Verse. 149 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

سَيَقُوْلُ السُّفَہَاۗءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلىہُمْ عَنْ قِبْلَتِہِمُ الَّتِىْ كَانُوْا عَلَيْہَا۝۰ۭ قُلْ لِّلہِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ۝۰ۭ يَہْدِيْ مَنْ يَّشَاۗءُ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيْمٍ۝۱۴۲
Sayaqoolu alssufahao mina alnnasi ma wallahum AAan qiblatihimu allatee kanoo AAalayha qul lillahi almashriqu waalmaghribu yahdee man yashao ila siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سيقول السفهاء» الجهال «من الناس» اليهود والمشركين «ما ولاّهم» أي شيء، صرف النبي والمؤمنين «عن قبلتهم التي كانوا عليها» على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب «قل لله المشرق والمغرب» أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه «يهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط» طريق «مستقيم» دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا.

142

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى طعناً في الإسلام فقالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القيد، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام، وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللا دوام فههنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام فإن كان الأمر يعتقد فيه أنه يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدل على أنه يبقى دائماً ثم إنه رفعه بعد ذلك، فههنا كان جاهلاً ثم بدا له ذلك، وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدل على أنه يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً فثبت أن النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل وهما محالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن يكون مبطلاً. فبهذا الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا: إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح وههنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثاً والعبث لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في الإسلام، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم. أما قوله: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ } ففيه قولان. الأول - وهو اختيار القفال -: أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً، كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد، فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى، فصح على هذا التأويل أن يقال: سيقول السفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. القول الثاني: إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد. أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا اخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. وثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولاً. وثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً، وأما السفه في أصل اللغة فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى: {أية : قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ ٱلسُّفَهَاء } تفسير : [البقرة: 13] وبالجملة فإن من لا يميز بين ما له وعليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، يوصف بالخفة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين وعلى المنافقين، وعلى جملتهم، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين. فأولها: قال ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا: ما حكى الله عنهم في هذه الآية. وثانيها: قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم، إنهم مشركو العرب، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجهاً إلى بيت المقدس حين كان بمكة، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا: أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به. وثالثها: أنهم المنافقون وهو قول السدي، وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَاء وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 13]. ورابعها: أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم دخل فيه الألف واللام، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي والنص أيضاً يدل عليه وهو قوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] فوجب أن يتناول الكل. قال القاضي: المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً قلنا: هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ألبتة. أما قوله تعالى: {مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } تفسير : [الأنفال: 16] وقوله: {مَا وَلَّـٰهُمْ } استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب. المسألة الثانية: في هذا التولي وجهان. الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: {مَا وَلَّـٰهُمْ } للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهراً وعن قتادة بعد ستة عشر شهراً وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً من مقدمه. قال الواقدي: صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً، وقال آخرون: بل سنتان. الوجه الثاني: قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجهاً نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكراً، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى راداً عليهم؛ {قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم. المسألة الثالثة: قال القفال: القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، وقال قطرب: يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة، أي ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الإستقبال، وقال غيره: إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر، وقال بعض المحدثين:شعر : جعلت مأواك لي قراراً وقبلة حيثما لجأت تفسير : أما قوله تعالى: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكاً وملكاً، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى، فإن قيل: ما الحكمة أولاً في تعيين القبلة؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة؟ قلنا: أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة، واحتجوا عليه بوجوه. أحدها: أن كل من فعل فعلاً لغرض، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده، وإما أن لا يكون كذلك، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان، فإن كان الأول، كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك على الله محال، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضاً ومقصوداً ومرجحاً فإن قيل: إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا: عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء، أو ليس الأمر كذلك، وحينئذ يعود التقسيم. وثانيها: أن كل من فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون قادراً على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة، أو لا يكون قادراً عليه. فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثاً، وإن كان الثاني كان عجزاً وهو على الله محال. وثالثها: أنه تعالى إن فعل فعلاً لغرض فذلك الغرض وإن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، وإن كان محدثاً توقف إحداثه على غرض آخر، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال. ورابعها: أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض. وخامسها: ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته، وذلك يبطل القول بالغرض، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد. وسادسها: أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل، إما أن يكون جائزاً أو واجباً، فإن كان جائزاً افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم، وإن كان واجباً فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكاً للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة، ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا، أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكماً وأغراضاً، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا، وتارة مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا، وإذا كان الأمر كذلك: استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام. المسألة الرابعة: في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل، واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تكون قطعية، بل غايتها أن تكون أموراً احتمالية أما تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيه حكماً. أحدها: أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجساد، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية، ولذلك فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير، وضع له صورة معينة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم، فإنه لا بد وأن يستقبله بوجهه، وأن لا يكون معرضاً عنه، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه، ويبالغ في الخدمة والتضرع له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك لا معرضاً عنه، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة. وثانيها: أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام، كان استقبال تلك الجهة أولى. وثالثها: أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين، وقد ذكر المنة بها عليهم، حيث قال: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ }تفسير : [آل عمران: 103] إلى قوله: {أية : إِخْوَانًا } تفسير : [آل عمران: 103] ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير. ورابعها: أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله: {بَيْتِىَ } وخص المؤمنين باضافتهم بصفة العبودية إليه، وكلتا / الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال: يا مؤمن أنت عبدي، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي. وخامسها: قال بعض المشايخ: إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه، وذلك قوله: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىّ } تفسير : [القصص: 44] الآية، والنصارى استقبلوا المغرب، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق، لقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } تفسير : [مريم: 16] والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله، ومولد حبيب الله، وهي موضع حرم الله، وكان بعضهم يقول: استقبلت النصارى مطلع الأنوار، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فمن نوره خلقت الأنوار جميعاً. وسادسها: قالوا: الكعبة سرة الأرض ووسطها، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم، وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق. وسابعها: أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود، فأنزل الله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاءِ } تفسير : [البقرة: 144] الآية، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا: فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق، وقال: {أية : فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } تفسير : [البقرة: 144] ولم يقل قبلة أرضاها، والإشارة فيه كأنه تعالى قال: يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] وفيه إشارة أيضاً إلى شرف الفقراء: {أية : فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 52] وقال في الإعراض عن القبلة: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 145] فكأنه تعالى قال: الكعبة قبلة وجهك، والفقراء قبلة رحمتي، فإعراضك عن قبلة وجهك، يوجب كونك ظالماً، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون. وثامنها: العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين، قال الله تعالى: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115] وثبت أن العرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: من طور سينا، وطور زيتا، والجودي، ولبنان، وحراء، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول: إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال فأتيت الكعبة حاجاً أو توجهت نحوها مصلياً كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب، والتحقيق هو الأول. المسألة الخامسة: في حكمة تحويل القبلة من جهة إلى جهة، قد ذكرنا شبهة القوم في إنكار هذا التحويل، وهي أن الجهات لما كانت متساوية في جميع الصفات كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد العبث، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم. والجواب عنه: أما على قول أهل السنة: إنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى بالحكم فالأمر ظاهر، وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان. الأول: أنه لا يمتنع اختلاف المصالح بحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه. أحدها: أنه إذا ترسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهات أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل وعظمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة. وثانيها: أنه لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في تعظيمه أشد. وثالثها: أن اليهود لما كانوا يعيرون المسلمين عند استقبال بيت المقدس بأنه لولا أنا أرشدناكم إلى القبلة لما كنتم تعرفون القبلة، فصار ذلك سبباً لتشويش الخواطر، وذلك مخل بالخضوع والخشوع، فهذا يناسب الصرف عن تلك القبلة. ورابعها: أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك أمر مطلوب لأنه متى رسخ في قلبهم تعظيمه، كان قبولهم لأوامره ونواهيه في الدين والشريعة أسرع وأسهل، والمفضي إلى المطلوب مطلوب، فكان تحويل القبلة مناسباً. وخامسها: أن الله تعالى بين ذلك في قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } تفسير : [البقرة: 143] فأمرهم الله تعالى حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود، أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود. أما قوله: {يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فالهداية قد تقدم القول فيها، قالت المعتزلة: إنما هي الدلالة الموصلة، والمعنى أنه تعالى يدل على ما هو للعبادة أصلح، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم إذا تمسكوا به إلى الجنة، قال أصحابنا: هذه الهداية إما أن يكون المراد منها الدعوة أو الدلالة أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان، لأنهما عامان لجميع المكلفين فوجب حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة: ما وَلاّهم. و «سيقول» بمعنى قال؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على ٱستدامة ذلك وأنهم يستمرّون على ذلك القول. وخصّ بقوله: «مِنَ ٱلناسِ» لأن السّفَه يكون في جمادات وحيوانات. والمراد من «السُّفهاء» جميع من قال «ما وَلاّهم». والسُّفهاء جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل؛ من قولهم: ثَوْبٌ سَفِيه إذا كان خفيف النَّسْج، وقد تقدّم. والنساء سفائه. وقال المؤرِّج: السَّفيه البهَّات الكذاب المتعمِّد خلاف ما يعلم. قُطْرُب: الظلوم الجهول. والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة؛ قاله مجاهد. السُّدِّي: المنافقون. الزّجاج: كفار قريش لمّا أنكروا تحويل القِبْلة قالوا: قد ٱشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم. وقالت اليهود: قد ٱلتبس عليه أمره وتحيّر. وقال المنافقون: ما ولاّهم عن قبلتهم! وٱستهزؤوا بالمسلمين. و «وَلاَهم» يعني عَدَلهم وصَرَفهم. الثانية: روى الأئمة واللفظ لمالك عن ٱبن عمر قال: بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمِر أن يستقبل الكعبة فٱستقبلوها؛ وكانت وجوههم إلى الشام فٱستداروا إلى الكعبة. وخرّج البُخَارِيّ عن البَرَاء: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى إلى بيت المَقْدِس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قِبْلته قِبَل البيت، وإنه صلّى أوّل صلاة صلاّها العصر وصلّى معه قوم؛ فخرج رجل ممن كان صلّى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله، لقد صلّيت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة؛ فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القِبْلة قَبل أن تُحوّل قِبَل البيت رجال قُتلوا لم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله عز وجل: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة: 143]؛ ففي هذه الرواية صلاة العصر، وفي رواية مالك صلاة الصبح. وقيل: نزل ذلك على النبيّ صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سَلِمَة وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحوّل في الصلاة؛ فسُمِّيَ ذلك المسجد مسجد القِبلَتَين. وذكر أبو الفرج أن عبّاد بن نَهِيك كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة. وذكر أبو عمر في التمهيد عن نُوَيْلة بنت أسلم وكانت من المُبَايِعات؛ قالت: كنا في صلاة الظهر فأقبل عَبّاد بن بشر بن قَيْظِيّ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ٱستقبل القِبلة ـ أو قال: البيت الحرام ـ فتحوّل الرجال مكان النساء، وتحوّل النساء مكان الرجال. وقيل: إن الآية نزلت في غير صلاة؛ وهو الأكثر. وكان أوّل صلاة إلى الكعبة العصر؛ والله أعلم. وروي: أنّ أوّل مَن صلّى إلى الكعبة حين صُرفت القِبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المُعَلَّى؛ وذلك أنه كان مجتازاً على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 144] حتى فرغ من الآية؛ فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أوّلَ من صلّى فتوارَيْنا نَعماً فصلّيناهما؛ ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بالناس الظهر يومئذ. قال أبو عمر: ليس لأبي سعيد بن المُعَلَّى غير هذا الحديث، وحديث: «كنت أصَلي» في فضل الفاتحة، خرّجه البخاري، وقد تقدّم. الثالثة: وٱختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة؛ فقيل: حُوّلت بعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً؛ كما في البخاري. وخرّجه الدّارقُطْنِيّ عن البَرَاء أيضاً، قال: صلّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المَقْدِس، ثم علم الله هوَى نبيّه فنزلت: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} الآية. ففي هذه الرواية ستة عشر شهراً من غير شك. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن تحويلها كان قبل غَزْوة بَدْرٍ بشهرين. قال إبراهيم بن إسحٰق: وذلك في رجب من سنة ٱثنتين. وقال أبو حاتم البُسْتِيّ: صلّى المسلمون إلى بيت المَقْدس سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام سواء؛ وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، وأمره الله عز وجل بٱستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. الرابعة: وٱختلف العلماء أيضاً في كيفية ٱستقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال؛ فقال الحسن: كان ذلك منه عن رأي وٱجتهاد، وقاله عِكرمة وأبو العالِيَة. الثاني: أنه كان مخيَّراً بينه وبين الكعبة، فٱختار القُدْس طمعاً في إيمان اليهود وٱستمالتهم؛ قاله الطبري. وقال الزجاج: ٱمتحاناً للمشركين لأنهم أَلِفُوا الكعبة. الثالث ـ وهو الذي عليه الجمهور: ٱبن عباس وغيره، وجب عليه ٱستقباله بأمر الله تعالى وَوحْيِه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة؛ وٱستدلّوا بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} تفسير : [البقرة:143] الآية. الخامسة: وٱختلفوا أيضاً حين فرضت عليه الصلاة أوّلاً بمكة؛ هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين؛ فقالت طائفة: إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهراً، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة؛ قاله ٱبن عباس. وقال آخرون: أوّل ما ٱفتُرِضت الصلاة عليه إلى الكعبة، ولم يزل يصلي إليها طولَ مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل؛ فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى الكعبة. قال أبو عمر: وهذا أصح القولين عندي. قال غيره: وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه (إلى) قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم؛ فلما تبيّن عنادهم وأيِس منهم أحبّ أن يحوّل إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء؛ وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قِبلة إبراهيم؛ عن ٱبن عباس. وقيل: لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام، وقيل: مخالفة لليهود؛ عن مجاهد. وروي عن أبي العالية الرّياحي أنه قال: كانت مسجد صالح عليه السلام وقِبْلته إلى الكعبة؛ قال: وكان موسى عليه السلام يصلّي إلى الصخرة نحو الكعبة، وهي قِبْلة الأنبياء كلّهم؛ صلوات الله عليهم أجمعين. السادسة: في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخاً ومنسوخاً، وأجمعت عليه الأمة إلاّ من شَذّ، كما تقدم. وأجمع العلماء على أن القبلة أوّل مانُسخ من القرآن، وأنها نُسخت مرتين، على أحد القولين المذكورين في المسألة قبلُ. السابعة: ودلّت أيضاً على جواز نسخ السُّنة بالقرآن؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس؛ وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحُكم إلا من جهة السُّنة ثم نسخ ذلك بالقرآن؛ وعلى هذا يكون: {كُنتَ عَلَيْهَآ} بمعنى أنت عليها. الثامنة: وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد؛ وذلك أن ٱستقبال بيت المقدس كان مقطوعاً به من الشريعة عندهم، ثم أن أهل قُبَاء لما أتاهم الآتي وأخبرهم أن القبلة قد حُوّلت إلى المسجد الحرام قَبلو قوله وٱستداروا نحو الكعبة؛ فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون. وقد ٱختلفت العلماء في جوازه عقلاً ووقوعه؛ فقال أبو حاتم: والمختار جواز ذلك عقلاً لو تعبّد الشرع به، ووقوعاً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصّة قُبَاء، وبدليل أنه كان عليه السلام يُنفذ آحاد الوُلاة إلى الأطراف وكانوا يبلغّون الناسخ والمنسوخ جميعاً. ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يُرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السَّلف والخَلَف. ٱحتج من منع ذلك بأنه يُفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون. وأما قصّة أهل قباء وولاة النبيّ صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إمّا نقلاً وتحقيقاً، وإمّا ٱحتمالاً وتقديراً. وتتميم هذا سؤالاً وجواباً في أصول الفقه. التاسعة: وفيها دليل على أنّ من لم يبلغه الناسخ إنه متعبّد بالحكم الأوّل؛ خلافاً لمن قال: إن الحكم الأوّل يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به، والأوّل أصح؛ لأن أهل قُبَاء لم يزالوا يصلّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة. فالناسخ إذاً حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به؛ لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطاباً في حق من لم يبلغه. وفائدة هذا الخلاف في عبادات فُعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا؛ وعليه تنبني مسألة الوكيل في تصرّفه بعد عَزْل مُوَكِّله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين. وكذلك المُقارَض، والحاكم إذا مات من وَلاَّه أو عُزل. والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء يَنفذ فعله ولا يردّ حكمه. قال القاضي عِياض: ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حُرٍّ فيما بينه وبين الناس، وأمّا بينه وبين الله تعالى فجائزة. ولم يختلفوا في المُعْتَقة أنها لا تعيد ما صلّت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما ٱختلفوا فيمن يطرأ عليه مُوجِب يغيّر حكم عبادته وهو فيها، قياساً على مسألة قباء؛ فمن صلّى على حال ثم تغيّرت به حاله تلك قبل أن يتمّ صلاته إنه يُتمّها ولا يقطعها ويُجزيه ما مضى. وكذلك كمن صلّى عُرياناً ثم وجد ثوباً في الصلاة، أو ٱبتدأ صلاته صحيحاً فمرِض، أو مريضاً فَصحّ، أو قاعداً ثم قَدَر على القيام، أو أَمَة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتَبْني. قلت: وكمن دخل في الصلاة بالتيّمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي ـ رحمهما الله ـ وغيرهما. وقيل: يقطع؛ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وسيأتي. العاشرة: وفيها دليل على قبول خبر الواحد، وهو مُجْمَع عليه من السّلف معلوم بالتواتر من عادة النبيّ صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاَته ورسله آحاداً للآفاق؛ ليعلّموا الناس دينهم فيبلّغوهم سُنّة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي. الحادية عشرة: وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء وفي حال بعد حال، على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه؛ كما قال: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. قوله تعالى: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أقامه حجة؛ أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما؛ فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، وقد تقدّم. قوله تعالى: {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قِبْلة إبراهيم؛ والله تعالى أعلم. والصراط: الطريق. والمستقيم: الذي لا ٱعوجاج فيه؛ وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء مِنَ ٱلنَّاسِ} الذين خفت أحلامهم، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر. يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين. وفائدة تقديم الإِخبار به توطين النفس وإعداد الجواب وإظهار المعجزة. {مَا وَلَّـٰهُمْ} ما صرفهم. {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان {يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو ما ترتضيه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى.

ابن كثير

تفسير : قيل: المراد بالسفهاء ههنا مشركو العرب، قاله الزجاج، وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد، وقيل: المنافقون، قاله السدي، والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم. قال البخاري: أخبرنا أبو نعيم، سمع زهيراً عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالاً قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} انفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر، وقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144] فقال رجل من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 144] قال: فوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: {مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا} فأنزل الله: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة، تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء، هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده عليه السلام، والمقصود: أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهراً، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام، فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر، وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلى إلى الكعبة، وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم: أن تحويل القبلة نزل على رسول الله وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم: أنهم جاءهم الخبر بذلك، وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري، وأما أهل قباء، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم. ولما وقع هذا، حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب، وزيغ عن الهدى، وتخبيط وشك، وقالوا: {مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا} أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115] و {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ} أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده، وفي تصرفه، وخدامه، حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا قال: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. وقد روى الإمام أحمد عن علي بن عاصم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو ابن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: في أهل الكتاب: «حديث : إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين».تفسير : وقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم؛ لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط ههنا: الخيار، والأجود؛ كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطاً في قومه، أي: أشرفهم نسباً، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها. ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً، خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [الحج: 78] وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: والوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم»تفسير : رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلاً {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}»تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: «عدلاً». وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس، حدثني مكاتب لنا عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ود أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل»تفسير : ، وروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضاً، واللفظ له، من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن كعب القرظي عن جابر بن عبد الله قال: شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني مسلمة، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفاً مسلماً وكان... وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنت بما تقول»تفسير : فقال الرجل: الله يعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وجبت»تفسير : ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: يا رسول الله بئس المرء كان، إن كان لفظاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم: «حديث : أنت بالذي تقول»تفسير : فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وجبت»تفسير : قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ثم قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن أبي الفرات عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود أنه قال: أتيت المدينة، فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيراً، فقال: وجبت وجبت، ثم مر بأخرى، فأثني عليها شراً، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة»تفسير : قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: «حديث : وثلاثة»تفسير : قال: فقلنا: واثنان؟ قال: «حديث : واثنان»تفسير : . ثم لم نسأله عن الواحد. وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد حدثنا نافع بن عمر حدثني أمية بن صفوان عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة يقول: «حديث : يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم»تفسير : قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «حديث : بالثناء الحسن، والثناء السيىء، أنتم شهداء الله في الأرض»تفسير : ، ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمر وشريح عن نافع عن ابن عمر، به. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولاً إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة؛ ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبه، أي: مرتداً عن دينه، وإن كانت لكبيرة، أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً؛ كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ}تفسير : [التوبة: 124 ـ 125]، وقال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت:44] وقال تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} تفسير : [الإسراء: 82] ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب، من سادات الصحابة، وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة. وقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر، ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعاً، فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع، وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مثله، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل، رضي الله عنهم أجمعين. وقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه، وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعاً {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقال الحسن البصري: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} أي: ما كان الله ليضيع محمداً صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف، {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبياً من السبي أخذته فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فما وجدته ضمته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على أن لا تطرحه»تفسير : ؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: «حديث : فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها».

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ } الجهال {مِنَ ٱلنَّاسِ } اليهود والمشركين {مَا وَلَّٰهُمْ } أي شيء صرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس؟ والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه {يَهْدِى مَن يَشَآء } هدايته {إِلَىٰ صِرٰطِ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} السُّفَهَاءُ: واحده سَفِيه، والسَّفِيهُ: الخفيف الحلم، من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، ورمح سفيه إذا أسرع نفوذه. وفي والمراد بالسفهاء هَا هُنَا ثلاثة أقاويل: أحدها: اليهود، وهو قول مجاهد. والثاني: المنافقون، وهو قول السدي. والثالث: كفار قريش وحكاه الزجاج. {مَا ولاَّهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهي بيت المقدس، حيث كان يستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، بعد هجرته إلى المدينة بستة عشر شهراً في رواية البراء بن عازب، وفي رواية معاذ بن جبل: ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية أنس بن مالك تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ثم نُسِخَتْ قبلةُ بيت المقدس باستقبال الكعبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في صلاة الظهر وقد صلى منها ركعتين نحو بيت المقدس، فانصرف بوجهه إلى الكعبة، هذا قول أنس بن مالك، وقال البراء بن عازب: كنا في صلاة العصر بقباء، فمر رجل على أهل المسجد وهم ركوع في الثانية، فقال: أشهد لقد صَلَّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وقِبَلُ كل شيءٍ: ما قَابَل وَجْهَه. واختلف أهل العلم في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، هل كان برأيه واجتهاده، أو كان عن أمر الله تعالى لقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التَّي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُوُلَ}، وهذا قول ابن عباس وابن جريج. والقول الثاني: أنه كان يستقبلها برأيه واجتهاده، وهذا قول الحسن، وعكرمة، وأبي العالية، والربيع. واختلفوا في سبب اختياره بيت المقدس على قولين: أحدهما: أنه اختار بيت المقدس ليتألَّف أهل الكتاب، وهذا قول أبي جعفر الطبري. والثاني: لأن العرب كانت تحج البيت غير آلفة لبيت المقدس، فأحب الله أن يمتحنهم بغير ما ألفوه، ليعلم من يتبع ممن ينقلب على عَقِبَيْهِ، وهذا قول أبي إسحاق الزجاج، فلما استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، قال ابن عباس: أتى رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف والربيع وكنانة بن أبي الحُقَيْقِ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ولاّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملةِ إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها، نتبعك ونصدقك. وإنما يريدون فتنته عن دينه، فأنزل الله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيها؟ قُل: لِلَّهِ الْمَشْرِقْ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيمٍ} يعني حيثما أمر الله تعالى باستقباله من مشرق أو مغرب والصراط: الطريق: والمستقيم: المستوي. قوله تعالى: {وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}. فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني خياراً، من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه، ومنه قول زهير: شعر : هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الإلهُ بِحُكْمِهِمْ إذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيالي بِمُعَظَّمِ تفسير : والثاني: أن الوسط من التوسط في الأمور، لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتَّلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط، لأن أحب الأمور إليه أوسطها. والثالث: يريد بالوسط: عدلاً، لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان، وقد روى أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً} أي عَدْلاً. {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: لتشهدوا على أهل الكتاب، بتبليغ الرسول إليهم رسالة ربهم. والثاني: لتشهدوا على الأمم السالفة، بتبليغ أنبيائهم إليهم رسالة ربهم، وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الأمم السالفة تقول لهم: كيف تشهدون علينا ولم تشاهدونا، فيقولون أعْلَمَنَا نبيُّ الله بما أُنْزِلَ عليه من كتاب الله. والثالث: أن معنى قوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أي لتكونوا مُحْتَجِّينَ على الأمم كلها، فعبر عن الاحتجاج بالشهادة، وهذا قول حكاه الزجاج. {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يكون الرسول شهيداً على أمته أنْ قد بلّغ إليهم رسالة ربه. والثاني: أنّ معنى ذلك أنْ يكون شهيداً لهم بإيمانهم، وتكون (عليهم) بمعنى (لهم). والثالث: أن معنى قوله: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيداً} أي مُحْتَجّاً. {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} أي بيت المقدس، {إلاّ لِنَعَلَمَ مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} فإن قيل: الله أعلم بالأشياء قبل كونها، فكيف جعل تحويل القِبْلة طريقاً إلى علمه؟ قيل: في قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} أربعة تأويلات: أحدها: يعني إلا ليعلم رسولي، وحزبي، وأوليائي؛ لأن من شأن العرب إضافة ما فعله أتْباعُ الرئيس إليه، كما قالوا: فتح عمرُ بنُ الخطاب سوادَ العراق وجبي خَرَاجَهَا. والثاني: أن قوله تعالى: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى: إلا لنرى، والعرب قد تضع العلمَ مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كما قال تعالى {أية : ألَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحَابِ الْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] يعني: ألم تعلم. والثالث: قوله تعالى: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى إلا لتعلموا أننا نعلم، فإنّ المنافقين كانوا في شك من علم الله بالأشياء قبل كونها. والرابع: أن قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} بمعنى إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك، وهذا قول ابن عباس. قوله تعالى: {مَن يَتَّبعُ الرَّسُولَ} بمعنى فيما أمر به من استقبال الكعبة {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} بمعنى: ممن يَرْتَدُّ عن دينه، لأن المرتد راجع مُنْقَلِب عما كان عليه، فشبهه بالمُنْقلِب على عقبه، لأن القبلة لمَّا حُوِّلَتْ ارْتَدَّ من المسلمين قَوْمٌ، ونافق قوم، وقالت اليهود: إن محمداً قد اشتاق إلى بلد أبيه، وقالت قريش: إن محمداً قد علم أننا على هدى وسَيُتَابِعُنَا. ثم قال تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ، وهذا هو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل، وهذا قول أبي العالية الرياحي. والثالث: أن الكبيرة هي الصلاة، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُم} يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل، وسبب ذلك أن المسلمين لما حُوِّلُوا عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف من مات من إخواننا؟ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمَانَكُم}. فإن قيل: هم سألوه عن صلاةِ غيرهم، فأجابهم بحال صلاتهم؟ قيل: لأن القوم أشفقوا، أن تكون صلاتهم إلى بيت المقدس مُحْبَطةً لمنْ مات ومن بقي، فأجابهم بما دَلَّ على الأمرين، على أنه قد روى قوم أنهم قالوا: كيف تضيع صلاتنا إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى ذلك. {إنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الرأفة: أشد من الرحمة، وقال أبو عمر عمرو بن العلاء: الرأفة أكثر من الرحمة.

