Verse. 150 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَكَذٰلِكَ جَعَلْنٰكُمْ اُمَّۃً وَّسَطًا لِّتَكُوْنُوْا شُہَدَاۗءَ عَلَي النَّاسِ وَيَكُـوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَہِيْدًا۝۰ۭ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَۃَ الَّتِىْ كُنْتَ عَلَيْہَاۗ اِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَّتَّبِــعُ الرَّسُوْلَ مِمَّنْ يَّنْقَلِبُ عَلٰي عَقِبَيْہِ۝۰ۭ وَاِنْ كَانَتْ لَكَبِيْرَۃً اِلَّا عَلَي الَّذِيْنَ ھَدَى اؙ۝۰ۭ وَمَا كَانَ اللہُ لِـيُضِيْعَ اِيْمَانَكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِالنَّاسِ لَرَءُوْفٌ رَّحِيْمٌ۝۱۴۳
Wakathalika jaAAalnakum ommatan wasatan litakoonoo shuhadaa AAala alnnasi wayakoona alrrasoolu AAalaykum shaheedan wama jaAAalna alqiblata allatee kunta AAalayha illa linaAAlama man yattabiAAu alrrasoola mimman yanqalibu AAala AAaqibayhi wain kanat lakabeeratan illa AAala allatheena hada Allahu wama kana Allahu liyudeeAAa eemanakum inna Allaha bialnnasi laraoofun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» كما هديناكم إليه «جعلناكم» يا أمة محمد «أمة وسطا» خيارا عدولا «لتكونوا شهداء على الناس» يوم القيامة أنَّ رسلهم بلَّغتهم «ويكون الرسول عليكم شهيدا» أنه بلغكم «وما جعلنا» صيرنا «القبلة» لك الآن الجهة «التي كنت عليها» أولا وهي الكعبة وكان يصلى إليها فلما هاجر أمر باستقبال بيت المقدس تألُّفا لليهود فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حول «إلا لنعلم» علم ظهور «من يتبع الرسول» فيصدقه «ممن ينقلب على عقبيه» أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة «وإن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي وإنها «كانت» أي التولية إليها «لكبيرة» شاقة على الناس «إلا على الذين هدى الله» منهم «وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل «إن الله بالناس» المؤمنين «لرؤوف رحيم» في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفةُ شدة الرحمة وقدَّم الأبلغ للفاصلة.

143

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }. اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: الكاف في {كَذٰلِكَ } كاف التشبيه، والمشبه به أي شيء هو؟ وفيه وجوه. أحدها: أنه راجع إلى معنى يهدي، أي كما أنعمنا عليكم بالهداية، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطاً. وثانيها: قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. وثالثها: أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم عليه السلام: {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا } تفسير : [البقرة: 130] أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم أمة وسطاً. ورابعها: يحتمل عندي أن يكون التقدير: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } تفسير : [البقرة: 115] فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكاً لله وملكاً له، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلاً منه وإحساناً فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً. وخامسها: أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } تفسير : [القدر: 1] ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ } أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً. المسألة الثانية: اعلم أنه إذا كان الوسط اسماً حركت الوسط كقوله: {أُمَّةً وَسَطًا } والظرف مخفف تقول: جلست وسط القوم، واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أموراً. أحدها: أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى، أما الآية فقوله تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ } تفسير : [القلم: 28] أي أعدلهم، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمة وسطاً قال عدلاً»تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خير الأمور أوسطها»تفسير : أي أعدلها، وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسباً، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : عليكم بالنمط الأوسط» تفسير : وأما الشعر فقول زهير:شعر : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي العظائم تفسير : وأما النقل فقال الجوهري في «الصحاح»: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي عدلاً وهو الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب، وأما المعنى فمن وجوه. أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين فكان معتدلاً فاضلاً. وثانيها: إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين. وثالثها: لا شك أن المراد بقوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله: (وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة. ورابعها: أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة. القول الثاني: أن الوسط من كل شيء خياره قالوا: وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه: الأول: أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب «الكشاف»: اكتريت جملاً من أعرابي بمكة للحج فقال: أعطى من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى. الثاني: أنه مطابق لقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110]. القول الثالث: أن الرجل إذا قال: فلان أوسطنا نسباً فالمعنى أنه أكثر فضلاً وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة، وأصل هذا أن الاتباع يتحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى. القول الرابع: يجوز أن يكونوا وسطاً على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابناً وإلهاً ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه. واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه وهذا صريح في المذهب، قالت المعتزلة: المراد من هذا الجعل فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، أجاب الأصحاب عنه من وجوه. الأول: أن هذا ترك للظاهر وذلك مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل على أنه لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب، وقد بينا مراراً كثيرة أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي، والكلام المنقوض لا التفات إليه ألبتة. الوجه الثاني: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: {أية : يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [البقرة: 142] وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى. الوجه الثالث: أن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حق الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. الوجه الرابع: وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان. المسألة الرابعة: احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا: أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم فلو أقاموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة، فإن قيل: الآية متروكة الظاهر، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلا بد من حملها على البعض فنحن نحملها على الأئمة المعصومين، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهرة لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين. الأول: أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر الله تعالى أن جعلهم وسطاً فاقتضى ذلك أن كونهم وسطاً من فعل الله تعالى، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال. الثاني: أن الوسط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل، سلمنا اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة، سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل، وذلك لا نزاع فيه، لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك؟ سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم، فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر امتنع التمسك بالإجماع. والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر قلنا: لا نسلم فإن قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة، وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فإن كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا إن هذا خطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله: {جَعَلْنَـٰكُمْ } خطاب لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده، على أن وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد منهم عدلاً لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء: ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماع جماعتهم على القول والفعل، لكي يدخل المعتبرون في جملتهم، مثاله: أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال إن واحداً من أولاد فلان لا بد وإن يكون مصيباً في الرأي والتدبير فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقاً لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقاً لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف، ولهذا قال كثير من العلماء: إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة بقول المخطىء قوله: لو كان المراد من كونهم وسطاً هو المراد من عدالتهم، لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى قلنا: هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه، قوله: لم قلتم أن إخبار الله تعالى عن عدالتهم وخيريتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر؟ قلنا: خبر الله تعالى صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، وفعل الصغيرة ليس بخير، فالجمع بينهما متناقض، ولقائل أن يقول: الإخبار عن الشخص بأنه خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال: الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض أو في كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيراً من بعض الوجوه دون البعض، يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله تعالى عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلاً عن الصغائر، وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليها، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجوداً وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178]، {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] يتناول الكل، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، وكذلك سائر تكاليف الله تعالى وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطاباً لجميع من يوجد إلى قيام الساعة، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة على من بعدهم؟ قلنا: لأنه تعالى لما جعلهم شهداء على الناس، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة، فإن الأمة اسم للجماعة التي تؤم جهة واحدة، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ولأنه تعالى قال: {أُمَّةً وَسَطًا } فعبر عنهم بلفظ النكرة ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر. المسألة الخامسة: اختلف الناس في أن الشهادة المذكورة في قوله تعالى: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } تحصل في الآخرة أو في الدنيا. فالقول الأول: إنها تقع في الآخرة، والذاهبون إلى هذا القول لهم وجهان. الأول: وهو الذي عليه الأكثرون: أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم، روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين عرفتم فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام، فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] وقد طعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أولها: أن مدار هذه الرواية عن أن الأمم يكذبون أنبياءهم وهذا بناء على أن أهل القيامة قد يكذبون، وهذا باطل عند القاضي، إلا أنا سنتكلم على هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 23، 24]. وثانيها: أن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة الله تعالى على صدق الأنبياء، وإذا كان كذلك فلم لم يشهد الله تعالى لهم بذلك ابتداء؟ وجوابه: الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء، والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، فلذلك يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم عليهم إظهاراً لعدالتهم وكشفاً عن فضيلتهم ومنقبتهم. وثالثها: أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد» تفسير : والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس فوجب جواز الشهادة عليه. الوجه الثاني: قالوا معنى الآية: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها قال ابن زيد: الأشهاد أربعة. أولها: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد. قال تعالى: {أية : وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } تفسير : [ق: 21] وقال: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : [ق: 18] وقال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الإنفطار: 10 ـ 12]. وثانيها: شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكياً عن عيسى عليه السلام: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تفسير : [المائدة: 117] وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وقال: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41]. وثالثها: شهادة أمة محمد خاصة. قال تعالى: {أية : وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء} تفسير : [الزمر: 69] وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } تفسير : [غافر: 51]. ورابعها: شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ } تفسير : [النور: 24] الآية، وقال: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [يس: 65] الآية. القول الثاني: أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا وتقريره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهوداً، والعارف بالشيء: شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلالة على الشيء: شاهداً على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً، ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله جارياً مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضاً شاهداً، ثم اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، إذا عرفت هذا فنقول: إن كل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا لا جائز أن تكون في الآخرة، لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، إنما قلنا: إنه تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأنه تعالى قال: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً } وهذا إخبار عن الماضي فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا: إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهوداً في الدنيا لأنه تعالى قال: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا، فإن قيل: تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهداً وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة قلنا: الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل، بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي يعتبر فيها العدالة، هي الأداء لا التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجة ولا معنى لقولنا الإجماع حجة إلا هذا، فثبت أن الآية تدل على أن الإجماع حجة من هذا الوجه أيضاً، واعلم أن الدليل الذي ذكرناه على صحة هذا القول لا يبطل القولين الأولين لأنا بينا بهذه الدلالة أن الأمة لا بد وأن يكونوا شهوداً في الدنيا وهذا لا ينافي كونهم شهوداً في القيامة أيضاً على الوجه الذي وردت الأخبار به، فالحاصل أن قوله تعالى: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } إشارة إلى أن قولهم عند الإجماع حجة من حيث أن قولهم: عند الإجماع يبين للناس الحق، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } يعني مؤدياً ومبيناً، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا أثبتوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم. المسألة السادسة: دلت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبهة والخوارج والروافض فإنه لا يعتد به في الإجماع لأن الله تعالى إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة والخيرية، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقوله أو فعل، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل. المسألة السابعة: إنما قال: {شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } ولم يقل: شهداء للناس لأن قولهم يقتضي التكليف إما بقول وإما بفعل وذلك عليه لا له في الحال، فإن قيل: لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً؟ قلنا؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر الاختصاص بكون الرسول شهيداً عليهم. قوله تعالى: {وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها إِلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم}. اعلم أن قوله: {وَمَا جَعَلْنَا } معناه ما شرعنا وما حكمنا كقوله: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } تفسير : [المائدة: 103] أي ما شرعها ولا جعلها ديناً، وقوله: {كُنتَ عَلَيْهَا } أي كنت معتقداً لاستقبالها، كقول القائل: كان لفلان على فلان دين، وقوله: {كُنتَ عَلَيْهَا } ليس بصفة للقبلة، إنما هو ثاني مفعولي جعل يريد: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ } الجهة التي كنت عليها. ثم ههنا وجهان. الأول: أن يكون هذا الكلام بياناً للحكمة في جعل القبلة، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود، ثم حول إلى الكعبة فنقول: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ } الجهة: {ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } أولاً: يعني وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء. الثاني: يجوز أن يكون قوله: {ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } لساناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا، وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه. وههنا وجه ثالث ذكره أبو مسلم فقال: لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام عليها، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 110] وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }تفسير : [النساء: 158] فلا يمتنع أن يراد بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا. أما قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } لام الغرض والكلام في أنه هل يصح الغرض على الله أو لا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا الكلام فقد تقدم. المسألة الثانية: وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلاً فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها، ونظيره في الإشكال قوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [محمد: 31] وقوله: {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } تفسير : [الأنفال: 66] وقوله: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وقوله: {أية : فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ } تفسير : [العنكبوت: 3] وقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 142] وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ } تفسير : [سبأ: 21] والكلام في هذه المسألة أمر مستقصى في قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ } والمفسرون أجابوا عنه من وجوه. أحدها: أن قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا، ومنه يقال: فتح عمر السواد، ومنه قول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه: «حديث : استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر» تفسير : وفي الحديث: «حديث : من أهان لي ولياً فقد أهانني». تفسير : وثانيها: معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً، فقوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه: إلا لنعلمه موجوداً، فإن قيل: فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور. وثالثها: إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علماً، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته. ورابعها: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } معناه: إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ } تفسير : [الفجر: 6] [الفيل: 1] [إبراهيم: 19] ورأيت، وعلمت، وشهدت، ألفاظ متعاقبة. وخامسها: ما ذهب إليه الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل، فكذلك قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب، كقوله: {أية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى }تفسير : [سبأ: 24] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب، فكذا قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ }. وسادسها: نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم، إذ العدل يوجب ذلك. وسابعها: أن العلم صلة زائدة، فقوله؛ {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } معناه: إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها، فمن الناس من قال: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم، وأما الأكثرون من أهل التحقيق قالوا: هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه، روى القفال عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم، وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، وقال السدي: لما توجه النبي عليه الصلاة والسلام / نحو المسجد الحرام اختلف الناس فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، وقال المشركون: تحير في دينه، واعلم أن هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } فكان حمله عليه أولى. المسألة الرابعة: قوله: {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } استعارة ومعناه: من يكفر بالله ورسوله، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ } تفسير : [المدثر: 23] وكما قال: {أية : كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [طه: 48] وكل ذلك تشبيه. أما قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: (إن) المكسورة الخفيفة، معناها على أربعة أوجه: جزاء، ومخففة من الثقيلة، وجحد، وزائدة، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى فالمستلزم هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك: إن جئتني أكرمتك، وأما الثانية: وهي المخففة من الثقيلة فهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة {إن } المشددة كقولك: إن زيداً لقائم، قال الله تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } تفسير : [الطارق: 4] وقال:{أية : إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } تفسير : [الإسراء: 108] ومثله في القرآن كثير، والغرض في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما حذف منها، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِلاَّ فِى غُرُورٍ } تفسير : [الملك: 20] وقوله: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } تفسير : [الأحقاف: 9] إذ كانت كل واحدة منهما يليها الإسم والفعل جميعاً كما وصفنا، وأما الثالثة: وهي التي للجحد، كقوله: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } تفسير : [الأنعام: 57] وقال: {أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } تفسير : [الأنعام: 148] وقال: {أية : وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا } تفسير : [فاطر: 41] أي ما يمسكهما، وأما الرابعة وهي الزائدة فكقولك: ما إن رأيت زيداً. إذا عرفت هذا فنقول: {إن} في قوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } تفسير : [البقرة: 143] هي المخففة التي تلزمها اللام، والغرض منها توكيد المعنى في الجملة. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {كَانَتْ } إلى أي شيء يعود؟ فيه وجهان: الأول: أنه يعود إلى القبلة لأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } تفسير : [البقرة: 143]. الثاني: أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة القبلة، والتأنيث للتولية لأنه قال: {مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } ثم قال عطفاً على هذا: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي وإن كانت التولية لأن قوله: {مَا وَلَّـٰهُمْ } يدل على التولية كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } تفسير : [الأنعام: 121] ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت هذه الفعلة، نظيره قوله فبها ونعمت، واعلم أن هذا البحث متفرع على المسألة التي قدمناها وهي أن الامتحان والابتلاء حصل بنفس القبلة، أو بتحويل القبلة، وقد بينا أن الثاني أولى لأن الإشكال الحاصل بسبب النسخ أقوى من الإشكال الحاصل بسبب تلك الجهات، ولهذا وصفه الله تعالى بالكبيرة في قوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً }. أما قوله تعالى: {لَكَبِيرَة } فالمعنى: لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } تفسير : [الكهف: 5] أي: عظمت الفرية بذلك، وقال الله تعالى: {أية : سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بهتان عظِيمٌ } تفسير : [النور: 16] وقال: {أية : إِنَّ ذٰلِكُمْ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيماً } تفسير : [الأحزاب: 53] ثم إنا إن قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة، قلنا: إن تركها ثقيل عليهم، لأن ذلك يقتضي ترك الألف والعادة، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا: الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا: إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل القبلة من جهة إلى جهة كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال إلى حال في الصحة والسقم والغنى والفقر، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره، ومن سفه واتبع الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة. أما قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } فاحتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال فقالوا: المراد من الهداية إما الدعوة أو وضع الدلالة أو خلق المعرفة، والوجهان الأولان ههنا باطلان، وذلك لأنه تعالى حكم بكونها ثقيلة على الكل إلا على الذين هدى الله فوجب أن يقال: إن الذي هداه الله لا يثقل ذلك عليه، والهداية بمعنى الدعوة، ووضع الدلائل عامة في حق الكل، فوجب أن لا يثقل ذلك على أحد من الكفار، فلما ثقل عليهم علمنا أن المراد من الهداية ههنا خلق المعرفة والعلم وهو المطلوب، قالت المعتزلة: الجواب عنه من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الله تعالى ذكرهم على طريق المدح فخصهم بذلك. وثانيها: أراد به الاهتداء. وثالثها: أنهم الذين انتفعوا بهدى الله فغيرهم كأنه لم يعتد بهم. والجواب عن الكل: أنه ترك للظاهر فيكون على خلاف الأصل والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن رجالاً من المسلمين كأبي أمامة، وسعد بن زرارة، والبراء بن عازب، والبراء بن معرور، وغيرهم ماتوا على القبلة الأولى فقال عشائرهم: يا رسول الله توفي إخواننا على القبلة الأولى فكيف حالهم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. واعلم أنه لا بد من هذا السبب، وإلا لم يتصل بعض الكلام ببعض، ووجه تقرير الإشكال أن الذين لم يجوزوا النسخ إلا مع البداء يقولون: إنه لما تغير الحكم وجب أن يكون الحكم مفسدة وباطلاً فوقع في قلبهم بناء على هذا السؤال أن تلك الصلوات التي أتوا بها متوجهين إلى بيت المقدس كانت ضائعة، ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الإشكال وبين أن النسخ نقل من مصلحة إلى مصلحة ومن تكليف إلى تكليف، والأول كالثاني في أن القائم به متمسك بالدين، وأن من هذا حاله فإنه لا يضيع أجره ونظيره: ما سألوا بعد تحريم الخمر عمن مات وكان يشربها، فأنزل الله تعالى: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ } تفسير : [المائدة: 93] فعرفهم الله تعالى أنه لا جناح عليهم فيما مضى لما كان ذلك بإباحة الله تعالى، فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولد من تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة؟ قلنا: الجواب من وجوه. أحدها: أن ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ليذكره المسلمون جواباً لسؤال ذلك المنافق. وثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت إخواننا ممن مات أدرك ذلك، فذكر الله تعالى هذا الكلام جواباً عن ذلك. وثالثها: لعله تعالى ذكر هذا الكلام ليكون دفعاً لذلك السؤال لو خطر ببالهم. القول الثاني: وهو قول ابن زيد أن الله تعالى إذا علم أن الصلاح في نقلكم من بيت المقدس إلى الكعبة فلو أقركم على الصلاة إلى بيت المقدس كان ذلك إضاعة عنه لصلاتكم لأنها تكون على هذا التقدير خالية عن المصالح فتكون ضائعة والله تعالى لا يفعل ذلك. القول الثالث: أنه تعالى لما ذكر ما عليهم من المشقة في هذا التحويل عقبه بذكر ما لهم عنده من الثواب وأنه لا يضيع ما عملوه وهذا قول الحسن. القول الرابع: كأنه تعالى قال: وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا ولو كفروا لضاع إيمانهم فقال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } فلا جرم وفقكم لقبول هذا التكليف وأعانكم عليه. المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } خطاب مع من؟ على قولين: الأول: أنه مع المؤمنين، وذكر القفال على هذا القول وجوهاً أربعة. الأول: أن الله خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين حينئذ، وذلك جواب عما سألوه من قبل. الثاني: أنهم سألوا عمن مات قبل نسخ القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } أي وإذا كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ. الثالث: يجوز أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا ولم يأتوا بما يكفر ما سلف فقيل: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } والمراد أهل ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } تفسير : [البقرة: 72]، {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [البقرة: 50]. الرابع: يجوز أن يكون السؤال واقعاً عن الأحياء والأموات معاً، فإنهم اشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعاً في الفريقين فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما والله أعلم. القول الثاني: قول أبي مسلم، وهو أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ، وإنما اختار أبو مسلم هذا القول لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا. المسألة الثالثة: استدلت المعتزلة بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة. والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من هذه الجهة. المسألة الرابعة: قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } أي لا يضيع ثواب إيمانكم لأن الإيمان قد انقضى وفني وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو كقوله تعالى: {أية : أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } تفسير : [آل عمران: 195]. أما قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } تفسير : [الأعراف: 57] لأنه إفضال من الله وإنعام، فذكر الله تعالى الرأفة أولاً بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معاً. المسألة الثانية: ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوهاً. أحدها: أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [الحج: 65] والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة. وثانيها: أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا. وثالثها: قال: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } فكأنه تعالى قال: وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم. المسألة الثالثة: قرأ عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: {رَءوفٌ رَّحِيمٌ } مهموزاً غير مشبع على وزن رعف والباقون {رؤف} مثقلاً مهموزاً مشبعاً على وزن رعوف وفيه أربع لغات رئف أيضاً كحزر، ورأف على وزن فعل. المسألة الرابعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفاً رحيماً بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفاً رحيماً فعلى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفاً رحيماً واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمّةً وَسَطاً؛ أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العَدْل؛ وأصل هذا أنّ أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذيّ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ "حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قال: «عَدْلاً»"تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل: «أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ»تفسير : [القلم:28] أي أعدلهم وخيرهم. وقال زهير:شعر : هُمُ وَسَطٌ يَرضَى الأنامُ بحكمهم إذا نزلتْ إحدى الليالي بِمُعْظَم تفسير : آخر:شعر : أنتُم أوسطُ حَيّ علموا بصغير الأمر أو إحدى الكُبَر تفسير : وقال آخر:شعر : لا تذهَبنّ في الأمور فَرَطا لا تسألَن إن سألتَ شَطَطا وكنْ مِن الناس جميعاً وَسَطا تفسير : ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كَلأ وماء. ولما كان الوسط مجانِباً للغلوّ والتقصير كان محموداً؛ أي هذه الأمة لم تَغْل غُلوّ النصارى في أنبيائهم، ولا قَصّروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: «حديث : خير الأمور أوسطها»تفسير : . وفيه عن عليّ رضي الله عنه: «عليكم بالنَّمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل». وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه؛ أي من خيارهم وأهل الحسب منهم. وقد وَسَط وسَاطة وِسطَة؛ وليس من الوَسط الذي بين شيئين في شيء. والوَسْط (بسكون السين) الظَّرف؛ تقول: صلّيت وَسْط القوم. وجلست وَسَط الدار (بالتحريك) لأنه ٱسم. قال الجوهري: وكل موضع صلَح فيه «بَيْن» فهو وَسْط، وإن لم يصلح فيه «بين» فهو وَسَط بالتحريك، وربما يسكَّن وليس بالوجه. الثانية: قوله تعالى: {لِّتَكُونُواْ} نصب بلام كي؛ أي لأن تكونوا. {شُهَدَآءَ} خبر كان. {عَلَى ٱلنَّاسِ} أي في المحشر للأنبياء على أممهم؛ كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُدْعَى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لَبَيْك وسَعْدَيْك يا رَبّ فيقول هل بلّغت فيقول نعم فيقال لأمّته هل بلّغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول مَن يشهد لك فيقول محمد وأمّته فيشهدون أنه قد بلّغ ويكون الرسول عليكم شَهِيداً فذلك قوله عز وجل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}...»تفسير : وذكر هذا الحديث مطوّلاً ٱبن المبارك بمعناه، وفيه: «حديث : فتقول تلك الأمم كيف يَشهد علينا مَن لم يُدركنا فيقول لهم الربّ سبحانه كيف تشهدون على مَن لم تُدركوا فيقولون ربّنا بعثت إلينا رسولاً وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصتَ علينا أنهم قد بلّغوا فشَهدنا بما عَهِدتَ إلينا فيقول الربّ صدقوا فذلك قوله عزّ وجلّ وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ـ والوَسَط العَدْل ـ لِتكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيداً»تفسير : . قال ٱبن أَنْعُم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمّة محمد عليه السلام، إلاّ مَن كان في قلبه حِنّة على أخيه. وقالت طائفة: معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت؛ كما ثبت في صحيح مسلم "حديث : عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرّت به جنازة فأثْنيَ عليها خيرٌ فقال: «وَجَبَتْ وَجبتْ وَجبتْ». ثم مُرّ عليه بأخرى فأُثْنِيَ عليها شرٌّ فقال: «وَجَبَتْ وَجبت وَجبتْ». فقال عمر: فدًى لك أَبِي وأُمِّي! مُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها خير فقلت: «وجبتْ وَجبتْ وَجبتْ» ومُرَّ بجنازة فأثْنِي عليها شَرٌّ فقلت: «وجبتْ وَجبتْ وَجبتْ» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيراً وَجبتْ له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شُهداء الله في الأرض أنتم شُهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض»»تفسير : . أخرجه البخاري بمعناه. وفي بعض طُرُقه في غير الصحيحين وتلا: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. وروَى أَبَان ولَيْث عن شَهْر بن حَوْشَب عن عُبَادة بن الصّامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أُعْطِيَتْ أُمّتِي ثلاثاً لم تُعْط إلاّ الأنبياء كان الله إذا بَعث نبيًّا قال له ٱدعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ٱدْعُونِي أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبيّ قال له ما جعل عليك في الدِّين من حَرَج وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدِّين من حَرَج وكان الله إذا بَعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شُهداء على الناس»تفسير : . خرّجه الترمذي الحكيم أبو عبد اللَّه في «نوادر الأصول». الثالثة: قال علماؤنا: أنبأنا رَبّنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا بٱسم العدالة وتَوْلِيَة خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أوّلاً مكاناً وإن كنا آخراً زماناً؛ كما قال عليه السلام: «حديث : نحن الآخِرون الأوّلون»تفسير : . وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عَدْلاً. وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة إن شاء الله تعالى. الرابعة: وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحُكْم به؛ لأنهم إذا كانوا عدولا شَهِدوا على الناس. فكلُّ عصرٍ شهيدٌ على مَن بعده؛ فقولُ الصحابة حجّةٌ وشاهدٌ على التابعين، وقولُ التابعين على مَن بعدَهم. وإذ جُعلت الأمة شهداء فقد وَجبَ قبول قولهم. ولا معنى لقول من قال: أريد به جميع الأمة؛ لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة. وبيان هذا في كتب أصول الفقه. قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} قيل: معناه بأعمالكم يوم القيامة. وقيل: «عليكم» بمعنى لكم؛ أي يشهد لكم بالإيمان. وقيل: أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} قيل: المراد بالقِبْلة هنا القِبلةُ الأولى؛ لقوله: {كُنتَ عَلَيْهَآ}. وقيل: الثانية؛ فتكون الكاف زائدة، أي أنت الآن عليها، كما تقدّم، وكما قال: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] أي أنتم، في قول بعضهم، وسيأتي. قوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} قال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: معنى «لنعلم» لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم؛ كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} تفسير : [الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم. وقيل: المعنى إلاّ لتعلموا أننا نعلم؛ فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كَوْنها. وقيل: المعنى لنميِّز أهل اليقين من أهل الشك؛ حكاه ٱبن فُورَك، وذكره الطبري عن ٱبن عباس. وقيل: المعنى إلا ليعلم النبيّ وأتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه؛ كما يقال: فعل الأمير كذا، وإنما فعله أتباعه؛ ذكره المَهدَوِيّ وهو جيّد. وقيل: معناه ليعلم محمد؛ فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصاً وتفضيلاً؛ كما كنَّى عن نفسه سبحانه في قوله: «حديث : يٱبن آدَم مَرِضتُ فلم تَعُدْنِي»تفسير : الحديث. والأوّل أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، عَلِم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلّق بالكل تعلُّقاً واحداً. وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}تفسير : [آل عمران: 140]، {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31] وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم: «أية : مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتهِمُ ٱلَّتِي كانُوا عَلَيْهَا»تفسير : [البقرة: 142] وكانت قريش تَأْلَف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما أَلِفوه ليَظهر مَن يتبع الرسولَ ممن لا يتبعه. وقرأ الزّهري «إلا ليُعلم» فـ «ـمَن» في موضع رفع على هذه القراءة؛ لأنها ٱسم ما لم يُسَمّ فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول. {يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} يعني فيما أمر به من ٱستقبال الكعبة. {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} يعني ممن يرتد عن دينه؛ لأن القِبلة لما حُولت ٱرتد من المسلمين قوم ونافق قوم؛ ولهذا قال: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أي تحويلها؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقتادة. والتقدير في العربية: وإن كانت التحويلة. قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} ذهب الفراء إلى أنّ «إنْ» واللاّم بمعنى ما وإلاّ؛ والبصريون يقولون: هي إنّ الثقيلة خُفّفت. وقال الأخفش: أي وإن كانت القِبْلة أو التحويلة أو التَّوْلية لكبيرة. {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي خَلق الهُدَى الذي هو الإيمان في قلوبهم؛ كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22] قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلّي إلى بيت المَقْدس؛ كما ثبت في البخاريّ من حديث البَرَاء بن عازِب، على ما تقدّم. وخرّج التّرمذي عن ٱبن عباس قال: لما وُجّه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يُصلّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية، قال: هذا حديث حسن صحيح. فسمّى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نيةٍ وقول وعملٍ. وقال مالك: إني لأذكر بهذه الآية قولَ المُرْجِئة: إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال محمد بن إسحٰق: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي بالتوجّه إلى القِبلة وتصديقكم لنبيّكم؛ وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. وروى ٱبن وهب وٱبن القاسم وٱبن عبد الحكم وأشهب عن مالك {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال: صلاتكم. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الرأفة أشدّ من الرحمة. وقال أبو عمرو بن العَلاء: الرأفة أكثر من الرحمة؛ والمعنى متقارب. وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» فلْيُنظر هناك. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو «لَرَؤُوف» على وزن فَعُل؛ وهي لغة بني أسد؛ ومنه قول الوليد بن عُقبة:شعر : وشَرُّ الطالبين فلا تكنه يقاتل عمه الرَّؤُف الرحيم تفسير : وحكى الكسائيّ أنّ لغة بني أسد «لَرَأْف»، على فَعْل. وقرأ أبو جعفر بن القَعْقَاع «لَرُوف» مثقّلاً بغير همز؛ وكذلك سَهّل كل همزة في كتاب الله تعالى، ساكنةً كانت أو متحركة.

