١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله: { أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } تفسير : [هود: 15] إلى آخر الآية، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقدحون في معجزاته، وقد أبطل الله تعالى بقوله: { أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [هود:17] ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى، فلما بين وعيد المفترين على الله، فقد دخل فيه هذا الكلام. واعلم أن قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } إنما يورد في معرض المبالغة. وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم. ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله: {أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض، لأن العرض عام في كل العباد كما قال: { أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } تفسير : [الكهف: 48] وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم {هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه، وفيه سؤالات: السؤال الأول: إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان، فكيف قال: {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } والجواب: أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك عرضاً على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين. السؤال الثاني: من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول؟ الجواب قال مجاهد: هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا. وقال قتادة ومقاتل: {ٱلأَشْهَـٰدُ } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد، يعني على رؤوس الناس. وقال الآخرون: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى: { أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الأعراف: 6] والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة. السؤال الثالث: الأشهاد جمع فما واحده؟ والجواب: يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وناصر وأنصار، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف. قال أبو علي الفارسي: وهذا كأنه أرجح، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل، كقوله: { أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] { أية : وجِئْنَا بِك عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة، لأنه لا يقال في العاصي يبغي عوجاً، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات. ثم قال: {وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } قال الزجاج: كلمة «هم» كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم ٱفتروا على الله كذباً، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكاً وولداً، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله. {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي يحاسبهم على أعمالهم. {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} يعني الملائكة الحفظة؛ عن مجاهد وغيره؛ وقال سفيان: سألت الأعمش عن «الأَشْهَادُ» فقال: الملائكة. الضَّحاك: هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلّغوا الرسالات. وقال قتادة: عنى الخلائق أجمع. وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن مُحرِز عن ٱبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: «حديث : وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كَذَبوا على الله». تفسير : {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} يجوز أن تكون «الَّذِينَ» في موضع خفض نعتاً للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي هم الذين. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى؛ أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أعاد لفظ «هم» تأكيداً.
ابن كثير
تفسير : يبين تعالى حال المفترين عليه، وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق؛ من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان، أخبرنا همام، حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: «حديث : إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم» تفسير : ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فيقول: {ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} الآية، أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث قتادة به. وقوله: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: يردون الناس عن اتباع الحق وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله عز وجل، ويجنبونهم الجنة {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي: ويريدون أن يكون طريقهم عوجاً غير معتدلة {وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} أي: جاحدون بها، مكذبون بوقوعها وكونها {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة {أية : إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ} تفسير : [إبراهيم: 42]. وفي الصحيحين: «حديث : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» تفسير : ولهذا قال تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} الآية، أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صماً عن سماع الحق، عمياً عن اتباعه؛ كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار كقوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الملك: 10] وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النحل: 88] الآية، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه، ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع؛ أمرها ونهيها بالنسبة إلى الدار الآخرة. وقوله: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم؛ لأنهم أدخلوا ناراً حامية، فهم معذبون فيها، لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين؛ كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} تفسير : [الإسراء: 97] {وَضَلَّ عَنْهُمْ} أي: ذهب عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئاً، بل ضرتهم كل الضرر؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 6]. وقال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم:81-82] وقال الخليل لقومه: {أية : إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} تفسير : [العنكبوت: 25] وقوله: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة: 166] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال: { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} يخبر تعالى عن مآلهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم استبدلوا الدركات عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظل من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ } أي لا أحد {أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } بنسبة الشريك والولد إليه {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ } يوم القيامة في جملة الخلق {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَـٰدُ } جمع (شاهد) وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب {هـَٰؤلآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ } المشركين.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } أي: لا أحد أظلم منهم لأنفسهم؛ لأنهم افتروا على الله كذباً بقولهم لأصنامهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقولهم: الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم. فالمعنى على هذا: لا أحد مثلهم في الظلم فضلاً عن أن يوجد من هو أظلم منهم، والإشارة بقوله: {أولئك} إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ، وهو مبتدأ، وخبره {يعرضون على ربهم} فيحاسبهم على أعمالهم، أو المراد بعرضهم: عرض أعمالهم {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } الأشهاد: هم الملائكة الحفظة، وقيل: المرسلون. وقيل: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل جميع الخلائق. والمعنى: أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض: هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه ولم يصرّحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمراً معلوماً عند أهل ذلك الموقف. قوله: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } هذا من تمام كلام الأشهاد أي: يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة الله على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه، قاله بعدما قال الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم}. والأشهاد جمع شهيد، ورجحه أبو عليّ بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41]، وقيل: هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين لعنوا بأنهم {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: يمنعون من قدروا على منعه عن دين الله والدخول فيه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: يصفونها بالاعوجاج تنفيراً للناس عنها، أو يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر، يقال بغيتك شرّاً: أي طلبته لك والحال أنهم {بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} أي: يصفونها بالعوج، والحال أنهم بالآخرة غير مصدّقين، فكيف يصدّون الناس عن طريق الحق، وهم على الباطل البحت؟ وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به، حتى كأن كفر غيرهم غير معتدّ به بالنسبة إلى عظيم كفرهم {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بتلك الصفات {لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم، وإنزال بأسه بهم، وجملة {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ } مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن تعجيله لهم، ليكون عذاباً مضاعفاً. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويزيد ويعقوب «يضعف» مشدّداً {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } أي: أفرطوا في إعراضهم عن الحق، وبغضهم له، حتى كأنهم لا يقدرون على السمع ولا يقدرون على الإبصار، لفرط تعاميهم عن الصواب. ويجوز أن يراد بقوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله، ولا ينفعهم ذلك، فما كان هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، فكيف ينفعونهم فيجلبون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضرراً، ويجوز أن تكون «ما» هي المدية. والمعنى: أنه يضاعف لهم العذاب مدّة استطاعتهم السمع والبصر. قال الفراء: ما كانوا يستطيعون السمع، لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم. وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفهموا عنه. قال النحاس: هذا معروف في كلام العرب، يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان: إذا كان ثقيلاً عليه {أُوْلَـٰئِكَ } المتصفون بتلك الصفات {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بعبادة غير الله. والمعنى: اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم أعظم خسران {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي: ذهب وضاع ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدّعون أنها تشفع لهم، ولم يبق بأيديهم إلا الخسران. قوله: {لاَ جَرَمَ } قال الخليل وسيبويه: «لا جرم» بمعنى حق فهي عندهما بمنزلة كلمة واحدة، وبه قال الفراء. وروي عن الخليل والفراء أنها: بمنزلة قولك: لا بدّ ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً. وقال الزجاج: إن جرم بمعنى كسب: أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، وأنّ منصوبة بجزم. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما نقل في هذه اللغة. وقال الكسائي: معنى لا جرم: لا صدّ ولا منع عن أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وقال جماعة من النحويين: إن معنى لا جرم لا قطع قاطع {أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } قالوا: والجرم: القطع، وقد جرم النخل واجترمه: أي قطعه، وفي هذه الآية بيان أنهم في الخسران قد بلغوا إلى حدّ يتقاصر عنه غيرهم، ولا يبلغ إليه، وهذه الآيات مقرّرة لما سبق من نفي المماثلة بين من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، وبين من كان على بينة من ربه {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: صدقوا بكل ما يجب التصديق به من كون القرآن من عند الله، وغير ذلك من خصال الإيمان {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } أي: أنابوا إليه، وقيل: خشعوا. وقيل: خضعوا. قيل: وأصل الإخبات: الاستواء في الخبث: وهو الأرض المستوية الواسعة فيناسب معنى الخشوع والاطمئنان. قال الفراء: إلى ربهم، ولربهم واحد {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بتلك الصفات الصالحة {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. قوله: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ } ضرب للفريقين مثلاً وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى والأصمّ، وتشبيه فريق المؤمنين بالبصير والسميع، على أن كل فريق شبه بشيئين، أو شبه بمن جمع بين الشيئين، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى والصمم، والمؤمن شبّه بمن جمع بين السمع والبصر، وعلى هذا تكون الواو في {والأصمّ}، وفي {والسميع} لعطف الصفة على الصفة، كما فى قول الشاعر:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : والاستفهام في قوله: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ } للإنكار: يعني الفريقين، وهذه الجملة مقرّرة لما تقدّم من قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } وانتصاب مثلاً على التمييز من فاعل يستويان: أي هل يستويان حالاً وصفة {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } في عدم استوائهما، وفيما بينهما من التفاوت الظاهر الذي لا يخفى على من له تذكر، وعنده تفكر وتأمل، والهمزة لإنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين. وقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ } قال: الكافر والمنافق {أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } فيسألهم عن أعمالهم {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ } الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا {هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } شهدوا به عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، قال: "الأشهاد: الملائكة". وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، نحوه، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: ربّ أعرف، حتى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطي كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين}»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هو محمد يعني سبيل الله، صدّت قريش عنه الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله: {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يعني: يرجون بمكة غير الإسلام ديناً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } الآية قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه قال: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } وأما في الآخرة فإنه قال {أية : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَـٰشِعَةٌ }تفسير : [القلم: 42، 43]. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً فينتفعوا به، ولا يبصروا خيراً فيأخذوا به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {*أخبتوا} قال: خافوا. وأخرج ابن جرير، عنه، قال: الإخبات: الإنابة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، قال الإخبات: الخشوع والتواضع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: اطمأنوا. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ } قال: الكافر {وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ } قال: المؤمن.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} معناه ومن أظلم لنفسه ممن افترى على الله كذباً بأن يدعي إنزال ما لم ينزل عليه أو ينفي ما أنزل عليه. {أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} وهو حشرهم إلى موقف الحساب كعرض الأمير لجيشه، إلا أن الأمير يعرضهم ليراهم وهذا لا يجوز على الله تعلى لرؤيته لهم قبل الحشر. {وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هؤلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ} والأشهاد جمع، وفيما هو جمع له وجهان: أحدهما: أنه جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب. والثاني: جمع شهيد مثل شريف وأشراف. وفي الأشهاد أربعة أقاويل: احدها: أنه الأنبياء، قاله الضحاك. الثاني: أنهم الملائكة، قاله مجاهد. الثالث: الخلائق، قاله قتادة. الرابع: أن الأشهاد أربعة: الملائكة والأنبياء والمؤمنون والأجساد، قاله زيد بن أسلم. قوله عز وجل: {الَّذِينَ يَصُّدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} يعني قريشاً. وفي سبيل الله التي صدوا عنها وجهان: أحدهما: أنه محمد صلى الله عليه وسلم صدت قريش عنه الناس، قاله السدي. والثاني: دين الله تعالى، قاله ابن عباس. {وَيَبْغُونَها عِوَجاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني يؤمنون بملة غير الإسلام ديناً، قاله أبو مالك. الثاني: يبغون محمداً هلاكاً، قاله السدي. الثالث: أن يتأولوا القرآن تاويلاً باطلاً، قاله عليّ بن عيسى. قوله عز وجل: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى لا جرم: لا بد. الثاني: أن {لا} عائد على الكفار، أي لا دافع لعذابهم، ثم استأنف فقال: جرم، أي كسب بكفره استحقاق النار، ويكون معنى جرم: كسب، أي بما كسبت يداه، قال الشاعر: شعر : نَصَبنا رأسه في جذع نخل بما جَرَمت يداه وما اعتدينا تفسير : أي بما كسبت يداه. الثالث: أن {لا} زائدة دخلت توكيداً، يعني حقاً إنهم في الآخرة هم الأخسرون. قال الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارُة بعدها أن يغضبوا. تفسير : أي أحقتهم الطعنة بالغضب.
ابن عطية