ابن عطية

تفسير : أعلم الله تعالى في هذه الآية أنهم سيقولون في شأن تحول المؤمنين من الشام إلى الكعبة: {ما ولاهم}؟ و {السفهاء} هم الخفاف الأحلام والعقول، والسفه الخفة والهلهلة، ثوب سفيه أي غير متقن النسج، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعالَيَها مرُّ الرياحِ النواسمِ تفسير : أي استخفتها، وخص بقوله {من الناس}، لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات، والمراد بــ {السفهاء} هنا جميع من قال {ما ولاهم}، وقالها فِرَقٌ. واختلف في تعيينهم، فقال ابن عباس: "قالها الأحبار منهم"، وذلك أنهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتنا؟ ارجع إليها ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقال السدي: قالها بعض اليهود والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا: اشتاق الرجل إلى وطنه،وقالت طائفة: قالها كفار قريش، لأنهم قالوا: ما ولاه عن قبلته؟ ما رجع إلينا إلا لعلمه أنَّا على الحق وسيرجع إلى ديننا كله، و {ولاهم} معناه صرفهم، والقبلة فعلة هيئة المقابل للشيء، فهي كالقعدة والإزرة، وجعل المستقبل موضع الماضي في قوله {سيقول} دلالة على استدامة ذلك، وأنهم يستمرون على ذلك القول، ونص ابن عباس وغيره أن الآية نزلت بعد قولهم. وقوله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب} إقامة حجة، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، ويهدي من يشاء، إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والصراط: الطريق. واختلف العلماء هل كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس بأمر من الله تعالى في القرآن أو بوحي غير متلو؟، فذكر ابن فورك عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن القبلة، وقال الجمهور: بل كان أمر قبلة بيت المقدس بوحي غير متلو، وقال الربيع: خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في النواحي فاختار بيت المقدس، ليستألف بها أهل الكتاب، ومن قال كان بوحي غير متلو قال: كان ذلك ليختبر الله تعالى من آمن من العرب، لأنهم كانوا يألفون الكعبة وينافرون بيت المقدس وغيره. واختلف كم صلى إلى بيت المقدس، ففي البخاري: ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وروي عن أنس بن مالك: تسعة أو عشرة أشهر، وروي عن غيره: ثلاثة عشرة شهراً، وحكى مكي عن إبراهيم بن إسحاق أنه قال: أول أمر الصلاة أنها فرضت بمكة ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، ثم كان الإسراء ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، ففرضت الخمس، وأمَّ فيها جبريل عليه السلام، وكانت أول صلاة الظهر، وتوجه بالنبي صلى الله عليهما وسلم إلى بيت المقدس، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول، وتمادى إلى بيت المقدس إلى رجب من سنة اثنتين، وقيل إلى جمادى، وقيل إلى نصف شعبان. وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}، الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله {يهدي من يشاء}، أي كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته كذلك جعلناكم أمة وسطاً، و {أمة} مفعول ثان، و {وسطاً} نعت، والأمة القرون من الناس، و {وسطاً} معناه عدولاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عبارة المفسرين، والوسط الخيار والأعلى من الشيء، كما تقول وسط القوم، وواسطة القلادة أنفس حجر فيها، والأمير وسط الجيش، وكقوله تعالى {أية : قال أوسطهم} تفسير : [القلم: 28]، والوسط بإسكان السين ظرف مبني على الفتح، وقد جاء متمكناً في بعض الروايات في بيت الفرزدق: شعر : فجاءت بملجوم كأن جبينه صلاءة ورس وسطُها قد تفلقا تفسير : برفع الطاء والضمير عائد على الصلاءة، وروي بفتح الطاء والضمير عائد على الجاثية، فإذا قلت حفرت وسْطَ الدار أو وَسَطَ الدار فالمعنى مختلف. قال بعض العلماء: أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا افترت كالنصارى، فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الأمور أوساطها" أي خيارها، وقد يكون العلو والخير في الشيء لما بأنه أنفس جنسه، وأما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة و {شهداء} جمع شاهد في هذا الموضع. واختلف المفسرون في المراد بـ {الناس} في هذا الموضع، فقالت فرقة: هم جميع الجنس، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ، وذلك أن نوحاً تناكره أمته في التبليغ، فتقول له أمة محمد نحن نشهد لك، فيشهدون، فيقول الله لهم: كيف شهدتم على ما لم تحضروا؟، فيقولون: أي ربنا جاءنا رسولك ونزل إلينا كتابك فنحن نشهد بما عهدت إلينا وأعلمتنا به، فيقول الله تعالى: صدقتم، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه، وقال مجاهد: معنى الآية تشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ الناس في مدته من اليهود والنصارى والمجوس. وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مرت به جنازة فأثني عليها بالخير، فقال: وجبت، ثم مر بأخرى، فأثني عليها بشرّ، فقال: وجبت، ويعني الجنة والنار، فسئل عن ذلك، فقال: "أنتم شهداء الله في الأرض"، وروي في بعض الطرق أنه قرأ {لتكونوا شهداء على الناس}. {ويكون الرسول عليكم شهيداً} قيل: معناه بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل: أي يشهد عليكم بالتبليغ إليكم. وقوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} الآية، قال قتادة والسدي وعطاء وغيرهم: القبلة هنا بيت المقدس: والمعنى لم نجعلها حين أمرناك بها أولاً إلا فتنة لنعلم من يتبعك من العرب الذين إنما يألفون مسجد مكة، أو من اليهود على ما قال الضحاك من أن الأحبار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء، فإن صليت إليه اتبعناك، فأمره الله بالصلاة إليه امتحاناً لهم فلم يؤمنوا، وقال بعض من ذكر: القبلة بيت المقدس، والمعنى: وما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها وتحويلها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال ابن عباس: القبلة في الآية الكعبة، وكنت بمعنى أنت كقوله تعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : [آل عمران: 110] بمعنى أنتم، أي وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة، وروي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة أكثر في ذلك اليهود والمنافقون وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلت الآية، وقال ابن جريج: بلغني أن ناساً ممن كان أسلم رجعوا عن الإسلام، ومعنى قوله تعالى: {لنعلم} أي ليعلم رسولي والمؤمنون به، وجاء الإسناد بنون العظمة إذ هم حزبه وخالصته، وهذا شائع في كلام العرب كما تقول: فتح عمر العراق وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك جنده وأتباعه، فهذا وجه التجوز إذا ورد علم الله تعالى بلفظ استقبال لأنه قديم لم يزل، ووجه آخر: وهو أن الله تعالى قد علم في الأزل من يتبع الرسول واستمر العلم حتى وقع حدوثهم واستمر في حين الاتباع والانقلاب ويستمر بعد ذلك، والله تعالى متصف في كل ذلك بأنه يعلم، فأراد بقوله {لنعلم} ذكر علمه وقت مواقعتهم الطاعة والمعصية، إذ بذلك الوقت يتعلق الثواب والعقاب، فليس معنى {لنعلم} لنبتدىء العلم وإنما المعنى لنعلم ذلك موجوداً، وحكى ابن فورك أن معنى {لنعلم} لنثيب، فالمعنى لنعلمهم في حال استحقوا فيها الثواب، وعلق العلم بأفعالهم لتقوى الحجة ويقع التثبت فيما علمه لا مدافعة لهم فيه، وحكى ابن فورك أيضاً أن معنى {لنعلم} لنميز، وذكره الطبري عن ابن عباس، وحكى الطبري أيضاً أن معنى {لنعلم} لنرى. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله متقارب، والقاعدة نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن، وقرأ الزهري {ليعلم} على ما لم يسم فاعله. و {ينقلب على عقبيه} عبارة عن المرتد الراجع عما كان فيه من إيمان أو شغل أو غير ذلك والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع في مشيه عن وجهته، فلذلك شبه المرتد في الدين به، وظاهر التشبيه أن بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه فإنه عند انقلابه إنما ينقلب على عقبيه. وقوله تعالى: {وإن كانت لكبيرة} الآية، الضمير في {كانت} راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس أو إلى التحويلة إلى الكعبة حسب ما ذكرناه من الاختلاف في القبلة، وقال ابن زيد: "هو راجع إلى الصلاة التي صليت إلى بيت المقدس"، وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية، و {كبيرة} هنا معناه شاقة صعبة تكبر في الصدور، و {إن} هي المخففة من الثقيلة، ولذلك لزمتها اللام لتزيل اللبس الذي بينها وبين النافية، وإذا ظهر التثقيل في {إن} فلربما لزمت اللام وربما لم تلزم، وقال الفراء: {إن} بمعنى ما واللام بمنزلة إلا. ولما حولت القبلة كان من قول اليهود: يا محمد إن كانت الأولى حقاً فأنت الآن على باطل، وإن كانت هذه حقاً فكنت في الأول على ضلال. فوجست نفوس بعض المؤمنين وأشفقوا على من مات قبل التحويل على صلاتهم السالفة: فنزلت {وما كان الله ليضيع إيمانكم}، وخاطب الحاضرين والمراد من حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب: ألم نقتلكم في موطن كذا؟، ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره، وقرأ الضحاك {ليضَيّع} بفتح الضاد وشد الياء، وقال ابن عباس والبراء بن عازب وقتادة والسدي والربيع وغيرهم: الإيمان هنا الصلاة. وسمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضاً فسميت إيماناً إذ هي من شعب الإيمان، والرأفة أعلى منازل الرحمة، وقرأ قوم {لرَؤُف} على وزن فَعُل، ومنه قول الوليد بن عقبة: [الطالبان]: [الوافر] شعر : وشرُّ الطالِبَيْنِ فلا تكنْهُ بقاتِلِ عمِّهِ الرَّؤُفِ الرحيمِ تفسير : تقول العرب: رؤف ورؤوف ورئف كحذر ورأف وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع {لرووف} بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ساكنة كانت أو متحركة.

ابن عبد السلام

تفسير : {السُّفَهَآءُ} اليهود، أو المنافقون، أو كفار قريش. {وَلا هُمْ} صرفهم، والقبلة التي كانوا عليها بيت المقدس "صلى إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً" أو ثلاثة عشر، أو تسعة أشهر، أو عشرة " ثم نسخت بالكعبة والرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة قد صلى من الظهر ركعتين فانصرف بوجهه إلى الكعبة". وقال البراء: "كان في صلاة العصر بقباء، فمر رجل على أهل المسجد فقال: أشهد لقد صليت مع الرسول صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة فداروا كما هم قِبَل البيت" وقبلة كل شيء ما قابل وجهه، واستقبل بيت المقدس بأمر الله ـ تعالى ـ ووحيه لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ}، أو استقبله برأيه واجتهاده تأليفاً لأهل الكتاب، أو أراد [ الله تعالى] أن يمتحن العرب بصرفهم عن البيت الذي ألفوه للحج ـ إلى بيت المقدس. {لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ} فحيثما أمر باستقباله فهو له.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ...}. جعله الزمخشري مستقبلا حقيقة، قال: وفائدة الإخبار به قبل وقوعه لأن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع. قال ابن عطية: عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنه مِنْ وضع المستقبل موضع الماضي (لدلالته على دوام) ذلك واستمرارهم عليه. قال ابن عطية: وإنّما قال {مِنَ النَّاسِ} لأن السّفيه يكون من الجمادات والحيوانات، (يقال): ثوب سفيه أي خفيف النسج. ورده ابن عرفة بأنّ القول المسند إليه في الآية يخصصه بالحيوان. قال: وإنما عادتهم يجيبون بأمرين: أحدهما أنه لو لم يذكر لاحتمل كون هذا القول من الجن وكان يكون (ضمير) الغيبة في قوله: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبلَتِهِمْ} مرجحا لهذا الاحتمال. ويقال: لو كان من (الإنس) لقيل ما ولاهم عن قبلتكم لحضورهم معهم، فقيل: {مِنَ النّاسِ} لِيخرج الجن قال الله تعالى: {أية : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ} تفسير : الثاني أنه (إشارة) إلى أنّ هذا القول صدر من رؤسائهم وأشرافهم ومن المنافقين الذين آمنوا ظاهرا، أو من علماء اليهود ولم يصدر من العوام والجهال بوجه وذلك على سبيل (النفي) عليهم والتبكيت لهم فكفر أي جهل ليس ككفر غيره. قوله تعالى: {مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمْ...} عبر بلفظ الغيبة إشارة إلى أنّهم قالوا ذلك فيما بينهم ولم يباشروا به المؤمنين بوجه، وهذا مرجح لأن تكون المقالة من المنافقين. قال العلامة ابن العربي في القبس: إن هذا مما نسخ ثلاث مرات وليس في القرآن ما نسخ ثلاث مرات غيره. قال ابن عرفة: يريد أنه كان يصلي لبيت المقدس ثم نسخ بالصلاة للكعبة، ثم نسخ فصلى لبيت المقدس ثم نسخ فصلى للكعبة وقيل: كان يصلي لمكّة ثم صلى لبيت المقدس ثم صلى لمكة فيجيء التحويل ثلاث مرات والنسخ مرتين. قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ...} أي ليس استقبالهما لذاتهما فيسأل عن سبب التخلف عنه وإنما ذلك حكم شرعي لا اختيار له فيه بوجه، وفيه دليل على أن الحكم الشرعي إذا لم تظهر لنا علته فالأصلُ فيه التعبد.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {من يشاء إلى} بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. الباقون {يشاء ولى} بقلب الثانية واواً. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة {يشاو إلى} بقلب الأولى واواً {لرؤف} مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي. وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع. الباقون: {لرؤف} على وزن "الرعف" {.. يعملون ولئن} بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء {مولاها} بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام {يعملون ومن حيث} بياء المغايبة: أبو عمرو. الباقون: بالتاء {ليلاً} مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً. الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار. {فاذكروني} بفتح الياء: ابن كثير. الوقوف: {عليها} ط {المغرب} ط {مستقيم} ه {شهيداً} ط {عقبيه} ط {هدى الله} ط {ايمانكم} ط {رحيم} ه {في السماء} ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر {ترضيها} ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود {الحرام} ط {شطره} ط {من ربهم} ط {تعملون} ه {قبلتك} ج {قبلتهم} ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود {قبلة بعض} ط {من العلم} لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان {من الظالمين} مطلقاً وفي الاطلاق حظر {الظالمين} ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه {أبناءهم} ط {يعملون} ه {الممترين} ه {الخيرات} ط {جميعاً} ط {قدير} ه {الحرام} (ط) {من ربك} ط {تعملون} ه {الحرام} ط لأن "حيث" متضمن الشرط {شطره} لا لتعلق لام في {حجة} ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة {تهتدون} إذا علق {كما أرسلنا} بما قبله ووقف على {تعلمون} وإن علق بما بعده وقف على {تهتدون} دون {تعلمون} {تعلمون} ه {ولا تكفرون} ه. التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام. قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً. وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح. ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله. قال القفال: لفظ {سيقول} وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ. كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. والمشهور أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً. ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له. ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم. عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ. وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به. وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً {ما ولاهم} ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء {عن قبلتهم التي كانوا عليها} القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟ فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟ فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله {قل لله المشرق والمغرب} أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله {يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ} وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها. وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه تعالى فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله تعالى لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة. فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة. وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين. وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى. وأيضاً إنه تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك {أية : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} تفسير : [آل عمران: 103]. وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق. وأيضاً كأنه تعالى يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي. وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار {أية : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} تفسير : [القصص: 44]. والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار {أية : إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً} تفسير : [مريم: 16] فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار. وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}. والوسط بالوسط أولى {أية : الطيبات للطيبين} تفسير : [النور: 26]. وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين {فأينما تولوا فثم وجه الله} والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء. كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك. وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين. فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله. فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله تعالى في قوله {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} وقوله {وكذلك جعلناكم} الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه. فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً. وقيل: عائد إلى قوله {أية : ولقد اصطفينا} تفسير : [البقرة: 130]. أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم. وقيل: ينصرف إلى قوله {ولله المشرق والمغرب} أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية. وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً. الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك. قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: شعر : همو وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم تفسير : وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان. وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات. قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر {أية : كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس}تفسير : [آل عمران: 110] وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة. وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث {لتكونوا شهداء على الناس} الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم. روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41] قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم. وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد"تفسير : . والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها. قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة {أية : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} تفسير : [ق: 21] والنبيون {ويكون الرسول عليكم شهيد} وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة {لتكونوا شهداء على الناس} {أية : ويوم يقوم الأشهاد}تفسير : [غافر: 51] والجوارح {أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم}تفسير : [النور: 24]. وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل {جعلناكم} بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال. ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا. وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة. قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم. وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها. والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص. وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل {أية : والله على كل شيءٍ شهيد} تفسير : [المجادلة: 6] مع رعاية الطباق للأول. وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال. قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض. فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في {جعلناكم} للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال. فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ. سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم. وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟ والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل {أية : كتب عليكم الصيام كما}تفسير : [البقرة: 183] {أية : كتب عليكم القصاص} تفسير : [البقرة: 178] فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر. ثم إن الله تعالى منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة. {وما جعلنا} يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم. {التي} صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه. واللام في {لنعلم} ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل. فإن قيل: كيف؟ قال {لنعلم} ولم يزل عالماً بذلك؟ فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد. وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء. ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه. وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق. فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم. أو لنميز التابع من الناكص كقوله {أية : ليميز الله الخبيث من الطيب} تفسير : [الأنفال: 37] فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم. وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل. وهذا من كلام المصنف مثل {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} تفسير : [سبأ: 24] وقوله {ممن ينقلب على عقبيه} استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة. أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود. والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه. وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟ وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس. وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده. وقال المشركون: تحير في دينه. {وإن كانت لكبيرة} هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال. لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله {لكبيرة} خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في {ما ولاهم} أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في {وما جعلنا} ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله. الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل {وما كان الله ليضيع إيمانكم} الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن. وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها. أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة. وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت. وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل {أية : وإذ قتلتم نفساً} تفسير : [البقرة: 72] {أية : وإذ فرقنا بكم البحر} تفسير : [البقرة: 50] والمراد أهل ملتهم. وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ. وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب. وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا. يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟ فقرأ قوله {إلا على الذين هدى الله} ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم {إن الله بالناس لرؤف رحيم} الجوهري: الرأفة أشد الرحمة. رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما. ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال {أية : ولا تأخذكم بهما رأفةٌ} تفسير : [النور: 2]. والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم. والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر. قوله عز من قائل {قد نرى} معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: شعر : قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد تفسير : كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما". أقام به بعد الوفود وفود. ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله {قد يعلم الله} فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم. {تقلب وجهك} تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. عن ابن عباس أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها. تفسير : فقال له جبريل عليه السلام: أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت. وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه. وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله تعالى فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة. وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم. وقيل: بل وعد بذلك. وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال. وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره. فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله {أية : ولله المشرق والمغرب} تفسير : [البقرة: 115] الآية. ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم ينكر عليهم. وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله {فلنولينك قبلة ترضاها} فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة. ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس. ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته. وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه. وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق. {فول وجهك} أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط. وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص. وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول. عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة. وفي الموطأ: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين. واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام. ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك. وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة. وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة. وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله. واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله تعالى {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ولقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذه القبلة" تفسير : مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغ التواتر. وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً. ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط. وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور. وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها. ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم. أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع. وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه. وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها. وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك. فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه. ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟ أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها. قوله تعالى {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً. واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض. واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية. الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير المجالس ما استقبل به القبلة"تفسير : والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به. ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة. وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟ الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه. وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض. وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل. الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة. قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء. ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا. ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص. وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت. ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة. وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية. ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته. يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته. وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً. ومحراب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه. وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين. وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول صلى الله عليه وسلم فلا. ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر. ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو. الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين. ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها. ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون. فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي. وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد. فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين. فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى. ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني. وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض. وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني. فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين {وإن الذين أوتوا الكتاب} يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان. وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق، فهذا التحويل حق. {وما الله بغافلٍ عما يعملون} وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله {ولئن اتبعت أهواءهم} ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى. ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى. قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية. وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها. قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير. وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر. قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبع قبلته. ووجه بأن المراد من قوله {ما تبعوا قبلتك} أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله {أية : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى} تفسير : [الأنعام: 35] وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض {بكل آية} بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق {ما تبعوا قبلتك} جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في {ولئن} لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك. ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم {وما أنت بتابعٍ قبلتهم} رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره. وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية. وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد {وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض} إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟ أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟ وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع. أخبر الله تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً {ولئن اتبعت أهواءهم} كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة {إنك إذاً} أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟ وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي صلى الله عليه وسلم فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية. كقوله {أية : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً} تفسير : [الإسراء: 74] {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} تفسير : [التوبة: 73] وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه {الذين آتيناهم الكتاب} هم علماؤهم بدليل {يعرفونه} أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم {كما يعرفون أبناءهم} لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. "وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون. عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني يا بني. قال: لم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه. وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي صلى الله عليه وسلم المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم. وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر. وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله {أبناءهم} ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه. قال تعالى {وإن فريقاً منهم} يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم {ليكتمون الحق} الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله {وهم يعلمون} فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم {الحق من ربك} يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال. وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك". ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى الحق الذي في قوله {ليكتمون الحق} أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل {فلا تكونن من الممترين} الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك. وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله {ولئن اتبعت}. {ولكل} التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله {هو} إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله. وثاني مفعولي {موليها} محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه. ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم {فاستبقوا} أنتم {الخيرات} الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين. {وأينما تكونوا} من جهات الأرض {يأت بكم الله جميعاً} في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك. وقيل: إن الله تعالى عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة. فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم. وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت {أينما تكونوا} من الجهات المختلفة {يأت بكم الله جميعا} يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة. ولقراءة ابن عامر {مولاها} معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه. وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي". ثم إن الشافعي استدل بقوله {فاستبقوا الخيرات} على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"تفسير : وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر. وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً"تفسير : وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل. {ومن حيث خرجت} ومن أي بلد خرجت يا محمد {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} إذا صليت {وإنه} وإن هذا المأمور به {للحق} الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه {من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون} وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين. واعلم أن أمر التولية ذكره الله تعالى ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم. وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله تعالى عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} كما أن قوله {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة. وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي صلى الله عليه وسلم وطلباً لهواه حيث قال {فلنولينك قبلةً ترضاها} فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله {وإنه للحق من ربك} أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض. ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة. وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى. الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث. وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير. وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم {فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} ثم على تكليف عام له ولأمته {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} والآية الثانية {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم {أية : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 49] ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله {وإنه للحق من ربك} لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير. وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد. وأيضاً قدم على الآية قوله {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين {أية : ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} تفسير : [فاطر: 32] لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. قوله {لئلا يكون} أي ولوا لأجل هذا الغرض. وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة. و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه. وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم. وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة. وقد تكون الحجة باطلة قال تعالى {أية : حجتهم داحضة عند ربهم} تفسير : [الشورى: 16] وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل. والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية. وقيل: الاستثناء منقطع. وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: شعر : وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان تفسير : يعني والفرقدان. وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ {فلا تخشوهم} فإنهم لا يضرونكم {واخشون} واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه. قوله {ولأتم} قيل: معطوف على {لئلا} أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم. وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك. وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} تفسير : [المائدة: 3] فإن لله تعالى في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي عليه السلام: تمام النعمة الموت على الإسلام. وفي الحديث "حديث : تمام النعمة دخول الجنة"تفسير : {كما أرسلنا} "ما" مصدرية أو كافة. ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده. وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا} تفسير : [البقرة: 128] كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً} تفسير : [البقرة: 129] وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى. وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً. وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة. ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم. وفي قوله {يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} تنبيه على أنه تعالى أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} تكليف بأمرين: الذكر والشكر. وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله {ولا تكفرون} عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به. ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى. ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي. وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها. وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً {أية : فاسعوا إلى ذكر الله} تفسير : [الجمعة: 9] وأما ذكر الله تعالى فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ مِنَ ٱلنَّاسِ...} الآية: ٱختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا، ٱرجِعْ إِلَيْها، نتبعك ونؤمنْ بك، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالَتْ فرقة: هم كُفَّار قريش. و{وَلَّـٰهُمْ }: معناه: صَرَفَهُمْ، و{يَهْدِي مَن يَشَآءُ}: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالَىٰ هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ}، أيْ؛ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، و {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}، أي: عدولاً؛ روي ذلك عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلَىٰ من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها؛ ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ} تفسير : [القلم:28]. و {شُهَدَاءَ }: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميعُ الجنْسِ، وأن أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ علَىٰ أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنَىٰ حديثٌ صحيحٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وروي عنه؛ أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه. * ت *: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم؛ قائلاً صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...} الآية. وكون الرسولِ شهيداً، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» بمعنى «لَكُمْ»، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ...} الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود علَىٰ ما قاله الضَّحَّاك الذين قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ صَلَيْتَ إِلَىٰ بَيْتِ المَقْدِسِ، ٱتَّبَعْنَاكَ»، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، ٱمتحاناً لهم، فلم يؤمنوا. وقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ، و {كُنتَ عَلَيْهَا } بمعنى: أَنْتَ عليها؛ كقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران:110]، بمعنى: أنتم. وَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك؛ أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وٱرتابَ بعض المؤمنين؛ حتَّىٰ نزلتِ الآية، ومعنى: {لِنَعْلَمَ}، أي؛ ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ ٱستقبالِ العلْمِ بعد أنْ لم يكُنْ، و {يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ...} الآية: الضمير في «كَانَتْ» راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، «وكَبِيرَة» هنا معناه: شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود: يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولَىٰ حقاً، فأنتَ الآنَ علَىٰ باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأُولَىٰ علَىٰ ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ }، أي: صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره، وسمَّى الصلاة إِيماناً لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان؛ ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضاً سُمِّيتْ إِيماناً؛ إِذ هي من شُعَب الإِيمان. * ت *: وفي العتبية من سماع ابن القاسم، قال مالكٌ: قال اللَّهُ تبارَكَ وتعالَىٰ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد؛ وعلَىٰ هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل: إن المعنَىٰ في ذلك، وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم بفَرْضِ الصلاة عليكم إِلَىٰ بيْتِ المقدِسِ. انتهى من «البَيَان». والرَّأْفَةُ: أعلى منازل الرحْمَة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار القفال أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً، لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً كالرجل يعمل عملاً، فيطعن فيه بعض أعدائه، فيقول: أنا أعلم أنهم [سيطعنون عليَّ فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد]، فإذا ذكروه مَرَّة، فسيذكرونه بعد ذلك مرات، فصحّ على هذا التأويل أن يقال: سيقول السُّفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك [نزلت الآية]. [قال القرطبي: "سيقول" بمعنى: قال؛ جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك] وأنهم يستمرون على ذلك القول. و"السفهاء" جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم: ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج وقد تقدم. والنساء سفائه. وقال المؤرج: السَّفيه: البهات الكاذب المتعمد خلاف ما يعلم. وقال قُطْرب: الظلوم الجهول. القول الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد. أحدها: أنه - عليه الصلاة والسلام - إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. وثانيها: أنه - تعالى - إذا أخبر عن ذلك أولاً، ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقلّ مما إذا سمعه فيهم أولاً. وثالثها: أن الله - تعالى - إذا أسمعه ذلك أولاً، ثم ذكر جوابه معه، فحين يسمعه النبي - عليه الصلاة والسلام - منهم يكون الجواب حاضراً، كان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً. فصل في الكلام على السفيه تقدم الكلام على السَّفه في قوله: {كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاء} وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره، يوصف بالخفّة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا، [فإذا كان العادل عن الرأي واضحاً في أمر دنياه يعدّ سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه، فهذا اللفظ] يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين، وعلى المنافقين وعلى جملتهم، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين. قال ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القِبْلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن ترك القبلة اغْتَمُّوا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فنزلت هذه الآية. قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي الله عنهم: إنهم مشركو العرب، [وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجهاً إلى "بيت المقدس" حين كان بـ "بمكة" والمشركون] كانوا يتأذون منه بسبب ذلك، فلما جاء إلى "المدينة" وتحول إلى الكعبة قالوا: رجع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به. وقال السدي: هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث، والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين، لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى: {أية : أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 13]. وقيل: يدخل فيه الكل؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم، ودخل فيه الألف واللام، وقد بَيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي، والنص أيضاً يدلّ عليه، وهو قوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130]. [فإن قيل: المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً. قلنا: هذا القدر لا ينافي العموم، ولا يقتضي تخصيصه؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً]. قوله تعالى: {مِنَ النَّاسِ} في محلّ نصب على الحال من "السفهاء" والعامل فيها "سيقول"، وهي حال مبينة، فإن السَّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازاً، فرفع المجاز بقوله: "مِنَ النَّاسِ" ذكره ابن عطية وغيره. قوله: {ما وَلاّهُمْ} "ما" مبتدأ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب، والجملة بعدها خبر عنها و{عن قبلتهم} متعلّق بـ "ولاّهم"، ولا بد من حذف مضاف في قوله: "عليها" أي: على توجهها، أو اعتقادها، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله: "عليها" مجاز، نزَّل مواظبتهم على المُحَافظة عليها منزلة من اسْتَعْلَى على الشيء، والله أعلم. فصل في الكلام على التولّي وَلاَّه عنه: صرفه عنه، وولى إليه بخلاف ولّى عنه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} تفسير : [الأنفال: 16] وفي هذا التولّي قولان: المشهور عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين، فقالوا: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ} فالضَّمير في قوله: {مَا وَلاَّهُمْ} للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي "بيت المقدس". واختلفوا في تاريخ تحويل القِبْلَة بعد ذهابه إلى "المدينة" فقال أنس بن مالك - رضي الله عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر وقال معاذ: بعد ثلاثة عشر شهراً، وقال قتادة: بعد ستة عشر شهراً. وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً، [وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال. وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً] من مقدمه. وقال الواقدي: صرفت القِبْلَة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً. وقال آخرون: بل سنتان. القول الثاني: قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبرُ بأن الله - تعالى - حوّلها إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله: {كَانُوا عَلَيْهَا}، أي: السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قِبْلَة اليهود والنصارى، فقبلة اليهود إلى العرب؛ لأن النداء لموسى عليه الصلاة والسلام جاء فيه وهو قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ} تفسير : [القصص: 44]، ولأنه مكان غروب الشمس والكواكب، وذلك شبه الخروج من الدنيا والعبور إلى الآخرة، وهو وقت هُمُود الناس الذي هو الموت الأصغر، واستقبلوا المغرب لشبهه بوقت القدوم على الله تعالى، والنَّصَارى إلى المشرق؛ لأن جبريل - عليه الصلاة والسلام - إنما ذهب إلى مريم في جانب المَشْرق، لقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} تفسير : [مريم: 16]؛ لأن المشرق مكان إشراق الأنوار، ومنه تشرق الكواكب بأنوارها، فهو مشتبه بحياة العالم فاستقبلوه؛ لأن منه مبتدأ حياة العالم، والعرب ما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجّهوا إلى شيء من الجهات، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى الكعبة استنكروا ذلك، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين، فقال تبارك وتعالى رداً عليهم: {قُلْ: لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ}. قال ابن الخطيب: "ولولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم". فصل في تحرير معنى القبلة القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلةً؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله. وقال قطرب: يقولون في كلامهم: ليس لفلان قبلة أي: ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الاستقبال. وقال غيره: إذ تقابل الرجلان، فكلّ واحد منهما قبلة للآخر. [قال القرطبي: وجمع القبلة في التكسير قبل، وفي التسليم قبلات، ويجوز أن يبدل من الكسرة فتحة، وتقول: قبلات، ويجوز أن تحذف الكسرة، وتسكن الباء]. فصل في بعض شبه اليهود والنصارى قال ابن الخطيب: هذه شبهة من شبه اليهود والنصارى التي طعنوا بها في الإسلام، فقالوا: النسخ يقتضي: إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القَيْدِ، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام [وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتضِ الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللادوام، فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام، فإن كان الأمر يعتقد فيه أن يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على] أنه يبقى دائماً، ثم إنه رفعه بعد ذلك، فها هنا كان جاهلاً، ثم بدا له ذلك، [وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدلّ على أن يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً] فثبت أن النسخ يقتضي: إما الجهل أو التجهيل، وهما مُحَالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، [فالآتي بالنَّسْخ في أحكام الله - تعالى - يجب أن يكون مبطلاً]، فبهذا الطريق توصّلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، فقالوا: إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح، وهنا الجهات متساوية في أنها لله - تعالى - ومخلوقة له وتغيير القبلة من [جانب إلى] جانب فعل خالٍ عن المصلحة فيكون عبثاً، والعَبَثُ لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، وقد أجاب الله - تعالى - على هذه الشبهة بقوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ المَشْرِق وَالمَغْرِبُ}. وتقديره: أن الجهات كلها لله - عز وجل - مُلْكاً ومِلْكاً، فلا يستحق منها شيء لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة؛ لأن الله عز وجل جعلها قبلة، وإذا كان كذلك فلا اعتراض عليه بالتَّحويل من جهة إلى جهة؛ لأنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله على قول أهل السُّنة. وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان: الأول: لا يمتنع اختلاف المصالح لحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه إذا رسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهة أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعظّمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة. وثانيها: أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد - عليه الصلاة والسلام - وذلك أمر مطلوب [لأنه متى رسخ في قلوبهم تعظيمه كان قبولهم لأوامره ونواهيه أسهل وأسرع، والمفضي إلى المطلوب مطلوب]. وثالثها: أن الله - تعالى - بين ذلك في قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} تفسير : [البقرة: 143] فأمرهم الله - تعالى - حين كانوا بـ "مكة" أن يتجهوا إلى "بيت المقدس" ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى "المدينة" وبها اليهود أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود. [ورابعها: أن في أفعاله حكماً، ثم إنها تارة تكون ظاهرة لنا، وتارة تكون مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة يمكن أن يكون لمصالح خفية، وإذا كان كذلك استحال الطعن بهذا التحويل في الإسلام]. فصل في استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم بيت المقدس هل كان عن رأي واجتهاد أم لا؟ اختلفوا هل كان استقباله بيت المقدس عن رأي واجتهاد أم لا؟ فقال الحسن: كان عن رأي واجتهاد، وهو قول عكرمة وأبي العالية. وقال القرطبي: كان مخيراً بينه وبين الكعبة، فاختار بيت المقدس طمعاً في إيمان اليهود واستمالتهم. وقال الزجاج: امتحاناً للمشركين، لأنهم ألغوا الكعبة. وقال ابن عباس: وجب عليه استقباله بأمر الله - تعالى - ووحيه لا مَحَالَةَ، ثم نسخ الله ذلك، وهو قول جمهور العلماء نقله القرطبي. فصل اختلفوا أيضاً حين فرضت عليه الصَّلاة أولاً بـ "مكة"، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة؟ على قولين: فقالت طائفة: إلى بيت المقدس وبـ "المدينة" سبعة عشر شهراً، ثم صرفه الله - تعالى - إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وقال آخرون: أول ما افترضت الصلاة إلى الكعبة، ولم يزل يصلّي إليها طول مقامه بـ "مكة" على ما كان عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم "المدينة" صلى إلى "بيت المقدس" ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً على الخلاف، ثم صرفه الله إلى "الكعبة". قال ابن عمر: وهذا أصح القولين عندي. قوله تعالى: {يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} تقدم الكلام على الهداية، قالت المعتزلة: إنما هي الدلالة الموصلة، والمعنى: أنّه - تعالى - يدلّ على ما هو للعبادة أصلح، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم - إذ تمسّكوا به - إلى الجنة. قال أصحابنا: هذه الهداية: إما أن يكون المراد منها الدعوة، أو الدلالة، أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان؛ لأنهما عامّان لجميع المكلفين، فوجب حمله على الوجه الثالث، وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.