البيضاوي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل. {جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي خياراً، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل. وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستوياً فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها، واستدل به على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم {لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا. ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم. روي «حديث : أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالبهم الله ببينة التبليغ ـ وهو أعلم بهم ـ إقامة للحجة على المنكرين، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول الأمم من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيشهد بعدالتهم» تفسير : وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السلام كالرقيب المهيمن على أمته عدى بعلى، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيداً عليهم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا} أي الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود. أو الصخرة لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها" فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ، وعلى الثاني المنسوخ. والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه. أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، وما كان لعارض يزول بزواله. وعلى الأول معناه: ما رددناك إلى التي كنت عليها، إلا لنعلم الثابت على الإِسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه. فإن قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالماً. قلت: هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى ليتعلق علمنا به موجوداً. وقيل: ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ }تفسير : [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول، والعلم إما بمعنى المعرفة، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفاصلة. وقال الكوفيون هي النافية واللام بمعنى إلا. والضمير لما دل عليه قوله تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا} من الجعلة، أو الردة، أو التولية، أو التحويلة، أو القبلة. وقرىء لكبيرةٌ بالرفع فتكون كان زائدة {إِلاَّ عَلَىٰ الَّذِينَ هُدَى ٱللَّهُ} إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } أي ثباتكم على الإيمان. وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها لما روي: أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا فنزلت {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم، ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد، والباقون بالقصر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } كما هديناكم إليه {جَعَلْنَٰكُمْ } يا أمّة محمد {أُمَّةً وَسَطًا } خياراً عدولاً {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } يوم القيامة أنَّ رسلهم بلَّغتهم {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } أنه بلغكم {وَمَا جَعَلْنَا } صيرنا {ٱلْقِبْلَةَ } لك الآن الجهة {ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } أولاً وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يصلي إليها فلما هاجر أُمِرَ باستقبال بيت المقدس تألُّفا لليهود فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهراً ثم حُوِّلَ {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } علم ظهور {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ } فيصدقه {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة {وَإِن } مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: وإنها {كَانَتْ } أي التولية إليها {لَكَبِيرَةً} شاقة على الناس {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } منهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ } أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ } المؤمنين {لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } في عدم إضاعة أعمالهم و(الرأفة) شدّة الرحمة وقُدّم الأبلغ للفاصلة.

الشوكاني

تفسير : قوله: {سَيَقُولُ } هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقيل إن: {سَيَقُولُ } بمعنى: قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، واستمرار عليه، وقيل: إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف لروعته، وكسراً لسَوْرته. والسفهاء: جمع سفيه، وهو: الكذَّاب البَهَّات المعتقد خلاف ما يعلم، كذا قال بعض أهل اللغة. وقال في الكشاف: هم خفاف الأحلام، ومثله في القاموس. وقد تقدّم في تفسير قوله: {أية : إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] ما ينبغي الرجوع إليه، ومعنى: {مَا وَلَّـٰهُمْ } ما صرفهم {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } وهي بيت المقدس. فردّ الله عليهم بقوله: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فله أن يأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء. وفي قوله: {يَهْدِى مَن يَشَآء } إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأهل ملته إلى الصراط المستقيم p>>وقوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ } أي: مثل ذلك الجعل جعلناكم، قيل معناه: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا. والوسط الخيار، أو العدل، والآية محتملة للأمرين، ومما يحتملهما قول زهير:شعر : هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِم إذَا نَزَلت إحْدَى الليالِي بِمُعْظِم تفسير : p>>ومثله قول الآخر:شعر : أنْتُم أوْسطُ حَيٍّ علِمُوا بِصَغِير الأمْرِ أو إحْدى الكُبرَ تفسير : وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الوسط هنا بالعدل كما سيأتي، فوجب الرجوع إلى ذلك، ومنه قول الراجز:شعر : لا تذهبنَّ في الأمور مفرطا لا تسألنّ إن سألتَ شطَطَا شعر : وكن مِن النَّاسِ جميعاً وسَطَاً تفسير : p>>ولما كان الوسط مجانباً للغلو، والتقصير كان محموداً، أي: هذه الأمة لم تغلُ غلوّ النصارى في عيسى، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ويقال: فلان أوسط قومه وواسطتهم: أي: خيارهم. وقوله: {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } أي: يوم القيامة تشهدون للأنبياء على أممهم، أنهم قد بلَّغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، ويكون الرسول شهيداً على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم، ومثله قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً }تفسير : [النساء: 41]، قيل: إن قوله: {عَلَيْكُمْ } يعني لكم، أي: يشهد لهم بالإيمان. وقيل معناه: يشهد عليكم بالتبليغ لكم. قال في الكشاف: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ }تفسير : [المجادلة: 9] {أية : كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } تفسير : [المائدة: 117]. انتهى. وقالت طائفة: معنى الآية: يشهد بعضكم على بعض بعد الموت. وقيل: المراد: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، فيما لا يصح إلا بشهادة العدول، وسيأتي من المرفوع ما يبين معنى الآية إن شاء الله. وإنما أخر لفظ «على» في شهادة الأمة على الناس، وقدّمها في شهادة الرسول عليهم، لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأوّل: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. p>>وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } قيل المراد بهذه القبلة: هي بيت المقدس، أي: ما جعلناها إلا لنعلم المتبع والمنقلب، ويؤيد هذا قوله: {كُنتَ عَلَيْهَا } إذا كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة. وقيل: المراد: الكعبة، أي: ما جعلنا القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس إلا لذلك الغرض، ويكون {كُنتُ } بمعنى الحال، وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة، ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تألفاً لليهود، ثم صُرِف إلى الكعبة. وقوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } قيل المراد بالعلم هنا الرؤية، وقيل: المراد إلا لتعلموا أنا نعلم بأن المنافقين كانوا في شك، وقيل: ليعلم النبي؛ وقيل: المراد لنعلم ذلك موجوداً حاصلاً، وهكذا ما ورد معللاً بعلم الله سبحانه لا بدّ أن يؤول بمثل هذا كقوله: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء }تفسير : [آل عمران: 140]. وقوله: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } أي: ما كانت إلا كبيرة، كما قاله الفراء في "أن" و"إن" أنهما بمعنى ما وإلا. وقال البصريون: هي: الثقيلة خففت، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } من التحويلة، أو التولية، أو الجعلة، أو الردّة، ذكر معنى ذلك الأخفش، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة: أي: وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة إلا على الذين هداهم الله للإيمان، فانشرحت صدورهم لتصديقك، وقبلت ما جئت به عقولهم. وهذا الاستثناء مفرّغ، لأن ما قبله في قوّة النفي، أي: أنها لا تخفّ، ولا تسهل إلا على الذين هدى الله. وقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات، وهو يصلي إلى بيت المقدس، ثم قال: فسمى الصلاة إيماناً؛ لاجتماعها على نية، وقول، وعمل، وقيل: المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة، وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم. والأول يتعين القول به، والمصير إليه لما سيأتي من تفسيره صلى الله عليه وسلم للآية بذلك. والرءوف كثير الرأفة، وهي أشدّ من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: الرأفة أكبر من الرحمة، والمعنى متقارب. وقرأ أبو جعفر بن يزيد بن القعقاع: «لروف» بغير همز، وهي: لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عتبة:شعر : وَشَرُّ الغالبين فلا تَكُنْه يقَاتِلِ عمه الروف الرحِيم تفسير : p>>وقد أخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن البراء؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوّل ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأن أوّل صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد، وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال، وقتلوا، فلم ندر ما يقول فيهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } وله طرق أخر، وألفاظ متقاربة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس؛ قال: إن أوّل ما نسخ في القرآن القبلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود في ناسخه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعد ما تحوّل إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة. وفي الباب أحاديث كثيرة بمضمون ما تقدّم. وكذلك وردت أحاديث في الوقت الذي نزل فيه استقبال القبلة، وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم ذلك، وقد كانوا في الصلاة، فلا نطوّل بذكرها. p>>وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والإسماعيلي في صحيحه، والحاكم وصححه عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } قال: عدلاً. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس مثله. وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فذلك قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } قال: والوسط العدل، فتُدْعَون، فَتَشْهَدون له بالبلاغ، وأشهد عليكم.»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي سعيد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا وأمتي يوم القيامة على كَوْم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبيّ كذبه قومه إلا، ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه»تفسير : p>>وأخرج ابن جرير، عن أبي سعيد في قوله: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } بأن الرسل قد بلغوا: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } بما عملتم، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن أنس قال مرّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وجبت وجبت وجببت، تفسير : ومرّوا بجنازة فأثنى عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : وجبت وجبت وجبت، تفسير : فسأله عمر فقال: حديث : من أثنيتم عليه خيراً، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرّاً، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» تفسير : زاد الحكيم الترمذي: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } الآية، وفي الباب أحاديث منها عن جابر مرفوعاً عند ابن المنذر، والحاكم وصححه، ومنها عن عمر مرفوعاً عند ابن أبي شيبة وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، ومنها عن أبي زهير الثقفي مرفوعاً عند أحمد وابن ماجه والطبراني، والدارقطني في الإفراد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن، ومنها عن أبي هريرة مرفوعاً عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، ومنها عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً عند ابن أبي شيبة، وابن جرير، والطبراني. p>>وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } قال: يعني بيت المقدس {إلا لنعلم} قال نبتليهم لنعلم من يسلم لأمره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } قال لنميز أهل اليقين من أهل الشك {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } يعني تحويلها على أهل الشرك، والريب. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا، فقالوا مرة ها هنا، ومرة ها هنا. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن عباس، قال: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة، قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا، وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ }. وقد تقدّم حديث البراء. وفي الباب أحاديث كثيرة، وآثار عن السلف.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَسَطاً} خياراً، رجل واسط الحسب رفيعه قال: شعر : هم وسَطٌ يرضى الإله بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم تفسير : أو لتوسطهم بين اليهود والنصارى في الدين،غَلَتْ النصارى في المسيح وترهبوا، وقصرت اليهود بتبديل الكتاب، وقتل الأنبياء ـ صلوات الله تعالى عليهم وسلامه ـ والكذب على الله تعالى، أو عدلاً بين الزيادة والنقصان. {شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم الرسالة، أو تشهدون على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالة اعتماداً على إخبار الله ـ تعالى ـ وهذا مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو محتجين فعبّر عن الاحتجاج بالشهادة. {شَهِيداً} لكم بالإيمان فتكون "على" بمعنى "اللام"، أو يشهد أنه بلغكم الرسالة، أو محتجاً. {لِنَعْلَمَ} ليعلم رسولي وحزبي، والعرب تضيف فعل الأتباع إلى الرئيس والسيد، فتح عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ سواد العراق، وجبى خراجها أي أتباعه أو لنرى بوضع الرؤية موضع العلم وبالعكس، أو لنميز أهل اليقين من أهل الشك، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، أو ليعلموا أننا نعلم. {يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} لما حولت ارتد جماعة من المسلمين. {وَإِن كَانَتْ} التولية لكبيرة، أو القبلة التي هي بيت المقدس، أو الصلاة إلى بيت المقدس. {إِيمَانَكُمْ} صلاتكم إلى بيت المقدس، سماها إيماناً، لاشتمالها على نية وقول وعمل. نزلت لما سألوا عمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس {لَرَءُوفٌ} الرأفة: أشد الرحمة، قال أبو عمرو بن العلا: الرأفة أكثر من الرحمة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...} أي ومثل هدايتنا من (نشاء) إلى صراط مستقيم (هديناكم) إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: عن بعضهم؛ خير الأمور أوسطها أي خيارها. قيل لابن عرفة: لا فائدة في هذا الخير وكأنه قيل: خير الأمور خيارها؟ فقال: فائدته الحصر (ولو قال): الخير في الوسط، لم يفد الحصر. قال ابن عرفة: إنما قال: {عَلَيْكُمْ شَهِيداً} ولم يقل: لكم شهيدا، لأن شاهد الإنسان مستعمل عليه إذ لا يتم له غرض إلا بشهادته. قال الزمخشري: لأن الشهيد كالرقيب المهيمن على المشهود (له). قيل لابن عرفة: ذكر الأصوليون خلافا في إجماع غير هذه الأمة هل يعتبر أو لا؟ وذكر ابن التلمساني وابن الحاجب منه مسائل وهذه الآية تدل على عدم اعتباره؟ فقال: ذلك الخلاف لا يصح، (والإجماع) (على) انتساخ الملل كلها بالملة المحمدية. قيل لابن عرفة: قد تقرر الخلاف في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ قوله تعالى: {لِّتَكُونُواْ...}. قوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ...}. قيل: أي ليعلم رسولنا من يتبعه، قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : وقيل: إلا ليظهر متعلق علمنا حقيقة للمجازات عليه وإنما لم يقل: إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، زيادة في نفي الشدة عليهم والخسران. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ...} أي ليضيع أعمالكم. وقيل: إنها حجة على المعتزلة في أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، إلا أن يجيبوا بأن إيمانه يذهب بالموازنة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. دليل على أنّ الكافر منعم عليه لعموم الناس، وفيه خلاف، وأجيب بأنه منعم عليه في الدنيا فقط. قال ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى: إنما قدم الرؤوف على الرحيم لأن الرحمة في الشاهد إنما (تحصل) لمعنى وفي / المرحوم من حاجة (و) ضعف، والرأفة تطلق عند حصول الرحمة لمعنى في الفاعل من شفقة منه على المرحوم فمنشأ (الرأفة كمال في إيصال الإحسان ومنشأ) الرحمة كمال حال المرحوم في الاحتياج إلى الإحسان، وتأثير حال الفاعل في إيجاد الفعل أقوى من احتياج المفعول إليه.

