ذلك عن ابن جبير، وفي رواية أبـي الشيخ عن قتادة أنهم اليهود والنصارى، وقال السدي: هم قريش، وقال مقاتل: هم بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي وآل أبـي طلحة بن عبيد الله {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي يردها لا محالة حسبما نطق به قوله سبحانه: {أية : لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ}تفسير : [هود: 16] وآيات أخر، والموعد اسم مكان الوعد كما في قول حسان: شعر : أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لاقيها تفسير : وفي جعل النار موعداً إشعار بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب. {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ} أي في شك من أمر القرآن وكونه من عند الله تعالى غبَّ ما شهدت به الشواهد وظهر فضل من تمسك به، أو لا تك في شك من كون النار موعدهم، وادعى بعضهم أنه الأظهر وليس كذلك، وأياً مّا كان فالخطاب إن كان عاماً لمن يصلح له فالمراد التحريض على النظر الصحيح المزيل للشك، وإن كان للنبـي صلى الله عليه وسلم فهو بيان لأنه ليس محلاً للشك تعريضاً بمن شك فيه ولا يلزم من نهيه عليه الصلاة والسلام عنه وقوعه ولا توقعه منه صلى الله عليه وسلم، وقرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي والحسن {مرية} بضم الميم وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغة أهل الحجاز. {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي الذي يربيك في دينك ودنياك {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} بذلك إما لقصور أنظارهم واختلال أفكارهم وإما لاستكبارهم وعنادهم و {ٱلنَّاسِ} على ما روي عن ابن عباس أهل مكة، قال صاحب «الفينان»: جميع الكفار، هذا والهمزة في {أَفَمَنِ} قيل: للتقرير و ـ من ـ مبتدأ والخبر محذوف أي أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وحذف معادل الهمزة ومثله كثير، واختار هذا أبو حيان، والذي يقتضيه كلام الزمخشري ـ ولعله الأولى ـ خلافه حيث قال: المعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كمن كان على بينة أي لا يعقبونهم ولا يقاربونهم في المنزلة إلى آخر ما قال، وحاصله على ما في «الكشف» أن الفاء عاطفة / للتعقيب مستدعية ما يعطف عليه وهو الدال عليه قوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ }تفسير : [هود: 15] الآية، فالتقدير أمن كان يريد الحياة الدنيا على أنها موصولة فمن كان على بينة من ربه، والخبر محذوف لدلالة الفاء أي يعقبونهم أو يقربونهم، والاستفهام للإنكار فيفيد أن لا تقارب بين الفريقين فضلاً عن التماثل فلذلك صار أبلغ من نحو قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً }تفسير : [السجدة: 18] وأما إنها عطف على قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [هود: 15] فلا وجه له لأنه يصير من عطف الجملة، ولا يدل على إنكار التماثل، ولا معنى لتقدير الاستفهام في الأول فإن الشرط والجزاء لا إنكار عليه انتهى، وهو جار على أحد مذهبين للنحاة في مثله، ويعلم مما تقرر أن الآية مرتبطة بقوله سبحانه: {أية : مَن كَانَ } تفسير : [هود: 15] الخ، ومساقها عند شيخ الإسلام للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام، وادعى الطبرسي أنها مرتبطة بقوله تعالى: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ }تفسير : [هود: 13] وأن المراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم: أفمن كان على بينة ولا بينة له على ذلك.

ابن عاشور

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}. أغلقت معاني هذه الآية لكثرة الاحتمالات التي تعتورها من جهة معاد الضمائر واسم الإشارة، ومن جهة إجمال المراد من الموصول، وموقع الاستفهام، وموقع فاء التفريع. وقد حكى ابن عطية وجوهاً كثيرة في تفسيره بما لم يلخصه أحد مثله وتبعه القرطبي في حكاية بعضها. والاختلاف في مَاصدق {مَن كان على بينة من ربّه}. وفي المراد من {بينة من ربه}، وفي المعنّي بـ {يتلوه}. وفي المراد من {شاهد}. وفي معاد الضمير المنصوب في قوله: {يتلوه}. وفي معنى (منْ) من قوله: {منه}، وفي معاد الضمير المجرور بـ(مِن). وفي موقع قوله: {مِن قبله} من قوله: {كتاب موسى}. وفي مرجع اسم الإشارة من قوله: {أولئك يؤمنون به}. وفي معاد الضمير المجرور بالباء من قوله: {يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب} الخ فهذه مفاتيح تفسير هذه الآية. والذي تخلّص لي من ذلك ومما فتح الله به مما هو أوضح وجْهاً وأقرب بالمعنى المقصود شِبْهاً: أن الفاء للتفريع على جملة {أية : أم يقولون افتراه} تفسير : [هود: 13] إلى قوله: {أية : فهل أنتم مسلمون}تفسير : [هود: 14] وأن ما بينهما اعتراض لتقرير توغلهم في المكابرة وابتعادهم عن الإيمان، وهذا التفريع تفريع الضدّ على ضده في إثبات ضد حكمه له، أي إن كان حال أولئك المكذبين كما وُصف فثَمّ قوم هم بعكس حالهم قد نفعتهم البيّنات والشواهد، فهم يؤمنون بالقرآن وهم المسلمون وذلك مقتضى قوله: {أية : فهل أنتم مسلمون}تفسير : [هود: 14]، أي كما أسلم من كانوا على بيّنة من ربهم منكم ومن أهل الكتاب. والهمزة للاستفهام التقريري، أي إن كفر به هؤلاء أفيُؤمِنُ به من كان على بينة من ربه، وهذا على نحو نظم قوله تعالى: {أية : أفمن حَق عليه كلمة العذاب أفأنت تُنقذ مَن في النّار}تفسير : [الزمر: 19] أي أنت تنقذ من النار الذي حق عليه كلمة العذاب. و{مَن كان على بيّنة} لا يراد بها شخص معيّن. فكلمة (مَن) هنا تكون كالمعرّف بلام العهد الذهني صادقة على من تحققت له الصلة، أعني أنه على بينة من ربه. وبدون ذلك لا تستقيم الإشارة. وإفراد ضمائر {كان على بيّنة من ربه} مراعاةٌ للفظ (مَن) الموصولة وذلك أحد استعمالين. والجمع في قوله: {أولئك يؤمنون} مراعاة لمعنى (مَن) الموصولة وذلك استعمال آخر. والتقدير: أفمن كانوا على بينة من ربهم أولئك يؤمنون به. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم}تفسير : في سورة [القتال: 14]. والذين هم على بينة من ربهم يجوز أن يكونوا النصارى فقط فإنهم كانوا منتشرين في العرب ويعرف أهل مكة كثيراً منهم، وهم الذين عرفوا أحقية الإسلام مثل ورقة بن نوفل ودحية الكلبي، ويجوز أن يراد النصارى واليهود مثل عبد الله بن سلام ممّن آمن بعد الهجرة فدلوا على تمكنهم من معرفة البينة لصحة أفهامهم ولوضوح دلالة البيّنة، فأصحابها مؤمنون بها. والمراد بالبيّنة حجة مجيء الرسول المبشّر به في التوراة والإنجيل. فكون النصارى على بينة من ربهم قبل مجيء الإسلام ظاهر لأنهم لم يكذّبُوا رسولاً صادقاً. وكون اليهود على بيّنة إنما هو بالنسبة لانتظارهم رسولاً مبشّراً به في كتابهم وإن كانوا في كفرهم بعيسى عليه السلام ليسوا على بيّنة. فالمراد على بيّنة خاصة يدل عليها سياق الكلام السابق من قوله: {أية : فاعلموا أنما أنزل بعلم الله}تفسير : [هود: 14]، ويعينها اللاحق من قوله: {أولئك يؤمنون به} أي بالقرآن. و(مِن) في قوله: {من ربه} ابتدائية ابتداء مجازياً. ومعنى كونها من ربه أنها من وحي الله ووصايته التي أشار إليها قوله تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لمَا مَعكم لتُؤمنن به ولتنصرنه}تفسير : [آل عمران: 81] وقوله: {أية : الذينَ يَتبعون الرسول النّبي الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل}تفسير : [الأعراف: 157]. وذكر كتاب موسى وأنه من قبله يشير إلى أن البيّنة المذكورة هنا من الأنجيل، ويقوي أن المراد بـ{من كان على بينة من ربه} النصارى. وفعل (يتلوه) مضارع التّلو وهو الاتّباع وليس من التلاوة، أي يتبعه. والاتباع مستعار للتّأييد والاقتداء فإن الشاهد بالحق يحضر وراء المشهود له. وضمير الغائب المنصوب في قوله: {يتلوه} عائد إلى {من كان على بينة من ربه}. والمراد بـ{شاهد منه} شاهد من ربه، أي شاهد من الله وهو القرآن لأنه لإعجازه المعاندين عن الإتيان بعشر سور مثله كان حجة على أنه آت من جانب الله. و{مِن} ابتدائية. وضمير {منه} عائد إلى {ربه}. ويجوز أن يعود إلى {شاهد} أي شاهد على صدقه كائن في ذاته وهو إعجازه إياهم عن الإتيان بمثله. و{من قبله} حال من {كتاب موسى}. و{كتاب موسى} عطف على {شاهد منه} والمراد تلوه في الاستدلال بطريق الارتقاء فإن النصارى يهتدون بالإنجيل ثم يستظهرون على ما في الإنجيل بالتّوراة لأنّها أصله وفيها بيانه، ولذلك لما عطف {كتاب موسى} على {شاهد} الذي هو معمول {يتلوه} قيد كتاب موسى بأنه من قبله، أي ويتلوه شاهد منه. ويتلوه كتاب موسى حالة كونه من قبْل الشاهد أي سابقاً عليه في النزول. وإذا كان المراد بـ {من كان على بيّنة من ربّه} النصارى خاصة كان لذكر {كتاب موسى} إيماء إلى أن كتاب موسى ـ عليه السلام ـ شاهد على صدق محمّد صلى الله عليه وسلم ولم يُذكر أهل ذلك الكتاب وهم اليهود لأنهم لم يكونوا على بيّنة من ربّهم كاملةٍ من جهة عدم تصديقهم بعيسى ـ عليه السلام ـ. و{إماماً ورحمة} حالان ثناء على التوراة بما فيها من تفصيل الشريعة فهو إمام يهتدى به ورحمة للنّاس يعملون بأحكامها فيرحمهم الله في الدنيا بإقامة العدل وفي الآخرة بجزاء الاستقامة إذ الإمام ما يؤتم به ويعمل على مثاله. والإشارة بـ{أولئك} إلى {من كان على بينة من ربّه}، أي أولئك الذين كانوا على بيّنة من ربهم يؤمنون بالقرآن وليسوا مثلكم يا معشر المشركين، وذلك في معنى قوله تعالى: {أية : فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين}تفسير : [الأنعام: 89]. وإقحام {أولئك} هنا يشبه إقحام ضمير الفصل، وفيه تنبيه على أن ما بعده من الخبر مسبب على ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم على بينة من ربهم معضدة بشواهد من الأجيل والتوراة. وجملة {أولئك يؤمنون به} خبر {من كان على بينة من ربه}. وضمير (به) عائد إلى القرآن المعلوم من المقام أو من تقدم ضميره في قوله {أية : أم يقولون افتراه}تفسير : [هود: 13]. وبه ينتظم الكلام مع قوله: {أم يقولون افتراه} إلى قوله: {أية : فاعلموا أنما أنزل بعلم الله}تفسير : [هود: 13، 14] أي يؤمنون بكون القرآن من عند الله. والباء للتعدية لا للسببية، فتعدية فعل (يؤمنون) إلى ضمير القرآن من باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل {أية : حرمت عليكم أمهاتكم}تفسير : [النساء: 23]، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند الله. وحاصل معنى الآية وارتباطها بما قبلها {أية : فهل أنتم مسلمون}تفسير : [هود: 14] فإن الذين يؤمنون به هم الذين كانوا على بيّنة من ربّهم مؤيّدة بشاهد من ربهم ومعضودة بكتاب موسى ـــ عليه السلام ـــ من قَبْل بيّنتهم. وقريب من معنى الآية قوله تعالى: {أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم}تفسير : [الأحقاف: 10] فاستقام تفسير الآية تمام الاستقامة، وأنت لا يعوزك تركيب الوجوه التي تأول بها المفسرون مِمّا يخالف ما ذكرناه كُلاً أو بَعضاً فبصَرك فيها حديد، وبيدك لفتح مغالقها مَقاليد. وجملة {ومن يكفر به من الأحزاب} عطف على جملة {أفمن كان على بيّنة من ربّه} لأنه لمّا حرض أهل مكة على الإسلام بقوله: {أية : فهل أنتم مسلمون}تفسير : [هود: 14]، وأراهم القِدْوة بقوله: {أولئك يؤمنون به}، عاد فحذر من الكفر بالقرآن فقال: {ومن يكفر به من الأحزاب}، وأعرض عما تبين له من بيّنة ربه وشواهد رسله فالنّار موعده. والأحزاب: هم جماعات الأمم الذين يجمعهم أمْرٌ يجتمعون عليه، فالمشركون حزب، واليهود حزب، والنصارى حزب، قال تعالى: {أية : كذبت قبلهم قوم نوحٍ وعادً وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب}تفسير : [ص: 12، 13]. والباء في {يكفر به} كالباء في {يؤمنون به}. والموعد: ظرف للوعد من مكان أو زمان. وأطلق هنا على المصير الصائر إليه لأن شأن المكان المعيّن لعمل أن يعين به بوعد سابق. تفريع على جملة {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه. ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيُطلبَ منه تركه ويكون النهيُ طلبَ تحصيل الحاصل، تعيّنَ أن يكون النهي غير مراد به الكفّ والإقلاع عن المنهي عنه فيكون مستعملاً في لازم ذلك بقرينة المقام، ومما يزيد ذلك وضوحاً قوله تعالى في سورة آلم [السجدة: 23] {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه}تفسير : فإنه لو كان المقصود تحذير النّبيء صلى الله عليه وسلم من الامتراء في الوحي لما كان لتفريع ذلك على إيتاء موسى ـ عليه السلام ـ الكتاب ملازمة، ولكن لما كان المراد التعريض بالذين أنكروا الوحي قدّم إليهم احتجاجَ سبق الوحي لموسى ـ عليه السلام ـ. و{في} للظرفية المجازية المستعملة في تمكن التلبس نظراً لحال الذين استعمل النهي كناية عن ذمّهم فإنهم متلبسون بمزية شديدة في شأن القرآن. وضميرا الغيبة عائدان إلى القرآن الذي عاد إليه ضمير {أية : افتراه}تفسير : [هود: 13]. وجملة {إنه الحق من ربك} مستأنفة تأكيد لما دلت عليه جملة {فلا تَكُ في مرية منه} من أنه لوضوح حقيته لا ينبغي أن يمترى في صدقه. وحرف التأكيد يقوم مقام الأمر باعتقاد حقيته لما يدل عليه التأكيد من الاهتمام. والمرية: الشك. وهي مرادفة الامتراء المتقدم في أول الأنعام. واختير النهي على المرية دون النهي عن اعتقاد أنه كذب كما هو حال المشركين، لأن النهي عن الامتراء فيه يقتضي النهي عن الجزم بالكذب بالأوْلى، وفيه تعريض بأن ما فيه المشركون من اليقين بكذب القرآن أشد ذمّاً وشناعة. و{مِن} ابتدائية، أي في شك ناشىء عن القرآن، وإنما ينشأ الشك عنه باعتبار كونه شكّاً في ذاته وحقيقته لأن حقيقة القرآنية أنه كتاب من عند الله، فالشك الناشىء على نزوله شك في مجموع حقيقته. وهذا مثل الضمير في قوله: {يؤمنون به} من غير احتياج إلى تقدير مضاف يؤول به إلى إضافة الحكم إلى الأعيان المراد أوصافها. وتعريف {الحق} لإفادة قصر جنس الحق على القرآن. وهو قصر مبالغة لكمال جنس الحق فيه حتى كأنه لا يوجد حق غيره مثل قولك: حاتم الجواد. والاستدراك بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} ناشيء على حكم الحصر، فإنّ الحصر يقتضي أن يؤمن به كل من بلغه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. والإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين. وحذف متعلق {يؤمنون} لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما طلب الإيمان به من الحق، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}. صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن لا يكفر به أحد كائناً من كان إلا دخل النار. وهو صريح في عموم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق. والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى {أية : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} تفسير : [الأنعام: 19]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} تفسير : [سبأ: 28] الآية. وقوله: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأعراف: 158] الآية. قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ َ} الآية. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن الشك في هذا القرآن العظيم، وصرح أنه الحق من الله. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جداً كقوله {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 1-2] الآية وقوله: {أية : الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [السجدة: 1- 2] ونحو ذلك من الآيات. والمرية: الشك. قوله تعالى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وبين ذلك أيضاً في مواضع كثيرة، كقوله {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وقوله {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ} تفسير : [الأنعام: 116]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِين}تفسير : [الصافات: 71]، وقوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 8] إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 17- أفَمَنْ كان يسير فى حياته على بصيرة وهداية من ربه، ويطلب الحق مخلصاً، معه شاهد بالصدق من الله وهو القرآن، وشاهد من قبله وهو كتاب موسى الذىأنزله الله قدوة يتبع ما جاء به، ورحمة لمتبعيه، كمن يسير فى حياته على ضلال وعماية، فلا يهتم إلا بمتاع الدنيا وزينتها؟! أولئك الأولون هم الذين أنار الله بصائرهم، يؤمنون بالنبى والكتاب الذى أنزل عليه. ومن يكفر به ممن تألبوا على الحق وتحزّبوا ضده، فالنار موعده يوم القيامة. فلا تكن - أيها النبى - فى شك من هذا القرآن، إنه الحق النازل من عند ربك، لا يأتيه الباطل، ولكن أكثر الناس تضلّهم الشهوات، فلا يؤمنون بما يجب الإيمان به. 18- وليس أحد أكثر ظلماً لنفسه وبُعداً عن الحق من الذين يختلقون الكذب وينسبونه إلى الله. إن هؤلاء سيعرضون يوم القيامة على ربهم ليحاسبهم على ما عملوا من سوء، فيقول الأشهاد من الملائكة والأنبياء وغيرهم: هؤلاء هم الذين ارتكبوا أفظع الجرم والظلم بالنسبة لخالقهم. إن لعنة الله ستقع عليهم لأنهم ظالمون. 19- هؤلاء الذين يصرفون الناس عن دين الله ويمنعونهم - وهو سبيله المستقيم - ويطلبون أن تكون هذه السبيل موافقة لشهواتهم وأهوائهم، فتكون معوجة، وهم بالآخرة - وما فيها من ثواب المؤمن وعقاب الكافر - كافرون.