البقاعي

تفسير : ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له بما قبله على وجه أعم. {سيقول} إلى آخره، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه الحق! وقال: {السفهاء} ولم يقل: سيقولون، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل دليلاً، وأكد الوصف بالطيش بقوله: {من الناس} المأخوذ من النوس وهو التحرك، دون أن يقول: من أهل الكتاب، أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك {ما ولاهم} ولم يقولوا: مَن، زيادة في الأذى بالاحتقار {عن قبلتهم}. قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه {التي كانوا عليها} أي بيت المقدس، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان، كما قالوا فيما تقدم: { أية : كونوا هوداً أو نصارى } تفسير : [البقرة: 135] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: {قل} خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله: { أية : قل أتخذتم عند الله عهداً } تفسير : [البقرة: 80] { أية : قل هاتوا برهانكم } تفسير : [البقرة: 111] ونحوه؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء، فكان منهم على وفق الخبر؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله، وإخباره بظلم مانع المسجد، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى؛ مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه. وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم { أية : ألا إنهم هم السفهاء } تفسير : [البقرة: 13]، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه: وإلى قوله قريباً { أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } تفسير : [البقرة: 130] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة. وقال: {لله} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً {المشرق والمغرب} مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق. ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه، على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله معظماً لأهل الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم: {يهدي إليه من يشاء} أي من عباده، وعظم الكعبة بقوله: {إلى صراط المستقيم} في أي جهة كانت، فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ضلال، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه "أل" من الكمال. ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك قوله: {وكذلك} أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطاً لأنها إلى البيت العتيق الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى {جعلناكم} بالهداية إليه في الاستقبال وإلى غيره مما نأمركم به {أمة}. قال الحرالي: من الأم وهو تتبع الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول، فالإمام والأمة كالمتقابلين، الإمام قاصد أمماً، والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها، والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى. {وسطاً} أي شريفة خياراً، لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء، فهو خيار الشيء. قال أبو تمام الطائي. شعر : كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا تفسير : وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط، ومتى زاغ عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة؛ والوسط بالتحريك اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، وكذا كان ظرفاً، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به، ولا يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني. ومادة وسط مهموزة وغير مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر: وسط، وطس، سوط، سطو، طوس، طسو، طيس، طسى، سيط سطأ طسأ، تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل جانب على التساوي، ويلزم أن يكون أعلى من غيره، لأن أكثر المخلوقات كُريّ؛ وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى، ولأن كل جزء بعد الوسط إذا نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط؛ ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة، وقد يلزم العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف؛ فمن الأصل الوسط من كل شيء أعدله، ووسط الشيء ما بين طرفيه، فإذا سكنت السين كان ظرفاً أو هو فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان؛ ووسطه قطّعه نصفين، وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد، ووسط القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسباً وأرفعهم محلاً وهو المتوسط بين القوم، وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته، وأوطاس واد بديار هوازن لما وصفه به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ولا سهل دهس، أي يثقل المشي فيه بكونه شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب. ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط الباب، والصلاة الوسطى أفضل الصلوات، والطاووس طائر حسن، والجميل من الرجال والفضة، والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، والمطوس كمعظم الشيء الحسن، والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة، وتطوست المرأة تزينت، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة أو بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن. ومن العلو: سطا الفرس أبعد الخطو، والساطىء الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره، والطويل وواسط الكور مقدمه، ومن الشدة والغلبة: صار الماء وسيطه غلب على الطين، وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش، والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل، والفرس ركب رأسه، وساطاه شدد عليه؛ والساطي الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطأها مهموزاً كمنع جامعها؛ والوطس كالوعد الضرب الشديد والكسر، والوطيس التنور وحرّ الحرب، والوطيس شدة الأمر، وككَتّاب الراعي، وتواطسوا عليّ أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم، والموج تلاطم، وأوطاس واد بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف، والسوط الذي يضرب به والشدة والضرب، والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه أي عراجينه والكراب أصول السعف الغلاظ العراض، وسوَّط أخرج ذلك، والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ودواء يشرب للحفظ، وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق، وما أدري أين طوّس به أي ذهب به وطسى كرضى طسا غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي واوياً؛ وطسيء مهموزاً أيضاً كفرح وجمع طَسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من أكل الدسم، وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط والضعف. ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ الإناء ويدخل في الجيد، الطيس العدد الكثير، وكل ما في وجه الأرض من تراب وقِمام أو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء من الرمل والماء وغيرهما؛ وسطا الماء كثر؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء، ومن الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور؛ وسطا الطعام ذاقه؛ والساطىء الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل، وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما فيها من ماء الفحل؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب، والسياط قضبان الكراب الذي عليه دماليقه، وسوط باطل ضوء يخرج من الكوّة، وسطت الشيء بالسوط ضربته به، والسوط أيضاً ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس، والمسواط فرس لا يعطى حُضره إلا بالسوط، واستوط أمره اضطرب واختلط، وأموالهم سويطة بينهم مختلطة، والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ، والطاووس طائر والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت، ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه، والسوط النصيب والفضلة من الغدير. ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو أصغرها، وطسأ كمنع مهموزاً استحيى. ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان جديراً بأن لا يخفى عليه شيء من الجوانب واستلزم ذلك كونه خياراً قال: {لتكونوا} أي أنتم لا غيركم {شهداء} كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال: لتشهدوا، وقال: {على الناس} أي كافة. ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أوسطهم قال: {ويكون الرسول} أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه بكونه وسط الوسط {عليكم} خاصة {شهيداً} بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم خير أمة أخرجت للناس، وبأنه قد بلغكم مدة حياته، فلما مات خلف فيكم كتاباً معجزاً متواتراً لا يغسله الماء ولا تحرقه النار، لأنه محفوظ في الصدور متلو بالألسن إلى أن يأتي أمر الله، ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ الكلام هكذا: إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول، وأنه لا يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعاً لتوهم أن غيرهم يشهد عليهم كما شهدوا عليهم، ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك. ولما أعلم بما {سيقول السفهاء} [البقرة: 142] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى قبلتين بقوله: {وما جعلنا} أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد {القبلة} قال الحرالي: في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله الحكيم لا بالعمل المحكم، فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علماً على المتبع عن صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له أيان ما وجهه، وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى. وبين أنها الأولى بقوله: {التي كنت عليها} وبين أن العلة التمييز بين الناس بقوله: {إلا لنعلم} أي بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها {من يتبع الرسول} في كل ما يأمر به اتباعاً دالاً على تمكن إيمانه {ممن ينقلب} أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكساً {على عقبيه} علماً متعلقاً بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، والعقب مؤخر القدم. وقال الحرالي: لنجعل علماً ظاهراً على الصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه، ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى. ثم بين شدتها على من أخلد إلى العادة لغلبة القوة الحيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال: {وإن كانت} أي الجعلة {لكبيرة} أي ثقيلة شاقة جداً لأن مفارقة الألف بعد طمأنينة النفس إليه أمر شاق جداً، ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال: {إلا على الذين هدى الله} أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه بنصيب الأدلة. ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة الأولى من الإيمان فقال: {وما كان الله} الذي له الكمال المطلق {ليضيع} قال الحرالي: مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة {إيمانكم} أي المصرح به في قولكم: { أية : آمنا بالله } تفسير : [البقرة: 8] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم: { أية : ونحن له مخلصون } تفسير : [البقرة: 139] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين عن مرضاته الناكثين لعهوده. ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال: {إن الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {بالناس} أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة {لرءوف} أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال: والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء: إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى. وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه {رحيم} لمن يشاء ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً. وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله عليه وسلم، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا. ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا الخبر عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموماً بين ذلك برسوله خصوصاً بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك} قال الحرالي: فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمراً أو خبراً يفيد مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولاً لكافة الناس وكان صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به {قد} بالتقليل للتقلب وللرؤية {في السماء} فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء "حديث : ولينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم" تفسير : والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال: "حديث : حتى رأينا عفرة إبطيه"تفسير : - انتهى ملخصاً. {فلنولينَّك} أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك من غير شك {قبلة} قال الحرالي: نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر باد من خلق الله، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية؛ وفي قوله: {ترضاها} إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة، لأن الرضى وصف المقر لما يريد، فكل واقع بإرادة لا يكون رضىً إلى أن يستدركه الإقرار، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى. ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله: {فول وجهك}، وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله، الغيب للغيب والظاهر للظاهر، {شطر} أي عين {المسجد} كما استدل الشافعي رحمه الله في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال: وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء، إذا كان معايناً فبالصواب وإن كان مغيباً فبالاجتهاد {الحرام} وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة. قال الحرالي: سماه الله حراماً لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراماً على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى. وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى. وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود، وسيأتي عند { أية : يسألونك عن الشهر الحرام } تفسير : [البقرة: 217] زيادة على هذا، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: "حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين" تفسير : ولما بشره سبحانه بالتحويل أولاً وأوقع المبشر به ثانياً أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله: {وحيث ما كنتم} أي من جهات الأرض التي أورثكم إياها {فولوا وجوهكم شطره} بتوجيه قلوبكم إليّ. ولما حرر ذلك وقرره بيّن أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال: {وإن الذين أوتوا الكتاب} أي من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: {ليعلمون أنه} أي هذا التحويل {الحق} أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلاً {من ربهم} أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم وكانوا ينتظرون رسالته، فعندما أتاهم ردوا رحمته، وجعل ذلك سبحانه في سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتاً وتقوية لعزائمهم وتمكيناً حيث ختم الآية بقوله: {وما الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بغافل عما يعملون} قال الحرالي: بالياء أي التحتانية إعراضاً عنهم، وبالتاء إقبالاً عليهم، ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين: في متماد على سوء هدد فيه لما أقبل عليه، وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل إليه المعرض عنه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه والترمذي والنسائي وابن جرير وابن حبان والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأن أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال‏:‏ أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت ثم أنكروا ذلك، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجالاً وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ‏{أية : ‏وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏} ‏تفسير : ‏[‏البقرة: 143‏]‏.‏ وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن البراء قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله ‏{أية : ‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 144‏]‏ فقال رجال من المسلمين‏:‏ وددنا لو علمنا من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس‏؟‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 143‏]‏ وقال السفهاء من الناس وهم من أهل الكتاب‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏سيقول السفهاء من الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى آخر الآية‏"‏‏.‏ وأخرج الترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن البراء قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يصلي نحو الكعبة، فكان يرفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله ‏{أية : ‏قد نرى تقلب وجهك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 144‏]‏ الآية‏.‏ فوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عباس قال ‏إن ‏أول ما نسخ في القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ‏{‏قد نرى تقلب وجهك‏} إلى قوله ‏{‏فولوا وجوهكم شطره}‏ يعني نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏قل لله المشرق والمغرب‏} ‏ وقال‏:‏ ‏{أية : ‏أينما تولوا فثم وجه الله‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 115‏] ‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدها تحول إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال‏:‏ أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن محمداً كان يستقبل صخرة بيت المقدس وهي قبلة اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهراً ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بذلك الأميين من العرب‏.‏ فقال الله ‏{‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله‏} وقال ‏{‏قد نرى تقلب وجهك‏} الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة مرسلاً‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن أبي العالية "‏حديث : ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر نحو بيت المقدس فقال لجبريل‏ "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها‏؟" فقال له جبريل‏:‏ إنما أنا عبد مثلك، ولا أملك لك شيئاً إلا ما أمرت، فادع ربّك وسله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله {‏قد نرى تقلب وجهك في السماء} ‏[‏البقرة: 144‏]‏ يقول‏:‏ إنك تديم النظر إلى السماء للذي سألت {‏فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام‏} يقول فحوّل وجهك في الصلاة نحو المسجد الحرام ‏ {‏وحيثما كنتم‏} ‏ يعني من الأرض ‏{‏فولوا وجوهكم‏} في الصلاة ‏{‏شطره‏} نحو الكعبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة في رجب، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن أبي نافع، والحجاج بن عمرو، حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الحقيق، فقالوا له‏:‏ يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون فتنته عن دينه‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏سيقول السفهاء من الناس‏}‏ إلى قوله ‏ {‏إلاَّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه‏}‏ أي ابتلاء واختباراً ‏{‏أية : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 143‏] أي ثبت الله {‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏} يقول‏:‏ صلاتكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعكم اياه إلى القبلة الآخرة، أي ليعطينكم أجرهما جميعاً ‏{‏إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏}‏ إلى قوله ‏{‏فلا تكونن من الممترين‏}‏‏.‏ وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء في قوله ‏ {‏سيقول السفهاء من الناس‏} ‏ قال‏:‏ اليهود‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ أول آية نسخت من القرآن القبلة، ثم الصلاة الأولى‏.‏ وأخرج الطبراني عن ابن عبّاس قال ‏"‏صلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم حوّلت القبلة بعد‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال: ‏"‏صرفت القبلة نحو المسجد الحرام في رجب على رأس ستة عشر شهراً من مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء وهو يصلي نحو بيت المقدس، فأنزل الله حين وجهه إلى البيت الحرام ‏{‏سيقول السفهاء من الناس‏}‏ وما بعدها من الآيات، فأنشأت اليهود تقول‏:‏ قد اشتاق الرجل إلى بلده وبيت أبيه، وما لهم حتى تركوا قبلتهم يصلون مرة وجهاً ومرة وجهاً آخر، وقال رجال من الصحابة‏:‏ فكيف بمن مات منا وهو يصلي قبل بيت المقدس؛ وفرح المشركون وقالوا‏:‏ إن محمداً قد التبس عليه أمره، ويوشك أن يكون على دينكم، فأنزل الله في ذلك هؤلاء الآيات‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام اختلف الناس فيها فكانوا أصنافاً، فقال المنافقون‏:‏ ما بالهم كانوا على قبلة زماناً ثم تركوها وتوجهوا غيرها‏؟‏ وقال المسلمون‏:‏ ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس هل يقبل الله منا ومنهم أم لا‏؟‏ وقال اليهود‏:‏ إن محمداً اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر، وقال المشركون من أهل مكة‏:‏ تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله في المنافقين ‏ {‏سيقول السفهاء من الناس‏} ‏ إلى قوله ‏{‏إلا على الذين هدى الله‏} ‏، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها‏.‏ وأخرج مالك وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم تحوّلت القبلة إلى الكعبة قبل بدر بشهرين‏"‏‏.‏ وأخرج ابن عدي والبيهقي في السنن والدلائل من طريق سعيد بن المسيب قال‏:‏ سمعت سعد بن أبي وقاص يقول‏ "‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّل بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن سعيد بن عبد العزيز ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى الآخرة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب ‏"‏أن الأنصار صلت للقبلة الأولى قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بثلاث حجج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً‏"‏‏.‏ وأخرج البزار وابن جرير عن أنس قال ‏"‏صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس انصرف بوجهه إلى الكعبة، فقال السفهاء‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏؟‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج البخاري عن أنس قال‏:‏ لم يبق ممن صلى للقبلتين غيري‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وأبو يعلى والبيهقي في سننه عن أنس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية ‏{أية : ‏فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 144‏]‏ مر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس ألا إنَّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة مرتين، فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه والنسائي عن ابن عمر قال‏:‏ بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عثمان بن عبد الرحمن قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل الكتاب، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر في مسجده، قد صلى ركعتين إذ نزل عليه جبريل، فأشار له أنْ صل إلى البيت وصلى جبريل إلى البيت، وأنزل الله ‏{أية : ‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فوِّل وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 144‏].‏ و ‏{أية : ‏وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون‏} تفسير : ‏[‏البقرة: 144‏]‏ قال‏:‏ فقال المنافقون‏:‏ حن محمد إلى أرضه وقومه، وقال المشركون‏:‏ أراد محمد أن يجعلنا له قبلة ويجعلنا له وسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه‏.‏ وقال اليهود للمؤمنين‏:‏ ما صرفكم إلى مكة وترككم به القبلة، قبلة موسى ويعقوب والأنبياء، والله إن أنتم إلا تفتنون‏.‏ وقال المؤمنون‏:‏ لقد ذهب منا قوم ماتوا ما ندري أكنا نحن وهم على قبلة أو لا‏؟‏ قال‏:‏ فأنزل الله عز وجل في ذلك {‏سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏إن الله بالناس لرؤوف رحيم‏} ‏ ‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال ‏"‏كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص، صلت الأنصار نحو الكعبة حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام فقال في ذلك قائلون من الناس‏:‏ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها لقد اشتاق الرجل إلى مولده‏؟‏‏!‏ قال الله عز وجل ‏ {‏قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ وقال أناس من ‏أناس‏:‏ لقد صرفت القبلة إلى البيت الحرام فكيف أعمالنا التي عملنا في القبلة الأولى‏؟‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 143‏] وقد يبتلي الله عباده بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وكل ذلك مقبول في درجات في الإِيمان بالله والاخلاص، والتسليم لقضاء الله‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عمارة بن أوس الأنصاري قال‏:‏ صلينا إحدى صلاتي العشي، فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة، فنادى أن الصلاة قد وجبت نحو الكعبة، فحوّل أو انحرف أمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن أنس بن مالك قال‏:‏ جاءنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏إن القبلة قد حوّلت إلى بيت الله الحرام، وقد صلى الإِمام ركعتين فاستداروا، فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن سعد عن محمد بن عبد الله بن جحش قال ‏"‏صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرفت القبلة إلى البيت ونحن في صلاة الظهر، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فاستدرنا معه ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ‏{‏يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ قال‏:‏ يهديهم إلى المخرج من الشبهات والضلالات والفتن‏.‏ وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إنهم - يعني أهل الكتاب - لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإِمام آمين‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن عثمان بن حنيف قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم من مكة يدعو الناس إلى الإِيمان بالله في تصديق به قولاً بلا عمل، والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا نزلت الفرائض، ونسخت المدينة مكة والقول فيها، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإِيمان قولاً وعملا‏ً"‏‏.‏ وأخرج البزار والطبراني عن عمرو بن عوف قال ‏"‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، ثم حولت إلى الكعبة‏"‏‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}. سقمت بصائر الكفار فلم يَلُحْ لهم وجهُ الصواب في جميع أحوال المؤمنين، فطالعوها بعين الاستقباح، وانطلقت ألسنتهم بالاعتراض في كل ما كان ويكون منهم، فلم يروا شيئاً جديداً إلا أَتَوْا عليه باعتراض جديد. فمن ذلك تغير أمر القِبْلة حينما حُوِّلَتْ إلى الكعبة قالوا إن كانت قبلتهم حقاً فما الذي ولاَّهم عنها؟ فقال جلّ ذكره: قوله جلّ ذكره: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. يتعبَّد العباد إلى أي قطرٍ و (...) ونحو شاؤوا، وكذلك أصحابُ الغيبة والحُجبة - عن شهود تصريف الحق لأوليائه - يطلبون وجوهاً من الأمر، يحملون عليها أحوالهم، ولو طالعوا الجميع من عين واحدة لتخلصوا عن ألمِ تَوَزُّع الفِكْر، وشِغْل تَرَجُّم الخاطر، ومطالبات تَقَسُّم الظنون، ولكنَّ الله يهدي لنوره من شاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {سيقول السفهاء} اى الذين ضعفت عقوهم حال كونهم {من الناس} اى الكفرة يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين وانما كانوا سفهاء لانهم راغبون عن ملة ابراهيم وقد قال تعالى {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} تفسير : [البقرة: 30]. اى اذلها بالجهل والاعراض عن النظر وفائدة تقديم الاخبار به قبل وقوعه ليوطئوا عليه انفسهم فلا يضطربوا عند وقوعه لان مفاجأة المكروه اشد على النفوس واشق وليعلمهم الجواب فان العتيد قبل الحاجة اليه ارد لشغب الخصم الالد وقبل الرمى يراش السهم وهو مثل يضرب فى تهيئة الآلة قبل الحاجة اليها {ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها} ما استفهامية انكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة فى موضع النصب بالقول يقال تولى عن ذلك اى انصرف وولى غيره اى صرفه والقبلة فى الاصل الحالة التى عليها الانسان من الاستقبال فنقلت فى عرف الشرع الى الجهة التى يستقبلها الانسان للصلاة وهى من المقابلة وسميت قبلة لان المصلى يقابلها والمعنى أى شىء صرفهم وحولهم عن قبلتهم التى كانوا على التوجه اليها وهى بيت المقدس ولم انصرفوا منها الى الكعبة ـ روى ـ ان النبى عليه السلام صلى الى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا تأليفا لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين الى نفخ الصور {قل} كأنه قيل فماذا اقول عند ذلك فقيل قل {لله المشرق والمغرب} اى الامكنة كلها والنواحى باسرها لله تعالى ملكا وتصرفا فلا يستحق شىء منها لذاته ان يكون قبلة حتى يمتنع اقامة غيره مقامه والشىء من الجهات انما يصير قبلة بمجرد ان الله تعالى امر بالتوجه اليها فله ان يأمر فى كل وقت بالتوجه الى جهة من تلك الجهات على حسب الوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فانه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق ان يطيع خالقه ويأتمر بامره من غير ان يتحرى خصوصية فى المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به فان الطاعة له ليس الا بارتسام امره اى امتثاله لا بتحرى العلل والاغراض الداعية له تعالى الا الامر لان احكام الله تعالى وافعاله ليست معللة بالدواعى والاغراض واليهود انما استقبلوا جهة المغرب فاكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه كما قال الله تعالى {أية : وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر} تفسير : [القصص: 44]. والنصارى ايضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهواهم حيث زعموا ان مريم عليها السلام حين خرجت من بلدها مالت الى جانب الشرق كما قال الله تعالى {أية : واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا} تفسير : [مريم: 16]. والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة لله تعالى وامتثالا لامره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع انها قبلة خليل الله تعالى ومولد حبيبيه صلى الله تعالى عليه وسلم {يهدى من يشاء الى صراط مستقيم} وهو التوجه الى بيت المقدس تارة والكعبة اخرى ووجه استقامته كونه مشتملا على الحكمة والمصلحة موافقا لهما. قال بعض ارباب الحقيقة سمى الطاعنين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الاسلام ولو ادركوا الحق مطلقا لاخلصوه كما اخلص المؤمنون فلم تبق محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وانكروا التحويل لانهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافى بالجهات كلها: قال المولى الجامى شعر : جهات مرآت حسن شاهد ماست فشاهد ودهه فى كل ذرات

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {سيقول السفهاء من الناس} الذين لا عقل لهم ولا دين، حين تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة: ما صرفهم {عن قبلتهم التي كانوا عليها}، فلو دام عليها لاتبعناه. {قل} لهم يا محمد: {لله المشرق والمغرب} لا يختص ملكه بمكان دون مكان بخاصية ذاتيه تمنع من إقامة غيره مقامه، بل الأماكن عند الله سواء: والخلق في حقه سواء، {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، ويضل مَن يشاء عن المنهاج القويم{حديث : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ}تفسير : [الأنبيَاء: 23]، والصراط المستقيم: ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، والكعبة أخرى، وفائدة تقديم الإخبار به: توطين النفس وإعداد الجواب. قاله البيضاوي. قال بعض العارفين: (لي أربعون سنة ما أقامني الحق في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته). بخلاف السفهاء من الجهال، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب، قالوا: ما ولاَّه عن حاله الذي كان عليه؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال، قالوا: قد انحط عن مراتب الرجال. وهو إنما زاد في مراتب الكمال. فالملك كله لله، يهدي مَن يشاء إلى الصراط مستقيم، ويضلّ مَن يشاء بعدله الحكيم.

الطوسي

تفسير : أخبر الله (تعالى) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء، وهو جمع سفيه، وهو والجاهل والغبي نظائر. {ما ولاهم} معناه، أي شيء ولاّهم. ومعنى ولاّهم صرفهم عنه، ومثله: قلّبه عنه وفتله. {عن قبلتهم التي كانوا عليها}. والقبلة: الجهة التي تستقبل في الصلاة، وقبلة المسلمين: الكعبه. والسفيه: الخفيف إلى ما لا يجوز له أن نخف إليه، وهي صفة ذم في الدين. وضد السفه الحكمة. واشتقاق لاهم من الولي وهو حصول الثاني بعد الأول من غير فصل. فالثاني يلي الأول، والثالث يلي الثاني، والرابع يلي الثالث ثم هكذا أبداً. ووّلى عنه خلاف وّلى إليه: مثل قولك. عدل عنه، وعدل إليه، وانصرف، عنه وانصرف إليه. فاذا كان الذي يليه متوجهاً إليه فهو متول إليه واذا كان متوجهاً إلى خلاف جهته؛ فهو متول عنه. والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل لشيء غيره عليها كما أن الجلسة للتي يجلس عليها. فكان يقال: - فيما حكي - هو لي قبلة، وأنا له قبلة، ثم صار علماً على الجهة التي تستقبل في الصلاة. واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة على ثلاثة أقوال: [الأول] فقال ابن عباس، والبراء بن عازب: هم اليهود [الثاني] قال الحسن: هم مشركوا العرب، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا حول الكعبة من بيت المقدس، قالوا: يا محمد (صلى الله عليه وسلم) رغبت عن قبلة آبائك، ثم رجعت إليها ايضاً، والله لترجعن إلى دينهم. والثالث قال السدي: انهم المنافقون، قالوا ذلك استهزاء بالاسلام. واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة: فقال قوم: انهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ. و [الثاني] قال ابن عباس: إن قوماً من اليهود قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، ارجع اليها نتبعك ونؤمن. وأرادوا بذلك فتنته. الثالث - انه قال ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ماهم عليه. وإنما صرفهم الله عن القبلة الاولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة في ذلك. وقيل انما فعل ذلك لما قال تعالى {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}، لانهم كانوا بمكة، أمروا أن يتوجهوا الى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون الى الكعبة، فلما انتقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى المدينة كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون الى بيت المقدس فنقلوا الى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما اريد في الاول ان يتميزوا من أولئك واختار ذلك البلخي والجبائي والرماني. وقوله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب} أمر من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس الى الكعبة: المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته. والمشرق والمطلع نظائر، وكذلك المغرب والمغيب نظائر. وفي الآية دلالة على جواز النسخ لانه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا عليها - الى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ. وقوله: {لله المشرق والمغرب} فيه دلالة على أن من له المشرق والمغرب، فله التدبير فيهما، وفي ذلك اسقاط قول من زعم: أن الارض المقدسة أولى بالتوجه اليها. لانها مواطن الانبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه للتولية عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد. وقال ابن عباس، والبراء بن عازب: انه كانت الصلاة الى بيت المقدس الى بعد مقدم النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبعة عشر شهراً. وقال انس بن مالك: انما كان ذلك تسعة اشهر أو عشرة اشهر. وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهراً. وقال قتادة صلّت الانصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي (صلى الله عليه وسلم) وصلّى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً ثم وجهه الله الى الكعبة. ولا خلاف ان التوجه الى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضاً واجباً. ثم اختلفوا فقال الربيع: كان ذلك على وجه التخيير، خير الله نبيه بين ان يتوجه الى بيت المقدس وبين غيرها. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضاً معنياً - وهو الاقوى -، لقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} فبين انه جعلها قبلة، وظاهر ذلك انه معين، لانه لا دليل على التخيير، على انه لو ثبت انه كان مخيراً لما خرج من ان يكون فرضاً، كما ان الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخره. وقوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} معنا: يهديهم الى الدين المستقيم الذي يؤديهم الى الجنة، فلذلك سماه صراطاً كما يؤدي الطريق الى المقصد.

الجنابذي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} اخبار من الله بما سيقع منهم والمراد بالسّفهاء من خفّت احلامهم واعتادوا ما رأوا من آبائهم ولم ينظروا بعقولهم ولم ينقادوا الّذى نظر من المنافقين والمشركين واهل الكتاب {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} يعنى بيت المقدّس {قُل} بعد ما قالوا ذلك {لِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو من الله ما اقتضته حكمته ومن الخلق التّسليم لأمره روى أنّه جاء قوم من اليهود بعد انصرافه (ص) الى الكعبة فقالوا: يا محمّد (ص) هذه القبلة بيت المقدّس قد صليّت اليها اربع عشرة سنة ثمّ تركتها الان افحقّاً كان ما كنت عليه فقد تركته الى باطل فانّ ما يخالف الحقّ فهو باطل، او كان باطلاً فقد كنت عليه طول هذه المدّة فما يؤمننا ان تكون الان على باطلٍ؟ - فقال رسول الله (ص) بل ذلك كان حقّاً وهذا حقّ يقول الله تعالى: {قُلْ للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} "حديث : اذا عرف صلاحكم يا ايّها العباد فى استقبال المشرق أمركم به، واذا عرف صلاحكم فى استقبال المغرب أمركم به"تفسير : ؛ الى آخر الحديث.