ابن عادل

تفسير : الكاف في قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ" فيها الوجهان المَشْهُوران كما تقدم ذلك غير مَرّة: إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر المحذوف. والتقدير: وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً جعلاً مثل ذلك، ولكن المشار إليه بـ"ذلك" غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ما يدلّ عليه. واختلفوا في "ذلك" على خمسة أوجه: أحدها: أن المشار إليه هو الهُدى المدلول عليه بقوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَآءُ}. والتقدير: جعلناكم أمة وسطاً مثل ما هديناكم. الثاني: أنه الجعل، والتقدير: جعلناكم أمة وسطاً مثل ذلك الجَعْل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية. الثالث: قيل: المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطاً. الرابع: قيل: المعنى كما جعلنا القِبْلة وسط الأرض جعلناكم أمة وسطاً. الخامس - وهو أبعدها - أن المشار إليه قوله: {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا}تفسير : [البقرة: 130] أي: مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطاً. [قال ابن الخطيب: ويحتمل عندي أن يكون التقدير: ولله المشرق والمغرب، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها مِلْكاً لله تعالى، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلاً منه، وإحساناً؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً. وفيه وجه آخر: وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1] لأن المعروف عند كل أحد أنه - سبحانه وتعالى - هو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}تفسير : أي: ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً]. و"جعل" بمعنى صير، فيتعدّى لاثنين، فالضمير مفعول أول، و"أمة" مفعول ثاني ووسطاً نعته. والوَسَط بالتحريك: اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء؛ لأن الأوساط محميَّة بالأطراف؛ قال حَبِيبٌ: [البسيط]. شعر : 821 - كَانَتْ هِيَ الوَسَطَ المَحْمِيَّ فَاكْتَنَفَتْ بِهَا الحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتُ طَرَفَا تفسير : ووسط الوادي خير موضع فيه؛ قال زُهَيْر: [الطويل] شعر : 822 - هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إذَا نَزَلَتْ إِحْدَى البَلاَياَ بِمُفْضَلِ تفسير : [وقال آخر: [الراجز]. شعر : 823 - كُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعاً وَسَطَا] تفسير : وقال تعالى: {أية : قَالَ أَوْسَطُهُمْ}تفسير : [القلم: 28] أي أعدلهم. [وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وبجل وعظم وكرم "أمّة وَسَطاً"؛ قال: "عَدْلاً". وقال عليه صلوات الله وسلام: "حديث : خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا"تفسير : ؛ أي: أعدلها. وقيل: كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - أوسط قريش نَسَباً. وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : عَلَيْكُمْ بالنَّمطِ الأَوْسَطِ " تفسير : قال الجوهري في الصحاح: "أمة وسطاً" أي: عدلاً، وهو الذي قاله الأخفش، والخليل، وقطرب، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوَسَط: خيار الشيء]. وأما المعنى فمن وجوه. أحدها: أن الوسط حقيقة في البُعْد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رذيلتان، فالمتوسّط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين، فكان معتدلاً فاضلاً. وثانيها: إنما سمي العدل وسطاً؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، [والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين]. وثالثها: أن المراد بقوله: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} طريقة المدح لهم؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله - تعالى - وصفاً، ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول، وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله: "وَسَطاً" ما يتعلّق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشُّهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً لا بكونهم عدولاً؛ فوجب أن يكون المراد من الوَسَط العدالة. ورابعها: أن الأوساط محمية بالأطراف، وحكمها مع الأطراف على حَدّ سواء، والأطراف يتسارع إليها الخَلَل والفساد، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جِهَةٍ دون جهة. وقال بعضهم: تفسير الوسط بأنه خيار الشيء [أوْلى من تفسيره بالعدالة؛ لأن العدالة لا تطلق على الجمادات، فكان أَوْلَى، والمراد من الآية: أنهم لم يغلوا؛ كما غلت النصارى، فجعلوه ابناً وإلهاً، ولا قصَّروا؛ كتقصير اليهود في قتل الأنبياء، وتبديل الكُتُبِ وغير ذلك].وفرق بَعْضهم بين "وَسَط" بالفتح و "وَسْط" بالتسكين. فقال: كلُّ موضع صَلَحَ فيه لفظ "بَيْن" يقال بالسكون، وإلا فبالتحريك. فتقول: جلست وَسْطَ القومِ، بالسكون. وقال الراغب: وسط الشيء ما له طرفان متساويان القَدْر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول: وسطه صلب، ووسْط بالسكون يقال في الكميّة المنفصلة؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو: "وَسْط القوم" كذا. وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مَصْدَرٌ، ولذلك استوى في الوصف به الواحدُ وغيره، والمؤنَّث والمذكَّر، والسَّاكن ظَرْفٌ، والغالب فيه عدم التصرُّف، وقد جاء متمكِّناً في قول الفرزدق: [الطويل]. شعر : 824 - أَتَتْهُ بِمَجْلُومٍ كَأَنَّ جَبِينَهُ صَلاَءَةُ وَرْسٍ وَسْطُهَا قَدْ تَفَلَّقَا تفسير : روي برفع الطَّاء، والضمير لـ"صلاءة"، وبفتحها والضمير للجائية. فصل في الاستدلال بالآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيرتيهم بجعل الله وخلقه، وهذا صريح في المذهب. وقالت المعتزلة: المراد من هذا الجعل فعل الألطاف. أجيب عنه بوجوده: الأول: أن هذا ترك للظاهر، وذلك محال لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان حمل الآية على ظاهرها، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسّك بفصل المَدْح والذم والثواب والعقاب، وقد بيّنا أن هذه الطريقة منتقضةٌ على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي. والثاني: أنه تعالى - قال قبل هذه الآية {أية : يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [البقرة: 142]. وقد بيّنا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه - تعالى - يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منها مؤكدة لمضمون الأخرى. والثالث: أن كلّ ما في مقدور الله - تعالى - من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. والرابع: أن الله - تعالى - ذكر ذلك في معرض الامْتِنَان. فصل في الاستدلال بالآية على أن الإجماع حجّة احتج الجمهور بهذه الآية على أن الإجماع حجة فقالوا: أخبر الله - تعالى - عن عدالة هذه الأمة، وعن خيريتهم، فلو أقدموا على شيء من المَحْظُورات لما اتّصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المَحْظُورات وجب أن يكون قولهم حجّة، فإن قيل: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتِّصَاف كل واحد منهم بها، وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلا بد من حملها على البعض، فنحن نحملها على الأئمة المعصومين. فالجواب: أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره، والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين: الأول: أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات، واجتناب المحرمات، وهذا من فعل العبد، وقد أخبر الله - تعالى - أنه جعلهم وسطاً، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال. الثاني: أن الوَسَط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك، وهو خلاف الأصل. سلّمنا اتصافهم بالخيرية، وذلك لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجتمعوا عليه وإن كان خطأ، لكنه من الصَّغائر، فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكّد ذلك الاحتمال أنه - تعالى - حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس، وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة. سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر، ولكن الله - تعالى - بيّن وصفهم بذلك لكونهم شهداء على النَّاس، ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة، فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك، لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمُّل، وذلك لا نزاع فيه؛ لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة. فلم قلت: إنهم في الدنيا كذلك؟ سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا، لكن المخاطبين بهذا الخطاب [هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية، لأن الخطاب] مع مَنْ لم يوجد مُحَال، وإذا كان كذلك، فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت لا عدالة غيرهم، فدلّت الآية على أن إجماع [أولئك] حق، فيجب ألاَّ نتمسّك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه. لكن ذلك لا يمكن [إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم، وعلمنا بقاء كل واحد] منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع، ولما كان ذلك كالمتعذّر امتنع التمسّك بالإجماع. والجواب عن قولهم: الآية متروكة الظاهر. قلنا: لا نُسلّم فإن قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} يقتضي أنه - تعالى - جعل كلّ واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة. وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه، فإنّ كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا، فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا: إن هذا الخطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله: "جَعَلْنَاكُمْ" خطاب لمجموعهم لا لكلّ واحد منهم وحده، على أنا وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد فيهم عدلاً، لكنا نقول ترك العمل به في حقّ البعض لدليل قام عليه، فوجب أن يبقى معمولاً به في حقّ الباقي، وهذا معنى ما قاله العلماء: ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كُنَّا لا نعلمهم بأعيانهم افتقرنا إلى إجماع جماعتهم على القول والفعل لكي يدخل المعتبرون في جملتهم. مثاله: أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - إذا قال: إن واحداً من أولاد فلان لا بد وأن يكون مصيباً في الرأي، فإذا لم نعلمه بعينه، ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقّاً؛ لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق. فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقّاً، لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد المخالف. ولهذا قال العلماء: إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة [بقول المخطئ. قوله: لو كان المراد من كونهم وسطاً هو عدالتهم لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى. قلنا: هذا مذهبنا. فإن قيل] قولهم: لم قلتم: إن إخبار الله - تعالى - عن عَدَالتهم وخيريّتهم اجتنابهم عن الصغائر؟ قلنا: خبر الله - تعالى - صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، وفعل الصغيرة ليس بخبر، فالجمع بينهما متناقض. ولقائل أن يقول: الإخبار عن الشَّخْص بأنه خير أهم من [الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصحّ تقسيمه إلى] هذين القسمين، فيقال: الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض، أو في كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيراً من بعض الوجود دون البعض يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله - تعالى - عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره - تعالى - عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلاً عن الصغائر، [وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلاَّ أن هذا السؤال وارد عليهم، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجوداً وقت نزول هذه الآية، ومن جاء بعدهم إلى [قيام الساعة]، كما أن قوله {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ}تفسير : [البقرة: 178]، {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183] يتناول الكل، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، [وكذلك سائر تكاليف الله - تعالى - وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة] فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطاباً لجميع من يوجد إلى قيام الساعة، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة، فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجّة على من بعدهم؟ قلنا: لأنه - تعالى - لما جعلهم شهداء على الناس، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة، إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه. فعلمنا أن المراد به أهل كلّ عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة، فإن الأمة الجماعة التي تؤمّ جهة واحدة، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك، ولأنه - تعالى - قال: "أُمَّةً وَسَطاً" فعبر عنهم بلفظ النكرة، ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر. [قال النووي - رحمه الله تعالى - في "التهذيب": الأُمّة تطلق على معانٍ: منها من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن بما جاءه، واتبعه فيه، وهذا هو الذي جاء مَدْحه في الكتاب والسُّنة كقوله تعالى: {كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} و {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110]. وقوله صلوات الله وسلام عليه: "حديث : شَفَاعَتِي لأُمَّتِي"تفسير : و "حديث : تَأْتِي أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ"تفسير : وغير ذلك. ومنها من بعث إليهم النبي - صلوات الله وسلامه عليه - من مسلم وكافر. ومنه قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ لاَ يَسْمَعُ بي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثم يموت وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلَتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ"تفسير : رواه مسلم. ويأتي باقي الكلام عن الأمة في آخر "النحل" إن شاء الله - تعالى - عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}تفسير : [النحل: 120] إلى قوله: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}تفسير : [البقرة: 213]. فصل في الكلام على قوله: لتكونوا قوله تعالى: "لِتَكُونُوا" يجوز في هذه اللام وجهانِ: أحدهما: أن تكون لام "كي" فتفيد العلة. والثاني: أن تكون لام الصيرورة، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر، وبعدها "أن" مضمرة، وهي وما بعدها في محلّ جر، وأتى بـ"شهداء" جمع "شهيد" الذي يدلّ على المبالغة دون شاهدين وشهود جمعي "شاهد". وفي "على" قولان: أحدها: أنها على بابها، وهو الظاهر. والثاني: أنها بمعنى "اللام"، بمعنى: أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي والدين، كما نقله الرسول - عليه السلام - وكذلك القولان في "على" الأخيرة، بمعنى أن الشهادة لمعنى التزكية منه - عليه السلام - لهم. وإنما قدم متعلّق الشهادة آخراً، وقدم أولاً لوجهين: أحدهما: وهو ما ذكره الزمخشري أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. والثاني: أن "شهيداً" أشبه بالفَوَاصل والمقاطع من "عليكم"، فكان قوله "شهيداً" تمام الجملة، ومقطعها دون "عليكم"، وهذا الوجه قاله الشيخ مختاراً له رادّاً على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المعفول يشعر بالاختصاص، وقد تقدم ذلك. فصل في الكلام على الشهادة. اختلفوا في هذه الشهادة هل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ فالقائل بأنها في الآخرة وهم الأكثرون لهم وجهان: الأول: أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أُمَمِهِمْ الذين يكذبونهم. روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيطالب الله - تعالى - الأنبياء بالبّينة على أنهم قد بلّغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيشهدون فتقول الأمم: من أين عرفتم فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه النَّاطق على لسان نبيه الصَّادق، فيؤتى بمحمد - عليه الصلاة والسلام - فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41] وقد طعن القاضي رحمه الله تعالى في هذ الرواية من وجوه: أحدها: أن مَدَار هذه الرواية على أن الأمم يكذبون أنبياءهم، وهذا بناء على أن أهل القيامة يكذبون. وهذا باطل عند القاضي، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في سورة "الأنعام" عند قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الأنعام: 23 - 24]. وثانيها: أن شهادة الأمة، وشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام - مستندةٌ في الآخرة إلى شهادة الله - تعالى - على صدق الأنبياء، وإذا كان كذلك، فَلِمَ لم يشهد الله - تعالى - لهم بذلك ابتداء؟ والجواب: الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - في الفضل عن سائر الأمم بالمبَادرة إلى تصديق الله - تعالى - وتصديق جميع الأنبياء، والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعَدْل بالنسبة إلى الفاسق. وثالثها: أن مثل هذه الأخبار لا تسمّى شهادة، وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْس فاشْهَدْ"تفسير : والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس، فوجب جواز الشَّهَادة عليه. والثاني: قالوا معنى الآية: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحقّ فيها، قال ابن زيد رحمه الله تعالى: الأشهاد الأربعة: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد، قال تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}تفسير : [ق: 21]. وقال: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تفسير : [ق: 18] وقال: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}تفسير : [الانفطار: 10 - 12]. وثانيها: شهادة الأنبياء، وهو المراد بقوله حاكياً عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {أية : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [المائدة: 117]. وقال تعالى في حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. وقال في حق - محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41]. وثالثها: شهادة أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - قال تعالى: {أية : وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ}تفسير : [الزمر: 69]. وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}تفسير : [غافر: 51]. ورابعها: شهادة الجَوَارح، وهي بمنزلة الإقرار، بل أعجب منه. قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ}تفسير : [النور: 24]. الآية، وقال: {أية : ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [يس: 65] الآية. القول الثاني: أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا، وتقديره أن الشهاة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته. ولما كان بين الإبصار بالعَيْن وبين المعرفة بالقَلْب مناسبة شديدة، لا جَرَمَ قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهوداً، والعارف بالشيء: شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلائل على الشيء: شاهداً على الشيء، لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً، ولما كان المخبر عن الشيء والمبيّن لحاله جارياً مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضاً شاهداً، ثم اختصّ هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة. إذا ثبت هذا فنقول: إن كلّ من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه، والله سحبانه وتعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة: إما أن تكون في الآخرة، أو في الدنيا، ولا جائز أن تكون في الآخرة؛ لأن الله - تعالى - جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء، وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا. وإنما قلنا: إنه - تعالى - جعلهم عدولاً في الدنيا؛ لأنه - تعالى - [قال: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسطاً" وهذا إخبار عن الماضي، فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهوداً في الدنيا؛ لأنه تعالى] قال: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ" رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا [وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا]. فإن قيل: تحمُّل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمّل الشهادة قد يسمى شاهداً، وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة. قلنا: الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل، بدليل أنه - تعالى - اعتبر العدالة في هذه الشهادة، والشهادة التي يعتبر فيها العدالة، هي الأداء لا التحمّل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدّين للشهادة في الدنيا، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجّة، ولا معنى لقولنا: الإجماع حجة إلا هذا، فثبت أن الآية تدلّ على أن الإجماع حجّة [من هذا الوجه أيضاً]. واعلم أن هذا الدليل لا ينافي كونهم شهوداً في القيامة أيضاً على الوجه الذي وردت الأخبار به، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} يعني مؤدياً ومبيناً، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم الشَّهادة في الآخرة، فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمّل، لأنهم إذا أثبتوا الحقّ عرفوا عنده من [القابل ومن الراد]، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة [على أن الشَّاهد على العقود يعرف الذي تم، والذي لم يتم، ثم يشهدون بذلك عند الحاكم. قال القرطبي رحمه الله: معنى قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} أي: بأعمالكم يوم القيامة. وقيل: "عليكم" بمعنى لكم أي: يشهد لكم بالإيمان. وقيل: يشهد عليكم بالتبليغ لكم]. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ...} في هذه الآية خمسة أوجه: أحدها: أن "القبلة" مفعول أول، و"التي كنت عليها" مفعول ثان، فإن الجعل بمعنى التصيير، وهذا ما جزم به الزّمخشري فإنه قال: {ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} ليس بصفة للقبلة، إنما هي ثاني مفعوليْ جعل، يريد: وما جعلنا القِبْلَةَ الجهة التي كنت عليها، وهي الكَعْبَة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بـ"مكة" إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، ثم حول إلى الكعبة. الثاني: أن "القِبْلَة" هي المفعول الثاني، وإنما قدم، و"التي كنت عليها" هو الأول، وهذا ما اختاره الشيخ محتجّاً له بأن التصيير هو الانتقال من حَالٍ إلى حَالٍ، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، ألا ترى أنك تقول: جعلت الطين خزفاً، وجعلت الجاهل عالماً، والمعنى هنا على هذا التقدير: وما جعلنا القِبْلَة الكعبة التي كانت قبلة لك أولاً، ثم صرفت عنها إلى "بيت المقدس" قبلتك الآن إلا لنعلم. ونسب الزمخشري في جعله "القِبْلَة" مفعولاً أول إلى الوهم. الثالث: أن "القِبْلَة" مفعول أول، و"التي كنت" صفتها، والمفعول الثَّاني محذوف تقديره: وما جعلنا القِبْلة التي كنت عليها منسوخة. ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قدره: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة، ولا طائل تحته. الرابع: أن "القبلة" مفعول أول، و"إلاَّ لنعلم" هو المفعول الثَّاني، وذلك على حذف مضاف تقديره: وما جعلنا صرف القِبْلَة التي كنت عليها إلا لنعلم، نحو قولك: ضرب زيد للتأديب، أي: كائن، أو ثابت للتأديب. الخامس: أن "القبلة" مفعول أول، والثاني محذوف، و{ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} صفة لذلك المحذوف، والتقدير: وما جعلنا القِبْلة القبلة التي، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيف. وفي قوله: "كُنْتَ" وجهان: أحدهما: أنها زائدة، ويروى عن ابن عباس أي: أنت عليها، وهذا منه تفسير معنى لا إعراب، وهو كقوله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابل نحو: الجِلْسَة، وفي التعاريف صار اسماً للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة. وقال قطرب رحمه الله تعالى: يقولون: ليس له قِبْلَة أي جهة يتوجه إليها. وقال غيره: إذا تقابل رجلان فكلّ واحد قبلة للآخر. فصل في الكلام على الآية. في هذا الكلام وجهان: الأول: أن يكون هذا الكلام بياناً للحكمة في جعل الكعبة قِبْلة، وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى "بيت المقدس" بعد الهجرة تأليفاً لليهود، ثم حول إلى الكعبة فقال: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ} الجهة {ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} أولاً يعني: وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس. الثاني: يجوز أن يكون قوله: {ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} لساناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك "بيت المقدس" كان أمراً عارضاً لغرض، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا، وهي "بيت المقدس" لنمتحن الناس، وننظر من يتبع الرسول، ومن لا يتبعه وينفر عنه. وذكر أبو مسلم وجهاً ثالثاً فقال: لولا الروايات لم تدلّ الآية على قبلة من قبل الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأنه قد يقال: كنت بمعنى: صرت، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}تفسير : [النساء: 158] فلا يمتنع أن يراد بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} أي: التي لم تزل عليها، وهي الكعبة إلاَّ كذا وكذا. قوله: "إلاَّ لِنَعْلَمَ" قد تقدم أنه في أحد الأوجه يكون مفعولاً ثانياً. وأما على غيره فهو استثناء مفرّغ من المفعول العام، أي: ما سبب تحويل القبلة لشيء من الأشياء إلاَّ لكذا. وقوله: "لِنَعْلَمَ" ليس على ظاهره، فإن علمه قديم، ونظره في الإشكال قوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31]. وقوله: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً }تفسير : [الأنفال: 66]، وقوله: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 42]، وقوله: {أية : فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ}تفسير : [العنكبوت: 3]. وقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ}تفسير : [سبأ: 21]، فلا بد من التأويل وهو من أوجه: أحدها: لتمييز التابع من النَّاكص إطلاقاً للسبب، وإرادة للمسبّب. وقيل: على حذف مضاف أي: لنعلم رسولنا فحذف، كما يقول الملك: فتحنا البَلْدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا. ومنه يقال: فتح عمر السّواد. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه: "حديث : اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي يقول: وادهراه وأنا الدهر " تفسير : وفي الحديث: "حديث : مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَّا فَقَدْ أَهَانَنِي " تفسير : وقيل: معناه: إلا لنرى. فصل قال القرطبي رحمه الله: وهذا قول ابن أبي طالب وقول العرب، تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كقوله تعالى:{أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ}تفسير : [الفيل: 1] بمعنى ألم تعلم، وعلمت، وشهدت، ورأيت، ألفاظ تتعاقب. وقيل: حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، معناه: لتعلموا. والغرض من هذا الكلام الاستمالة والرفق في الخطاب كقوله: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى}تفسير : [سبأ: 24] فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب، ورفقاً بالمخاطب. وقيل: يعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم. وقيل: العلم صلة زائدة معناه إلاَّ ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين. ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني، والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله. قوله: {مَنْ يَتَّبع} في "من" وجهان: أحدهما: أنها موصولة، و"يتبع" صلتها، والموصول وصلته في محلّ المفعول لـ"نعلم"؛ لأنه يتعدّى إلى واحد. والثاني: أنها استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، و"يتبع" خبره، والجملة في محلّ نصب؛ لأنها معلقة للعلم، والعلم على بابه، وإليه نحا الزَّمخشري في أحد قوليه. وقد رد أبو البقاء هذا الوجه، فقال: لأن ذلك يوجب تعلّق "نعلم" عن العمل، وإذا علقت عنه لم يبق لـ"من" ما تتعلّق به، لأن ما بعد الاستفهام لا يتعلّق بما قبله، ولا يصحّ تعلها بـ"يتبع"؛ لأنها في المعنى متعلّقة بلا علامة، وليس المعنى: أي فريق يتبع ممن ينقلب انتهى. وهو رد واضح إذ ليس المعنى على ذلك، إنما المعنى على أن يتعلق "مِمَّنْ يَنْقَلِبُ" بـ"نعلم" نحو: علمت من أحسن إليك مِمّن أساء، وهذا يقوي التجوز بالعلم عن التمييز، فإن العلم لا يتعدى بـ"من" إلا إذا أريد به التمييز. وقرأ الزهري: "إلاَّ لِيُعْلم" على البناء للمفعول، وهي قراءة واضحة لا تحتاج إلى تأويل، فإنا لا نقدر ذلك الفاعل غير الله تعالى. قوله: "عَلَى عَقِبَيْهِ" في محلّ نصب على الحال، أي ينقلب مرتدّاً راجعاً على عقبيه، وهذا مجاز، [ووجه الاستعارة أن: المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل بمنزلة المدبر عما بين يديه، فوصفوا بذلك لما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ}تفسير : [المدثر: 23] وقوله تعالى: {أية : كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}تفسير : [طه: 48]. وقرئ "عَلَى عَقْبَيْهِ" بسكون القاف، وهي لغة "تميم". فصل اختلفوا في هذه المحنة، هل حصلت بسبب تعيين القبلة، أو بسبب تحويلها؟ فقال بعضهم: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة، فلما جاء "المدينة" صلى إلى "بيت المقدس"، فشق ذلك على العرب لترك قبلتهم. قال القرطبي رحمه الله: والآية جواب لقريش في قولهم: {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة: 142] وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله - عز وجل - أن يمتحنهم بغير ما ألفوه. وقال الأكثرون: حصلت بسبب التحويل قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه. روى القَفَّال عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلموا، فقالوا: مرة ههنا ومرة ههنا. وقال السدي رحمه الله تعالى: لما توجه النبي - عليه الصلاة والسلام - نحو المسجد الحرام واختلف الناس، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟ وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس. وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده. وقال المشركون: تحيّر في دينه. قال ابن الخطيب: وهذا القول أولى؛ لأن الشبهة في أمر النَّسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة [وقد وصفها الله - تعالى - بالكبر فقال عز وجل: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} فكان حمله عليه أولى]. قوله: "وإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً" "إنْ" هي المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر، وهو أغلب أحوالها، و"اللام" للفرق بينها وبين "إن" النافية، وهل هي لام الابتداء، أو لام أخرى أتى بها للفرق؟ خلاف مشهور. وزعم الكوفيون أنها بمعنى "ما" النافية، وأن "اللام" بمعنى "إلا"، والمعنى: ما كانت إلا كبيرة، نقل ذلك عنهم أبو البقاء رحمه الله [وفيه نظر. واعلم أن "إن" المكسورة الخفيفة تكون على أربعة أوجه: جزاء، وهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى، فالمستلزم هو الشرط، واللازم هو الجزاء، كقولك: إن جئتني أكرمتك. ومخففة من الثقيلة، وهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة المشددة، كقولك: إن زيداً لقائم، قال تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}تفسير : [الطارق: 4]، {أية : إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}تفسير : [الإسراء: 108]. وللجحد، لقوله تعالى: {أية : إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ}تفسير : [الأنعام: 57] {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}تفسير : [الأنعام: 148] {أية : وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا}تفسير : [فاطر: 41]. أي: ما يمسكهما. وزائدة كقوله: ما إن رأيت زيداً]، والقراءة المشهورة نصب "كبيرة" على خبر "كان"، واسم كان مضمر فيها يعود على التولية، أو الصلاة، أو القبلة المدلول عليها بسياق الكلام. وقرأ اليزيدي عن أبي عمرو: برفعها. وفيه تأويلان: أحدهما - وذكره الزمخشري -: أن "كان" زائدة، وفي زيادتها عاملةً نظر لا يخفى؛ وقد استدلّ الزمخشري على ذلك بقوله: [الوافر]. شعر : 825 - فَكَيْفَ إذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ تفسير : فإن قوله: "كرام" صفة لـ"جيران"، وزاد بينهما "كانوا"، وهي رافعة للضمير، ومن منع ذلك تأول "لنا" خبراً مقدماً، وجملة الكون صفة لـ"جيران". والثاني: أن "كان" غير زائدة، بل يكون "كبيرة" خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: وإن كانت لهي كبيرة، وتكون هذه الجملة في محلّ نصب خبراً لكانت، ودخلت لام الفرق على الجملة الواقعة خبراً، وهو توجيه ضعيفٌ، ولكن لا توجه هذه القراءة الشَّاذة بأكثر من ذلك. [والضمير في "كانت" فيه وجهان: الأول: أنه يعود على القبلة؛ لأن المذكور السابق هو القبلة. والثاني: يعود إلى ما دلّ عليه الكلام السّابق، وهو مفارقة القبلة، والتأنيث للتولية أي: وإن كانت التولية؛ لأن قوله تعالى: "ما ولاهم" يدل على القولية، ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت هذه الفعلة نظيره "فبها ونعمت". ومعنى "كبيرة" ثقيلة شاقّة مُسْتنكرة. وقوله تعال: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [الكهف: 5]]. قوله: "إلاَّ عَلَى الَّذِينَ" متعلق بـ"كبيرة"، وهو استثناء مفرغ. فإن قيل: لم يتقدم هنا نفي ولا شبهة، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك. فالجواب: أن الكلام وإن كان موجباً لفظاً فإنه في معنى النفي؛ إذ المعنى أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين، وهذا التأويل بعينه قد ذكروه في قوله: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة: 45]. وقال أبو حيان: [هو استثناء من مستثنى محذوف تقديره: وإن كانت لكبيرة على النّاس إلا على الذين] وليس استثناء مفرغاً؛ لأنه لم يتقدمه نفي ولا شبهة، وقد تقدم جواب ذلك [واستدل الأصحاب رحمهم الله - تعالى - بهذه الآية على خلق العمال]. قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ} في هذا التركيب وما أشبهه [مما ورد في القرآن وغيره] نحو: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران: 179]، {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ}تفسير : [آل عمران: 179] قولان: أحدهما: قول البصريين؛ وهو أن خبر "كان" محذوف، وهذه اللام تسمى لام الجُحود ينتصب الفعل بعدها بإضمار "أن" وجوباً، فينسبك منها ومن الفعل مصدر منجرّ بهذه "اللام"، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف. والتقدير: وما كان الله مريداً لإضاعة أعمالكم، وشرط لام الجحود عندهم أن يتقدمها كون منفي. [واشترط بعضهم مع ذلك أن يكون كوناً ماضياً، ويفرق بينها وبين "لام" ما ذكرنا من اشتراط تقدم كون مَنْفي]، ويدلّ على مذهب البصريين التصريح بالخبر المحذوف في قوله: [الوافر]. شعر : 826 - سَمَوْتَ وَلَمْ تَكْنْ أَهْلاً لِتَسْمُو ...................... تفسير : والقول الثاني للكوفيين: وهو أن "اللام" وما بعدها في محلّ الجر، ولا يقدرون شيئاً محذوفاً، ويزعمون أن النصب في الفعل بعدها بنفسها لا بإضمار "أن"، وأن "اللام" للتأكيد، وقد رد عليهم أبو البقاء فقال: وهو بعيد، لأن "اللام" لام الجر، و "أن" بعدها مرادة، فيصير التقدير على قولهم: وما كان لله إضاعة إيمانكم، وهذا الرد غير لازم لهم، فإنهم لم يقولوا بإضمار "أن" بعد اللام كما قدمت نقله عنهم، بل يزعمون النصب بها، وأنها زائدة للتأكيد ولكن للرد عليهم موضع غير هذا. واعلم أن قولك: "ما كان زيد ليقوم" بـ"لام" الجحود أبلغ من: "ما كان زيد يقوم". أما على مذهب البصريين فواضح، وذلك أن مع "لام" الجحود نفي الإرادة للقيام والتَّهيئة، ودونها نفي للقيام فقط، ونفي التَّهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل؛ إذ لا يلزم من نفي الفِعْلِ نفي إرادته. وأما على مذهب الكوفيين فلأن "اللام" عندهم للتوكيد، والكلام مع التوكيد أبلغ منه بلا توكيد. وقرأ الضحاك: "لِيُضَيِّعَ" بالتشديد، وذلك أن: أَضَاعَ وَضيَّعَ بالهمزة، والتضعيف للنقل من "ضاع" القاصر، يقال: ضَاعَ الشيء يَضيعُ، وأَضَعْتُه أي: أهملته، فلم أحفظه. وأما ضَاعَ المِسْكُ يَضُوعُ أي: فاح، فمادة أخرى. فصل في مناسبة اتّصال هذه الآية بما قبلها وجه اتصال هذه الآية الكريمة بما قبلها أن رجالاً من المسلمين كأبي أمامة، وسعد ابن زُرَارة، والبراء بن عازب، والبراء بن مَعْرُور، وغيرهم ماتوا على القبلة. قال عشائرهم: يا رسول الله توفي إخواننا على القبلة الأولى، فكيف حالهم؟ فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. [واعلم أنه لا بد من هذا السبب، وإلا لم يتّصل بعض الكلام ببعض، ووجه تقرير الإشكال أن الذين لم يجوّزوا النسخ إلا مع البَدَاء يقولون: إنه لمّا تغير الحكم وجب أن يكون الحكم مفسدة] فبين أن النسخ نقل من مَصْلحة إلى مصلحة، ومن تكليف إلى تكليف، والأول كالثاني في أن القائم به متمسّك بالدين، وأن من هذا حاله، فإنه لا يضيع أجره. ونظيره: ما سألوا بعد تحريم الخَمْر عمن مات، وكان يشربها، فأنزل الله تعالى: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ}تفسير : [المائدة: 93] فعرفهم الله - تعالى - أنه لا جُنَاحَ عليهم فيما مضى لما كان ذلك بإباحة الله تعالى فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولّد من تجويز البَدَاء على الله - تعالى - فكيف يليق ذلك بالصحابة؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الشّك وقع لمنافق، فذكر الله - تعالى - ذلك ليذكره المسلمون جواباً لسؤال ذلك المنافق. وثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصَّلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت إخواننا ممن مات أدرك، فذكر الله - تعالى - هذا الكلام جواباً عن ذلك. وثالثها: لعله - تعالى - ذكر هذا الكلام ليكون دفعاً لذلك السؤال لو خَطَر ببالهم. ورابعها: لعلهم توهموا أن ذلك لما نُسِخَ وبطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كَفّارة لما سلف، واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل، فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا، ولم يأتوا بما يكفر ما سلف؛ قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، والمراد: أهل ملّتكم، كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد صلى الله عيله وسلم: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً}تفسير : [البقرة: 72]، {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [البقرة: 50]، ويجوز أن يكون السؤال واقعاً عن الأحياء والأموات معاً، فإنهم أشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعاً في الفريقين، فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب، فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما والله أعلم. وقال أبو مسلم: يحتمل أن يكون ذلك خطاباً لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان صلاتهم، وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ. وإنما اختار ابو مسلم هذا القول، لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا. قال القرطبي: "وسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نيّة وقول وعمل". استدلت المعتزلة بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات، فإنه - تعالى - أراد بالإيمان ها هنا الصلاة. والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان هنا الصلاة، بل المراد منه التَّصديق، والإقرار، فكأنه - تعالى - قال: إنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة. سلمنا أن المراد من الإيمان هاهنا الصلاة، ولكن الصلاة أعظم الإيمان، وأشرف نتائجه وفوائده، فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الاسْتِعَارة من هذه الجهة. فصل في الكلام على الآية. قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: لا يضيع ثواب إيمانكم؛ لأن الإيمان قد انقضى وفني، وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته، إلاّ أنَّ استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه، فصح حفظه وإضاعته، وهو كقوله تعالى: {أية : أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [آل عمران: 195]. قوله: {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: "لَرَؤُفٌ" على وزن: "نَدُس" و "رَعُف" مهموزاً غير مُشْبَع، وهي لغة فاشيةٌ، كقوله: [الوافر]. شعر : 827 - وَشَرُّ الظَّالِمين فَلا َتَكُنْهُ يُقَاتِلُ عَمَّهُ الرَّؤُفَ الرَّحِيمَا تفسير : وقال آخر: [الوافر]. شعر : 828 - يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا كَحَقِّ الوَالِدِ الرِّؤُفِ الرَّحِيمِ تفسير : وقرأ الباقون: "لرؤوفٌ" مثقلاً مهموزاً مشبعاً على زنة "شكور". وقرأ أبو جعفر "لروف" من غير هَمْزٍ، وهذا دأبه في كل همزة ساكنة أو متحركة. و"الرأفة": أشد الرحمة، فهي أخص منها، [وقيل بينهما عموم وخصوص، فلا ترى فيه اكمل من الرحمة بالكيفية، والرحمة اتصال النعمة برقة يكون معها إيلام كقطع العضو المتآكل وشرب الدواء]. وفي "رءوف" لغتان أخريان لم تصل إلينا بهما قراءة وهما: "رئِف" على وزن "فَخِذ"، و "رأف" على وزن "ضَعْف". وإنما قدم على "رحيم" لأجل الفواصل، والله أعلم. فصل فيمن استدل بالآية على أن الله تعالى لا يخلق الكفر استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا: لأنه - تعالى - بين أنه بالنَّاس لرءوف رحيم، فوجب أن يكون رءوفاً رحيماً بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكُفْر الذي يجرّهم إلى العقاب الدائم، والعذاب السَّرمَدِي، ولو لم يُكَلّفهم ما لا يُطِيقون، فإنه - تعالى - لَوْ كان مع مثل هذا الإضرار رءوفاً رحيماً، فعلى أيّ طريقٍ يتصور ألاَّ يكون رَءُوفاً رَحيماً. واعلم أنَّ الكلامَ عليه قد تَقَدَّم مِرَاراً، والله أعلمُ.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي والنسائي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والإِسماعيلي في صحيحه والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏} ‏ قال‏:‏ عدلاً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {جعلناكم أمة وسطاً‏} ‏ قال‏:‏ عدلاً‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {جعلناكم‏ ‏أمة وسطا‏ً} ‏ يقول‏:‏ جعلكم أمة عدلا‏ً.‏ وأخرج ابن سعد عن القاسم بن عبد الرحمن قال‏:‏ قال رجل لابن عمر‏:‏ من أنتم‏؟‏ قال‏:‏ ما تقولون‏؟‏ قال‏:‏ نقول إنكم سبط، وتقول إنكم وسط‏.‏ فقال‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ إنما كان السبط في بني إسرائيل، والأمة الوسط أمة محمد جميعا‏ً.‏ وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يدعى نوح يوم القيامة فيقال له‏:‏ هل بلغت‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيدعو قومه فيقال لهم‏:‏ هل بلغكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد‏.‏ فيقال لنوح‏:‏ من يشهد لك‏؟‏ فيقول‏:‏ محمد وأمته، فذلك قوله ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏ً}‏ قال‏:‏ والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم‏ ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم‏:‏ هل بلغكم هذا‏؟‏ فيقولون‏:‏ لا‏.‏ فيقال له‏:‏ هل بلغت قومك‏؟‏ فيقول‏‏ نعم‏.‏ فيقال له‏:‏ من يشهد لك‏؟‏ فيقول‏:‏ محمد وأمته‏.‏ فيدعى محمد وأمته‏.‏ فيقال لهم‏:‏ هل بلغ هذا قومه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم‏.‏ فيقال‏:‏ وما علمكم‏؟‏ فيقولون‏:‏ جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا‏.‏ فذلك قوله ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏ً}‏ قال‏:‏ عدلاً ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا‏ً}‏ ‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد في قوله ‏ {‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس‏} بأن الرسل قد بلغوا ‏ {‏ويكون الرسول عليكم شهيد‏اً} ‏ بما عملتم‏.‏ وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن جابر قال: ‏"حديث : ‏شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني سلمة وكنت إلى جانبه، فقال بعضهم‏:‏ والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفاً مسلماً وكان، وأثنوا عليه خيرا‏ً.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أنت الذي تقول‏؟‏فقال‏:‏ يا رسول الله ذلك بدا لنا والله أعلم بالسرائر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: وجبت‏. قال‏:‏ وكنا معه في جنازة رجل من بني حارثة أو من بني عبد الأشهل، فقال رجل‏:‏ بئس المرء ما علمنا أن كان لفظاً غليظاً أن كان‏.‏‏.‏‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت الذي تقول‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله، الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك‏.‏ فقال‏: وجبت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال‏:‏ ‏"‏حديث : مروا بجنازة فأثني عليه خير فقال النبي صلى الله عليه وسلم "وجبت وجبت وجبت"، ومر بجنازة فأثني عليه بشر فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وجبت وجبت. فسأله عمر‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقال‏: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض‏.‏ زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس‏} ‏"‏‏.‏ ‏تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر:‏ أنه مرت به جنازة فأثني على صاحبها خير فقال‏:‏ وجبت وجبت، ثم مر بأخرى فأثني شر فقال عمر‏:‏ وجبت‏.‏ فقال أبو الأسود‏:‏ وما وجبت‏؟‏ قال‏:‏ قلت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة‏. فقلنا‏:‏ وثلاثة‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقال‏: وثلاثة‏. فقلنا‏:‏ واثنان‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقال‏: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني والبغوي والحاكم في الكنى والدارقطني في الافراد والحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه عن أبي زهير الثقفي قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبناوة يقول‏ حديث : ‏يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم‏.‏ قال‏:‏ بم يا رسول الله‏؟‏ قال‏: بالثناء الحسن والثناء السيء، أنتم شهداء الله في الأرض‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال ‏"حديث : ‏أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يصلي عليها فقال الناس‏:‏ نعم الرجل‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وجبت. وأتي بجنازة أخرى فقال الناس‏:‏ بئس الرجل‏.‏ فقال‏:‏ وجبت‏.‏ قال أبي بن كعب‏:‏ ما قولك‏؟‏ فقال‏:‏ قال الله تعالى ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏"حديث : ‏ ما من مسلم يموت فتشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً إلا قال الله‏:‏ قد قبلت شهادتكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير والطبراني عن سلمة بن الأكوع قال ‏"حديث : ‏مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل من الأنصار، فأثني عليها خيراً فقال‏:‏ وجبت‏‏. ثم مر عليه بجنازة أخرى، فأثني عليها دون ذلك فقال‏:‏ وجبت‏ فقال‏:‏ يا رسول الله وما وجبت‏؟‏ قال‏: الملائكة شهود الله في السماء وأنتم شهود الله في الأرض ". تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما من مسلم يموت فيشهد له رجلان من جيرانه الأدنين فيقولان اللهم لا نعلم إلا خيراً إلا قال الله للملائكة‏:‏ اشهدوا أني قد قبلت شهادتهما وغفرت ما لا يعلمان‏ ". تفسير : وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن كعب قال‏:‏ أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء، كان النبي يقال له‏:‏ بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك، وادع اجبك‏.‏ وقل لهذه الأمة ‏{أية : ‏ما جعل عليكم في الدين من حرج‏} تفسير : ‏[‏الحج: 78‏]‏ وقال ‏ {‏لتكونوا شهداء على الناس‏}‏ وقال ‏{أية : ‏ادعوني أستجب لكم‏}تفسير : ‏[‏غافر: 60‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن الأمم يقولون يوم القيامة‏:‏ والله لقد كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء كلهم لما يرون الله أعطاهم‏.‏ وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير عن حبان بن أبي جبلة يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه‏:‏ ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم، رب قد بلغته جبريل‏.‏ فيدعى جبريل فيقال‏:‏ هل بلغك إسرافيل عهدي‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيخلى عن إسرافيل، ويقول لجبريل‏:‏ هل بلغت عهدي‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم، قد بلغت الرسل، فتدعى الرسل فيقال لهم‏:‏ هل بلغكم جبريل عهدي‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم‏.‏ فيخلى جبريل، ثم يقال للرسل‏:‏ هل بلغتم عهدي‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، بلغناه الأمم‏.‏ فتدعى الأمم فيقال لهم‏:‏ هل بلغتكم الرسل عهدي‏؟‏ فمنهم المكذب ومنهم المصدق‏.‏ فتقول الرسل‏:‏ إن لنا عليهم شهداء‏.‏ فيقول‏:‏ من‏؟‏ فيقولون‏:‏ أمة محمد‏.‏ فتدعى أمة محمد فيقال لهم‏:‏ أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم‏.‏ فتقول الأمم‏:‏ يا ربنا كيف يشهد علينا من لم يدركنا‏؟‏ فيقول الله‏:‏ كيف تشهدون عليهم ولم تدركوهم‏؟‏ فيقولون‏:‏ يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً، وأنزلت علينا كتاباً، وقصصت علينا فيه أن قد بلغوا، فنشهد بما عهدت إلينا‏.‏ فيقول الرب‏:‏ صدقوا، فذلك قوله ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏}‏ والوسط العدل ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية عن أبي كعب في الآية قال ‏ {‏لتكونوا شهداء على الناس‏} ‏ يوم القيامة، كانوا شهداء على نوح، وعلى قوم هود، وعلى قوم صالح، وعلى قوم شعيب، وعندهم أن رسلهم بلغتهم وأنهم كذبوا رسلهم‏.‏ قال أبو العالية‏:‏ وهي في قراءة أبي ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏ويكون الرسول عليكم شهيداً‏} ‏ قال‏:‏ يشهد أنهم قد آمنوا بالحق إذ جاءهم وقبلوه وصدقوا به‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير قال‏:‏ يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد أنه قد بلغهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال‏:‏ يقال‏:‏ يا نوح قد بلغت‏؟‏ قال‏:‏ نعم يا رب‏.‏ قال‏:‏ فمن يشهد لك‏؟‏ قال‏:‏ رب أحمد وأمته‏.‏ قال‏:‏ فكلما دعي نبي كذبه قومه شهدت له هذه الأمة بالبلاغ، فإذا سأل عن هذه الأمة لم يسأل عنها إلا نبيها‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن حبان بن أبي جبلة قال‏:‏ بلغني أن ترفع أمة محمد على كوم بين يدي الله تشهد للرسل على أممها بالبلاغ، فإنما يشهد منهم يومئذ من لم يكن في قلبه أحنة على أخيه المسلم‏.‏ وأخرج مسلم وأبو داود والحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة‏ ". تفسير : وأما قوله تعالى: ‏ {‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها‏} الآية. أخرج ابن جرير عن عطاء في قوله ‏ {‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها‏} ‏ قال‏:‏ يعني بيت المقدس ‏{‏إلا لنعلم من يتبع الرسول‏}‏ قال‏:‏ يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا لنعلم‏} ‏ قال‏:‏ إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ‏{‏وإن كانت لكبيرة‏}‏ يعني تحويلها عن أهل الشك والريب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ بلغني أن أناساً من الذين أسلموا رجعوا فقالوا مرة ههنا ومرة ههنا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏وإن كانت لكبيرة‏} ‏ يقول‏:‏ ما أمر به من التحوّل إلى الكعبة من بيت المقدس‏.‏ وأخرج وكيع والفريابي والطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والمنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال‏:‏ لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة قالوا‏:‏ يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏‏ .‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب في قوله {‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏ قال‏:‏ صلاتكم نحو بيت المقدس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏} ‏ يقول‏:‏ صلاتكم التي صليتم من قبل أن تكون القبلة، وكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا يقبل صلاتهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏رؤوف‏}‏ قال‏:‏ يرأف بكم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ} توجيه للخطاب إلى المؤمنين بـين الخطابـين المختصين بالرسول صلى الله عليه وسلم لتأيـيد ما في مضمون الكلامِ من التشريف وذلك إشارةٌ إلى مصدر جعلناكم لا إلى جعل آخرَ مفهوم مما سبق كما قيل، وتوحيدُ الكاف مع القصد إلى المؤمنين لِما أن المرادَ مجردُ الفَرْق بـين الحاضر والمنقضي دون تعيـين المخاطبـين، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوِّ درجةِ المشار إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزه به وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، والكاف لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة ومحلُها في الأصل النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ وأصلُ التقدير جعلناكم أمة وسَطاً جَعْلاً كائناً مثل ذلك الجعلِ فقُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ، واعتُبرت الكاف مُقحَمَةً للنكتة المذكورةِ فصار نفسَ المصدر المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك الجعلَ البديعَ جعلناكم {أُمَّةً وَسَطًا} لا جعلاً آخرَ أدنى منه والوسَطُ في الأصل اسمٌ لما يستوي نِسبةُ الجوانبِ إليه كمركز الدائرة ثم استُعير للخصال المحمودةِ البشرية لكن لا لأن الأطرافَ يتسارع إليها الخللُ والإعوازُ، والأوساطُ محميّةٌ مَحوطَةٌ كما قيل، واستُشهد عليه بقول ابن أوسٍ الطائي: [البسيط] شعر : كانت هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَت بها الحوادثُ حتى أصبحت طَرَفا تفسير : فإن تلك العلاقةَ بمعزل من الاعتبار في هذا المقام إذ لا ملابَسةَ بـينها وبـين أهليةِ الشهادة التي جُعلت غايةً للجعل المذكور لكون تلك الخصالِ أوساطاً للخصال الذميمةِ المكتنفة بها من طرفي الإفراطِ والتفريطِ كالعِفة التي طرفاها الفجورُ والخمودُ، وكالشجاعة التي طرفاها التهوّرُ والجُبن وكالحِكمة التي طرفاها الجريرةُ والبَلادةُ وكالعدالة التي هي كيفية متشابهةٌ حاصلةٌ من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها، ثم أطلقَ على المتصِّف بها مبالغةً كأنه نفسُها. وسُوّي فيه بـين المفرد والجمعِ والمذكرِ والمؤنث رعايةً لجانب الأصلِ كدأب سائر الأسماءِ التي يوصف بها، وقد روُعيت ههنا نُكتةٌ رائقةٌ هي أن الجعلَ المشارَ إليه عبارةٌ عما تقدم ذكرُه من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبَّر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريقُ السويُ الواقعُ في وسط الطرُق الجائرةِ عن القصد إلى الجانبـين، فإنا إذا فرضنا خطوطاً كثيرةً واصلةً بـين نُقطتين متقابلتين فالخطُ المستقيم إنما هو الخطُ الواقعُ في وسط تلك الخطوطِ المنحنية، ومن ضرورة كونِه وسطاً بـين الطرُق الجائرةِ كونُ الأمةِ المَهْديّة إليه أمةً وسطاً بـين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفةً بالخصال الحميدةِ خياراً وعدُولاً مُزَكَّيْنَ بالعلم والعمل {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} بأن الله عز وجل قد أوضح السبُل وأرسل الرُسل فبلّغوا ونصَحوا وذكّروا فهل من مُدَكِّرٍ وهي غاية للجعل المذكور مترتبةٌ عليه فإن العدالة كما أشير إليه حيث كانت هي الكيفيةُ المتشابهةُ المتألّفةُ من العفة التي هي فضيلةُ القوة الشَّهْوية البهيمية والشجاعة التي هي فضيلةُ القوةِ الغضبـيةِ السَّبُعية، والحكمة التي هي فضيلةُ القوةِ العقلية المَلَكية المشارِ إلى رتبتها بقوله عز وعلا: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة، الآية 269] كان المتّصِفُ بها واقفاً على الحقائقِ المودَعةِ في الكتاب المبـين المنطوي على أحكام الدين وأحوالِ الأممِ أجمعين حاوياً بالشرائط الشهادةَ عليهم. رُوي أن الأممَ يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبـياءِ عليهم السلام فيطالبهم الله تعالى بالبـينة وهو أعلم، إقامةً للحجة على المنكرين وزيادةً لخِزْيهم بأن كذَّبهم مَنْ بعدهم من الأمم فيؤتىٰ بأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيشهدون فيقول الأممُ: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطقِ على لسان نبـيِّه الصادقِ، فيؤتىٰ عند ذلك بالنبـي صلى الله عليه وسلم ويُسأل عن حال أمته فيزكِّيهم ويشهَد بعدالتها وذلك قولُه عز قائلاً: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وكلمةُ الاستعلاءِ لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمِن، وقيل: لتكونوا شهداءَ على الناس في الدنيا فيما لا يُقبل فيه الشهادةُ إلا من العدول الأخيار، وتقديمُ الظرف للدلالة على اختصاص شهادتِه عليه السلام بهم {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا} جُرِّد الخطابُ للنبـي صلى الله عليه وسلم رمزاً إلى أن مضمونَ الكلام من الأسرار الحقيقةِ بأن تُخَصَّ معرفتُه بها عليه السلام وليس الموصولُ صفةً للقِبلة بل هو مفعولٌ ثانٍ للجعل، وما قيل من أن الجعلَ تحويلُ الشيء من حالة إلى أخرى فالملتبسُ بالحالة الثانية هو المفعول الثاني كما في قولك: جعلتُ الطينَ خَزَفاً فينبغي أن يكون المفعولُ الأول هو الموصولَ والثاني هو القِبلةَ فهو كلامٌ صناعي ينساق إليه الذهن بحسب النظرِ الجليلِ، ولكنَّ التأملَ اللائقَ يهدي إلى العكس فإن المقصودَ إفادتُه أنه ليس جعلَ الجهة قبلةً لا غيرُ كما يفيده ما ذُكر بل هو جعلُ القبلةِ المحققةِ الوجود هذه الجهةَ دون غيرِها والمرادُ بالموصولِ هي الكعبةُ فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها أولاً ثم لما هاجرَ أُمِر بالصلاة إلى الصخرة تألّفاً لليهود، أو هي الصخرةُ لِما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن قِبلته عليه السلام بمكة كانت بـيتَ المقدس إلا أنه كان يجعلُ الكعبةَ بـينه وبـينه وعلى هذه الرواية لا يمكن أن يرادَ بالقبلة الأولى الكعبةُ، وأما الصخرةُ فيتأتّىٰ إرادتُها على الروايتين، والمعنى على الأول وما جعلنا القِبلة الجهةَ التي كنت عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك الشيء من الأشياء إلا لنمتحنَ الناسَ أي نعاملهم معاملةَ من يمتحنُهم ونعلم حينئذ {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} في التوجّه إلى ما أُمر به من الدين أو القِبلة والالتفاتِ إلى القبلة مع إيراده عليه السلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباعِ {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} يرتدُّ عن دين الإسلامِ أو لا يتوجه إلى القِبلة الجديدة أو لنعلمَ الآن من يتبعُ الرسولَ ممن لا يتبعُه وما كان لعارضٍ يزول بزواله، وعلى الأول ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لنعلم الثابتَ على الإسلام والناكصَ على عَقِبـيه لقلقه وضعفِ إيمانِه، والمرادُ بالعلم ما يدور عليه فلَكُ الجزاءِ من العلم الحالي أي ليتعلّق علمُنا به موجوداً بالفعلِ، وقيل: المرادُ علمُ الرسولِ عليه السلام والمؤمنين، وإسنادُه إليه سبحانه لما أنعم على خواصه وليتميَّزَ الثابتَ على المتزلزل، كقوله تعالى: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } تفسير : [الأنفال، الآية 37] فوضَع العلمَ موضِعَ التميـيزِ الذي هو مسبَّبٌ عنه، ويشهد له قراءةُ ليُعْلَمَ على بناء المجهول من صيغة الغَيبة، والعلمُ إما بمعنى المعرفة أو متعلقٌ بما في «مَنْ» من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لنعلم من يتبعُ الرسولَ متميِّزاً ممن ينقلب على عقبـيه {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أي شاقة ثقيلة، وإنْ هي المخففةُ من الثقيلة دخَلتْ على ناسخ المبتدأ والخبر، واللامُ هي الفارقةُ بـينها وبـين النافية كما في قوله تعالى: {أية : إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } تفسير : [الإسراء، الآية 108] وزعم الكوفيون أنها نافية واللام بمعنى إلا أي ما كانت إلا كبـيرة، والضميرُ الذي هو اسم كان راجعٌ إلى ما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا} [سورة البقرة، الآية: 143] من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أو القِبلة وقرىء لكبـيرةٌ بالرفع على أن كان مزيدة كما في قوله: [الوافر] شعر : [فكَيْفَ إذا رأيتَ ديار قومٍ] وإخوانٍ لنا كانوا كرامِ تفسير : وأصله وإنْ هي لكبـيرةٌ كقوله: إن زيدٌ لمنطلقٌ {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي إلى سرِّ الأحكام الشرعية المبنيةِ على الحِكمَ والمصالح إجمالاً وتفصيلاً وهم المهديّون إلى الصراط المستقيم الثابتون على الإيمان واتباعِ الرسول عليه السلام: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} أي ما صحَّ وما استقام له أن يُضيعَ ثباتَكم على الإيمان بل شكرَ صنيعَكم وأعدَّ لكم الثوابَ العظيمَ وقيل: أيمانَكم بالقِبلة المنسوخةِ وصلاتَكم إليها لما رُوي أنه عليه السلام لما توجّه إلى الكعبة قالوا: كيف حالُ إخوانِنا الذين مضَوْا وهم يصلون إلي بـيت المقدس؟ فنزلت. واللام في ليُضيعَ إما متعلقةٌ بالخبر المقدر لكان كما هو رأيُ البَصْرية وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يُضيعَ الخ ففي توجيه النفي إلى إرادة الفعل تأكيدٌ ومبالغةٌ ليس في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية، ولا يقدح في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجر في عملها، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له، فإن اتصافَه عز وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحُهم، والباءُ متعلقةٌ برؤوف وتقديمُه على رحيم مع كونه أبلغَ منه لما مر في وجه تقديمِ الرحمٰن على الرحيم، وقيل: الرحمة أكثرُ من الرأفة في الكمية والرأفةُ أقوى منها في الكيفية لأنها عبارة عن إيصال النعم الصافية من الآلام، والرحمةُ إيصالُ النعمة مطلقاً وقد يكون مع الألم كقطعِ العضوِ المتأكّل، وقرىء رَؤُفٌ بغير مد كندس.