تفسير : قوله: {ومن} استفهام بمعنى التقرير، وكأنه قال: لا أحد أظلم ممن افترى كذباً، والمراد بـ {من} الكفرة الذين يدعون مع الله إلهاً آخر ويفترون في غير ما شيء، وقوله: {أولئك يعرضون على ربهم} عبارة عن الإشادة بهم والتشهير لخزيهم وإلا فكل بشر معروض على الله يوم القيامة. وقوله: {يقول الأشهاد} قالت فرقة: يريد الشهداء من الأنبياء والملائكة، فيجيء قوله: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} إخباراً عنهم وشهادة عليهم وقالت فرقة: {الأشهاد} بمعنى الشاهدين، ويريد جميع الخلائق، وفي ذلك إشادة بهم، وروي في نحو هذا حديث: "حديث : إنه لا يخزى أحد يوم القيامة إلا ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر" تفسير : فيجيء قوله: {هؤلاء} - على هذا التأويل - استفهاماً عنهم وتثبيتاً فيهم كما تقول إذا رأيت مجرماً قد عوقب: هذا هو الذي فعل كذا وإن كنت قد علمت ذلك، ويحتمل الإخبار عنهم. وقوله: {ألا} استفتاح كلام، و"اللعنة" الإبعاد و {الذين} نعت لـ {الظالمين}؛ ويحتمل الرفع على تقدير هم الذين، و {يصدون} يحتمل أن يقدر متعدياً على معنى: يصدون الناس ويمنعونهم من سبيل الله، ويحتمل أن يقدر غير متعد على معنى يصدون هم، أن يعرضون. و {سبيل الله} شريعته، و {يبغونها} معناه يطلبون لها كما تقول بغيتك خيراً أو شراً أي طلبت لك، و {عوجاً} على هذا مفعول: ويحتمل أن يكون المعنى: ويبغون السبيل على عوج، أي فهم لا يهتدون أبداً فـ {عوجاً} على هذا مصدر في موضع الحال، والعوج الانحراف والميل المؤدي إلى الفساد، وكرر قوله: {هم} على جهة التأكيد، وهي جملة في موضع خبر الابتداء الأول: وليس هذا موضع الفصل لأن الفصل إنما يكون بين معرفتين، أو معرفة وفكرة تقارب المعرفة، لأنها تفصل ما بين أن يكون ما بعدها صفة أو خبراً وتخلصه للخبر. و {معجزين} معناه: مفلتين لا يقدر عليهم. وخص ذكر {الأرض} لأن تصرف ابن آدم وتمتعه إنما هو فيها وهي قصاراه لا يستطيع النفوذ منها. وقوله: {وما كان لهم من دون الله من أولياء} يحتمل معنيين: أحدهما: أن نفي أن يكون لهم ولي أو ناصر كائناً من كان. والثاني: أن يقصد وصف الأصنام والآلهة بأنهم لم يكونوا أولياء حقيقة، وإن كانوا هم يعتقدون أنهم أولياء. ثم أخبر أنهم يضاعف لهم العذاب يوم القيامة، أي يشدد حتى يكون ضعفي ما كان. و {يضاعف} فعل مستأنف وليس بصفة. وقوله: {وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} يحتمل خمسة أوجه: أحدها: أن يصف هؤلاء الكفار بهذه الصفة على معنى أن الله ختم عليهم بذلك، فهم لا يسمعون سماعاً ينتفعون به ولا يبصرون كذلك. والثاني: أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون أن يحملوا أنفسهم على المسع منه والنظر إليه وينظر إلى هذا حشد الطفيل بن عمرو أذنيه بالكرسف، وإباية قريش وقت الحديبية أن يسمعوا ما نقل إليهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردهم عن ذلك مشيختهم. والثالث: أن يكون وصف بذلك الأصنام والآلهة التي نفى عنها - على التأويل المقدم - أن تكون أولياء. و {ما} في هذه الوجوه نافية. والرابع: أن يكون التقدير: يضاعف لهم العذاب بما كانوا: بحذف الجار، وتكون {ما} مصدرية، وهذا قول فيه تحامل. قاله الفراء، وقرنه بقوله: أجازيك ما صنعت بي. والخامس: أن تكون {ما} ظرفية، يضاعف لهم مدة استطاعتهم السمع والبصر، وقد أعلمت الشريعة أنهم لا يموتون فيها أبداً فالعذاب، - إذن - متماد أبداً. وقدم {السمع} في هذه الآية على "البصر" لأن حاسته أشرف من حاسة البصر، إذ عليه تبنى في الأطفال معرفة دلالات الأسماء، وإذ هو كاف في أكثر المعقولات دون البصر إلى غير ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَذِباً} بأن ادعى إنزال ما لم ينزل عليه، أو نفى ما أنزل عليه. {يُعْرَضُونَ} يحشرون إلى موقف الحساب. {الأَشْهَادُ} الأنبياء، أو الملائكة، أو الخلائق، أو الأنبياء والملائكة والمؤمنون والأجساد، الأشهاد: جمع شهيد كشريف وأشراف، أو جمع شاهد كصاحب وأصحاب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} يعني أي الناس أشد تعدياً ممن اختلق على الله كذباً فكذب عليه وزعم أن له شريكاً أو ولداً وفي الآية دليل على أن الكذب على الله من أعظم أنواع الظلم لأن قوله تعالى: {ومن أظلم ممن أفترى على الله كذباً} ورد في معرض المبالغة {أولئك} يعني المفترين على الكذب {يعرضون على ربهم} يعني يوم القيامة فيسألهم عن أعمالهم في الدنيا {ويقول الأشهاد} يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، قاله مجاهد وقال ابن عباس: هم الأنبياء والرسل وبه قال الضحاك وقال قتادة: الأشهاد الخلق كلهم {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} يعني: في الدنيا وهذه الفضيحة تكون في الآخرة لكل من كذب على الله {ألا لعنة الله على الظالمين} يعني يقول الله ذلك يوم القيامة فيلعنهم ويطردهم من رحمته (ق). عن صفوان بن محرز المازني قال: بينما ابن عمر يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال يا أبا عبد الرحمن أخبرني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا وكذا فيقول أعرف رب أعرف مرتين فيقول سترتها عليه في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته"تفسير : وفي رواية "حديث : ثم تطوى صحيفة حسناته"تفسير : وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد وفي رواية "فينادى بهم على رؤوس الأشهاد من الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين" قوله سبحانه وتعالى: {الذين يصدون عن سبيل الله} هذه الآية متصلة بما قبلها والمعنى ألا لعنة الله على الظالمين ثم وصفهم فقال الذين يصدون عن سبيل الله يعني يمنعون الناس من الدخول في دين الله الذي هو دين الإسلام {ويبغونها عوجاً} يعني ويطلبون إلقاء الشبهات في قلوب الناس وتعويج الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام {وهم بالآخرة هم كافرون} يعني وهم مع صدهم عن سبيل الله يجحدون البعث بعد الموت وينكرونه {أولئك} يعني من هذه صفتهم {لم يكونوا معجزين في الأرض} قال ابن عباس يعني سابقين وقيل هاربين وقيل فائتين في الأرض والمعنى أنهم لا يعجزون الله إذا أرادهم بالعذاب والانتقام منهم ولكنهم في قبضته وملكه لا يقدرون على الامتناع منه إذا طلبهم {وما كان لهم من دون الله من أولياء} يعني وما كان لهؤلاء المشركين من أنصار يمنعونهم من دون الله إذا أراد بهم سوءاً وعذاباً {يضاعف لهم العذاب} يعني في الآخرة يزاد عذابهم بسبب صدهم عن سبيل الله وإنكارهم البعث بعد الموت {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} قال قتادة صموا عن سماع الحق فلا يسمعون خيراً فينتفعون به ولا يبصرون خيراً فيأخذون به. وقال ابن عباس أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإنه قال ما كانوا يستطيعون السمع وهي طاعته وما كانوا يبصرون وأما في الآخرة فإنه قال لا يستطيعون خاشعة أبصارهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي جريج في قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} قال: الكافر والمنافق {أولئك يعرضون على ربهم} فيسألهم عن أعمالهم {ويقول الأشهاد} الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} حفظوه شهدوا به عليهم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {يقول الأشهاد} قال: الملائكة. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال {الأشهاد} الملائكة يشهدون على بني آدم بأعمالهم. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه، ويقول له: اتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: أي رب أعرف. حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} ". تفسير : وأخرج الطبراني وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي الله بالمؤمن يوم القيامة فيقربه منه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق، فيقول له: اقرأه. فيعرفه ذنباً ذنباً فيقول: أتعرف أتعرف؟ فيقول: نعم، نعم. فيلتفت العبد يمنة ويسرة فيقول له الرب: لا بأس عليك يا عبدي أنت كنت في ستري من جميع خلقي وليس بيني وبينك اليوم من يطلع على ذنوبك، اذهب فقد غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به. فيقول: يا رب ما هو؟ قال: كنت لا ترجو العفو من أحد غيري فهانت علي ذنوبك، وأما الكافر فيقرأ ذنوبه على رؤوس الأشهاد {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال: كنا نحدث أنه لا يخزى يومئذ أحد، فيخفي خزيه على أحد من الخلائق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رضي الله عنه قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن فقال: حديث : إن الله كره الظلم ونهى عنه، وقال {ألا لعنة الله على الظالمين} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته، فيقول {ألا لعنة الله على الظالمين} وأنه لظالم.
ابو السعود
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأن نسَب إليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بناتُ الله تعالى الله عن ذلك علواً كبـيراً وقولِهم لآلهتهم: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] يعني أنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه كذباً، وهذا التركيُب وإن كان سبكُه على إنكار أن يكون أحدٌ أظلمَ منهم من غير تعرضٍ لإنكار المساواةِ ونفيِها ولكنّ المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها وإفادةُ أنهم أظلم من كل ظالمٍ كما ينبىء عنه ما سيتلى من قوله عز وجل: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} تفسير : [هود: 22] فإذا قيل: مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلَ منه فالمرادُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضل {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بالظلم البالغِ الذي هو الافتراءُ على الله تعالى، وبهذه الإشارة حصَلت الغُنيةُ عن إسناد العَرضِ إلى أعمالهم واكتُفي بإسناده إليهم حيث قيل: {يُعْرَضُونَ} لأن عرضَهم من تلك الحيثيةِ وبذلك العنوانِ عرضٌ لأعمالهم على وجهٍ أبلغَ فإن عرضَ العاملِ بعمله أفظعُ من عرض عملِه مع غَيْبته {عَلَىٰ رَبّهِمْ} الحقِّ، وفيه إيماءٌ إلى بطلان رأيِهم في اتخاذهم أرباباً من دون الله عز وجل {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} عند العَرْض من الملائكة والنبـيـين أو من جوارحهم وهو جمعُ شاهد أو شهيد كأصحاب وأشراف {هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ} بالافتراء عليه كأن ذلك أمرٌ واضحٌ غنيٌّ عن الشهادة بوقوعه، وإنما المحتاجُ إلى الشهادة تعيـينُ مَنْ صدر عنه ذلك فلذلك لا يقولون: هؤلاء كذبوا على ربهم ويجوز أن يكون المرادُ بالأشهاد الحضّارَ وهم جميعُ أهلِ الموقفِ على ما قاله قتادة ومقاتل ويكون قولُهم: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ذماً لهم بذلك لا شهادةً عليهم كما يُشعر به قوله تعالى: {وَيَقُولُ} دون {وَيُشْهِدُ} الخ، وتوطئةً لما يعقُبه من قوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} بالافتراء المذكورِ ويجوز أن يكون هذا على الوجه الأولِ من كلام الله تعالى وفيه تهويلٌ عظيمٌ لما يحيق بهم من عاقبة ظلمِهم اللهم إنا نعوذُ بك من الخِزْي على رؤوس الأشهادِ {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} أي كلَّ من يقدِرون على صدّه أو يفعلون الصد {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} عن دينه القويمِ {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} انحرافاً أي يصفونها بذلك وهي أبعدُ شيءٍ منه أو يبغون أهلَها أن ينحرفوا عنها يقال: بغَيتك خيراً أو شراً أي طلبتُ لك، وهذا شاملٌ لتكذيبهم بالقرآن وقولِهم إنه ليس من عند الله {وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ} أي يصِفونها بالعِوَج والحالُ أنهم كافرون بها لا أنهم يؤمنون بها ويزعُمون أن لها سبـيلاً سوياً يهدون الناسَ إليه، وتكريرُ الضمير لتأكيد كفرِهم واختصاصِهم به كأن كفرَ غيرِهم ليس بشيء عند كفرهم {أُوْلَـٰئِكَ} مع ما وُصف من أحوالهم الموجيةِ للتدمير {لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ} الله تعالى مُفْلِتين بأنفسهم من أخذه لو أراد ذلك {فِى ٱلأَرْضِ} مع سَعتها وإن هربوا منها كل مَهْرب. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء} ينصُرونهم من بأسه ولكن أُخِّر ذلك لحكمة تقتضيه، والجمعُ إما باعتبار أفراد الكفَرة كأنه قيل: وما كان لأحد منهم من وليَ أو باعتبار تعدّدِ ما كانوا يدعون من دونه الله تعالى فيكون ذلك بـياناً لحال آلهتِهم من سقوطها عن رتبة الولاية {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} استئنافٌ يتضمن حكمةَ تأخيرِ المؤاخذة وقرأ ابنُ كثير، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ بالتشديد {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} لفَرْط تصامِّهم عن الحق وبُغضِهم له كأنهم لا يقدرون على السمع، ولما كان قبحُ حالِهم ـ في عدم إذعانِهم للقرآن الذي طريقُ تلقّيه السمعُ ـ أشدَّ منه في عدم قَبولِهم لسائر الآياتِ المنوطةِ بالإبصار، بالغَ في نفي الأولِ عنهم حيث نفىٰ عنهم الاستطاعةَ واكتفىٰ في الثاني بنفي الإبصارِ فقال تعالى: {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} لتعاميهم عن آيات الله المبسوطةِ في الأنفس والآفاقِ وهو استئنافٌ وقع تعليلاً لمضاعفة العذابِ وقيل: هو بـيانٌ لما نُفي من ولاية الآلهةِ فإن ما لا يسمع ولا يُبصر بمعزل من الولاية، وقوله تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} اعتراضٌ وسِّط بـينهما نعياً عليهم من أول الأمرِ سوءَ العاقبة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} [الآية: 18]. قال بعضهم: المفترى على الله من اتخذ أحوال السادات بدعواه لنفسه حالاً أو أظهر عن نفسه مشاهدة ما لا يشهده أولئك يفضحهم الله فى الدنيا بكذبهم فيطلع عليهم الذين يشهدون حقائق الأشياء هؤلاء الذين كذبوا على ربهم أظهروا من الأحوال ما ليس لهم وتزينوا بالعوارى من لباس لبس السادة فهذه فضيحتهم فى مجالس أهل الحقيقة إلى أن يرجعوا إلى الفضيحة فى مشهد الحق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}. مَنْ ادَّعى على الله حالاً لم يكن متحققاً بها فقد افترى على الله كذباً، واستوجب المقت، وعقوبته ألاَّ يُرْزَق بركةً في أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبَه، فيفضحه بين الخْلق، والشهداءُ قلوبُ الأولياء، ومَنْ شهدت القلوبُ عليه بالردِّ فهو غيرُ مقبولٍ عند الحقِّ.
البقلي
تفسير : قال الله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} اى ظالم اشد ظلما ممن يدعى الولاية وكان فى سابق الحكم كذابا كانه يريد نقض ابراهيم حكم الازل الذى سبق بكفره وزوره وبهتانه وسبق بعنايته الاولياء والصديقين فظلمه من جهة كذبه على الله باخراج نفسه على دعوى الولاية وهو كاذب وغرض هؤلاء المفسدين صرف وجوه الناس اليهم رياء وسمعة وجاها فيعرفهم الله لجميع الخلائق حين يعرضون على ربهم ليفصحهم ويكشف قبايحهم عند الخلق يوبخهم على رؤس الاشهاد بدعاويهم الباطلة فيشهد على كذبهم كل صادق فى الحضرة ثم تبعدهم عن القرب والوصال الى النار والوبال قال بعضهم المفترى على الله من اتخذ احوال السادات بدعوات لنفسه حالا واظهر من نفسه مشاهدة ما لا يشهده اولئك الذين يفضحهم الله فى الدنيا بكذبهم فيطلع عليهم الدين يشهدون حقائق الاشياء فيقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم لانهم اظهروا من الاحوال ما ليس لهم وتزينوا بالعوارى من لباس السادة فهذه فضايحهم فى مجالس اهل الحقيقة الى ان يرجعوا الى الفضيحة فى مشهد الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن اظلم} اى لا احد يظلم {ممن افترى على الله كذبا} بان نسب اليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بنات الله وقولهم لآلهتهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله {اولئك} المفترون {يعرضون على ربهم} المراد عرضهم على الموقف المعد للحساب والسؤال وحبسهم فيه الى ان يقضى الله تعالى بين العباد لانه تعالى ليس فى مكان حتى يعرضون عليه واسند العرض اليهم والمقصود عرض اعمالهم لان عرض العامل بعمله وهو الافتراء هنا افظع من عرض عمله مع غيبته {ويقول الاشهاد} عند العرض وهم الملائكة والنبيون والمؤمنون جمع شاهد او شهيد كاصحاب واشراف {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} المحسن اليهم والمالك لنواصيهم بالافتراء عليه وهؤلاء اشارة الى تحقيرهم واصغارهم بسوء صنيعهم {ألا لعنة الله} عذابه وغضبه {على الظالمين} بالافتراء المذكور وفى الحديث "حديث : ان الله تعالى يدنى المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول اى عبدى اتعرف ذنب كذا وكذا فيقول نعم يا رب فاذا قرره بذنوبه قال فانى قد سترتها عليك فى الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته واما الكفار والمنافقون فيقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم الا لعنة الله على الظالمين يفضحونهم بما كانوا عليه فى الدنيا ويبينون انهم ملعونون عند الله بسبب ظلمهم" تفسير : وفى الحديث "حديث : من سمع سمع الله به" تفسير : اى من اظهر عمله للناس رياء اظهر الله نيته الفاسدة فى عمله يوم القيامة وفضحه على رؤوس الاشهاد وهم الملائكة الحفظة. وقيل عموم الملائكة. وقيل عموم الخلائق اجمعين ثم وصفهم بالصد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (مثلاً): تمييز. يقول الحق جل جلاله: {ومن أظلمُ} أي: لا أحد أظلم {ممن افترى على الله كذباً}؛ بأن أسند إليه ما لم يقله، وكذب بما أنزله، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. {أولئك يُعرضون على ربهم} يوم القيامة، بأن يحبسُوا في الموقف، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد، {ويقول الأشهادُ} من الملائكة والنبيين، أو كل من شهد الموقف: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذٍ، لظلمهم بالكذب على الله، ورد الناس عن طريق الله. {الذين يصُدُّون عن سبيل الله}؛ عن دينه، {ويبغونها عِوَجاً}؛ يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. {وهم بالآخرة هم كافرون} أي: والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير؛ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به. {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي: ما كانوا ليعجزوا الله في الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك، واخرهم ليوم الموعود، ليكون أشد وأدوم. {وما كان لهم من دون الله من أولياءَ} يمنعونهم من العقاب، {يضاعف لهم العذاب} بسبب ما اتصفوا به، كما ذكره بقوله: {ما كانوا يستطيعون السمعَ وما كانوا يبصرون}؛ لتصاممهم عن الحق، وبغضهم أهله. {أولئك الذين خسروا أنفسَهم} حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} من أن الأصنام تشفع لهم، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. {لا جرم} لا شك، أو لا بد {أنهم في الآخرة هم الأخسرون}: فلا أحد أكثر خسراناً منهم؛ حيث حرموا النعيم المخلد، واستبدلوا بالعذاب المؤبد. ثم ذكر ضدهم فقال: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتُوا} أي: اطمأنوا أو خشعوا، أو تابوا {إلى ربهم أولئك اصحابُ الجنة هم فيها خالدون}؛ دائمون. {مَثَلُ الفريقين} المتقدمين؛ فريق الكافر وفريق المؤمن: {كالأعمى والأصمّ والبصير والسميع}، فمثل الكافر كمن جمع بين العمى والصمم، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط، وبمن هو أصم فقط والمؤمن بضدهما، فهو تمثيل للكافرين بمثالين، قاله ابن جزي. وقال البيضاوي: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى؛ لتعاميه عن آيات الله، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبره معانيه. أو تشبيه المؤمن بالسميع والبصير؛ لأن أمره بالضد، فيكون كل منهما مشّبهاً باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة، كقوله: فالأيب الصَّابُح فالغانم، فهذا من بيان اللف والطباق.هـ. {هل يستويان}: هل يستوي الفريقان؟ {مثلاً}؛ أي: جهة التمثيل، بل لا استواء بينهما، {أفلا تذكرون}؛ تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم. الإشارة: كل من ترامى على مراتب الرجال، أو ادعى مقاماً من المقامات وهو لم يدركه، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه، يُفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويقال له: {هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم...} الآية. فكل آية في الكفار تجر ذيلها على عُصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بينة من ربه، فمن ادعى مقاماً من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادى عليه الآية. ثم شرع في ذكر قصص الأنبياء ـ عليهم السلام ـ تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتتميماً لقوله: (لعلك تارك)، (وضائق). فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}.