الأعقم

تفسير : {سيقول السفهاء من الناس} قال جار الله: السفهاء هم اليهود لكراهتهم التوجه الى الكعبة، وقوله: {ما ولاهم} أي ما صرفهم {عن قبلتهم} وهي بيت المقدس. النزول: روي انها لما حولت القبلة الى الكعبة عاب الكفار المسلمين على ذلك فنزلت الآية واعلم ان اول ما نسخ من امور الشريعة امر القبلة وذلك ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه كانوا يصلون بمكة الى القبلة، وقيل: الى بيت المقدس فلما هاجر الى المدينة أُمر بالصلاة الى بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود لأنهم يجدون نعته عندهم كذلك فصلى الى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وقيل: ثمانية عشر شهراً، وقيل: ستة عشر شهرا ونزل عليه جبريل (عليه السلام) فأمره بالصلاة الى الكعبة فقال اهل مكة: يا محمد رغبت عن ملة ابائك ثم رجعت اليها فليرجعون الى دينهم، فلما حولت القبلة الى الكعبة، قالت اليهود: يا محمد ما امرت بهذا او ما هو الاّ شيء منك تارةً تصلي الى بيت المقدس وتارةً تصلي الى الكعبة {لتكونوا شهداء على الناس} روي ان الامم يوم القيامة يجحدون تبليغ الانبياء اليهم فيطالب تعالى الانبياء بالبيّنة على انهم قد ابلغوا وهو اعلم فيؤتى بأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيشهدون فتقول الامم: من اين عرفتم ذلك؟ فيقولون: علمنا ذلك باخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيُسأل عن حال أمّته فيُزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى: {أية : فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} تفسير : [النساء: 41] {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} قيل: بيت المقدس الذي كانوا يصلون اليه، وقيل: مكة والكعبة، والمراد التي انت عليها ويحتمل ذلك بمعنى صرت عليها يعني الكعبة {إلا لنعلم من يتبع الرسول} قيل: لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، وقيل: معناه لنجعل العلم موجوداً {ممن ينقلب على عقبيه} قيل: ان قوماً ارتدوا عن الإسلام لما حولت القبلة ومعنى على عقبيه انه يكفر بالله ورسوله، وقيل: المراد به كل مقِيم على الكفر {وإن كانت لكبيرةً} الضمير يعود الى القبلة، قيل: كانت التولية، وقيل: كانت القبلة، وقيل: الصلاة اليها الثقيلة إلاّ على الذين {هدى الله} مثل علي (عليه السلام) وأتباعه، قال جار الله: الاّ على الثابتين الصادقين في اتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لطف الله بهم وما كان الله ليضيع ايمانكم في ثباتكم على الايمان، وقيل: من صلى الى بيت المقدس قبل التحول فصلاته غير ضائعة.

الهواري

تفسير : قوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} وهم مشركو العرب في تفسير الحسن. وقال مجاهد: هم اليهود. {مَا وَلَّٰهُمْ} أي: ما حوَّلهم في تفسير الحسن. وقال مجاهد: ما صرفهم؛ وهو واحد. {عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس. نزلت هذه الآية بعدما صُرِف النبيُّ عليه السلام إلى الكعبة. وهي قبلها في التأليف، وهي بعدها في التنزيل. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما حوله الله إلى الكعبة من بيت المقدس، قال المشركون: يا محمد، أرغبت عن قبلة آبائك ثم رجعت إليها؟ وأَيْضاً والله لترجعن إلى دينهم؛ فأنزل الله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس. قال: {قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي: مستقيم إلى الجنة، وهو الإِسلام. قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: عدلاً [يعني أمة محمد] {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أي يوم القيامة بأن الرسل قد بلغت قومها عن ربها {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} على أنه قد بلغ رسالة ربه إلى أمته. قوله: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} يعني بيت المقدس {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي: إلا ليكون ما علمنا كما علمنا. وهو علم الفعال. {مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} يعني صرف القبلة {إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} يعني تحوّلهم عن بيت المقدس؛ لأن العرب لم تكن قبلة أحب إليها من الكعبة. فقال: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً}، أي: لعظيمة، {إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}. قال بعض المفسرين: كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص؛ صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامته بمكة إلى بيت المقدس، وصلّت الأنصار إلى بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي عليه السلام المدينة. وصلى النبي بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً. ثم وجَّهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال قائلون: {مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؛ لقد اشتاق الرجل إلى مولده. وقال أناس لما صُرِفت القبلة: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل من قبل في قبلتنا الأولى، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وقد يبتلي الله العباد بما يشاء من أمره، الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله وإخلاص له وتسليم لقضائه. قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال الحسن: محفوظ لكم إيمانكم عند الله حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس إذ فرضها عليكم. وقال بعضهم: عن الحسن وعن جماعة من المفسرين: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم التي كنتم تصلّون إلى بيت المقدس. وهذا حقيقة التأويل. {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {سَيَقُولُ السُّفهاء}: أى الذين عقولهم خفيفة ممتهنة بالتقليد، وترك التدبر فى الوحى، وسائر خلق الله، فلو كانوا يتدبرون فى الوحى والمصنوعات لرجحت بالعلم ورزنت، وإن شئت فقل السفهاء من خفت نفوسهم وجوارحهم وألسنتهم لنقصان عقولهم فى الدين، ألا ترى كيف يعاجلون المعصية حذراً أن تفوتهم، سواء كانت معصية فعل أو [قول، وهكذا يكون السفه فى أمر الدنيا، ويقارنه السفه فى الدين، كعدم المبالاة بتضييع المال وإذا صح انصاف الإنسان بالسفه من جانب أمر الدنيا فمن باب الدين أولى. {مِنَ النَّاس}: حال من السفهاء، ومن للتبعيض، والمراد بالسفهاء اليهود لإنكارهم النسخ، وقد نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، وهذا قول مجاهد، وعن ابن عباس: هم أحبار اليهود جاءوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتنا، ارجع إليها ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقال الحسن: المراد بالسفهاء مشركو العرب، وهم كفار قريش. قالوا رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، فوالله ليرجعن إلى دينهم، وقالوا قد تردد على محمد أمره واشتاق إلى مولده، وقد تحول إلى قبلة بلدكم فلعله يرجع إلى دينكم. وقيل المراد بالسفهاء المنافقون فى المدينة لحرصهم على الطعن والاستهزاء فى الإسلام، ولا يجدون مقالا فى ذلك إلا قالوه، وقيل المراد المنافقون واليهود، وقيل المراد المنافقون واليهود والمشركون من قريش، وهو أولى لعمومه، إذ لا فائدة فى التخصيص، والمراد بالناس جملة الناس، ويجوز أن يراد بالناس قريش بمعنى أنه سيقول السفهاء من قريش، لأن فى قريش من ليس سفيها، وهو من آمن بالله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يراد بالناس اليهود، أى سيقول السفهاءُ من اليهود، لأن من اليهود من آمن بالله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام. وقد يقال المراد بالناس المنافقون واليهود ومشركو العرب، أى سيقول السفهاء من المنافقين واليهود ومشركى العرب، لأنهم ولو كانوا كلهم كفاراً مشركين لكن منهم إخفاء، ومنهم من فيه ثقل، وبعض رزانة. والله أعلم. والآية نزلت قبل أن يقولوا، وفائدة ذلك أن يكون معجزة لأن فيه إخباراً بالغيب على طبق ما سيقع، ففيه دعاء إلى تصديق النبى صلى الله عليه وسلم، وأن يوطن نفسه ليثبت، إذا قالوا لأن مفاجاة المكروه أشد من مجيئه على علم به، وفيها يكون الاضطراب، وإذا تقدم العلم به زال الاضطراب لوقوعه أو خف، وأن يعد الجواب لهم إذ قالوا كما علمه الله أن يقول بقوله: قل لله المشرق والمغرب.. إلخ، فإن الجواب الحاضر قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وفى المثل، قبل الرمى يراش السهم. وقال ابن عباس: الآية متأخرة فى النزول عن قوله تعالى: {أية : قَدْ نَرى تقلُّب وَجْهِك}..تفسير : الآية متقدمة فى التلاوة، ومعنى سيقول: أنهم يقول فيما يأتى كما يقولون فيما مضى، وذلك وصف لهم بالاستمرار على القول، والجمهور على ما ذكرت قبل هذا. {مَا وَلاَّهُم عَن قِبْلَتهم}: ما الذى صرفهم عن القبلة. {الَّتى كانُوا عَليْها}: أى على استقبالها فى الصلاة وهى بيت المقدس والقبلة فى الأصل الهيئة من الاستقبال، كالجلسة بكسر الجيم، جعلت فى العرف اسما للمكان الذى يستقبله المصلى فى صلاته ويتوجه إليه، وتطلق أيضاً على الجهة التى يقابلها الإنسان أو غيره فى الصلاة، ووجه التسيمة أن ذلك المكان أو الجهة يقابله، ويقابل ذلك المكان أو الجهة. {قُلْ}: يا محمد ردّاً على هؤلاء السفهاء. {للهِ المشْرِقُ والمغْرِب}: الكلام عليهما مثل ما مر، فإذا كانت الجهات كلها مقسومات فى قطر المشرق والمغرب وهما له، فله أن يأمر بالاستقبال إلى أى جهة شاء لا اعتراض عليه، وليست جهة أولى من الأخرى فى الاستقبال فى ذاتها، وإنما تكون الجهة قبلة بأمر الله. {يَهْدى مَنْ يَشاءُ}: هدايته. {إلى صراطٍ مُستَقيمٍ}: أى طريق لا عوج فيهِ ولا مضرة لمن يسير فيه، وذلك دين الإسلام شبهة فى نفعه وسهولته بالطريق السهل الموصل للمقصود، ويجوز أن يراد بالصراط المستقيم ما تقتضيه الحكمة من شرع بيت المقدس قبلةً تارة، والكعبة تارة، لا مجموع الإسلام، وأن يراد شرع الكعبة قبلة وهى قبلة إبراهيم، وفى المقام حذف معنوى تقديره، وأنتم ممن هداه إلى صراط مستقيم دل على هذا قوله: {وكَذلكَ جَعلْناكُم أمةً...}

اطفيش

تفسير : {سَيَقُولُ} الخ نزلت قبل قوله: مَا وَلاَّهم وبعد {أية : قد نرى تقلب وجهك} تفسير : [البقرة: 144].. الآية فتكون معجزة بالإخبار بالغيب، وتوطيناً لنفوس المؤمنين على الصبر، وليستعدوا للجواب، ومفاجأة المكروه أشد على النفس، وأدعى لاضطراب الجواب، أو خطئه فقدم الله الإخبار لهم ولقنهم الجواب، وعلى صحة نزولها بعد قولهم: ما ولاهم، فالسين للتأكيد دون الاستقبال، وفائدة التأكيد ذمهم، بأنهم قد تحقق منهم كلام سوء وطعن، فيكون الفعل للال المحكية تنزيلا للماضى منزلة الحاضر، أو الاستمرار أو هى للاستقبال بمعنى، أنهم سيعيدون القول ويكررونه مجاهرة، وجد بعد إخفاء {السُّفَهَاءُ} من يضعون الشىء فى غير موضعه لخفة عقولهم، ويعملون بغير دليل ويرون غير الدليل دليلا {مِنَ النَّاسِ} أى من جملة الناس، لئلا يتوهم أن السفهاء هم خصوص المذكورين أوائل السورة، والسفيه ولو كان قد يكون من الحيوانات لكن لا قول لها إلا شاداً، أو تأويلا فلا يحترز عنها، والسفهاء اليهود المجاهرون، والمنافقون بإضمار الشرك من العرب، والمنافقون من اليهود، ومشركو العرب، أما اليهود فإنهم لا يرون الفسخ، وكانوا يأنسون باستقبال النبى صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، ويرجعون أن يرجع إلى دينهم، ولما استقبل القبلة اغتموا، وقالوا، اشتاق إلى دين آبائه، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه المبشر به فى التوراة، فبعض علموا أنه النبى، وأنه سيرجع إلى الكعبة وكتم، ولو لم يرجع إليها لعلموا أنه غير النبى، وقال ذلك سفها، وبعض ما علم وقال ذلك، وأما المنافقون فقالوا: تحوله للكعبة لعب بالدين وعمل بالرأى لا دين، وأما مشركو العرب فقالوا، قد رجع إلى وفاقنا، ولو بقى عليه من أول الأمر لكان أولى له وكذبوا، لم يكن قط إلا على الإسلام، إلا إن أرادوا موافقة الكعبة. ويروى أنه كان يصلي إلى بيت المقدس فتأذوا بذلك، وقيل: يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ولما حوّلت الكعبة قالوا، لو كان من أول كذلك كأن ألْيق به، وقالوا: رغب عن قبلة آبائه، ثم رجع إليها، وسيرجع إلى دينهم. قال البراء: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى "أية : قد نرى تقلب وجهك..." تفسير : [البقرة: 144] الآية فكان يصلى إليها. وفى رواية صلى إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ ثلاثة عشر شهرا، وقيل سبعة أشهر {مَا وَلَّٰهُمْ} صرفهم إلى الكعبة {عَنْ قِبْلَتِهِمُ} صخرة بيت المقدس. وأصل الكعبة نوع من الاستقبال فى ذات المستقبل وأحواله فى مكانه، ثم صار حقيقة عرفية عامة للجهة المسقبل إليها {الَّتِي كَانُواُ عَلَيْهَا} فى صلاتهم ودعائهم وأمورهم، وذلك ظاهر فى اليهود والمنافقين من العرب المعتقدين لحقية قبلة اليهود تقليداً لليهود. ومما ورد فى صخرة بيت المقدس، أن المياه تقسم عليها لأهل الأرض. وأما مشركو العرب فقولهم، ما ولاهم... الخ مجرد طعن، بأن الانصراف بلا داع، وأما استقبال الكعبة فحق عندهم {قُل لِّلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} وسائر الأرض دخل فيها تعميما للجوانب، أو كناية عن جميع الأرض، وذلك أبلغ من أن يقول، لله الأرض كلها، وأيضاً فى ذكرها تلويح بذكر قبلة النصارى وهى المشرق، وقبلة اليهود، وهى المغرب، وأخره لأن الطلوع قبل الغروب، ومطابقة لمزيد ظهورها لكونهما مطالع النور والظلمة وكثرة توجه الناس إليهما للأوقات والمقاصد، ولا بد أنهما سميا لشروق الشمس وغروبها، لكن إما أن يعتبرا على طول الأرض وعرضها، وإما أن يعتبرا بمشارق الأرض ومغاربها {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هداية توفيق إلى قبول دين الله، سواء أعمل به، أو آمن، وقيل: وعمل الكبائر فهو للنار إن أصرَّ، فهؤلاء أمة الإجابة، ومقابلهم من لم يهده التوحيد وقبول الدين، وهم اليهود والنصارى وكل مشرك، وهم أمة كفر من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كقوم نوح وقوم هود، وهداية توفيق للسعادة، وبدل للأول العموم فى قوله: {وَكَذَلِكَ} الخ، أى كما هديناكم إلى الصراط المسقيم، وجعلنا قبلتكم الكعبة لا تنسخ هى ولا دينكم، وهما أفضل دين وقبلة، ولو لم تصرح الآية بالأفضلية وعدم النسخ، لكن ناسبه التفضيل فى قوله "جعلناكم أمة... الخ" ولا شك أن الكعبة أشرف لأنها قبلة إبراهيم، وقبلة آدم، ومن بعد، وإذا صير إلى السبق فهى أسبق، لأنها قبل آدم بألفى عام تحجه الملائكة، ووضع الله بيت المقدس أيضاً لكن بعد الكعبة بأربعين عاما {جَعَلْنَٰكُمْ} يا أمة محمد {أُمَّةً وَسَطاً} أفضل من غيركم بالعلم، والعمل من الواسطة التى هى المختار من الجواهر، أو من الواسطة بمعنى الاعتدال فى الشأن، لأن وسط الشىء مصون، والأطراف يتسارع إليها الخلل، ولأنها وسط معنوى، بين إفراط وتفريط، والوسط فى الأصل اسم لما يستوى نسبة الجوانب إليه كالمركز، ثم استعير للخصال المحمودة لكونها أوساطا للخصال المذمومة المكتنفة بها من طرفى الإفراط والتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين الجبن والتهور {لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} أن أنبياءهم بلغوهم، والمراد بالكاف وواو تكونوا المجموع لا الجميع، لأن الأشقياء من هذه الأمة لا يكونون شهداء على الناس الذين قبل هذه الأمة {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ} لكم {شَهِيداً} بأنكم عدول تقبل شهادتكم على الأمم، وأنه بلغكم وقبلتم، كما دل عليه أمة وسطاً وأنكم شهداء، فله مدخل فى التعليل، بخلاف ما لو فسرنا بمجرد شهادته صلى الله عليه وسلم، أنه بلغكم، فيخص عن الأنبياء بشهادته لنفسه بالتبليغ فتكون على بظاهرها، فتكون اللام للعاقبة فى هذا، ولو صح التعليل فى تكونوا فيجمع فيه بين الحقيقة والمجاز، أو تجعل لعموم المجاز، أو تجعل فى الأول للتعليل، وتقدر فى الثانى للعاقبة، أى، وليكون الرسول عليكم شهيداً. تنكر كفار الأمم تبليغ الرسل، فيقول الرسل، تشهد لنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيشهدون لهم بالتبليغ، فيقول الكفار: كيف يشهدون علينا وهم بعدنا؟ فيقولون: يا ربنا، أرسلت إلينا رسولا: وأنزلت علينا كتابا فيه تبليغهم وأنت صادق، فيسأل صلى الله عليه وسلم عن أمته، فيزكيهم، يشهد كل نبى على أمته باكفر بما بلغها "أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" تفسير : [النساء: 41] فتكذبه الأمم، فتشهد له هذه الأمة، وشهادته صلى الله عليه وسلم بعدالة أمته الشاهدين للأنبياء شهادة على كفار الأمم "أية : وجئنا بك على هؤلاء" تفسير : [النساء: 41] أى كفار الأمم، شهيداً. وعن أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم: يجىء النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ومعه الرجل، أو النبى ومعه الرجلان وأكثر، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. الآية. وفى رواية، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم، ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ويكون الرسول عليكم شهيداً: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ} وهى الكعبة فى نفس الأمر {الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} قبل، كانت قبلته حين كان بمكة الكعبة، ولو كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس، واستقبل المقدس فى المدينة ستة أو سبعة عشر شهرا، بأمر الله تأليفا لليهود، ثم حوله للكعبة. فالتى مفعول ثان لا نعت على المختار، أو ما جعلنا القبلة فى المدينة قبل التحويل أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها قبل الهجرة قبلة، أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها بعد الهجرة قبلة، فالمفعول الثانى محذوف، والتى نعت {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} محمداً صلى الله عليه وسلم علم ظهور، أو ليظهر علمنا، أو نعاملهم معاملة المختبر، وعلم الله أزكى، لكن لا يخفى عنه وقع الشىء ووقته وتفاصيله، لأنه الخالق له؛ أو ليعلم رسولنا أو عبادنا الصالحون، فحذف المضاف، أو أسند لنفسه، لأنهم خواصه، وفى ذلك تعظيم لهم، أو لنميز مع يتبع الرسول للناس، والعلم سبب للتمييز وملزوم له، فإن العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، أو لنجازى الطائع والعاصى، وإنما يكون الجزاء ممن علم طاعة الطائع وعصيان العاصى، والمراد بالاتباع البقاء على اتباعه فيما مضى وفيما يحدث من القبلة وغيرها {مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} يكفر بعد الإيمان، بسبب تبدل القبلة كفراً شبيهاً برجوع الماشى إلى ورائه، يظن أنه صلى الله عليه وسلم فى حيرة من أمره، وقد ارتد لذلك الظن جماعة {وَإِن} إنه أى الشأن {كَانَتْ} أى التولية المعلومة من قوله، ما ولاهم، أو القبلة، أو التحويلة، أو الردة إلى الكعبة. أو الجعلة أو المتابعة {لَكَبِيرَةً} شاقة على قلوب الناس، وقاعدة الكوفيين فى جميع القرآن وغيره، أن يجعلوا أن المخففة نافية لا مخففة، واللام بعدها بمعنى إلا، ويرده أنه لم يجىء فى كلام العرب، ما جاء لزيد، أى إلا زيد، وجاء القوم لزيد، أى إلا زيداً {إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} منهم، أجاز بعضهم التفريغ فى الإثبات، والمانع يعتبر ما فى كبيرة من معنى النفى، أى لا تخف إلا على الذين هدى الله. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله تعالى، قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضَها فول وجهك شطر المسجد الحرام، فقال رجال من المسلمين: ووددنا لو علمنا علم من مات منا، قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف صلواتنا إلى بيت المقدس، فأنزل الله عز وجل {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ} أى طاعتكم، أى ثوابها، وكل عبادة إيمان، وفى الحديث، الإيمان بضع وستون جزءا، وهى أن الإيمان مؤنثة لتأنيث الخبر فى الآية، الصلاة. قال حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود، إن كانت صلاتكم إلى بيت المقدس هدى فقط تحولتم عنه، أو ضلالة فقد دنتم بها مدة، ومن مات قبل التحويل مات عليها كأسعد بن زرارة، وأبى أمامة بن بنى النجار والبراء بن معرور من بنى سلمة، وكانا من النقباء، وآخرين، فقال عشائرهم، يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فما حال من مات منا قبل الصرف؟ فنزل: وما كان الله ليضيع إيمانكم، أى صلاتكم أو طاعتكم مطلقاً، لا يضيع صلاتكم ولا غيرها، أو إيمانكم باستقبال بيت المقدس سواء أقلنا لها بوحى على ما رجحوا، أو اجتهاد منه إذ وجد أهل التوراة يستقبلونها، كما صام عاشوراء متابعة لهم، فوطن أن يستقبلها حتى يوحتى إليه فى الاستقبال، ومن قال، الإيمان التصديق فقط، وفسره بالصلاة فقد يجوز لأنه سببها وملزومها {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ} متعلق بما بعد اللام بحسب الظاهر فيحمل عليه، فيقال، لا صدر لللام فى خير إن إذا كان المتعلق ظرفاً أو مجروراً، لأن تأويل الكثير لا يحسن إلا لما لا بد منه ولا محيد عنه {لَرَءُوفٌ} شديد الرحمة {رَّحِيمٌ} الرحمة أعم من الرأفة، ومع ذلك أخرها للفاصلة، وهى مبنية على الميم نظير الميم فى مستقيم، وأولى من ذلك أن نقول، لا محذور فى تقديم خاص لا يشمل كل ما فى العام، فلذكر العام بعده دلالة على ما لم يدل عليه الخاص، فذكر الرحمة ليدل على رحمة أخرى دون الشديدة، بخلاف فلان متكلم فصيح، فإنه لو أخر متكلم لم تكن له فائدة، فإن فلانا لا يكون فصيحاً إلا وهو متكلم. ولذلك قدمت بلا فاصلة فى قوله تعالى "أية : رأفة ورحمة" تفسير : [الحديد: 27] وقيل، الرحمة تعم دفع المكروه وإزالة الضرر وسائر الأفضال، والرأفة دفع المكروه والضرر، ودفعهما أهم من جلب الرزف مثلا، فقدمت لذلك على الرحمة، فهى تخلية متقدمة على التحلية، أو الرأفة دفع المضار، والرحمة جلب المسار.

الالوسي

تفسير : /{سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء}، أي الخفاف الأحلام أو المستمهنوها بالتقليد المحض، والإعراض عن التدبر، والمتبادر منهم ما يشمل سائر المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين، وروي عن السدي الاقتصار على الأول، وعن ابن عباس الاقتصار على الثاني، وعن الحسن الاقتصار على الثالث، ولعل المراد بيان طائفة نزلت هذه الآية في حقهم لا حمل الآية عليها لأن الجمع فيها محلى باللام، وهو يفيد العموم فيدخل فيه الكل، والتخصيص بالبعض لا يدعو إليه داع، وتقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاماً؛ والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب، ولما أن فيه إعداد الجواب والجواب المعد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وفي المثل ـ قبل الرمي يراش السهم ـ وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزة له صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الوجه في التقديم هو التعليم والتنبيه على أن هذا القول أثر السفاهة فلا يبالي به ولا يتألم منه ويرد عليه ـ أن التعليم ـ والتنبيه المذكورين يحصلان بمجرد ذكر هذا السؤال، والجواب ولو بعد الوقوع، وقال القفال: إن الآية نزلت بعد تحويل القبلة، وأن لفظ {سَيَقُولُ} مراد منه الماضي، وهذا كما يقول الرجل إذا عمل عملاً فطعن فيه بعض أعدائه: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيَّ ـ كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فيذكرونه مرات أخرى ـ ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 144] إلى آخر الآية فقال السفهاء وهم اليهود {مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} إلى آخر الآية، وفي رواية أبـن إسحٰق وعبد بن حميد وأبـن أبي حاتم عنه زيادة فأنزل الله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء} الخ، ومناسبة الآية لما قبلها أن الأولى: قدح في الأصول، وهذا في أمر متعلق بالفروع، وإنما لم يعطف تنبيهاً على استقلال كل منهما في الشناعة. {مِنَ ٱلنَّاسِ} في موضع نصب على الحال، والمراد منهم الجنس، وفائدة ذكره التنبيه على كمال سفاهتهم بالقياس إلى الجنس، وقيل: الكفرة، وفائدته بيان أن ذلك القول المحكي لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك الطوائف بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في آسن الفساد، والأول أولى كما لا يخفى. {ماولَّٰهُمْ} أيْ أيّ شيء صرفهم، وأصله من الولي، وهو حصول الثاني بعد الأول من غير فصل والاستفهام للإنكار {عَن قِبْلَتِهِمُ} يعني بيت المقدس وهي فعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة، وأصلها الحالة التي كان عليها المقابل إلا أنها في العرف العام اسم للمكان/ المقابل المتوجه إليه للصلاة. {ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا} أي على استقبالها، والموصول صفة القبلة، وفي وصفها بذلك بعد إضافتها إلى ضمير المسلمين تأكيد للإنكار ومدار هذا الإنكار بالنسبة إلى اليهود زعمهم استحالة النسخ وكراهتهم مخالفته صلى الله عليه وسلم لهم في القبلة حتى إنهم قالوا له: ارجع إلى قبلتنا نتبعك ونؤمن بك، ولعلهم ما أرادوا بذلك إلا فتنته عليه الصلاة والسلام، وبالنسبة إلى مشركي العرب القصد إلى الطعن في الدين وإظهار أن كُلاّ من التوجه إليها، والانصراف عنها بغير داع إليه حتى إنهم كانوا يقولون: إنه رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها وليرجعن إلى دينهم أيضاً، وبالنسبة إلى المنافقين مختلف باختلاف أصولهم فإن فيهم اليهود وغيرهم، واختلف الناس في مدة بقائه صلى الله عليه وسلم مستقبلاً بيت المقدس، ففي رواية البخاري ما علمت، وفي رواية مالك بن أنس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ ثلاثة عشر شهراً، وعن الصادق سبعة أشهر، وهل استقبل غيره قبل بمكة أم لا؟ قولان: أشهرهما الثاني وهو المروي أيضاً عن الصادق رضي الله تعالى عنه. {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي جميع الأمكنة والجهات مملوكة له تعالى مستوية بالنسبة إليه عز شأنه لا اختصاص لشيء منها به جل وعلا إنما العبرة لامتثال أمره فله أن يكلف عباده باستقبال أي مكان وأي جهة شاء {يَهْدِى مَن يَشَآء إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي طريق مستو وهو ما تقتضيه الحكمة من التوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى، والجملة بدل اشتمال مما تقدم وهو إشارة إلى مصحح التولية وهذا إلى مرجحها كأنه قيل: إن التولية المذكورة هداية يخص الله تعالى بها من يشاء ويختار من عباده وقد خصنا بها فله الحمد.