التستري

تفسير : قوله: {وَسَطاً}[143] أي عدلاً. فالمؤمن مصدّق لعباده، كما قال: {أية : يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة:61]، أي: يصدق الله ويصدق المؤمنين. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[143] أي شديد الرحمة والرأفة بهم، يعني الرفق والحلم عنهم لعلمه بضعفهم، وأن لا حال لهم إليه لا به ولا منه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. الوسط الخيار، فجعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. فكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة فهذه الطائفة هم الأصول، وعليهم المدار، وهم القطب، وبهم يحفظ الله جميع الأمة، وكلُّ من قَبِلَتْهُ قلوبهم فهو المقبول، ومن رَدَّتْه قبولهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم عصم جميع الأمة (عن) الاجتماع عن الخطأ، وعصم هذه الطائفة عن الخطأ في النظر والحكم، والقبول والرد، ثم إن بناءَ أمرهم مُسْتَنِدٌ إلى سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكل ما لا يكون فيه اقتداءٌ بالرسول عليه السلام فهو عليه ردٌّ، وصاحبه على لا شيء. قوله جلّ ذكره: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. بيَّن أن الحكم في تقرير أمر القبلة إلى وقت التحويل، وتحويلها من وقت التبديل كان اختباراً لهم من الحق ليتميز الصادق من المارق، ومَنْ نَظر إلى الأم بعين التفرقة لكبُر عليه أمر التحويل، ومن نظر بعين الحقيقة ظهرت لبصيرته وجوه الصواب. ثم قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلبٍ واحد فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواءٌ غيَّر أو قرَّر، وأثبت أو بدَّل، وحقَّق أو حوَّلَ فَهُمْ بِهِ لَهُ في جميع الأحوال، قال قائلهم: شعر : كيفما دارت الزجاجة دُرْنا يحسب الجاهلون أنَّا جُنِنَّا تفسير : فإنْ قابلوا شرقاً أو واجهوا غَرْباً، وإنْ استقبلوا حجراً أو قاربوا مدراً، فمقصودُ قلوبهم واحدٌ، وما كان للواحد فحُكْمُ الجميع فيه واحد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اشارة الى مفهوم الآية المتقدمة اى كما جعلناكم مهتدين الى الصراط المستقيم {جعلناكم} توحيد الخطاب فى كذلك مع القصد الى المؤمنين لما ان المراد مجرد الفرق بين الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين {امة وسطا} اى خيارا لان الاوساط محمية محوطة والاطراف يتسارع اليها الخلل {لتكونوا شهداء على الناس} يوم القيامة ان الرسل قد بلغتهم {ويكون الرسول} اى محمد صلى الله عليه وسلم {عليكم شهيدا}. ان قلت ان الشاهد اذا اضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة على واذا نفع بها تعدى باللام فيقال شهد له والرسول عليه السلام لما زكى امته وعدلهم بشهادته انتفعوا بها فالظاهر ان يقال ويكون الرسول لكم شهيدا بخلاف شهادة الامة على الناس فانها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على فيها واقعة فى موضعها. قلت هذا مبنى على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته والوجه فى اعتبار تضمين الشهيد الاشارة الى ان التعديل والتزكية انما يكون عن خبرة ومراقبة بحال الشاهد فاذا شاهد منه الرشد والصلاح عدله وزكاه واثنى عليه ولا يسكت عنه وقدمت صلة الشهادة اى عليكم لاختصاصهم بشهادته صلى الله عليه وسلم على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافى شهادته صلى الله عليه وسلم للانبياء بالتبليغ وعلى منكرى التبليغ بالتكذيب ـ روى ـ ان الله تعالى يجمع الاولين والاخرين فى صعيد واحد ثم يقول لكفار الامم ألم يأتكم نذير فينكرون فيقولون ما جاءنا بشير ولا نذير فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو اعلم بهم اقامة للحجة فيؤتى بامة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم انهم قد بلغوا فتقول الامم الماضية من اين علموا وانهم اتوا بعدنا فيسأل هذه الامة فيقولون ارسلت الينا رسولا وانزلت عليه كتابا اخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وانت صادق فيما اخبرت ثم يؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام فيسأل عن حال امته فيزكيهم ويشهد بصدقهم فيؤمر بالكفار الى النار. قال بعض ارباب الحقيقة معنى شهادتهم على الناس اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الاديان ومعرفتهم لحق كل دين وحق كل ذى دين من دينه وباطلهم الذى ليس حقهم الذى هو مخترعات نفوسهم وطريق الحق واحد فمن تحقق بحق دين تحقق بحق سائر الاديان وخاصة دين الاسلام الذى هو الحق الاعظم ومعنى شهادة الرسول عليهم اطلاعه على رتبة كل متدين بدينه وحقيقته التى هو عليها من دينه وحجابه الذى هو به محجوب عن كمال دينه فهو يعرف ذنوبهم وحقيقية ايمانهم واعمالهم وحسناتهم وسيآتهم واخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق وامته يعرفون ذلك من سائر الامم بنوره عليه الصلاة والسلام. قال بعضهم جعلنا سبحانه وتعالى آخر الامم تشريفا لحبيبه وامته لانه لو قدمنا لاحتجنا ان ننتظر فى قبورنا قدوم الامم الماضية فجعلهم سبحانه وتعالى فى انتظارنا تشريفا لنا وايضا جعلنا آخر الامم لنكون يوم القيامة شهداء على جميع الامم الماضية ويكفى شرفا لهذه الامة المرحومة ما قال صلى الله عليه وسلم فى حق علمائهم "حديث : علماء امتى كانبياء بنى اسرائيلbr>". تفسير : وذكر الراغب الاصفهانى فى المحاضرات انه قال الامام الشاذلى صاحب حزب البحر اضطجعت فى المسجد الاقصى فرأيت فى المنام قد نصب تخت خارج الاقصى فى وسط الحرم فدخل خلق كثير أفواجا افواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الانبياء والرسل قد حضروا ليشفعوا فى حسين الحلاج عند محمد عليه افضل الصلاة والسلام لاساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا نبينا محمد عليه السلام جالس عليه بانفراده وجميع الانبياء عليهم الصلاة والسلام على الارض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت انظر واسمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه الصلاة والسلام وقال له انك قد قلت علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل فأرنا منهم واحدا فقال هذا واشار الى الامام الغزالى فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان السؤال ينبغى ان يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضا حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاى فعددت صفات كثيرة قال فبينما انا متفكر فى جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالسا على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الارض اذ رفسنى شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فاذا بقيم ثم غاب عنى فلم اجده الى يومى هذا ومن هذا قال شعر : فانسب الى ذاته ما شئت من شرف وانسب الى قدره ما شئت من عظم تفسير : الله يسر لنا شفاعته {وما جعلنا القبلة} مفعول اول لجعلنا {التى كنت عليها} مفعول ثان له بتقدير موصوف اى الجهة التى كنت عليها وهى الكعبة لانه عليه السلام كان مأمورا بان يصلى الى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر امر بالصلاة الى صخرة بيت المقدس التى منها يصعد الملائكة الى السماء ثم اعيد الى ما كان عليه اولا والمعنى ما رددناك الى ما كنت عليه اى على استقباله والتوجه اليه وما جعلنا ذلك لشئ من الاشياء {إلا لنعلم من يتبع الرسول} فى التوجه الى ما امر به {ممن ينقلب} اى ينصرف ويرجع {على عقبيه} العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق الى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الاسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بادنى سبب لقلته وضعف ايمانه لا انه لم يعلم حالهم فعلم لانه تعالى كان عالما فى الازل بهم وبكل حال من احوالهم التى تقع فى كل زمان من ازمنة وجودهم مقارنة للزمان الذى تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيأ فانما يعلم بان يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل المعنى ليعلم رسول الله والمؤمنون وانما اسند علمهم الى ذاته لانهم خواصه واهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذى اختاره القاشانى فى تأويلاته وزيف ما عداه والعلم فى قوله لنعلم بمعنى المعرفة اى لنعرف الذى يتبع الرسول فلا يحتاج الى مفعول ثان. فان قيل ان الله لا يوصف بالمعرفة فلا يقال الله عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة. هنا قلت انما لا يوصف بها اذا كانت بمعناها المشهور وهو الادراك المسبوق بالعدم واما اذا كانت بمعنى الادراك الذى لا يتعدى الى مفعولين فيجوز ان يوصف الله بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع اى متميزا منه {وإن كانت} اى القبلة المحولة {لكبيرة} اى شاقة ثقيلة على من يألف التوجه الى القبلة المنسوخة فان الانسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وان هى المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية كما فى قوله تعالى {أية : إن كان وعد ربنا لمفعولا} تفسير : [الإِسراء: 108]. {الا على الذين هدى الله} اى هداهم الى حكمة الاحكام وارشدهم وعرفهم ان ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وان لم يهتدوا الى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك ان السعيد الفائز من اطاع ربه الحكيم وان الشقى الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين انهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وان ذلك غير ضائع منهم فقال {وما كان الله} مريدا {ليضيع ايمانكم} اى ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبى عليه السلام من غير ان ترتابوا فى شىء من ذلك {ان الله بالناس} متعلق برؤف {لرؤف} اى ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك الى هذا وهو اصح لهم {رحيم} يغفر ذنوبهم بالايمان وايصال الرزق: قال السعدى شعر : فروماند كانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب تفسير : ـ روى ـ انه اخذ بعض امراء الكفار وكان جائرا قاتلا فى زمن داود عليه السلام فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس الى منازلهم وبقى هذا على الخشبة وحده وتضرع الى آلهته فلم يغنوا عنه شيأ ثم رجع الى الله وقال انت الله الحق اتيت اليك لتغيثنى برحمتك قال الله تعالى يا جبريل ان هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع الى ودعانى فاستجبت له فاهبط الى الارض وضعه على الارض فى سلامة وعافية ففعل فلما اصبحوا رأوه وهو حى يصلى لله تعالى فاخبروا داود بذلك فدعا الله فيه مستكشفا سره فاوحى الله يا داود انى ارحم من آمن بى ودعانى فان لم افعل فأى فرق بينى وبين آلهته. واعلم ان جماعة قد ارتدوا عن الاسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى الله تعالى وعدم فنائهم فى الله ورضاهم بما يجيئ عليهم من القضاء فاخذتهم الكدرة كالسيل واما الذين سعدوا سعادة ازلية فلم يتعلقوا فى الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن ارادتهم فجاءت ارادة الله لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا: قال الصائب شعر : مهياى فنارا ازعلايق نيست بروابى نيند يشد زخار آنكس كه دامان بركمردارد تفسير : ذكر ان ابا القاسم الجنيد البغدادى لما رأوه فى وادى الوله ظنوا انه مرض او جن فجعلوه فى دار الشفاء فزاره بعض من يدعى حبه فقال لهم من انتم فقالوا نحن احباؤك فرماهم بالاحجار ففروا من عنده وقالوا قد غلب عليه الجنون فقال تدعون الحب باقوالكم وقد يكذبها افعالكم فالمحب من اسره ما اصابه من الحبيب فلذلك قد عد اشد البلاء عند الانبياء والاولياء ألذ من الحلوى فاكتسوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا فى لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات الى غيره ولو باكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا فى الفناء والبقاء الى غاية المبتغى ولما قال موسى عليه السلام رب ارنى انظر اليك قال يا موسى لن ترانى فى البساط الفانى اصبر حتى اجعله باقيا حتى ترانى يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين اتريد ان ترانى بعبادة اربعين يوما ثم اصطفاه واعطاه ما اعطاه فلما رجع الى قومه رأى فى الطريق الجبل الاعلى فسأل عنه متعجبا فقال الجبل يا موسى كنت ترعى الغنم فى وعلى رأسك قلنسوة وفى يدك عصا فالله الذى اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلنى الاعلى بفضله وانعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه الى كعبة ذاتك والانجذاب اليك والوصول الى مشاهدتك.