الطوسي
تفسير : قال الحسن معنى قوله {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً} لا أحد أظلم منه إلا انه خرج مخرج الاستفهام مبالغة في انه أظلم لنفسه من كل ظالم، وانما كان المفتري على الله كذباً أظلم من كل ظالم، لأنه يجحد نعم الله ولا يشكرها. وقوله {أولئك يعرضون على ربهم} اخبار منه تعالى أن من هذه صفته يعرض على الله يوم القيامة. والعرض إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حاله يقال: عرضت الكتاب على فلان، وعرض الجند على السلطان، ومعنى العرض على الله أنهم يقفون في المقام الذي يرى العباد، وقد جعله الله تعالى للمطالبة بالاعمال فهو بمنزلة العرض في الحقيقة، لأنهم لا يخفون عليه في حال من الأحوال بل هو تعالى يراهم حيث كانوا. وقوله {ويقول الأشهاد} يعني الملائكة والأنبياء والعلماء، يشهدون بما كان منهم من الكذب عليه تعالى. وقيل: هو جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وقيل: جمع شهيد كشريف وأشراف. وقوله {ألا لعنة الله على الظالمين} تنبيه من الله تعالى لخلقه بأن لعنته على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بادخال الضرر عليها وعلى غيرهم بادخال الآلام عليهم. ولعنة الله إبعاده من رحمته.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} على الاستفهام، أي: لا أحد أظلم منه. وافتراؤهم على الله أن قالوا إن الله أمرهم بما هم عليه من عبادة الأوثان، وتكذيبهم بمحمد، يعني به مشركي العرب. قوله: {أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ} [أي: الأنبياء] { هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}. ذكروا عن صفوان بن محرز أنه قال: بينما أنا أحدث ابنَ عمر إذ عارضه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الربِّ عبدَه المؤمنَ يوم القيامة. قال:سمعته يقول: حديث : إن الله يسأل عبده المؤمن يوم القيامة، ويخبره بستره من الناس، فيقرّره بذنوبه فيقول: عبدي، أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: يا رب، أعرف؛ حتى إذا قرّره بذنوبه، وظنّ في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم؛ ثم يُعطى كتابَ حسناته. وأما الكافر والمنافق فإنه ينادي الأشهاد: {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} تفسير : والكذب على الله من وجهين: فكذب المشركين ادعاؤهم الأنداد والأولاد لله. وكذب المنافقين في نصبهم الحرام ديناً، وادعاؤهم على الله ديناً غيرَ دينه، واستخلالُهم ما حرّم الله.
اطفيش
تفسير : {ومَنْ أظْلَم ممَّن افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبا} كنسبة الولد، وإثبات الشريك، وإثبات ما لم ينزل، ونفى ما أنزل، والاستفهام إنكار، أى لا أظلم منه. {أولئِكَ} المفترون {يُعْرضُونَ عَلى ربِّهم} فى المحشر، بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم قطعا لمعاذيرهم {ويقُولُ الأشْهادُ} الملائكة والأنبياء والجوارح، لوردان هؤلاء كلهم يشهدون، فهذا أولى من قول مجاهد: إنهم الملائكة والحفظة للأعمال، ومن قول ابن عباس، والضحاك: الأنبياء والرسل، بل قال قتادة: الخلق كلهم، على أن معنى الإشهاد المشاهدون وهو أشد فى خزيهم، ويؤيده ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنه لا يجزى أحد يوم القيامة إلا ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر" تفسير : والمفرد شاهد كصاحب وأصحاب، أو شهيد كشريف وأشراف. {هَؤلاءِ الذَّينَ كَذَبوا عَلى ربِّهم} يدخل فى هذا بالتبع والحكم المنافقون، فإنهم كذبوا على الله فى نصب الحرام دينا، ومن يقل فى الدين بالجهل. {ألاَ لَعنةُ اللهِ عَلى الظَّالمِينَ} على العموم، أو أراد عليهم فوضع الظاهر موضع الضمير، وذلك من جملة مقول الأشهاد إغراقا فى الخزى والفضيحة، وقيل: ذلك مستأنف من كلام الله سبحانه وتعالى، وذلك يقوله فى الدنيا، وقيل: يوم القيامة بألسنة الملائكة. "حديث : روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه يقال للمؤمن: أتعرف ذنبك كذا وذنبك كذا؟ فيقول: أعرف يا رب أعرف يا رب، حتى تعد ذنوبه، فيقول فى نفسه: إنى هالك، فيقول الله: إنى سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته"" تفسير : وأما لمشرك والمنافق فينادى عليهما بمسمع الخلائق: {ألا لعنة الله على الظالمين}.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} من إِثبات الشريك والولد ونفى إِنزال ما أَنزل ونسبة ما لم ينزل إِليه ومن ذلك إِثبات البحيرة ونحوها وتحريم ما أَحل وتحليل وما حرم، وقول عبدالله بن سعيد بن أَبى سرح الذى يكتب لرسول الله الوحى وقول اليهودى ما أَنزل الله على بشر من شىءٍ، ويجوز أَن يكون المراد لا أَظلم منى إِن كذبت على الله تعالى بأَنه أَرسلنى وأَنزل على كتاباً، وأَن يكون المراد لا أَظلم منكم فى نفى أَن يكون القرآن من الله عز وجل {أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} عرضاً يترتب عليه العذاب ويفتضحون به عند الخلائق، فإِنه لا يسعد أَحد إِلا نودى فى الموقف: سعد فلان سعادة لا شقاوة بعدها، نداءً يسمعه أَهل الموقف كلهم، وكذلك الشقى، ومعنى عرضهم على الله عرض أَعمالهم وحكمة ذكرهم دون ذكر أَعمالهم أَن عرض العامل بعمله أَفظع عليه من عرض عمله مع غيبته، والله متنزه عن المكان وعالم بكل شىءٍ، وذلك مجاز فى الإِسناد أَو كناية عن شبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان أَو نائِبه لا ليعرفهم بل ليأْمرهم، وذلك على حذف مضاف كما رأَيت، وقيل لا حاجة إِلى تقديره لأَن عرضهم يتضمن عرض أَعمالهم، وقيل عرضهم مجاز عن إِظهار أَعمالهم، وقدر بعض مضافاً أَيضاً فى قوله على ربهم أَى على ملائِكة ربهم أَو على أَنبياءِ ربهم، واختار ذكر الرب ردا عليهم فى دعوى أَرباب من دونه عز وجل {وَيَقُولُ الأَشْهَادُ} جمع شهيد كشريف وأَشراف أَو شاهد كصاحب وأَصحاب، وهذا مرجوح لضعف جمع فاعل على أَفعال والأَول أَولى على أَن شهيد بمعنى شاهد لا بمعنى حاضر، لأَن المراد الشهادة لا الحضور، كما يناسبه قوله هؤلاءِ الذين الآية لكن إِن كان المراد بالأَشهاد الجوارح فالحضور أَنسب إِلا أَن القول منها بلسان الحال مجاز فنقول ينطقها الله عز وجل، والمتبادر أَن الأَشهاد غيرهم وهم الملائِكة والأَنبياءُ، وقيل: والمؤمنون، وقيل أَهل الموقف، والعطف على يعرضون {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هنا تم كلام الأَشهاد، أَو عند قوله على ربهم، وقوله أَلا إِلخ من الله، قاله قبل يوم القيامة، إِخبارا بأَنهم ملعونون من الله قبل يوم القيامة، وقيل: تم فى قوله يضاعف لهم العذاب، وأَنه دعاءٌ بمضاعفة العذاب وليس بشىءٍ، والأَول أَولى لأَنه أَشد عليهم وهو الوارد فى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إِن الله تعالى يدنى المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول: عبدى أَتعرف ذنب كذا؟ أَتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم. فيقرره بذنوبه ويرى فى نفسه أَنه هلك، فيقول الله عز وجل: قد سترتها عليك فى الدنيا وقد غفرتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأَما الكافر والمنافق فيقول الأَشهاد هؤُلاءِ الذين كذبوا على ربهم أَلا لعنة الله على الظالمين"تفسير : ، وهو ظالم والظالمين عام، فيدخل الذين كذبوا على ربهم بالأَولى، أَو هم المراد فيكون من وضع الظاهر موضع المضمر.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} بأن نسب إليه ما لا يليق به كقولهم: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقولهم لآلهتهم: {أية : هَـٰؤُلآء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 18] والمراد من الآية ذم أولئك الكفرة بأنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه سبحانه، ويجوز أن تكون لنوع آخر من الدلالة على أن القرآن ليس بمفترى، فإن من يعلم حال من يفتري على الله سبحانه كيف يرتكبه، وأن تكون من الكلام المنصف أي لا أحد أظلم مني أن أقول لما ليس بكلام الله تعالى إنه كلامه كما زعمتم، أو منكم إن كنتم نفيتم أن يكون كلامه سبحانه مع تحقق أنه كلامه جل وعلا، وفيه من الوعيد والتهويل ما لا يخفى، ويجوز عندي إذا كان ما قبل في مؤمني أهل الكتاب أن يكون هذا في بيان حال كفرتهم الذين أسندوا إليه سبحانه ما لم ينزله من المحرف الذي صنعوه ونفوا عنه سبحانه ما أنزله من القرآن أو من نعت النبـي صلى الله عليه وسلم، وأياً مّا كان فالمراد نفي أن يكون أظلم من ذلك أو مساوياً في الظلم على ما تقدم. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بالظلم البالغ وهو الافتراء {يُعْرَضُونَ} من حيث أنهم موصوفون بذلك {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي مالكهم الحق والمتصرف فيهم حسبما يريد، وفيه على ما قيل: إيماء إلى بطلان رأيهم في اتخاذهم أرباباً من دونه سبحانه وتعالى، وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف أي تعرض أعمالهم، أو على ارتكاب المجاز ولا يحتاج إلى ذلك على ما أشير إليه لأن عرضهم من تلك الحيثية وبذلك العنوان عرض لأعمالهم على وجه أبلغ فإن عرض العامل بعمله أفظع من عرض عمله مع غيبته، والظاهر أنه لا حذف في قوله سبحانه: {عَلَىٰ رَبّهِمْ} ويفوض من يقف على الله. وقيل: هناك مضاف محذوف أي على ملائكة ربهم وأنبياء ربهم وهم المراد بالأشهاد في قوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَـٰدُ} وتفسيرهم بالملائكة مطلقاً هو المروي عن مجاهد، وعن ابن جريج تفسيرهم بالحفظة من الملائكة عليهم السلام، وقيل: المراد بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، وقيل: جوارحهم، وعن مقاتل وقتادة هم جميع أهل الموقف، وهو جمع شاهد بمعنى حاضر كصاحب وأصحاب بناءاً على جواز جمع فاعل على أفعال، أو جمع شهيد بمعناه كشريف وأشراف أي ويقول الحاضرون عند العرض أو في موقف القيامة. {هَٰـؤُلآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ} ويحتمل أن يكون شهادة على تعيين من صدر منه الكذب كأن وقوعه / أمر واضح غني عن الشهادة، وإنما المحتاج إليها ذلك ولذا لم يقولوا: هؤلاء كذبوا بدون الموصول، ويحتمل أن يكون ذماً لهم بتلك الفعلة الشنيعة لا شهادة عليهم كما يشعر به قوله تعالى: {وَيَقُولُ} دون ويشهد، وتوطئة لما يعقبه من قوله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي بالافتراء المذكور، والظاهر أن هذا من كلام الأشهاد على الاحتمالين، ويؤيده ما أخرجه الشيخان وخلق كثير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى يدني المؤمن حتى يضع كنفه عليه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» تفسير : . وجوز على الاحتمال الأول أن يكون من كلام الله تعالى، وحينئذٍ يجوز أن يراد بالظالمين ما يعم الظالمين بالافتراء. والظالمين بغير ذلك، ويدخل فيه الأولون دخولاً أولياً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ميمون بن مهران قال: إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول: ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم. وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضاً، وأياً مّا كان ـ فهؤلاء الذين ـ مبتدأ وخبر، واحتمال أن يكون {هَٰـؤُلآءِ} مبتدأ، و {ٱلَّذِينَ} تابع له، وجملة {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} خبره، وقد أقيم الظاهر مقام المضمر أي عليهم لذمهم بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى علة الحكم كما ترى، وجملة ـ يقول الأشهاد ـ قيل: مستأنفة على أنها جواب سؤال مقدر كأن سائلاً سأل إذ سمع أنهم يعرضون على ربهم ماذا يكون إذ ذاك؟ فأجيب بما ذكر، وقيل ـ وهو الظاهر ـ إنها معطوفة على جملة {يُعْرَضُونَ} على معنى أولئك يعرضون ويقول الأشهاد في حقهم، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عرضهم {هَٰـؤُلاء} الخ، وكأن هذا لبيان أنها مرتبطة في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجملة المعطوفة هي عليها به، وقيل: كفى اسم الإشارة القائم مقام الضمير للتحقير رابطاً فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : لما انقضى الكلام من إبطال زعمهم أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ افترى القرآن ونسبه إلى الله، وتعجيزهم عن برهان لما زعموه، كَرّ عليهم أن قد وضح أنهم المفترون على الله عدة أكاذيب، منها نفيهم أن يكون القرآن منزّلاً من عنده. فعطفت جملة {ومن أظلم ممن افترى} على جملة {أية : ومن يكْفر به من الأحزاب فالنار موعده}تفسير : [هود: 17] لبيان استحقاقهم النار على كفرهم بالقرآن لأنهم كفروا به افتراء على الله إذ نسبوا القرآن إلى غير مَن أنزله، وزعموا أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم افتراه، فكانوا بالغين غاية الظلم حتى لقد يسأل عن وجود فريق أظلَمَ منهم سؤالَ إنكار يؤول إلى معنى النفي، أي لا أحد أظلم. وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى: {أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله}تفسير : في سورة [البقرة: 114]، وفي سورة [الأعراف: 37] في قوله: {أية : فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته}.