سيد قطب

تفسير : الحديث في هذا الدرس يكاد يقتصر على حادث تحويل القبلة، والملابسات التي أحاطت به، والدسائس التي حاولها اليهود في الصف المسلم بمناسبته والأقاويل التي أطلقوها من حوله؛ ومعالجة آثار هذه الأقاويل في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم على العموم. ولا توجد رواية قطعية في هذا الحادث، كما أنه لا يوجد قرآن يتعلق بتاريخه بالتفصيل. والآيات الخاصة به هنا تتعلق بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وكان هذا في المدينة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهراً من الهجرة. ومجموع الروايات المتعلقة بهذا الحادث يمكن أن يستنبط منها - بالإجمال - أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة منذ أن فرضت الصلاة - وليس في هذا نص قرآني - وأنهم بعد الهجرة وجهوا إلى بيت المقدس بأمر إلهي للرسول - صلى الله عليه وسلم - يرجح أنه أمر غير قرآني. ثم جاء الأمر القرآني الأخير: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوكم شطره}.. فنسخه. وعلى أية حال فقد كان التوجه إلى بيت المقدس - وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى - سبباً في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، إذ أطلقوا في المدينة ألسنتهم بالقول، بأن اتجاه محمد ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم هو الدين، وقبلتهم هي القبلة؛ وأنهم هم الأصل، فأولى بمحمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام! وفي الوقت ذاته كان الأمر شاقاً على المسلمين من العرب، الذين ألفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام؛ وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم. وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر، واتخاذه حجة عليهم! وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقلب وجهه في السماء متجهاً إلى ربه، دون أن ينطق لسانه بشيء، تأدباً مع الله، وانتظاراً لتوجيهه بما يرضاه.. ثم نزل القرآن يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}.. وتقول الروايات: إن هذا كان في الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة، وإن المسلمين حينما سمعوا بتحويل القبلة، كان بعضهم في منتصف صلاة، فحولوا وجوهم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم، وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة. عندئذ انطلقت أبواق - يهود وقد عز عليهم أن يتحول محمد - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة عن قبلتهم، وأن يفقدوا حجتهم التي يرتكنون إليها في تعاظمهم وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم - انطلقت تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم وفي أساس عقيدتهم.. قالوا لهم: إن كان التوجه - فيما مضى - إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم طوال هذه الفترة؛ وإن كانت حقاً فالتوجه الجديد إلى المسجد الحرام باطل، وضائعة صلاتكم إليه كلها.. وعلى أية حال فإن هذا النسخ والتغيير للأوامر - أو للآيات - لا يصدر من الله، فهو دليل على أن محمداً لا يتلقى الوحي من الله! وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي من مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع، منذ قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} - وقد استغرق درسين كاملين في الجزء الأول - ومن مراجعة هذا الدرس في هذا الجزء أيضاً. ومن التوكيدات والإيضاحات والتحذيرات التي سندرسها فيما يلي تفصيلاً عند استعراض النص القرآني. أما الآن فنقول كلمة في حكمة تحويل القبلة، واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها. فقد كان هذا حادثاً عظيماً في تاريخ الجماعة المسلمة، وكانت له آثار ضخمة في حياتها.. لقد كان تحويل القبلة أولاً عن الكعبة إلى المسجد الأقصى لحكمة تربوية أشارت إليها آية في هذا الدرس: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}.. فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي.. ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية على العموم.. فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلى البيت الحرام، واختار لهم الاتجاه - فترة - إلى المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول اتباعاً مجرداً من كل إيحاء آخر، اتباع الطاعة الواثقة الراضية المستسلمة، ممن ينقلب على عقبيه اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ؛ أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلبس من قريب أو من بعيد.. حتى إذا استسلم المسلمون، واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه إلى المسجد الحرام. ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى بشأنه. هي حقيقة الإسلام. حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصاً لله، وليكون تراثاً للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولاً منهم بالإسلام، الذي كان عليه هو وبنوه وحفدته.. كما مر في درس: {أية : وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}تفسير : .. في الجزء الماضي. ولقد كان الحديث عن المسجد الحرام: بنائه وعمارته، وما أحاط بهما من ملابسات؛ والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه ودينه وقبلته، وعهده ووصيته.. كان هذا الحديث الذي سلف في هذه السورة خير تمهيد للحديث عن تحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بعد هذه الفترة. فتحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، ودعوا عنده ذلك الدعاء الطويل.. يبدو في هذا السياق هو الاتجاه الطبيعي المنطقي مع وراثة المسلمين لدين إبراهيم وعهده مع ربه. فهو الاتجاه الحسي المتساوق مع الاتجاه الشعوري، الذي ينشئه ذلك التاريخ. لقد عهد الله إلى إبراهيم أن يكون من المسلمين؛ وعهد إبراهيم بهذا الإسلام إلى بنيه من بعده، كما عهد به يعقوب - وهو إسرائيل - ولقد علم إبراهيم أن وراثة عهد الله وفضله لا تكون للظالمين. ولقد عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل بإقامة قواعد البيت الحرام.. فهو تراث لهما، يرثه من يرثون عهد الله إليهما.. والأمة المسلمة هي الوارثة لعهد الله مع إبراهيم وإسماعيل ولفضل الله عليهما؛ فطبيعي إذن ومنطقي أن ترث بيت الله في مكة، وأن تتخذ منه قبلة. فإذا اتجه المسلمون فترة من الزمان إلى المسجد الأقصى، الذي يتجه إليه اليهود والنصارى، فقد كان هذا التوجه لحكمة خاصة هي التي أشار إليها السياق، وبيناها فيما سبق. فالآن وقد شاء الله أن يعهد بالوراثة إلى الأمة المسلمة، وقد أبى أهل الكتاب أن يفيئوا إلى دين أبيهم إبراهيم - وهو الإسلام - فيشاركوا في هذه الوراثة.. الآن يجيء تحويل القبلة في أوانه. تحويلها إلى بيت الله الأول الذي بناه إبراهيم. لتتميز للمسلمين كل خصائص الوراثة. حسيها وشعوريها، وراثة الدين، ووراثة القبلة، ووراثة الفضل من الله جميعاً. إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة: الاختصاص والتميز في التصور والاعتقاد؛ والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة. وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص. وقد يكون الأمر واضحاً فيما يختص بالتصور والاعتقاد؛ ولكنه قد لا يكون بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة.. هنا تعرض التفاتة إلى قيمة أشكال العبادة. إن الذي ينظر إلى هذه الأشكال مجردة عن ملابساتها، ومجردة كذلك عن طبيعة النفس البشرية وتأثراتها.. ربما يبدو له أن في الحرص على هذه الأشكال بذاتها شيئاً من التعصب الضيق، أو شيئاً من التعبد للشكليات ولكن نظرة أرحب من هذه النظرة، وإدراكاً أعمق لطبيعة الفطرة، يكشفان عن حقيقة أخرى لها كل الاعتبار. إن في النفس الإنسانية ميلاً فطرياً - ناشئاً من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب - إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة. فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ أو لا تستقر حتى تتخذ لها شكلاً ظاهراً تدركه الحواس؛ وبذلك يتم التعبير عنها. يتم في الحس كما تم في النفس. فتهدأ حينئذ وتستريح؛ وتفرغ الشحنة الشعورية تفريغاً كاملاً؛ وتحس بالتناسق بين الظاهر والباطن، وتجد تلبية مريحة لجنوحها إلى الأسرار والمجاهيل وجنوحها إلى الظواهر والأشكال في ذات الأوان. وعلى هذا الأساس الفطري أقام الإسلام شعائره التعبدية كلها. فهي لا تؤدى بمجرد النية، ولا بمجرد التوجه الروحي. ولكن هذا التوجه يتخذ له شكلاً ظاهراً: قياماً واتجاهاً إلى القبلة وتكبيراً وقراءة وركوعاً وسجوداً في الصلاة. وإحراماً من مكان معين ولباساً معيناً وحركة وسعياً ودعاء وتلبية ونحراً وحلقاً في الحج. ونية وامتناعاً عن الطعام والشراب والمباشرة في الصوم.. وهكذا في كل عبادة حركة، وفي كل حركة عبادة، ليؤلف بين ظاهر النفس وباطنها، وينسق بين طاقاتها، ويستجيب للفطرة جملة بطريقة تتفق مع تصوره الخاص. ولقد علم الله أن الرغبة الفطرية في اتخاذ أشكال ظاهرة للقوى المضمرة هي التي حادت بالمنحرفين عن الطريق السليم. فجعلت جماعة من الناس ترمز للقوة الكبرى برموز محسوسة مجسمة من حجر وشجر، ومن نجوم وشمس وقمر، ومن حيوان وطير وشيء.. حين أعوزهم أن يجدواً متصرفاً منسقاً للتعبير الظاهر عن القوى الخفية.. فجاء الإسلام يلبي دواعي الفطرة بتلك الأشكال المعينة لشعائر العبادة، مع تجريد الذات الإلهية عن كل تصور حسي وكل تحيز لجهة. فيتوجه الفرد إلى قبلة حين يتوجه إلى الله بكليته.. بقلبه وحواسه وجوارحه.. فتتم الوحدة والاتساق بين كل قوى الإنسان في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان؛ وإن يكن الإنسان يتخذ له قبلة من مكان! ولم يكن بد من تمييز المكان الذي يتجه إليه المسلم بالصلاة والعبادة وتخصيصه كي يتميز هو ويتخصص بتصوره ومنهجه واتجاهه.. فهذا التميز تلبية للشعور بالامتياز والتفرد؛ كما أنه بدوره ينشىء شعوراً بالامتياز والتفرد. ومن هنا كذلك كان النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم، التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء. ولم يكن هذا تعصباً ولا تمسكاً بمجرد شكليات. وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات. كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة. وهذه البواعث هي التي تفرق قوماً عن قوم، وعقلية عن عقلية، وتصوراً عن تصور، وضميراً عن ضمير، وخلقاً عن خلق، واتجاهاً في الحياة كلها عن اتجاه. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم ". تفسير : وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وقد خرج على جماعة فقاموا له "حديث : لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها ". تفسير : وقال صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ". تفسير : نهى عن تشبه في مظهر أو لباس. ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك. ونهى عن تشبه في قول أو أدب.. لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصوراً عن تصور، ومنهجاً في الحياة عن منهج، وسمة للجماعة عن سمة. ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض. نهى عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض. فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين. والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية؛ فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة.. والمسلمون هم الأعلون. وهم الأمة الوسط. وهم خير أمة أخرجت للناس. فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم؟ ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه! ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور، وأقوم منهج في الحياة. فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه. وما كان تعصباً أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر؛ وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر؛ وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى. فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله، والوحدة في الأرفع من التصور، والوحدة في الأفضل من النظام، ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله، والتردي في مهاوي الجاهلية.. ليس متعصباً أو هو متعصب. ولكن للخير والحق والصلاح! والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه. إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة. فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز. رمز للتميز والاختصاص. تميز التصور، وتميز الشخصية، وتميز الهدف، وتميز الاهتمامات، وتميز الكيان. والأمة المسلمة - اليوم - بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعاً، وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعاً، وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعاً، وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعاً.. الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة؛ والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة؛ والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور؛ والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده، فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها.. إن هذه العقيدة منهج حياة كامل. وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة، الشهيدة على الناس، المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله.. وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان، وفي الأهداف والاهتمامات، وفي الراية والعلامة. وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له، وأخرجت للناس من أجله. وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار، مبهمة الملامح، مجهولة السمات، مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام! ثم نعود من هذا الاستطراد بمناسبة تحويل القبلة لنواجه النصوص القرآنية بالتفصيل: {سيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل: لله المشرق والمغرب. يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله. وما كان الله ليضيع إيمانكم. إن الله بالناس لرؤوف رحيم}. من السياق القرآني ومن سياق الأحداث في المدينة يتضح أن المقصود بالسفهاء هم اليهود. فهم الذين أثاروا الضجة التي أثيرت بمناسبة تحويل القبلة كما أسلفنا. وهم الذين أثاروا هذا التساؤل: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟} وهي المسجد الأقصى. عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "حديث : أول ما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة نزل على أجداده - أو قال أخواله - من الأنصار؛ وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً؛ أو سبعة عشر شهراً؛ وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر؛ وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون. فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت"تفسير : . وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، فنزلت: {قد نرى تقلب وجهك في السماء...} فقال السفهاء - وهم اليهود - {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها}. وسنلاحظ أن علاج القرآن لهذا التساؤل ولتلك الفتنة يشي بضخامة آثار تلك الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف المسلم في ذلك الحين.. والذي يظهر من صيغة التعبير هنا: {سيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟}. أن هذا كان تمهيداً لإعلان تحويل القبلة في المقطع التالي في هذا الدرس، وأخذاً للطريق على الأقاويل والتساؤلات التي علم الله أن السفهاء سيطلقونها.. أو كان رداً عليها بعد إطلاقها، - كما جاء في الحديث السابق - اتخذ هذه الصيغة للإيحاء بأن ما قالوه كان مقدراً أمره، ومعروفة خطته، ومعدة إجابته. وهي طريقة من طرق الرد أعمق تأثيراً. وهو يبدأ في علاج آثار هذا التساؤل، والرد عليه بتلقين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يواجههم به، ويُقُّر به الحقيقة في نصابها؛ وفي الوقت نفسه يصحح التصور العام للأمور. {قل: لله المشرق والمغرب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. إن المشرق لله والمغرب لله. فكل متجه فهو إليه في أي اتجاه. فالجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها. إنما يفضلها ويخصصها اختيار الله وتوجيهه.. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فإذا اختار لعباده وجهة، واختار لهم قبلة، فهي إذن المختارة. وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم.. بذلك يقرر حقيقة التصور للأماكن والجهات، وحقيقة المصدر الذي يتلقى منه البشر التوجهات، وحقيقة الاتجاه الصحيح وهو الاتجاه إلى الله في كل حال. ثم يحدث هذه الأمة عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض، وعن مكانها العظيم في هذه البشرية، وعن دورها الأساسي في حياة الناس؛ مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة، وشخصيتها الخاصة؛ وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً}.. إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً فتقيم بينهم العدل والقسط؛ وتضع لهم الموازين والقيم؛ وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد؛ وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم.. وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها؛ فيقرر لها موازينها وقيمها؛ ويحكم على أعمالها وتقاليدها؛ ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة.. وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها.. لتعرفها، ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعداداً لائقاً.. وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي.. {أمة وسطاً}.. في التصور والاعتقاد.. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال. {أمة وسطاً}.. في التفكير والشعور.. لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة... ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول؛ ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب؛ وشعارها الدئم الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، في تثبت ويقين. {أمة وسطاً}.. في التنظيم والتنسيق.. لا تدع الحياة كلها للمشاعر، والضمائر، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب؛ وتزاوج بين هذه وتلك، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان.. ولكن مزاج من هذا وذاك. {أمة وسطاً}.. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة؛ ولا تطلقه كذلك فرداً أثراً جشعاً لا هم له إلا ذاته.. إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه. ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو، ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة ; وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادماً للجماعة والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق. {أمة وسطاً}.. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب، وجنوب وشمال، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً، وتشهد على الناس جميعاً؛ وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة؛ وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك؛ وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء. {أمة وسطاً}.. في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها؛ وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها. وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها؛ وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى; وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات، ورصيدها العقلي المستمر في النماء؛ وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك. وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها. وأمة تلك وظيفتها وذلك دورها، خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية، فللقيادة تكاليفها، وللقوامة تبعاتها، ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى، ليتأكد خلوصها لله وتجردها، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة. وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها بمناسبة تحويلهم الآن عنها: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}.. ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. إنه يريد لها أن تخلص له؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية ومن كل شعار اتخذته، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر. ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك، ومن عصبية الجنس، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس.. والله يريده أن يكون بيت الله المقدس، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته. لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة، ووجههم إلى بيت المقدس، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولاً؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ثانياً، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة. إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة.. إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكاً؛ ولا تقبل شعاراً غير شعارها المفرد الصريح ; إنها لا تقبل راسباً من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}.. والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس، حتى يحاسبهم عليه ويأخذهم به فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم. ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس عُلقة.. أمر شاق، ومحاولة عسيرة.. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله}.. فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات، وأن تنفض عنها تلك الرواسب؛ وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع حيثما وجهها الله تتجه وحيثما قادها رسول الله تقاد. ثم يطمئن المسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم. إنهم ليسوا على ضلال وإن صلاتهم لم تضع، فالله سبحانه لا يعنت العباد، ولا يضيع عليهم عبادتهم التي توجهوا بها إليه؛ ولا يشق عليهم في تكليف يجاوز طاقتهم التي يضاعفها الإيمان ويقويها: {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم}.. إنه يعرف طاقتهم المحدودة، فلا يكلفهم فوق طاقتهم؛ وإنه يهدي المؤمنين، ويمدهم بالعون من عنده لاجتياز الامتحان، حين تصدق منهم النية، وتصح العزيمة. وإذا كان البلاء مظهراً لحكمته، فاجتياز البلاء فضل رحمته: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم}.. بهذا يسكب في قلوب المسلمين الطمأنينة ويذهب عنها القلق، ويفيض عليها الرضى والثقة واليقين.. بعد ذلك يعلن استجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر القبلة؛ ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم.. في صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة ووقايتها من البلبلة والفتنة: {قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره. وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم، وما الله بغافل عما يعملون. ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين. الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير. ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام. وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون. ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره، لئلا يكون للناس عليكم حجة. إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني، ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون}.. وفي مطلع هذه الآيات نجد تعبيراً مصوراً لحالة النبي - صلى الله عليه وسلم -: {قد نرى تقلب وجهك في السماء}.. وهو يشي بتلك الرغبة القوية في أن يوجهه ربه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها. بعدما كثر لجاج اليهود وحجاجهم؛ ووجدوا في اتجاه الجماعة المسلمة لقبلتهم وسيلة للتمويه والتضليل والبلبلة والتلبيس.. فكان - صلى الله عليه وسلم - يقلب وجهه في السماء، ولا يصرح بدعاء، تأدباً مع ربه، وتحرجاً أن يقترح عليه شيئاً أو أن يقدم بين يديه شيئاً. ولقد أجابه ربه إلى ما يرضيه. والتعبير عن هذه الاستجابة يشي بتلك الصلة الرحيمة الحانية الودود: {فلنولينك قبلة ترضاها}.. ثم يعين له هذه القبلة التي علم - سبحانه - أنه يرضاها: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}.. قبلة له ولأمته من معه منها ومن يأتي من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره}.. من كل اتجاه، في أنحاء الأرض جميعاً قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها، واختلاف مواقعها من هذه القبلة، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها.. قبلة واحدة، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها. فتحس أنها جسم واحد، وكيان واحد، تتجه إلى هدف واحد، وتسعى لتحقيق منهج واحد، منهج ينبثق من كونها جميعاً تعبد إلهاً واحداً، وتؤمن برسول واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة. وهكذا وحد الله هذه الأمة. وحدها في إلهها ورسولها ودينها وقبلتها. وحدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات. ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها؛ ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها؛ ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها.. إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان؛ فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب، وقبلة العبادة، إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلأ والسياج والحظيرة! ثم.. ما شأن أهل الكتاب وهذه القبلة الجديدة؟ {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم}.. إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول الذي رفع قواعده إبراهيم. جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين. وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه.. ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه. فلا على المسلمين منهم؛ فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم: {وما الله بغافل عما يعملون}.. إنهم لن يقتنعوا بدليل، لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل؛ إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى، والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}.. فهم في عناد يقوده الهوى، وتؤرثه المصلحة، ويحدوه الغرض.. وإن كثيراً من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يقدم إليهم في صورة مقنعة.. وهذا وهم إنهم لا يريدون الإسلام لأنهم يعرفونه! يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم وعلى سلطانهم؛ ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر، بشتى الطرق وشتى الوسائل. عن طريق مباشر وعن طرق أخرى غير مباشرة. يحاربونه وجهاً لوجه، ويحاربونه من وراء ستار. ويحاربونه بأنفسهم ويستهوون من أهله من يحاربه لهم تحت أي ستار.. وهم دائماً عند قول الله تعالى لنبيه الكريم: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}. وفي مواجهة هذا الإصرار من أهل الكتاب على الإعراض عن قبلة الإسلام ومنهجه الذي ترمز هذه القبلة له، يقرر حقيقة شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقفه الطبيعي: {وما أنت بتابع قبلتهم}.. ليس من شأنك أن تتبع قبلتهم أصلاً. واستخدام الجملة الاسمية المنفية هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه هذا الأمر. وفيه إيحاء قوي للجماعة المسلمة من ورائه. فلن تختار قبلة غير قبلة رسولها التي اختارها له ربه ورضيها له ليرضيه؛ ولن ترفع راية غير رايتها التي تنسبها إلى ربها؛ ولن تتبع منهجاً إلا المنهج الإلهي الذي ترمز له هذه القبلة المختارة.. هذا شأنها ما دامت مسلمة؛ فإذا لم تفعل فليست من الإسلام في شيء.. إنما هي دعوى.. ويستطرد فيكشف عن حقيقة الموقف بين أهل الكتاب بعضهم وبعض؛ فهم ليسوا على وفاق، لأن الأهواء تفرقهم: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض}.. والعداء بين اليهود والنصارى، والعداء بين الفرق اليهودية المختلفة، والعداء بين الفرق النصرانية المختلفة أشد عداء. وما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا شأنه وهذا شأن أهل الكتاب، وقد علم الحق في الأمر، أن يتبع أهواءهم بعدما جاءه من العلم: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين}.. ونقف لحظة أمام هذا الجد الصارم، في هذا الخطاب الإلهي من الله سبحانه إلى نبيه الكريم الذي حدثه منذ لحظة ذلك الحديث الرفيق الودود.. إن الأمر هنا يتعلق بالاستقامة على هدي الله وتوجيهه؛ ويتعلق بقاعدة التميز والتجرد إلا من طاعة الله ونهجه ومن ثم يجيء الخطاب فيه بهذا الحزم والجزم وبهذه المواجهة والتحذير.. {إنك إذاً لمن الظالمين}.. إن الطريق واضح، والصراط مستقيم.. فإما العلم الذي جاء من عند الله. وإما الهوى في كل ما عداه. وليس للمسلم أن يتلقى إلا من الله. وليس له أن يدع العلم المستيقن إلى الهوى المتقلب. وما ليس من عند الله فهو الهوى بلا تردد. وإلى جانب هذا الإيحاء الدائم نلمح كذلك أنه كانت هناك حالة واقعة من بعض المسلمين، في غمرة الدسائس اليهودية وحملة التضليل الماكرة تستدعي هذه الشدة في التحذير، وهذا الجزم في التعبير. وبعد هذه الوقفة العابرة نعود إلى السياق؛ فنجده لا يزال يقرر معرفة أهل الكتاب الجازمة بأن الحق في هذا الشأن وفي غيره هو ما جاء به القرآن، وما أمر به الرسول. ولكنهم يكتمون الحق الذي يعلمونه، للهوى الذي يضمرونه: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}.. ومعرفة الناس بأبنائهم هي قمة المعرفة، وهي مثل يضرب في لغة العرب على اليقين الذي لا شبهة فيه.. فإذا كان أهل الكتاب على يقين من الحق الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه هذا الذي جاء به في شأن القبلة، وكان فريق منهم يكتمون الحق الذي يعلمونه علم اليقين.. فليس سبيل المؤمنين إذن أن يتأثروا بما يلقيه أهل الكتاب هؤلاء من أباطيل وأكاذيب. وليس سبيل المؤمنين أن يأخذوا من هؤلاء الذين يستيقنون الحق ثم يكتمونه شيئاً في أمر دينهم، الذي يأتيهم به رسولهم الصادق الأمين. وهنا يوجه الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما امترى يوماً ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: {أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذي يقرأون الكتاب من قبلك}تفسير : .. قال: "حديث : لا أشك ولا أسأل ".. تفسير : ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه - صلى الله عليه وسلم - يحمل إيحاء قوياً إلى من وراءه من المسلمين. سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم. وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير؛ ونحن - في بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - في أمر ديننا، ونتلقى عنهم تاريخنا، ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا، وسيرة أوائلنا؛ ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم، ثم يعودون الينا مدخولي العقل والضمير. إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة المسلمة. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره. وأهل الكتاب هم أهل الكتاب، والكفار هم الكفار، والدين هو الدين! ونعود إلى السياق فنراه يصرف المسلمين عن الاستماع لأهل الكتاب والانشغال بتوجيهاتهم، ويوحي إليهم بالاستقامة على طريقهم الخاص ووجهتهم الخاصة. فلكل فريق وجهته، وليستبق المسلمون إلى الخير لا يشغلهم عنه شاغل، ومصيرهم جميعاً إلى الله القادر على جمعهم وعلى مجازاتهم في نهاية المطاف: {ولكل وجهة هو موليها، فاستبقوا الخيرات، أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير}.. وبهذا يصرف الله المسلمين عن الإنشغال بما يبثه أهل الكتاب من دسائس وفتن وتأويلات وأقاويل.. يصرفهم إلى العمل والاستباق إلى الخيرات. مع تذكر أن مرجعهم إلى الله، وأن الله قدير على كل شيء، لا يعجزه أمر، ولا يفوته شيء. إنه الجد الذي تصغر إلى جواره الأقاويل والأباطيل.. ثم يعود فيؤكد الأمر بالاتجاه إلى القبلة الجديدة المختارة مع تنويع التعقيب: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك، وما الله بغافل عما تعملون}.. والأمر في هذه المرة يخلو من الحديث عن أهل الكتاب وموقفهم، ويتضمن الاتجاه إلى المسجد الحرام حيثما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وحيثما كان، مع توكيد أنه الحق من ربه. ومع التحذير الخفي من الميل عن هذا الحق. التحذير الذي يتضمنه قوله: {وما الله بغافل عما تعملون}.. وهو الذي يشي بأنه كانت هناك حالة واقعة وراءه في قلوب بعض المسلمين تقتضي هذا التوكيد وهذا التحذير الشديد. ثم توكيد للمرة الثالثة بمناسبة غرض آخر جديد، وهو إبطال حجة أهل الكتاب، وحجة غيرهم ممن كانوا يرون المسلمين يتوجهون إلى قبلة اليهود، فيميلون إلى الاقتناع بما يذيعه اليهود من فضل دينهم على دين محمد، وأصالة قبلتهم ومن ثم منهجهم. أو من مشركي العرب الذين كانوا يجدون في هذا التوجيه وسيلة لصد العرب الذين يقدسون مسجدهم وتنفيرهم من الإسلام الذي يتجه أهله شطر قبلة بني إسرائيل! {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره، لئلا يكون للناس عليكم حجة، إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني، ولأتم نعمتي عليكم، ولعلكم تهتدون}.. وهو أمر للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يولي وجهه شطر المسجد من حيث خرج، وإلى المسلمين أن يولوا وجوههم شطره حيثما كانوا وبيان لعلة هذا التوجيه: {لئلا يكون للناس عليكم حجة}.. وتهوين لما بعد ذلك من أقاويل الظالمين الذين لا يقفون عند الحجة والنطق، إنما ينساقون مع العناد واللجاج. فهؤلاء لا سبيل إلى إسكاتهم، فسيظلون إذن في لجاجهم. فلا على المسلمين منهم: {فلا تخشوهم.. واخشوني}.. فلا سلطان لهم عليكم، ولا يملكون شيئاً من أمركم، ولا ينبغي أن تحفلوهم فتميلوا عما جاءكم من عندي، فأنا الذي استحق الخشية بما أملك من أمركم في الدنيا والآخرة.. ومع التهوين من شأن الذين ظلموا، والتحذير من بأس الله، يجيء التذكير بنعمة الله، والإطماع في اتمامها على الأمة المسلمة، حين تستجيب وتستقيم: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون}... وهو تذكير موح، وإطماع دافع، وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم.. ولقد كانت النعمة التي يذكرهم بها حاضرة بين أيديهم، يدركونها في أنفسهم، ويدركونها في حياتهم، ويدركونها في مجتمعهم وموقفهم في الأرض ومكانهم في الوجود.. كانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية بظلامها ورجسها وجهالتها، ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى نور الإيمان وطهارته ومعرفته. فهم يجدون في أنفسهم أثر النعمة جديداً واضحاً عميقاً. وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية قبائل متناحرة، ذات أهداف صغيرة واهتمامات محدودة. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى الوحدة تحت راية العقيدة، وإلى القوة والمنعة، وإلى الغايات الرفيعة والاهتمامات الكبيرة التي تتعلق بشأن البشرية كلها لا بشأن ثأر في قبيلة! فهم يجدون أثر النعمة من حولهم كما وجدوه في أنفسهم. وكانوا هم أنفسهم الذين عاشوا في الجاهلية في مجتمع هابط دنس مشوش التصورات مضطرب القيم.. ثم انتقلوا هم أنفسهم إلى مجتمع الإسلام النظيف الرفيع، الواضح التصور والاعتقاد، المستقيم القيم والموازين.. فهم يجدون أثر النعمة في حياتهم العامة كما وجدوه في قلوبهم وفي مكانهم من الأمم حولهم. فإذا قال الله لهم: {ولأتم نعمتي عليكم}.. كان في هذا القول تذكير موح، وإطماع دافع وتلويح بفضل عظيم بعد فضل عظيم.. ونجد في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديداً في كل مرة.. في المرة الأولى كان الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد تقلب وجهه في السماء وضراعته الصامتة إلى ربه.. وفي الثانية كان لإثبات أنه الحق من ربه يوافق الرغبة والضراعة.. وفي الثالثة كان لقطع حجة الناس، والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجة.. ولكننا - مع هذا - نلمح وراء التكرار أنه كانت هناك حالة واقعة في الصف الإسلامي تستدعي هذا التكرار، وهذا التوكيد، وهذا البيان، وهذا التعليل، مما يشي بضخامة حملة الأضاليل والأباطيل، وأثرها في بعض القلوب والنفوس. هذا الأثر الذي كان يعالجه القرآن الكريم؛ ثم تبقى النصوص بعد ذلك على مدى الزمان تعالج مثل هذه الحالة في شتى صورها؛ في المعركة الدائبة التي لا تهدأ ولا تفتر ولا تلين! واستطراداً مع هذا الغرض نرى السياق يستطرد في تذكير المسلمين بنعمة الله عليهم، بإرسال هذا النبي منهم إليهم، استجابة لدعوة أبيهم إبراهيم، سادن المسجد الحرام قبلة المسلمين؛ ويربطهم - سبحانه - به مباشرة في نهاية الحديث: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم، يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}.. والذي يلفت النظر هنا، أن الآية تعيد بالنص دعوة إبراهيم التي سبقت في السورة، وهو يرفع القواعد من البيت هو وإسماعيل. دعوته أن يبعث الله في بنيه من جيرة البيت، رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. ليذكر المسلمين أن بعثة هذا الرسول فيهم، ووجودهم هم أنفسهم مسلمين، هو الاستجابة المباشرة الكاملة لدعوة أبيهم إبراهيم. وفي هذا ما فيه من إيحاء عميق بأن أمرهم ليس مستحدثاً إنما هو قديم؛ وأن قبلتهم ليست طارئة إنما هي قبلة أبيهم إبراهيم، وأن نعمة الله عليهم سابغة فهي نعمة الله التي وعدها خليله وعاهده عليها منذ ذلك التاريخ البعيد. إن نعمة توجيهكم إلى قبلتكم، وتمييزكم بشخصيتكم هي إحدى الآلاء المطردة فيكم، سبقتها نعمة إرسال رسول منكم: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم}.. فهو التكريم والفضل أن تكون الرسالة فيكم، وأن يختار الرسول الأخير منكم، وقد كانت يهود تستفتح به عليكم! {يتلو عليكم آياتنا}.. فما يتلو عليكم هو الحق.. والإيحاء الآخر هو الإشعار بعظمة التفضل في أن يخاطب الله العبيد بكلامه يتلوه عليهم رسوله. وهو تفضل يرتعش القلب إزاءه حين يتعمق حقيقته. فمن هم هؤلاء الناس؟ من هم وما هم؟ حتى يخاطبهم الله سبحانه بكلماته، ويتحدث إليهم بقوله، ويمنحهم هذه الرعاية الجليلة؟ من هم وما هم لولا أن الله يتفضل؟ ولولا أن فضل الله يفيض؟ ولولا أنه - سبحانه - منذ البدء منحهم فضل النفخة من روحه ليكون فيهم ما يستأهل هذا الإنعام، وما يستقبل هذا الإفضال؟ {ويزكيكم}.. ولولا الله ما زكي منهم من أحد، ولا تطهر ولا ارتفع. ولكنه أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - يطهرهم. يطهر أرواحهم من لوثة الشرك ودنس الجاهلية، ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني وتطمره. ويطهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة. والذين لا يطهر الإسلام أرواحهم في جنبات الأرض كلها قديماً وحديثاً يرتكسون في مستنقع آسن وبيء من الشهوات والنزوات تزري بإنسانية الإنسان، وترفع فوقه الحيوان المحكوم بالفطرة، وهي أنظف كثيراً مما يهبط إليه الناس بدون الإيمان! ويطهر مجتمعهم من الربا والسحت والغش والسلب والنهب.. وهي كلها دنس يلوث الأرواح والمشاعر، ويلطخ المجتمع والحياة. ويطهر حياتهم من الظلم والبغي وينشر العدل النظيف الصريح الذي لم تستمتع به البشرية كما استمتعت في ظل الإسلام وحكم الإسلام ومنهج الإسلام ويطهرهم من سائر اللوثات التي تلطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم، وفي كل مجتمع لا يزكيه الإسلام بروحه ومنهجه النظيف الطهور.. {ويعلمكم الكتاب والحكمة}.. وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب؛ وبيان للمادة الأصيلة فيه، وهي الحكمة، والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب؛ وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة، ووزن الأمور بموازينها الصحيحة، وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات.. وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزكاهم بآيات الله. {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}.. وكان ذلك حقاً في واقع الجماعة المسلمة، فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة، تصلح لحياة القبيلة في الصحراء، أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء. فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة، خبيرة بصيرة عالمة.. وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم. وكان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة: القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيراً من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل. وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين ولو آمنت حقا بهذا القرآن ولو جعلته منهجاً للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الآذان! وفي آخر هذا الدرس يتفضل الله على المسلمين تفضلاً آخر، وهو يدعوهم إلى شكره ويحذرهم من كفره. يتفضل عليهم فيضمن لهم أن يذكرهم إذا هم ذكروه. {فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون}.. يا للتفضل الجليل الودود! الله جل جلاله. يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئاً لذكرهم له في عالمهم الصغير.. إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة.. وهم أصغر من أرضهم الصغيرة! والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير.. وهو الله العلي الكبير.. أي تفضل! وأي كرم! وأي فيض في السماحة والجود! {فاذكروني اذكركم}. إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه، ولا حاسب لعطاياه. الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء. وفي الصحيح: يقول الله تعالى: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ". تفسير : وفي الصحيح أيضاً: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل: "حديث : يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال في ملأ خير منه - وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة"تفسير : . إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ ولا يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب.. وذكر الله ليس لفظاً باللسان إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه، والشعور بالله ووجوده والتأثر بهذا الشعور تأثراً ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى، وإلى رؤية الله وحده ولا شيء غيره لمن يهبه الله الوصول ويذيقه حلاوة اللقاء.. {واشكروا لي ولا تكفرون}.. والشكر لله درجات، تبدأ بالاعتراف بفضله والحياء من معصيته. وتنتهي بالتجرد لشكره والقصد إلى هذا الشكر في كل حركة بدن، وفي كل لفظة لسان، وفي كل خفقة قلب، وفي كل خطرة جنان. والنهي عن الكفر هنا إلماع إلى الغاية التي ينتهي إليها التقصير في الذكر والشكر؛ وتحذير من النقطة البعيدة التي ينتهي إليها هذا الخط التعيس! والعياذ بالله! ومناسبة هذه التوجيهات والتحذيرات في موضوع القبلة واضحة. وهي النقطة التي تلتقي عندها القلوب لعبادة الله، والتميز بالانتساب إليه، والاختصاص بهذا الانتساب. وهي كذلك واضحة في مجال التحذير من كيد يهود ودسها؛ وقد سبق أن الغاية الأخيرة لكل الجهود هي رد المؤمنين كفاراً. وسلبهم هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم.. نعمة الإيمان أكبر الآلاء التي ينعم الله بها على فرد أو جماعة من الناس. وهي بالقياس إلى العرب خاصة النعمة التي أنشأت لهم وجوداً، وجعلت لهم دوراً في التاريخ، وقرنت اسمهم برسالة يؤدونها للبشرية، وكانوا بدونها ضائعين، ولولاها لظلوا ضائعين، وهم بدونها أبداً ضائعون. فما لهم من فكرة يؤدون بها دوراً في الأرض غير الفكرة التي انبثقت منها؛ وما تنقاد البشرية لقوم لا يحملون فكرة تقود الحياة وتنميها. وفكرة الإسلام برنامج حياة كامل، لا كلمة تقال باللسان بلا رصيد من العمل الإيجابي المصدق لهذه الكلمة الطيبة الكبيرة. وتذكُّر هذه الحقيقة واجب على الأمة المسلمة ليذكره الله فلا ينساها. ومن نسيه الله فهو مغمور ضائع لا ذكر له في الأرض، ولا ذكر له في الملأ الأعلى. ومن ذكر الله ذكره، ورفع من وجوده وذكره في هذا الكون العريض. ولقد ذكر المسلمون الله فذكرهم، ورفع ذكرهم، ومكنهم من القيادة الراشدة. ثم نسوه فنسيهم فإذا هم همل ضائع، وذيل تافه ذليل.. والوسيلة قائمة. والله يدعوهم في قرآنه الكريم: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}..