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَاب} {أُوْلَـٰئِكَ} (17) - أَفَمَنْ كَانَ عَلَى نُورٍ وَبَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ - وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ تَابَعَهُ عَلَى دِينِهِ - وَيُؤَيِّدُهُ نُورٌ غَيْبِيٌّ يَشْهَدُ بِصحَّتِهِ، وَهُوَ القُرْآنُ المُشْرِقُ بِالنُّورِ وَالهُدَى، وَيُؤَيِّدُهُ شَاهِدٌ آخَرُ جَاءَ قَبْلَهُ، وَهُوَ الكِتَابُ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، حَالَ كَوْنِهِ إِمَاماً مُتَّبَعاً فِي الهُدَى وَالتَّشْرِيعِ، وَرَحْمَةً لِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَفَمَنْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الأَوْصَافِ، كَمَنْ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا الفَانِيَةَ، وَيَظَلُّ مَحْرُوماً مِنَ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ التِي تُوصِلُ إِلى سَعَادَةِ الدَّارِ الآخِرَةِ الدَّائِمَةِ؟ وَهؤُلاَءِ الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ البَيِّنَةِ المَوْهُوبَةِ، وَالبَيِّنَةِ المُكْتَسَبَةِ، لِيُؤْمِنُونَ بِهذا القُرْآنِ إِيمَانَ يَقِينٍ وَإِذْعَانٍ، وَيَجْزِمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ. أَمَّا مَنْ يَكْفُرُ بِهذا القُرآنِ، وَيَجْحَدُ فِي أَنَّهُ مْنِ عِنْدِ اللهِ، مِمَّنْ تَحَزَّبَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَزُعَمَاءِ قُرَيْشٍ لِصَدِّ النَّاسِ عَنْهُ، فَإِنَّ مَصِيرَهُ سَيَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مِنْ جَرّاءِ تَكْذِيبِهِ لِوَعِيدِ اللهِ. فَلاَ تَكُنْ، أَيُّهَا المُؤْمِنُ، فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِ هَذا القُرْآنِ فَإِنَّهُ الحَقُّ الذِي لاَ يَأْتِيِهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ. وَلَكْنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ الإيمَانَ الكَامِلَ.

الثعلبي

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} بيان وحجة {مِّن رَّبِّهِ} وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} يتبعه من يشهد له ويصدقه. واختلفوا في هذا الشاهد فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وأبو صالح وأبو العالية وعكرمة: هو جبريل (عليه السلام)، وقال الحسن (رضي الله عنه): هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال محمد بن الحنفية: قلت لأبي أنت التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} قال: وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال بعضهم: الشاهد صورة النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله، لأنّ كل من كان له عقل ونظر إليه علم أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن في نظمه وإعجازه والمعاني الكثيرة منه في اللفظ القليل. وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدّده. وقيل: هو علي بن أبي طالب. أخبرني عبد الله الأنصاري عن القاضي أبو الحسين النصيري، أبو بكر السبيعي،علي بن محمد الدهان والحسن بن إبراهيم الجصاص، قال الحسين بن حكيم، الحسين بن الحسن عن حنان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} علي خاصة (رضي الله عنه). وبه عن السبيعي عن علي بن إبراهيم بن محمد [العلوي]، عن الحسين بن الحكيم، عن إسماعيل بن صبيح، عن أبي الجارود، عن حبيب بن يسار، عن زاذان قال: سمعت علياً يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ثنيت لي وسادة فأُجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ وأنا أعرف به يساق إلى جنة أو يقاد إلى نار. فقام رجل فقال: ما آيتك يا أمير المؤمنين التي نزلت فيك؟ قال: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه وأنا شاهد منه. وبه عن [السبيعي]، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني حدثني الحسن بن علي بن برقع وعمر بن حفص الفراء، حدثنا صباح القرامولي، عن محارب عن جابر بن عبد الله [الأنصاري]، قال علي (رضي الله عنه): ما من رجل من قريش إلاّ وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: فأنت أي شيء نزل فيك؟ قال علي (رضي الله عنه): أما تقرأ الآية التي في هود، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. وفي الكلام محذوف تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربه كمن هو في الضلالة [متردّد]، ثم قال: {وَمِن قَبْلِهِ} يعني ومن قبل محمد والقرآن كان {كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ} أي بني إسرائيل {يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي بمحمد وقيل بالقرآن، وقيل بالتوراة {مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}. روى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يستمع لي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار ". تفسير : قال أبو موسى فقلت في نفسي: إن النبي لا يقول مثل هذا القول إلاّ من الفرقان فوجدت الله يقول: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُه}. {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي في شكّ {مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} زعم أن لله ولداً أو شريكاً أو كذب بآيات القرآن {أُوْلَـٰئِكَ} يعني الكاذبين، {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} فيسألهم عن أعمالهم ويجزيهم بها. {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} يعني الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، في قول مجاهد والأعمش، وقال الضحاك: يعني الأنبياء والرسل، وقال قتادة: يعني الخلائق. وروى صفوان بن محرز المازني قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر إذ عرض له رجل فقال: يا بن عمر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم [يقول]: "حديث : يدنو المؤمن من ربّه حتى يضع كتفيه عليه فيقرّره بذنوبه فيقول: هل [تعرف ما فعلت؟ يقول: [رب أعرف مرّتين، حتى إذا بلغ ما شاء الله أن يبلغ فقال: وإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وقال [ثمّ يعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه قال]: وأما الكافر والمنافق فينادى بهم على رؤوس الأشهاد ". تفسير : {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ * ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} قال ابن عباس: سابقين. مقاتل بن حيان: قانتين، قتادة: [هراباً] {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أنصار تُغني [عنهم] {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} يعني يزيد في عذابهم. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} اختلف في تأويله: قال قتادة [....]: {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} الهدى، وقوله: {أية : إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}تفسير : [الشعراء: 212] قال ابن عباس: إن الله تعالى إنّما حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا،وأما في الدنيا فإنه قال {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} فإنه قال: فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم، وقال بعضهم: إنما عنى بذلك الأصنام. {أُوْلَـٰئِكَ} وآلهتهم { لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} ولا يسمعونه {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [......] فلا يعتبرون بها، فحذف الباء، كما يقول: لا يجزينك ما عملت وبما عملت. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ} أي [.....]، قال الفرّاء: معناها لابدّ ولا محالة {أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} يعني من غيرهم، وإنْ كان الكل في الخسار.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبيِّنة هي بصيرة الفطرة السليمة التي تُلْفِت الإنسان إلى وجود واجب الوجود، وتوضِّح للإنسان أن هذا الكون الجميل البديع لا بُدَّ له من واجد. وهكذا تكون الهداية بالبصيرة والفطرة. والعربي القديم حين سار في الصحراء ووجد بَعْراً مُلْقَى في الصحراء، ورأى أثر قدم، فقال: "البَعْرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كُلُّ ذلك على اللطيف الخبير؟". وهكذا اهتدى الرجل بالفطرة، وهي بيِّنة من الله. وقد أودع الله سبحانه في كل إنسان فطرة، وبهذه الفطرة شهدنا في عالم الذَّرِّ. وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ ..}تفسير : [الأعراف: 172]. إذن: فالبيِّنة هي إيمان الفطرة المركوز في ذرات الأشياء. وقد تُضبِّب الشهوات هذا الإيمان، فلا يحمل نفسه على المنهج فيرسل الحق سبحانه رحمة منه رسلاً تذكِّرنا بالبينات الأولى، وتدلنا على العلل والأحكام حتى تنضمَّ البينة من الرسل على البينة من الفطرية في الكائن. وهكذا يبيِّن الحق سبحانه وتعالى مناط الاقتناع بدين الله، فقد يكون هذا الأمر مجهولاً للخلق، فيريد سبحانه أن يبيِّن لنا أن هذا الجهل هو جهل غير طبيعي؛ لأن الفطرة السليمة تهتدي قبل أن يجيء رسولٌ يُلْفِتنا إلى القوة العليا التي تدبِّر حركة هذا الكون. وقد ضربت من قبل مثلاً لذلك بمن سقطتْ به طائرة في الصحراء، لا ماء فيها ولا طعام ولا أنيس ولا مأوى، ثم غلبه النوم فنام، وحين استيقظ وجد مائدة منصوبة عليها أطايب الطعام وأطيب الشراب، ووجد صواناً منصوباً ليأوي إليه؛ فلا بد لهذا الإنسان أن يدور بفكره سؤالٌ: من صنع هذا؟ وهو سيسأل نفسه هذا السؤال قبل أن يستمتع بشيء من هذا، خصوصاً وأنه لم يجد أحداً يقول له: أنت في ضيافتي. إذنْ: فلا بد أن يفكر بعقله. وكذلك الإنسان الذي طرأ على الوجود، وما ادَّعى واحدٌ من خَلْق الله تعالى أنه خلق هذا الوجود، وما ادَّعى أحدٌ أنه خلق السماوات والأرض، وما ادَّعى أحدٌ أنه سخَّر كلَّ ما في الكون لخدمة الإنسان. وكان من الواجب على الإنسان قبل أن ينعم بهذا، أن يفكر: من الذي صنع له كل ذلك؟ فإذا جاء رسول من جنس الإنسان ليقول له: أنا جئت لأحل لك اللغز المطلوب لك. هنا كان على الإنسان أن يرهف سمعه لذلك الرسول؛ لأنه قد جاء ليحلَّ للإنسان أمراً يشغل باله. ومن لطف الله سبحانه بنا أنه لم يطلب منا مقدَّماً أن نفكر في ذلك، بل تركنا فترة طويلة بلا تكليف في هذه الدنيا، لينعم الإنسان بخير ربه، وبعد ذلك إذا ما جاء اكتمال الرشد ونضج، ولم يكن مكرهاً؛ فالحق سبحانه وتعالى يكلفه بتكاليف الإيمان. ولا بد للإنسان أن يتساءل: فكل شيء - مهما كان تافهاً - لا بد له من صانع، والمصباح الذي يضيء دائرة قطرها 20 متراً، عرفنا صانعه، ودرسنا المعامل التي أنجزته، والإمكانات التي تم استخدامها، والمواد التي صنع منها، أفلا نعرف تاريخ هذه الشمس، ومن جعلها لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى وقود ولا إلى قطع غيار، وتنير نصف الكرة الأرضية؟ هذه مسألة كان يجب أن نبحثها؛ لنرى آفاق تلك البينة، بينة نور وقوة وفطرة، يهبها الله للإنسان المفكر؛ ليهتدي إلى أن وراء هذه الكون خالقاً مدبراً. فإذا ما جاء إنسان مثله ليقول له: إن خالق الدنيا هو الله تعالى، وهو سبحانه يطلب منك كذا وكذا، كان أمراً منطقياً وطبيعياً أن نسمع لهذا الإنسان ونطابق ما يقول على إحساس الفطرة ورؤية البينات. إذن: فنحن نصل إلى المجهول أولاً بالفطرة، وقد نصل بالبديهة التي لا تشوبها أدنى شبهة، فأنت حين ترى دخاناً تعتقد بالبديهة أن هناك ناراً، وحين تسير في الصحراء وترى خضرة؛ ألا تعتقد أن هناك مياهاً ترويها؟ هذه - إذن - أمور تعرفها بالبديهة، ولا تحتاج إلى بحث أو جهد. وهناك أمور قد تتطلب منك جهداً عقلياً تبحث به عما بعد المقدمات، مثل الجهد العقلي الذي استدل به العربي على أن هناك إلهاً خالقاً يُدير هذا الكون، فاستدل من البعرة على وجود البعير، وأن أثر القدم يدل على المسير، واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والبحار ذات الأمواج، كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير. كل هذه الأمور لم يقدر العقل إلا على الحكم عليها جملة، وإن لم يعرف التفصيل. لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقاً، صانعاً، حكيماً، لكنه لم يعرف اسماً له، وهذا أمر لا يعرفه الإنسان بالعقل، ولا يعرف أيضاً ما هو المنهج المطلوب لهذا الخالق، وبماذا يجزي المطيع له، ولا بماذا يعاقب العاصي له. إذن: لا بد من بلاغ عن الله تعالى يدل على القوة التي اقتنعت بها جملة. والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقاً، لكن لا يعرفون اسمه، ولا مطلوبه. إذن: فأنت لا تعرف اسم الله إلا منه، عن طريق الوحي إلى رسوله، ولا تعرف مطلوب الله إلا من الرسول الذي أنزل عليه البلاغ. ومن رحمة الله بالإنسان أنه سبحانه قد أرسل رسولاً، ومع هذا الرسول معجزة هي القرآن؛ لأن العقل حتى حين يهتدي إلى قوة القادر الأعلى سبحانه، فإنها ستظل بالنسبة له مبهمة، وحين أنزل الحق سبحانه القرآن الكريم فقد أنزله رحمة بعباده وبينة لهم. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ..} [هود: 17]. فالقرآن حجة ونور، وهو يهدي البصيرة الفطرية الموجودة في الإنسان {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ..} [هود: 17] وهو من أنزل عليه الوحي، ويخبرنا عن الحق سبحانه وتعالى ما يوضح لنا أن الخالق الأعلى والقوة المطلقة هو الله سبحانه، ويوضح لنا الشاهد مطلوب الله تعالى. ونحن هنا أمام ثلاثة شهود: الشاهد الأول: هو الحجة والبينة. والشاهد الثاني: هو البرهان والبصيرة التي يهتدي إليها العقل، والرسول هو من يبين لنا المنهج بعد الإجمال. وهذا الرسول جاء من قبله كتاب موسى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ..} [هود: 17]. وهذا هو الشاهد الثالث. ومن لا يلتفت إلى المدلول بالأدلة الثلاثة مقصِّر؛ فمن عنده تلك البينة، ومن سمع الشاهد من الرسول، والشاهد الذي قبله، وهو كتاب موسى عليه السلام وشاهد بعده إلى نفس قوم موسى لا بد أن يقوده ذلك إلى الإيمان. وقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ..} [هود: 17]. إشارة إلى من التفتوا إلى الأدلة: بينة، وشاهداً، وشاهداً من قبله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ..} [هود: 17]. والكفر - كما علمنا - هو الستر، والكفر في ذاته دليل على الإيمان، فلا يكفر أحد بغير موجود. فوجود المكفور به سابق على الكفر، والكفر طارىء عليه. إذن: فالكفر طارىء على الإيمان؛ لأن الإيمان هو أصل الفطرة. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ..} [هود: 17]. وكلمة "أحزاب" جمع حزب. والحزب هو الجماعة الملتقية على مبدأ تتحمس لتنفيذه، مثل الأحزاب التي نراها في الحياة السياسية، وهي أحزاب بشرية تتصارع في المناهج والغايات، وهم أحرار في ذلك؛ لأنهم يتصارعون بفكر البشر. أما في العقيدة الأولى، فَمنَ المُخطِّط الأعلى، وهو الحق سبحانه وتعالى، فالمنهج يأتي منه؛ لأن هذا المنهج يوصل إليه؛ لذلك قال الله سبحانه عمَّن يتبعون منهجه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المجادلة: 22]. أي: أنهم يدخلون في حزب يختلف عن أحزاب البشر التي تختلف أو تتفق في فكر البشر. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ..} [هود: 17]. والمقصود بهم كفار قريش عبدة الأوثان، والصابئة واليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منهم جماعة تمثل حزباً، ويقول عنهم الحق سبحانه: {أية : .. كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون: 53]. ومن يكفر من هؤلاء برسالة رسول الله وبرسول الله فالجزاء هو النار، وبذلك بيَّن لنا الحق سبحانه أن هنالك حزبين: حزب الله، والأحزاب الأخرى، وهما فريقان كلّ منهما مواجه للآخر. ويقول الحق سبحانه لرسوله، والمراد أيضاً أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ..} [هود: 17]. أي: لا تكن يا رسول الله في شك من ذلك؛ لأن رسالتك وبعثتك تقوم على أدلة البينة والفطرة والهدى والنور المطلوب من الله تعالى، والشاهد معك، كما شهد لك من جاء من قبلك أنك جئت بالمنهج الحق: {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ..} [هود: 17]. والحق - كما علمنا من قبل - هو الشيء الثابت الذي لا يعتريه تغيير، وهذا الحق لا يمكن أن يأتي إلا من إله لا تتغير أفعاله. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: 17]. وهؤلاء لا يؤمنون عناداً؛ لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، ومَنْ يمتنع عليها هو مجرد معاند. والحق سبحانه يقول في مثل هؤلاء المعاندين: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. أي: أنهم مع كفرهم يعلمون صدق الأدلة على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق بعثته، فيكون كفرهم حنيئذ كفر عناد؛ لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، فيكون من يمتنع على الإيمان بهذه الأدلة إنساناً معانداً. يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ...}.