تفسير : وافتراؤهم على الله هو ما وضعوه من دين الشرك، كقولهم: إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقولهم في كثير من أمور دينهم {أية : واللّهُ أمرَنا بها}تفسير : [الأعراف: 28]. وقال تعالى: {أية : ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حامٍ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب}تفسير : [المائدة: 103] أي إذ يقولون: أمرنا الله بذلك. وجملة {أولئك يعرضون على ربهم} استئناف. وتصديرها باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة من الخَبر بسبب ما قبل اسم الإشارة من الوصف، وهذا أشد الظلم كما تقدم في {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في سورة [البقرة: 5]. ولمَا يؤذن به اسم الإشارة من معنى تعليل ما قبله فيما بعده علم أن عرضهم على ربهم عَرض زجر وانتقام. والعرض إذا عدّي بحرف (على) أفاد معنى الإحضار بإراءة. واختيار وصف السبب للإيماء إلى القدرة عليهم. وعطف فعل (يقول) على فعل (يعرضون) الذي هو خبر، فهو عطف على جزء الجملة السابقة وهو هنا ابتداء عطف جملة على جملة فكلا الفعلين مقصود بالإخبار عَن اسم الإشارة. والمعنى أولئك يعرضون على الله للعقاب ويعلن الأشهاد بأنهم كذبوا على ربهم فضحاً لهم. والأشهاد: جمع شاهد بمعنى حاضر، أو جمع شهيد بمعنى المخبر بما عليهم من الحق. وهؤلاء الأشهادُ من الملائكة. واستحضارهم بطريق اسم الإشارة لتمييزهم للناس كلهم حتى يشتهر ما سيخبر به عن حالهم، والمقصود من ذلك شهرتهم بالسوء وافتضاحهم. والإتيانُ بالموصول في الخبر عنهم إيماء إلى سببية ذلك الوصف الذي في الصلة فيما يرد عليهم من الحكم وهو ألا لعنة الله على الظالمين}، على أن المقصود تشهيرهم دون الشهادة. والمقصود من إعلان هذ الصفة التشهير والخزي لا إثبات كذبهم لأن إثبات ذلك حاصل في صحف أعمالهم ولذلك لم يسند العرض إلى أعمالهم وأسند إلى ذواتهم في قوله: {أولئك يعرضون على ربهم}. وجملة {ألاَ لعنة الله على الظالِمين} من بقية قول الأشهاد. وافتتاحها بحرف التنبيه يناسب مقام التشهير، والخبر مستعمل في الدعاء خزياً وتحقيراً لهم، وممّا يؤيد أنه من قول الأشهاد وقوع نظيره في سورة [الأعراف: 44] مصرحاً فيه بذلك {أية : فأذّن مؤذنٌ بينهم أن لعنة الله على الظالمين}تفسير : الآية. وقوله: {أية : الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون}تفسير : تقدم نظيره في سورة [الأعراف: 45]. وضمير المؤنث في قوله: (يبغونها) عائد إلى سبيل الله لأنّ السبيل يجوز اعتباره مؤنثاً. والمعنى: أنهم يبغون أن تصير سبيل الله عَوجاء، فعلم أن سبيل الله مستقيمة وأنهم يحاولون أن يصيروها عَوجاء لأنهم يريدون أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم دينهم ويغضبون من مخالفته إياه. وهنا انتهى كلام الأشهاد لأن نظيره الذي في سورة [الأعراف: 44] في قوله: {أية : فأذّن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين}تفسير : الآية انتهى بما يماثل آخر هذه الآية. واختصت هذه الآية على نظيرها في الأعراف بزيادة (هم) في قوله: {هم كافرون} وهو توكيد يفيد تقوّي الحكم لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث وتقريرِه إشعاراً بما يترقبهم من العقاب المناسب فحكي به من كلام الأشهاد ما يناسب هذا، وما في سورة الأعراف حكاية لما قيل في شأن قوم أُدخلوا النار وظهر عقابهم فلا غَرض لحكاية ما فيه تأكيد من كلام الأشهاد، وكلا المقالتين واقع وإنما يحكي البليغ فيما يحكيه ما له مناسبة لمقام الحكاية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً: أي لا أحد فالاستفهام للنفي. يعرضون على ربهم: أي يوم القيامة. الأشهاد: جمع شاهد وهم هنا الملائكة. لعنة الله: أي طرده وإبعاده. على الظالمين: أي المشركين. سبيل الله: أي الإِسلام. عوجاً: أي معوجة. معجزين في الأرض: أي الله عز وجل أي فائتين بل هو قادر على أخذهم في أيّة الحظة. من أولياء: أي أنصار يمنعونهم من عذاب الله. وما كانوا يبصرون: ذلك لفرط كراهيتهم للحق فلا يستطيعون سماعه، ولا رؤيته. معنى الآيات: بعد أن قرر تعالى مصير المكذبين بالقرآن ومن نزل عليه وما نزل به من الشرائع ذكر نوعاً من إجرام المجرمين الذين استوجبوا به النار فقال عز وجل {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد في الناس أعظم ظلماً من أحد افترى على الله كذباً ما من أنواع الكذب وإن قل وقوله {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي أولئك الكذبة يعرضون يوم القيامة على ربهم جل جلاله في عرصات القيامة، ويقول الأشهاد من الملائكة شاهدين عليهم {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} ثم يُعْلِنُ مُعْلِنٌ قائلاً {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} أي ألا بعداً لهم من الجنة وطرداً لهم منها إلى نار جهنم. ثم وضح تعالى نوع جناياتهم التي استوجبوا بها النار فقال {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإِسلامي، {وَيَبْغُونَهَا} أي سبيل الله {عِوَجاً} أي معوجة كما يهوون ويشتهون فهم يريدون الإِسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا والزنى والسفور، ويريدون من الإِسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور والأشجار والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة. قال تعالى {أُولَـٰئِكَ} أي المذكورون {لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي لم يكن من شأنهم ومهما رأوا أنفسهم أقوياء أن يعجزوا الله تعالى في الأرض فإنه مدركهم مهما حاولوا الهرب ومنزل بهم عذابه متى أراد ذلك لهم، وليس لهم من دون الله من أولياء أي أنصار يمنعونهم من العذاب متى أنزله بهم، وقوله تعالى {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} إخبار منه بأن هؤلاء الظالمين يضاعف لهم العذاب يوم القيامة لأنهم صدوا غيرهم عن سبيل الله فيعذبون بصدهم أنفسهم عن الإِسلام، وبصد غيرهم عنه، وهذا هو العدل وقوله تعالى فيهم {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} إخبار بحالهم في الدنيا أنهم كانوا لشدة كراهيتهم للحق ولأهله من الداعين إليه لا يستطيعون سماعة ولا رؤيته ولا رؤية أهله القائمين عليه والداعين إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عظم ذنب من يكذب على الله تعالى بنسبة الولد أو الشريك إليه أو بالقول عليه بدون علم منه. 2- عظم جرم من يصد عن الإِسلام بلسانه أو بحاله، أو سلطانه. 3- عظم ذنب من يريد إخضاع الشريعة الإِسلامية لهواه وشهواته بالتأويلات الباطلة والفتاوى غير المسؤولة ممن باعوا آخرتهم بدنياهم. 4- بيان أن من كره قولاً أو شخصاً لا يستطيع رؤيته ولا سماعه.