ابن عاشور

تفسير : قد خفي موقع هذه الآية من الآي التي بَعْدَها لأن الظاهر منها أنها إخبار عن أمر يقع في المستقبل وأن القبلة المذكورة فيها هي القبلة التي كانت في أول الهجرة بالمدينة وهي استقبال بيت المقدس وأنَّ التولي عنها هو نسخها باستقبال الكعبة فكان الشأن أن يترقب طعن الطاعنين في هذا التحويل بعد وقوع النسخ أي بعد الآيات الناسخة لاستقبال بيت المقدس لِمَا هو معلوم من دأبهم من الترصد للطعن في تصرفات المسلمين فإن السورة نزلت متتابعة، والأصل موافقة التلاوة للنزول في السورة الواحدة إلاّ ما ثبت أنه نزل متأخراً ويتلى متقدماً. والظاهر أن المراد بالقبلة المحولة القبلةُ المنسوخة وهي استقبال بيت المقدس أعني الشرقَ وهي قبلة اليهود، ولم يشف أحد من المفسرين وأصحاب «أسباب النزول» الغليل في هذا، على أن المناسبة بينها وبين الآي الذي قبلها غير واضحة فاحتاج بعض المفسرين إلى تكلف إبدائها. والذي استقر عليه فهمي أن مناسبة وقوع هذه الآية هنا مناسبةٌ بديعة وهي أن الآيات التي قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته، والكعبة وأن من يرغب عنها قد سفِه نفسه، فكانت مثاراً لأن يقول المشركون، ما ولَّى محمداً وأتباعه عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكة أي استقبال الكعبة مع أنه يقول إنه على ملة إبراهيم ويأبى عن إتباع اليهودية والنصرانية، فكيف ترك قبلة إبراهيم واستقبل بيت المقدس؟ ولأنه قد تكررت الإشارة في الآيات السابقة إلى هذا الغرض بقوله: { أية : ولله المشرق والمغرب } تفسير : [البقرة: 115]. وقوله: { أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } تفسير : [البقرة: 120] كما ذكرناه هنالك، وقد علم الله ذلك منهم فأنبأ رسوله بقولهم وأتى فيه بهذا الموقع العجيب وهو أن جعله بعد الآيات المثيرة له وقبل الآيات التي أُنزلت إليه في نسخ استقبال بيت المقدس والأمر بالتوجه في الصلاة إلى جهة الكعبة، لئلا يكون القرآن الذي فيه الأمر باستقبال الكعبة نازلاً بعد مقالة المشركين فيشمخوا بأنوفهم يقولون غيَّر محمد قبلته من أجل اعتراضنا عليه فكان لموضع هذه الآية هنا أفضل تمكن وأوثق ربط، وبهذا يظهر وجه نزولها قبل آية النسخ وهي قوله: { أية : قد نرى تقلب وجهك في السماء } تفسير : [البقرة: 144] الآيات، لأن مقالة المشركين أو توقُّعَها حاصل قبل نسخ استقبال بيت المقدس وناشىء عن التنويه بملة إبراهيم والكعبة. فالمراد بالسفهاء المشركون ويدل لذلك تبيينه بقوله {من الناس}فقد عرف في اصطلاح القرآن النازل بمكة أن لفظ الناس يراد به المشركون كما روي ذلك عن ابن عباس ولا يظهر أن يكون المراد به اليهود أو أهل الكتاب لأنه لو كان ذلك لَنَاسب أن يقال سيقولون بالإضمار لأن ذكرهم لم يزل قريباً من الآي السابقة إلى قوله: { أية : ولا تسألون } تفسير : [البقرة: 134، 141] الآية. ويعضدنا في هذا ما ذكر الفخر عن ابن عباس والبراء بن عازب والحسن أن المراد بالسفهاء المشركون وذكر القرطبي أنه قول الزجاج، ويجوز أن يكون المراد بهم المنافقين وقد سبق وصفهم بهذا في أول السورة فيكون المقصود المنافقين الذين يبطنون الشرك، والذي يبعثهم على هذا القول هو عين الذي يبعث المشركين عليه وقد روي عن السدي أن السفهاء هنا هم المنافقون. أما الذين فسروا {السفهاء} باليهود فقد وقعوا في حيرة من موقع هذه الآية لظهور أن هذا القول ناشىء عن تغيير القبلة إلى بيت المقدس وذلك قد وقع الإخبار به قبل سماع الآية الناسخة للقبلة لأن الأصل موافقة التلاوة للنزول فكيف يقول السفهاء هذا القول قبل حدوث داع إليه لأنهم إنما يطعنون في التحول عن استقبال بيت المقدس لأنه مسجدهم وهو قبلتهم في قول كثير من العلماء، ولذلك جزم أصحاب هذا القول بأن هذه الآية نزلت بعد نسخ استقبال بيت المقدس ورووا ذلك عن مجاهد وروى البخاري في كتاب الصلاة من طريق عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء حديث تحويل القبلة ووقع فيه «فقال السفهاء ـــ وهم اليهود ـــ {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، وأخرجه في كتاب الإيمان من طريق عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء بغير هذه الزيادة، ولكن قال عوضها: « حديث : وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبَل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما وَلَّى وجهه قبَل البيت أَنكروا ذلك »، تفسير : وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي نعيم عن زهير بدون شيء من هاتين الزيادتين، والظاهر أن الزيادة الأولى مدرجة من إسرائيل عن أبي إسحاق، والزيادة الثانية مدرجة من عمرو بن خالد لأن مسلماً والترمذي والنسائي قد رووا حديث البراء عن أبي إسحاق من غير طريق إسرائيل ولم يكن فيه إحدى الزيادتين، فاحتاجوا إلى تأويل حرف الاستقبال من قوله {سيقول السفهاء} بمعنى التحقيق لا غير أي قد قال السفهاء ما ولاهم. ووجه فصل هذه الآية عما قبلها بدون عطف، اختلافُ الغرض عن غرض الآيات السابقة فهي استئناف محض ليس جواباً عن سؤال مقدر. والأولى بقاء السين على معنى الاستقبال إذ لا داعي إلى صرفه إلى معنى المضي وقد علمتم الداعي إلى الإخبار به قبل وقوعه منهم وقال في «الكشاف» "فائدة الإخبار به قبل وقوعه أن العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه" وذكر ابن عطية عن ابن عباس أنه من وضع المستقبل موضع الماضي ليدل على استمرارهم فيه وقال الفخر إنه مختار القفال. وكأنَّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم ينظرون إلى أن هذا القول وقع بعد نسخ استقبال بيت المقدس وأن الآية نزلت بعد ذلك وهذا تكلف ينبغي عدم التعويل عليه، والإخبار عن أقوالهم المستقبلة ليس بعزيز في القرآن مثل قوله: { أية : فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم } تفسير : [الإسراء: 51] وإذا كان الذي دعاهم إلى ذلك ثبوت أنهم قالوا هذه المقالة قبل نزول هذه الآية وشيوع ذلك كان لتأويل المستقبل بالماضي وجه وجيه، وكان فيه تأييد لما أسلفناه في تفسير قوله تعالى: { أية : ولله المشرق والمغرب } تفسير : [البقرة: 115] ــــ وقوله ــــ: { أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى } تفسير : [البقرة: 120]. والسفهاء جمع سفيه الذي هو صفة مشبهة من سفه بضم الفاء إذا صار السفه له سجية وتقدم القول في السفه عند قوله تعالى: { أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } تفسير : [البقرة: 130] وفائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوماً هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافاً كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة. وضمير الجمع في قوله: {ما وَلٰهُم} عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في اللفظ حكاية لقول السفهاء، وهم يريدون بالضمير أو بما يعبر عنه في كلامهم أنه عائد على المسلمين. وفعل (ولاهم) أصله مضاعف ولي إذا دنا وقرب، فحقه أن يتعدى إلى مفعول واحد بسبب التضعيف فيقال ولاه من كذا أي قربه منه وولاه عن كذا أي صرفه عنه ومنه قوله تعالى هنا {ما ولاهم عن قبلتهم}، وشاع استعماله في الكلام فكثر أن يحذفوا حرف الجر الذي يعديه إلى متعلق ثان فبذلك عدوه إلى مفعول ثان كثيراً على التوسع فقالوا ولى فلاناً وجهه مثلاً دون أن يقولوا ولَّى فلان وجهه من فلان أو عن فلان فأشبه أفعال كسا وأعطى ولذلك لم يعبأوا بتقديم أحد المفعولين على الآخر قال تعالى: { أية : فلا تولوهم الأدبار } تفسير : [الأنفال: 15] أصله فلا تولوا الأدبار منهم، فالأدبار هو الفاعل في المعنى لأنه لو رُفع لقيل وَلِيَ دُبُرُه الكافرين، ومنه قوله تعالى: { أية : نوله ما تولى } تفسير : [النساء: 115] أي نجعله والياً مما تولى أي قريباً له أي ملازماً له فهذا تحقيق تصريفات هذا الفعل. وجملة {ما وَلَّهٰمُ} إلخ هي مقول القول فضمائر الجمع كلها عائدة على معاد معلوم من المقام وهم المسلمون ولا يحتمل غير ذلك لئلا يلزم تشتيت الضمائر ومخالفة الظاهر في أصل حكاية الأقوال. والاستفهام في قوله: {ما وَلَّهٰمُ} مستعمل في التعريض بالتخطئة واضطراب العقل. والمراد بالقبلة في قوله: {عن قبلتهم} الجهة التي يُوَلَّوُن إليها وجوههم عند الصلاة كما دل عليه السياق وأخبار سبب نزول هذه الآيات. والقبلة في أصل الصيغة اسم على زنة فِعْلة بكسر الفاء وسكون العين، وهي زنة المصدر الدال على هيئة فعل الاستقبال أي التوجه اشتق على غير قياس بحذف السين والتاء ثم أطلقت على الشي الذي يستقبله المستقبلُ مجازاً وهو المراد هنا لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة قال حسان في رثاء أبي بكر رضي الله عنه: شعر : أَلَيْسَ أَوَّلَ من صلَى لقبلتكم تفسير : والأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فِعْل كالذِّبح والطِّحْن وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا: ما له في هذا الأمر قِبْلَة ولا دِبْرَة أي وِجهة. وإضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم يكونوا يستقبلون في صلاتهم، وهذا مما يعضد حمل «السفهآء» على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا تلك القبلة إلى المسلمين، ومن فسر «السفهآء» باليهود ونسب إليهم استقبال بيت المقدس حَمَل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة مدة سنةٍ وأشهرٍ فصارت قبلة لهم. وضمير الجمع في قوله: {ما وَلِّهٰمُ} عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور اللفظ حكاية لقول السفهاء وهم يريدون بالضمير أو بمساويه في كلامهم عودهُ على المسلمين. وقوله: {التي كانوا عليها} أي كانوا ملازمين لها فعَلَى هنا للتمكن المجازي وهو شدة الملازمة مثل وقوله: { أية : أولئك على هدى من ربهم } تفسير : [البقرة: 5]، وفيه زيادة توجيه للإنكار والاستغراب أي كيف عدلوا عنها بعد أن لارموها ولم يكن استقبالهم إياها مجرد صدفة فإنهم استقبلوا الكعبة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة. واعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى - عليه السلام - بناه سليمان - عليه السلام -، فلا تجد في أسفار «التوراة» الخمسة ذكراً لاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى والصلاة والدعاء، ولكن سليمان - عليه السلام - هو الذي سنّ استقبال بيت المقدس ففي سفر الملوك الأول أن سليمان لما أتم بناء بيت المقدس جمع شيوخ إسرائيل وجمهورهم ووقف أمام المذبح في بيت المقدس وبسط يديه ودعا الله دعاء جاء فيه: "إذا انكسر شعبُ إسرائيل أمام العدو ثم رجعوا واعترفوا وصلوا نحو هذا البيت فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت لآبائهم وإذا خرج الشعب لمحاربة العدو وصلَّوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتَها والبيتِ الذي بنيتُه لاسمك فاسمعْ صلاتهم وتضرعهم" إلخ، وذكر بعد ذلك أن الله تجلّى لسليمان وقال له "قد سمعتُ صلاتك وتضرعك الذي تضرعتَ به أمامي" وهذا لا يدل على أن استقبال بيت المقدس شرط في الصلاة في دين اليهود وقصاراه الدلالة على أن التوجه نحو بيت المقدس بالصلاة والدعاء هيئة فاضلة، فلعل بني إسرائيل التزموه لا سيما بعد خروجهم من بيت المقدس أو أن أنبياءهم الموجودين بعد خروجهم أمروهم بذلك بوحي من الله. وقد قال ابن عباس ومجاهد: كان اليهود يظنون أن موافقة الرسول لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، وجرى كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» على الجزم بأن اليهود كانوا يستقبلون بيت المقدس بناء على كلام ابن عباس ومجاهد، ولم يثبت هذا من دين اليهود، كما علمت، وذكر الفخر عن أبي مسلم ما فيه أن اليهود كانوا يستقبلون جهةَ المغربِ وأن النصارى يستقبلون المشرق، وقد علمت آنفاً أن اليهود لم تكن لهم في صلاتهم جهة معينة يستقبلونها وأنهم كانوا يتيمنون في دعائهم بالتوجه إلى صوب بيت المقدس على اختلاف موقع جهته من البلاد التي هم بها فليس لهم جهة معينة من جهات مطلع الشمس ومغربها وما بينهما فلما تقرر ذلك عادة عندهم توهموه من الدين وتعجبوا من مخالفة المسلمين في ذلك. وأما النصارى فإنهم لم يقع في إنجيلهم تغيير لما كان عليه اليهود في أمر الاستقبال في الصلاة ولا تعيين جهة معينة ولكنهم لما وجدوا الروم يجعلون أبواب هياكلهم مستقبلة لمشرق الشمس بحيث تدخل أشعة الشمس عند طلوعها من باب الهيكل وتقع على الصَّنم صاحب الهيكل الموضوع في منتهى الهيكل عكسوا ذلك فجعلوا أبواب الكنائس إلى الغرب وبذلك يكون المذبح إلى الغرب والمصلون مستقبلين الشرق، وذكر الخفاجي أن بولس هو الذي أمرهم بذلك، فهذه حالة النصارى في وقت نزول الآية ثم إن النصارى من العصور الوسطى إلى الآن توسعوا فتركوا استقبال جهة معينة فلذلك تكون كنائسهم مختلفة الاتجاه وكذلك المذابح المتعددة في الكنيسة الواحدة. وأما استقبال الكعبة في الحنيفية فالظاهر أن إبراهيم - عليه السلام - لما بنى الكعبة استقبلها عند الدعاء وعند الصلاة وأنه بناها للصلاة حولها فإن داخلها لا يسع الجماهير من الناس وإذا كان بناؤها للصلاة حولها فهي أول قبلة وُضعت للمصلي تجاهها وبذلك اشتهرت عند العرب ويدل عليه قول زيد بن عَمرو بن نفيل: شعر : عذت بما عاذ به إبراهمْ مستقبل الكعبة وهو قائم تفسير : أما توجهه إلى جهتها من بلد بعيد عنها فلا دليل على وقوعه فيكون الأمر بالتزام الاستقبال في الصلاة من خصائص هذه الشريعة ومن جملة معاني إكمال الدين بها كما سنبينه. وقد دلت هذه الآية على أن المسلمين كانوا يستقبلون جهة ثم تحولوا عنها إلى جهة أخرى وليست التي تحول إليها المسلمون إلاّ جهة الكعبة فدل على أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس وبذلك جاءت الآثار. والأحاديثُ الصحيحة في هذا ثلاثة، أولها وأصحها حديث «الموطأ» عن ابن دينار عن ابن عمر « حديث : بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة (قرآن) وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة » تفسير : ورواه أيضاً البخاري من طريق مالك، ومسلم من طريق مالك ومن طريق عبد العزيز بن مسلم وموسى بن عقبة، وفيه أن نزول آية تحويل القبلة كان قبل صلاة الصبح وأنه لم يكن في أثناء الصلاة وأنه صلى الصبح للكعبة وهذا الحديث هو أصل الباب وهو فصل الخطاب. ثانيها: حديث مسلم عن أنس بن مالك وفيه « حديث : فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حُوِّلت فمالوا كما هم نحو القبلة » تفسير : . الثالث حديث البخاري ومسلم واللفظ للبخاري في كتاب التفسير عن البراء بن عازب قال حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] فتوجه نحو الكعبة ــــ ثم قال ــــ فصلى مع النبي رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبةتفسير : ، وحمل ذكر صلاة الصبح في روايتي ابن عمر وأنس بن مالك وذكر صلاة العصر في رواية البراء كلٌّ على أهل مكان مخصوص، وهنالك آثار أخرى تخالف هذه لم يصح سندها ذكرها القرطبي. فتحويل القبلة كان في رجب سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بشهرين وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان منها. واختلفوا في أن استقباله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس هل كان قبل الهجرة أو بعدها؟ فالجمهور على أنه لما فرضت عليه الصلاة بمكة كان يستقبل الكعبة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس تألُّفاً لليهود قاله بعضهم وهو ضعيف، وقيل كان يستقبل بيت المقدس وهو في مكان يجعل الكعبة أمامه من جهة الشرق فيكون مستقبلاً الكعبة وبيت المقدس معاً، ولم يصح هذا القول. واختلفوا هل كان استقبال بيت المقدس بأمر من الله؟ فقال ابن عباس والجمهور أوجبه الله عليه بوحي ثم نسخه باستقبال الكعبة ودليلهم قوله تعالى: { أية : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } تفسير : [البقرة: 143] الآية، وقال الطبري كان مخيراً بين الكعبة وبيت المقدس واختار بيت المقدس استئلافاً لليهود، وقال الحسن وعكرمة وأبو العالية: كان ذلك عن اجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى هذا القول يكون قوله تعالى: { أية : فلنولينك قبلة ترضاها } تفسير : [البقرة: 144] دالاً على أنه اجتهد فرأى أن يتبع قبلة الدينين اللذين قبله ومع ذلك كان يود أن يأمره الله باستقبال الكعبة، فلما غيرت القبلة قال السفهاء وهم اليهود أو المنافقون على اختلاف الروايات المتقدمة وقيل كفار قريش قالوا اشتاق محمد إلى بلده وعن قريب يرجع إلى دينكم ذكره الزجاج ونسب إلى البراء بن عازب وابن عباس والحسن، وروى القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى وفي الحديث ضعف. وقوله: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} جواب قاطع معناه أن الجهات كلها سواء في أنها مواقع لبعض المخلوقات المعظمة فالجهات ملك لله تبعاً للأشياء الواقعة فيها المملوكة له، وليست مستحقة للتوجه والاستقبال استحقاقاً ذاتياً. وذكر المشرق والمغرب مراد به تعميم الجهات كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولله المشرق والمغرب } تفسير : [البقرة: 115]، ويجوز أن يكون المراد من المشرق والمغرب الكناية عن الأرض كلها لأن اصطلاح الناس أنهم يقسمون الأرض إلى جهتين شرقية وغربية بحسب مطلع الشمس ومغربها، والمقصود أن ليس لبعض الجهات اختصاص بقرب من الله تعالى لأنه منزه عن الجهة وإنما يكون أمره باستقبال بعض الجهات لحكمة يريدها كالتيمن أو التذكر فلا بدع في التولي لجهة دون أخرى حسب ما يأمر به الله تعالى، فقوله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب}، إشارة إلى وجه صحة التولية إلى الكعبة وقوله: {يهدي من يشاء} إشارة إلى وجه ترجيح التولية إلى الكعبة على التولية إلى غيرها لأن قوله: {يهدي من يشاء} تعريض بأن الذي أمر الله به المسلمين هو الهدى دون قبلة اليهود إلاّ أن هذا التعريض جيء به على طريقة الكلام المنصف من حيث ما في قوله {من يشاء} من الإجمال الذي يبينه المقام فإن المهدي من فريقين كانا في حالة واحدة هو الفريق الذي أمره من بيده الهدى بالعدول عن الحالة التي شاركه فيها الفريق الآخر إلى حالة اختص هو بها، فهذه الآية بهذا المعنى فيها إشارة إلى ترجيح أحد المعنيين من الكلام الموجه أقوى من آية: { أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } تفسير : [سبأ: 24]. وقد سلك في هذا الجواب لهم طريق الإعراض والتبكيت لأن إنكارهم كان عن عناد لا عن طلب الحق فأجيبوا بما لا يدفع عنهم الحيرة ولم تبين لهم حكمة تحويل القبلة ولا أحقية الكعبة بالاستقبال وذلك ما يعلمه المؤمنون. فأما إذا جرينا على قول الذين نسبوا إلى اليهود استقبال جهة المغرب وإلى النصارى استقبال جهة المشرق من المفسرين فيأتي على تفسيرهم أن تقول إن ذكر المشرق والمغرب إشارة إلى قبلة النصارى وقبلة اليهود، فيكون الجواب جواباً بالإعراض عن ترجيح قبلة المسلمين لعدم جدواه هنا، أو يكون قوله: {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} إيماء إلى قبلة الإسلام، والمراد بالصراط المستقيم هنا وسيلة الخير وما يوصل إليه كما تقدم في قوله تعالى: { أية : اهدنا الصراط المستقيم } تفسير : [الفاتحة: 6] فيشمل ذلك كل هَدْي إلى خير ومنه الهدى إلى استقبال أفضل جهة. فجملة: {يهدي من يشاء} حال من اسم الجلالة ولا يحسن جعلها بدل اشتمال من جملة: {لله المشرق والمغرب} لعدم وضوح اشتمال جملة: قل لله المشرق والمغرب على معنى جملة: {يهدي من يشاء} إذ مفاد الأولى أن الأرض جميعها لله أي فلا تتفاضل الجهات ومفاد الثانية أن الهدى بيد الله. واتفق علماء الإسلام على أن استقبال الكعبة أي التوجه إليها شرط من شروط صحة الصلاة المفروضة والنافلةِ إلاّ لضرورة في الفريضة كالقتال والمريض لا يجد من يوجهه إلى جهة القبلة أو لرخصة في النافلة للمسافر إذا كان راكباً على دابة أو في سفينة لا يستقر بها. فأما الذي هو في المسجد الحرام ففرض عليه استقبال عين الكعبة من أحد جوانبها ومن كان بمكة في موضع يعاين منه الكعبة فعليه التوجه إلى جهة الكعبة التي يعاينها فإذا طال الصف من أحد جوانب الكعبة وجب على من كان من أهل الصف غيرَ مقابل لركن من أركان الكعبة أن يستدير بحيث يصلون دائرين بالكعبة صفاً وراء صف بالاستدارة، وأما الذي تَغيب ذات الكعبة عن بصره فعليه الاجتهاد بأن يتوخى أن يستقبل جهتها فمن العلماء من قال يتوخَّى المصلي جهةَ مصادفة عين الكعبة بحيث لو فُرض خط بينه وبين الكعبة لوجَدَ وجهه قُبالة جدارها، وهذا شاق يعسر تحققه إلاّ بطريق أرصاد علم الهيئة ويعبر عن هذا باستقبال العين وباستقبال السمت وهذا قول ابن القصار واختاره أحد أشياخ أبي الطيب عبد المنعم الكندي ونقله المالكية عن الشافعي، ومن العلماء من قال يتوخى المصلى أن يستقبل جهةً أقرب ما بينه وبين الكعبة بحيث لو مشى باستقامة لوصل حول الكعبة ويعبر عن هذا باستقبال الجهة أي جهة الكعبة وهذا قول أكثر المالكية واختاره الأبهري والباجي وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وهو من التيسير ورفع الحرج، ومن كان بالمدينة يستدل بموضع صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده لأن الله أذن لرسوله بالصلاة فيه، وروى ابن القاسم عن مالك أن جبريل هو الذي أقام للنبي - صلى الله عليه وسلم - قِبلة مسجده. وبين المازري معنى المسامتة بأن يكون جزء من سطح وجه المصلي وجزء من سمت الكعبة طرفي خط مستقيم وذلك ممكن بكون صف المصلين كالخط المستقيم الواصل بين طرفي خطين متباعدين خرجا من المركز إلى المحيط في جهته لأن كل نقطة منه ممر لخارج من المركز إلى المحيط ا هــــ، واستبعد عز الدين بن عبد السلام هذا الكلام بأن تكليف البعيد استقبال عين البيت لا يطاق، وبإجماعهم على صحة ذوي صفَ مائةِ ذراع وعَرضُ البيت خمسة أذرع فبعض هذا الصف خارج عن سمت البيت قطعاً ووافقه القرافي ثم أجاب بأن البيت لمستقبليه كمركز دائرة لمحيطها والخطوط الخارجة من مركز لمحيطه كلما قربت منه اتسعت ولا سيما في البعد. فإذا طالت الصفوف فلا حرج عليهم لأنهم إنما يجب عليهم أن يكونوا متوجهين نحو الجهة التي يعبرون عنها بأنها قبلة الصلاة. ومن أخطأ القبلة أو نسي الاستقبال حتى فرغ من صلاته لا يجب عليه إعادة صلاته عند مالك وأبي حنيفة وأحمد إلاّ أن مالكاً استحب له أن يعيدها ما لم يخرج الوقت ولم ير ذلك أبو حنيفة وأحمد وهذا بناء على أن فرض المكلف هو الاجتهاد في استقبال الجهة وأما الشافعي فأوجب عليه الإعادة أبداً بناء على أنه يرى أن فرض المكلف هو إصابة سمت الكعبة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. لم يبين هنا الصراط المستقيم. ولكنه بينه بقوله: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 6-7].