ابن عجيبة

تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...} قلت: {الوسط} هو العدل الخيّر الفاضل، وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة؛ لوقعوها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها مستوياً فيه الواح والجمع، والمذكر والمؤنث. قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم، وجعلنا قبلتكم أفضل الجهات، جعلناكم أمة أفضل الأمم، خياراً عدولاً مزكَّين بالعلم والعمل، لتصلحوا للشهادة على غيركم، فتكونوا يوم القيامة {شهداء على الناس}، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم. قال البيضاوي: رُوِيَ (أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيُطالبُهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم، إقامة للحجة على المنكرين، فيُؤتَى بأُمة مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم فيشهدُون، فتقُول الأمم: مِنْ أَيْنَ عرفتُمْ؟ فيقولُون: عَلِمْنَا ذلك بإخْبَار الله في كِتَابِهِ النَّاطِقِ عَلَى لسانِ نبيه الصَّادِقِ. فيُؤتى بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيُسألُ عن حَالِ أُمته فَيشْهَدُ بعَدَالتِهمْ). وهذه الشهادة، وإن كانت لهم، لكن لمّا كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عُدّيِ بِعَلَى، وقُدِّمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. هـ. الإشارة: التفاضل بين الرجال إنما يكون بالعلم والحال، فمن قَويَ علْمُه بالله كان أعظم قدراً عند الله، والعلم الذي به الشرف عند الله هو العلم بذات الله وبصفاته وأسمائه، وكذا العلم بأحكام الله إذا حصل معه العلم بالله، فكلما انكشف الحجاب عن القلب كان أقرب إلى الرب، وانكشاف الحجاب يكون على قدر التخلية والتحلية، فبقدر ما يتخلّى القلب عن الرذائل، ويبعد عن القواطع والشواغل، ويتحلّى بأنواع الفضائل، ينكشف عنه الحجاب ويدخل مع الأحباب، وبقدر ما يتراكم على القلب من الخواطر والشواغل، ويدخل عليه من المساوئ والرذائل، يقع البعد عن الله، ويطرد العبد عن باب الله، فلا يدل على كمال العبد كثرة الأعمال، وإنما يدل على كماله علو الهمة والحال، وعلو الهمة على قدر اليقين، وقدر اليقين على قدر المعرفة، والمعرفة على قدر التوجه والتصفية، والتوجه تابع للقسمة الأزلية. وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء. ثم إن العلماء بأحكام الله إذا لم يحصل لهم الكشف عن ذات الله يكونون حجة على عباد الله. والعلماء بالله الذين حصل لهم الكشف عن ذات الله حتى حصل لهم الشهود والعيان يكونون حجة على العلماء بأحكام الله. فكما أن الأمة المحمدية تشهد على الناس، والرسول يشهد عليهم ويزكيهم، فكذلك العلماء يشهدون على الناس، والأولياء يشهدون على العلماء، فيزكون من يستحق التزكية، ويردون مَن لا يستحقها؛ لأن العارفين بالله عالمون بمقامات العلماء أهل الظاهر، لا يخفى عليهم شيء من أحوالهم ومقاماتهم، بخلاف العلماء، لا يعرفون مقامات الأولياء، ولا يشمون لها رائحة، كما قال القائل: شعر : تركنا البُحُورَ الزاخِراتِ ورَاءنَا فَمِنْ أينَ يَدْرِي الناسُ أينَ توجَّهْنَا تفسير : قال القشيري: (جعل هذه الأمة خيار الأمم، وجعل هذه الطائفة خيار هذه الأمة فهم خيار الخيار. وكما أن هذه الأمة شهداء على الأمم في القيامة؛ فهذه الطائفة هم المدار وهم القطب وبهم يحفظ الله جميع الأمة. وكل مَن قبلته قلوبهم فهو المقبول، ومن ردَّته قلوبهم فهو المردود. فالحكم الصادق لفراستهم، والصحيح حكمهم، والصائب نظرهم، عصم جميع الأمة من الاجتماع على الخطأ، وعصم هذه الطائفة من الخطأ في النظر والحكم والقبول والرد، ثم إن بناء أمرهم مستند إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل مَن لا يكون له اقتداء بالرسول فهو عندهم مردود، وصاحبه كلا شيء). وبالله التوفيق. ثم ذكر الحق تعالى حكمة نسخ القبلة، فقال: {... وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)} قلت: {جعل} تصييرية، و {القبلة} مفعول أول، و {التي} صفة للمفعول الثاني المحذوف، أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كانت عليها وهي بيت المقدس، ثم وجهناك إلى الكعبة إلا لنعلم الثابت على الإيمان من غيره، أو: وما صيّرنا القبلة الجهة التي كنت عليها بمكة وهي الكعبة، فإنه كان - عليه الصلاة والسلام - يصلي إليها بمكة. وقيل: كان يستقبل بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبينها، كما قال ابن عباس، و {إن} مخففة، واللام فارقة. أي: وإنه، أي: الأمر والشأن: كانت التحويلة لشاقة على الناس، والرأفة: شدة العطف، فهي أبلغ من الرحمة. والله تعالى أعلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: وما نسخنا حكم القبلة وجعلناها الجهة التي كنت عليها بمكة دون التي كانت بالمدينة، وهي بيت المقدس، {إلا لنعلم} علم ظهور وشهادة {من يتبع الرسول} في التحويل إليها {ممن ينقلب على عقبيه} لضعف إيمانه وقلة إيقانه، فإن التحويلة عن القبلة الأولى والرجوع إلى الثانية شاق على النفوس، إلا من سبقت له الهداية وحفت به الرعاية، فإنه يدور مع مراد الله أينما دار، ويتبع رسوله أينما سار. ومن مات قبل التحويل إلى الكعبة فإن الله لا يضيع أجر عمله {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ {إن الله بالناس لروؤف رحيم}. الإشارة: الخروج عن العادات وترك الأمور المألوفات كلاهما شاق على النفوس، إلا على الذين هدى الله، ولذلك كان خرق الوائد هو الفصل بين الخصوص والعموم، ومفتاح لمخازن العلوم والفهوم، فمن لم يخرق عوائد نفسه فلا يطمع أن يدخل حضرة قدسه. "كيف يخرق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد". وهو الميدان الذي تحقق به سير السائرين. "لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين". وهو عند شيوخ التربية ميزان يتميز به من يتبع الرسول ويلزم طريقه إلى الوصول، ممن ينقلب على عقبيه، فمن رأوه خرق عوائد نفسه، زهد في ملبسه وجنسه، تحققوا بدخوله حضرة قدسه، إلا مَن سبق له الحرمان والعياذ بالله من الخذلان، ومن رأوه وقف مع العادات، وركن إلى المألوفات، ومال إلى الرُّخَص والتأويلات، علموا أن مقامه مقام أهل الحجاب، يأخذ أجره من وراء الباب، ولا نصيب له في الدخول مع الأحباب. وأيضاً عند تخالف الآثار وتنقلات الأطوار، يظهر الإقرار من الإنكار. أهلُ الإقرار عارفون في كل حال، يدورون مع رياح الأقدار حيث سارت، ويسيرون معها حيث سارت، وأهل الإنكار جاهلون بالله في كل حال، معترضون عليها عند اختلاف الأحوال، نعوذ بالله من الضلال.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم {لرؤوف} على وزن لرعوف. الباقون {لرؤف} على وزن (فعُل). المعنى: اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وسطاً: أي سماها بذلك وحكم لها به. والوسط: العدل. وقيل الخيار، ومعناهما واحد: وقيل: انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه الى اطرافه. وقيل: بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي، فالحق معه. وقال مؤرج: اي وسط بين الناس وبين انبيائهم وقال زهير: شعر : هم وسط يرضى الانام بحكمهم اذا نزلت احدى الليالي بمعظم تفسير : وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: أمة وسطاً: عدلا. وهو قول مجاهد، وقتادة، والربيع، وابن عباس، واكثر المفسرين. وقال صاحب العين: الوسط من الناس وغيرهم، ومن كل شيء أعدله، وافضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد. قال تعالى {أية : في البحر يبساً} تفسير : والوسط - بتسكين السين - الموضع. والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شيء، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والاخرة، وكذلك واسطة القلادة. واصل الباب الوسط: العدل. وقولهم فلان من اوسطهم نسباً: اي تكلله الشرف من نواحيه. الاعراب: واللام الاولى في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} لام كي، كأنه قال كي تكونوا، واصلها لام الاضافة. واللام في قوله: {وإن كانت لكبيرة} لام تأكيد، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما، كقوله تعالى: {أية : إن الكافرون إلا في غرور }تفسير : وهي لام الابتداء أخرت الى الخبر في باب (ان) خاصة. واما اللام الثالثة في قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} فلام الجحد، واصلها لام الاضافة، والفعل نصب باضمار (أن)، ولا يظهر بعدها (ان)، لان التأويل: ما كان الله مضيعاً ايمانكم، فلما حمل معناه على التأويل، حمل، لفظه ايضاً على التأويل من غير تصريح باظهار (ان). المعنى: فان قيل: باي شيء يشهدون على الناس، قلنا فيه ثلاثة اقوال: احدها - ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال: {أية : وجيء بالنبيين والشهداء } تفسير : وقال {أية : يوم يقوم الأشهاد } تفسير : قال ابن زيد: الاشهاد أربعة الملائكة، والانبياء، وامة محمد (صلى الله عليه وسلم) والجوارح. كما قال: { أية : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}. تفسير : الثاني - يشهدون الانبياء على اممهم المكذبين بانهم بلّغوا. وجاز ذلك لاعلام النبي (صلى الله عليه وسلم) اياهم بذلك. الثالث - {لتكونوا شهداء على الناس} أي حجة عليهم فيما يشهدون، كما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به. والنبي (صلى الله عليه وسلم) وحده كذلك. فأما الامة فجماعتها حجة دون كل واحد منها. واستدل البلخي، والجبائي، والرماني، وابن الاخشاد، وكثير من الفقهاء، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث ان الله وصفهم بانهم عدول، فاذا عدلهم الله تعالى، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في اصول الفقه أنه لا دلالة فيها على ان الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى وصفهم بانهم عدول، وبانهم شهداء وذلك يقتضي ان يكون كل واحد عدلا، وشاهداً، لان شهداء جمع شهيد، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الامة ليس بهذه الصفة، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه، على أن الامة إن أريد بها جميع الامة، فقد بينا ان فيها كثيراً ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز حملها على الجميع. وان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: وهم الأئمة المعصومون من آل الرسول (صلى الله عليه وسلم) على أنالو سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر، فأما الصغائر التي تقع مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، ومتى جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتجّ باجماعهم، لانه لا شيء أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيراً فلا يقدح في عدالتهم، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحاً. وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم. وكيف يجنبون الصغائر، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ قوله: {ويكون الرسول عليكم شهيداً}. قيل في معناه قولان: أحدهما - عليكم شهيداً بما يكون من اعمالكم. وقيل: يكون حجة عليكم. والثاني - يكون لكم شهيداً بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به. وجعلوا (على) بمعنى اللام كما قال: {أية : وما ذبح على النصب } تفسير : اي للنصب. والتشبيه في قوله {وكذلك} وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها: وهي قوله {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فتقديره انعمنا عليكم بالعدالة كما انعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا، كانه قيل: {من يشاء إلى صراط مستقيم} فقد انعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطاً فأنعمنا كذلك الانعام. إلا أن {جعلنا} يدل على انعمنا في هذا الكلام، فلم نحتج الى حذفه معه في قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله {إلا لنعلم} قيل في معناه ثلاثة اقوال: اولها {إلا لنعلم} اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كما يقول الملك فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل: فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم يتولّ ذلك بنفسه. الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجوداً، فقيل على هذا: إلا لنعلم، لانه قبل وجود المعلوم لا يصح وصفه بانه عالم بوجوده. والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل يوجب ذلك، من حيث لو عاملهم بما يعلم انه يكون منهم كان ظلماً لهم. ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب: فليحضر النار والحطب لنعلم أتحرقه أم لا، على جهة الانصاف في الخطاب، لا على جهة الشك في الاحراق. وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد، والرماني. وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجهاً مليحاً: وهو ان قال: قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتّباع، فاما قبل حصوله فانما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح حينئذ ظاهر الاية, وهذا وجه رابع، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا نعلم، لانه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشيء حتى يكون على ان قوله: {لنعلم من يتبع الرسول} لا يدل على حدوث العلم، لانه كان قبل ذلك عالماً بان الاتباع سيوجد، او لا يوجد، فان وجد كان عالماً بوجوده وان لم يتجدد له صفة. وانما يتجدد المعلوم، لان العلم بان الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد. وانما يتغير عليه الاسم، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه، بان يوصف بانّه غد قبل حصوله، فاذا حصل قيل انه اليوم، فاذا تقضى وصف بانه امس، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير. وقوله تعالى: {ممن ينقلب على عقبيه} قيل في معناه قولان: احدهما - ان قوماً ارتدّوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجه الحكمة. والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة إقبال، وخلافها ادبار، لذلك وصف الكافر بانه ادبر واستكبر. وقال {أية : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى } تفسير : أي عن الحق. اللغة: والعقب مؤخر القدم قال ثعلب: ونرد على اعقابنا: أي نعقب بالشر بعد الخير وكذلك رجع على عقبيه. وسميت العقوبة عقوبة لانها تتلو الذنب. والعقبة كرة بعد كرة في الركوب والمشي. والمعقباب: ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار. وعقب الانسان نسله. والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن، يعقب به الرماح. والنعقيب: الرجوع الى امر تريده. ومنه قوله تعالى: {أية : ولم يعقب }تفسير : ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه. واعقب الرأي خبراً، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به. والعقبة طريق في الجبل. وعرو العقاب: الراية لشبهها بعقاب الطائر. واليعقوب ذكر القبسج تشبه به الخيل في السرعة. لا معقب لحكمه أي لا رادّ لقضائه. والمعقب: الذي يتبع الانسان في طلب حق. واصل الباب التلو. المعنى: والضمير في قوله {وإن كانت لكبيرة} يحتمل رجوعه الى ثلاثة أشياء: القبلة على قول ابن عامر. والتحويلة على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهو الاقوى، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة. وعلى قول ابن زيد الصلاة وقوله: {لكبيرة} قال الحسن: معناه ثقيله يعني التحويلة الى بيت المقدس، لان العرب لم تكن قبلة احب اليهم من الكعبة. وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة. فاما الذين هدى الله، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة ما لا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها. وقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} قيل في معناه اقوال: اولها - قال ابن عباس وقتادة والربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف باعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى. وقيل: كيف من مات من اخواننا قبل ذلك، فانزل الله {وما كان الله ليضيع إيمانكم}. الثاني - معناه قال الحسن: وانه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة اتبعه بذكر ما لهم عنده من المثوبة وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه. لان التذكير به يبعث على ملازمه الحق والرضا به. الثالث - قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية الى الكعبة ذكر سبب ذلك الذي استحقوه به وهو ايمانهم بما عملوه اولا فقال: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه الى الكعبة. اللغة: والاضاعة مصدر اضاع يضيع. وضاع الشىء يضيع ضاعة، وضعة تضيعاً. قال صاحب العين: ضيعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع وضاع عمل فلان ضيعة، وضياعاً. وتركهم بضيعة ومضيعة. والضيعه والضياع معروف واصل الضياع الهلاك. وقوله: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} ان قيل: ما الذي اقتضى ذكر هذه الصفة، قلنا الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل بالرأفة والرحمة على التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشيء منه. وانما قدمت الرأفة على الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري على طريقة التقديم - بما هو اعرف - مجرى اسماء الاعلام ثم اتباعه بما هو هون منه ليكون مجموع ذلك تعريفاً أبلغ منه، لو انفرد كل واحد عن الاخر كما هو في الرحمن الرحيم فرؤف على رف فعول، لغه اهل الحجاز. على ورن فعل، لغة غيرهم قال الانصاري: شعر : نطيع نبينا لنطيع ربّاً هو الرحمن كان بنا رؤفا تفسير : وقال حريز: يعني منعمين حقا، كفعل الوالد الرؤوف الرحيم. والرأفة: الرحمة تقول رأف يرأف رأفة. المعنى: واستدل من قال الصلاة: الايمان بهذه الآية، فقالوا: سمى الله الصلوة ايمانا - على تاويل ابن عباس، وقتادة، والسدي والربيع وداود بن ابي عاصم وابن زيد وسعيد بن المنذر وعمرو بن عبيد وواصل وجميع المعتزلة. ومن خالفهم من المرجئة لا يسلم هذا التأويل ويقول: الايمان على ظاهره وهو التصديق ولا ينزل ذلك بقول من ليس قوله حجة، لانهم ليسوا جميع المفسرين بل بعضهم ولا يكون ذلك حجة. واستدل الجبائي بهذه الآية على ان الشاهد هو الحاضر دون من مات، بان قال: لو كان الرسول شاهداً على من مضى قبله أو من يأتي بعده ومن هو حاضر معه لم يكن لقوله {ويكون الرسول عليكم شهيداً} معنى. ويؤكد ذلك قوله {أية : وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم} تفسير : وقال غيره: قد يجوز ان يشهد العالم بما علم وان لم يحضره - وهو الاقوى - وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه، لانه قال {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} فاخبر ان الجاعل لتلك القبلة كان هو تعالى، وانه هو الذي نقله عنها وذلك هو النسخ، فان قيل: كيف أضاف الايمان الى الاحياء وهم كانوا قالوا: كيف بمن مضى من اخواننا قلنا يجوز ذلك على التغليب، لان من عادتهم ان يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر على المؤنث تنبيهاً على الاكمل، فيقولون: فعلنا بكما وبلغنا كما، وان كان احدهما حاضراً والاخر غائباً، فان قيل كيف جاز على اصحاب النبي صلى الله وآله الشك فيمن مضى من اخوانهم فلم يدروا انهم كانوا على حق في صلاتهم الى بيت المقدس؟ قيل في ذلك: كيف اخواننا لو ادركوا الفضل بالتوجه، وانهم أحبوا لهم ما احبوا لانفسهم. ويكون قال ذلك منافق بما فيه الرد على المخالفين المنافقين.

الجنابذي

تفسير : {وَكَذَلِكَ} اى مثل هداية الله لكم الى الايمان بالله تعالى والمنزل على ابراهيم واسماعيل ومثل الهداية الى الصّراط المستقيم المستفاد من السّابق، ولذا أتى بأداة العطف كأنّه قال: هديناكم الى الايمان بالله وبما أنزل والى الصّراط المستقيم وكذلك {جَعَلْنَاكُمْ} الخطاب للائمّة (ع) وآل الرّسول بحسب مقام رسالته وهم الائمّة (ع) والاتباع الّذين صاروا منهم بقوّة متابعتهم {أُمَّةً} الامّة تطلق على من يؤمّ شخصاً آخر واحداً كان او جماعةً وتطلق على من يؤتمّ به واحداً كان ام جماعةً، وفى اللّغة الامّة بالضمّ الرّجل الجامع للخير والامام وجماعة أرسل اليهم رسولٌ والجماعة من كلّ حىٍّ والجنس ومن هو على جين الحقّ والعالم، ومن الرّجل قومه؛ والامّة هاهنا امّا بمعنى الآئمّة او بمعنى الآمّين {وَسَطاً} متوسّطة بين المفرطين والمفرّطين كما ورد: نحن النمرقة الوسطى بنا يلحق التّالى والينا يرجع الغالى {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} وهذا يدلّ على انّ المراد بالامّة الأئمّة (ع) ومن يحذو حذوهم من مشايخهم نسب الى الباقر (ع) انّما أنزل الله وكذلك جعلناكم ائمّة وسطاً لتكونوا شهداء على النّاس ويكون الرّسول شهيداً عليكم، قال: ولا يكون شهداء على النّاس الاّ الأئمّة الرّسل فأمّا الامّة فانّه غير جائز ان يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته فى الدّنيا على حزمة بقلٍ. ونسب اليه (ع) وأيم الله لقد قضى الامر ان لا يكون بين المؤمنين اختلاف ولذلك جعلهم شهداء على النّاس ليشهد محمّد (ص) علينا، ولنشهد على شيعتنا، وليشهد شيعتنا على النّاس، والشّهداء جمع الشّهيد وقد يكسر شينه بمعنا الحامل للشّهادة او المؤدّى لها فيكون فعيل بمعنى الفاعل والشّهيد بمعنى القتيل فى سبيل الله فهو فعيل بمعنى المفعول لانّه مشهودٌ عليه يعنى حضرته الملائكة او شهد الله عليه وملائكته الجنّة {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} والمراد بالشّهادة عليهم اظهار ما هم عليه من الخير والشّرّ فتكون اعمّ من الشّهادة عليهم ولهم وانّما عدّى العبارة بعلى للاشعار بأنّ شهادتهم ليست كشهادة النّاس بعضهم على بعضٍ بل الشّهادة هناك عبارة عن احاطة الشّاهد بالمشهود عليه وله واظهاره ما للمشهود عليه وما عليه، لا الأخبار باللّسان فقط وان كان لهم هناك اخبار بلسان موافق لذلك العالم وهذا لا يكون الاّ باستيلاء الشّاهد المستفاد من لفظ على {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} يعنى بيت المقدّس كنت عليها مدّة اربع عشرة سنة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} يرتدّ عن دين محمّدٍ (ص) بعد التديّن به، شبّه المرتدّ عن الدّين بمن يرجع القهقرىٰ، واسناد العلم بنحو الحدوث فى المستقبل او فى الحال الى الله امّا باعتبار مظاهره وخلفائه او باعتبار العلم الّذى هو مع المعلوم لا العلم الّذى هو قبل المعلوم كما نسب الى الامام (ع) انّه قال يعنى الاّ لنعلم ذلك منه وجوداً بعد ان علمناه سيوجد واتّصاف العلم الّذى هو مع المعلوم بالحدوث انّما هو باعتبار تعلّق معلومٍ به لا باعتبار انتسابه الى العالم فانّ الواجب بالذّات واجب من جميع الجهات، او المعنى الاّ ليظهر علمنا او لتميّز، وقوله تعالى {مِمَّن يَنقَلِبُ} دليل هذا المعنى فانّ لفظة من هاهنا هى الّتى تستعمل بعد التميّز فان كان نزول الآية قبل صرفهم الى الكعبة كان المعنى وما جعلنا القبلة الّتى كنت عليها فى مكّة الاّ لنعلم من يتّبع الرّسول ومن يتّبع الهوى فانّ أهل مكّة لآلفهم الى مكّة كان هواهم فى الكعبه، وان كان بعد صرفهم الى الكعبة يحتمل ان يراد بالقبلة الكعبة وبيت المقدّس نسب الى الامام (ع) انّه قال: وذلك انّ هوى أهل مكّة كان فى الكعبة فأراد الله تعالى ان يبيّن متّبع محمّدٍ (ص) ممّن خالفه باتّباع القبلة الّتى كرهها ومحمّد (ص) يأمر بها، ولمّا كان هوى أهل المدينة فى بيت المقدّس امرهم بمخالفتها والتّوجّه الى الكعبة لتبيّن انّ من يوافق محمّداً فيما يكرهه فهو مصدّقه وموافقه {وَإِن كَانَتْ} القبلة الّتى كنت عليها او الصّلاة الى تلك القبلة فى ذلك الوقت {لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} لا على الّذين بايعوا محمّداً (ص) لأغراض نفسانيّةٍ من دون هداية من الله، ولفظة ان مخفّفة من المثقّلة {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} اى صلاتكم سمّى الصّلاة ايماناً لأنّها أعظم آثاره وبدونها لم يكن الايمان ايماناً {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تعليلٌ للسّابق والرّأفة كالرّحمة لفظاً ومعنًى لكنّها هنا أشدّ الرّحمة او أرقّها او الاثر الظّاهر من الرّحمة وفى حديثٍ: قال المسلمون للنّبىّ بعد ما انصرف الى الكعبة ارأيت صلواتنا الّتى كنّا نصلّى الى بيت المقدّس ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا وهم يصلّون الى بيت المقدّس فأنزل وما كان الله ليضيع ايمانكم.