القطان
تفسير : الأشهاد: جمع شاهد. الذين يصدون عن سبيل الله: الذين يصرفون الناس عن الدين. يبغونها عوجا: يريدونها ملتوية معوجة. لا جرم: حقا. واخبتوا: خشعوا واطمأنوا. بعد ان بين الله ان الناس فريقان: فريق يريد الدنيا وزينتها، وفريق مؤمن بربه وبرسالة رسوله الكريم، ذكر هنا بيان حال كُلٍّ من الفريقين وما يكون عليه في الآخرة. وهو يضرب للفريقين مثلا: الأعمى والأصم، والبصير والسميع. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}. أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله. ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب، فكيف إذا كان هذا الافتراءُ على الله!! {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ}. سَيُعْرَضُ هؤلاء المفترون يوم القيامة على ربهم ليحاسبَهم على أعمالهم السيئة، فيقول الاشهاد من الملائكة والانبياء والناس: هؤلاء هم الذين ارتكبوا جريمة الكذب على الله. بذلك يفضحونهم بهذه الشهادةِ المقرونة باللَّعنة، اي خروجِهم من رحمة الله. وفي الصحيحَين عن عبد الله بن عمر قال: حديث : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يُدني المؤمنَ حتى يضعَ كنَفَه عليه ويسترَهُ من الناس، ويقرِّره بذنوبه ويقول له: اتعرف ذنْبَ كذا؟ اتعرف ذنب كذا؟ فيقول: يا ربِّ أعرف، حتى إذا قرّره بذُنوبه ورأى في نفسه انه قد هلَك قال: فإنّي سترتُها عليك في الدُّنيا وأنا أغفر لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته . تفسير : { ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}. الذين يَصرِفون الناسَ عن سبيلِ الله، وهو دينُه القيم وصراطُه المستقيم؛ ويريدون ان تكونَ هذه السبيلُ معوجَّة لتوافقَ شهواتِهم واهواءَهم، وهو كافرون بالآخرِة والبعثِ والجزاء. {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ}. هؤلاءِ الّذين يصُدُّون عن سبيل الله لم تكنْ لهم قوةٌ تعجِز اللهَ عن أخذِهم بالعذاب في الدنيا، ولم يكن لهم أنصارٌ يمنعون عنهم العذابَ لو شاء ان يُعَجِّلَه لهم. انهم سيلقون ضعف العذاب في الآخرة. ثم بين علة هذه المضاعفة للعذاب بقوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}. لقد أعماهم وأصمَّهم انهماكهم في الكفر والضلال حتى كرهوا ان يسمعوا القرآن أو يبصروا آيات الله في الكون. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. هكذا اضاع اولئك الكافرون أنفسهم، ولم يربحوا بعبادة غير الله شيئاً، وغابَ عنهم في الآخرة ما كانوا يفترونه من الكذِب على الله في دنياهم. {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}. حقا إنهم أشدُّ الناس خسارةً في الآخرة، وبذلك يكونون قد أضاعوا أنفسَهم في الدنيا والآخرة. وبعد ان بين الله حال الكافرين واعمالهم ومآلهم، بين حال المؤمنين اصحاب العمل الصالح وعاقبة أمرهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ان الذين آمنوا بالله ورسُله، وعملوا الاعمالَ الصالحة، وخشعتْ قلوبُهم واطمأنّت الى ربها، سيكونون أهل الجنةِ خالدين فيها ابدا. {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ}. مثل الفريقين: الكافرين والمؤمنين: الكافرين كالأعمى الذي يسير على غيرِ هدى، والأصمِ الذي لا يسمع ام يُرشده إلى النجاة؛ والمؤمنين، كالمبصِر يرى طريقَ الخير، وقويِّ السمعِ الذي يسمع كل ما ينفعه. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}. هل يستوي هذانِ الفريقان في الحال والمآل؟ افلا تتفكرون ايها الناس فيما بين الباطل والحق من خلاف فتعتبروا به، وتسيروا على الصراط المستقيم!
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلأَشْهَادُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (18) - يُبَيِّنُ اللهُ حَالَ المُفْتَرِينَ عَلَيهِ، وَفَضِيحَتُهمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ مِنَ الخَلائِقِ، وَيَقُولُ تَعَالَى: لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ فِي أَقْوَالِهِ أَوْ فِي أَحْكَامِهِ، أَوْ فِي صِفَاتِهِ، أَوْ فِي الزَّعْمَ أَنَّهُ اتَّخَذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَداً، أَوْ فِي تَكْذِيبِ مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ ... وَيُعْرَضُ هؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَبِّهِمْ لِمُحَاسَبَتِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، وَيَقُولُ الذِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، مِنَ المَلاَئِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَصَالِحِي المُؤْمِنينَ: (هؤُلاءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، وَافْتَرَوْا، أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : إِنَّ اللهَ، عَزَّ وَجَلَّ، يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ عَنِ النَّاسِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ كَذَا، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أََنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: فِإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ وَفِيهِ حَسَنَاتُهُتفسير : . وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: (هؤُلاءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً، والإقرار سيد الأدلة. والواحد من هؤلاء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلماً أفدح ولا أسوأ من الذي يفتري على الله كذباً، ويقر بذلك. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي الإقرار اعترافاً بهذا الظلم الفظيع. وهؤلاء المكذبون يُعرَضون على الله مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ..} [هود: 18]. والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله. ومثال ذلك في حياتنا: هو الاستعراض العسكري حتى يبيِّن الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تُبلغ الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها. وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر. ومثال آخر من حياتنا: فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد واجبه بالتمام. فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم من الخزي؟ ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراءً؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ ..}تفسير : [النور: 39]. فأيُّ خزي - إذن - سيشعرون به؟! ويُظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيّا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقاً لقوله سبحانه: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً ..}تفسير : [الكهف: 48]. وكذلك يُعرضون على النار؛ لأن الحق سبحانه هو القائل: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ..}تفسير : [غافر: 46]. وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا على الله تعالى. وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلاً، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنساناً في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن؛ لأنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار. ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك شهادة الأشهاد؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية: {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ..} [هود: 18]. والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة "شاهد"، مثل "صاحب" و"أصحاب"، ومرة يكون المفرد "شهيد" مثل "شريف" و"أشراف". والأشهاد منهم الملائكة؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18]. وكذلك الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الإنفطار: 10-12]. أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج الله؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41]. وأيضاً الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيبلِّغها إلى غيره، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [البقرة: 143]. وكلمة "الشهادة" تعني: تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضاً أنهم بُلِّغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام. ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائماً عبارة "يُعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية". إذن: فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بُلِّغوا المنهج، وبُلِّغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار. ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه؛ لذلك فلا عقاب إلا بالتأكد من وقوع الجريمة، لذلك لا بد من شهادات متعددة، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم. وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بُلِّغوا منهج الإيمان، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل. يقول الحق سبحانه: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [فصلت: 19-21]. فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين. وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له؛ لذلك نجد السؤال هنا "لمَ"؛ لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم؛ لأن اليد هي التي امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق هي التي مشت إلى المعصية. والإنسان - كما نعلم - مركَّب من جوارح، وهذه الجوارح لها أجهزة تكوِّن الكل الإنساني، ومدير كل الجسم هو العقل، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم؛ والعين تأخذ أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام. إذن: الجوارح خادمة مطيعة مُسخَّرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر لأحد إلا الله. والحق سبحانه القائل: {أية : .. لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغماً عنا؛ لأننا كنا مُسخَّرين لكم في الدنيا، والآن انحلَّتْ إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله. وهكذا تعترف الأشهاد، مصداقاً لقول الحق سبحانه: {.. وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 18]. وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه هو الله، ولا بد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} [الآية: 18]. قال: الأَشهاد: الملائكة. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} [الآية: 23] يقول: اطمأَنوا. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} [الآية: 29] يعني [إن] جزائي إلا على الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه لا أحد { أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما { أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ } ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم بالعقاب الشديد { يَقُولُ الأشْهَادُ } أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم وكذبهم: { هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف. ثم وصف ظلمهم فقال: { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل الرسل، التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى النار. { وَيَبْغُونَهَا } أي: سبيل الله { عِوَجًا } أي: يجتهدون في ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ويقبحون الحق، قبحهم الله { وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }. { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ } أي: ليسوا فائتين الله، لأنهم تحت قبضته وفي سلطانه. { وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } فيدفعون عنهم المكروه، أو يحصلون لهم ما ينفعهم، بل تقطعت بهم الأسباب. { يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ } أي: يغلظ ويزداد، لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم. { مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ } أي: من بغضهم للحق ونفورهم عنه، ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا آيات الله سماعا ينتفعون به {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } تفسير : { وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } أي ينظرون نظر عبرة وتفكر فيما ينفعهم وإنما هم كالصم البكم الذين لا يعقلون. { أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حيث فوتوها أعظم الثواب واستحقوا أشد العذاب { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك. { لا جَرَمَ } أي حقا وصدقا { أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } حصر الخسار فيهم بل جعل لهم منه أشده لشدة حسرتهم وحرمانهم وما يعانون من المشقة والعذاب نستجير بالله من حالهم. ولما ذكر حال الأشقياء ذكر أوصاف السعداء وما لهم عند الله من الثواب فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):