Verse. 151 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قَدْ نَرٰى تَـقَلُّبَ وَجْہِكَ فِي السَّمَاۗءِ۝۰ۚ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَۃً تَرْضٰىھَا۝۰۠ فَوَلِّ وَجْہَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ۝۰ۭ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوْا وُجُوْھَكُمْ شَطْرَہٗ۝۰ۭ وَاِنَّ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ لَيَعْلَمُوْنَ اَنَّہُ الْحَـقُّ مِنْ رَّبِّہِمْ۝۰ۭ وَمَا اللہُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُوْنَ۝۱۴۴
Qad nara taqalluba wajhika fee alssamai falanuwalliyannaka qiblatan tardaha fawalli wajhaka shatra almasjidi alharami wahaythu ma kuntum fawalloo wujoohakum shatrahu wainna allatheena ootoo alkitaba layaAAlamoona annahu alhaqqu min rabbihim wama Allahu bighafilin AAamma yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد» للتحقيق «نرى تقلُّب» تصرف «وجهك في» جهة «السماء» متطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه دعى إلى إسلام العرب «فلنولينك» نحولنك «قبلة ترضاها» تحبها «فولِّ وجهك» استقبل في الصلاة «شطر» نحو «المسجد الحرام» أي الكعبة «وحيثما كنتم» خطاب للأمة «فولُّوا وجوهكم» في الصلاة «شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه» أي التولي إلى الكعبة «الحق» الثابت «من ربهم» لما في كتبهم من نعت النبي من أنه يتحول إليها «وما الله بغافل عما تعملون» بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة.

144

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء } فيه قولان: القول الأول: وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً. أحدها: أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس، ويحب التوجه إلى الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى، روى عن ابن عباس أنه قال: «يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها» فقال له جبريل: «أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أموراً. الأول: أن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم. الثاني: أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم. الثالث: أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سبباً لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام. الرابع: أنه عليه السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال: أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف الطبع والميل: واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل، لأن المستنكر من الرسول أن يعرض عما أمره الله تعالى به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه، فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه. الوجه الثاني: أنه عليه السلام قد استأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في الإجابة. الوجه الثالث: قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن الله تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة فكان رسول الله يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي، لأنه عليه السلام علم أن الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال: إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم، وقال آخرون: بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية، نحو: رغبة العرب في الإسلام، والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق من المنافق، فلهذا كان يقلب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى، بل كانت مبتدأة، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. الرابع: أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء. القول الثاني: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا: لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر، وهو أنه يحتمل أنه عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه المدينة، فقد روي أنه عليه السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }. المسألة الثانية: اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم: كان بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وقال قوم: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها: وقال قوم: بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبالمدينة أولاً سبعة عشر شهراً، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح. المسألة الثالثة: اختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس: قد كان مخيراً في ذلك وقال ابن عباس: كان التوجه إليه فرضاً محققاً بلا تخيير. واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخاً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 115] وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء، وأما الخبر فما روى أبو بكر الرازي في كتاب «أحكام القرآن»: أن نفراً قصدوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون وقالوا: إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: قد كنت على قبلة ـ يعني بيت المقدس ـ لو ثبت عليها أجزأك ولم يأمره باستئناف الصلاة فدل على أنهم قد كانوا مخيرين، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه تعالى قال: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } فدل على أنه عليه السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة. المسألة الرابعة: المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخاً بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ومن الناس من قال: التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } واحتجوا عليه بالقرآن والأثر، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ثم ذكر بعد: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } تفسير : [البقرة: 142] ثم ذكر بعده: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فلزم أن يكون قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاءُ مِنَ ٱلنَّاسِ } متأخراً في النزول والدرجة عن قوله تعالى: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في القرآن: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فوجب أن يكون قوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ناسخاً لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس. أما قوله: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ } فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا، إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت المقدس. المسألة الثانية: قوله: {تَرْضَاهَا } فيه وجوه. أحدها: ترضاها تحبها وتميل إليها، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع، قال القاضي: هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى: فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى: أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال: أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة» تفسير : فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك. وثانيها: {قِبْلَةً تَرْضَاهَا } أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية. وثالثها: قال الأصم: أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا. ورابعها: {تَرْضَاهَا } أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام، فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه. أما قوله تعالى: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه. المسألة الثانية: قال أهل اللغة: الشطر اسم مشترك يقع على معنيين. أحدهما: النصف يقال: شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل أجلب جلباً لك شطره أي نصفه. والثاني: نحوه وتلقاءه وجهته، واستشهد الشافعي رضي الله عنه في كتاب «الرسالة» على هذا بأبيات أربعة: قال خقاف بن ندبة:شعر : ألا من مبلغ عمراً رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو تفسير : وقال ساعدة بن جؤبة:شعر : أقول لأم زنباع: أقيمي صدور العيس شطر بني تميم تفسير : وقال لقيط الأيادي:شعر : وقد أظلكم من شطر شعركم هول له ظلم يغشاكم قطعا تفسير : وقال آخر: <table><tr><td> شعر : إن العسير بها داء مخامرها فشطرها بصر العينين مسحور تفسير : قال الشافعي رضي الله عنه: يريد تلقاءها بصر العينين مسحور، إذا عرفت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختيار الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة: أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه وجانبه، قرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام. القول الثاني: وهو قول الجبائي واختيار القاضي أن المراد من الشطر ههنا: وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف، والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فلما كان الواجب هو التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة واقعة في نصف المسجد حسن منه تعالى أن يقول: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يعني النصف من كل جهة، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة، قال القاضي: ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان. الأول: أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد، ولكن لا يكون متوجهاً إلى منتصف المسجد الذي هو موضع الكعبة لا تصح صلاته. الثاني: أنا لو فسرنا الشطر بالجانب لم يبق لذكر الشطر مزيد فائدة لأنك إذا قلت فول وجهك شطر المسجد الحرام فقد حصلت الفائدة المطلوبة، أما لو فسرنا الشطر بما ذكرناه كان لذكره فائدة زائدة، فإنه لو قيل: فول وجهك المسجد الحرام لا يفهم منه وجوب التوجه إلى منتصفه الذي هو موضع الكعبة، فلما قيل: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } حصلت هذه الفائدة الزائدة، فكان حمل هذا اللفظ على هذا المحمل أولى فإن قيل: لو حملنا الشطر على الجانب يبقى لذكر الشطر فائدة زائدة، وهي أنه لو قال: فول وجهك المسجد الحرام، لزم تكليف ما لا يطاق، لأن من في أقصى المشرق أو المغرب لا يمكنه أن يولي وجهه المسجد، أما إذا قال: فول وجهك شطر المسجد الحرام، أي جانب المسجد، دخل فيه الحاضرون والغائبون قلنا: هذه الفائدة مستفادة من قوله: {وحيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فلا يبقى لقوله: شطر المسجد الحرام زيادة فائدة هذا تقرير هذا الوجه وفيه إشكال لأنه يصير التقدير فول وجهك نصف المسجد وهذا بعيد لأن هذا التكليف لا تعلق له بالنصف، وفرق بين النصف وبين الموضع الذي عليه يقبل التنصيف والكلام إنما يستقيم لو حمل على الثاني، إلا أن اللفظ لا يدل عليه، وقد اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام أي شيء هو؟ فحكي في كتاب «شرح السنة» عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب وهذا قول مالك. وقال آخرون: القبلة هي الكعبة والدليل عليه ما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة، قال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة، وفي خبر البراء بن عازب: ثم صرف إلى الكعبة وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء: فأتاهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول إلى الكعبة وفي رواية ثمامة بن عبد الله بن أنس: جاء منادي رسول الله فنادى: أن القبلة حولت إلى الكعبة وهكذا عامة الروايات وقال آخرون: بل المراد المسجد الحرام كله، قالوا: لأن الكلام يجب إجراؤه على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع، وقال آخرون: المراد من المسجد الحرام الحرم كله والدليل عليه قوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الإسراء: 1] وهو عليه الصلاة والسلام إنما أسري به خارج المسجد، فدل هذا على أن الحرم كله مسمى بالمسجد الحرام. المسألة الثالثة: قال صاحب التهذيب: الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فإن كان بعضهم أقرب إلى البيت من الإمام جاز، فلو امتد الصف في المسجد فإنه لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة، وعند أبي حنيفة تصح، لأن عنده الجهة كافية وهذا اختيار الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء، حجة الشافعي رضي الله عنه: القرآن والخبر والقياس، أما القرآن فهو ظاهر هذه الآية وذلك لأنا دللنا على أن المراد من شطر المسجد الحرام جانبه وجانب الشيء هو الذي يكون محاذياً له وواقعاً في سمته والدليل عليه أنه إنما يقال: إن زيداً ولى وجهه إلى جانب عمرو ولو قابل بوجهه وجهه وجعله محاذياً له، حتى أنه لو كان وجه كل واحد منهما إلى جانب المشرق، إلا أنه لا يكون وجه أحدهما محاذياً لوجه الآخر، لا يقال: إنه ولى وجهه إلى جانب عمرو فثبت دلالة الآية على أن استقبال عين الكعبة واجب. وأما الخبر فما روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما خرج من الكعبة ركع ركعتين في قبلة الكعبة وقال: هذه القبلة وهذه الكلمة تفيد الحصر فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة وكذلك سائر الأخبار التي رويناها في أن القبلة هي الكعبة، وأما القياس فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة أمر بلغ مبلغ التواتر والصلاة من أعظم شعائر الدين وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة بما يوجب حصول مزيد شرف الكعبة فوجب أن يكون مشروعاً ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، والأولى رعاية الاحتياط في الصلاة فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال الكعبة، واحتج أبو حنيفة بأمور. الأول: ظاهر هذه الآية وذلك لأنه تعالى أوجب على المكلف أن يولي وجهه إلى جانبه فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه فقد أتى بما أمر به سواء كان مستقبلاً للكعبة أم لا فوجب أن يخرج عن العهدة، وأما الخبر فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة» تفسير : قال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: ليس المراد من هذا الحديث أن كل ما يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة: لأن جانب القطب الشمالي يصدق عليه ذلك وهو بالاتفاق ليس بقبلة بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق معين ومغرب معين قبلة ونحن نحمل ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي وبين المغرب الصيفي فإن ذلك قبلة وذلك لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والذي بينهما هو سمت مكة قالوا: فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أولى منه بالدلالة على مذهبكم أما فعل الصحابة فمن وجهين. الأول: أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين للكعبة، لأن المدينة بينهما فقيل لهم: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وسمي مسجدهم بذي القبلتين، ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل. الثاني: أن الناس من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندساً عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة. وأما القياس فمن وجوه. الأول: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً إما علماً أو ظناً، وجب أن لا تصح صلاة أحد قط، لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار نيف وعشرين ذراعاً فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة هذا المقدار، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في محاذاة هذا القدر القليل قليل بالنسبة إلى كثير، ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب، والنادر ملحق به، فوجب أن لا تصح صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في محاذاة الكعبة لا يمكنه أن يعرف أنه وقع في محاذاتها، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أن المحاذاة غير معتبرة فإن قيل: الدائرة وإن كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون محاذية لمركز الدائرة فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة بالكعبة، والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت صغر التقوس والانحناء في جميعها، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس والانحناء في كل واحد من قسميها، بل نرى كل قطعة منها شبيهاً بالخط المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف طويل في المشرق والمغرب يزيد طولها على أضعاف البيت، والكل يسمون متوجهين إلى عين الكعبة، قلنا: هب أن الأمر على ما ذكرتموه ولكن القطعة من الدائرة العظيمة وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس، إلا أنها لا بد وأن تكون منحنية في نفسها، لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة، وكذا القول في جميع قطع تلك الدائرة، فحينئذ تكون الدائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتصل بعضها ببعض، فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطأ مستقيماً وكل ذلك محال، فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنية، فالصفوف المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منهم مستقبلاً لعين الكعبة لو لم تكن تلك الصفوف واقعة على الخط المستقيم، بل إذا حصل فيها ذلك الانحناء القليل إلا أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس البتة، لا يمكن أن يكون في محل التكليف، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء الصفوف جاهلاً بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أم لا فلو كان استقبال عين الكعبة شرطاً لكان حصول هذا الشرط مجهولاً للكل، والشك في حصول الشرط يقتضي الشك في حصول المشروط، فوجب أن يبقى كل واحد من أهل هذه الصفوف شاكاً في صحة صلاته، وذلك يقتضي أن لا يخرج عن العهدة البتة، وحيث اجتمعت الأمة على أنه ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا علماً ولا ظناً، وهذا كلام بين. الثاني: أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلالة الهندسية، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم الدلالة الهندسية واجباً على كل أحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب فإن قيل: عندنا استقبال عين الجهة واجب ظناً لا يقيناً، والمفتقر إلى الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقيناً لا ظناً، قلنا: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً لكان القادر على تحصيل اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن، والرجل قادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل الهندسية فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل، ولما لم يجب ذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة واجب. الثالث: لو كان استقبال العين واجباً إما علماً أو ظناً، ومعلوم أنه لا سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من أنواع الأمارات، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم تلك الامارات فرض عين على كل واحد من المكلفين، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال العين غير واجب. المسألة الرابعة: في دلائل القبلة: اعلم أن الدلائل إما أرضية وهي الاستدلال بالجبال، والقرى، والأنهار، أو هوائية وهي الاستدلال بالرياح، أو سماوية وهي النجوم. أما الأرضية والهوائية غير مضبوطة ضبطاً كلياً، فرب طريق فيه جبل مرتفع لا يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، فكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد ولسنا نقدر على استقصاء ذلك، إذ كل بلد بحكم آخر في ذلك. أما السماوية فأدلتها منها تقريبية ومنها تحقيقية، أما التقريبية فقد قالوا: هذه الأدلة إما أن تكون نهارية أو ليلية، أما النهارية فالشمس فلا بد وأن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أهي بين الحاجبين، أم هي على العين اليمنى أم اليسرى، أو تميل إلى الجبين ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع، وكذلك يراعى موقع الشمس وقت العصر، وأما وقت المغرب فإنما يعرف ذلك بموضع الغروب، وهو أن يعرف بأن الشمس تغرب عن يمين المستقبل، أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه، وكذلك يعرف وقت العشاء الآخرة بموضع الشفق، ويعرف وقت الصبح بمشرق الشمس، فكان الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس، ولكن يختلف حكم ذلك بالشتاء والصيف، فإن المشارق والمغارب كثيرة، وكذلك يختلف الحكم في هذا الباب بحسب اختلاف البلاد، وأما الليلية فهو أن يستدل على القبلة بالكوكب الذي يقال له الجدي، فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته من موضعه، وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل أو منكبه الأيمن من ظهره، أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة، وفي البلاد الجنوبية منها، كاليمن وما وراءها يقع في مقابلة المستقبل فليعلم ذلك وما عرفه ببلده فليعول عليه في الطريق كله، إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذا بعدت اختلف موقع الشمس، وموقع القطر، وموقع المشارق والمغارب إلى أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلد، فينبغي أن يسأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع البلد حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها. وأما الطريقة اليقينية وهي الوجوه المذكورة في كتب الهيئة قالوا: سمت القبلة نقطة التقاطع بين دائرة الأفق، وبين دائرة عظيمة تمر بسمت رؤسنا ورؤوس أهل مكة، وانحراف القبلة قوس من دائرة الأفق ما بين سمت القبلة دائرة نصف النهار في بلدنا، وما بين سمت القبلة ومغرب الاعتدال تمام الانحراف قالوا: ويحتاج في معرفة سمت القبلة إلى معرفة طول مكة وعرضها، فإن كان طول البلد مساوياً لطول مكة وعرضها مخالف لعرض مكة، كان سمت قبلتها على خط نصف النهار فإن كان البلد شمالياً فإلى الجنوب وإن كان جنوبياً فإلى الشمالي، وأما إذا كان عرض البلد مساوياً لعرض مكة وطوله مخالفاً لطولها فقد يظن أن سمت قبلة ذلك البلد على خط الاعتدال وهو ظن خطأ وقد يمكن أيضاً في البلاد التي أطوالها وعروضها مخالفة لطول مكة وعرضها، أن يكون سمت قبلتها مطلع الاعتدال ومعربه وإذا كان كذلك فلا بد من استخراج قدر الانحراف ولذلك طرق أسهلها أن يعرف الجزء الذي يسامت رؤس أهل مكة من فلك البروج وهو (زيح) من الجوزاء (وكج ح) من السرطان فيضع ذلك الجزء على خط وسط السماء في الاسطرلاب المعمول لعرض البلد، ويعلم على المرئي علامة، ثم يدير العنكبوت إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقياً عن مكة كما في بلاد خراسان والعراق بقدر ما بين الطولين من أجزاء الخجرة ثم ينظر أين وقع ذلك الجزء من مقنطرات الارتفاع فما كان فهو الارتفاع الذي عنده يسامت ذلك الجزء رؤوس أهل مكة، ثم يرصد مسامتة الشمس ذلك الجزء فإذا انتهى ارتفاع الشمس إلى ذلك الارتفاع فقد سامتت الشمس رؤس أهل مكة فينصب مقياساً ويخط على ظل المقياس خطاً من مركز العمود إلى طرف الظل فذلك الخط خط الظل فيبني عليه المحراب فهذا هو الكلام في دلائل القبلة. المسألة الخامسة: معرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية ففيه وجهان أصحهما فرض على العين، لأن كل مكلف فهو مأمور بالاستقبال ولا يمكنه الاستقبال إلا بواسطة معرفة دلائل القبلة، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب. المسألة السادسة: اعلم أن قوله تعالى: {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } عام في الأشخاص والأحوال، إلا أنا أجمعنا على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب، بل أنه طاعة لقوله عليه السلام: «حديث : خير المجالس ما استقبل به القبلة»تفسير : فبقي أن وجوب الاستقبال من خواص الصلاة، ثم نقول: الرجل إما أن يكون معايناً للقبلة أو غائباً عنها، أما المعاين فقد أجمعوا على أنه يجب عليه الاستقبال، وأما الغائب فإما أن يكون قادر على تحصيل اليقين أو لا يقدر عليه، لكنه يقدر على تحصيل الظن أو لا يقدر على تحصيل اليقين ولا على تحصيل الظن فهذه أقسام ثلاثة: القسم الأول: القادر على تحصيل العلم وفيه بحثان: البحث الأول: قد عرفت أن الغائب عن القبلة لا سبيل له إلى تحصيل اليقين بجهة القبلة إلا بالدلائل الهندسية، وما لا سبيل إلى أداء الواجب إلا به فهو واجب، فيلزم من هذا أن يكون تعلم الدلائل الهندسية فرض عين على كل أحد إلا أن الفقهاء قالوا: إن تعلمها غير واجب بل ربما قالوا: إن تعلمها مكروه أو محرم ولا أدري ما عذرهم في هذا؟ البحث الثاني: المصلي إذا كان بأرض مكة وبينه وبين الكعبة حائل واشتبه عليه فهل له أن يجتهد؟ قال صاحب «التهذيب» نظر إن كان الحائل أصلياً كالجبال فله الاجتهاد، وإن لم يكن أصلياً كالأبنية فعلى وجهين. أحدهما: له الاجتهاد لأن بينه وبينها حائلاً يمنع المشاهدة كما في الحائل الأصلي. والثاني: ليس له الاجتهاد لأن فرضه الرجوع إلى اليقين، وهو قادر على تحصيل اليقين فوجب أن لا يكتفي فيه بالظن، وهذا الوجه هو اللائق بمساق الآية، لأنها لما دلت على وجوب التوجه إلى الكعبة والمكلف إذا كان قادراً على تحصيل العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن، فوجب عليه طلب اليقين. القسم الثاني: القادر على تحصيل الظن دون اليقين. واعلم أن لتحصيل هذا الظن طرقاً: الطريق الأول: الاجتهاد وظاهر قول الشافعي رضي الله عنه يقتضي أن الاجتهاد يقدم على الرجوع إلى قول الغير وهو الحق، والذي يدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] أمر بالاعتبار، والرجل قادر على الاعتبار في هذه الصورة، فوجب أن يتناوله الأمر. وثانيها: أن ذلك الغير إنما وصل إلى جهة القبلة بالاجتهاد، لأنه لو عرف القبلة بالتقليد أيضاً لزم إما التسلسل أو الدور وهما باطلان، فلا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى الاجتهاد فيرجع حاصل الكلام إلى أن الاجتهاد أولى أم تقليد صاحب الاجتهاد؟ ولا شك أن الأول أولى لأنه إذا أتى بالاجتهاد فلا يتطرق إليه احتمال الخطأ من جهة واحدة، فإذا قلد صاحب الاجتهاد فقد تطرق إلى عمله احتمال الخطأ من وجهين، ولا شك أنه متى وقع التعارض بين طريقين فأقلهما خطأ أولى بالرعاية. وثالثها: قوله عليه السلام: «حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»تفسير : فههنا أمر بالاستقبال وهو قادر على الاجتهاد في الطلب فوجب أن يجب عليه ذلك. فإن قيل: أليس أن صاحب «التهذيب» ذكر أنه إذا كان في قرية كبيرة فيها محاريب منصوبة إلى جهة واحدة أو وجد محراباً أو علامة للقبلة في طريق هي جادة للمسلمين يجب عليه أن يتوجه إليها ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة، قال: لأن هذه العلامات كاليقين، أما في الانحراف يمنة أو يسرة فيجوز أن يجتهد مع هذه العلامات وكان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو وكذلك لو أخبره مسلم بأن قال، رأيت غالب المسلمين أو جماعة المسلمين اتفقوا على هذه الجهة فعليه قبوله وليس هذا بتقليد، بل هو قبول الخبر من أهله كما في الوقت، وهو ما إذا أخبره عدل: إني رأيت الفجر قد طلع أو الشمس قد زالت يجب قبول قوله، هذا كله لفظ صاحب «التهذيب»، واعلم أن هذا الكلام مشكل من وجوه. أحدها: أنه لا معنى للتقليد إلا قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة، فإذا قبلنا قول الغير أو فعله في تعيين القبلة من غير حجة ولا شبهة كان هذا تقليداً، ونحن قد ذكرنا الدليل على أن القادر على الاجتهاد لا بد وأن يكون مأموراً بالاجتهاد. وثانيها: أنه جوز المخالفة في اليمين واليسار بناء على الاجتهاد فنقول: هو قادر على تحصيل الظن بناء على الاجتهاد الذي يتولاه بنفسه، فوجب أن تجوز له المخالفة كما في اليمين واليسار. وثالثها: إما أن يكون ممنوعاً من الاجتهاد، أو من العمل بمقتضى الاجتهاد، والأول باطل، لأن معاذاً لما قال: اجتهد برأي مدحه الرسول عليه السلام على ذلك، فدل على أن الاجتهاد غير ممنوع عنه، والثاني أيضاً باطل لأنه لما علم أو ظن أن القبلة ليست في الجهة التي فيها المحاريب فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحاً للتقليد على الاستدلال وأنه خطأ. ورابعها: أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد، فالقادر على تحصيل جهة القبلة بالامارات كيف يجوز له تقليد محاريب البلاد؟ واحتج القائلون بترجيح محاريب الأمصار على البلاد من وجوه. الأول: أنها كالتواتر مع الاجتهاد، فوجب رجحانه عليه. والثاني: أن الرجل إذا رأى المؤذن فرغ من الأذان والإقامة وقد تقدم الإمام، فههنا لا يحتاج إلى تعرف الوقت فكذا ههنا. الثالث: أن أهل البلد رضوا به، والظاهر أنه لو كان خطأ لتنبهوا له، ولو تنبهوا له لما رضوا به، فهذا ما يمكن أن يقال في الجانبين. الطريق الثاني: الرجوع إلى قول الغير، مثل ما إذا أخبره عدل عن كون القبلة في هذه الجهة فهذا يفيد ظن أن القبلة هناك، واتفقوا على أنه لا بد من شرطين: الإسلام والعقل، فلا عبرة في هذا الباب بقول الكافر والمجنون ولا بعلمهما، واختلفوا في شرائط ثلاثة. أولها: البلوغ. حكى الخيضري نصاً عن الشافعي أنه لا يقبل قول الصبي، وحكى أبو زيد أيضاً عن الشافعي أنه يقبل. وثانيها: العدالة قالوا: لا يقبل خبر الفاسق لأنه كالشهادة، وقيل: يقبل. وثالثها: العدد، فمنهم من اعتبره كما في الشهادة لاسيما الذين اعتبروا العدد في الرواية أيضاً، ومنهم من لم يعتبر العدد ويتفرع على ما قلناه أحكام. أولها: أن كل من كان الأخذ بقوله يفيد ظناً أقوى كان الأخذ بقوله مقدماً على الأخذ بقول من يفيد ظناً أضعف مثاله أن تقليد المتيقن راجح على تقليد الظان بالاجتهاد، وتقليد المجتهد الظان أولى من تقليد من قلد غيره وهلم جرا. وثانيها: أنه إذا علم أن الاجتهاد لا يتم إلا بعد انقضاء الوقت، فالأولى له تحصيل الاجتهاد حتى تصير الصلاة قضاء أو تقليد الغير حتى تبقى الصلاة أداء فيه تردد. وثالثها: أن من لا يعرف دلائل القبلة فله الرجوع إلى قول الغير حين الصلاة بل يجب. الطريق الثالث: إن شاهد في دار الإسلام محراباً منصوباً جاز له التوجه إليه على التفصيل الذي تقدم، أما إذا رأى القبلة منصوبة في طريق يقل فيه مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها أو رأى محراباً في قرية ولا يدري بناه المسلمون أو المشركون أو كانت قرية صغيرة للمسلمين لا يغلب على الظن كون أهلها مطلعين على دلائل القبلة وجب عليه الاجتهاد. الطريق الرابع: ما يتركب من الاجتهاد وقول الغير، وهو أن يخبره إنسان بمواقع الكواكب وكان هو عالماً بالاستدلال بها على القبلة، فههنا يجب عليه الاستدلال بما يسمع إذا كان عاجزاً عن رؤيتها بنفسه. القسم الثالث: الذي عجز عن تحصيل العلم والظن، وهو الكائن في الظلمة التي خفيت الأمارات بأسرها عليه أو الأعمى الذي لا يجد من يخبره، أو تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح، وفيه أبحاث: البحث الأول: أن هذا الشخص يستحيل أن يكون مأموراً بالاجتهاد، لأن الاجتهاد من غير دلالة ولا أمارة تكليف ما لا يطاق وهو منفي، فلم يبق إلا أحد أمور ثلاثة: إما أن يقال التكاليف بالصلاة مشروط بالاستقبال، وتعذر الشرط يوجب سقوط التكليف بالمشروط، فههنا لا تجب عليه الصلاة، أو يقال: شرط الاستقبال قد سقط عن المكلف بعذر أقل من هذا، وهو حال المسابقة فيسقط ههنا أيضاً، فيجب عليه أن يأتي بالصلاة إلى أي جهة شاء، ويسقط عنه شرط الاستقبال، أو يقال: إنه يأتي بتلك الصلاة إلى جميع الجهات ليخرج عن العهدة بيقين، فهذه هي الوجوه الممكنة، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل بالإجماع، وأيضاً فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع الجهات فهو أيضاً باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة، ولقائل أن يقول: أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها فإنها يجب عليه قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك؟ قالوا: ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو التخيير في جميع الجهات. البحث الثاني: أنه إذا مال قلبه إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من سائر الجهات، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنياً على استدلال، بل يحصل ذلك بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهاداً، وهل المكلف مكلف بأن يعول عليه أم لا؟ الأولى أن يكون ذلك معتبراً لقوله عليه السلام: «حديث : المؤمن ينظر بنور الله» تفسير : ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا القدر. البحث الثالث: إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء، لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة، وظاهر قول الشافعي رضي الله عنه أنه تجب الإعادة سواء بأن صوابه أو خطؤه. المسألة السابعة؛ تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم، ويتوجه إلى أي جانب شاء وقال مالك: يكره أن يصلى في الكعبة المكتوبة لأن من كان داخل الكعبة لا يكون متوجهاً إلى كل الكعبة، بل يكون متوجهاً إلى بعض أجزائها، ومستدبراً عن بعض أجزائها، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلاً لكل الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت قال: وأما النافلة فجائزة، لأن استقبال القبلة فيها غير واجب، حجة الجمهور ما أخرجه الشيخان في الصحيحين، ورواه الشافعي رضي الله عنه أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه. أحدها: أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن. وثانيها: لعل تلك الصلاة كانت نافلة، وذلك عند مالك جائز. وثالثها: أن مالكاً خالف هذا الخبر ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد خلى عن هذا الطعن، فكيف بالنسبة إلى القرآن. ورابعها: أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جُريج عن عطاء: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: «حديث : هذه القبلة»تفسير : والتعارض حاصل من وجهين. الأول: أن النفي والإثبات يتعارضان. والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه القبلة»تفسير : يدل على أنه لا بد من توجه ذلك الموضع ومن جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره. والجواب: عن استدلال مالك رحمه الله أن نقول قوله: (وحيثما كنتم) إما أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي يكون في البيت فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه، فالآتي به يكون خارجاً عن العهدة، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة لهذه المسألة ألبتة، فلا تدل على حكمها لا بالنفي ولا بالأثبات، ثم المعتمد في المسألة أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجه إلى كل البيت، بل إنما يمكنه أن يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت والذي في البيت يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت فقد كان آتياً بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة. المسألة الثامنة: اعلم أن الكعبة عبارة عن أجسام مخصوصة هي السقف والحيطان والبناء، ولا شك أن تلك الأجسام حاصلة في أحياز مخصوصة، فالقبلة إما أن تكون تلك الأحياز فقط، أو تلك الأجسام فقط، أو تلك الأجسام بشرط حصولها في تلك الأحياز لا جائز أن يقال أنها تلك الأجسام فقط، لأنا أجمعنا على أنه لو نقل تراب الكعبة وما في بنائها من الأحجار والخشب إلى موضع آخر وبني به بناء وتوجه إليه أحد في الصلاة لم يجز ذلك، ولا جائز أن يقال: إنها تلك الأجسام بشرط كونها في تلك الأحياز لأن الكعبة لو انهدمت والعياذ بالله، وأزيل عن تلك الأحياز تلك الأحجار والخشب، وبقيت العرصة خالية، فإن أهل المشرق والمغرب إذا توجهوا إلى ذلك الجانب صحت صلاتهم وكانوا مستقبلين للقبلة، فلم يبق إلا أن يقال: القبلة هو ذلك الخلاء الذي حصل فيه تلك الأجسام، وهذا المعنى كما ثبت بالدليل العقلي الذي ذكرناه، فهو أيضاً مطابق للآية لأن المسجد الحرام اسم لذلك البناء المركب من السقف والحيطان والمقدار وجهة المسجد الحرام هو الأحياز التي حصلت فيها تلك الأجسام، فإذا أمر الله تعالى بالتوجه إلى جهة المسجد الحرام، كانت القبلة هو ذلك القدر من الخلاء والفضاء، إذا ثبت هذا فنقول: قال أصحابنا: لو انهدمت الكعبة والعياذ بالله، فالواقف في عرصتها لا تصح صلاته لأنه لا يعد مستقبلاً للقبلة، وذكر ابن سريج أنه يصح، وهو قول أبي حنيفة، والاختيار عندي والدليل عليه ما بينا أن القبلة هي ذلك القدر المعين من الخلاء، والواقف في العرصة مستقبل لجزء من أجزاء ذلك الخلاء فيكون مستقبلاً للقبلة، فوجب أن تصح صلاته، وقالوا أيضاً: الواقف على سطح الكعبة من غير أن يكون في قبالته جدار لا تصح صلاته إلا على قول ابن سريج وهو الاختيار عندي، لأنه مستقبل لذلك الخلاء والفضاء الذي هو القبلة فوجب أن تصح صلاته. المسألة التاسعة: لما دلت الآية على وجوب الاستقبال، وثبت بالعقل أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنياً على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة وقد استدل الشافعي رضي الله عنه بذلك على أن القياس حجة في الشرع وهو ضعيف لأنه إثبات للقياس بالقياس وذلك لا سبيل إليه والله أعلم. المسألة العاشرة: الظاهر أنه لا يجب نية استقبال القبلة لأن الآية دلت على وجوب الاستقبال والآتي به آت بما دلت الآية عليه، فوجب أن لا يجب عليه نية أخرى، كما في ستر العورة وطهارة المكان والثوب. المسألة الحادية عشرة: استقبال القبلة ساقط عند قيام العذر كما في حال المسايفة، ويلحق به الخوف على النفس من العدو، أو من السبع، أو من الجمل الصائل، أو عند الخطأ في القبلة بسبب التيامن والتياسر، أو في أداء النوافل، وهذا يقتضي أن العاجز عن تحصيل العلم والظن إذا أدى الصلاة أن يسقط عنه القضاء، وكذا المجتهد إذا بان له تعين الخطأ. المسألة الثانية عشرة: إذا توجه إلى جهة ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة فعليه أن ينحرف ويتحول ويبني لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق، فكذلك فيمن صدق مخبراً، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه، فهذا ما يتعلق بالمسائل المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال والله أعلم. قوله تعالى: {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين. أحدهما: أن قوله تعالى: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع الأمة، وقوله: {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } خطاب مع الكل. وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة. المسألة الثانية: قوله: {حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } يعني: وأينما كنتم وموضع (كنتم) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل: حيثما تكونوا، والفاء جواب. أما قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } اليهود خاصة، والكتاب هو التوراة عن السدي، وقيل: بل المراد أحبار اليهود وعلماء النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل، ولا بد أن يكونوا عدداً قليلاً لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } راجع إلى مذكور سابق، وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة، فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم يعلمون أنه الحق، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون غيره، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك؟ وذكروا فيه وجوهاً. أحدها: أن قوماً من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة وأنه يصلي إلى القبلتين. وثانيها: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وثالثها: أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر عليه من المعجزات، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق فكان هذا التحويل حقاً. وأما قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي: {تَعْمَلُونَ } بالتاء على الخطاب للمسلمين، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود. المسألة الثانية: إنا إن جعلناه خطاباً للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين، فلا أخل بثوابكم، وإن جعلناه كلاماً مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم، ويحتمل أيضاً أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يعجلها لهم كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَـٰفِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [إبراهيم: 42].