فرات الكوفي

تفسير : {وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكونوا شُهَداءَ عَلى الناسِ وَيَكون الرَسول عَلَيْكم شَهيداً 143} و [بالسند المتقدم] قوله تعالى: {وكذلك...} قال: نحن أمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه. فرات قال: حدثني الحسين (الحسن) بن العباس وجعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي قالا: حدثنا الحسن بن الحسين عن عمرو بن أبي المقدام عن ميمون البان مولى بني هشام: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تعالى: {وكذلك...} قال أبو جعفر: منّا شهيد على كل زمان: علي بن أبي طالب في زمانه والحسن في زمانه والحسين في زمانه، وكلّ مَنْ يدعو منّا إلى أمر الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ جَعلْناكُم أمةً وَسَطاً}: أى كما هديناكم إلى الصراط المستقيم جعلناكم يا أمة محمد أمة خيارا عدولا بالعلم والعمل، أو كما جعلنا قبلتكم أفضل القبل، جعلناكم أمة خياراً عدولا، أو كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، جعلناكم أمة خيارا عدولا، وعلى الوجه خاصة يكون التعبير عن قولك خيارا عدولا بقوله: {وسطا} لوقوع ذلك فى صحبة لفظ متوسطة بين المشرق والمغرب تقديرا، أو كما اصطفيناه فى الدنيا، يعنى إبراهيم، فى قوله: {ولقد اصطفيناه فى الدنيا}، جعلناكم أمة وسطا، والواو للاستئناف أو للعطف على محذوف، أى أنتم ممن هداه إلى الصراط المستقيم، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أو هديناكم وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أو جعلنا قبلتكم الكعبة، أو أفضل قبلة، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أى كما جعلنا قبلتكم كذلك، أو جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، أى كما وسطناها، أو للعطف على اصفيناه المذكور، أى ولقد اصطفيناه فى الدنيا، وجعلناكم أمة وسطا كذلك، وأصل الوسط المكان استوت إليه الجوانب المفروضة قريبة أو بعيدة المتساوية، بحيث لا يكون بعضها أقرب إليه من بعض، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفى إفراط وتفريط، فالإفراط المبالغة جدا، والإسراف والتفريط التقصير جدا والإخلال، وذلك كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة فى احتراز وتحفظ بين الشجاعة والجبن. ثم أطلق على المتصف بالخصال المحمودة، قال زهير: شعر : همو وسط يرضَى بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالى بمعظم تفسير : فالمعنى جعلناكم أمة غير غالية فى الدين ولا مقصرة، لا كغلو النصارى فى عيسى واليهود فى عزير، إذ جعلوهما إلهين، ولا كتقصير اليهود فى الدين بالتحريف والتبديل. قال الزمخشرى: قيل الخيار وسط، لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأعوار والوسط محمية محوطة ومنه قول الطائى: شعر : كانت هى الوسط المحمىُّ فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا تفسير : قال: ويجوز أن يكون وسطا بمعنى عدول، لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. انتهى. وسبب نزول الآية أن رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإنما قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا أعدل الناس. فقال معاذ: إنا على حق وعدل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروى أبو سعيد الخدرى عن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : ألا وإن هذه الأمة توفى سبعين أمة هى آخرها وخيرها وأكرمها على الله تعالى"، تفسير : والآية تدل على أن الإجماع حجة، لأنه لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لاختلت به عدالتهم، قاله القاضى. وفى رواية عنه، صلى الله عليهِ وسلم، تفسير الوسط بالعدول، ووسط القلادة أنفس حجر فيها. {لِتكُونُوا شُهداءَ علَى النَّاس}: على الأمم قبلكم، وعلى تبليغ الرسالة، لأن الله جل وعلا قد أخبرنا فى القرآن الكريم أن الرسل بلغت الرسالة إلى أممهم، وأن أممهم كذبتهم إلا من استثنى. {ويكُونَ الرّسولُ}: محمد صلى الله عليه وسلم. {عليكُم شَهيداً}: أى شهيداً لكم بشهادة الخير، فعلى بمعنى اللام أو للاستعلاء المجازى، لأن فى الشهادة للإنسان استيلاء عليه بالإخبار عنه وعن أحواله، ولأن الشهيد رقيب على المشهود عليه. قال الله، جل وعلا: {أية : واللهُ عَلَى كُلِّ شئٍ شهيدٌ}، {أية : كُنت أنتَ الرَّقيبَ عَليهم وأنْت علَى كلِّ شئ شهيد}، تفسير : روى أن الله عز وجل يجمع الأولين والآخرين فى صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير، فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الله جل جلاله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغناهم، فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة الحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فيشهدون لهم بأنهم قد بلغوا فتقول لهم الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولا، وأنزلت عليه كتاباً أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد، صلى الله عليه وسلم، فيسأله عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. وروى البخارى هذا بمعناه، ولفظ البخارى عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجاءُ بنوح وأمته يوم القيامة فيقال لهُ: هل بلغت؟ فيقول: نعم ربى. فيسأل أمته فيقول: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيجاء بكم فتشهدون" تفسير : ثم قرأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم: {وكذلكَ جعلْناكُم أُمةً وسَطاً لتكونُوا شهداء على النَّاس ويكُون الرّسولُ عليْكُم شهيداً} ورواه الترمذى وزاد وسطا. قال عدلا وذلك فى نوح، ويقاس عليه غيره، بل يدل على غيره الحديث السابق، وما رواه البخارى وابن ماجه وابن المبارك فى رقائقه وغيرهم أن أمته، صلى الله عليه وسلم، تشهد لكل نبى ناكره قومه، ومن أنكر التبليغ من أمة محمد، صلى الله عليهِ وسلم، قيلت عليه شهادته، صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الناس فى الآية جميع الأمم حتى هذه الأمة. كما قال القاضى: تشهدون بذلك على معاصريكم، وعلى الذين قبلكم وبعدكم، وظاهر الآية ما قلت: وقيل: لتكونوا شهداء فى الدين فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول، ويجوز أن تكون على بظاهرها من المضرة بمعنى أنه، صلى الله عليه وسلم، يشهد على أمته بأنه بلغها الرسالة، وأنهُ لم يتبعه من لم يتبعه. قال الشيخ هود: ويكون الرسول عليكم شهيداً على أنه قد بلغ رسالة ربه إلى أمته، وعلى ما قلته يكون تقديم قوله عليكم لحصر الصفة على الموصوف حصر إفراد. {وَمَا جَعلْنا القِبْلَةَ الّتى كُنْتَ عَليْها}: وهى الكعبة، و {كنت عليها} ثبت عليها الآن وليس إخبار عن ماض منقطع، فذلك كقوله تعالى: {أية : كنتم خير أمةٍ}،تفسير : والمعنى التى أنتم عليها، وأنتم خير أمة، ونكتة التعبير بكان الإشارة إلى حدوث ذلك قبل زمان الحال وثبوته قبلة، ولو استمر إليه، وهذا هو الوجه الذى يظهر لى، ثم رأيته والحمد لله قولا مرويّاً على ابن عباس. وقيل المعنى كنت عليها قبل الهجرة، ثم انقطعت عنها بعدها، وهى الكعبة أيضا كان يصلى إليها قبل الهجرة، لكنه قيل كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس، ولما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود، كما روى عن ابن عباس كان قبلته بمكة بيت المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه. وقال قتادة وغيره: القبلة بيت المقدس كان يصلى إليها، ثم رجع إلى الكعبة، والقبلة مفعول أول، والتى مفعول ثان، أى وما جعلنا القبلة هى القبلة التى، أو الجهة التى، أو القبلة مفعول ثان، والتى مفعول أول، أى وما جعلنا الجهة التى كنت عليها القبلة، أو القبلة مفعول أول، ولنعلم مفعول ثان، أى إلا ثانية لعلم بناء على جواز الإخبار بمتعلق حرف التعليل، وقد منعه بعض، وقيل تقدير المفعول الثانى إلا فتنة لنعلم فحذف المستثنى، ويجوز تقديره هكذى، وما جعلنا القبلة التى كنت عليها قبلة إلا لنعلم، وإذا لم نجعل التى أحد المفعولين، فهو نعت القبلة، ويجوز أن يكون جعلنا بمعنى أثبتنا كما يستعمل الجعل بمعنى الخلق، فيتعدى لواحد والتى نعت. {إلاَّ لِنعْلَم مَنْ يتّبع الرسُول}: فى الصلاة إليها مصدقا له فى جميع ما يأمر بهِ، وما ينهى عنهُ، والرسول ظاهر فى موضع المضمر، والأصل إلا لنعلم من يتبعك، والله سبحانهُ وتعالى عالم بكل شئ إجمالا وتفصيلا فى الأزل بلا أول، وإنما قال: لنعلم، لأن المراد علم اتباع التبع حال اتباعه، وعلم عدم اتباع من كفر حال تركه الاتباع، فإن العلم بالشئ حال وقوعه نفيا أو إثباتاً غير علمهِ قبل وقوعه، ألا ترى أنك لو قلت علم الله أنه وقع كذا وكذا، ولم يقع كان نفصاً وصفتهُ تعالى به مع أنه لا يقع شئ إلا على وفق القضاء والعلم الأزلى، فكأنه قيل إلا ليتعلق علمنا بالمتبع، وهو موجود متبع، وبالتارك، وهو موجود غير متبع، وللمتبع الجزاء على اتباعه وعلى التارك العقاب على تركهِ، وقيل المراد ليعلم رسوله والمؤمنون من يتبع الرسول، ولهذا القول احتمالان: أحدهما أنه أسند علمهم لنفسه لأنهم خاصة، كما يسند الأمير أفعال رعيته لنفسهِ، يقول بنيت كذا وكذا، وغزوت بلد كذا وكذا، وما بنى وما غزى، ولكن رعيتهُ. والثانى تقدير مضاف، أى ليعلم جندنا أو حزبنا أو خاصتنا أو أهلنا، والمراد بذلك كله النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، ويجوز أن يكون نعلم بمعنى نميز للناس، أو للنبى من يتبع الرسول. وهو النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وذلك أن تمييز الشئ وإظهاره من غيره لأحد أو لشئ مسبب عن العلم به، والعلم به سبب له، وهذا كما قال جلا وعلا: {أية : ليَميزَ الله الخَبيثَ من الطَّيب} تفسير : إلا أنه قدم الطيب هنا، ويدل قبل لهذا قراءة من قرأ إلا ليعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول، وليست متعينة عندى للدلالة له لجواز أن يراد ليعلم الله بالوجه الأول، وبالقول الثانى باحتماليه، وعلى قراءة نعلم بالنون، وقراءة يعلم بالمثناة التحتية والبناء للمفعول رفق بعباده، إذ أسند علم معائبهم لنفسه، أو أراد لتعلموا بعد جهل فأسند العلم لنفسه رفقاً بالمخاطبين. وأما أن يقال إلا لنعلم بمعنى إلا لعلمنا السابق، فلا يجوز، لأن أن تخلص المضارع للاستقبال وعلى كل حال، فالآية تدل على أن أمر القبلة امتحان وفتنة للناس، وأن أصل القبلة الكعبة إذ صرفه الله عنها ليظهر من كفار قريش أنهم لا يتبعونه فى الصلاة إلى بيت المقدس، إذ لم يألفوا إلا الكعبة ولما صلى بالمدينة إلى بيت المقدس قالوا رغب عن قبلة آبائه وآبائنا، وقال الضحاك: ليظهر من اليهود أنهم لا يتبعون محمداً، صلى الله عليه وسلم، فى دينه، إذ قالوا: لو صلى محمد إلى قبلتنا بيت المقدس لآمنا به، فصرفه الله إلى بيت المقدس ولم يؤمنوا، وقد علم الله أنهم لا يؤمنون، ويجوز أن يراد ليظهر من قريش ما يظهر، ومن اليهود ما يظهر، وليظهر من اليهود والمنافقين ما ظهر، وهو أنهم قالوا: لو كان رسولا ما ترك قبلة إبراهيم وكذبوا، إذ قبلة إبراهيم عليه السلام الكعبة، وقالوا ترك بيت المقدس اشتياقاً لبلده، وقالوا: لو كان نبيا ما تردد فى القبلة، وأكثروا فى ذلك حتى ارتاب بعض المؤمنين فنزلت الآية مبينة أن صرفه إلى بيت المقدس بعد الكعبة، أو صرفه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أو كل ذلك إنما هو للامتحان، وما كان لعارض يزول بزواله، فلما امتحنوا باستقباله بيت المقدس فلم يؤمنوا رجع لأصله وهو الكعبة، والعلم بمعنى المعرفة، فمن موصولة للعموم مفعول للعلم، ولا ينصب مفعولا ثانيا، وهذا على القول الثانى وغيره، لا على الوجه الأول، إذ لا يقال الله عارف، ولا عرف الله كذا، لأن المعرفة الإدراك المسبوق بالجهل، والله منزه عنه، وقيل يجوز إطلاق المعرفة فى حقه، مثل أن تقول يعرف الله كذا، على أنها بمعنى عدم الجهل بلا قيد سبق الجهل فتحد فى صفة الله على العلم الذى لا جهل قبله، وقد قال التفتزانى إنها استعملت صفة الله تعالى فى كلام رسوله، صلى الله عليه وسلم، والصحابة وأهل اللغة، ويجوز أن يكون العلم على أصله وله مفعولان، هما من يتبع الرسول على أن من استفهامية مبتدأ، ويتبع خبر، والجملة سدت مسد مفعولى نعلم معلقا بالاستفهام، أو هما من ومتعلق ممن ينقلب على أن من موصولة، ويتبع صلته أى إلا لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب، وإن قلت فعلى وجه الاستفهام والتعليق فيم يتعلق ممن قلت يجوز تعليقه بمحذوف حال من المستتر فى يتبع ولا بيتبع لأنه لا يصح المعنى معه ولا بنعلم لكون ما بعد الاستفهام لا يتعلق بما قبله. {مِمَّن ينْقلبُ علَى عَقِبيْه}: يرجع إلى ورائه، والمراد الرجوع إلى الشرك بالزيادة فيه، كحال اليهود والمنافقين ومشركى قريش، لأنه كلما نزل من الله جل جلاله أمر فأنكروه، فإن إنكاره زيادة كفر، والرجوع إلى الشرك بعد الخروج منه، كما روى أن جماعة ممن آمنوا شكوا فى الدين وظنوا أن محمداً فى حيرة من أمره حيث كان يستقبل بيت المقدس، ثم تركه واستقبل الكعبة، أو الرجوع إلى الشرك مطلقاً سواء بالزيادة منه أو بالرجوع إليه بعد الخروج منه، واستعار للرجوع إلى الشرك الانقلاب على العقبين، وهما مؤخرا القدمين، استعارة مركبة، فإن أسوأ حالات الراجع الرجوع على العقب. وقرأ ابن أبى إسحاق على عقبيه بإسكان القاف تخفيفاً، وكانت العرب لا قبلة أحب إليها من الكعبة، وصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة إلى بيت المقدس مدة إقامته فيها، وصلت الأنصار نحو بيت المقدس عامين قبل قدوم النبى، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة، وصلى بعد قدومه إليه ستة عشر شهراً، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال قائلون: ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها، لقد اشتاق الرجل إلى مولده، فروى أنهُ لما تحولت القبلة إلى الكعبة ارتد قوم إلى اليهودية، وقالوا رجع محمد إلى دين آبائه. {وإنْ كانَتْ لَكَبيرةً}: إن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، أى وإنه، أو ضمير القصة، أى وإنها، واستحسن هذا حيث كان المسند إليه بعده مؤنثا، ويجوز مرجوحاً تقدير اسمها ضمير المؤنث الراجع إليه ضمير كانت، واللام فى (لكبيرة) فارقة بين إن النافية والمخففة صارفة لها إلى المخففة، وتسمى تلك اللام أيضا فاصلة، وقال الكوفيون: إن نافية واللام بمعنى إلا، وضمير كانت عائد إلى القبلة أو إلى الجملة أو الردة أو التحويلة أو التولية المفهومات من قوله عز وجل: {وما جَعَلنا القبلة التى كنت عليها} ومعنى كبيرة شاقة. وقرأ اليزيدى برفع كبيرة على أنه خبر لمحذوف، أى لهى كبيرة، والجملة خبر كانت، وقيل كبيرة بالرفع خبر إن، وكانت زائدة، واعترض بأن كان الزائدة لا تعمل فى شئ، فيجاب بأنها قد عملت فى قوله: شعر : وجيران لنا كانوا كرام تفسير : فكان وضميره زائدان. {إلاَّ علَى الَّذينَ هَدَى الله}: منهم إلى حكمة الأحكام الصادقين فى إتباع محمد رسول الله صلى الله عليهِ وسلم، الثابتين على الإيمان والأحكام، ولما تحولت القبلة كان من قول اليهود يا محمد إن كانت الأولى حقا فأنت الآن مبطل، وإن كانت هذه حقاً فكنت فى الأولى على ضلال، فوجمت نفوس بعض المؤمنين، وأشفقوا على من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة، فنزل قوله تعالى: {ومَا كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُم}: قال ابن عباس وغيره، وذكره البخارى ومسلم، وروى أن حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها من مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة. فقال المسلمون وقد أرشدهم الله تبارك وتعالى: إنما الهدى فيما أمرهم الله به، والضلالة فيما نهى الله عنه، فقال حيى وأصحابه: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وقد مات قبل أن تحول أبو إمامة أسعد بن زرارة من بنى النجار، والبراء بن معرور من بنى سلمة، وكانا من النقباء، ورجال آخرون، فانطلقت عشائرهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزل: {ومَا كانَ اللهُ لِيُضيعَ إيمانَكُم} أى صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يجازيكم عليه بالرضوان والجنة، من حيى ومن مات، وسمى الصلاة إيماناً لأنها على مقتضى الإيمان، وصادرة عنه وتزيد فيه، ولأن الإيمان قطب تدور عليه الأعمال والصلاة منه ركن عظيم، فذكرها به إذ كان هو الأصل، قبل ولئلا يندرج فى اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فإن الصلاة يأتى بصورتها المنافقون، بخلاف الإيمان الذى هو تصديق بالقلب، فإنه لا يأتى به من أصر على الكفر، والشك فى دين الله، وأيضاً الصلاة من شعب الإيمان، وما بين العبد والكفر إلا تركها، وما ذكرت من تفسير الإيمان بالصلاة مذهب بعض أصحابنا وجمهور المفسرين، ورواية ابن القاسم فى العتبية عن مالك، ورواية عن الحسن البصرى، واختاره الشيخ هود ـ رحمه الله ـ ويظهر لى وجه آخر وهو إبقاء الإيمان على معنى التصديق بالقلب، أى ما كان الله ليضيع إيمانكم بالله ورسوله، وما أمر به وما نهى عنه، وذلك شامل للإيمان بالصلاة إلى بيت المقدس أنها حق، أو ما كان الله ليضيع إيمانكم بفرض الصلاة إلى بيت المقدس، أو ما كان الله ليضيع ملازمتكم إيمانكم، ومثل هذه الأوجه ما روى عن الحسن أن المعنى محفوظ إيمانكم عند الله، حيث أقررتم بالصلاة إلى بيت المقدس، ويحتمل هذا المروى عنه الرواية الأولى عنه، ووجه آخر أن يكون المراد: ما كان الله ليضيع إيمانكم الذى اختار لكم بترك تحويلكم إلى الكعبة، فإن تحويلكم حكمة تناسب دين الإسلام، فلو ترككم بلا تحويل لكان مفسدة وتضييعاً للإيمان الذى اختار لكم، فكان ترك عدم التحويل عدم تضييع له فافهمه، فإنه سهل بإذن الله، وقرئ وما كان الله ليضيع إيمانكم بفتح الضاد وكسر الياء مشددة. {إنَّ اللهَ بالنّاس لَرَءوف رحِيمٌ}: بالناس متعلق برءوف وبرحيم ويقدر للآخر مثله بالإظهار أو بالإضمار، لا على التنازع فى المقدم على الصحيح، والأولى تعليقه برءوف، واللام فى خبر إن لا نمنع من تقدم معمول مدخولها، أو معمول ما فى حيز مدخولها عليها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً كما هنا، والمعنى: إن الله لرءوف بالناس المؤمنين، رحيم بهم، فلا يضيع أجور إيمانهم وأعمالهم، ولا يترك صلاحهم، والرأفة أشد الرحمة، فهى أبلغ من الرحمة وأخص، فالرحمة أعم فإنما لم تقدم الرحمة مع أنها أعم، مراعاة للفاصلة، لأنها مختومة بالميم قبلها حرف المد فى قوله مستقيم، وبالنون الشبيهة بالميم قبلها حرف المد بعد ذلك، وقيل ذلك، ولا تقابل الواو أو الياء بالألف، ومقابلة الميم بالميم أولى من مقابلتها بالنون، فالأولى جعل لفظ رحيم مقابلا لمستقيم لا لما بعده، وقيل الرأفة والرحمة مترادفان على معنى الإنعام فى حق الله تعالى، وقيل الرأفة إزالة المضرة، والرحمة الإنعام، فهما معنيان متغايران لا ترادف بينهما ولا خصوص ولا عموم، ورءوف فى جميع القرآن بهمزة ممدودة بالواو عند نافع وابن كثير. وابن عامر وحفص، وقرأ الباقون فى جميعه بلا واو. والله أعلم. وروى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يحب أن يأمره الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة فى الصلاة، لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد فى ديننا ويتبع قبلتنا، وقالوا كما روى عن مجاهد: ما علم محمد دينه حتى اتبعنا فقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: "حديث : وددت لو حولنى الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبى إبراهيم، إلى متى نصلى إلى قبلة اليهود وددت أن الله صرفنى عن قبلة اليهود إلى غيرها"، فقال جبريل عليه السلام: "إنما أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فاسأل أنت ربك فإنك عند الله بمكان". ثم عرج جبريل وجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، تفسير : فأنزل الله تبارك وتعالى: {قدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِك...}