الواحدي

تفسير : {سيقول السفهاء من الناس} يعني: مشركي مكَّة ويهود المدينة {ما ولاَّهم} ما صرفهم؟ يعنون النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {عن قبلتهم التي كانوا عليها} وهي الصَّخرة {قل لله المشرق والمغرب} يأمر بالتَّوجُّه إلى أيٍّ جهةٍ شاء {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} دينٍ مستقيمٍ. يريد: إنِّي رضيتُ هذه القِبلة لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ مدح أمَّته فقال: {وكذلك} أي: وكما هديناكم صراطاً مستقيماً {جعلناكم أمة وسطاً} عدولاً خياراً {لتكونوا شهداء على الناس} لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء {ويكون الرسول عليكم} على صدقكم {شهيداً} وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة، فيقول: هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة؟ فيقولون: ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً، فيسأل الرُّسل فيقولون: بلَّغناهم رسالتك فعصوا، فيقول: هل لكم شهيدٌ؟ فيقولون: نعم، أُمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم، فتقول الأمم: يا ربِّ، بمَ عرفوا ذلك، وكانوا بعدنا؟ فيقولون: أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه، ثمَّ يُزكِّيهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم. {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} أَي: التي أنتَ عليها اليوم، وهي الكعبةُ، قِبلةً {إلاَّ لنعلم} لنرى [وقيل: معناه: لنميّز] {مَنْ يتبع الرسول} في تصديقه بنسخ القِبلة {ممن ينقلب على عقبيه} يرتدُّ ويرجع إلى الكفر، وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القِبلة على الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين، فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك، ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره، وظنَّ أنَّ محمداً عليه السَّلام في حيرةٍ من أمره، فارتدَّ عن الإِسلام، وهذا معنى قوله {وإن كانت لكبيرة} أَيْ: وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إلاَّ {على الذين هدى الله} عصمهم الله بالهداية، فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود: فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى؟ لقد مات على الضَّلالة، فأنزل الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أَيْ: [صلاتكم التي صلَّيتم و] تصديقكم بالقِبلة الأولى {إنَّ الله بالناس} يعني: بالمؤمنين {لرؤوف رحيم} والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 142- إن ضعاف العقول الذين أضلتهم أهواؤهم عن التفكر والتدبر من اليهود والمشركين والمنافقين سينكرون على المؤمنين تحوَّلهم من قبلة بيت المقدس التى كانوا يصلّون متجهين إليها ويعتقدون أننا أحق إلى قبلة أخرى وهى الكعبة، فقل لهم أيها النبى: إن الجهات كلها لله، لا فضل لجهة على أخرى بذاتها، بل الله هو الذى يختار منها ما يشاء ليكون قبلة للصلاة، وهو يهدى بمشيئته كل أمة من الأمم إلى طريق قويم يختاره لها ويخصها به، وقد جاءت الرسالة المحمدية فنسخت ما قبلها من الرسالات، وصارت القبلة الحقة هى الكعبة. 143- ولهذه المشيئة هديناكم إلى الطريق الأقوم، وجعلناكم أمة عدولاً خياراً بما وفقناكم إليه من الدين الصحيح والعمل الصالح لتكونوا مقررى الحق بالنسبة للشرائع السابقة، وليكون الرسول مهيمناً عليكم، يسددكم بإرشاده فى حياته، وبنهجه وسنته بعد وفاته. وأما عن قبلة بيت المقدس التى شرعناها لك حيناً من الدهر، فإنما جعلناها امتحاناً للمسلمين ليتميز من يذعن فيقبلها عن طواعية، ومن يغلب عليه هوى تعصبه العربى لتراث إبراهيم فيعصى أمر الله ويضل عن سواء السبيل. ولقد كان الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس من الأمور الشاقة إلا على من وفقه الله بهدايته، وكان امتثال هذا الأمر من أركان الإيمان، فمن استقبل بيت المقدس عند الأمر باستقباله - إيماناً منه وطاعة - فلن يضيع عليه ثواب إيمانه وطاعته.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: السفهاء: جمع سفيه وهو من به ضعف عقلي لتقليده وإعراضه عن النظر نجم عنه فساد خُلُقٍ وسوء سلوك. ما ولاَّهم: ما صرفهم عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة بمكة. القبلة: الجهة التي يستقبلها المرء وتكون قبالته في صلاته. أمةً وسطاً: وسط كل شيء خياره، والمراد منه أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم وأعدلها. ينقلب على عقبيه: يرجع إلى الكفر بعد الإِيمان. لكبيرةً: شاقة على النفس صعبة لا تطاق إلا بجهد كبير وهي التحويلة من قبلة مألوفة إلى قبلة حديثة. إيمانكم: صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل التحول إلى الكعبة. رؤوف رحيم: يدفع الضرر عنكم ويفيض الإِحسان عليكم. معنى الآيتين: يخبر الله تعالى بأمر يعلمه قبل وقوعه، وحكمة الإِخبار به قبل وقوعه تخفيف أثره على نفوس المؤمنين إذ يفقد نقدهُم المرير عنصر المفاجأة فيه فلا تضطرب له نفوس المؤمنين. فقاله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا؟} وحصل هذا لما حوّل الله تعالى رسوله والمؤمنين من استقبال بيت المقدس في الصلاة إلى الكعبة تحقيقاً لرغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولعلة الاختبار التي تضمنتها الآية التالية فأخبر تعالى بما سيقوله السفهاء من اليهود والمنافقين والمشركين وعلَّم المؤمنين كيف يردون على السفهاء، فقال: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فلا اعتراض عليه يوجه عباده حيث يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وفي الآية الثانية [143] يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} خياراً عدولاً أي كما هديناكم إلى أفضل قبلة وهي الكعبة قبلة إبراهيم عليه السلام جعلناكم خير أمة وأعدلها فأهلناكم بذلك للشهادة على الأمم يوم القيامة إذا أنكروا أن رسلهم قد بلغتهم رسالات ربهم، وأنتم لذلك لا تشهد عليكم الأمم ولكن يشهد عليكم رسولكم وفي هذا من التكريم والإِنعام ما الله به عليم، ثم ذكر تعالى العلة في تحويل القبلة فقال: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} فثبت على إيمانه وطاعته وانقياده لله ولرسوله ممن يؤثر فيه نقد السفهاء فتضطرب نفسه ويجاري السفهاء فيهلك بالردة معهم. ثم أخبر تعالى أن هذه التحويلة من بيت المقدس إلى الكعبة شاقة عل النفس إلا على الذين هداهم الله إلى معرفته ومعرفة محابه ومكارهه فهم لذلك لا يجدون أي صعوبة في الانتقال من طاعة إلى طاعة ومن قبلة إلى قبلة، مادام ربهم قد أحب ذلك وأمر به. وأخيراً طمأنهم تعالى على أجور صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس وهي صلاة قرابة سبعة عشر شهراً بأنه لا يُضيعها لهم بل يجزيهم بها كاملة سواء من مات منهم وهو يصلي إلى بيت المقدس أو من حَييَ حَتَّى صلى إلى الكعبة وهذا مظهر من مظاهر رأفته تعالى بعباده ورحمته. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- جواز النسخ في الإِسلام فهذا نسخ إلى بدل من الصلاة إلى بيت المقدس إلى الصلاة إلى الكعبة في مكة المكرمة. 2- الأراجيف وافتعال الأزمات وتهويل الأمور شأن الكفار إزاء المسلمين طوال الحياة فعلى المؤمنين أن يثبتوا ولا يتزعزعوا حتى يَظْهَر الباطلُ وَيَنْكَشِفَ الزيفُ وتنتهَي الفتنة. 3- أفضلية أمة الإِسلام على سائر الأمم لكونها أمة الوسط والوسطية شعارها. 4- جَوَازُ امْتِحَانِ المؤمن وجريانه عليه. 5- صحة صلاة من صلى إلى غير القبلة وهو لا يعلم ذلك وله أجرها وليس عليه إعادتها ولو صلى شهوراً إلى غير القبلة ما دام قد اجتهد في معرفة القبلة ثم صلى إلى حيث أدّاه اجتهاده.

القطان

تفسير : السفيه وجمعه سفهاء: الجهال، ضعاف العقول. ولاه عن الشيء: صرَفه. القبلة: ما يستقبل الانسان.. ثم خصه بالجهة التي يستقبلها المسلمون في الصلاة. الوسط: العدل والخيار. من ينقلب على عقبيه: يترك ما كان عليه من التقوى والاستقامة. لما هاجر الرسول الكريم الى المدينة مكث ستة أو سبعة عشر شهرا يصلي متوجهاً الى بيت المقدس. وفي شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة أوحي اليه ان يتوجه بالصلاة الى الكعبة كما يقول ابن عباس. فغضب اليهود من تحويل القبلة هذا وجاء نفر من أحبارهم، منهم رفاعة بن قيس وكعب بن الاشرف والربيع ابن ابي الحقيق فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم انك على ملة ابراهيم ودينه؟! ارجع الى قبلتك نتبعك ونصدقك. وما كانت أقوالهم هذه الا كذباً وما أرادوا بذلك الا فتنة النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ..} الآية سيقول الذين ضعُفت احلامهم وأضلتهم أهواؤهم من اليهود والمنافقين والمشركين: أي شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟. قل يا محمد، إنّ جميع الجهات لله لا فضل لجهة على أُخرى، وليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور، وكذلك الكعبة والبيت الحرام. وانما جعل الله للناس قبلة، لتكون جامعة لهم في عبادتهم، والله وحده هو الذي يختار ما يشاء ليكون قبلة للصلاة. وهو يهدي بمشيئته كل أمة من الأمم ويلهمها ما فيه الخير لها. وكذلك جعلناكم امة وسطاً خياراً عُدولا، جَمَعَ دينُها بين المادة والروح فجاء وسطاً جامعاً بين حق الروح وحق الجسم. وخير الأمور الوسط. وذلك لتشهدوا يوم القيامة على جميع الناس الماديين الذين فرطوا في جنب الله واخلدوا الى الملذات وعبادة المادة، وقالوا إِنْ هي الا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر.. وكذلك الذين غلَوا في الدين وتخلّوا عن جميع اللذات الجثمانية وتعلقوا بالروحانيات فقط. لقد جعلناكم كذلك لتكونوا أمة وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، وبكل معاني الوسط، سواء في الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو الاعتدال والقصد، أو التفكير والشعور. {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} اذ هو المرتبة العليا لمرتبة الوسط. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ...} اما القبلة إلى بيت المقدس والتي شرعناها لك حيناً من الدهر ثم أمرناك ان تتحول عنها فانما جعلناها امتحانا للمسلمين، ليتبين منهم من يطيع أوامر الله ويتبع الرسول الكريم، ومن يغلب عليه هواه فيضلّ عن سواء السبيل. ولقد كان الأمر بالتوجه الى بيت المقدس ثم التحول الى الكعبة شاقاً الا على الذين وفقهم الله الى الايمان. والله رؤوف بعباده، لأنه ذو رحمة واسعة فلا يُضيع عمل عامل من عباده. القراءات: قرأ الحرميان، وابن عامر وحفص "لرؤوف" بالمد على وزن فعول. والباقون "رَؤُف" فَعُل.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَلاَّهُمْ} {صِرَاطٍ} (142) - كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي مَكَّةَ يَسْتَقْبِلُ فِي صَلاَتِهِ الصَّخْرَةَ التِي فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أنبيَاءُ بَني إِسْرَائِيلَ قَبلَهُ، وَلكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ استِقْبَالَ الكَعْبَةِ، وَيَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ اللهَ حَوَّلَ القِبْلََةَ إِلَيها، وَلِذلِكَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ استِقْبَالِ الكَعْبَةِ وَبَيتِ المَقْدِسِ، فَيَقِفُ جَنُوبِيَّ الكَعبَةِ مَسْتَقْبِلاً الشِّمَالَ، فَتَكُونُ الكَعبَةُ وَالصَّخْرَةُ في جِهةٍ وَاحِدةٍ، وَتَابَعَ المُسْلِمُونَ نَبِيَّهمْ فِي ذلِكَ. وَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ إِلى المَدِينَةِ تَعَذَّرَ عَليهِ الجَمْعُ بَينَ القِبلَتَينِ، فَصَلَّى مُستَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ، وَبَقِيَ عَلَى ذلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً. ثُمَّ أَمرهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَجْعَلَ الكَعْبَةَ قِبْلَتَهُ، لأَنَّها قِبْلَةُ أبيهِ إِبرَاهِيمَ. وَنَبَّه اللهُ رَسُولَهُ - وقبلَ أَنْ يَقَعَ ذلِكَ - إِلى أَنَّ اليَهُودَ سَيَتَّخِذُونَ مِنْ ذلِكَ التَّحَوُّلِ ذَريعةً للدَّسِّ والتَّشْكِيكِ للادِّعَاءِ بِأَنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينُ الحَقُّ، لأنَّ مُحَمَّداً وَصَحْبَهُ كَانُوا اتَّجَهُوا إِلى قِبْلَتِهِمْ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ، فَمَا الذِي صَرَفَهُمْ وَوَلاَّهُمْ عَنِ القِبْلَةِ التِي كَانُوا عَلَيها؟ وَقَدْ تَأَثَّر بِذلِكَ المُنَافِقُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَمَنْ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ وَمَرَضٌ - وَهؤُلاءِ جَميعاً هُمُ السُّفَهَاءُ الذِينَ عَنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى - فَقَالُوا: مَا وَلَّى المُسْلِمِينَ عَنْ قِبْلَتِهِمْ؟ وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤلاءِ قَائِلاً: إِنَّ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ للهِ وَلَهُ الأَمرُ كُلُّهُ، وَلا فَضْلَ لِجِهَةٍ عَلَى جِهَةٍ، وَحيثُما تَوَجَّهَ المُؤْمِنُ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ، وَالمُهِمُّ أَنْ يَمْتثِلَ النَّاسُ لأَمرِ اللهِ مِنْ غَيرِ تَشَكُّكٍ، وَدُونَ ارتِيَابٍ، وَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى الصَّلاحِ وَالطَّريقِ المُستَقِيمِ المُوصِلِ إِلى جَنَّةِ اللهِ تَعَالَى. السَّفَهُ - هُوَ اضْطِرابُ الرَّأيِ وَالخُلُقِ. والسُّفَهَاءُ هُنَا هُمُ اليَهُودُ. مَا وَلاَّهُمْ - مَا صَرَفَهُمْ.

الثعلبي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ} الجهال. { مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ} صرفهم وحوّلهم. {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} من بيت المقدس. نزلت في اليهود ومشركي العرب بمكّة ومنافقي المدينة طعنوا في تحويل القبلة وقال مشركوا مكّة : قد تردّد على محمّد أمره واشتاق إلى مولده ومولد آباءه قد توجّه نحو قبلتكم وهو راجع إلى دينكم عاجلاً. قال الله {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} ملكاً والخلق عبيدهُ يحولهم كيف شاء. {يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} عدلاً خياراً. تقول العرب: إنزل وسط الوادي: أي تخيّر موضعاً فيه، ويُقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو وسط قريش نسباً أي خيرهم: قال الله تعالى و {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ}تفسير : [القلم: 28]، أي أخيرهم وأعدلهم، وأصله هو أنّ خير الأشياء أوسطها. قال زهير: شعر : هم وسط ترضى الأنام لحكمهم إذا نزلت احدى الليالي بمعظم تفسير : وقال الكلبي: يعني متوسطة أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنّهما مذمومان في الدّين. قال ثعلب: يُقال: جلس وسط القوم ووسط الدّار، وكذلك فيما يُحتمل البينونة (واحتمل وسطاً له) بالفتح وكذلك فيما لا يحتمل البينونة. نزلت هذه الآية في مرحب وربيع وأصحابهما من رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمّد قبلتنا إلاّ حسدا، وإنّ قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمّد إنّا عدل بين النّاس. فقال معاذ: إنّا على حق وعدل. فأنزل الله {وَكَذَلِكَ} أي وهكذا، وقيل الكاف فيه للتشبيه تقديره: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم كذلك جعلناكم أُمّة وسطاً. مردودة على قوله {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا}تفسير : [البقرة: 130] الآية. {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} يوم القيامة أنّ الرُّسل قد أبلغتهم. {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ} محمّد صلى الله عليه وسلم. {عَلَيْكُمْ شَهِيداً} معدلاً مزكيّاً لكم؛ وذلك إنّ الله تعالى جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يُسمعهم الدّاعي، وينقذهم البصر ثمّ يقول كفّار الأُمم. ألم يأتكم نذير فتشكرون، ويقولون: ما جاءنا من نذير. فيُسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: قد كذّبوا، قد بلغناهم وأُعذرنا إليهم : فيسألهم البينّة، وهو أعلم بأقامة الحجة. فيُوتى بأمّة محمّد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم. إنّهم قد بلغوا فتقول الأُمم الماضية: من أين علموا بذلك وبيننا وبينهم مدة مريدة؟ فيقولون: علمنا ذلك باخبار الله أيانا في كتابه الناطق على لسان رسوله الصادق. فيؤتى محمّد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أُمّته. فيزكّيهم ويشهد لصدقهم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} يعني التحويل عن القبلة الّتي كنت عليها وهي بيت المقدس. وقيل: معناه القبلة الّتي أنت عليها أي الكعبة كقوله {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}تفسير : [آل عمران: 110] أي أنتم. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} لنرى ونميّز {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} في القبله. {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} فيرتد ويرجع إلى قبلته الأولى هذا قول المفسرين وقال أهل المعاني: معناه إلاّ لعلمنا مَن يتبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه كأنّه سبق ذلك في علمه إنّ تحويل القبلة سبب هداية قوم وضلالة أخرين، وقد تضع العرب لفظ الاستقبال موضع المضي كقوله: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ}تفسير : [البقرة: 91] أي قتلتم. وأنزل بعض أهل اللّغة: للعلم منزلتين: علماً بالشيء قبل وجوده وعلماً به بعد وجوده والحكم للعلم الموجود لأنّه يوجب الثواب والعقاب فمعنى قوله {لِنَعْلَمَ} أي لنعلم العلم الّذي يستحقّ به العامل الثّواب والعقاب وهذا على معنى التقدير كرجل قال لصاحبه: النّار تحرق الحطب، وقال الآخر: لا، فردّ عليه. هات النّار والحطب، ليعلم إنّها تحرقه أي ليتقرر علم ذلك عندك. وقوله : لنعلم تقديره ليتقرّر علمنا عندكم، وقيل معناه : ليعلم محمّد صلى الله عليه وسلم فأضاف علمه عليه السلام إلى نفسه سبحانه تخصيصاً وتفصيلاً كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 57] وقوله {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا} تفسير : [الزخرف: 55] ونحوهما {وَإِن كَانَتْ} وقد كانت توليه القبلة وتحويلها فأنّث الفعل لتأنيث الإسم كقولهم: ذهبت بعض أصابعه وقيل: هذه الكناية راجعة إلى القبلة بعينها أراد وان كانت الكعبة. {لَكَبِيرَةً} ثقيلة شديدة. {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي هداهم الله وقال سيبويه: (وانّ) تأكيد منه باليمين ولذلك دخلت اللاّم في جوابها. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وذلك إنّ حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس أكانت هدىً أم ضلاله؟ فإن كانت هدىً فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة لقد دنتم الله بها فإن من مات منكم عليها لقد مات على الضلالة. قال المسلمون: إنّما الهدى ما أمر الله تعالى به والضلالة ما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان مات قبل أن تحوّل القبلة؟ أسعد بن زرارة من بني النجّار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ومات رجال آخرون. فانطلقت عشائرهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف إخواننا الّذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم إلى بيت المقدس. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وفي رؤوف ثلاث قراءات: مهموز مثقّل وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص واختيار أبو حاتم قال: لأنّ أكثر أسماء الله على فعول وفعيل. قال الشاعر: شعر : نطيع رسولنا ونطيع ربّاً هو الرّحمن كان بنا رؤوفا تفسير : وروف غير مهموز مثقّل قراءة أبي جعفر. ورؤف مهموز مخفف وهي قراءة الباقين واختيار أبي عبيد. قال جرير: شعر : ترى للمسلمين عليك حقّاً كفعل الوالد الرؤف الرّحيم تفسير : فالرأفة أشدّ الرحمة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية نزلت لتصفي مسألة توجه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس .. وهذا أول نسخ في القرآن الكريم .. يريد الله سبحانه وتعالى أن يعطيه العناية اللائقة؛ لأنه سيكون مثار تشكيك وجدل عنيف من كل من يعادي الإسلام؛ فكفار قريش سيأخذون منه ذريعة للتشكيك وكذلك المنافقون واليهود. الله تبارك وتعالى يريد أن يحدد المسألة قبل أن تتم هذه التشكيكات .. فيقول جل جلاله: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] .. حرف السين هنا يؤكد أنهم لم يقولوا بعد .. ولذلك قال سبحانه: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ} [البقرة: 142] فقبل أن يتم تحويل القبلة قال الحق تعالى: إن هذه العملية ستحدث هزة عنيفة يستغلها المشككون. وبرغم أن الله سبحانه وتعالى قال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ} [البقرة: 142] .. أي أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية .. مما يدل على أنهم سفهاء حقاً؛ لأن الله جل جلاله أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في قرآن يتلى ويصلى به ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة .. قال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} [البقرة: 142] .. فلو أنهم امتنعوا عن القول ولم يعلقوا على تحويل القبلة لكان ذلك تشكيكاً في القرآن الكريم .. لأنهم في هذه الحالة كانوا يستطيعون أن يقولوا: إن قرآنا أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة .. قال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} [البقرة: 142] .. ولم يقل أحد شيئاً .. ولكن لأنهم سفهاء فعلاً .. والسفه جهل وحمق وطيش قالوها .. فكانوا وهم الكافرون بالقرآن الذين يريدون هدم هذا الدين من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن. لأن الله سبحانه قال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ} [البقرة: 142] وهم قالوا فعلاً .. ولقد قال كفار مكة عن الكعبة إنها بيتنا وبيت آبائنا وليست بيت الله .. فصرف الله رسوله في أول الإسلام ووجهه إلى بيت المقدس .. وعندئذ قال اليهود: يسفه ديننا ويتبع قبلتنا .. والله سبحانه وتعالى أراد أن يحتوي الإسلام كل دين قبله فتكون القداسة للكل .. ولذلك أسرى برسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس .. حتى يدخل بيت المقدس في مقدسات الإسلام لأنه أصبح محتوى في الإسلام. ولم يشأ الله أن يجعل القبلة إلى الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون فيها أصنامهم .. ووضع الأصنام في الكعبة شهادة بأن لها قداسة في ذاتها .. فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها في الكعبة .. لماذا لم يضعوها في مكان آخر؟ لأن الكعبة مقدسة بدون أصنام. والله سبحانه وتعالى حين قال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] .. وَلاّه يعني حرفه ورده .. والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس .. وهنا يأتي الحق برد جامع هو أن أوامر الله الإيمانية لا ترتبط بالعلة .. إنما علة التنفيذ فيما يأمرنا الله سبحانه به جل جلاله أن الله هو الآمر .. ولو أن الحق تبارك وتعالى بين لنا السبب أو العلة في تغيير القبلة لما كان الأمر امتحاناً للإيمان في القلوب .. لأن الإيمان والعبادة هي طاعة معبود فيما يأمر وما ينهي .. يقول لك الله عظم هذا الحجر وهو الحجر الأسود الموجود في الكعبة فتعظمه بالاستلام والتقبيل .. ويقول لك: ارجم هذا الحجر الذي يرمز إلى إبليس فترجمه بالحصى، ولا يقول الله سبحانه لماذا؟ لأنه لو قال لماذا ضاع الإيمان هنا وأصبح الأمر مسألة إقناع واقتناع. فأنا حين أقول لك لا تأكل هذا لأنه مر، وكل هذا لأنه حلو يكون السبب واضحاً .. ولكن الله تبارك وتعالى يقول لك كل هذا ولا تأكل هذا .. فإن أكلت مما حرمه تكون آثماً. وإن امتنعت تكون طائعاً وتثاب. إذن العلة الإيمانية هي أن الأمر صادر من الله سبحانه .. ولو أنك امتنعت عن شرب الخمر لأنها ضارة بالصحة أو تفسد الكبد فلا ثواب لك، ولو امتنعت عن أكل لحم الخنزير لأن فيه كمية كبيرة من الكوليسترول وله مضار كثيرة فلا ثواب لك .. ولكنك لو امتنعت عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لأن الله حرمهما .. فهذه هي العبادة وهذا هو الثواب. الله سبحانه وتعالى أراد أن يرد على هؤلاء السفهاء فقال: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] .. أي أنك إذا اتجهت إلى بيت المقدس أو اتجهت إلى الكعبة أو اتجهت إلى أي مكان في هذا الكون فالله موجود فيه .. فبيت المقدي ليس له خصوصية بذاته، والكعبة ليس لها خصوصية بذاتها .. ولكن أمر الله تبارك وتعالى هو الذي يعطيهما هذه الخصوصية .. فإذا اتجهنا إلى بيت المقدس فنحن نتجه إليه طاعة لأمر الله .. فإذا قال الله سبحانه اتجهوا إلى الكعبة اتجهنا إليها طاعة لأمر الله. قوله تعالى: {يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] .. الصراط هو الطريق المستقيم لا التواء فيه بحيث يكون أقرب المسافات إلى الهدف. والله سبحانه وجهنا لبيت المقدس فهو صراط مستقيم نتبعه .. وجهنا إلى الكعبة فهو صراط مستقيم نتبعه .. فالأمر لله.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} [الآية: 142]. هم اليهود. قالوا: {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} [الآية: 142]. يعني: حين ترك بيت المقدس. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي جريح، عن مجاهد: {مَا وَلاَّهُمْ} [الآية: 142]. يقول: ما صرفهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [الآية: 143]. أَي: عدلاً، {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [الآية: 143]: على الأُمم كلها، اليهود والنصارى والمجوس. قال ورقاءُ: حدثني ابن أَبي نجيح، أَنه سمع أَباه يقول: قال عبيد بن عمير: حديث : يأْتي النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة ناديه ليس معه أَحد، فتشهد له أُمة محمد، صلى الله عليه وسلم أَنه قد بلغ . تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} [الآية: 143]. يعني: ما أُمروا به من التحويل من قبلة بيت المقدس إِلى الكعبة. فلما حولوا إِلى الكعبة، حول الرجال مكان النساءِ والنساءُ مكان الرجال.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: زعم اليهود والنصارى أن إِبراهيم والأنبياء معه كانوا يهوداً ونصارى وقد كانت قبلة الأنبياء بيت المقدس وكان صلوات الله عليه وهو بمكة يستقبل بيت المقدس فلما أُمر صلى الله عليه وسلم بالتوجه إِلى الكعبة المشرّفة طعن اليهود في رسالته واتخذوا ذلك ذريعة للنيل من الإِسلام وقالوا: لقد اشتاق محمد إِلى مولده وعن قريب يرجع إِلى دين قومه، فأخبر الله رسوله الكريم بما سيقوله السفهاء ولقّنه الحجة الدامغة ليردّ عليهم، ويوطّن نفسه على تحمل الأذى منهم عند مفاجأة المكروه، وكان هذا الإِخبار قبل تحويل القبلة معجزة له عليه السلام. اللغَة: {ٱلسُّفَهَآءُ} جمع سفيه وهو الجاهل ضعيف الرأي، قليل المعرفة بالمنافع والمضار، وأصل السفه الخفة والرقة من قولهم ثوب سفيه إِذا كان خفيف النسج {وَلاَّهُمْ} صرفهم يقال: ولّى عن الشيء وتولّى عنه أي انصرف {وَسَطاً} قال الطبري: الوسط في كلام العرب: الخيار وقيل: العدل، وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها وأن الغلو والتقصير مذمومان {عَقِبَيْهِ} تثنية عقب وهو مؤخر القدم {كَبِيرَةً} شاقة وثقيلة {شَطْرَ} الشطر في اللغة يأتي بمعنى الجهة كقول الشاعر: شعر : تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة، تفسير : ويأتي بمعنى النصف ومنه الحديث "حديث : الطهور شطر الإِيمان ". تفسير : سَبَبُ النّزول: عن البراء قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} الآية فقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال تعالى {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} إِلى آخر الآية، أخرجه البخاري. التفسِير: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} أي سيقول ضعفاء العقول من الناس {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} أي ما صرفهم وحوّلهم عن القبلة التي كانوا يصلون إِليها وهي بيت المقدس، قبلة المرسلين من قبلهم؟ {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي قل لهم يا محمد الجهات كلها لله له المشرق والمغرب فأينما ولينا وجوهنا فهناك وجه الله {يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي يهدي عباده المؤمنين إِلى الطريق القويم الموصل لسعادة الدارين {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي كما هديناكم إِلى الإِسلام كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة عدولاً خياراً {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} أي لتشهدوا على الأمم يوم القيامة أن رسلهم بلّغتهم، ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} أي وما أمرناك بالتوجه إِلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إِلى الكعبة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} أي إِِلا لنختبر إِيمان الناس فنعلم من يصدّق الرسول، ممن يشكّك في الدين ويرجع إِلى الكفر لضعف يقينه {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي وإِن كان هذا التحويل لشاقاً وصعباً إِلاّ على الذين هداهم الله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي ما صحَّ ولا استقام أن يضيع الله صلاتكم إِلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها، وذلك حين سألوه صلى الله عليه وسلم عمن مات وهو يصلي إِلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة فنزلت، وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تعليل للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} لأنه كثيراً ما رأينا تردّد بصرك يا محمد جهة السماء تشوقاً لتحويل القبلة {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} أي فلنوجهنك إِلى قبلةٍ تحبها، - وهي الكعبة - قبلة أبيك إِبراهيم {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي توجه في صلاتك نحو الكعبة المعظمة {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} أي وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة أيضاً {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي إِن اليهود والنصارى ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حقٌ من عند الله ولكنهم يفتنون الناس بإِلقاء الشبهات {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها، وفيه وعيد وتهديد لهم. البَلاَغة: 1- في قوله {يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} استعارة تمثيلية حيث مثَّل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه أفاده الإِمام الفخر. 2- {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الرأفة: شدة الرحمة وقدّم الأبلغ مراعاة للفاصلة وهي الميم في قوله {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وقوله {رَءُوفٌ رَّحِيم} وكلاهما من صيغ المبالغة. 3- {فَوَلِّ وَجْهَكَ} أطلق الوجه وأراد به الذات كقوله {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن: 27] وهذا النوع يسمى "المجاز المرسل" من باب إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. الفوَائِد: الأولى: أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلّغ فذلك قوله عز وجل {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} . تفسير : الثانية: سمى الله تعالى الصلاة "إيماناً" في قوله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم لأن الإِيمان لا يتمُّ إِلا بها، ولأنها تشتمل على نيةٍ وقولٍ وعمل. الثالثة: في التعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إِشارة إِلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، لأن في إِصابة عين الكعبة من البعيد حرجاً عظيماً على الناس.