القرطبي

تفسير : قال العلماء: هذه الآية مقدّمة في النزول على قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 142]. ومعنى {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ}: تحوّل وجهك إلى السماء؛ قاله الطبري. الزّجاج: تقلّب عينيك في النظر إلى السماء؛ والمعنى متقارب. وخصّ السماء بالذِّكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوَحْي. ومعنى {تَرْضَاهَا} تحبها. قال السُّدّي: كان إذا صلّى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يُؤمر به، وكان يحبّ أن يصلِّي إلى قِبل الكعبة فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. وروى أبو إسحٰق عن البَرَاءَ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ أن يُوَجَّه نحو الكعبة؛ فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}. وقد تقدّم هذا المعنى والقول فيه، والحمد لله. قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَوَلِّ} أَمْر {وَجْهَكَ شَطْرَ} أي ناحية {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا. قيل: حيال البيت كله؛ عن ٱبن عباس. وقال ٱبن عمر: حيال المِيزاب من الكعبة؛ قاله ٱبن عطية. والميزاب: هو قِبلة المدينة وأهل الشام، وهناك قبلة أهل الأندلس. قلت: قد روى ٱبن جُريج عن عطاء عن ٱبن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : البيتُ قِبْلةٌ لأهل المسجد والمسجدُ قِبلةٌ لأهل الحَرَم والحَرَمُ قِبْلةٌ لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي»تفسير : الثانية: قوله تعالى {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الشَّطْر له محامل: يكون الناحية والجهة، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان؛ كما تقول: تِلقاءه وجِهته. وٱنتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول (به)، وأيضاً فإن الفعل واقع فيه. وقال داود بن أبي هند: إن في حرف ٱبن مسعود «فَوَلّ وَجْهَك تِلقاءَ المسجدِ الحرام». وقال الشاعر:شعر : أقول لأُم زِنْباعٍ أقِيمي صُدورَ العِيشِ شَطْرَ بني تَمِيمِ تفسير : وقال آخر:شعر : وقد أظلَّكُم من شَطْرِ ثَغرِكُم هَوْلٌ له ظُلَمٌ يغشاكُم قطعا تفسير : وقال آخر:شعر : ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ عمراً رسولاً وما تُغنِي الرسالةُ شَطْرَ عمرو تفسير : وشَطْرُ الشيء: نِصفُه؛ ومنه الحديث: «حديث : الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان»تفسير : . ويكون من الأضداد، يقال: شَطَر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشَطَر عن كذا إذا أُبعد منه وأعرض عنه. فأمّا الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحوٍ غير الاستواء، وهو الذي أعْيَا أهلَه خُبْثاً؛ وقد شَطَر وشَطُر (بالضم) شَطارةً فيهما. وسئل بعضهم عن الشاطر، فقال: هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه. الثالثة: لا خلاف بين العلماء أنّ الكعبة قِبْلَةٌ في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فُرِض عليه ٱستقبالها، وأنه إن ترك ٱستقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كلّ ما صلّى؛ ذكره أبو عمر. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها؛ فإن خَفِيَتْ عليه فعليه أن يستدلّ على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدلّ به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيماناً وٱحتساباً؛ فإنه يروَى أنّ النظر إلى الكعبة عبادة؛ قاله عطاء ومجاهد. الرابعة: وٱختلفوا هل فَرْض الغائب ٱستقبال العين أو الجهة؛ فمنهم من قال بالأوّل. قال ٱبن العربي: وهو ضعيف؛ لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال بالجهة؛ وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأوّل: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمور به في القرآن؛ لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} يعني من الأرض من شَرْق أو غَرْب {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}. الثالث: أن العلماء ٱحتجّوا بالصفّ الطويل الذي يُعلم قطعاً أنه أضعاف عرض البيت. الخامسة: في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن المصلِّي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده. وقال الثوريّ وأبو حنيفة والشافعيّ والحسن بن حَيّ: يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي: ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حِجره. قال ٱبن العربي: إنما ينظر أمامه فإنه إن حَنَى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقّة عظيمة وحَرَج، وما جعل علينا في الدِّين من حَرَج؛ أما إنّ ذلك أفضل لمن قدر عليه. قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يريد اليهود والنصارى {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يعني تحويل القِبلة من بيت المَقْدس. فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيّ علِموا أنه لا يقول إلا الحقّ ولا يأمر إلا به. الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم؛ فصاروا عالمين بجواز القبلة. قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} تقدّم معناه. وقرأ ٱبن عامر وحمزة والكسائي «تعملون» بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يُهمل أعمال العباد ولا يَغْفُل عنها، وضمنه الوعيد. وقرأ الباقون بالياء من تحت.