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} اعتراض بين كلامين متصلين وقعا خطاباً له صلى الله عليه وسلم استطراداً لمدح المؤمنين بوجه آخر أو تأكيداً لرد الإنكار بأن هذه الأمة وأهل هذه الملة شهداء عليكم يوم الجزاء وشهاداتهم مقبولة عندكم فأنتم إذاً أحق باتباعهم والاقتداء بهم فلا وجه لإنكاركم عليهم، وذلك إشارة إلى الجعل المدلول عليه ـ بجعلناكم ـ وجيء بما يدل على البعد تفخيماً. والكاف مقحم للمبالغة وهو إقحام مطرد ومحلها في الأصل النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، وأصل التقدير ـ جعلناكم أمة وسطاً ـ جعلاً كائناً مثل ذلك الجعل فقدم على الفعل لإفادة القصر، وأقحمت الكاف فصار نفس المصدر المؤكد لا نعتاً له أي ذلك الجعل البديع جعلناكم لا جعلاً آخر أدنى منه كذا قالوا، وقد ذكرنا قبل أن (كذلك) كثيراً ما يقصد بها تثبيت ما بعدها وذلك لأن وجه الشبه يكون كثيراً في النوعية والجنسية كقولك ـ هذا الثوب كهذا الثوب ـ في كونه خزاً أو بزاً، وهذا التشبيه يستلزم وجود مثله وثبوته في ضمن النوع فأريد به على طريق الكناية مجرد الثبوت لما بعده، ولما كانت الجملة تدل على الثبوت كان معناها موجوداً بدونها وهي مؤكدة له فكانت كالكلمة الزائدة، وهذا معنى قولهم إن الكاف مقحمة لا أنها زائدة كما يوهمه كلامهم، وأما استفادة كون ما بعدها عجيباً فليس إلا لأن ما ليس كذلك لا يحتاج لبيان فلما اهتم بإثباته في الكلام البليغ علم أنه أمر غريب، أو لحمل البعد المفهوم من ذلك على البعد الرتبـي، ومن الناس من جعل {كَذٰلِكَ} للتشبيه ـ بجعل ـ مفهوم من الكلام السابق أي مثل ما جعلناكم مهديين، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل ـ جعلناكم أمة وسطاً ـ ويرد على ذلك أن المحل المشبه به غير مختص بهذه الأمة لأن مؤمني الأمم السابقة كانوا أيضاً مهتدين إلى صراط مستقيم، وكانت قبلة بعضهم أفضل القبل أيضاً، والجعل المشبه مختص بهم فلا يحسن التشبيه على أنهم لا يفهم من السابق سوى أن التوجه إلى كل واحد القبلتين في وقته ـ صراط مستقيم والأمر به في ذلك الوقت هداية ولا يفهم منه أن قبلتهم أفضل القِبَلِ، والناسخ لا يلزم أن يكون خيراً من المنسوخ اللهم إلا أن يكون مراد القائل ـ كما جعلنا قبلتكم الكعبة التي هي أفضل القبل في الواقع جعلنا ـ إلا أنه على ما فيه لا يحسم الإيراد كما لا يخفى. ومعنى: {وَسَطًا} خياراً أو عدولاً وهو في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه ـ كالمركز ـ ثم استعير للخصال المحمودة البشرية لكونها أوساطاً للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين الجبن والتهور، والحكمة بين الجربزة والبلادة، ثم أطلق على المتصف بها إطلاق الحال على المحل واستوى فيه الواحد وغيره لأنه بحسب الأصل جامد لا تعتبر مطابقته، وقد يراعى فيه ذلك وليس هذا الإطلاق مطرداً كما يظن من قولهم: خير الأمور الوسط إذ يعارضه قولهم ـ على الذم أثقل من مغن وسط ـ لأنه كما قال الجاحظ يختم على القلب ويأخذ بالأنفاس وليس بجيد فيطرب ولا بردىء فيضحك، وقولهم: أخو الدون الوسط بل هو وصف مدح في مقامين في النسب لأن أوسط القبيلة أعرقها وصميمها، وفي الشهادة كما هنا لأنه العدالة التي هي كمال القوة العقلية والشهوية والغضبية أعني استعمالها فيما ينبغي على ما ينبغي، ولما كان علم العباد لم يعط إلا بالظاهر أقام الفقهاء الاجتناب عن الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر مقام ذلك ـ وسموه عدالة ـ في إحياء الحقوق فليحفظ. وشاع عن أبـي منصور الاستدلال بالآية ـ على أن الإجماع حجة إذ لو كان ما اتفقت عليه الأمة باطلاً لانثلمت به عدالتهم وهو مع بنائه على تفسير الوسط بالعدول وللخصم أن يفسره بالخيار فلا يتم إذ كونهم خياراً لا يقتضي خيريتهم في جميع الأمور فلا ينافي اتفاقهم على الخطأ ـ لا يخلو عن شيء، أما أولاً: فلأن العدالة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد إذ لا فسق فيه كيف والمجتهد المخطىء مأجور، وأما ثانياً: فلأن المراد كونهم (وسطاً) بالنسبة إلى سائر الأمم، وأما ثالثاً: فلأنه لا معنى لعدالة المجموع بعد القطع بعدم عدالة كل واحد، وأما رابعاً: فلأنه لا يلزم أن يكونوا عدولاً في جميع الأوقات بل وقت أداء الشهادة وهو يوم القيامة، وأما خامساً: فلأن قصارى ما تدل عليه بعد اللتيا والتي حجية إجماع كل الأمة أو كل أهل الحل والعقد منهم وذا متعذر، ولا تدل على حجية إجماع مجتهدي كل عصر والمستدل بصدد ذلك. وأجيب عن الأول والثاني بأن العدالة بالمعنى المراد تقتضي العصمة في الاعتقاد والقول والفعل وإلا لما حصل التوسط بين الإفراط والتفريط وبأنه عبارة عن حالة متشابهة حاصلة عن امتزاج الأوساط من القوى التي ذكرناها فلا يكون أمراً نسبياً، وعن الثالث: بأن المراد أن فيهم من يوجد على هذه الصفة، فإذا كنا لا نعرفهم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماعهم كيلا يخرج من يوجد على هذه الصفة ـ لكن يدخل المعتبرون في اجتماعهم ـ ومتى دخلوا وحصل الخطأ انثلمت عدالة المجموع. وعن الرابع: بأن {جَعَلْنَـٰكُمْ} يقتضي تحقق العدالة بالفعل، واستعمال الماضي بمعنى المضارع خلاف الظاهر. وعن الخامس: بأن الخطاب للحاضرين ـ أعني الحصابة كما هو أصله ـ فيدل على حجية الإجماع في الجملة، وأنت تعلم أن هذا الجواب الأخير لا يشفي عليلاً ولا يروي غليلاً، لأنه بعيد بمراحل عن مقصود المستدل، على أن من نظر بعين الإنصاف لم ير في الآية أكثر من دلالتها على أفضلية هذه الأمة على سائر الأمم، وذلك لا يدل على حجية إجماع ولا عدمها، نعم ذهب بعض الشيعة إلى أن الآية خاصة بالأئمة الإثني عشر، ورووا عن الباقر أنه قال: نحن الأمة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجته في أرضه، وعن علي كرم الله تعالى وجهه: نحن الذين قال الله تعالى فيهم: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} وقالوا: قول كل واحد من أولئك حجة/ أفضلاً عن إجماعهم، وأن الأرض لا تخلو عن واحد منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ولا يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد. {لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ} أي سائر الأمم يوم القيامة بأن الله تعالى قد أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا وهو غاية ـ للجعل ـ المذكور مترتبة عليه. أخرج الإمام أحمد وغيره عن أبـي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجيء النبـي يوم القيامة ومعه الرجل والنبـي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }»تفسير : وفي رواية: «حديث : فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم» تفسير : وذلك قوله عز وجل: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وكلمة الاستعلاء لما في ـ الشهيد ـ من معنى الرقيب، أو لمشاكلة ما قبله، وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الثاني: اختصاصهم ـ بكون الرسول شهيداً عليهم ـ وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ويزكيكم ويعلم بعدالتكم، والآثار لا تساعد ذلك على ما فيه. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا} وهي صخرة بيت المقدس، بناءاً على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قبلته صلى الله عليه وسلم بمكة كانت بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة ـ بل يجعلها بينه وبينه ـ و {ٱلَّتِى} مفعول ثان ـ لجعل ـ لا صفة (القبلة) والمفعول الثاني محذوف أي (قبلة) كما قيل. وقال أبو حيان: إن ـ الجعل ـ تحويل الشيء من حالة إلى أخرى، فالمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، كما في ـ جعلت الطين خزفاً ـ فينبغي أن يكون المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة وهو المنساق إلى الذهن بالنظر الجليل، ولكن التأمل الدقيق يهدي إلى ما ذكرنا لأن القبلة عبارة عن الجهة التي تستقبل للصلاة ـ وهو كلي ـ والجهة التي كنت عليها جزئي من جزئياتها، ـ فالجعل ـ المذكور من باب تصيير الكلي جزئياً، ولا شك أن الكلي يصير جزئياً ـ كالحيوان يصير إنساناً ـ دون العكس. والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ـ كما هو الآن ـ {وَمَا جَعَلْنَا } قبلتك بيت المقدس لشيء من الأشياء {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي في ذلك الزمان {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} أي يتبعك في الصلاة إليها، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة للإشارة إلى علة الاتباع. {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} أي يرتد عن دين الإسلام فلا يتبعك فيها ألفاً لقبلة آبائه، و (من) هذه للفصل كالتي في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ } تفسير : [البقرة: 220] والكلام من باب الاستعارة التمثيلية بجامع أن المنقلب يترك ما في يديه ويدبر عنه على أسوأ أحوال الرجوع، وكذلك المرتد يرجع عن الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على أسوإِ حال. و (نعلم) حكاية حال ماضية، و (يتبع) و (ينقلب) بمعنى الحدوث، ـ والجعل ـ مجاز باعتبار أنه كان الأصل استقبال الكعبة، أو المعنى: ما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم الآن بعد التحويل إلى الكعبة من يتبعك حينئذ ممن لا يتبعك كبعض أهل الكتاب ارتدوا لما تحولت القبلة فنعلم على حقيقة الحال. والحاصل أن ما فعلناه كان لأمر عارض ـ وهو امتحان الناس/ ـ إما في وقت ـ الجعل ـ أو في وقت التحويل، وما كان لعارض يزول بزواله، وقيل: المراد بالقبلة الكعبة بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها بمكة، والمعنى ما رددناك إلا لنعلم الثابت الذي لا يزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب ممن يرتد بقلقلة واضطراب بسبب التحويل بأنه إن كان الأول حقاً فلا وجه للتحويل عنه، وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول ـ والجعل ـ على هذا حقيقة، و {يَتَّبِعُ} للاستمرار بقرينة مقابله، ويضعف هذا القول أنه يستلزم دعوى نسخ القبلة مرتين. واستشكلت الآية بأنها تشعر بحدوث ـ العلم ـ في المستقبل ـ وهو تعالى لم يزل عالماً ـ وأجيب بوجوه، الأول: أن ذلك على سبيل التمثيل، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم. الثاني: أن المراد ـ العلم ـ الحالي الذي يدور عليه ـ فلكُ الجزاء ـ أي ليتعلق علمنا به موجوداً بالفعل، فالعلم مقيد بالحادث، والحدوث راجع إلى القيد. الثالث: أن المراد ليعلم الرسول والمؤمنون، وتجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيهاً على كراهة القرب والاختصاص، فهو كقول الملك: فتحنا البلد، وإنما فتحها جنده. الرابع: أنه ضمن العلم معنى التمييز أو أريد به التمييز في الخارج، وتجوز بإطلاق اسم السبب على المسبب؛ ويؤيده تعديه بمن كالتمييز ـ وبه فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ ويشهد له قراءة {لِيَعْلَمَ} على البناء للمفعول حيث إن المراد ليعلم كل من يأتي منه ـ العلم ـ وظاهر أنه فرع تمييز الله وتفريقه بينهما في الخارج بحيث لا يخفى على أحد الخامس: أن المراد به الجزاء، أي لنجازي الطائع والعاصي، وكثيراً ما يقع التهديد في القرآن بالعلم. السادس: أن {نَعْلَمَ} للمتكلم مع الغير، فالمراد ليشترك ـ العلم ـ بيني وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويرد على هذا أن مخالفته مع جعلنا آب عنه، مع أن تشريك الله تعالى مع غيره في ضمير واحد غير مناسب، ثم العلم إن كان مجازاً عن التمييز ـ فمن، وممن ـ مفعولاه بواسطة وبلا واسطة، وإن كان حقيقة فإما أن يكون من الإدراك المعدى إلى مفعول واحد ـ فمن ـ موصولة في موضع نصب به، و {مِمَّنْ} حال أي متميزاً ممن أو من ـ العلم ـ المعدى إلى مفعولين فمن استفهامية في موضع المبتدا، و {يَتَّبِعُ} في موضع الخبر، والجملة في موضع المفعولين، {مِمَّن يَنقَلِبُ} حال لمن فاعل {يَتَّبِعُ} وبهذا يندفع قول أبـي البقاء: إنه لا يجوز أن تكون (من) استفهامية لأنه لا يبقى لقوله تعالى: {مِمَّن يَنقَلِبُ} متعلق لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده، ولا معنى لتعلقه بيتبع والكلام دال على هذا التقدير ـ فلا يرد أنه لا قرينة عليه ـ ثم إن جملة {وَمَا جَعَلْنَا} الخ، معطوفة كالجملتين التاليتين لها على مجموع السؤال والجواب بيان لحكمة التحويل، وقيل: معطوفة على {أية : قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } تفسير : [البقرة: 142] ويحتاج إلى أن يقال حينئذ: إنه صلى الله عليه وسلم مأمور بأداء مضمون هذا الكلام بألفاظه إذ لا يصح ضمير المتكلم في كلامه عليه الصلاة والسلام، وفيه بعد مّا كما لا يخفى. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أي شاقة ثقيلة، والضمير لما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا} الخ من الجعلة، أو التولية، أو الردة، أو التحويلة، أو الصيرورة، أو المتابعة، أو القبلة، وفائدة اعتبار التأنيث ـ على بعض الوجوه ـ الدلالة على أن هذا الرد والتحويل بوقوعه مرة واحدة، واختصاصه بالنبـي صلى الله عليه وسلم كانت ثقيلة عليهم حيث لم يعهدوه سابقاً، والقول بأن تأنيث (كبيرة) يجعله صفة حادثة، وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر فيرجع إلى ـ الجعل ـ أو الرد أو التحويل بدون تكلف تكلف عريّ عن الفائدة و{إن} هي المخففة من الثقيلة المفيدة لتأكيد الحكم ألغيت عن العمل فيما بعدها بتوسط (كان)/ ـ واللام ـ هي الفاصلة بين المخففة والنافية. وزعم الكوفيون أن (إن) هي النافية ـ واللام ـ بمعنى إلا، وقال البصريون، لو كان كذلك لجاز أن يقال: جاء القوم لزيداً على معنى إلا زيداً ـ وليس فليس ـ وقرىء {لَكَبِيرَةٌ } بالرفع ففي (كان) ضمير القصة، و (كبيرة) خبر مبتدأ محذوف، أي لهي (كبيرة) والجملة خبر (كان) وقيل: إن كانت زائدة كما في قوله:شعر : وإخوان لنا كانوا كرام تفسير : واعترض بأنه إن أريد أن (كان) مع اسمها زائدة كانت (كبيرة) بلا مبتدأ و(إن) المخففة بلا جملة، ومثله خارج عن القياس، وإن أريد إن (كان) وحدها كذلك والضمير باق على الرفع بالابتداء ـ فلا وجه لاتصاله واستتاره ـ وأجيب بأنه لما وقع بعد (كان) وكان من جهة المعنى في موقع اسم (كان) جعل مستتراً تشبيهاً بالاسم، وإن كان مبتدأ تحقيقاً، ولا يخفى أنه من التكلف غايته، ومن التعسف نهايته. {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} أي إلى سر الأحكام الشرعية المبنية على الحكم والمصالح إجمالاً أو تفصيلاً، والمراد بهم {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} من الثابتين على الإيمان الغير المتزلزلين المنقلبين على أعقابهم. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} أي صلاتكم إلى القبلة المنسوخة، ففي الصحيح أنه لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة قالوا: يا رسول الله، فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت، فالإيمان مجاز من إطلاق اللازم على ملزومه، والمقام قرينة وهو التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره من أئمة الدين ـ فلا معنى لتضعيفه كما يحكيه صنيع بعضهم ـ وقيل: المراد ثباتكم على الإيمان أو إيمانكم بالقبلة المنسوخة ـ واللام ـ في {لِيُضِيعَ} متعلقة بخبر (كان) المحذوف ـ كما هو رأي البصريين ـ وانتصاب الفعل بعدها بأن مضمرة أي ما كان مريداً ـ لأن يضيع ـ وفي توجيه النفي إلى إرادة الفعل مبالغة ليست في توجيهه إليه نفسه، وقال الكوفيون: اللام زائدة وهي الناصبة للفعل، و (يضيع) هو الخبر، ولا يقدح في عملها زيادتها كما لا تقدح زيادة حروف الجر في العمل، وبهذا يندفع استبعاد أبـي البقاء خبرية (يضيع) بأن ـ اللام لام الجر ـ و(إن) بعدها مرادة فيصير التقدير ما كان الله إضاعة إيمانكم ـ فيحوج للتأويل ـ لكن أنت تعلم أن هذا الذي ذهب إليه الكوفيون بعيد من جهة أخرى لا تخفى. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ} تذييل لجميع ما تقدم، فإن اتصافه تعالى بهذين الوصفين يقتضي لا محالة أن الله لا يضيع أجورهم ولا يدع ما فيه صلاحهم ـ والباء ـ متعلقة بـ (رءوف) وقدم على {رَّحِيمٌ} الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي رفع المكروه وإزالة الضرر كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ }تفسير : [النور: 2] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما ـ الرحمة ـ أعم منه، ومن الإفضال ودفع الضرر أهم من جلب النفع، وقول القاضي بيض الله تعالى غرة أحواله: لعل تقديم ـ الرءوف ـ مع أنه أبلغ ـ محافظة على الفواصل ـ ليس بشيء لأن فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع ـ فالمراعاة حاصلة على كل حال ـ ولأن الرحمة حيث وردت في القرآن قدمت ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى: {أية : رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا}تفسير : [الحديد: 27] في وسط الآية، وكلام الجوهري في هذا الموضع خزف لا يعول عليه، وقول عصام: ـ إنه لا يبعد أن يقال: ـ الرءوف ـ إشارة إلى المبالغة في رحمته لخواص عباده ـ والرحيم ـ إشارة إلى الرحمة لمن دونهم فرتبا على حسب ترتيبهم، فقد ـ الرءوف ـ لتقدم متعلقه شرفاً وقدراً ـ لا شرف ولا قدر، بل ولا عصام له لأنه تخصيص لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا استعمال، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص {لَرَءوفٌ} بالمد، والباقون بغير مد كندس.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة معترضة بين جملة: {سيقول السفهاء} الخ وجملة: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} الخ، والواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية، فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون وأن ذلك فضل لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مِما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عُدولاً خياراً ليشهدوا على الأمم لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ذكر أمر القبلة وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة. وقوله: {وكذلك} مركب من كاف التشبيه واسمِ الإشارة فيتعيَّن تَعَرُّف المشار إليه وما هو المشبه به قال صاحب «الكشاف»: «أي مثلَ ذلك الجَعْل العَجيب جعلناكم أمةً وسطاً» فاختلف شارحُوه في تقرير كلامه وتبين مراده، فقال البيضاوي: «الإشارة إلى المفهوم أي (ما فهم) من قوله: { أية : يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } تفسير : [البقرة: 142] أي كما جعلناكم أمة وسطاً أو كما جعلنا قبلتكم أفضلَ قِبلة جعلناكم أمة وسطاً» اهــــ. أي إن قوله: {يهدي من يشاء} يُومِىء إلى أن المهدي هم المسلمون وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة وقت قول السفهاء { أية : ما وَلاَّهم } تفسير : [البقرة: 142] على ما قدمناه وهذا يجعل الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يُعَرِّجْ على وصف «الكشاف» الجعل بالعجيب كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة البعيد فهو يستعمل غالباً من دون إرادة بُعد وفيه نظر، والمشار إليه على هذا الوجه معنى تقدم في الكلام السَّابق فالإشارة حينئذٍ إلى مذكور متقرر في العِلم فهي جارية على سَنن الإشارات. وحمل شراح «الكشاف» الكاف على غير ظاهر التشبيه، فأما الطيبي والقطب فقالا الكاف فيه اسم بمعنى مِثل منتصب على المفعولية المطلقة لِجعلناكم أي مثلَ الجَعْل العجيب جعلناكم فليس تشبيهاً ولكنه تمثيل لحالة والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله: {يهدي} وهو الأمر العجيب الشأن أي الهدى التام، ووجه الإتيان بإشارة البعيد التنبيه على تعظيم المشار إليه وهو الذي عناه في «الكشاف» بالجعل العجيب، فالتعظيم هنا لبداعة الأمر وعجابته، ثم إن القطب ساق كلاماً نقض به صدر كلامه. وأما القزويني صاحبُ «الكشْف» والتفتزاني فبيناه بأن الكاف مقحمة كالزائدة لا تدل على تمثيل ولا تشبيه فيصير اسم الإشارة على هذا نائباً مناب مفعول مطلق لجعلناكم كأنه قيل ذلك الجعلَ جعلناكم أي فعدل عن المصدر إلى اسم إشارته النائب عنه لإفادة عجابة هذا الجعل بما مع اسم الإشارة من علامة البعد المتعين فيها لبعد المرتبة. والتشبيه على هذا الوجه مقصود منه المبالغة بإيهام أنه لو أراد المشبِّه أن يشبه هذا في غرابته لما وجد له إلاّ أن يشبهه بنفسه وهذا قريب من قوله النابغة: «والسفاهة كاسمها» فليست الكاف بزائدة ولا هي للتشبيه ولكنها قريبة من الزائدة، والإشارة حينئذٍ إلى ما سيذكر بعد اسم الإشارة. وكلام «الكشاف» أظهر في هذا المحمل فيدل على ذلك تصريحه في نظائره إذ قال في قوله تعالى: { أية : كذلك وأورثناها بني إسرائيل } تفسير : [الشعراء: 59] الكاف منصوبة على معنى مثل أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم وأورثناها. واعلم أن الذي حدا صاحب «الكشاف» إلى هذا المحمل أن استعمال اسم الإشارة في هذا وأمثاله لا يطرد فيه اعتبار مشار إليه مما سبق من الكلام ألا ترى أنه لا يتجه اعتبار مشار إليه في هذه الآية وفي آية سورة الشعراء ولكن صاحب «الكشاف» قد خالف ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام (112) { أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً } تفسير : فقال: كما خلَّيْنَا بينَك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم اهـ وما قاله في هذه الآية منزع حسن؛ لكنه لم يضرب الناظرون فيه بعَطن. والتحقيق عندي أن أصل: {كذلك} أن يدل على تشبيه شيء بشيء والمشبه به ظاهر مشار إليه أو كالظاهر ادعاءً، فقد يكون المشبه به المشار إليه مذكوراً مثل قوله تعالى: { أية : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } تفسير : [هود: 102] إشارة إلى قوله: { أية : وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله } تفسير : [هود: 101] الآية. وكقول النابغة: شعر : فأَلْفَيْتُ الأَمانةَ لم تَخُنْها كذلك كانَ نوحٌ لا يَخُون تفسير : وقد يكون المشبه به المُشارُ إليه مفهوماً من السياق فيحتمل اعتبار التشبيه ويُحتمل اعتبار المفعوليَّة المطلقة كقولِ أبي تَمَّام: شعر : كَذا فليجلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدحَ الأَمْر فليس لعين لم يفض دمعُها عُذر تفسير : قال التبريزي في «شرحه» الإشارة للتعظيم والتهويل وهو في صدر القصيدة لم يسبق له ما يشبه به فقُطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معنى التشبيه اهــــ، يعني أن الشاعر أشار إلى الحادث العظيم وهو موت محمد بن حميد الطوسي، ومثله قول الأسدي من شعراء «الحماسة» يرثي أخاه شعر : فهكذا يذهب الزمان ويفْــــ ــــنَى العلم فيه ويَدْرُسُ الأَثَر تفسير : وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} على ما فسر به البيضاوي من هذا القبيل. وقد يكون مراداً منه التنويه بالخبر فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ثم لا يجد إلاّ أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع ومثله قول أحد شعراء فزارة في الأدب من «الحماسة": شعر : كذاك أُدِّبْت حتى صار من خُلُقي أني رأيتُ مِلاكَ الشِّيمة الأدبا تفسير : أي أدبت هذا الأدب الكامن العجيب، ومنه قول زهير: شعر : كَذَلك خِيمهم ولكُلِّ قوم إذا مَسَّتْهم الضَّراء خِيمُ تفسير : وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} من هذا القبيل عند شراح «الكشاف» وهو الحق، وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى: { أية : وكذلك فتنا بعضهم ببعض } تفسير : [الأنعام: 53] فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله تعالى فتنة أخذاً من فعل {فتنا}. والإشارة على هذا المحمل المشار إليه مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما علمت آنفاً لأنه الجعل المأخوذ من {جعلناكم}، وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق كقوله تعالى: { أية : قال هذا فراق بيني وبينك } تفسير : [الكهف: 78] أو من كلام متقدم عن اسم الإشارة كما للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدى المأخوذة من قوله تعالى: { أية : يهدي من يشاء } تفسير : [البقرة: 142] ولعله رأى لزوم تقدم المشار إليه. والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفاً ولما كان الوصول إليه لا يقع إلاّ بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة طبعاً كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلاّ بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير العشب والكلأ، ووضعاً كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفاً فأطلقوه على الخيار النفيس كناية قال زهير: شعر : هُمُ وسَط يَرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعضل تفسير : وقال تعالى: { أية : قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } تفسير : [القلم: 28]. ويقال أوسط القبيلة لصميمها. وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلاً بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين الشح والسرف والعدالة بين الرحمة والقساوة، فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء المحسوس فلذلك روي حديث: « حديث : خير الأمور أوساطها » تفسير : وسنده ضعيف وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين. فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى: { أية : كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس } تفسير : [آل عمران: 110] وفسر بالعدول والتفسير الثاني رواه الترمذي في «سننه» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال حسن صحيح، والجمع في التفسيرين هو الوجه كما قدمناه في المقدمة التاسعة. ووصفت الأمة بوسط بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة محضة لا تشعر بصفة في الذات. وضمير المخاطبين هنا مراد به جميع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال الكعبة فيعم كل من صلى لها، ولأن قوله {لتكونوا شهداء} قد فسر في الحديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم نزول الآية. والآية ثناء على المسلمين بأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطاً بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بياناً جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم، قال فخر الدين يجوز أن يكونوا وسطاً بمنعى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا المسيح ابن الله، ولم يقصروا كما قصرت اليهود فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل. واستدل أهل أصول الفقه بهذه الآية على أن إجماع علماء الأمة أي المجتهدين حجة شرعية فيما أجمعوا عليه، وفي بيان هذا الاستدلال طرق: الأول قال الفخر إن الله أخبر عن عدالة الأمة وخيريتها فلو أقدموا على محظور لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجة اهــــ، أي لأن مجموع المجتهدين عدول بقطع النظر عن احتمال تخلف وصف العدالة في بعض أفرادهم، ويبطل هذا أن الخطأ لا ينافي العدالة ولا الخيرية فلا تدل الآية على عصمتهم من الخطأ فيما أجمعوا عليه وهذا رَدٌّ متمكن، وأجيب عنه بأن العدالة الكاملة التي هي التوسط بين طرفي إفراط وتفريط تستلزم العصمة من وقوع الجميع في الخطأ في الأقوال والأفعال والمعتقدات. الطريق الثاني قال البيضاوي لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت عدالتهم اهــــ، يعني أن الآية اقتضت العدالة الكاملة لاجتماع الأمة فلو كان إجماعهم على أمر باطل لانثلمت عدالتهم أي كانت ناقصة وذلك لا يناسب الثناء عليهم بما في هذه الآية، وهذا يرجع إلى الطريق الأول. الطريق الثالث قال جماعة الخطاب للصحابة وهم لا يجمعون على خطأ فالآية حجة على الإجماع في الجملة، ويرد عليه أن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد وقد يكون إجماعهم عن اجتهاد أما إجماعهم على ما هو من طريق النقل فيندرج فيما سنذكره. والحق عندي أن الآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدحٌ للأمة كلها لا لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هاته الجهة على حجية الإجماع الذي هو من أحوال بعض الأمة لا من أحوال جميعها، فالوجه أن الآية دالة على حجية إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة وهو المعبر عنه بالتواتر وبما علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبي - صلى الله عليه وسلم - مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشريعة، به فسرت المجملات وأسست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام واعتبر فيه غيره عدد التواتر، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليين بأنه مقدم على الأدلة كلها. وأما كون الآية دليلاً على حجية إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ من الآية إلاَّ بأن يقال إن الآية يستأنس بها لذلك فإنها لما أخبرت أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطاً بالنسبة للعلماء وفَهْماً بالنسبة للعامة، فإذا كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قَيِّمة وهو معنى كونها وسطاً، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكلَّ فرد، ولما كان الوصف الذي ذكر أثبتَ لمجموع الأمة قلنا إن هذا المجموع لا يقع في الضلال لا عمداً ولا خطأ، أما التعمد فلأنه ينافي العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظراً، وقد وقع الأمران للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها، ثم إن العامة تأخذ نصيباً من هذه العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال. وقوله: {لتكونوا شهداء} علة لجَعْلِهم وسطاً فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيراً فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته تعالى لكمال حكمته. و(الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية. فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهورِ الحق، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب. والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « حديث : يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعَمْ يا رب فتُسْأل أمتُه هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول الله مَن شهودك فيقول محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} قال عدلاً {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) تفسير : اه. فقوله ثم قرأ يدل على أن هذه الشهادة من جملة معنى الآية لا أنها عين معنى الآية، والظاهر من التعليل هو الشهادة الأولى لأنها المتفرعة عن جعلنا أمة وسطاً، وأما مجيء شهادة الآخرة على طِبقها فذلك لما عرفناه من أن أحوال الآخرة تكون على وفق أحوال الدنيا قال تعالى: { أية : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } تفسير : [طه: 124 ــــ 126]. ومن مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دَعوتنا الأممَ للإِسلام، ليقوم ذلك مقامَ دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين. والشهادة على الأمم تكون لهم وعليهم، ولكنه اكتفى في الآية بتعديتها بعلى إشارة إلى أن معظم شهادة هذه الأمة وأهمها شهادتهم على المعرضين لأن المؤمنين قد شَهِد لهم إيمانهم فالاكتفاء بعلى تحذير للأمم من أن يكونوا بحيث يشهد عليهم وتنويه بالمسلمين بحالة سلامتهم من وصمة أن يكونوا ممن يشهد عليهم وبحالة تشريفهم بهاته المنقبة وهي إثقاف المخالفين لهم بموجب شهادتهم. وقوله: {ويكون الرسول عليكم شهيداً} معطوف على العلة وليس علة ثانية لأنه ليس مقصوداً بالذات بل هو تَكميل للشهادة الأولى لأن جعلنا وسطاً يناسبه عدم الاحتياج إلى الشهادة لنا وانتفاء الشهادة علينا، فأما الدنيوية فشهادة الرسول علينا فيها هي شهادته بذاته على معاصريه وشهادة شرعه على الذين أتوا بعده إنما بوفائهم ما أوجبه عليهم شرعه وإما بعكس ذلك، وأما الأخروية فهي ما روى في الحديث المتقدم من شهادة الرسول بصدق الأمة فيما شهِدت به، وما روي في الحديث الآخر في «الموطأ» و«الصحاح»: « حديث : فَلَيُذَادنَّ أقوام عن حوضي فأقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم بدلوا وغيروا فأقول سحقاً سُحقاً لمن بدل بعدي ». تفسير : وتعدية شهادة الرسول على الأمة بحرف على مشاكلة لقوله قبله {لتكونوا شهداء على الناس} وإلاَّ فإنها شهادة للأمة وقيل بل لتضمين {شهيداً} معنى رقيباً ومهيمناً في الموضعين كما في «الكشاف». وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلاّ بعد حصولها. ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكَّى، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية، وأن الأمَّة لا تشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولهذا كان يقول في حجة الوداع: « حديث : أَلاَ هل بَلغْتُ فيقولون نعم فيقول اللهم اشْهَد » تفسير : فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت. وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلاّ لمجرد الاهتمام بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها إلاّ رسولها، وقد يكون تقديمه لتكون الكلمة التي تختم بها الآية في محل الوقف كلمةً ذاتَ حرف مد قبل الحرف الأخير لأن المد أمْكن للوقف وهذا من بدائع فصاحة القرآن، وقيل تقديم المجرور مفيد لقصر الفاعل على المفعول وهو تكلف ومثله غير معهود في كلامهم. الواو عاطفة على جملة: { أية : سيقول السفهاء من الناس } تفسير : [البقرة: 142] وما اتصل بها من الجواب بقوله: {قل لله المشرق والمغرب} قُصد به بيان الحكمة من شرع استقبال بيت المقدس ثم تحويل ذلك إلى شرع استقبال الكعبة، وما بين الجملتين من قوله: {وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً} إلى آخرها اعتراض. والجَعْل هنا جَعْل التشريع بدليل أن مفعوله من شؤون التعبد لا من شؤون الخلق وهو لفظ القبلة، ولذلك فَفِعْلُ جَعَل هنا متعد إلى مفعول واحد لأنه بمعنى شرعنا، فهذه الآيات نزلت بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة فيكون المراد بيت المقدس، وعدل عن تعريف المسند باسمه إلى الموصول لمحاكاة كلام المردود عليهم حين قالوا { أية : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } تفسير : [البقرة: 142] مع الإيماء إلى تعليل الحكمة المشار إليها بقوله تعالى: {إلا لنعلم} أي ما جعلنا تلك قبلةً مع إرادة نسخها فألزمناكَها زمناً إلاّ لنعلم الخ. والاستثناء في قوله: {إلا لنعلم} استثناء من علل وأحوال أي ما جعلنا ذلك لسبب وفي حال إلاّ لنظهر من كان صادق الإيمان في الحالتين حالة تشريع استقبال بيت المقدس وحالة تحويل الاستقبال إلى الكعبة. وذكر عبد الحكيم أنه قد روي أن بعض العرب ارتدوا عن الإسلام لما استقبل رسول الله بيت المقدس حمية لقبلة العرب، واليهود كانوا تأولوا لأنفسهم العذر في التظاهر بالإسلام كما قررناه عند قوله تعالى: { أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } تفسير : [البقرة: 14] فنافقوا وهم يتأولون للصلاة معه بأنها عبادة لله تعالى وزيادة على صلواتهم التي هم محافظون عليها إذا خلوا إلى شياطينهم مع أن صلاتهم مع المسلمين لا تشتمل على ما ينافي تعظيم شعائرهم إذ هم مستقبلون بيت المقدس فلما حولت القبلة صارت صفة الصلاة منافية لتعظيم شعائرهم لأنها استدبار لما يجب استقباله فلم تبق لهم سمة للتأويل فظهر من دام على الإسلام وأعرض المنافقون عن الصلاة. وجعل علم الله تعالى بمن يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه علة هذين التشريعين يقتضي أن يحصل في مستقبل الزمان من التشريع كما يقتضيه لام التعليل وتقدير أن بعد اللام وأن حرف استقبال مع أن الله يعلم ذلك وهو ذاتي له لا يحدث ولا يتجدد لكن المراد بالعلم هنا علم حصول ذلك وهو تعلق علمه بوقوع الشيء الذي علم في الأزل أنه سيقع فهذا تعلق خاص وهو حادث لأنه كالتعلق التنجيزي للإرادة والقدرة وإن أغفل المتكلمون عدّه في تعلقات العلم. ولك أن تجعل قوله: {لنعلم من يتبع الرسول} كناية عن أن يعلم بذلك كل من لم يعلم على طريق الكناية الرمزية فيذكر علمه وهو يريد علم الناس كما قال إياس بن قبيصة الطائي: شعر : وأقَدْمتُ والْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بينَنَا لأَعْلَمَ مَنْ جُبَّاؤها مِن شُجاعِها تفسير : أراد ليظهر من جبانها من شجاعها فأعلمه أنا ويعلمه الناس فجاء القرآن في هذه الآية ونظائرها على هذا الأسلوب، ولك أن تجعله كناية عن الجزاء للمتبع والمنقلب كل بما يناسبه ولك أن تجعل (نعلم) مجازاً عن التحيز لنظهر للناس بقرينة كلمة (مَنْ) المسماة بمن الفصلية كما سماها ابن مالك وابن هشام وهي في الحقيقة من فروع معاني من الابتدائية كما استظهره صاحب «المغني»، وهذا لا يريبك إشكال يذكرونه، كيف يكون الجعل الحادث علة لحصول العلم القديم إذ تبين لك أنه راجع لمعنى كنائي. والانقلاب الرجوع إلى المكان الذي جاء منه، يقال انقلب إلى الدار، وقوله: {على عقيبه} زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه لأن العقبين هما خلف الساقين أي انقلب على طريق عقيبه وهو هنا استعارة تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعاً إلى الكفر السابق. و(مَنْ) موصولة وهي مفعول (نعلم) والعلم بمعنى المعرفة وفعله يتعدى إلى مفعول واحد. وقوله: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} عطف على جملة {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} والمناسبة ظاهرة لأن جملة {وإن كانت} بمنزلة ما العلة لجملة {نعلم من يتبع الرسول} فإنها ما كانت دالة على الاتباع والانقلاب إلاّ لأنها أمر عظيم لا تساهل فيه فيظهر به المؤمن الخالص من المشوب والضمير المؤنث عائد للحادثة أو القبلة باعتبار تغيرها. وإن مخففة من الثقيلة. والكبيرة هنا بمعنى الشديدة المحرجة للنفوس، تقول العرب كبر عليه كذا إذا كان شديداً على نفسه كقوله تعالى: { أية : وإن كان كبر عليك إعراضهم } تفسير : [الأنعام: 35]. الجملة في موضع الحال من ضمير {لنعلم} أي لنُظْهر من يتبع الرسول ومن ينقلب على عقيبه ونحن غير مضيعين إيمانكم. وذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار للتعظيم. روى البخاري عن البراء بن عازب قال: كان مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل رجال قُتلوا لم نَدْر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم}. وفي قوله: «قتلوا» إشكال لأنه لم يكن قتال قبل تحويل القبلة وسنين ذلك، وأخرج الترمذي عن ابن عباس قال لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} الآية قال هذا حديث حسن صحيح. والإضاعة إتلاف الشيء وإبطال آثاره وفُسِّر الإيمان على ظاهره، وفسر أيضاً بالصلاة نقله القرطبي عن مالك. وتعلق (يضيع) بالإيمان على تقدير مضاف فإن فسر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وسَاوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تَودونها، وإن فسر الإيمانُ بالصلاة كان التقدير ما كان الله ليضيع فضل صلاتكم أو ثوابها، وفي إطلاق اسم الإيمان على الصلاة تنويه بالصلاة لأنها أعظم أركان الإيمان، وعن مالك: «إِنِّي لأَذكر بهذا قول المرجئة الصلاة ليست من الإيمان». ومعنى حديث البخاري والترمذي أن المسلمين كانوا يظنون أنَّ نَسْخَ حُكْم، يجعل المنسوخ باطلاً فلا تترتب عليه آثار العمل به فلذلك توجسوا خيفة على صلاة إخوانهم اللذين ماتوا قبل نسخ استقبال بيت المقدس مثل أسعد بن زُرَارَة والبراءِ بن مَعْرُور وأبي أمامة، وظن السائلون أنهم سيجب عليهم قضاء ما صلَّوه قبل النسخ ولهذا أجيب سؤالهم بما يشملهم ويشمل من ماتوا قبلُ فقال {إيمانكم}، ولم يقل إيمانهم على حسب السؤال. والتذييل بقوله: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} تأكيد لعدم إضاعة إيمانهم ومنة وتعليم بأن الحكم المنسوخ إنما يلغى العمل به في المستقبل لا في ما مضى. والرءوف الرحيم صفتان مُشَبَّهَتان مشتقة أولاهما من الرأفة والثانية من الرحمة. والرأفة مفسرة بالرحمة في إطلاق كلام الجمهور من أهل اللغة وعليه درج الزجاج وخص المحققون من أهل اللغة الرأفة بمعنى رحمة خاصة، فقال أبو عَمرو بن العلاء الرأفة أكثر من الرحمة أي أقوى أي هي رحمة قوية، وهو معنى قول الجوهري الرأفة أشد الرحمة، وقال في «المُجْمَل» الرأفة أخص من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهية والرحمةُ تقع في الكراهية للمصلحة، فاستخلص القفال من ذلك أن قال: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزلة الضر كقوله تعالى: { أية : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } تفسير : [النور: 2]، وأما الرحمة فاسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام اهــــ. وهذا أحسن ما قيل فيها واختاره الفخر وعبد الحكيم وربما كان مشيراً إلى أن بين الرأفة والرحمة عموماً وخصوصاً مطلقاً وأياً ما كان معنى الرأفة فالجمع بين رءوف ورحيم في الآية يفيد توكيد مدلول أحدهما بمدلول الآخر بالمساواة أو بالزيادة. وأما على اعتبار تفسير المحققين لِمعنى الرأفة والرحمة فالجمع بين الوصفين لإفادة أنه تَعَالى يرحم الرحمة القوية لمُستحقها ويرحم مطلق الرحمة مَنْ دونَ ذلك. وتقدم معنى الرحمة في سورة الفاتحة. وتقديم (رءوف) ليقع لفظ رحيم فاصلة فيكون أنسب بفواصل هذه السورة لانبناء فواصلها على حرف صحيح ممدود يعقبه حرف صحيح ساكن ووصف رءوف معتمد ساكنه على الهمز والهمز شبيه بحروف العلة فالنطق به غير تام التمكن على اللسان وحرف الفاء لكونه يخرج من بطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا أشبه حرف اللين فلا يتمكن عليه سكون الوقف. وتقديم {بالناس} على متعلَّقه وهو {رءوف رحيم} للتنبيه على عنايته بهم إيقاظاً لهم ليشكروه مع الرعاية على الفاصلة. وقرأ الجمهور (لرءوف) بواو ساكنة بعد الهمزة وقرأهُ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخَلَف بدون واو مع ضم الهمزة بوزن عَضُد وهو لغة على غير قياس.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية. أي: خياراً عدولاً. ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110]، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير: شعر : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم تفسير : قوله تعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}. لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثا}تفسير : [النساء: 41-42]. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ} الآية. ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: {أية : وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [آل عمران: 154] فقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بعد قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ} دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى وقوله: {مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} أشار إلى أن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم بقوله مخاطباً له: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} الآية. لأن هذا الخطاب له إجماعاً. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}. أي صلاتكم إلى بيت المقدس على الأصح، ويستروح ذلك من قوله قبله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} الآية. ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَعَلْنَاكُمْ} {إِيمَانَكُمْ} {لَرَؤُوفٌ} (143) - كَانَ النَّاسُ، قَبْلَ الإِسْلامِ، فِئَتِينِ: - فِئَةً مَادِّيَّةً لاَ هَمَّ لَهَا إِلاَّ تَحْقيقُ مَا يَتَطَلَّبُهُ الجَسَدُ وَلَذَائِذُهُ كَالمُشْرِكينَ وَاليَهُودِ، وَقَالُوا إِنْ هيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيا، وَمَا يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهرُ. - وَفِئَةً طَغَتْ عَلَيها النَّزعَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الخَالِصَةُ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيهَا فِكْرَةُ تَرْكِ الدُّنيا وَمَا فِيها مِنَ اللَّذائِذِ الجَسَدِيَّةِ كَالنَّصَارَى وَالصَابِئَةِ وَبَعْضِ طَوَائِفِ الهُنُودِ. فَجَاءَ الإِسلامُ لِيَجْعَلَ المُسْلِمِينَ وَسَطاً بَيْنَ هؤلاءِ وَهؤُلاءِ، فَقَالَ بِتَحقيقِ مَطَالِبِ الجَسَدِ بِلا إِسْرافٍ وَلاَ مُبَالَغَةٍ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُمُوِّ الرُّوحِيِّ، لأَِنَّ الإِنسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ. وََقَدْ جَعَلَ اللهَ المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً لَِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى المَادِيِّينَ الذِينَ فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ، وَأخلَدُوا إِلى اللَّذاتِ، وَصَرَفُوا أنفُسَهُمْ عَنْ قَضَايَا الرُّوحِ، وَشُهَداءَ عَلَى الغُلاةِ في الرُّوحَانِيَّةِ الذِينَ قَالُوا بِتَخَلِّي الإِنسَانِ عن اللَّذاتِ الجَسَدِيَّةِ، وَبِحِرْمَانِ النَّفْسِ مِنْ جَميعِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي هذهِ الحَيَاةِ الدُّنيا. وَلِيَكُونَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ القُدوَةُ والمَثَلُ الأَعلَى لِلمُؤْمِنينَ باللهِ، شَهِيداً عَلَى المُسلِمِينَ إِن كَانُوا اتَّبعُوا سِيرَتَهُ وَشَرْعَهُ، أَوِ انحَرَفُوا وَحَادُوا عَنِ الاعتِدالِ. وَيَقُولُ اللهُ تََعَالَى إِنَّهُ إِنَّما شَرَعَ لِلنَّبِيِّ التَّوَجُّهَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوَّلاً، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبعُ النَّبِيَّ وَيُطِيعُهُ وَيَتَّجِهُ حَيثُما اتَّجَهَ، دُونَ تَشَكُّكٍ وَلا ارتِيابٍ، ممَّن يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ (يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وَإِنْ كَانَ فِي هذا الصَّرفِ عَنْ بيتِ المَقْدِسِ مَشَقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ، غَيرَ النُّفُوسِ التِي هَدَاهَا اللهُ إِلى الإِيمَان، وَلِيَظْهَرَ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقةٍ؛ وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ المُصَدِّقُونَ يَكُونُ الأمرُ عَلَيهِمْ سَهْلاً يَسِيراً. وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُتَسَائِلينَ عَلَى أَحْوالِ قَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلى بيتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مَاتُوا قَبلَ أن تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إِلى الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنينَ، فَاللهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ بِالنَّاسِ رَحِيمٌ. أُمَّةً وَسَطاً: خِيَاراً أَوْ مُتَوَسِّطِينَ مُعْتَدِلِينَ. يَنْقَلبُ عَلَى عَقِبَيْهِ - يَرْتَدُّ عَنِ الإِسْلاَمِ عِنْدَ تَحوِيلِ القِبْلَةِ إِلَى الكَعْبَةِ. لَكَبِيرَةٌ - لَشَاقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعة ترى كذلك فهناك تشبيه .. الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نتنبه إلى نعمته في أنه جعلنا أمة وسطاً .. فكل ما يشرعه الله يدخل في باب النعم على المؤمنين .. وإذا كان الاتجاه إلى الكعبة هو اختبار لليقين الإيماني في نفوس المسلمين .. فإنه سبحانه جعلنا أمة وسطاً نعمة منه، وما دمنا وسطاً فلابد أن هناك أطرافاً حتى يتحدد الوسط .. هذا طرف ثم الوسط ثم طرف آخر .. ووسط الشيء منتصفه أو ما بين الطرفين. ولكن ما معنى أمة وسطاً؟ وسط في الإيمان والعقيدة. فهناك من أنكروا وجود الإله الحق .. وهناك من أسرفوا فعددوا الآلهة .. هذا الطرف مخطئ وهذا الطرف مخطئ .. أما نحن المسلمين فقلنا لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد .. وهذه بديهية من بديهيات هذا الكون .. لأن الله تبارك وتعالى خلق الكون وخلق كل ما فيه وقال سبحانه إنه خلق .. ولم يأت ولن يأتي من يدَّعي الخلق .. إذن فالدعوى خالصة لله تبارك وتعالى .. ولو كان في هذا الكون آلهة متعددة لادَّعى كل واحد منهم الخلق .. ولذلك فإن الله جل جلاله يقول: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} تفسير : [المؤمنون: 91]. أي لتنازع الخلق ولاضطرب الكون .. فالإسلام دين وسط بين الإلحاد وتعدد الآلهة .. على أن هناك أناساً يسرفون في المادية ويهملون القيم الروحية .. وأناساً يهملون المادة ويؤمنون بالقيم الروحية وحدها. واقع الحياة أن الماديين يفتنون الروحانيين لأن عندهم المال والقوة .. الإسلام جاء وسطاً فيه المادة والروح .. وإياك أن تقول أن الروح أحسن من المادة أو المادة أحسن من الروح .. فالمادة وحدها والروح وحدها مسخرة وعابدة ومسبحة لله تعالى .. لكن حين تختلط المادة بالروح فإنه توجد النفس، والنفس هي التي لها اختيار تطيع أو تعصي .. تعبد أو تكفر والعياذ بالله. الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء .. وهذه وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها .. وإنما أوجد مادية الحياة محروسة بقيم السماء .. فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة وسطاً تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر. الله تبارك وتعالى يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم والرفاهية والقوة للبشرية .. فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه .. لكن ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه .. فإذا عشتم بالأهواء ستشقون .. وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون. قد يتساءل البعض هل الشيوعية التي جاءت منذ أكثر من نصف قرن ارتقت بشعوبها أم لا؟ نقول انظروا إليها الآن لقد بنت ما ادعته من ارتقاءات على الكذب والزيف .. ثم تراجعت ثم انهارت تماماً .. وكما انهارت الشيوعية ستنهار الرأسمالية لأنهما طرفان متناقضان .. إنما نحن أمة وسطاً .. ولذلك أعطانا الله سبحانه خيري الدنيا والآخرة. الحق سبحانه يقول: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة: 143] .. أي أن الحجة ستكون لكم في المستقبل .. وسيضطر العالم إلى الرجوع إلى ما يقننه دينكم .. والله تبارك وتعالى قال: {أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] ولم يقل الوسط بكسر الواو أي المنتصف حتى لا يقال إن هؤلاء الرأسماليين والشيوعيين سيتراجعون إلى الحق تماماً. ولكن بعضهم سيميل قليلاً إلى هذه الناحية أو تلك بحيث يتم اللقاء .. ولذلك عندما يقولون نأخذ أموال الأغنياء ونوزعها على الفقراء .. نقول لهم وعندما يأتي فقير في المستقبل .. من أين تعطيه بعد أن قضيت على الأغنياء؟. وقد سمعت من شخص له تجربة في السياسة والحكم .. قال إن الذي كان يعمل معي وأضاع ماله كله على الخمر والقمار والنساء كان أحسن مني .. لأنني احتفظت بأموالي ونميتها فقالوا إنك إقطاعي وصادروها .. بينما ذلك الذي أسرف لم يفعلوا به شيئاً .. قلت إن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تنمي مالك .. لأنك إن لم تنمه ودفعت عنه زكاة 2.5% فالمال يفنى خلال أربعين سنة .. ولكن إذا نميت مالك وجاءوا إلى ناتج عملك وأخذوه بدعوى أنك إقطاعي فإنهم يقضون على العمل في المجتمع .. لأنه إذا كنت ستأخذ ناتج عمله بدون حق فلماذا يعمل؟ إن الإسلام جاء ليزيد مجال حركة الحياة ويضمن مال المتحرك .. ليأخذ من ماله زكاة ويعين غير القادر حتى لا يحقد على المجتمع .. هذا وسط. وقوله تعالى: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة: 143] .. فكأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه ستحدث في الكون معركة لن يفصل فيها إلا شهادة هذه الأمة .. فاليمين أو الرأسمالية على خطأ، والشيوعية على خطأ .. أما منهج الله الذي وضع الموازين القسط للكون ولحياة الإنسان فهو الصواب .. ثم يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون شهيداً علينا .. هل كان عملنا وتحركنا مطابقاً لما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وبلغه الرسول عليه الصلاة والسلام لنا؟ أم أننا اتبعنا أهواءنا وانحرفنا عن المنهج. الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون شهيداً علينا في هذه النقطة .. تلك الآية وإن كانت قد بشرت الأمة الوسط بأن العالم سيعود إلى حكمها، فذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا سادت شهادة الحق والعدل فيها: وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] .. هذه عودة إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .. الله تبارك وتعالى لا يفضل اتجاهاً على اتجاه .. ولذلك فإن الذين يتجهون إلى الكعبة ستختلف اتجاهاتهم حسب موقع بلادهم من الكعبة .. هذا يتجه إلى الشرق وهذا يتجه إلى الشمال الشرقي .. وهذا يتجه إلى الجنوب الغربي. إنه ليس هناك عند الله اتجاه مفضل على اتجاه .. ولكن تغيير القبلة جعله الله سبحانه اختباراً إيمانياً ليس علم معرفة ولكن علم مشهد .. لأن الله سبحانه وتعالى يعلم .. ولكنه جل جلاله يريد أن يكون الإنسان شهيداً على نفسه يوم القيامة .. ولكنه اختبار إيماني ليعلم الله مدى إيمانكم ومن سيطيع الرسول فيما جاءه من الله ومن سينقلب على عقبيه .. فكأن أمر تحويل القبلة سيحدث هزة إيمانية عنيفة في المسلمين أنفسهم .. فيعلم الله من يستمر في إيمانه واتباعه لرسول الله .. ومن سيرفض ويتحول عن دين الإسلام. وقوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} [البقرة: 143] .. والله يريد هنا العلم الذي سيكون شهيداً على الناس يوم القيامة .. وعملية الابتلاء أو الاختبار في تغيير القبلة عملية شاقة .. إلا على المؤمنين الذين يرحبون بكل تكليف .. لأنهم يعرفون أن الإيمان هو الطاعة ولا ينظرون إلى علة الأشياء. ولكن الكفار والمنافقين واليهود لم يتركوا عملية تحويل القبلة تمر هكذا فقالوا: إن كانت القبلة هي الكعبة فقد ضاعت صلاتكم أيام اتجهتم إلى بيت المقدس .. وإن كانت القبلة هي بيت المقدس فستضيع صلاتكم وأنتم متجهون إلى الكعبة. نقول لهم لا تعزلوا الحكم عن زمنه .. قبلة بيت المقدس كانت في زمنها والكعبة تأتي في زمنها .. لا هذه اعتدت على هذه ولا هذه اعتدت على هذه .. ولقد مات أناس من المؤمنين وهم يصلون إلى بيت المقدس، فقام المشككون وقالوا صلاتهم غير مقبولة .. ورد الله سبحانه بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] .. لأن الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس كانوا مطيعين لله مؤمنين به فلا يضيع الله إيمانهم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] .. أي تذكروا أنكم تؤمنون برب رءوف لا يريد بكم مشقة .. رحيم يمنع البلاء عنكم.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} معناهُ عَدْلٌ. والجمعُ الأَوساطُ.