الجيلاني

تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: تظنون وتحسبون أن من انكشف له برهان واضح وكشف صريح وشهود محقق من قبل ربه، وتحقق بمقام التوحيد، وبسريان وحدة الذات في جميع الكائنات والفاسدات {وَ} مع ذلك ش{يَتْلُوهُ} يطرأ عليه ويجري على لسانه {شَاهِدٌ} ناطق بتصديقه نازل {مِّنْهُ} أي: من عند ربه؛ امتناناً له وتفضلاً عليه، يريد ويقصد من أفعاله وأعماله الصادرة عنه ظاهراً مثل ما أراد أولئك المحجوبون المستورون عن الحق، وإحاطته وشموله واستقلاله في الآثار الظاهرة في الآفاق كلا وحاشا {أية : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 9] وما يتذكر إلا أولوا الألباب. {وَ} كيف ينكرون شهادة القرآن على تصديق خير الأنام؛ إذ {مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن جاء {كِتَابُ مُوسَىٰ} من قبل مصدقاً له في دعواه وصار من عموم حكمه {إِمَاماً} أي: قدروة لقاطبة الأنام {وَرَحْمَةً} شاملة للخواص والعوام؛ لإهدائهم إلى دار السلام {أُوْلَـٰئِكَ} أي: أهل التوراة، وهم الذين يؤمنون بها ويمتثلون بما فيها {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بحقية القرآن لكونه مذكوراً في التوراة المنزل عليه {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي: القرآن وبحقيته {مِنَ ٱلأَحْزَابِ} المتحزبين مع المحرفين للتوراة، المنحرفين عن جادة الإيمان {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} لا بدَّ أن يرد عليها على مقتضى العدل الإلهي {فَلاَ تَكُ} يا أكمل الرسل {فِي مِرْيَةٍ} شك وارتياب {مِّنْهُ} أي: من ورودهم عليها إنجازاً لوعده {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ} النازل {مِن رَّبِّكَ} لا بدَّ أن يتحقق وقوعه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} لانهماكهم في الغفلة وغلظ حجابهم عن الله {لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] بحقيته وحقية وعده وإنجازه الموعود؛ لذلك حرفوا ما جاء من عنده في كتابه، وزادوا عليه ما لم يجيء منه. {وَمَنْ أَظْلَمُ} على الله {مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} عمداً، وحرف كتابه بتنقيص شيء منه أو زيادة عليه {أُوْلَـٰئِكَ} المحرفون المجترئون على الله بتبديل آياته {يُعْرَضُونَ} في يوم العرض الأكبر {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} ويُسألون عما فعلوا بكتاب الله، فينكرون ويستنزهون أنفسهم عنه {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} من أعضائهم وجوارحهم إلزاماً لهم: {هَـٰؤُلاۤءِ} المسرفون المعاندون {ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} وحرفوا كتابه افتراء ومراء، ظلماً وعدواناً، وبعد إشهاد هؤلاء الأشهاد، نودي من وراء سرادقات العز والجلال، تفضيحاً لهم وتخذيلاً على رءوس الأشهاد: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ} وطرده وإبعاده من سعة رحمته {عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 18] المجاوزين عن مقتضى حكمه وحكمته عناداً ومكابرة. وهم {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} ويصرفون عباد الله {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي هو الشرع المنزل من عنده على أنبيائه ورسله بالعدالة والتقويم {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي: يريدون أن يحدثوا فيها عوجاً وانحرافاً؛ ليصرفوا ويرتدوا منها أهلها بعد إيمانهم بها وانقيادهم إليها فاستحقوا العذاب والنكال الأخروي {وَ} الحال أنه {هُمْ بِٱلآخِرَةِ} المعدة للجزاء والانتقام {هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 19] منكرون لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المؤمن وحاله والكافر ومآله بقوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} [هود: 17] أي: على كشف وبيان من تجلي صفة من صفات ربه، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} [هود: 17] أي: ويتبع الكشف شاهد من شواهد الحق، فإن الكشف يكون مع الشهود ويكون بلا شهود والمعنى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} [هود: 17] على بينة من كشوف الحق وشواهده. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} من العقل والنقل مع احتمال السهو والغلط فيها، وحمل الآية في الظاهر على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه أولى وأحرى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان على بينة من ربه، وكان أبو بكر شاهداً يتلوه بالإيمان والتصديق يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ}تفسير : [الزمر: 33] يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، {أية : وَصَدَّقَ بِهِ}تفسير : [الزمر: 33] يعني: أبا بكر - رضي الله وأرضاه - وهو الذي كان تاليه وثانيه في الغار، وتاليه في الإمامة في مرضه صلى الله عليه وسلم حين قال: "حديث : مرو أبا بكر فليصل بالناس"،تفسير : وكان تاليه بالخلافة بإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - حيث قال صلى الله عليه وسلم لإبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: "حديث : أنتما مني بمنزلة السمع والبصر ". تفسير : {وَمِن قَبْلِهِ} [هود: 17] أي: قبل أبي بكر رضي الله عنه وشهادته بالنبوة كان، {كِتَابُ مُوسَىٰ} [هود: 17] وهو التوراة، {إِمَاماً} [هود: 17] يأتم به قومه بعده، وفي أيام محمد صلى الله عليه وسلم كما ائتم به عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما من أحبار اليهود، ولأنه كان فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة {وَرَحْمَةً} [هود: 17] أي: الكتاب كان رحمة لأهل الرحمة، وهم الذين يؤمنون بالكتاب وبما فيه كما قال: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [هود: 17] يعني: أهل الرحمة {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} [هود: 12] أي: بالكتاب وبما فيه {مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] أي: حزب أهل الكتاب وحزب الكفار وحزب المنافقين، وإن زعموا أنهم مسلمون؛ لأن الإسلام لا يكون بدعوى اللسان فحسب، وإنما يحتاج مع دعوى اللسان إلى صدق الجنان وعمل