البيضاوي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ } ربما نرى {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاءِ} تردد وجهك في جهة السماء تطلعاً للوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإِيمان، ولمخالفة اليهود، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً} فلنمكننك من استقبالها من قولك: وليته كذا، إذا صيرته والياً له، أو فلنجعلنك تلي جهتها {تَرْضَاهَا} تحبها وتتشوق إليها، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته. {فَوَلّ وَجْهَكَ} اصرف وجهك. {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } نحوه. وقيل: الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل، ودار شطور: أي منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانبه، وإن لم ينفصل كالقطر، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه عليه الصلاة والسلام كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب. روي: أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين. وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين. {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} خص الرسول بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته، ثم عمم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة وتحضيضاً للأمة على المتابعة. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ} جملة لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة، وتفصيلاً لتضمن كتبهم أنه صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين، والضمير للتحويل أو التوجه {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعد ووعيد للفريقين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالياء.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله، وينظر إلى السماء فأنزل الله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} إلى قوله: {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فارتابت من ذلك اليهود، وقالوا: {أية : مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}تفسير : [البقرة: 142] وقال: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115] وقال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري عن عمه عبيد الله بن عمر عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس، رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل عليه السلام. وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالساً في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية، {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} قال: نحو ميزاب الكعبة. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة عن هشيم عن يعلى بن عطاء، به. وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه: إن الغرض إصابة عين الكعبة، والقول الآخر، وعليه الأكثرون: إن المراد المواجهة، كما رواه الحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عمير بن زياد الكندي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قال: شطره: قبله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهذا قول أبي العالية ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والربيع ابن أنس وغيرهم. وكما تقدم في الحديث الآخر: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة»تفسير : وقال القرطبي: روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي»تفسير : وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه قبلته قبل البيت، وأنه صلى صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} فصرف إلى الكعبة. وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصليناها. ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم وصلى للناس الظهر يومئذ، وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر، وإنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدثني أبي عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتيتن ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أولئك رجال يؤمنون بالغيب»تفسير : وقال ابن مردويه أيضاً، حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا قيس عن زياد بن علاقة عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى مناد بالباب: إن القبلة قد حولت إلى الكعبة؛ قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف، فتحول هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة، وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر؛ فإنه يصليها حيثما توجه قالبه، وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال. وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئاً في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. (مسألة) وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، قال المالكية بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} فلو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام، وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأما في حال ركوعه، فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره. وقوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها؛ بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً، ولهذا تهددهم تعالى بقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ } للتحقيق {نَرَىٰ تَقَلُّبَ } تصرُّف {وَجْهِكَ فِي } جهة {ٱلسَّمَاء } متطلعا إلى الوحي ومتشوّقاً للأمر باستقبال الكعبة وكان يودّ ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدْعَى إلى إسلام العرب {فَلَنُوَلّيَنَّكَ } نحِّولنَّك {قِبْلَةً تَرْضَٰهَا } تحبها {فَوَلّ وَجْهَكَ } استقبل في الصلاة {شَطْرَ } نحو {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي الكعبة {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ } خطاب للأمة {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } في الصلاة {شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } أي التولي إلى الكعبة {ٱلْحَقُّ } الثابت {مِّن رَّبّهِمُ } لما في كتبهم من نعت النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يتحول إليها {وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَآءِ} هذه الآية متقدمة في النزول على قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِن النَّاسِ}. وفي قوله: {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ} تأويلان: أحدهما: معناه: تحول وجهك نحو السماء، وهذا قول الطبري. والثاني: معناه: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، وهذا قول الزجاج. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبلةً تَرضاها} يعني الكعبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرضاها ويختارها ويسأل [ربه] أن يُحوَّل إليها. واختُلِفَ في سبب اختياره لذلك على قولين: أحدهما: مخالفة اليهود وكراهة لموافقتهم، لأنهم قالوا: تتبع قبلتنا وتخالفنا في ديننا؟ وبه قال مجاهد، وابن زيد. والثاني: أنه اختارها، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم، وبه قال ابن عباس. فإن قيل: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راض ببيت المقدس أن يكون له قبلة، حتى قال تعالى له في الكعبة {فَلَنُوَلِّيَنَّكْ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}؟ قيل: لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببيت المقدس، لَمَّا أمره الله تعالى به، لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى، لكن معنى ترضاها: أي تحبها وتهواها، وإنما أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين، لما فيها من تآلف قومه وإسراعهم إلى إجابته، ويحتمل أن يكون قوله: {تَرْضَاهَا} محمولاً على الحقيقة بمعنى: ترضى ما يحدث عنها من التأليف، وسرعة الإجابة، ثم قال تعالى مجيباً لرغبته وآمراً بطَلِبَتِه: {فَولِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي حَوِّلْ وجهك في الصلاة، شطر المسجد الحرام أي: نحو المسجد الحرام، كما قال الهذلي: شعر : إنَّ العسير بها دَاءٌ يُخَامِرُها فشطرُهَا نظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ تفسير : أي نحوها، والشطر من الأضداد، يقال: شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا إذا بَعُدَ منه وأعرض عنه، وشِطْرُ الشيء: نصفه، فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحوٍ غير الإِستواء. قوله تعالى: {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يعني به الكعبة، لأنها فيه فعبر به عنها. واختلف أهل العلم في المكان، الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يولي وجهه إليه: فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: {فَلَنُولِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} قال: حيال ميزاب الكعبة. وقال عبد الله بن عباس: البيت كله، وقبلة البيت الباب. ثم قال تعالى: {وَحَيْثُمَا كَنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ} يعني نحو المسجد الحرام أيضاً تأكيداً للأمر الأول لأن عمومه يقتضيه، لكن أراد بالتأكيد احتمال التخصيص، ثم جعل الأمر الأول مواجهاً به النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني مواجهاً به جميع الناس، فكلا الأمرين عام في النبي صلى الله عليه وسلم وجميع أمته، لكن غاير بين الأمرين ليمنع من تغيير الأمر في المأمور به، وليكون كل واحد منهما جارياً على عمومه. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى. {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يعني تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} من الخوض في إِفْتَانِ المسلمين عن دينهم بذلك.

ابن عطية

تفسير : المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : رَجَعْتُ بما أَبْغي وَوَجْهي بمائِهِ تفسير : وأيضاً فالوجه يتقلب بتقلب البصر، وقال قتادة والسدي وغيرهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة، وقيل كان يقلب ليؤذن له في الدعاء، ومعنى التقلب نحو السماء أن السماء جهة قد تعود العالم منها الرحمة كالمطر والأنوار والوحي فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم، و {ترضاها} معناه تحبها وتقر بها عينك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس لوجوه ثلاثة رويت، فقال مجاهد: لقول اليهود ما علم محمد دينه حتى اتبعنا، وقال ابن عباس: وليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام، وقال الربيع والسدي: وليستألف العرب لمحبتها في الكعبة، وقال عبد الله بن عمر: إنما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته حيال ميزاب الكعبة، وقال ابن عباس وغيره: بل وجه إلى البيت كله. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والميزاب هو قبلة المدينة والشام، وهنالك قبلة أهل الأندلس بلا ريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق، وقوله تعالى: {فولِّ وجهك شطر المسجد} الآية، أمر بالتحول ونسخ لقبلة الشام، وقيل: نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة، وقيل: إنما نزلت هذه الآية في غير صلاة وكانت أول صلاة إلى الكعبة العصر، و {شطر} نصب على الظرف ويشبه المفعول به لوقوع الفعل عليه ومعناه نحو وتلقاء، قال ابن أحمر: [البسيط] شعر : تَعْدُو بِنا شَطْرَ نَجْدٍ وهيَ عاقدة قَدْ كَارَبَ العِقْدَ مِنْ إيفادِهَا الحقبَا تفسير : وقال غيره: [الوافر] شعر : أقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقيمي صُدُورِ العِيسِ شَطْرَ بني تَميمِ تفسير : وقال لقيط: [البسيط] شعر : وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ هَوْلٌ له ظُلَمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعا تفسير : وقال غيره [خفاف بن عمير]: [الوافر] شعر : أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْراً رَسُولاً وما تُغْني الرِّسَالةُ شَطْرَ عَمْرِو تفسير : و {حيث ما كنتم فولوا} أمر للأمة ناسخ، وقال داود بن أبي هند: إن في حرف ابن مسعود: {قول وجهك تلقاء المسجد الحرام}، وقال محمد بن طلحة: إن فيه: فولوا وجوهكم قبله، وقرأ ابن أبي عبلة: "فولوا وجوهكم تلقاءه"، و {الذين أوتوا الكتاب}: اليهود والنصارى، وقال السدي: المراد اليهود. قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر، والمعنى أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم إمام الأمم، وأن استقبالها هو الحق الواجب على الجميع اتباعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "عما تعملون" بتاء على المخاطبة، فإما على إرادة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الوجهين، فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد، وقرأ الباقون بالياء من تحت. وقوله تعالى: {ولئن أتيت} الآية، أعلم الله تعالى نبيه حين قالت له اليهود: راجع بيت المقدس ونؤمن بك مخادعة منهم أنهم لا يتبعون له قبلة، يعني جملتهم لأن البعض قد اتبع كعبد الله بن سلام وغيره وأنهم لا يدينون بدينه، أي فلا تصغ إليهم، والآية هنا: العلامة، وجاء جواب {لئن} كجواب "لو" وهي ضدها في أن "لو" تطلب المضي والوقوع و "إن" تطلب الاستقبال لأنهما جميعاً يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه. وقوله تعالى جلت قدرته {وما أنت بتابع قبلتهم} لفظ خبر يتضمن الأمر، فلا تركن إلى شيء من ذلك، وقوله تعالى: {وما بعضهم} الآية، قال السدي وابن زيد: المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم، وقال غيرهما: معنى الآية: وما من أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم. قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر في الأبعاض، وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس. وقوله تعالى: {ولئن اتبعت} الآية، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً متوقعاً فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر. والأهواء جمع هوى، ولا يجمع على أهوية، على أنهم قد قالوا: ندى وأندية. قال الشاعر: [مرة بن محكان]: [البيسط] شعر : في ليلةٍ مِنْ جُمادى ذاتِ أَنْديةٍ لا يُبْصِرُ الْكَلْبُ في ظَلْمَائِهَا الطّنبَا تفسير : وهوى النفس إنما يستعمل في الأكثر: فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخبر مقيداً به، كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في أسرى بدر: فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، و "إذا" حرف معناه أن تقرر ما ذكر.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} تحول وجهك نحو السماء، أو تقلب عينيك في النظر إليها. {تَرْضَاهَا} تختارها وتحبها، لأنها قبلة إبراهيم، أو كراهة لموافقة اليهود لما قالوا: "يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا" {شَطْرَ المَسْجِدِ} نحوه، والشطر في الأضداد، شطر إلى كذا أقبل نحوه، وشطر عنه أعرض عنه وبَعُدَ، رجل شاطر، لأخذه في نحو غير الاستواء. والمسجد الحرام: الكعبة، أمر بالتوجه إلى حيال الميزاب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ "البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب" {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} من الأرض، واجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر الأول وواجه الأمة بالأمر الثاني، وكلاهما يعم. {أُوتُواْ الكِتَابَ} اليهود والنصارى {لَيَعلَمُونَ أَنَّهُ} تحويل القبلة إلى الكعبة.

النسفي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاءِ} تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس. {قِبْلَةً تَرْضَاهَا } تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها وواقفت مشيئة الله وحكمته. {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي نحوه. و«شطر» نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي. وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. روي أنه عليه السلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة. {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ } من الأرض وأردتم الصلاة {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصلي إلى القبلتين. {مِن رَّبّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم، وبالتاء غيرهم. فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الجحود والإباء، والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول. والأداء. {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أراد ذوي العناد منهم {بِكُلِّ ءَايَةٍ } برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا في ذلك قولوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة، وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان. {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك، فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو الإسلام {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لمن المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى. وقيل: الخطاب في الظاهر للنبي عليه السلام والمراد أمته، ولزم الوقف على «الظالمين» إذ لو وصل لصار {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } صفة للظالمين. وهو مبتدأ والخبر {يَعْرِفُونَهُ } أي محمداً عليه السلام أو القرآن أو تحويل القبلة. والأول أظهر لقوله {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} قال عبد الله بن سلام: أنا أعلم به مني بابني فقال له عمر: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه. {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ } أي الذين لم يسلموا {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } حسداً وعناداً {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } لأن الله تعالى بينه في كتابهم. {ٱلْحَقُ} مبتدأ خبره {مِن رَبَِكَ} واللام للجنس أي الحق من الله لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل، أو للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ومن ربك خبر بعد خبر أو حال. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } الشاكين في أنه من ربك.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتألف بذلك اليهود وقيل إن الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه، إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته وصفته في التوراة فصلّى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وقيل: كان يحب ذلك من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم فقال: جبريل صلى الله عليه وسلم إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فسل أنت ربك فإنك عند الله بمكان ثم عرج جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء، رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنزل الله عز وجل قد نرى تقلب وجهك في السماء يعني، تردد وجهك وتصرف نظرك في السماء أي إلى جهة السماء، وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى لأنها رأس القصة وأول ما نسخ من أحكام الشرع أمر القبلة {فلنولينك} أي فلنحولنك ولنصرفنك {قبلة} أي ولنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة {ترضاها} أي تحبها وتميل إليها {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي نحوه وتلقاءه أراد به الكعبة (ق) عن ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة وقال هذه القبلة يعني أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إلى الكعبة أبداً فهي قبلتكم (ق) عن البراءة بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلّى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه صلّى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن صلّى معه، فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ ذاك أنه يصلّي قبل بيت المقدس، وهي قبلة أهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. قال البراء في حديثه هذا: وأنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] واختلفت العلماء في وقت تحويل القبلة فقال الأكثرون: كان في يوم الاثنين بعد الزوال للنصف من رجب، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقيل: كان يوم الثلاثاء لثمانية عشر شهراً وقيل: كان لستة عشر شهراً وقيل: لثلاثة عشر شهراً وقيل: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين، ووصل الخبر إلى أهل قباء في صلاة الصبح (ق) عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وقوله تعالى: {وحيثما كنتم} أي من بر أو بحر مشرق أو مغرب {فولوا وجوهكم شطره} اي نحو البيت وتلقاءه، عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة" تفسير : أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، قيل: أراد بالمشرق مشرق الشتاء في أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم من السنة فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلاً للقبلة، وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء والذي بينهما فقوسها مكة. والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة، ولمن بعد من مكة إصابة الجهة، ويعرف ذلك بدلائل القبلة وليس هذا موضع ذكرها، ولما تحولت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك فتارة تصلّي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره فأنزل الله تعالى {وإن الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى {ليعلمون أنه الحق من ربهم} يعني أمر القبلة وتحويلها إلى الكعبة ثم هددهم فقال تعالى: {وما الله بغافل عما يعملون} يعني وما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود، فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة وقرئ تعملون بالتاء. قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن الجزاء.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ...} قال الزمخشري: قد نرى بما نرى، ومعناه كثرة الرؤية كقوله: شعر : قد أترك القرن مصفرا أنامله (كأن أثوابه مجت بفرصاد). تفسير : أبو حيان: في كلامه تضاد لأن (رُبَّ) للتقليل عند المحققين، ثم إن اللفظ من حيث (قُرِّر) ليس فيه ما يدل على التكثير لأن دخول "قَدْ" على الفعل ماضيا (كان) أو مضارعا لا يفيد هذا المعنى وإنما فهمت الكثرة من التقلب لأنه يقال: قلّب إذا ردّد. قال (كاتبه): كلام الزمخشري عندي صحيح لا تضاد فيه. نبه عليه في قول الله سبحانه وتعالى {أية : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ}تفسير : في جواب الإتيان بلفظ النفس مفردا. قال: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراد فيما يعكسونه. ومنه قول الله تعالى: {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}تفسير : ومعناه أكثر وأبلغ؟ ومنه قول الشاعر شعر : قد أترك القرن تفسير : (البيت المتقدم). وتقول لبعض قواد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: "رب فارس عندي"، أوْ "لاَ تقَدّم عندي فارس" وعنده الكثير فيقصد التمادي في تكثير فرسانه ولكنه أراد إظهار براءته من التزين وأنه (ممن) يقلل كثيرا ما عنده، فضلا عن أن يزيد. فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه لفظ الكثرة. انتهى كلامه. قلت: فظهر أنّ أبا حيان لم يفهم كلامه ولا أنصفه. وكان الخولاني يجيب عن الزمخشري بأن (رُبَّ) إذا اقترنت بها (ما) تكون للتكثير ولا حاجة بهذا وإنما الجواب ما قلناه. انتهى. قال ابن عرفة: أي تقلبه في جهة السماء والرؤية في كل مكان وهو دليل على أن القول من السفهاء مستقبل غير واقع كما قال الزمخشري. وتنكير القبلة للتعظيم، وفيه دليل عل أنّ السّماء قبلة للدّعاء، وفيه دليل على جواز القسم على فعل لأنه لما قال:{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} عطفه بقوله {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} إذا ليس مراد النحويين بالحال الحال العقلي، بل إنما يريدون الحال الحقيقي أو ما يقرب منه. قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...}. المعتبر في القبلة، فيمن يرى البيت العين، وفيمن يصلي على جبل أبي قبيس السمت، وفي البعيد عنه الجهة. قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...} هو دليل على أن الأصل من أفعاله صلى الله عليه وسلم عدم التأسي حتى يدل الدليل على التأسي ولولا ذلك لما احتيج إلى قوله: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ}. قال ابن عرفة: وأجيب بأن القرب مظنة الاستقبال بخلاف البعد. قال الزمخشري: وقيل كان التحويل إلى القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد بني سلمة وقد صلى في أصحابه ركعتين من الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب وحوّل الرجال مكان النساء والنّساء مكان الرجال. قال ابن عرفة: فيه دليل على أن المعتبر في النسخ يوم البلاغ لا يوم النزول. قال القرطبي: وفيه دليل على (جواز نسخ) المتواتر بالآحاد. قيل لابن عرفة: هذا إن قلنا: إنّ الأصل مشروعية القبلة (كانت) بالقرآن وقد قيل: إن أصل مشروعيتها بالسنّة؟ فقال: على كلا الأمرين (فكلّه) وحي في زمن النّبي صلى الله عليه وسلم، فهو متواتر. وكذلك نسخها هو بخبر واحد اختلفت قرينته في حياته صلى الله عليه وسلم مع العلم بقوله عليه الصلاة والسلام:"حديث : من كذب عليّ (متعمدا) فليتبوأ مقعده من النار"تفسير : فيكون محصلا للعلم كخبر التواتر سواء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاءِ...} الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالَىٰ؛ أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ؛ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ. قال: * ص *: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ}: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نَرَىٰ تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنْتَ مستقبلها، فلنولينَّكَ. انتهى. و{تَرْضَاهَا }: معناه: تحبُّها، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ الكعبةَ والتحوُّل عن بيت المَقْدِسِ؛ لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ: أحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ؛ حتَّى ٱتَّبَعَنَا»؛ قاله مجاهد. الثاني: ليصيب قبلة إِبراهيمَ - عليه السلام - قاله ابن عَبَّاس. الثالث: ليستألف العربَ؛ لمحبَّتها في الكَعْبة، قاله الربيع والسُّدِّيُّ. * ع *: والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ. وقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ...} الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، و{شَطْر}: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ }: أَمْر للأمة ناسخٌ. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ...} الآية: المعنى: أن اليهود والنصارَىٰ يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع ٱتِّباعاً لمحمَّد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد. وقوله جلَّت قدرته: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ...} الآية: أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه - عليه السلام - حين قالَتْ له اليهودُ: راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ؛ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وأنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني: جملتهم؛ لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ. وقوله جلَّت عظمته: {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ...} لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي: فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك، {وَمَا بَعْضُهُم...} الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارَىٰ، ولا النصارَىٰ متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا إِعلام بٱختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارَىٰ مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ. وقوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ...} الآية: خطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الَّذي يوهمُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم ظُلْماً متوقّعاً، فهو محمولٌ علَىٰ إِرادة أمته؛ لعصمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطِبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر، قال الفَخْر: ودلَّت هذه الآية علَىٰ أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم؛ لأن قوله: {مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } يدلُّ على ذلك. انتهى، وهو حَسَنٌ. * ص *: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ }: لام «لَئِنْ» مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب: له {مَّا تَبِعُواْ }، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضياً، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظاً. انتهى.