الأندلسي

تفسير : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} لما كان معنى يهدي من يشاء يجعل من يشاء. شبّه به أي مثل ذلك الجعل يجعل من يشاء على صراط مستقيم وهو طريق الاسلام، جعلناكم أمة وسطاً. والوسط: الخيار. وأصله ما بين الطرفين لما كانت الأطراف محل التغير والوسط محل السلامة استعير للخيار فوصف به. {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} يشمل الشهادة في الدنيا والآخرة. {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {عَلَيْكُمْ شَهِيداً} انه قد أبلغكم ما أرسل به إليكم من شرائع الاسلام فيشهد على من اتبع الحق وعلى من أباه. وفي الحديث: أن الأمم إذا ناكرت رسلها شهدت أمة محمد عليها بالتبليغ ويؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ} أي ما صيرنا الجهة التي كنت عليها أولاً ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس قبلتك الآن. فالتي: مفعول أول، والقبلة، المفعول الثاني. والتصيير: الانتقال من حال إلى حال. فالملتبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول والملتبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني (وقال) الزمخشري: القبلة: مفعول أول، والتي: مفعول ثان. فيقال: وما جعلنا القبلة التي تحب استقبالها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة. "انتهى". {مَن يَتَّبِعُ} من للتفصيل وهو معنى غريب لمن كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ}تفسير : [البقرة: 220]. وإلا لنعلم استثناء مفرغ من المفعول له وفيه حصر السبب، ولنعلم يستحيل تجدد علم الله تعالى فهو من مجاز الحذف أي ليعلم رسولنا والمؤمنون أو أطلق العلم على التمييز، أي لنميز التابع من الناكص. ولنعلم: متعدية إلى واحد والانقلاب على العقب كناية عن الرجوع عن ما كان فيه، وهو أسوأ أحوال الراجع في مشيه. وقرىء. ليعلم بالياء مبنياً للمفعول، وعقبيه بإِسكان القاف. {وَإِن كَانَتْ} أي الجعلة المفهومة من قوله: وما جعلنا. {لَكَبِيرَةً} شاقة لأن من ألف شيئاً ثم فارقه شق عليه. والقول في أن واللام في، نحو: هذا التركيب مذهب البصريين إنّ أنْ هي المخففة من الثقيلة واللام للفرق بينها وبين ان النافية ومذهب الكوفيين أنّ انْ نافية. واللام بمعنى الا. وقرىء {لَكَبِيرَةً} بالرفع شاذاً وتخريجه على إضمار مبتدأ أي لهي كبيرة وهو توجيه شذوذ. {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} استثناء من محذوف أي لكبيرة على الناس إلا على الذين وليس استثناء مفرغاً لأنه لم يتقدمه نفي ولا شبه نفي إنما سبقه إيجاب سواء أفرغت في أن واللام على مذهب بصري أم كوفي. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي تصديقكم بما جاء من عند الله من نسخ وغيره وقد فسر الإِيمان هنا بالصلاة لبيت المقدس. وروي أن أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ماتا قبل تحويل القبلة فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فنزلت: وقرىء: ليضيّع مشدداً واللام في ليضيّع لام والجحود. وما كان زيد ليقوم أبلغ من ما كان زيد يقوم وإن يجب إضمارها بعد لام الجحود ومذهب الكوفيين إن اللام هي الناصبة. {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ} فيه معنى التعليل. وقرىء {لَرَءُوفٌ} بواو بعد الهمزة وبغير واو وبواو مضمومة بعدها واو.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن كمال فضله مع هذه الأمة وحكمة تحويل القبلة بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]، والإشارة فيها أن الله تعالى جعل بمحض العناية والكرم هذه الأمة وسطاً عند الأمم وجعل في هذه الأمة هذه الطائفة بهم يمطرون وبهم يرزقون وهم القطب، وعليهم المركز وبهم حفظ الله جميع الأقطار فمن قبلته قلوبهم فهو المقبول المقبل ومن ردته قلوبهم فهو المدبر المردود؛ لأنهم شهود الحق يشاهدون وينظرونه به ويبصرون ويطالعون ولهذا قال: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143]، فكما أن للرسول صلى الله عليه وسلم مقاماً أعلى من مقاماتهم وشهوداً فوق شهادتهم، فيكون شهيداً عليهم فكذلك لهم مقام أعلى من مقامات الناس فيكونون مشرفين على سرائرهم مطلعين على ما في ضمائرهم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيشهدون عليهم، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنتم شهداء الله في أرضه"تفسير : وقال: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110]، فلا يخفى أن هذا من سيرة القوم وإن كانوا أغرب من عنقاء مغرب اليوم، ولما أراد الله أن يميز بين المحق الموافق وبين المقلد المنافق حكم في أمر القبلة بالتحويل ليكبر على من نظر بعين التفرقة حكم التبديل، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} [البقرة: 143]، ومن نظر بعين الحقيقة فيهديه الله للتسليم في العبودية فيستسلم لأحكام الربوبية، ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] أي: من كان لله بجميع أوصافه كان الله له بجميع ألطافه: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143]، من قرع باب رأفته فتح الله له أبواب رحمته. ثم أخبر عن علة تحويل القبلة بقوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 144]، والإشارة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم من مكان تأدبه بآداب أدبه ربه بها لم يكن يظهر مع الله سؤاله، ولا يستدعي باللسان مأموله رعاية الآداب القربة؛ إذا أوحى الله تعالى إليه: "حديث : من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين"تفسير : ومن كون نفقته على هذه الأمة كان يدخر دعوته المستجابة: "حديث : فدعا كل نبي دعوته وادخرت دعوتي شفاعة لأمتي"،تفسير : فلما قدر الله تعالى شرف الكعبة أن تكون قبلته وقبلة أمته، فانعكس مسطور الكتاب من الكعبة في مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلم فظهر فيه داعية استقبال القبلة ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وكان تقلب قلبه إلى الله تعالى وتقلب وجهه إلى السماء لأنه كان قمر جبريل عليه السلام، فقال تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144]، فالحبيب يترك سؤاله بطلب رضائه والرب يطلب رضاء رسوله بإنجاز مأمولة {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 144]، يعني ول قلبك رب المسجد الحرام بقلب الوجه إلى المسجد الحرام. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ} [البقرة: 144]، أي: وجوه قلوبكم {شَطْرَهُ} [البقرة: 144] أي: إلى الله إن كنتم في البيوت أو في المساجد {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 144]، من أهل العلوم الظاهرة {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 144]، علماً لا ينتفعون به ليكون حجة لهم بل حجة عليهم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144]، تأييداً للأولياء وتهويلاً للأعداء. ثم أخبر عن ثبات الأعداء على قدم الكفر وثبات الأولياء على قدم الإيمان بقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} [البقرة: 145]، والإشارة فيها أن الحكم السابق الأزلي سبق للأولياء بالقبول والإيمان وللأعداء بالرد الخذلان وبينهما برزخ لا يبغيان، ولئن أتيت يا محمد أهل الخذلان بكل آية {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]، ولا يزيدهم إلا الطغيان {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [البقرة: 145]، لأنك على بصيرة وهم عميان، {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} [البقرة: 145]، وإن كانوا كلهم أهل الأهواء لأنهم مختلفون الأراء {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 145]، معناه أن أتباع أهل الأهواء ممن سبقت لهم العناية الأزلية وهو عالم بها ظلم وعدوان، وهذا من شيم أرباب الخسران والضدان لا يجتمعان. ثم أخبر عن معرفتهم النبي صلى الله عليه وسلم وجحود بعضهم بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 146] أي: أعطيانهم الكتاب دراية وفهماً، {يَعْرِفُونَهُ} [البقرة: 146]، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم بنور فهم الكتاب بقوله تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52]، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]، بنور الحس ونور الباطن أقوى من المعرفة من النور الظاهر فمن كان مصباح قبله منوراً بنور الكتاب، والإيمان إذا نظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم والولي يعرفهم بسيماهم. كما قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ}تفسير : [البقرة: 273]، كما كان حال عبد الله ابن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 146]، المعرفة ما عرفوه حق معرفته وجحدوا به لقوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]، ثم قال: فأنت بتحقيق الحق {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [الأنعام: 114]، بعدما حق الحق {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [الأنعام: 114]، في حق حقه ولا في حق نفسك تفهم هذه الدقيقة إن شاء الله تعالى. ثم أخبر أن لكل أهل ملة قبلة بقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، والإشارة فيها بمعنيين: أحدهما: إن لكل شخص على حدة قبلة مناسبة لاستعداد جبل هو عليها موليها، هذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعلموا فكل ميسر لما خلق له ". تفسير : وثانيهما: إن لكل شيء من الإنسان قبلة هو موليها إن وكل إليه فقبلة البدن هي بالتلذذ بالحواس الخمس من المأكول والمشروب والمشموم والمسموع والمبصر والملموس والمركوب والمنكوح وأمثاله، وقبلة النفس هي الدنيا وزينتها ورفعتها والحرص في جمعها والتفاخر بها والتكبر لها وأشباه ذلك، وقبلة القلب هي الآخرة ونعيمها ودرجاتها وأنواع التمتعات بها، وقبلة الروح هي القربة والزلفة والشوق والمحبة وما هو من هذا القبيل، وقبلة السر التوحيد والمعرفة وكشف العلوم والمعاني والأسرار، وما يناسب ذلك ولو وكل واحد من هؤلاء إليه حتى أقبل البدن إلى قبلته وأقبلت النفس إلى قبلتها فكانا يزاحمان القلب والروح والسر في إقبالهم إلى قبلتيهم ويشغلانهم عن ذلك، وما صح لهم أن يقبلوا على قبلتهم بل يحولانهم إلى قبلتهما ويسبقا بهم، فلما وكلهم الله إليهم أمروا جميعاً أن يخرجوا من طباعهم وأهوائهم ويطيعوا ربهم في إقبالهم إلى القبلة بأمره فاستبقوا الخيرات. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} [البقرة: 148]، فجعل قبلة البدن الكعبة، وقبلة النفس الطاعة والعبودية وترك الهوى، وقبلة الهوى وقبلة القلب الصدق والإخلاص والإيمان والإيقان والإحسان، وقبلة الروح التسليم والرضاء والصبر على مر القضاء، وقبلة السر الفناء في الله والبقاء بالله والكينونة مع الله على ما أراد الله بلا إعراض ولا اعتراض وأشار بقوله: {فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} على أنكم إذا شرعتم بشرط العبودية في الطاعة فيما لكم به قدرة واستطاعة من {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} بجذبات الألوهية إلى أينما لم تكونوا بالله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148]، في أشياء الإنسان: {قَدِيرٌ} [البقرة: 148]، أن يفنيه به، فافهم جدّاً.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 38 : 48 - سفين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري في قوله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قال، عدلا [الآية 143]. 40 : 50 - سفين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد في قوله جل جلاله {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} قال، على الامم بأن الرسل قد بلغوا. [الآية 143]. 41 : 51 - سفين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد في قوله تبارك وتعالى: {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} قال، شهيدا عليكم فيما فعلتم. [الآية 143]. 42 : 52 - سفين عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله جل وعز {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} قال، حديث : صلى رسول الله، (صلى الله عليه وسلم)، قبل بدر بشهرين نحو بيت المقدس. وكان يرفع بصره إلى السمآء ويجب أن يصرفتفسير : . فنزلت فيه {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [الآية 143-144]. 43 : 53 - سفين عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال،حديث : بينا نحن في مسجد قباء في صلاة الصبح، اذ جاء رجل، فقال: "أُنزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، الليلة قرآن، فأُمر أن يتحول الى الكعبة". فقال: "هكذي"؟ ووصف ذلكتفسير : ؛ ثم استداروا الى القبلة. 44 : 54 - سفين عن أبي اسحاق عن البرآء بن عازب قال: صلينا الى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً. ثم صرفنا الى القبلة. 45 : 55 - قال سفين: فقيل للنبي، صلى الله عليه وسلم: "فكيف يصنع بمن قد مضى من اصحابنا"؟ يعنون من قد صلى الى بيت المقدس فمات. فنزلت: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال، صلاتكم. [الآية 143]. 46 : 56 - سفين عن جابر الجعفي قال، اقسم بالله الشعبي، ما رد النبي، صلى الله عليه وسلم، على أهل بيت المقدس إلا لسخطه على أهل بيت المقدس. 47 : 101 - سفين في قول الله جل وعز {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ} قال، اليهود. [الآية 143]. 48 : 102 - سفين في قول الله جل وعز {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال تلقاءه. [الآية 144].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [143] 26- أنا محمد بن المُثنَّى، عن هشام بن عبد الملك، نا أبو معاوية، أنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قال: "عدلا ". تفسير : 27- أنا محمد بن آدم بن سليمان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجيء النبي يوم القيامة معه الرجل، ويجيء النبي معه الرجلان، ويجيء النبي معه أكثر من ذلك، فيُقال/ له: هل بلَّغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعون، فيُقال: هل بلَّغكم؟، فيقولون: لا، فيُقال: من يشهد لك؟ فيقول: أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، فتُدعى أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم فيُقال: هل بلَّغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيُقال: وما عِلمُكم بذلك، فيقولون: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الرُّسل قد بلَّغوا فصدقناه، فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} قال: "عدلا لتكونوا شهداء على الناس ".

همام الصنعاني

تفسير : 137- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أُمَّةً وَسَطاً}: [الآية: 143]، قال: عدولاً، لتكون هذه الأمة شُهداء على النَّاسِ، أنَّ الرسلَ قد بلَّغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيداً أن قد بلَّغ ما أُرسِل به. 138- عبد الرزّاق، قال: حدّثنا معمر، عن زيد بن أَسْلَم، أنَّ قَوْمَ نوح يقولون يوم القيامة: لم يبلغنا نوح، قال: فَيُدعَى نوح فَيُسأل: هَلْ بلَّغْتَهم؟ قال: فيقولُ نَعَم قد بلغتهم، فيقال: مَنْ شهودك؟ فيقول: أحْمَد وأمَّتُهُ. فيُدْعَوْنَ فَيُسْأَلُونَ، فيقولون: نعم، قد بلّغتهم، فيقول: قَوْمُ نوح: وكيف تَشهَدُون عَلَييْنا ولم تُدْرِكُونا؟ قال: فَيقُولُونَ: قدْ جاءنا نبي فأخبرنا أنه قد بلَّغكم، وأنزل عليه: أنه قد بلَّغكُمْ فصدقناه! فيصدق نوح ويكذبون، قال: {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}: [الآية: 143]. 139- عبد الرزاق، وقال معمر، وقال زيد بن أسلم: إنَّ الأمم يقولون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء كلهم لما يرون الله أعطاهم. 140- عبد الرزاق، قال: حَدثنا مَعْمَر، عن قتادة، في قولِهِ تعالى: {لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ}: [الآية: 143]، قال: كبيرة حتى حُوِّلَت القبلة إلى المسجد الحرام فكانت كبيرة إلاّ على الذين هَدَى اللهُ.