الصابوني

تفسير : [3] التوجه إلى الكعبة في الصلاة التحليل اللفظي {ٱلسُّفَهَآءُ}: أصل السفه في كلام العرب: الخفة والرقة، يقال: ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان بالياً رقيقاً، وسفّهته الرياح أي أمالته قال ذو الرمّة: شعر : مشيْنَ كما اهتزّتْ رماحٌ تسفّهتْ أعاليَها مرّ الرياح النّواسِمِ تفسير : والسّفه: ضد الحلم وهو خفة وسخافة يقتضيها نقصان العقل، ولهذا سمّى الله الصبيان سفهاء {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً} تفسير : [النساء: 5]. {وَلَّٰهُمْ}: يعني صرفهم، يقال: ولىّ عن الشيء وتولّى عنه أي انصرف، وهو استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب. {قِبْلَتِهِمُ}: القبلة من المقابلة وهي المواجهة، وأصلها الحالة التي يكون عليها المقابل، ثم خصّت بالجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة. {وَسَطاً}: أي عدولاً خياراً، ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ} تفسير : [القلم: 28] أي خيرهم أو عدلهم، قال الشاعر: شعر : هم وسَطٌ يرضى الأنامُ بحكمِهم إذا نزلت إحدى الليالي بمُعْظَم تفسير : وأصل هذا أنّ خير الأشياء أوساطها، وأن الغلوّ والتقصير مذمومان. قال الجوهري في "الصحاح": {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي عدلاً، وكذلك روي عن الأخفش، والخليل. وقال الزمخشري: وقيل للخيار وسطٌ؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأوساط محميةٌ محوّطة ومنه قول أبي تمام: شعر : كانتْ هي الوسطَ المحميّ فاكتنفت بها الحوادثُ حتّى أصبحتْ طرفاً تفسير : {عَقِبَيْهِ}: العقبان: تثنية عقب، وهو مؤخر القدم، والانقلابُ عليهما بمعنى الانصراف والرجوع، يُقال: انقلب على عقبيه إذا انصرف عنه بالرجوع إلى الوراء. والمعنى: لنعلم من يثبت على الإيمان، ممّن يرتد عن دين الإسلام، ويرجع إلى ما كان عليه من ضلال، والكلام فيه استعارة كما سيأتي. {لَكَبِيرَةً}: أي شاقة ثقيلة تقول: كبر عليه الأمر أي اشتد وثقل. {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: الرأفة هي الرحمة، إلاّ أن الرأفة في دفع المكروه، والرحمة أعم تشمل المكروه والمحبوب. {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ}: تقلّبُ الوجه في السماء: ترّدده المرة بعد المرة فيها، والسماءُ مصدر الوحي، وقبلة الدعاء. قال الزجاج: المراد تقلب عينيك في النظر إلى السماء. وقال قطرب: تحول وجهك إلى السماء وهما متقاربان. ومعنى الآية: كثيراً ما نرى تردّد وجهك، وتصرّف نظرك في جهة السماء متشوقاً لنزول الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً}: أي لنمكننّك من استقبالها، من قولك: وليّتُه كذا إذا جعلته والياً له، فيكون من الولاية، أو من التولي، والمعنى: فلنجعلنّك متولياً جهتها، وهذه بشارة من الله تعالى لرسوله الكريم بتوجيهه إلى القبلة التي يحب. {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ}: والشطرُ في اللغة يكون بمعنى الجهة والناحية كما في هذه الآية ومنه قول الشاعر: شعر : أقول لأمّ زِنبْاعٍ أقيمي صدورَ العيسِ شطرَ بني تميم تفسير : ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الطهور شطر الإيمان" تفسير : والشاطر: الشاب البعيد عن أهله ومنزله، وهو من أعيا أهله خُبْثاً، وسئل بعضهم عن الشاطر فقال: هو من أخذ في البعد عمّا نهى الله عنه. ومعنى الآية: فولّ وجهك جهة المسجد الحرام أي جهة الكعبة. {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}: المراد بهم أحبار اليهود، وعلماء النصارى، والكتابُ: التوراةُ والإنجيل. وجه المناسبة بين الآيات كان صلوات الله عليه وهو بمكة يستقبل بيت المقدس في الصلاة، كما كان أنبياء بني إسرائيل يفعلون، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، ولأنها أقدم القبلتين، وقد كان اليهود يقولون: يخالفنا محمد في ديننا، ويتّبع قبلتنا، ولولا ديننا لم يدر أين يتوجه في صلاته، فكره النبي صلى الله عليه وسلم البقاء على قبلتهم، حتى روي أنه قال لجبريل: وددت لو أنّ الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة. وقد أخبر الله جل ثناؤه رسوله الكريم بما سيقوله السفهاء الجهال، من اليهود المنافقين، قبل تحويل القبلة، ولقنّه الحجة البالغة ليردّ عليهم، ويوطّن نفسه على تحمل الأذى منهم عند مفاجأة المكروه، ويعدّ الجواب القاطع لحجة الخصم، وقد قيل في الأمثال "مثل الرمي يراشُ السهم" وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزة له عليه السلام. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: سيقول السفهاء من الناس - وهم أهل الضلال من اليهود والمشركين والمنافقين - ما صرفهم وحوّلهم عن القبلة التي كانوا يتوجهون إليها جهة بيت المقدس وهي قبلة النبيّين والمرسلين من قبلهم؟ قل لهم يا محمد: لله المشرق والمغرب، الجهات كلّها لله، وهو سبحانه يتصرف في ملكه كيف شاء على ما تقتضيه حكمته البالغة، يهدي من شاء من عباده، إلى الطريق القويم الموصل إلى سعادة الدارين. وكما هديناكم - أيها المؤمنون - فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، كذلك فضّلناكم على من سواكم من أهل الملل، فجعلناكم أمة عدولاً خياراً، لتشهدوا للأنبياء يوم القيامة على أممهم أنّهم قد بلّغوهم رسالة الله، ويشهد لكم الرسول بالإيمان والاتباع لما جاء به من الدين الحنيف، وما أمرناك بالتحول عن القبلة التي كنت عليها إلى الكعبة، إلا ليتبيّن للناس الثابت على إيمانه من المتشكك في دينه، الذي هو عرضة لرياح الشبهات التي يثيرها أعداء الدين، فينافق أو يكفر، ويرتد عن دينه لأبسط الشبهات، وما كان الله ليضيع صلاتكم، إن الله رحيم بعباده، لا يبتليهم ليضيع عليهم أعمالهم، ولكنْ ليجزيهم أحسن الجزاء. كثيراً ما رأينا تردّد بصرك - يا محمد - جهة السماء، تطلعاً للوحي وتشوقاً لتحويل القبلة، فلنوجهنّك إلى قبلة تحبها، فتوجه في صلاتك نحو المسجد الحرام، وأنتم - أيها المؤمنون - استقبلوا بصلاتكم جهته أيضاً، فهي قبلتكم وقبلة أبيكم إبراهيم، وإن أهل الكتاب ليعلمون أن ذلك التولي شطر المسجد الحرام، هو الحق المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ولكنّهم يفتنون ضعاف المؤمنين، ليشككوهم في دينهم، بإلقاء الشبهات والأباطيل في نفوسهم، وما الله بغافل عما يعملون فهو جل ثناؤه العليم بالظاهر والباطن، المحاسب على ما في السرائر. سبب النزول أ - أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها (صلاة العصر) وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي قد مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالاً قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. ب - وعن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله فأنزل الله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن تصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. وجوه القراءات أولاً: قرأ الجمهور {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} بالمد في {رؤوف} مع الهمز على وزن فعول، وقرأ الكسائي وحمزة {لَرَءُوفٌ} على وزن رَعُف، ويقال: هو الغالب على أهل الحجاز، قال جرير: شعر : ترى للمسلمين عليكَ حقاً كفعل الوالد الرّؤفِ الرحيم تفسير : ثانياً: قرأ الجمهور {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} بالياء في {يَعْمَلُونَ} فيكون وعيداً لأهل الكتاب، وقرأ حمزة والكسائي {عما تعملون} بالتاء فيكون وعيداًَ للفريقين: المؤمنين والكافرين. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الكاف للتشبيه وهي في موضع نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: كما هديناكم جعلناكم أمة وسطاً، أي مثل هدايتنا لكم كذلك جعلناكم أمة وسطاً، و(أمة) مفعول ثانٍ لجعلنا، و(وسطاً) صفة لها. ثانياً: قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} (إنْ) مخففة من (إنّ) الثقيلة واسمها ضمير الشأن، واللام في قوله (لكبيرة) للفرق بين المخففة والنافية، كما في قوله تعالى: {أية : إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} تفسير : [الإسراء: 108] وزعم الكوفيون أنها نافية، واللام بمعنى إلاّ، أي ما كانت إلا كبيرة، قال العكبري: وهو ضعيف جداً من جهة أن وقوع اللام بمعنى إلا لا يشهد له سماع ولا قياس. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: أخبر المولى جلّ وعلا عمّا سيقوله السفهاء من اليهود قبل تحويل القبلة، والإخبار فيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على صدق ما جاء به، لأنه إخبار عن أمر مغيّب، كما فيه الجواب القاطع لحجة الخصم العنيد. قال الزمخشري في "الكشاف": "فإن قلت: أيّ فائدةٍ في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأردّ لشَغَبه، وقبل الرمي يُراش السهم". اللطيفة الثانية: ردّ القرآن بالحجة الدامغة على السفهاء (اليهود، والمشركين، والمنافقين) في قوله جل وعلا: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وتقريره أن الجهات كلها لله تعالى، لا فضل لجهةٍ منها بذاته على جهة، ولا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى خصّها بذلك، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة، وأن العبرة بالتوجه إليه سبحانه بالقلوب، واتباع أمره في توجه الوجوه. فكيف يعترضون عليك يا محمد؟ لا شك أنهم أغبياء الأفهام، سفهاء الأحلام. اللطيفة الثالثة: التعبير بقوله تعالى: {أُمَّةً وَسَطاً} فيه لطيفة، وهي أن خير الأمور أوساطها، فالزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقصُ عنه تفريط وتقصير، وكلٌ من الإفراط والتفريط ميلٌ عن الجادة القويمة، فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر، أي التوسط بينهما. وذكر ابن جرير الطبري: "أنه من التوسط في الدين، فإن المسلمين لم يقصّروا في دينهم كاليهود، الذين قتلوا الأنبياء، وبدّلوا كتاب الله، ولم يضلوا كالنصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله، وغلوا في الترهب غلواً كبيراً، ولكنّهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها". اللطيفة الرابعة: في شهادة هذه الأمة على الأمم يوم القيامة أكبر دليل على فضل هذه الأمة المحمدية، وقد روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلّغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون، فتقول الأمم: كيف تشهدون علينا ولم تدركونا؟ فيقولون: نشهد بإخبار الله عز وجل الناطق، على لسان نبيه الصادق بأنه قد بلغكم، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيزكيهم ويشهد بعدالتهم. أخرج البخاري في "صحيحه": عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "يُدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلّغتفسير : ، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} أوّل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: معنى (لنعلم) لنرى. والعرب تضع العلم ماكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] بمعنى: ألم تعلم. قال الطبري: "الله تعالى عالم بالأشياء كلّها قبل وقوعها، وإنما تأويل الآية {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي ليعلم رسولي وأوليائي، إذا كان من شأن العرب إضافة أتباع الرئيس إلى الرئيس، نحو فتح عمر سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه". وقال ابن عباس: المعنى: لنميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة، ففسّر العلم بـ (التمييز) لأن بالعلم يقع التمييز. وقال الزمخشري في "الكشاف": المراد بالعلم (علم المعاينة) الذي يتعلق به الثواب والجزاء كقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142]. اللطيفة السادسة: في قوله تعالى: {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} استعارة تمثيلية حيث مثّل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلمّا تركوا الإيمان والدلائل، صاروا بمنزلة المدبر عمّا بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ} تفسير : [المدثر: 23]. اللطيفة السابعة: سمّى الله تعالى الصلاة (إيماناً) في قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي صلاتكم لأن الإيمان لا يتم إلاّ بها، ولأنها تشتمل على نيّة، وقول، وعمل. قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، لما روي عن ابن عباس أنه قال: لمّا وُجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قالوا يا رسول الله: فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. ثمّ قال: فسمّى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل. قال مالك: وفيه رد على من قال: إن الصلاة ليست من الإيمان. اللطيفة الثامنة: قال الزمخشري: إنّ (قد) هنا بمعنى (ربما) وهي للتكثير، ومعناه كثرة الرؤية كقول الشاعر: شعر : قد أتركُ القِرْنَ مصفَرّاً أناملُه كأنّ أثوابَه مُجّتْ بفرصاد تفسير : قال أبو حيان: التكثير مستفاد من لفظ التقلب لأنه مطاوع التقليب، ومن نظر مرة أو ردّد بصره مرتين أو ثلاثاً لا يقال: إنه قلّب، فلا يقال قلّب إلا حيث الترديد كثير. والتعبير بقوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ} بمعنى قد رأينا، لأن {قَدْ} تقلب المضارع ماضياً كما يقول النحاة ومنه قوله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 18] وقوله: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ} تفسير : [الحجر: 97] أي قد علمنا. اللطيفة التاسعة: قال المحققون من أهل التفسير: في قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} في هذه الآية تنبيه لطيف على حسن أدبه عليه السلام حيث انتظر الوحي ولم يسأل ربه، وقد أكرمه الله تعالى على هذا الأدب بقبلة يحبها ويهواها فقال تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} وفي سبب محبته عليه الصلاة والسلام التوجه إلى المسجد الحرام وترك التوجه إلى بيت المقدس وجوه: الأول: مخالفةً لليهود حيث كانوا يقولون: يخالفنا محمد ثم يتّبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل. الثاني: أن الكعبة المشرّفة كانت قبلة أبيه إبراهيم خليل الرحمٰن. الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام كان يرغب في تحويل القبلة استمالة للعرب لدخولهم في الإسلام. الرابع: منشأ الرسول صلى الله عليه وسلم في البلد الأمين وفيه المسجد الحرام الذي هو قبلة المساجد فأحب أن يكون هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه. اللطيفة العاشرة: في التعبير عن (الكعبة) بالمسجد الحرام إشارة لطيفة إلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، والسرّ في الأمر بالتولية خاصاً وعاماً {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ثم قال: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} مع أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته هو الاهتمام لشأن القبلة، ودفع توهم أن الكعبة قبلة أهل المدينة وحدهم، لأن الأمر بالصرف كان فيها، فربما فهم أن قبلة بيت المقدس لا تزال باقية. قال الراغب: أما خطابه الخاص فتشريفاً له وإيجاباً لرغبته عليه الصلاة والسلام، وأما خطابه العام بعده فلأنه كان يجوز أن يعتقد أن هذا قد خُصّ عليه الصلاة والسلام به، كما خُصّ في قوله {أية : قُمِ ٱلَّيلَ} تفسير : [المزمل: 2]، ولما كان تحويل القبلة له خطر خصّهم بخطاب مفرد. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بالمسجد الحرام في القرآن الكريم؟ ورد ذكر {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} في آيات متفرقة من القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة أيضاً، وقصد به عدة معان: الأول: الكعبة، ومنه قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي جهة الكعبة. الثاني: المسجد كلّه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"تفسير : . وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تُشدّ الرحالُ إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ". تفسير : الثالث: مكة المكرمة كما في قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى} تفسير : [الإسراء: 1] وكان الإسراء من مكة المكرمة، وقوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الفتح: 25] وقد صدوهم عن دخول مكة. الرابع: الحرم كله (مكة وما حولها من الحرم) كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا} تفسير : [التوبة: 28] والمراد منعهم من دخول الحرم. والمراد بالمسجد الحرام هنا هو المعنى الأول (الكعبة) والمعنى: فولّ وجهك شطر الكعبة. الحكم الثاني: هل يجب استقبال عين الكعبة أم يكفي استقبال جهتها؟ استقبال القبلة فرض من فروض الصلاة، لا تصح الصلاة بدونه، إلا ما جاء في صلاة الخوف والفزع، وفي صلاة النافلة على الدابة أو السفينة، فله أن يتوجه حيث توجهت به دابته، لما رواه أحمد ومسلم والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، وفيه نزلت {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 115]. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إنما الخلاف هل الواجب استقبال عين الكعبة أم استقبال الجهة؟ فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الواجب استقبال عين الكعبة. وذهب الحنفية والمالكية إلى أنّ الواجب استقبال جهة الكعبة، هذا إذا لم يكن المصلي مشاهداً لها، أمّا إذا كان مشاهداً لها فقد أجمعوا أنه لا يجزيه إلا إصابة عين الكعبة، والفريق الأول يقولون: لا بدّ للمشاهد من إصابة العين، والغائب لا بد له من قصد الإصابة مع التوجه إلى الجهة، والفريق الثاني يقولون: يكفي للغائب التوجه إلى جهة الكعبة. أدلة الشافعية والحنابلة: استدل الشافعية والحنابلة على مذهبهم بالكتاب، والسنة، والقياس. أ - أما الكتاب: فهو ظاهر هذه الآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ووجه الاستدلال: أن المراد من الشطر الجهة المحاذية للمصلي والواقعة في سمته، فثبت أن استقبال عين الكعبة واجب. وأما السنة: فما روي في "الصحيحين" عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال: "حديث : لمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يصلّ حتى خرج منه، فلمّا خرج صلى ركعتين من قِبَل الكعبة، وقال: هذه القبلة ". تفسير : قالوا: فهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة. جـ - وأما القياس: فهو أنّ مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة، أمر بلغ مبلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيفُ صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف، فوجب أن يكون مشروعاً. وقالوا أيضاً: كونُ الكعبة قبلة أمر مقطوع به، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك فيه، ورعايةُ الاحتياط في الصلاة أمر واجب، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال عين الكعبة. أدلة المالكية والحنفية: واستدل المالكية والحنفية على مذهبهم بالكتاب، والسنة وعمل الصحابة، والمعقول. أ - أما الكتاب: فظاهر قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ولم يقل: شطر الكعبة، فإنّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد الحرام، فقد أتى بما أمر به، سواء أصابَ عين الكعبة أم لا. ب - وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما بين المشرق والمغرب قِبْلةٌ ". تفسير : وحديث: "حديث : البيتُ قبلةٌ لأهل المسجد والمسجدُ قبلةٌ لأهل الحرم، والحرامُ قبلةٌ لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " . تفسير : جـ - وأما عمل الصحابة: فهو أنّ أهل (مسجد قباء) كانوا في صلاة الصبح بالمدينة، مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين الكعبة، فقيل لهم: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة، فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وسُمّي مسجدهم (بذي القبلتين). ومعرفةُ عين الكعبة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها، فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة، وفي ظلمة الليل؟ د - وأما المعقول: فإنه يتعذر ضبط (عين الكعبة) على القريب من مكة، فكيف بالذي هو في أقاصي الدنيا من مشارق الأرض ومغاربها؟ ولو كان استقبال عين الكعبة واجباً، لوجب ألا تصحّ صلاة أحدٍ قط، لأن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة نيّف وعشرين ذراعاً من الكعبة، ولا بدّ أن يكون بعضهم قد توجّه إلى جهة الكعبة ولم يصب عينها، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أنّ إصابة عينها على البعيد غير واجبة {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286]. ومن جهة أخرى: فإن الناس من عهد النبي عليه الصلاة والسلام بنوا المساجد، ولم يحضروا مهندساً عند تسوية المحراب، ومقابلةُ العين لا تُدرك إلا بدقيق نظر الهندسة، ولم يقل أحد من العلماء إنّ تعلم الدلائل الهندسية واجب، فعلمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب. الترجيح: هذه خلاصة أدلة الفريقين سقناها لك، وأنت إذا أمعنت النظر رأيت أن أدلة الفريق الثاني (المالكية والأحناف) أقوى برهاناً، وأنصع بياناً، لا سيما للبعيد الذي في أقاصي الدنيا، وأصول الشريعة السمحة تأبى التكليف بما لا يطاق، وكأنّ الفريق الأول حين أحسوا صعوبة مذهبهم، خصوصاً من غير المشاهد لها قالوا: "إن فرض المشاهد للكعبة إصابةُ عينها حسّاً، وفرض الغائب عنها إصابة عينها قصداً" وبعد هذا يكاد يكون الخلاف بين الفريقين شكلياً، لأنهم صرحوا بأنّ غير المشاهد لها يكفي أن يعتقد أنه متوجه إلى عين الكعبة، بحيث لو أزيلت الحواجز يرى أنه متوجه في صلاته إلى عينها، وفي هذا الرأي جنوح إلى الاعتدال، والله الهادي إلى سواء السبيل. قال العلامة القرطبي: في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" ما نصّه: "واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين، أو الجهة، فمنهم من قال بالأول، قال ابن العربي: وهو ضعيف لأنه تكليف لما لا يصل إليه، ومنهم من قال بالجهة وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمور به في القرآن لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. الثالث: "أنّ العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يُعلم قطعاً أنه أضعاف عرض البيت". الحكم الثالث: هل تصح الصلاة فوق ظهر الكعبة؟ وبناءً على الخلاف السابق: هل القبلة عين الكعبة أم جهتها؟ انبنى خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة، هل تصح أم لا؟ فذهب الشافعية والحنابلة: إلى عدم صحة الصلاة فوقها، لأن المستعلي عليها لا يستقبلها إنما يستقبل شيئاً آخر. وأجاز الحنفية: الصلاة فوقها مع الكراهية، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، إلا أنّ الصلاة تصحّ بناء على مذهبهم من أن القبلة هي الجهة: من قرار الأرض إلى عنان السماء، والله تعالى أعلم. الحكم الرابع: أين ينظر المصلي وقت الصلاة؟ ذهب المالكية: إلى أن المصلي ينظر في الصلاة أمامه. وقال الجمهور: يستحبُ أن يكون نظره إلى موضع سجوده، وقال شريك القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجْره. قال القرطبي: في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه، في أنّ المصلي حكمُه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. قال ابن العربي: "إنما ينظر أمامه، فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس، وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلّف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج، وما جعل علينا في الدين من حرج". الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، فإن المصلي إذا نظر إلى مكان السجود لا يخرج عن كونه متوجهاً إلى الكعبة، وإنما استحبوا ذلك حتى لا يتشاغل في الصلاة بغيرها وليكون أخشع لقلبه والله أعلم. وهناك أحكام أخرى جزئية تطلب من كتب الفروع. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: إعتراض اليهود على تحويل القبلة سفه وجهالة لأنه لا يعتمد على منطق سليم. ثانياً: الجهات كلّها لله تعالى خَلْقاً وملكاً فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى. ثالثاً: الأمة المحمدية أفضل الأمم لذلك اختارها الله للشهادة على الخلائق يوم القيامة. رابعاً: تحويل القبلة امتحانٌ لإيمان الناس ليتميّز المؤمن الصادق عن الفاجر المنافق. خامساً: أدب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنعه من سؤال تحويل القبلة ولذلك أكرمه الله بما يرضى. سادساً: الكعبة المشرفة قبلة أبي الأنبياء وقد جمع الله بها قلوب العباد. سابعاً: أهل الكتاب يعلمون أن تحويل القبلة حق ولكنهم أرادوا فتنة المؤمنين. خاتمة البحث: حكمة التشريع هذا البيت العتيق الذي رفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، هو قبلة أهل الأرض، كما أنّ البيت المعمور قبلة أهل السماء يطوفون حوله يسبّحون بحمد الله. وقد اقتضت حكمة الله أن يجمع (أمة التوحيد) على قبلةٍ واحدة، فأمر خليله إبراهيم عليه السلام أن يبني هذا البيت العتيق، ليكون مثابة للناس وأمناً، ومصدراً للإشعاع والنور الرباني، ومكاناً لحج بيته المعظم، يأتيه الناس من كل فج عميق {أية : لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} تفسير : [الحج: 28]. وقد أمر الله رسوله الكريم بالتوجه إليه في الصلاة، بعد أن توجه إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وذلك لحكمة جليلة هي امتحان إيمان الناس، واختبار صدق يقينهم، ليظهر المؤمن الصادق، من الكاذب المنافق، وليعيد لهذه الأمة التي اختارها الله، قيادة ركب الإنسانية، بعد أن تخلت عنها ردحاً من الزمان كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ...} تفسير : [الحج: 78] . فالكعبة المشرفة - زادها الله شرفاً وتعظيماً - هي رمز التوحيد؛ ومظهر الإيمان، وقبلة أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمٰن وحولها تلتقي أفئدة الملايين من المؤمنين لأنها مظهر وحدتهم، وسرّ اجتماع كلمتهم، فلا عجب أن يأمرهم الله تعالى بالتوجه إليها في صلاتهم، أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ...}. قال الإمام الفخر: (وقد ذكروا في تعيين القبلة في الصلاة حِكماً: أحدها: أن العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم، فإنه لا بدّ أن يستقبله بوجهه، وألا يكون معرضاً عنه، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه، ويبالغ في الخدمة والتضرع له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك لا معرضاً عنه، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة. وثانيها: أن المقصود من الصلاة حضور القلب، وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الإلتفات والحركة، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف كان استقبال تلك الجهة أولى. وثالثها: أن الله تعالى يحب الألفة بين المؤمنين، وقد ذكر المنة بها عليهم حيث قال: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً...} تفسير : [آل عمران: 103] ولو توجّه كل واحد في صلاته إلى ناحية، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً، فعيّن الله تعالى لهم جهة معلومة، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك. ورابعها: أن الله تعالى خصْ الكعبة بإضافتها إليه في قوله: {أية : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} تفسير : [الحج: 26] وخصّ المؤمنين بإضافتهم بصفة العبودية إليه {أية : يٰعِبَادِيَ} تفسير : [العنكبوت: 56]، وكلتا الإضافتين للتخصيص والتكريم، فكأنه تعالى قال: يا مؤمن أنتَ عبدي، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، فأقبلْ بوجهك في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إليّ..).

الجيلاني

تفسير : ثم لما كان الغالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل حاله وسلوكه، توحيد الصفات والأفعال المورثين له عن آبائه - صلوات الله عليهم - كان تابعاً لهم في قبلتهم التي كانوا عليها أيضاً صورة، وحين ظهر وانكشف له صلى الله عليه وسلم توحيد الذات، وغلبت عليه تجلياتها وإشراقها استغرق ووله، بل فني واضمحل وتلاشت فيها هويته، وبعدما تنزل عن ولهه واستغراقه، خص له سبحانه قبلة مخصوصة، ووجهة معينة صورة؛ لتكون آية على قبلته الحقيقية المعنوية. ثم لما أمره سبحانه بتوجهها واستقبالها وهو في الصلاة إلى القبلة التيكان عليها قبل الأمر وتحول نحوها فيها، أخذ المنافقون في الغيبة، واشتغلوا بالنفاق، ونسبوه إلى ما هو منزه عنه، وانتهزوا واغتنموا الفرصة لمقابلته وصمموا العزم بمجادلته، أراد سبحانه أن ينبه بما هم عليه من النفاق والشقاق في أمر القبلة على وجه الإخبار، فقال: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ} المعزولون عن مقتضى العقل الخيري، المتشعب من العقل الكلي، المتفرع على اسم العليم: {مِنَ ٱلنَّاسِ} المحجوبين بظلمة التعينات عن نور الوجود قولاً ناشئاً عن محض الغفلة والسفاهة على سبيل الاستهزاء، وهو قولهم: {مَا وَلَّٰهُمْ} حوَّلهم وصرفهم؛ أي: المؤمنين {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} ومن قبل مع أنها قبلة من يدعون الانتساب إليهم والاقتداء بملتهم؟ {قُل} لهم يا أكمل الرسل على وجه التنبيه والإرشاد وبلسان التوحيد الذاتي بعدما انكشف لك: {للَّهِ} المنزله عن الأماكن والجهات المتجلي فيها {ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي: جميع ما يتوهم من الزمان والمكان والجهة، إنما هي مظاهر ذاته ومجالي أسمائه وصفاته {يَهْدِي} بحبه الذاتي {مَن يَشَآءُ} من عباده المتوجهين إلى جنابه {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] موصلٍ إلى ذاته من أي مكان كان، وفي أي وجهة وزمانٍ؛ إذ هو محيط بكلها. {وَكَذَلِكَ} أي: مثل صراط المستقيم الموصل إلى ذاتنا المعتدل المتوسط بين الطرق {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} معتدلاً قابلاً للخلافة والنيابة، بل في تولية الأمور بين العباد {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ} قوامين بالقسط {عَلَى ٱلنَّاسِ} الغافلين عن التوجه إلينا {وَ} كذلك أرسلنا إليكم رسولاً منكم حتى {يَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} حفيظاً لكم عن طرق الإفراط والتفريط فيما صدر عنكم من الأمور، فعليكم أن تلازموا وتداوموا امتثال ما جاء به رسولكم من عند ربكم؛ لتكونوا مهتدين إليه سبحانه من الصراط المستقيم. {وَمَا جَعَلْنَا} أي: قبلتك يا أكمل الرسل {ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} قبل هجرتك منها {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} ولنميز ونفصل {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} الهادي إلى توحيد الذات {مِمَّن يَنقَلِبُ} يعود ويرجع {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} قبل الوصول إلى توحيد الذات {وَإِن كَانَتْ} الوصلة إلى الوحدة الذاتية {لَكَبِيرَةً} ثقيلة شاقة {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} إلى ذاته بتوفيقهم على الإيمان ممن يرشدهم إليه {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ} المظهر لكم {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} به بعد توفيقكم إياه {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ} المؤمنين بالرسول المرشد إلى توحيد الذات الموقنين بما جاء به من عند ربه {لَرَءُوفٌ} عطوف {رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] مشفق يوصلهم إلى ما يظهرم لأجله بفضله وطوله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قد اشتملت الآية الأولى على معجزة، وتسلية، وتطمين قلوب المؤمنين، واعتراض وجوابه، من ثلاثة أوجه، وصفة المعترض، وصفة المسلم لحكم الله دينه. فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، وهم اليهود والنصارى، ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه، وذلك أن المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس، مدة مقامهم بمكة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة، نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها، وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة، فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس: { مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس، أي: أيُّ شيء صرفهم عنه؟ وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه، وفضله وإحسانه، فسلاهم، وأخبر بوقوعه، وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه، قليل العقل، والحلم، والديانة، فلا تبالوا بهم، إذ قد علم مصدر هذا الكلام، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه، ولا يلقي له ذهنه. ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } {أية : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تفسير : الآية، {أية : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } تفسير : وقد كان في قوله { السفهاء } ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به. ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة، حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: { قُلْ } لهم مجيبا: { لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره، بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، وهدايته وإحسانه، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله، حسدا لكم وبغيا. ولما كان قوله: { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: {أية : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ } تفسير : ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية، ومنة الله عليها فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا { أُمَّةً وَسَطًا } [كاملين] ليكونوا { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول، فهو مقبول، وما شهدت له بالرد، فهو مردود. فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين، لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة، وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة، فإنما المقصود، الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك، العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها. فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } . ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها. وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة، حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ، لإطلاق قوله: { وَسَطًا } فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: { ولتكونوا شهداء على الناس } يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك. يقول تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس أولا { إِلا لِنَعْلَمَ } أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها. ولكن هذا العلم، لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله، وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم، ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن { مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة، أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا، وطاعة للرسول. وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق، واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا حقيقة لها. { وَإِنْ كَانَتْ } أي: صرفك عنها { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم، وشكروا، وأقروا له بالإحسان، حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم، الذي فضله على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده، ركنا من أركان الإسلام، وهادما للذنوب والآثام، فلهذا خف عليهم ذلك، وشق على من سواهم. ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه، ومستحيل، أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه، وحفظه نوعان: حفظ عن الضياع والبطلان، بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة، والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فكما ابتدأكم، بأن هداكم للإيمان، فسيحفظه لكم، ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره، وثوابه، وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن المقصود منها، تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين، وتظهر صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم، فدفع هذا الوهم بقوله: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } بتقديره لهذه المحنة أو غيرها. ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله، امتثال أمره في كل وقت، بحسب ذلك، وفي هذه الآية، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح. وقوله: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي: شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم، أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميَّزَ عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا، زاد به إيمانهم، وارتفعت به درجتهم، وأن وجههم إلى أشرف البيوت، وأجلها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 38 : 48 - سفين عن رجل عن مجاهد في قوله جل اسمه {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} قال، اليهود. [الآية 142].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} [142] 20- أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، نا إسحاق، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال، حديث : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم إنه وُجَّه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال/ أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وُجِّه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة . تفسير : 21- أنا محمد بن حاتم، أنا حبان، أنا عبد الله، أنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله { سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}. قال: هم أهل الكتاب السُّفهاء. ذيل التفسير قوله تعالى: [{سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ} [142]] 1/ 736- أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: صلَّينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً - شك سُفيان - وصُرف إلى القبلة.