ابن عادل

تفسير : قال العلماء: هذه الآيةُ متقدِّمةٌ في النزول على قَوْلِهِ تَعَالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143]. ومَعْنَى "تقلُّب وَجْهِكَ": تحرُّك وَجْهِكَ إلى السَّمَاءِ. اعلم أنَّ "قَدْ" هذه قال فيها بعضُهم: إنها تَصْرفُ المضارعَ إلى مَعْنى المُضِيّ، وجَعَلَ مِنْ ذلك هذه الآيةَ وأمثالَها، وقوْلَ الشاعِرِ: [الطويل] شعر : 829 - لِقَوْمٍ لَعَمْرِي قَدْ نَرَى أَمْسِ فِيهُمُ مَرَابِطَ للأَمْهَارِ وَالعَكَرِ الدَّثِرْ تفسير : وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "قَدْ نَرَى": رُبَّما نَرَى، ومعناه كثرةُ الرؤية؛ كقوله: [البسيط] شعر : 830 - قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُضفَرًّا أَنَامِلُهُ كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفُرْصَادِ تفسير : قال أَبُو حَيَّان: وشرحه هذا على التحقيق مُتَضَادّ؛ لأنه شرح "قَدْ نَرَى" بـ"رُبَّمَا نَرَى"، و"ربّ" على مَذْهب المحققين إنما تكون لِتَقْلِيل الشَّيْءِ في نَفْسِه، أو لتقليل نَظِيره. ثُمَّ قال: "ومعناه كثرةُ الرُّؤْيةِ" فهو مضادٌّ لمدلولِ "رُبّ" على مذهب الجمهور. ثم هذا الذي ادَّعاه من كثرة الرؤية لا يدل عليه اللفظ، لأنه لم توضع للكثرة "قد" مع المضارع، سواء أريد به المضي أم لا، وإنَّما فُهِمَتِ الكَثْرة من متعلّق الرؤية، وهو التقلب. قوله: "في السَّمَاءِ" في متعلّق الجار ثلاثةُ أَقْوالٍ: أحدهما: أنه المصدرُ، وهو "تَقَلُّب"، وفي "في" حينئذٍ وَجْهَان: أحدهما: أنها على بَابِهَا من الظرفية، وهو الواضِحُ. والثَّاني: أنها بمعنى "إلَى" أي: إلى السَّمَاءِ ولا حاجةَ لذلك، فإنَّ هذا المصْدَرَ قد ثَبَت تعديه بـ"في"، قال تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [آل عمران: 196]. والثاني من الأقوال: أنه "نَرَى"، وحينئذٍ تَكُون "فِي" بمعنى "مِنْ" أي: قد نرى من السَّماءِ، وذِكْرُ السماءِ وإن كان تَعَالى لا يتحيّز في جِهَةٍ على سَبيل التشريفِ. والثالث: أنه محل نَصْب على الحَال من "وَجْهِكَ" ذكره أَبُو البَقَاءِ، فيتعلّق حينئذ بمحذُوفٍ، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى فَاعِله، ولا يجوزُ أنْ يكُونَ مُضَافاً إلى مَنْصُوبه؛ لأنه مصدرُ ذلك التقلِيبِ، ولا حَاجَةَ إلى حَذْفٍ، ومِنْ قَوْلِه: "وَجْهَكَ" وهو بَصَر وَجْهِك، لأن ذلك لا يكاد يستعمل، بل ذكر الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء، وهو الذي يقلبه السَّائل في حاجته، وقيل: كنى بالوجه عن البصر؛ لأنه محلّه. قوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} "الفَاء" هنا للِتَّسَبُّب وهو وَاضِحٌ، وهذا جوابُ قَسَم مَحْذُوفٍ، أيْ: فوالله لنولّينَّكَ، و"نُولِّي" يتعدّى لاثْنين: الأولُ الكَافُ، والثَّانِي "قِبْلَةُ" و "تَرْضَاهَا" الجملة في محلّ نَصْبٍ صفةً لــ"قبلة". قال أَبُو حَيَّان: وهذا؛ يعني: "فَلَنولّينك" يدلّ على أن الجملةَ السابقةَ محذوفة تقديرهُ: قَدْ نَرَى تقلّب وَجْهِكَ في السَّماء طَالِباً قبلة غير التي أَنْت مُسْتقبلها. فصل في الكلام على الآية في الآية قَوْلاَنِ: القولُ الأولُ: وهو المشهورُ الذي عليه أَكْثر المُفَسِّرين أن ذلك كان لانتظارِ تَحْوِيله من "بيتِ المقْدِس" إلى الكَعْبة، وذكروا في ذلك وجوهاً: أحدها: أنه كان يكره التوجّه إلى بيت المقْدِس، ويحبّ التوجّه إلى الكَعْبة، إلاّ أنه ما كان يتكلَّم بذلك، فكان يقلّب وجْهَهُ في السَّماء لهذا المعنى. رُوي عن عباس أنه [صلى الله عليه وسلم] قال: "حديث : يَا جِبريلُ وَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ - تَعَالى - صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُود، إلَى عَيْنِهَا فَقَدْ كَرِهْتُهَا " تفسير : فقال جبريلُ عليه الصلاة والسلام "أنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ فَاسْأَلْ ربَّكَ ذَلِكَ". فجَعَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُدِيمُ النَّظرَ إلى السماء؛ رجاء مجيء جِبْرِيلَ بما سأَلَ، فأَنْزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاءِ ذكروا في سببِ هذه المِحْنة أموراً: الأولُ: أنَّ اليَهُودَ كانوا يَقُولُونَ: إنه يُخَالِفُنَا، ثم إنه يتبع قِبْلَتَنَا، ولولا نحْنُ لم يدر أَيْن يستقبل. فعند ذلك كَرِهَ أن يتوجّه إلى قِبْلتهم. الثَّاني: أنَّ الكَعْبة كانتِ قِبْلة إبْراهيم عليه الصلاة والسلام. [الثَّالث: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - كان يقدِّرُ أن يَصِير ذلك سبباً لاسْتمالة العرب، ولدخولهم في الإسلامِ. الرَّابع: أنه - عليه الصلاة والسلام - أَحَبَّ] أن يحصل هذا الشرفُ للمسجدِ الذي في بلْدَتِهِ ومَنْشَئه لا في مسجدٍ آخر. واعترض القَاضِي على هذا الوجْهِ، وقال: إنه لا يَلِيقُ به - عليه الصلاة والسلام - أن يكره قِبْلَةً أُمِرَ أَنْ يُصَلِّي إليها، ويحبّ أن يحوله ربُّه عنها إلى قِبْلَةٍ يَهْوَاها بطبْعِه، ويميلُ إِلَيْها بحسب شَهْوتِه؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علم أنَّ الصَّلاحَ في خلاف الطَّبْعِ والمَيْلِ. قال ابنُ الخَطِيب: وهذا قليلُ التحْصِيل؛ لأنَّ المُسْتنكَرَ من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يعرض عما أمره الله - تعالى - به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه. فأما أن يميل قلبه إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، [أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء، فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه]. الوجهُ الثاني: أنه - عليه الصلاةُ والسلامُ - قد استأذَنَ جبريل - عليه السلام - في أن يدعو الله - تعالى - بذلك، فأخبره جبريل - عليه الصلاة والسلام - بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً إلا بإذن منه، لئلا يسألون ما لا صَلاَحَ فيه، فلا يجابوا إليه، فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله - تعالى - له في الإجابة، علم أنه يستجاب إليه، فكان يقلّب وجهه في السَّماء ينتظر مجيء جبريل - عليه السلام - بالوَحْيِ في الإجابة. الوجه الثالث: قال الحسن: إن جبريل - عليه السلام - أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن الله - تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحوّلها، ولم تكن قبلة أحبّ إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكَعْبة، فكان رسول الله يقلّب وجهه في السّماء ينتظر الوحي؛ لأنه - عليه السلام - على أنّ الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن يصلّي نحو الكعبة. والقائلون بهذا الوجه اختلفوا، فمنهم من قال: إنه - عليه السلام - منع من استقبال "بيت المقدس" ولم يعين له القِبْلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة، ولم تظهر القبلة، فتتأخر صلاته، فلذلك كان يقلّب وجهه. عن الأصم. وقال آخرون: بل وعد بذلك، وقِبْلة بيت المقدس باقية، بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن "بيت المقدس" إلى "الكعبة" وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية: نحو: رغبة العرب في الإسلام، والمُبَاينة عن اليهود، وتَمْيِيز المُوافق من المُنَافِق، لهذا كان يقلّب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلاّ لما كانت القِبْلَة الثانية ناسخة للأُولى، [بل كانت مبتدأه. والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى]، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلاَّ مع بيان موضع التوجّه. الرابع: أن تقلب وجهه في السَّماء هو الدعاء. القول الثاني: وهو قول أبي مسلم الأَصْفَهَاني، قال: لولا الأخبار التي دلّت على هذا القول، وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر، وهو أنه يحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان يقلّب وجهه في أول مقدمه "المدينة". فقد روي أنه - عليه السلام - كان إذا صلّى بـ"مكة" جعل الكعبة بينه وبين "بيت المقدس"، وهذه صلاة إلى الكعبة، فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه، فانتظر أمر الله - تعالى - حتى نزل قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. فصل اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم: كان بـ"مكة" يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه [إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً. وقال قوم: بل كان بـ"مكة" يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها. وقال قوم: بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبـ"المدينة" أولاً سبعة عشر شهراً، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح. واختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم] إلى بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره، أو كان مخيراً في التوجه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس: قد كان مخيراً في ذلك. وقال ابن عباس: كان التوجه إليه فرضاً. وعلى كلا الوجهين صار منسوخاً، واحتج الأولون بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115]. وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء. وأما الخبر فما روى أبو بكر الرّازي في كتاب "أحكام القرآن": أن نَفَراً قصدوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - من "المدينة" إلى "مكة" للبيعة قبل الهِجْرَةِ، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجّه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون، وقالوا: إنه - عليه الصلاة والسلام - يتوجّه إلى بيت المقدس، فلما قدموا "مكة" سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثَبَتَّ عليها أجزأك، ولم يأمره باستئناف الصلاة، فدلّ على أنهم قد كانوا مخيرين. واحتجّ الذاهبون إلى القول الثَّاني بأنه - تعالى - قال: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فدلّ على أنه - عليه السلام - ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجّه إليها، فحيث توجّه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكَعْبة. فصل في نسخ التوجه إلى بيت المقدس المشهور أن التوجّه إلى "بيت المقدس" إنما صار منسوخاً [بالأمر بالتوجّه إلى الكعبة. ومن الناس من قال: التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115] ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. واحتجوا عليه بالقرآن والأثر. أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}]ثم ذكر بعده: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة: 142] ثم ذكر بعده: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَام}. وهذا الترتيب يقتضي صحّة المذهب الذي قلناه بأن التوجّه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. فلزم أن يكون قوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاس}[متأخراً في النزول والدرجة عن قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَام} فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه. وأما الأثر فما] روي عن ابن عباس أن أمر القبلة أول ما نسخ من القُرْآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في القرآن {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} فوجب أن يكون قوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} ناسخاً لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى "بيت المقدس". قوله: "فَلَنُوَلِّيَنَكَ": فلنعطينّك ولنمكننّك من استقبالها من قولك: ولّيته كذا، إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنّك تَلِي سَمْتها دون سَمْت بيت المقدس. قوله: "تَرْضَاهَا" فيه وجوه: أحدها: ترضاها: تحبّها وتميل إليها؛ لأن الكعبة كانت أحبّ إليه من غيرها بحسب ميل الطبع، وتقدم كلام القاضي عليه وجوابه. وثانيها: "قِبْلَةً تَرْضَاهَا" أي: تحبها بسبب اشتمالها على المَصَالح الدينية. وثالثها: قال الأصم: أي: كل جهة وجّهك الله إليها، فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط كما فعل من انقلب على عقبيه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا. ورابعها: "تَرْضَاهَا" أي: ترضى عاقبتها؛ لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام، ممن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها، أو مال يكتسبه. قوله:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} "ولّى" يتعدى لاثنين: أحدهما: "وجهك". والثاني: "شطر". ويجوز أن ينتصب "شَطْرَ" على الظرف المكاني، فيتعدى الفعل لواحد، وهو قول النحاس، ولم يذكر الزمخشري غيره. والأول: أوضح، وقد يتعدى إلى ثانيهما بـ"إلى". [والمراد من الوجه ها هنا جملة بدن الإنسان؛ لان الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط، والوجه قد يُراد به العضو، وقد يعبر عن كل الذات بالوجه. قال أهل اللغة: "الشطر" اسم مشترك يقع على معنيين: أحدهما: النصف من الشيء والجزء منه، يقال: شطرت الشيء، أي: جعلته نصفين، ويقال في المَثَل: اجلب جلباً لك شطره، أي: نصفه. ومنه الحديث: "حديث : الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ " تفسير : وتكون من الأضداد. ويقال: شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر من كذا إذا ابتعد عنه وأعرض، ويكون بمعنى الجهة والنحو، واستشهد الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب "الرسالة" في هذا بأربعة أبيات] قال: [الوافر] شعر : 831 - أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي رَسُولاً وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو تفسير : وقال: [الوافر] شعر : 832 - أَقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعِ أَقِيمِي صُدُورَ العِيْسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 833 - وَقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يَغْشَاكُمْ قِطَعَا تفسير : وقال ابْنُ أَحْمَر: [البسيط] شعر : 834 - تَعْدُو بِنَا شَطْرَ نَجْدٍ وَهْيَ عَاقِدَةٌ قَدْ قَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفادِهَا الحُقبَا تفسير : وقال: [المتقارب] شعر : 835 - وَأَطْعَنُ بِالرُّمْحِ شَطْرَ المُلُو كِ.................... تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 836 - إِنَّ العَسِيرَ بِهَا دَاءٌ يُخَامِرُهَا وَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ تفسير : كل ذلك بمعنى: "نحو" و "تلقاء" [فعلى هذا المراد الجهة، وهو قول جمهور المفسّرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختار الشافعي - رضي الله عنه - أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه. وقرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام. قال القرطبي: وهو في حرف ابن مسعود: "تِلْقَاء المسجد الحرام"، وقال الجبائي: المراد من التشطير هاهنا وسط المسجد، ومنتصفه؛ لأن الشطر هو النصف، والكعبة لما كانت واقعة في نصف المسجد حسن أن يقول: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعني: النصف من كل جهة، كأنه عبارة عن بُقْعة الكعبة، وهذا اختيار القاضي، ويدل عليه وجهان: الأول: أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد ولكن لا يكون متوجهاً إلى منتصف المسجد الذي هو موضع الكعبة لم تنفع صلاته. الثاني: لو فسرنا الشطر بالجانب لم يَبْق لذكر الشطر مزيد فائدة؛ لأنك لو قلت: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} لحصلت الفائدة المطلوبة. وإذا فسرنا الشطر بما ذكرناه كان لذكره فائدة زائدة]. ويقال: شَطر: بعد، ومنه: الشّاطر، وهو الشّاب البعيد من الجيران الغائب عن منزله، ويقال: شَطَر شُطُوراً. والشَّطِيرُ: البعيد، ومنه: منزل شَطِيرٌ، وشطر إليه أي: أقبل. وقال الراغب: وصار يعبر بالشّاطر عن البعيد، وجمعه: شُطُرٌ، والشاطر أيضاً لمن يتباعد من الحق، وجمعه شُطَّارٌ. [فصل في الكلام على المسجد الحرام قال الأزرقي: ذرع المسجد الحرام مقصراً مائة ألف وعشرون ألف ذِرَاع، وعدد أساطينه من شقّه الشَّرْقي: مائة وثلاث أُسْطُوَانات. ومن شقّه الغربي: مائة وخمس أُسْطُوانات، ومن شقّه الشّامي: مائة وخمس وثلاثون أسطوانة، ومن شقّه اليمني: مائة وإحدى وأربعون أسطوانة. وذرع ما بين كل أُسطوانتين ستة أذرع وثلاثة عشر إصبعاً. وللمسجد الحرام ثلاثة وعشرون باباً، وعدد شُرُفاته مائتا شرفه واثنان وسبعون شرفة ونصف شرفة، ويطلق المسجد الحرام، وَيُرَاد به الكعبة. قال تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. ويطلق ويراد به المسجد معها. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ لِثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ"تفسير : إلى آخره، ويطلق ويراد به "مَكّة" كلها، قال سبحانه وتعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الإسراء: 1] قال المفسرون: كان الإسراء من بيت أُمِّ هانئ بنت أبي طالب. ويطلق ويراد به "مكة" كلها، قال سبحانه وتعالى: {أية : ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 196]. قال البعض: حاضرو المسجد الحرام من كان منه دون مسافة نفر. وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة: 28]، وهل تعتبر هذه المسافة من نفس "مكة" أو من طرف الحرم؟ والأصح أنها من طرف الحرم]. فصل في المراد بالمسجد الحرام اختلفوا في المراد من المسجد الحرام. روي عن ابن عباس، أنه قال: البيت قِبْلة لأهل المسجد، والمسجد قِبْلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك رضي الله عنه. وقال آخرون: القِبْلة هي الكعبة، والدليل عليه ما أخرج في "الصحيحين" عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال: إنه لمّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نَوَاحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين في قُبُل الكعبة، وقال: هذه القبلة. قال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القِبْلة إلى الكعبة. وفي خبر البراء بن عازب: ثم صرف إلى الكعبة، وكان يحبّ أن يتوجّه إلى الكعبة. وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء: فأتاهم أتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول إلى الكعبة. وفي رواية ثمامة بن عبد الله بن أنس: جاء منادي رسول الله، فنادى أن القبلة حولت إلى الكعبة. هكذا عامة الروايات. وقال آخرون: بل المراد المسجد الحرام الحرمُ كلّه، قالوا: لأن الكلام يجب إجراؤه على ظاهر لفظه، إلاّ إذا منع منه مانع. وقال آخرون: المراد من المسجد الحرام الحرمُ كلّه، والدليل عليه قوله تعالى {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الإسراء: 1] وهو - عليه الصلاة والسلام - إنما أسري به خارج المسجد، فدلّ هذا على أن الحرم كله مسمى بالمسجد الحرام. وقوله تعالى: {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ} في "حَيْثُمَا" هنا وجهان: أظهرهما: أنها شرطية، وشرط كونها كذلك زيادة "ما" بعدها خلافاً للفراء، فـ"كنتم" في محلّ جزم بها، و"فولُّوا" جوابها، وتكون هي منصوبة على الظرف بـ"كنتم" فتكون هي عاملة فيه الجزم، وهو عامل فيها النصب نحو: {أية : أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَى&#1648}تفسير : [الإسراء: 110]. واعلم أن "حَيْثُ" من الأسماء اللازمة للإضافة فالجملة التي بعدها كان القياس يقتضي أن تكون في محلّ خفض بها، ولكن منع من ذلك مانع، وهو كونها صارت من عوامل الأفعال. قال أبو حيان: وحيث هي ظرف مكان مضافة إلى الجملة، فهي مقتضية للخفض بعدها، وما اقتضى الخفض لا يقتضي الجزم؛ لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال والإضافة موضحة لما أضيف، كما أن الصلة موضحة، فينافي اسم الشرط؛ لأن اسم الشرط مبهم، فإذا وصلت بـ"ما" زال منها معنى الإضافة، وضمنت معنى الشرط وجُوزِيَ بها، وصارت من عوامل الأفعال. والثاني: أنها ظرف غير مضمن معنى الشرط، والناصب له قوله: "فولّوا" قاله أبو البقاء، وليس بشيء، لأنه متى زيدت عليها "ما" وجب تضمّنها معنى الشرط. وأصل "ولّوا": وليوا، فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما، وهو الياء وضم ما قبله ليجانس الضمير، فوزنه "فعوا". وقوله: "شَطْرَهُ" فيه القولان، وهما: إما المفعول به، وإما الظرفية كما تقدم. فصل في الصلاة في المسجد الحرام قال صاحب التهذيب: الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستدبرين البيت، فإن كان بعضهم أقرب إلى البيت من الإمام جاز، فلو امتدّ الصف في المسجد، فإنه لا تصحّ صلاة من خرج عن مُحَاذاة الكعبة. وعند أبي حنيفة تصحّ؛ لأن عنده الجهة كافية. وحجة الشّافعي رضي الله عنه: القرآن والخبر والقياس. أما القرآن فهو ظاهر هذه الآية، وذلك لأنا دللنا على أن المراد من شطر المسجد الحرام جانبه، وجانب الشيء هو الذي يكون محاذياً له، وواقعاً في سَمْته، والدليل عليه أنه لو كان كل واحد منهما إلى جانب المشرق، إلا أنه لا يكون وجه أحدهما محاذياً لوجه الآخر، لا يقال: إنه ولّى وجهه إلى جانب عمرو، فثبت دلالة الآية على أن استقبال عين الكعبة واجب. وأما الخبر فما روينا أنه - عليه الصلاة والسلام - لما خرج من الكعبة ركع ركعتين في قِبْلة الكعبة، وقال: "حديث : هَذِهِ القِبْلَةُ " تفسير : وهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة، وكذلك سائر الأخبار التي رَوَيْنَاها في أن القبلة هي الكعبة. وأما القياس فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة أمر بلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة مما يوجب حصول مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً، ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مَشْكُوك، والأَوْلَى رعاية الاحتياط في الصلاة، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال الكعبة. واحتج ابو حنيفة بظاهر الآية؛ لأنه - تعالى - أوجب على المكلف أن يولّي وجهه إلى جانبه، فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه، فقد أتى بما أمر به. سواء كان مستقبلاً الكعبة أم لا، فوجب أن يخرج على العهدة. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: "حديث : مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " تفسير : قال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: ليس المراد من هذا الحديث أن كلّ ما يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة؛ لأن جانب القُطب الشمالي يصدق عليه ذلك، وهو بالاتفاق ليس بقبلة، بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق معين، ومغرب معين قبلة، ونحن نحمل ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي، وبين المغرب الصيفي، فإن ذلك قبلة، وذلك لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خطّ الاستواء بمقدار الميل، والذي بينهما هو سَمْت "مكة". قالوا: فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أَوْلى منه بالدلالة على مذهبكم، أما فعل الصحابة فمن وجهين: الأول: ان أهل مسجد "قباء" كانوا في صلاة الصبح بـ"المدينة" مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين للكعبة؛ لأن "المدينة" بينهما. فقيل لهم: ألا إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة، فاستداروا في أثناء الصَّلاة من غير طَلَبِ دلالة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وسمى مسجدهم بـ"ذي القبلتين" ومقابلة العين من المدينة إلى "مكة" لا تعرف إلا بأدلّة هندسية يطول النظر فيها، فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل؟ الثاني: أن الناس من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندساً عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة. وأما القياس فمن وجوه: الأول: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً، إما علماً أو ظنّاً، وجب ألاّ تصح صلاة أحد قط؛ لأنه إذا كان مُحَاذاة الكعبة مقدار نيف وعشرين ذراعاً، فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في مُحَاذات هذا المقدار، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في مُحَاذاة هذا القدر القليل قليل بالنسبة إلى كثير. ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب، والنادر ملحق به، فوجب ألاَّ تصح صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في مُحَاذاة الكعبة لا يمكنه أن يعرف أنه وقع في مُحَاذاتها، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أن المحاذاة معتبرة. فإن قيل: الدائرة وإن كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون محاذية لمركز الدائرة، فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة بالكعبة، والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صَغُرت صغر التَّقَوُّس والانحناء في جميعها، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس والانحناء في كل واحد من قسمها، بل نرى كل قطعة منها شبيهاً بالخطّ المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصفّ طويل في المشرق والمغرب يزيد طولها على أضعاف البيت، والكلّ يسمون متوجهين إلى عين الكعبة. قلنا: هَبْ أن الأمر على ما ذكرتموه، ولكن القطعة من الدائرة العظيمة، وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس، إلا أنها لا بد وأن تكون منحنيةً في نفسها؛ لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة، وكذا القول في جميع قطع تلك الدائرة، فحينئذ تكون الدَّائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتّصل بعضها ببعض، فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطّاً مستقيماً، وكل ذلك محال، فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنيةٌ، فالصفوف المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منها مستقبلاً لعين الكعبة لو لم تكن تلك الصفوف واقعة على خط مستقيم، بل إذ حصل فيها ذلك الانحناء القليل إلاَّ أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس ألبتة، لا يمكن أن يكون في محلّ التكليف، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء الصفوف جاهلا بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أو لا؟ فلو كان استقبال عين الكعبة شرطاً لكان حصول هذا الشرط مجهولاً للكلّ والشّك في حصول الشرط يقتضي الشَّك في حصول المشروط، فوجب أن يبقى كل واحد من أهل هذه الصفوف شاكّاً في صحة صلاته، وذلك يقتضي أن لا يخرج عن العُهْدَة ألبتة. وحيث اجتمعت الأمة على أنه ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا علماً ولا ظنّاً، وهذا كلام بيّن. الثاني: أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجباً لا سبيل إليه إلاّ بالدلالة الهندسية، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم الدلالة الهندسية واجباً على كل واحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب. فإن قيل: عندنا استقبال عين الجهة واجب ظنّاً لا يقيناً، والمفتقر إلى الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقيناً لا ظنّاً. قلنا: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً لكان القادر على تحصيل اليقين، لا يجوز له الاكتفاء بالظن، والقادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل الهندسية، فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل، ولما لم يجب ذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب. الثالث: لو كان استقبال العين واجباً إما علماً أو ظنّاً، ومعلوم أنه لا سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من أنواع الأمارات، وما لا يتأدّى الواجب إلاَّ به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم تلك الأمارات فرض عَيْن على كل واحد من المكلفين، ولما لم يكن كذلك علمنا أان استقبال العين غير واجب. فصل في وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة دلّ قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} على وجوب الاستقبال في عموم الأمكنة في الصلاة وغيرها، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : خَيْرُ المَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ القِبْلَةُ"تفسير : خرج منه الصلاة حال المُسَايفة، والخوف، والمطلوب والخائف والهارب من العدود، ويبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. فإن قيل: قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَه} تكرار لقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. فالجواب: أن هذا ليس بتَكْرَار، وبيانه من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} خطاب مع الرسول - عليه السلام - لا مع الأمة. وقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَه} خطاب مع الكل. وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم، وهم بـ"المدينة" خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاقتصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل "المدينة" خاصة، فبيّن الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة. [قوله تعالى: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. قال السُّدٍّي: هم اليهود خاصة، والكتاب: التوراة. وقال غيره: أحبار اليهود، وعلماء النصارى؛ لعموم اللفظ، والكتاب التوراة والإنجيل. فلا بد أن يكون عدداً قليلاً؛ لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان]. قوله تعالى: "أَنَّهُ الحَقُّ" يحتمل أن تكون "أن" واسمها وخبرها سادّة مسدّ المفعولين لـ"يعلمون" عند الجمهور، ومسدّ أحدهما عند الأخفش، والثاني محذوف على أنها تتعدى لاثنين، وأن تكون سادّة مسد مفعول واحد على أنها بمعنى العِرْفان، وفي الضمير ثلاثة أقوال: أحدها: يعود على التولّي المدلول عليه بقوله: "فولّوا". والثاني: على الشطر. والثالث: على النبي صلى الله عليه وسلم، [أي: يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوّته حقّ] ويكون على هذا التفاتاً من خطابه بقوله: "فلنولِّينَّك" إلى الغيبة. [قوله تعالى: "من ربهم" متعلق بمحذوف على أنه حال من الحق، أي كائناً من ربهم]. فصل في كيفية معرفة أهل الكتاب اختلفوا في كيفية معرفتهم فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن قوماً من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول، وخبر القبلة، وأنه يصلي إلى القبلتين. وثانيها: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله - تعالى - قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وثالثها: أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر عليه من المعجزات، ومتى علموا نبوته، فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق، فكان هذا التحويل حقّاً. قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} تقدم معناه. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "تعملون" بالتاء على الخطاب للمسلمين وهو الظاهر أو لـ"للذين" على الالتفات تحريكاً لهم وتنشيطاً، والباقون بالغيبة ردّاً على الذين أوتوا الكتاب، أو ردّاً على المؤمنين، ويكون التفاتاً من خطابهم بقوله: "وجوهكم - كنتم" فإن جعلناه خطاباً للمسلمين، فهو وعد لهم، وبشارة أي: لا يخفى عليَّ جدّكم واجتهادكم في قَبُول الدين، فلا أخل بثوابكم. وإن جعلناه كلاماً مع اليهود، فهو وعيد وتهديد لهم، ويحتمل أيضاً أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم، وإن لم يعجلها لهم، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن ماجة عن البراء قال " حديث : ‏صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس‏؟‏ فأنزل الله {وما كان الله ليضيع إيمانكم} ‏[‏البقرة: 143‏]‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل قال ‏"‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، ثم أنزل الله أنه أمره فيها بالتحوّل إلى الكعبة فقال ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله ‏{‏قد نرى تقلب وجهك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج النسائي والبزار وابن المنذر والطبراني عن أبي سعيد بن المعلى قال ‏"‏كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت‏:‏ لقد حدث أمر‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فجلست‏.‏ فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏}‏ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي‏:‏ تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكون أول من صلى فتوارينا فصلينا، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ إلى الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها‏} ‏ قال‏:‏ هو يومئذ يصلي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلة نحو البيت الحرام، فولاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها ‏{‏فول وجهك شطر المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ تلقاء المسجد الحرام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ قالت اليهود‏:‏ يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فقال‏:‏ يدعو الله ويستفرض القبلة، فنزلت ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية فانقطع قول يهود حين وجه للكعبة، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو في قوله‏ {‏فلنولينك قبلة ترضاها‏} ‏ قال‏:‏ قبلة إبراهيم نحو الميزاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء في قوله ‏ {‏فول وجهك شطر المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ قبله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدينوري في المجالسة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي في قوله ‏ {‏فول وجهك شطر المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ شطره قبله‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ شطره نحوه‏.‏ وأخرج آدم والدينوري في المجالسة والبيهقي عن مجاهد في قوله ‏{‏شطره‏}‏ يعني نحوه‏.‏ وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدينوري عن أبي العالية في قوله ‏{‏شطر المسجد الحرام‏} ‏ قال‏:‏ تلقاءه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن رفيع قال ‏ {‏شطره‏}‏ تلقاءه بلسان الحبش‏.‏ وأخرج أبو بكر بن أبي داود في المصاحف عن أبي رزين قال‏:‏ في قراءة عبد الله (‏وحيثما كنتم فولوا وجوهكم قبله).‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس مرفوعاً ‏"‏حديث : البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي‏‏ "تفسير : ‏‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏وإن الذين أوتوا الكتاب‏}‏ قال‏:‏ أنزل ذلك في اليهود‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم‏} قال‏:‏ يعني بذلك القبلة‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏ {‏وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق‏} ‏ يقول‏:‏ ليعلمون أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم والأنبياء ولكنهم تركوها عمداً ‏{أية : ‏وإِن فريقاً منهم ليكتمون الحق‏}تفسير : ‏ ‏[‏البقرة: 146‏] يقول‏:‏ يكتمون صفة محمد وأمر القبلة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء} أي تردُّدَه وتصرُّفَ نظرِك في جهتها تطلعاً للوحي وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقع في رَوْعة ويتوقعُ من ربه عز وجل أن يحوله إلى الكعبة لأنها قِبلةُ إبراهيمَ وأدعىٰ للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتُهم ومزارُهم ومَطافُهم ولمخالفة اليهود، فكان يُراعي نزولَ جبريلَ بالوحي بالتحويل {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً} الفاء للدلالة على سببـية ما قبلها لما بعدها وهي في الحقيقة داخلةٌ على قسمٍ محذوف يدل عليه اللام أي فوالله لنولِّينَّك أي لنُعطِينَّكها ولنُمَكِّنَنَّك من استقبالها من قولك: ولَّيتُه كذا أي صيّرته والياً له أو لنَجْعَلَنك تلي جِهتَها أو لنُحَوِّلنَّك على أن نَصْبَ (قبلةً) بحذف الجار أي إلى قبلة وقيل: هو متعدٍ إلى مفعولين {تَرْضَاهَا} تحبها وتشتاق إليها لمقاصدَ دينيةٍ وافقتْ مشيئتَه تعالى وحِكْمتَه {فَوَلّ وَجْهَكَ} الفاء لتفريع الأمرِ بالتولية على الوعد الكريمِ، وتخصيصُ التوليةِ بالوجه لما أنه مدارُ التوجه ومعيارُه وقيل: المرادُ به كلُّ البدنِ أي فاصرِفْه {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي نحوَه وهو نصبٌ على الظرفية من نولِّي أو على نزع الخافض أو على أنه مفعول ثانٍ له، وقيل: الشطرُ في الأصل اسمٌ لما انفصل من الشيء، ودارٌ شَطورٌ إذا كانت منفصلةً عن الدور، ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصِلْ كالقُطر، والحرامُ المُحرَّم أي محرم فيه القتالُ أو ممنوعٌ من الظَلَمة أن يتعرضوا له، وفي ذكر المسجد الحرامِ دون الكعبة إيذانٌ بكفاية مراعاةِ الجهةِ لأن في مراعاةِ العينِ من البعيد حرجاً عظيماً بخلاف القريب. رُوي عن البراء بن عازبٍ أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينةَ فصلَّى نحوَ بـيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهراً ثم وُجِّه إلى الكعبة وقيل: كان ذلك في رجبٍ بعد زوال الشمسِ قبل قتال بدرٍ بشهرين ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سَلَمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوَّل في الصلاة واستقبل الميزاب وحوّل الرجالَ مكانَ النساء والنساءَ مكانَ الرجال فسُمِّيَ المسجدُ مسجدَ القِبلتين {وحيثما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} خُصَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بالخطاب تعظيماً لجنابه وإيذاناً بإسعاف مرامِه ثم عُمّم الخطابُ للمؤمنين مع التعرُّض لاختلاف أماكنِهم تأكيداً للحُكم وتصريحاً بعُمومه لكافة العباد من كل حاضِرٍ وبادٍ وحثاً للأمة على المتابعة، وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزاء بها، وقوله تعالى: {فَوَلُّواْ} [البقرة، الآيتان: 144، 150] جوابُها، وتكون هي منصوبةً على الظرفية بكنتم نحوُ قوله تعالى: {أية : أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الإسراء، الآية 110] {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} من فريقي اليهود والنصارى {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي التحويل أو التوجهَ المفهومَ من التولية {ٱلْحَقّ} لا غيرُ لعلمهم بأن عادتَه سبحانه وتعالى جاريةٌ على تخصيص كلِّ شريعةٍ بقِبلة ومعاينتِهم لما هو مسطورٌ في كتبهم من أنه عليه الصلاة والسلام يصلِّي إلى القِبلتين كما يُشعر بذلك التعبـيرُ عنهم بالاسم الموصول بإيتاء الكتاب، وأن مع اسمها وخبرِها سادٌ مسدَّ مفعولي يعلمون أو مسدَّ مفعولِه الواحد على أن العلم بمعنى المعرفة، وقولُه تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} متعلقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الحق أي كائناً من ربهم أو صفةً له على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلتِه أي الكائنَ من ربهم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} وعد ووعيد للفريقين والخطابُ للكل تغليباً، وقرىء على صيغة الغَيْبة فهو وعيدٌ لأهل الكتاب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} [الآية: 144]. قيل فيه أعلمه أولاً أنه من الحق ليكون متأدبًا بآداب الحق ومن حسن أدبه أنه نظر نحو السماء لم يشك فأجيب على نظره إلى مراده. قوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. أخبره بعد أن أجابه إلى مراده، إن مرادك يُخالف مرادنا لأن إرادتنا فيك نقلك إلى الكعبة وثباتك عليه وجعلها قبلةً لك ولأمتك لتعلم أن رضاك لا يخالف رضانا أبدًا. قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. قال بعض العراقيين: ترسم معهم برسم الظاهر فى استقبال الكعبة ببدنك، ولا تقطع قلبك عن مشاهدتنا، فإنا جعلنا الكعبة قبلة بدنك ونحن قبلة قلبك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}. حَفِظَ - صلوات الله عليه - الآدابَ حيث سكت بلسانه عن سؤال ما تمنَّاه من أمر القبلة بقلبه، فَلاَحَظَ السماءَ لأنها طريق جبريل عليه السلام، فأنزل الله عزَّ وجل: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} أي علمنا سؤلك عمَّا لم تُفْصِحْ عنه بلسان الدعاء، فلقد غيَّرنا القِبْلَةَ لأجلك، وهذه غاية ما يفعل الحبيب لأجل الحبيب. كلَّ العبيد يجتهدون في طلب رضائي وأنا أطلب رضاك {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}: ولكن لا تُعَلِّقْ قلبَكَ بالأحجار والآثار، وأَفْرِد قلبك لي، ولتكن القِبلةُ مقصودَ نَفْسِك، والحقُّ مشهودَ قلبك، وحيثما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطره، ولكن أَخْلِصوا قلوبَكم لي وأَفرِدوا شهودكم بي. قوله جلّ ذكره: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. ولكنه عِلْمٌ لا يكون عليهم حجة، ولا تكون لهم فيه راحة أو منه زيادة، {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} تهويلاً على الأعداء، وتأميلاً على الأولياء.