الأركان. {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} [هود: 17] أي: من أن يكون الكافر بك وبما جئت به من أهل النار؛ لأن الإيمان بك إيمان بي، وإن طاعتك طاعتي، فلا يخطرن ببالك أني من سعة رحمتي لعلي أرحم من كفر بك كائناً من كان، فإني لا أرحمهم لأنهم مظاهر قهري {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} [هود: 17] أي: يكون له مظاهر صفات القهر كما يكون له مظاهر صفات اللطف {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] بصفات لطفه لرجائهم المذموم ولغرورهم المشئوم بكرم الله، فإنه غرهم بالله وكرمه، الشيطان الغَرور. ثم أخبر عن جزاء أهل الافتراء بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [هود: 18] إلى قوله: {أية : هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}تفسير : [هود: 22]، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [هود: 18] أي: ادعى مع الله رتبة في المكاشفات والمشاهدات والمنازلات والمحادثات والمكالمات، وغيرها من المقامات التي لم يشاهدها وما مست قدمه ساحتها، وإنما يدعي حصولها دعوته النفس وطلباً للرئاسة واستجلاب حظوظ النفس بطريق التزهد والشيخوخة، {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} [هود: 18] وهم أولياء الله الذين هم شهداؤه في أرضه يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [الحج: 78]. {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} [هود: 18] يشهدون عليهم بالكذب في الدنيا والآخرة ويلعنوهم، {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 18] ينزلون بأنفسهم السادة الكبرى، {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [هود: 19] أي يصدعون الطالبين عن طلب الحق بادعائهم الشيخوخة ويقطعون سبيل الله على طالبيه بالدعوة إلى أنفسهم، ويمنعونهم أن تمسكوا بذيل إرادة صاحب ولاية يهديهم إلى الحق ويسلكهم في الله تعالى. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} [هود: 19] عن الحق، {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 19] على الحقيقة؛ لأن من يؤمن بالآخرة، ولقاء الله والحساب والجزاء على الأعمال لا يجري مع الله بمثل هذه المعاملات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى، حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون أحد مثلهم، فقال: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ } بالوحي الذي أنزل (1) الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك البينة. { وَيَتْلُوهُ } أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر { شَاهِدٌ مِنْهُ } وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى إيمانه. { وَ } ثم شاهد ثالث وهو { كِتَابُ مُوسَى } التوراة التي جعلها الله { إِمَامًا } للناس { وَرَحْمَةً } لهم، يشهد لهذا القرآن بالصدق، ويوافقه فيما جاء به من الحق. أي: أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت عليه شواهد الإيمان، وقامت لديه أدلة اليقين، كمن هو في الظلمات والجهالات، ليس بخارج منها؟! لا يستوون عند الله، ولا عند عباد الله، { أُولَئِكَ } أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم، { يُؤْمِنُونَ } بالقرآن حقيقة، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة. { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ } أي: القرآن { مِنَ الأحْزَابِ } أي: سائر طوائف أهل الأرض، المتحزبة على رد الحق، { فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } لا بد من وروده إليها { فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ } أي: في أدنى شك { إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } إما جهلا منهم وضلالا وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما يدعوه إلى الإيمان من كل وجه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 351 : 2 : 4 - سفين عن منصور عن مجاهد {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} قال، جبريل، صلى الله عليه. [الآية 17]. 352 : 3 : 5 - سفين عن منصور عن مجاهد قال، قال محمد، (صلى الله عليه وسلم).

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} [17] 261- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يسمعُ بي من أُمَّتي أو يهودي أو نصراني ثم لا يُؤمن بي إلا دخل النار ". تفسير : 262- أنا أحمد بن أبي عُبيد الله، نا يزيد بن زُريع، نا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرز قال: قال عبد الله بن عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في النَّجْوى - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة فيضعُ عليه كَنَفَه ثم يُقررُه بذنوبه: هل تعرف؟ فيقول: ربِّ أعرف حتى إذا بلغ به ما شاء الله قال: وإني سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم يُعْطى صحيفة حسناته، وأما الكُفَّار: فيُنادي ربهم على رؤوس الأشهاد {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}[18] ".

همام الصنعاني

تفسير : 1191- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}: [الآية: 17]، قال: لسانه هو الشاهد منه. قال معمر: قال الكلبي: جبريل شاهد من الله. 1192- عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}: [الآية: 17]، قال: محمد {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}، قال جبريل. 1193- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، قال قَتَادَةَ في قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}: [الآية: 17]، قال: الكفار أحزاب، كلهم عَلَى الكُفْر. 1194- عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني أيوب، عن سعيد بن جبير، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أحَدٍ يَسْمَعُ بي مِنْ هذه الأمة ولا يهوديّ ولا نصْراني فَلاَ يؤمن بي إلا دخَلَ النَّارَ".تفسير : قال: فجعلت أقول فأين تصديقها في كتاب الله، وقلما سمعت حديثاً إلا وجدتُ له تصديقاً في القرآن، حتى وجدت هذِه: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ}: [الآية: 17]، فالأحزاب المِلَلُ كلها.