البقلي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} الا قد نرى تقلب عين سرك فى سماء الهويّة الطب عيان المشاهدة وقبله القرية ويزول الصفة فى الصفة ووقوع خطاب الخالص في سمع الخاص حتى تصير لك عين الجمع من جميع الوجوه وقيل فيه اعلمه اولا انه بمراى من الحق ليكون متادبا باداب الحق ومن حسن ادبه انه نظر الى نحو السماء ولم يسأل واجيب على نظره الى مراده {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} اى نطيبك ونكشف لك قبله عين وجودى ترضى بها وتونسها ولا يكون لك بعد ذلك طريقاً منها الى نفسك ولا جهة منها الى الكون لان مرادك مرادى ومرادى ماردك وايضاً انى قبلك حيث توجهت حتى تكون بلا جهة في الكون فى طلب وجودى وقد ادبه الله بهذا عليه حتى لا يكون له سواه فى جميع مناه وقيل اخبره بعد ان اجاه الى مراده ان مرادك لم يخالف من مرادنا لان ارادتنا فيك تقلبك الى الكعبة واثباتك عليه وجعلنا قبله لك ولا متك قبله لتعلمان رضاك لا يخاف رضانا ايدا {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} اى فولّ وجهك نحو المراقبة الى صدرك لانه مسجد انوار الحقائق وهو ممتنع عن الوسواس وغبار العلائق وفيه القلب وهو كعبة الانس وفى تلك الكعبة الايات بيّنات مقاهى وفى الايات نادى وفي الاثار اثار صفاتي وايضاً فولّ وجهك للظاهر نحو الكعبة حتى ترانى ملباس بلباس الايات فعينك الظاهر الايات وعينك الباطن للصفات وقال بعض العراقيين ترسم معهم برسم الظاهر نحو الكعبة في استقبال الكعبة ببدنك ولا تقطع قلبك عن مشاهدتنا فانا جعلنا الكعبة قبله بدنك ونحن قبله قلبك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قد} لفظ قد فى المضارع للتقليل وقد استعمل ههنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين فى الضدية {نرى} مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لانها رأس القصة والمعنى شاهدنا وعلمنا {تقلب وجهك} اى تردد وجهك فى تصرف نظرك {فى السماء} اى فى جهتها تطلعا للوحى وكان عليه السلام يقع فى روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة ابيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للعرب الى الايمان من حيث انها كانت مفخرة لهم وامنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فانهم كانوا يقولون انه يخالفنا فى ديننا ثم انه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره ان يتوجه الى قبلتهم حتى روى انه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل "حديث : وددت ان الله صرفنى عن قبلة اليهود الى غيرها" فقال له جبريل انا عبد مثلك وانت كريم على ربك فادع ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر الى السماء رجاء ان يأتيه جبريل بالذى سأل ربه فانزل الله هذه الآيةbr>". تفسير : واول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت الى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة الى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد ان كان للمصلى ان يتوجه حيث شاء لقوله تعالى {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [البقرة: 115]. ثم تحويلها من بيت المقدس الى الكعبة بالمدينة امتحانا لليهود كذا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى {فلنولينك قبلة} اى فوالله لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا اى صيرته واليا له وولى الرجل ولاية اى تمكن منه او فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه وليا اى قربه ودنا منه واوليته اياه ووليته اى ادنيته منه {ترضاها} مجاز عن المحبة والاشتياق لانه عليه السلام لم يكن ساخطا للتوجه الى بيت المقدس كارها له غير راض اى تحبها وتتشوق اليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى {فول وجهك شطر المسجد الحرام} اى اصرف وجهك اى اجعل وجهك بحيث يلى شطره ونحوه والمراد بالوجه ههنا جملة البدن لان الواجب على المكلف ان يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على انه الاصل المتبوع فى التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الاكبر الذى فيه الكعبة والحرام المحرم اى المحرم فيه القتال او الممنوع من الظلمة ان يتعرضوا له وفى ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ايذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لان استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب {وحيثما كنتم} اى فى أى موضع كنتم من الارض من بحر او بر شرق او غرب واردتم الصلاة {فولوا وجوهكم شطره} فانه القبلة الى نفخ الصور امر لجميع المؤمنين بذلك بعدما امر به النبى عليه السلام تصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثا للامة على المتابعة {وإن الذين أوتوا الكتاب} من فريقى اليهود والنصارى {ليعلمون انه} اى التحويل الى الكعبة {الحق} اى الثابت كائنا {من ربهم} لما ان المسطور فى كتبهم انه عليه السلام يصلى الى القبلتين بتحويل القبلة الى الكعبة بعدما كان يصلى الى بيت المقدس ومعنى من ربهم اى من قبله تعالى لا شىء ابتدعه الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه فانهم كانوا يزعمون انه من تلقاء نفسه {وما الله بغافل عما تعملون} خطاب للمسلمين واليهود جميعا على التغليب فيكون وعدا للمسلمين بالاثابة وجزيل الجزاء ووعيدا وتهديدا لليهود على عنادهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: التقلب: التردد، وولَّيْت كذا: جعلته والياً له، والشَّطْر هنا: الجهة. يقول الحقّ جلّ جلاله لنبيه - عليه الصلاة والسلام - حين تمنى أن يُحَول إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأدْعى إلى إسلام العرب، وهي أقدم القبلتين، فكان ينظر إلى السماء، ويقلب وجه فيها انتظاراً لنزول الوحْي، وهذا من كمال أدبه - عليه الصلاة والسلام - حيث انتظر ولم يطلب، فقال له الحق تعالى: {قد نرى} أي: ربما نرى تردد {وجهك في السماء} انتظاراً للوحي، فلنعطينك ما تمنيت، ونوجهك إلى قبلة {ترضاها} وتحبها لمقاصد دينية وافقت المشيئة، واقتضتها الحكمة، {فولِّ وجهك} أي: اجعله موالياً {شطر} أي: جهة {المسجد الحرام وحيثما كنتم} أيها المؤمنون أي في أي مكان كنتم {فولوا وجوهكم شطره} جهته. وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حَرجٌ عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل - عليه السلام - عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحْي. رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وُجِّه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلّى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسُمي مسجد القبلتين. قاله البيضاوي. الإشارة: في الآية إشارة إلى أن ترك التصريح من كمال الأدب، وفي الحكم: "ربما دلّهم الأدب على ترك الطلب، كيف يكون دعاؤك اللاحق سبباً في قضائه السابق؟! جلّ حكم الأزل أن يضاف إلى العلل". فإذا تمنيت شيئاً وتوقفت على أمر فاصبر وتأدب واقتد بنبيك - عليه الصلاة والسلام - حتى يعطيك ما ترضى، أو يعوضك منها مقام الرضا. وفي المسألة كلام، والتحقيق أن ينظر إلى ما ينشرح به صدره في الوقت، فإن انشرح للدعاء دعا، وإن انقبض عن الدعاء سكت. والله يرزق من يشاء بغير حساب ولا علّة ولا أسباب. وإن شئت قلت: قد نرى فكرتك أيها العارف في سماء المعاني، غائباً في شهود الأواني، فلنولينك قبلة ترضاها، وتتلذذ بشهود جمالها وسناها، وهي الحضرة المطهرة التي هي صلاة القلوب، فولّ وجهك ووجهتك إلى تلك الحضرة، وحيثما كانت فولّ وجهك شطره، ودم على صلاة الفكرة والنظرة، فهي صلاة العارفين، ومنتهى امل القاصدين، وبالله التوفيق. ولمّا تحوّلت القبلة إلى الكعبة غضبت اليهود، حيث ترك قبلتهم، مكابرة وعناداً، وقالوا: لو بقي على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبيّ المبعوث في آخر الزمان فنتبعه، فردَّ الله عليهم وكذبهم فقال: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} قلت: {ولئن} اللام موطِّئة للقسم، و {إن} شريطة، و {أتيت} فعل اشرط، و {ما تبعوا} جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. قال في الألفية: شعر : واحذِف لَدَى اجتماع شرطٍ وقسمْ جوابَ ما أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن الذين أوتوا الكتاب} من أحبار اليهود {ليعلمون} أن التحول إلى الكعبة حق {من ربهم} لِمَا يجدون في كتابهم أنه يصلي إلى القبلتين، وأن عادته تعالى تخصيص كل أمة بشريعة، {وما الله بغافل عما يعملون} من التعنت والعناد، وإنما يمهلهم ليوم المعاد، والله لئن أتيتهم بكل حجة وبرهان على صحة التوجه إلى الكعبة {ما تبعوا قبلتك}؛ لأنهم ما تركوا قبلتك لشبهة تُزيلُها الحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً. وقد طمعوا أن ترجع إلى قبلتهم، ولست {بتابع قبلتهم} أبداً، بل لهم قبلتهم؛ صخرة بيت المقدس، وللنصارى قبلتهم؛ مطلع الشمس، وليس بعضهم {بتابع قبلة بعض}؛ لتصلب كل حزب بما هو فيه، وإن كان على خطأ وفساد؛ لأن مفارقة العوائد نا صعب على النفوس إلا من سبقت له العناية. {ولئن اتبعت أهواءهم} الباطلة وإراءهم الزائفة فَرْضاً وتقديراً {من بعد ما جاءك من العلم} الواضح والوحي الصحيح {إنك إذاً لمن الظالمين}، لكنك معصوم، فلا يتصور اتباعك لهم أبداً. {الدين آتيناهم الكتاب} أي: اليهود {يعرفونه} أي: الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإن لم يتقدم ذكره لدلالة الكلام عليه أو القرآن أو التحويل، {كما يعرفون أبناءهم} لا يشكُّون في صحة رسالته كما لايشكون في معرفة أبنائهم. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنا أعلَمُ بِه مِنِّي بِابني، قال له: ولِمَ؟ قال: لأنِّي لستُ أشُكُّ في محمدٍ أنه نبيُّ الله. وأمَا ولَدِي فلعلَّ والدتَهُ قدْ خَانَتْ). وبعد حصول هذه المعرفة لهم جحدوه وكتموا صفته، إلا من عصمة الله بالإيمان كعبد الله بن سلام وأصحابه - فقد كتم فريق منهم الحق وهم أحبارهم، وهم يعلمون أنه حق حسداً وعناداً. هذا الذي أنت عليه يا محمد هو {الحق من رَبِّك فلا تكونن من الممترين} أي: من الشاكين في أنه الحق، أو في كتمانهم الحق عالمين به. والخطاب مصروف للسامعين لا للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه غير متوقع منه، وإنما المراد تحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ قاله البيضاوي. الإشارة: مما جرت به سُنة الله تعالى في خلقه أن أهل الحقيقة منكورون عند أهل الشريعة، أو تقول: علماء الباطن منكورون عند علماء الظاهر، يقابلونهم بالإذاية والإنكار، مع أنه يعلمون أن الحقيقة حق من ربهم، وأن علم الباطن حق لقوله - عليه الصلاة والسلام -:"حديث : إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا سمعه أهل الغرة بالله أنكروه عليهم"تفسير : . أو كما قال - عليه الصلاة والسلام-، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لِكلِّ آيةٍ ظَاهرٌ وبَاطِنٌ وحَدٍّ ومَطْلَع ". تفسير : {وما الله بغافل عما يعلمون} فجزاؤهم الحرمان عن لذة الشهود والعيان، فيقال لأهل الباطل: ولئن أتيتهم بكل آية وبرهان ما تبعوا وجهتك التي توجهت إليها؛ لأنها مَنُوطة بموت النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، وخرق العوائد لاكتساب الفوائد، ومفارقة الأوطان والغيبة عن الأهل والولدان، وما أنت أيها المريد بتابع وجهتهم التي توجهوا إليها، ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما ظهر لك من علم التحقيق: إنك إذاً لمن الظالمين لنفوسهم. الذين آتيناهم الكتاب من علماء الشريعة يعرفون علم الحقيقة، كما يعرفون أبناءهم، أي: يقرون به في الجملة وينكرون وجود أهله مخصوصين، وقد يتحققون به ويكتمون الحق حسداً، وهم يعلمون وجود خصوصيته، فيقال للعارف: هذا الذي أنت عليه من سلوك جادة الطريقة، وعلم التحقيق، هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين أنك على الحق المبين.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابو جعفر، وروح {عما تعملون} بالتاء. الباقون بالياء. النزول: وقال قوم ان هذه الآية نزلت قبل التي تقدمتها: وهي قوله: {سيقول السفهاء} المعنى: إن قبل لم قلب النبي (صلى الله عليه وسلم) وجهه في السماء، قلنا عنه جوابان: احدهما - انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس، وكان يفعل ذلك انتظاراً وتوقعاً لما وعد به. والثاني - انه كان يحبه محبة الطباع، ولم يكن يدعو به حتى ادركه فيه، لان الانبياء لا يدعون إلا بما أذن لهم فيه لئلا تكون المصلحة في خلاف ما سألوه فيكون في ردهم تنفرّ عن قبول قولهم. وهذا الجواب يروى عن ابن عباس، وقتادة. وقيل في سبب محبة التوجه الى الكعبة ثلاثة اقول: أولها - قال مجاهد: انه أحب ذلك، لانها كانت قبلة ابراهيم - حكاه الزجاج - انها احب ذلك استدعاء العرب الى الايمان. اللغة: وقوله: {قد نرى} فالرؤية هي ادراك الشيء من الوجه الذي يتبين بالبصر. وقوله: {تقلب وجهك} التقلب والتحول والتصرف نظائر: وهو التحرك في الجهات وقوله: {ترضاها} تحبها. والرضاء ضد السخط: وهو ارادة الثواب. والسخط ارادة الانتقام. وقوله: {شطر المسجد} اي نحوه، وتلقاه بلا خلاف بين اهل اللغة. وعليه المفسرون كابن عباس، ومجاهد، وابي العالية، وقتادة، والربيع، وابن زيد، وغيرهم. قال الشاعر: شعر : وقد اظلكم من شطر ثغركم هول له ظلم يغشاكم قطعا تفسير : اي من نحو ثغركم وانشد ابن عبيدة الهذلي: شعر : ان العسير بها داء مخامرها فشطرها نظر العينين محسور تفسير : وقال ابن احمر: شعر : تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة قد كارب العقد من ايفادها الحقبا تفسير : وقال الجبائي: اراد بالشطر النصف، كأنه قال: وجهك نصف المسجد، لان شطر الشيء: نصفه، فامره ان يولي وجهه نحو نصف المسجد حتى يكون مقابل الكعبة. وهذا فاسد، لانه خلاف أقوال المفسرين، ولان اللفظ اذا كان مشتركاً بين النصف، وبين النحو ينبغي ألاّ يحمل على احدهما إلا بدليل. وعلى ما قلناه اجماع المفسرين، قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم شاطرونا دورهم، تتصل بدورنا كما يقال هؤلاء يناحوننا أي نحن نحوهم وهم نحونا. وقال صاحب العين شطر كل شيء نصفه وشطره: قصده ونحوه، ومنه المثل احلب حلباً لك شطره اي نصفه. وشطرت الشيء جعلته نصفين، وقد شطرت الشاة شطاراً: وهو ان يكون احد طستها اكثر من الآخر وان حلبا جميعاً، ومنزل شطر: اي بعيد، وشطر فلان على اهله: اي تركهم مراغماً أو مخالفاً. ورجل شاطر. وقد شطر شطورة، وشطوراً وشطارة: وهو اعيا اهله خبثاً. وأصل الشطر النصف. المعنى: وقال السدي المعني بقوله {وإن الذين أوتوا الكتاب} هم اليهود. وقال غيره: هم احبار اليهود، وعلماء النصارى غير انهم جماعة قليلة يجوز على مثلهم اظهار خلاف ما يبطون، لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع الى العادة، وانه لم يجز بذلك مع اختلاف الدواعي، وانما يجوز العناد على النفر القليل وقد مضى فيما تقدم نظير ذلك، وان على ما نذهب اليه في الموافاة لا يمكن أن يكونوا عارفين بذلك إلا أن يكون نظيرهم لا يوجه وجوب المعرفة، فاذا حصلت المعرفة عند ذلك فلا يستحقون عليه الثواب لان النبي (صلى الله عليه وسلم) يمنع منه ان يكونوا مستحقين للثواب الدائم ويكفرون فيستحقون العقاب الدائم والاحباط باطل، فيؤدي ذلك الى اجتماع الاستحقاقين الدائمين وذلك خلاف الاجماع. وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه الى بيت المقدس قبل ذلك. وروي عن ابن عباس انه قال: اول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة. وقال قتادة: نسخت هذه الآية ما قبلها. وقال جعفر بن مبشر هذا مما نسخ من السنة بالقرآن - وهذا هو الاقوى -، لانه ليس في القرآن مما يدل على تعبده بالتوجه الى بيت المقدس. ومن قال: انها نسخت قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} قلنا له هذه ليست منسوخة بل هي مختصة بالنوافل - في حال السفر - فأما من قال: يجب على الناس ان يتوجهوا الى الميزاب الذي على الكعبة ويقصدوه، فقوله باطل، لانه خلاف ظاهر القرآن. قال ابن عباس: البيت كله قبلة - وهو قول جميع المفسرين. وروى بعض اصحاب الحديث: ان البيت هو القبلة وان قبلته بابه. وهذا يجوز. قال فاما ان يجب على جميع الخلق التوجه اليه، فهو خلاف الاجماع. وقوله: {حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} روي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) ان ذلك في الفرض، وقوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} في النافلة. وروى عن ابن عباس وابي جعفر محمد بن علي: انه لما حول الى الكعبة اتى رجل من عبد الاشهل من الانصار وهم قيام يصلون الظهر وقد صلوا ركعتين نحو بيت المقدس، فقال: ان الله قد صرف رسوله نحو البيت الحرام، فصرفوا وجوههم نحو البيت الحرام في بقية صلاتهم. الاعراب: وقوله: {وحيثما كنتم} موضع كنتم جزم بالشرط، وتقديره وحيث ما تكونوا، والفاء جواب ولولا (ما) لم يجز الجزاء (بحيث) لخروجها عن نظائرها، بانه لا يستفهم بها، ولان الاضافة لها كالصلة لغيرها، وليست بصلة كصلة اخواتها. والهاء في قوله تعالى: {وإنه للحق} على قول الجبائي يعود الى التحويل. وقال الحسن: هي عائدة الى التوجه الى الكعبة، لانها قبلة ابراهيم، والانبياء قبله. اللغة: و {الحق} وضع الشيء في موضعه اذا لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. والغفلة: هي السهو عن بعض الاشياء خاصة واذا كان السهو عاماً فهو فوق الغفلة وهو السهو العام، لان النائم لا يقال: انه غفل عن الشيء الا مجاز. المعنى: وقال عطا في قوله تعالى: {فولّ وجهك شطر المسجد الحرام} قال: الحرم كله مسجد. وهذا مثل قول أصحابنا أن الحرم قبلة من كان نائيا عن الحرم من أهل الآفاق. واختلف الناس في صلاة النبي (صلى الله عليه وسلم) الى بيت المقدس فقال قوم: كان يصلي بمكة الى الكعبة، فلما صار بالمدينة أمر بالتوجه الى بيت المقدس سبعة عشر شهراً ثم أعيد الى الكعبة. وقال قوم: كان يصلي بمكة الى بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها ولا يصلي في غير المكان الذي يمكن هذا فيه. وقال قوم: بل كان يصلي بمكة، وبعد قدومه المدينة سبعة عشر شهراً الى بيت المقدس، ولم يكن عليه ان يجعل الكعبة بينه وبينها، ثم أمره الله بالتوجه الى الكعبة. ومن صلى الى غير القبلة لشبهة دخلت عليه، ثم تبينه، فان كان الوقت باقياً أعاد الصلاة. وان خرج الوقت، فان كان صلى يميناً وشمالاً، فلا إعادة عليه، وإن صلى الى استدبارها أعاد. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف.

الجنابذي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} ابتداء كلامٍ منه تعالى لابداء حكم ولذا لم يأت بأداة الوصل كأنّه (ص) بعد ما انزجر من اليهود وما قالوه فيه وفى توجّهه فى صلاته الى قبلتهم كان يسأل ربّه تحويل وجهه فى الصّلاة ومن شأن السّائل المتضرّع ان يقلّب وجهه فى جهة المسؤل وكأنّه كان يريد الكعبة لأنّها كانت قبلة ابراهيم (ع) وبناءه ومولد علىّ (ع) وموطنه وموطن نفسه {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} فى صلاتك وهى الكعبة وانّما يرضيها للميل الفطرىّ الّذى يكون للانسان بالنّسبة الى موطنه ومولده وموطن آبائه وآثار أجداده ولأنّها كانت مرجعاً للعرب والتّوجّه اليها يقتضى رغبتهم الى دين الاسلام {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} اى الحرام هتكه، والحرام امّا مشترك بين المصدر والصّفة او فى الاصل مصدرٌ يستعمل فى معنى الصّفة والمسجد الحرام جزء من الحرم كما انّ الكعبة جزء من المسجد، والكعبة قبلة اهل الحرم والحرم قبلة أهل العالم كما روى فالمراد بالمسجد الحرام امّا تمام الحرم من باب استعمال الجزء فى الكلّ او المسجد نفسه، ولم يقل شطر الكعبة لأنّ المعتبر من القبلة للبعيد هو استقبال الجهة الّتى يكون البيت فيها لا استقبال عين البيت وهذا المعنى يستفاد من شطر المسجد مع انّ فيه تطبيقاً للتّنزيل على التّأويل والمعنى ولّ وجه بدنك شطر المسجد الحرام الصّورىّ ووجّه نفسك شطر المسجد الحرام الّذى هو الصّدر المنشرح بالاسلام الّذى فيه كعبة القلب فى حال الصّلاة البدنيّة وفى حال الصّلاة النّفسيّة الّتى هى كلّ الاحوال. وفى الخبرانّ النّبىّ (ص) بعد ما اغتمّ بقول اليهود انّ محمّداً (ص) تابع لقبلتنا خرج فى بعض اللّيل يقلّب وجهه فى السّماء فلمّا أصبح صلّى الغداة فلمّا صلّى من الظّهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له: قد نرى تقلّب وجهك فى السّماء فلنولّينّك قبلةً ترضيها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ثمّ أخذ بيد النّبىّ (ص) فحوّل وجهه الى الكعبة وحوّل من خلفه وجوههم حتّى قام الرّجال مقام النّساء والنّساء مقام الرّجال فكان أوّل صلاته الى بيت المقدّس وآخرها الى الكعبة فسمّى ذلك المسجد مسجد القبلتين {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} خصّه (ص) اوّلاً بالخطاب تعظيماً لشأنه (ص) وتنبيهاً على اجابة مسؤله وعلى مراعاة رغبته وانّ الحكم له (ص) بالأصالة ولامّته بالتّابعيّة ثمّ عمّم الحكم والخطاب للأمّة والأمكنة كلّها ان كان الرّسول (ص) داخلاً فى المخاطبين او صرف الخطاب عنه الى أمّته وخاطبهم للاشارة الى عموم الحكم وأنّه ليس له (ص) خاصّة؛ وهذا الوجه هو الانسب، لأنّه تعالى كرّر هذا الحكم وفى كلٍّ من مراتب التّكرار ذكر الرّسول (ص) وحده ثمّ ذكر الأمّة وعلّق الحكم حين ذكر الرّسول (ص) على ما يناسب شأنه وحين ذكر الامّة على ما يناسب شأنهم كما سنذكره {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} والمراد بالكتاب الشّريعة الالهيّة من اىّ نبىٍّ كانت او كتاب التّوراة والانجيل والجملة حال او عطف باعتبار المعنى كأنّه قال: فانّه حقّ من ربّكم {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} اى التّحويل او التّوجّه او شطر المسجد او المسجد من حيث التّوجّه {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} لأنّهم أهل شرائع الهيّةٍ وكلّ من دخل فى شريعةٍ الهيّة يعلم انّ احكام كلّ شريعةٍ مغايرة لشريعةٍ أخرى، وبعض ما فى شريعةٍ ينسخ بشريعةٍ اخرى على انّ اهل الكتاب قرأوا فى كتبهم وسمعوا من أحبارهم بأخبار أنبيائهم أنّ محمّداً (ص) يصلّى الى القبلتين {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} وعد ووعيد للمقرّ والمنكر، وقرئ يَعْمَلُونَ بالغيية.

الأعقم

تفسير : {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} يعني اينما كنتم من مشارق الارض ومغاربها فولوا وجوهكم شطره يعني جهته، وقيل: بعضه {وإن الذين أوتوا الكتاب ليلعمون أنه الحق من ربهم} يعني اليهود اهل التوراة والانجيل انه الحق، قيل: التوجه الى الكعبة حق لانها قبلة ابراهيم (عليه السلام)، وقيل: النبي حق ودينَه حق لأنه مذكور في كتبهم، روي ان يهود المدينة ونصارى نجران قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ائتنا بآية كما اتى الانبياء قبلك، فأنزل الله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية} يعني بكل برهان {ما تبعوا قبلتك} لان تركهم اتباعك ليس عن شبهَة انما هو عن مكابرة وعناد {وما أنت بتابع قبلتهم} حَسمٌ لأطماعهم لأنهم كانوا يقولون لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ان يكون صاحبنا {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون وذلك ان اليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى مطلع الشمس {ولئن اتبعت أهواءهم} يا محمد في المداراة حرصاً على ان يؤمنوا {إنك إذاً لمن الظالمين} لنفسك اي قد علمت انهم لا يؤمنون، وقيل: الخطاب للنبي والمراد كل من كان بتلك {الذين آتيناهم الكتاب} الآية نزلت في عبد الله بن سلام، قال له عمر: كيف تعرف نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني اذا رأيته مع الصبيان يلعب وانه لنبي حق {فاستبقوا الخيرات} يعني امر القبلة وغيرها من الطاعات {ومن حيث خرجت} اي ومن اي بلد خرجت للسفر {فول وجهَك شطر المسجد الحرام} اذا صليت وهذا التكرار لتأكيد امر القبلة وتشديده، وقيل: الاولى في مسجد المدينة، والثانية خارج المسجد، والثالثة خارج البلد {إلا الذين ظلموا منهم} وهم اهل مكة حين قالوا: بدا له فرجع الى قبلة آبائه وهو اهله رجع الى دينهم، وقيل: هم اليهود قالوا لما انحرف الى الكعبة قالوا: ما هو يعمل الا برأيه وهم يعلمون انه حق {فلا تخشوهم} فلا تخافوا مطاوعتهم في ملتهم فانهم لا يضروكم مطامعهم {واخشوني} فلا تخالفوا أمري {ولأتم نعمتي عليكم} في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بارسال الرسل، وفي الحديث: "حديث : تمام النعمة دخول الجنة" تفسير : وعن علي (عليه السلام): "تمام النعمة الموت على الإسلام".

الهواري

تفسير : قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} أي فلنحولنّك ولنصرفنك {قِبْلَةً تَرْضَاهَا} أي تحبها. ولم يكن قبلة أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة. وتفسير الكلبي " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل:وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك؛ فادع ربك واسأله. ثم ارتفع جبريل، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} " تفسير : أي تلقاءه. وقال بعضهم {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} أي: قد نرى نظرك إلى السماء. ذكروا عن محمد بن عبد الله بن جحش أنه قال: صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ونحن في صلاة الظهر، وقد صلَّينا ركعتين من الظهر فاستدرنا وإنا لفي الصلاة. ذكروا عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية وهم في الصلاة، فجاء الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال. قوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. قال الحسن: يعلمون أن القبلة هي الكعبة. وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً إلا وهو يصلِّي إلى الكعبة. قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. قال: لما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قالت اليهود: إنا لنرجو أن يرجع محمد إلى ديننا كما صلّى إلى قبلتنا، فأنزل الله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} [هذا الخطاب للنبي عليه السلام ولسائر أمته].

اطفيش

تفسير : {قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِك فى السّماء فلنولِّينّك قِبلةً ترضاها فولِّ وجْهك شَطْر المسْجِدَ الحرام...} إلخ وقيل كان يقول ذلك لجبريل، وإذا قام إلى الصلاة رفع طرفه نحو السماء ينظر الأمر من عند الله، فنزلت الأية، وهذه الآية متأخرة فى التلاوة متقدمة فى النزول، لأنها أول ما نسخ الاستقبال إلى بيت المقدس، وقيل كان صلى الله عليه وسلم يحب التوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم من بيت المقدس، وأدعى للعرب إلى الإيمان، إذ لا قبلة أحب إليهم منها، ولا يستقبلون سواها إلا من تنصر منهم، وليخالف اليهود الأراجس القائلين: ما بال محمد يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا؟ ووقع فى قلبه أن سيحوله الله الرءوف الرحيم إلى الكعبة لتلك العلل، وكان يردد وجهه فى جهة السماء طمعاً فى الوحى بذلك واشتياقاً، فنزل قوله عز وعلا: {قد نَرَى تَقلُّب وجْهكَ فى السَّماء..} الآية وذلك منه أدب كامل حيث اقتصر على الانتظار، ولم يسأل، وقيل سبب نزول الآية أن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يستقبل بيت المقدس يتآلف بذلك اليهود، وقيل إن الله تعالى أمره بذلك ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من وصفه فى التوراة، فصلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهراً، وقيل سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. قاله ابن عباس. وقال الربيع والسدى: أحب التوجه إليها ليؤلف العرب لمحبتهم للكعبة، والأولى جمع ذلك كله كما مر، ومعنى تقلب الوجه فى السماء: تقلب بصره فى جهة السماء أو إلى جهة السماء، والوجه يتقلب إلى الشئ يتقلب البصر إليه، والتقلب التصرف والتردد، ووجهة تقلب وجهه فى السماء أن السماء قد تعود الناس منها الرحمة كالمطر والنور والوحى، فهم يجعلون رغبتهم ونظرهم حيث تأتى النعم. وعن قتادة وغيره: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقلب وجهه فى الدعاء إلى السماء أن يحوله إلى قبلة مكة، وقد للتحقيق، ويجوز أن تكون للتكثير، ومعناه تكثير الرؤية لتكثير التقلب، والمراد تكثير التقلب إلى السماء، ولكن عبر بتكثير الرؤية لأنها لازم التقلب، وقد حمل سيبويه على التكثير قول الهذلى: شعر : قد أتركُ القرنَ مُصْفَرا أناملهُ تفسير : وحمل عليهِ جماعة قول الشاعر: شعر : قد أشهد الغارة الشعواء تحملنى جرداء معروقة اللحيين سرحوب تفسير : ومعنى: (نرى) نعلم ومعنى {لنوَلِّينك قِبلةً ترضاها}، لنجعلنك تلى قبلة مرضية لك، وهى الكعبة، والقسم مفرع بالفاء السببية على {قد نرى تقلب وجهك فى السماء}، مع المحذوف المقدر، أى قد نرى تقلب وجهك فى السماء لأجل طلب قبلة غير التى أنت عليها الآن، أو قد نرى تقلب وجهك فى السماء طالباً غير القبلة التى أنت عليها، أو قد نرى تقلب وجهك فى السماء وطلبك القبلة الأخرى، فوالله لنولينك قبلة ترضاها. فيجوز أن تكون قد للتوقع بناء على إثبات التوقع من معانى قد بمعنى نعلم إخبار الله تعالى رسوله بأنه قد توقع رسوله أن يعلم الله ذلك، وليس هذا على ظاهره لأنهُ، صلى الله عليه وسلم، جازم بأن الله عالم بذلك، ولكن أراد ملزوم العلم وهو الإجابة، وجملة (ترضاها) نعت قبلة، أى تحبها والمضارع للحال لأنهُ يحب الكعبة فى حاله لأغراض صحيحة أرادها الله، وافقت مشيئة الله تعالى وقضاءه، ومعنى {فولِّ وجْهَك شَطْر المَسْجد الحَرَام} اجعل وجهك يلى شطر المسجد الحرام، واصرفه عن جهة بيت المقدس إلى جهة المسجد الحرام، والآية تدل على أن الواجب استقبال الجهة قصد الموافقة سمت الكعبة لا عين الكعبة، إذ لا طاقة لكل أحد على ذلك، ولأن الصف الطويل يخرج عن الكعبة، وقيل الواجب استقبال عين القبلة بالقصد، ولو لم يوافقها باستقبالهِ وهو الصحيح وذلك فى البعيد، ولذلك قال: {شَطْر المسجد} فذكر انشطر والمسجد ولم يذكر بدلها الكعبة، وأما من يراها فالواجب عليه قبلة عينها جزما، وكذا ذكر الشطر فى قوله: {فولُّوا وُجُوهَكم شَطْره} والظاهر أن قبلتنا هذه بلاد بنى مزاب وبعض الأندلس ومصر وبعض الشام، وما على سمة ذلك هى المزاب والشطر الجهة وتلقاء، وقد قرأ أبى تلقاء المسجد الحرام، وقيل الشطر فى الأصل ما انفصل، يقال دار شطور أى منفصلة عن الدور، ثم استعمل لبعض الشئ وإن لم ينفصل ذلك البعض، ونصب الشطر على الظرفية، والحرام الممنوع عن القتال فيه أو عن الظلمة أن يتعرضوه أو المقصود كل ذلك. قال البخارى ومسلم عن البراء: أن النبى، صلى الله عليه وسلم، كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأن أول صلاة صلاها إلى الكعبة بعد بيت المقدس صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل، وكانت اليهود قد أعجبهم أنه كان يصلى، صلى الله عليه وسلم، قبل بيت المقدس، وهى قبلة أهل الكتاب، فلما ولى جهه قبل البيت أنكروا ذلك، قال البراء فى حديثه هذا: ومات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى {أية : وما كان الله ليُُضِيعَ إيمانَكُم}،تفسير : وروى البخارى ومسلم عن ابن عباس أنه قال: حديث : لما دخل النبى صلى الله عليه وسلم البيت، ودعى فى نوحيه كلها ولم يصل حتى خرج منهُ، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة، وقال هذه القبلة، تفسير : يعنى أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلى الكعبة أبداً فهى قبلتكم، ولعل هذا فى حجة الوداع أو عام الفتح بناء على أنه لم يصل فيها عام الفتح، والمشهور أنه صلى فيها، وروى البخارى ومسلم: أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه إلى الكعبة فى رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه فى مسجد بنى سلمة ركعتين من الظهر، فتحول فى الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمى المسجد مسجد القبلتين، ولا ينافى هذا حديث البراء المذكور، ولأن مراد البراء أن أول صلاة صلاها كلها إلى الكعبة العصر، وأما الظهر قبلة فصلة بعضه لبيت المقدس وبعضه للكعبة. وعن ابن عمر: بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، أى من بنى سلمة، فقال: إن النبى، صلى الله عليه وسلم، قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وذكروا عن محمد بن عبدالله بن جحش أنهُ قال: صليت إلى القبلتين مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، ونحن فى صلاة الظهر، وقد صلينا ركعتين من الظهر، فاستدرنا وإنا لفى الصلاة، وذكروا عن مجاهد أنه قال: نزلت هذه الآية وهم فى الصلاة، فجعل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، والجمهور على أن تحويل القبلة إلى الكعبة فى يوم الاثنين بعد الزوال، للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وبه قال البراء ومعقل بن يسار، وقيل يوم الثلاثاء لثمانية عشر شهراً وقيل لثلاثة عشر شهرا، وعن قتادة يوم الثلاثاء نصف شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً، وقيل حولت فى جمادى الآخرة. {وحَيْثما كُنتُم فولُّوا وجُوهَكُم}: الصلاة. {شَطْرهُ}: حيث شرطية والفعل بعدها فى محل جزم على الشرط، وما صلة لتأكيد العموم، وولوا فى محل جزم على الجواب، والخطاب فى ذلك لأمه محمد، صلى الله عليه وسلم، خصه صلى الله عليه وسلم، بالخطاب فى قوله تبارك وتعالى: {فَولِّ وجْهكَ شَطْر المسْجد الحرامِ}، تعظيما له وإثباتا لرغبته وتمنيه، وإجابة لدعائه، ثم عم الأمة بقوله: {وحيْثُما كُنتُم..} إلخ تحضيضا لها على متابعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فى أمر القبلة، وتأكيداً لأمر القبلة، وتصريحاً بعموم الحكم للأمة بعد علمه من قوله: {فولِّ وجْهَك}، لأن حكمه صلى الله عليه وسلم حكم لنا حتى يقوم دليل الخصوص. وروى أبو هريرة عن النبى، صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة" تفسير : رواه الترمذى، وقال حديث حسن صحيح، فقيل هذا لأهل المدينة خاصة، وقيل عام، والقولان فى مذهبنا قال بالثانى بعض أصحابنا العمانيين، قيل أراد بالمشرق موضع طلوع الشمس فى الشتاء فى أقصر يوم منه، وهو منتهى هبوطها إلى جهة الجنوب، وأراد بالمغرب موضع غروب الشمس فى الصيف فى أطول [يوم] منه، وهو منتهى دخول الشمس إلى ما يلى جهة الشمال، أو أراد بالمشرق موضع طلوعها فى أطول يوم من الصيف، وبالمغرب موضع غروبها فى أقصر يوم من الشتاء، فمن جعل من أهل الشرق موضع طلوعها فى أطول يوم من الصيف عن يمينه، وموضع غربها فى أقصر يوم من الشتاء عن يساره، فقد استقبل، وكذا من جعل أهل الغرب موضع طلوعها فى أطول يوم من الصيف عن يساره، وموضع غروبها فى أقصر يوم من الشتاء عن يمنيه، فقد استقبل، وذلك أن نقطة طلوع الشمس فيما يلى الجنوب متباعدة عن خط الاستواء بمقدار الليل، ونقطة غروبها ما يلى الشمال متباعدة عن خط الاستواء، وما بينها قوس مكة، وهذا أوسع ما قيل فى القبلة، ولست أقول بذلك، والعامل به قد يخطئ القبلة، بل أقول المراد مما بين المشرق والمغرب فى الحديث ما رد مطلعها فى أطول يوم فى الصيف إلى مطلعها فى أقصر يوم فى الشتاء، وفيه وسع، ومن احتاط فى هذه البلاد ونحوها مما على سمتها قابل ما بين مطلع الشمس فى الاعتدال، وبين منتهى هبوطها فى الشتاء، وإن جاوز إلى ما يقرب من سبيل فلا بأس، وقد بسطت ذلك فى الفقه. وعن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ أنه كان يقول لقوله تعالى: {أية : وللهِ المشْرقُ والمغْربُ}، تفسير : أن ما بين المشرق والمغرب قبلة، وأن الآية نزلت فيمن صلى بعضهم إلى المشرق، وبعضهم إلى والمغرب، لغيم فى سفر. وهو القول الذى ذكرت أنه أوسع ما قيل فى القبلة، وعن قتادة أنه كانت تجوز الصلاة للشرق والغرب، لقوله تعالى: {أية : ولله المشرق والمغرب فأيْنما تُولُّوا فثمَّ وجْهُ اللهِ} تفسير : ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى: {فَولِّ وَجْهك شَطْر المسْجِد الحَرام وحَيْثما كُنتُم فولوا وجُوهَكم شَطْره}، ووجه نسخ قوله: {أية : ولله المشْرقُ والمغْرِبُ} تفسير : أنه نسخ ما يفيده من إجازة الصلاة للمشرق والمغرب، وكذا نسخ ما يصرح به من ذلك، فأينما تولوا، وروى عنه أنه قال: {أية : ولله المشرق والمغرب}تفسير : محكم. وما بعده منسوخ على حد ما ذكر، فإن صح أنهم أمروا أن يصلوا إلى الشام، وإلى حيث شاءوا صَحّ أن يعد هذا من النسخ، وكذا إن صح أنهم أمروا أن يصلوا إلى الشرق والغرب، وإلا فلا يصح أن يعد من النسخ تبيين صحة صلاة من صلى لغير القبلة بغيم ونحوه مما يحير، والتحقيق فى قوله عز وجل: {أية : ولله المشْرقُ والمغْربُ} تفسير : ما مر فى محله. والله أعلم. وأول النسخ فى الشريعة نسخ الصلاة الأولى ركعتين غدوًّا وركعتين رواحاً والخمسون بالخمس، ثم أمر القبلة بالكعبة، ثم الصوم الأول، وهو عاشوراء برمضان، قيل ثم الأمر بالقتال، قبل ثم وجوب الصدقة، ووجوب الإعطاء حين الجداد، والحصد بالزكاة، ثم الإرث بغير النكاح والقرابة بآية الإرث وبقوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى بِبعضٍ} تفسير : قيل ثم مخالطة المشركين بالمؤمنين فى الحج، ثم نسخ العهد الذى بينهم، وقالت اليهود: ما هو إلا شئ ابتدعته من تلقاء نفسك، فتارة تصل إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة ولو ثبتّ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذى ننتظره فنزل قوله تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب}: وهم اليهود، لأن الكلام فى إنكارهم الصرف عن بيت المقدس إلى الكعبة، والكتاب التوراة، أو هم اليهود والنصارى، والكتاب الجنس الصادق بالتوراة والإنجيل، فيكون الكلام مشتملا على زيادة فائدة ليس مما الكلام السابق فيه، وهى الإخبار بأن النصارى يعلمون أن أمر الكعبة حق كاليهود. {لَيَعلمُونَ أنّهُ}: أى التحويل إلى الكعبة، أو التوجه إليها، أو التحول إليها أو التوجيه إليها أو التولى إليها، وليس التولى مصدراً لولى، فإن مصدر ولى التولية، ولكن لازمة ومسببة، ويجوز عود الهاء إلى المسجد الحرام على حذف مضاف أى استقباله. {الحقُّ}: أى الثابت. {مِنْ رَبِّهم}: عرفت اليهود والنصارى أن كل شريعة بقبلة، فلزم أن تكون قبلة محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المستمرة الكعبة، وعرفوا من أن التوراة والإنجيل وآثارهم التى صحت أنه يصلى إلى بيت المقدس ثم إلى الكعبة. {وما اللهُ بغافلٍ عمَّا يعْملونَ}: من المعاصى والشرك، ومن ذلك إنكار الكعبة، وقرأ الكسائى وابن عامر وحمزة: بالتاء المثناة الفوقية خطايا للمؤمنين، قال ابن عباس: إنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتى وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم، فأنا أثيبكم على طاعتكم أجزل الثواب، وأجازيكم أحسن الجزاء، فذلك وعد للمؤمنين، أو خطاب لأهل الكتاب على طريق الالتفات من الغيبة إلى خطابهم تغليظا فى الزجر لهم، فذلك وعيد لهم، أى أن الله عالم بما تعملون فيعاقبكم عليه، أو خطاب لهم وللمؤمنين، ووعيد لهم، ووعد للمؤمنين، قال الحسن البصرى: لم يبعث الله نبيا إلا وهو يصلى إلى الكعبة. والله أعلم. قالوا إن كتب {قد نرى تقلب} إلى قوله: {يعلمون} فيما يقطع من فم القميص الذى يخرج منه العنق، وكان القميص جديداً على اسم السارق أو الآبق أو الناشزة، ثم يضرب بالمسمار فى وسط ذلك المقطوع، ويسمر فى الحائط الذى سرق منه أو خرج منه السارق أو الآبق أو الناشزة، فإنهُ يتحير حتى يرجع، ويرد السارق ما سرق إلى الموضع بحول الله تعالى. والله أعلم. وذكر أن اليهود قالوا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ارجع إلى استقبال بيت المقدس فنؤمن بك وذلك مخادعة منهم، فنزل قوله تعالى: {وَلئِنْ أتَيتَ الَّذينَ...}

اطفيش

تفسير : {قَدْ نَرَى} تحقق إنا لنعلم، وقال سيبويه، كثر تقلب وجهك {تَقلُّبَ وَجْهِكَ} حال الدعاء {فِي السَّمَآءِ} إلخ، تعليل جملى ثان لقوله تعالى "أية : وما جعلنا..." تفسير : [البقرة: 143] إلخ، والأول لنعلم من يتبع... إلخ. روى أنه أمره الله بعد الهجرة باستقبال المقدس تأليفاً لليهود فرضى وأحب، وكان بطبعه يحب استقبال الكعبة لأنها أشرف وأقدم للملائكة قبل آدم، ولأنها قبلة آدم إلى إبراهيم وإسماعيل ومن بعدها حتى نزلت التوراة، ولأن الأنبياء تحجه، ولأنه أدعى للعرب إلى الإسلام، وهم أفضل، ولهم قرابة، وأنفع فىالإسلام وأقوى، ولو كان استقبال القدس أدعى لليهود، ولأنه أغيظ لهم، وأشد مغايرة، ولأنه لو لم يتحول لوجدوا مقالا، إذ علموا أنه يؤمر بالتحول، ولأنهم قالوا، يخالفنا ويتبع قبلتنا. وقال لجبريل، وددت لو حولنى الله إلى الكعبة، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ثم عرج جبريل، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يديم النظر فى جهة السماء {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَٰهَا} فوالله لنصيرنك تاليا قبلة محبوبة لك بالطبع، وما معهه من دواعى الدين كما رأيت، وأما بيت المقدس فهو أيضاً يحب اسقباله، امتثالاً لأمر الله عز وجل، أو لنوجهنك إلى قبلة ترضاها. قيل: لا تدعو الأنبياء بشىء حتى يأذن الله لهم فيه، خوف أن يكون فتنة لقومهم، وقد روى، أنه صلى الله عليه وسلم، حديث : استأذن جبريل أن يدعو الله فى شأن، فأخبره، أن الله عز وجل قد أذن له أن يدعو فيهتفسير : ، والواضح: أنه لا يلزمهم أن يستأذنوا، وقد جاءت أخبار بأنهم دعوا بدون استئذان، وليس ذلك خروجاً عن الأدب، وما ورد فيه معاتبة له صلى الله عليه وسلم فإنما هو لأسرار خفية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ} جهة {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} جهته، لا لذاته، بل للكعبة فيه، وهى التى تقصد، ولكن ذكر شطر المسجد، وهو الحرم، لأنه يتعذر الجزم بإصابته عينها مع عدم معاينتها والبعد عنها. نزلت فى رجب بعد الزوال قبل بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه فى مسجد بنى سلمة، بكسر اللام فى زيارة أم بشر بن البراء بن معرور، وقد صنعت لهم طعاما، ركعتين من الظهر، وقيل كان فى ركوع الركعة الثانية فتحول، واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفا، وزاد الركعتين الباقيتين، ولا يضر ذلك صلاتهم، ولو كثرت الخطا والأعمال ورفع الأقدام والمقام من الركوع بمشى، لأنهم فى إصلاح الصلاة بذلك وفى امتثال أمر الله. وقيل: قدم المدينة فى ربيع الأول، وصلى إلى بيت المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين سبعة عشر أو ستة عشر شهراً، ثم حولت الكعبة فى جمادى، وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان، وقيل، نصف رجب يوم الاثنين، وقيل فى صلاة العصر، وذلك قبل بدر بشهرين. وقيل: من رجل ببنى سلمة فناداهم وهم ركوع فى صلاة الفجر نحو بيت المقدس، إلا أن القبلة قد حولت للكعبة فمالوا كلهم ركوعاً إليها، وروى ذلك فى قباء فى صلاة الفجر نحو بيت المقدس، وأنه قال المار: ألا إن القبلة قد حولت الليلة، وقال السيوطى: حديث بنى سلمة تحريف، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن إماماً فى تلك الصلاة، ولا هو الذى تحول فى الصلاة، فإن أبا سعيد بن المعلى روى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ، قد نرى تقلب وجهك فى السماء... الآية، فنزل، فصلى الظهر أربعاً، قلت: لعله نزل فى صلاة الفجر، وتحول، وأعاد قراءتها عند الظهرتفسير : ، فإن أبا سعيد لم يقل نزلت فى الظهر، بل قال، قرأت على المنبر، قال، فقلت لصاحبى، تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أو من صلى إليها، فصليناهما، فنزل صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر إليها {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وهو الحرم ومن كان فيه، فشطره المسجد ومن عاينه، وكلف الجزم بمقابلته، ويكلف بمقابلة الكعبة جزما من عاينها. وعن مالك، الكعبة قبلة لأهل المسجد، وهو لأهل مكة، وهى لأهل الحرم، وهو لأهل الدنيا، قلت ذلك، مقاربة، ولا يحل لأحد قصد غيرها فقط، بل يقصدها، وإنما يقصد الجهة لأجلها، وعمم الأمكنة لتعم بيت المقدس وغير المدينة، وما حضر فيه اليهود وما لم يحضروا فيه، فلا يتوهم خصوص المدينة، إذ نزلت فيها، ولا غير محضر اليهود إذ كان يصلى لبيت المقدس حين هاجر، استجلاباً لهم، أمره الله سبحانه بالتولية خصوصاً، تعظيماً له، ولأنه الداعى لله بالتحويل، فخاطبه، بأنا قد استجبنا لك، وذكر دعاءه فى قوله {قد نرى تقلب وجهك...} الآية، فكأنه قيل: دعوتنا بالتحويل فاستجبنا لك، ثم عمم أمته بالخطاب، تأكيداً، أو حثّاً على المتابعة، وإلا فخاطبه كاف إلا إذا تبينت الخصوصية {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ} اليهود والنصارى والصابئين {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أى ما ذكر من التولية، أو أن التولى المطاوع للتولية، أو أن التوجيه أو التحويل، أو أن التحول أو التوجه {الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ} وقد صح لهم فى التوراة والإنجيل أنه صلى الله عليه وسلم يصلى إلى القبلتين، بيت المقدس والكعبة {وَمَا اللهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} وعيد لليهود والنصارى والصابئين على التكذيب وسائر المعاصى، ووعد للمؤمنين على التصديق وسائر الطاعات.

الالوسي

تفسير : /{قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء} أي كثيراً ما نرى تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء متشوفاً للوحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في قلبه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لما أن اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا، ولما أنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل ذلك من ربه بل كان ينتظر فقط إذ لو وقع السؤال لكان الظاهر ذكره؛ ففي ذلك دلالة على كمال أدبه صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة والسدي وغيرهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى الكعبة، فعلى هذا يكون السؤال واقعاً منه عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر لأن تقلب الوجه نحو السماء التي هي قبلة الدعاء يشير إليه في الجملة، ولعل ذلك بعد حصول الإذن له بالدعاء لما أن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً من غير أن يؤذن لهم فيه لأنه يجوز أن لا يكون فيه مصلحة فلا يجابون إليه فيكون فتنة لقومهم، ويؤيد ذلك ما في بعض الآثار أنه صلى الله عليه وسلم استأذن جبريل أن يدعو الله تعالى فأخبره بأن الله تعالى قد أذن له بالدعاء كذا يفهم من كلامهم، والذي أراه أنه لا مانع من دعائه صلى الله عليه وسلم وسؤاله التحويل لمصلحة ألهمها ومنفعة دينية فهمها، ولا يتوقف ذلك على الاستئذان ولا الإذن الصريحين لأن من نال قرب النوافل مستغن عن ذلك فكيف من حصل له مقام قرب الفرائض حتى غدا سيد أهله، ومن علم مرتبة الحبيب عد جميع ما يصدر منه في غاية الكمال مع مراعاة نهاية الأدب، وأما معاتبته صلى الله عليه وسلم في بعض ما صدر فليس لنقص فيه ولا لإخلال بالأدب عند فعله حاشاه ثم حاشاه، ولكن لأسرار خفية، وحكم ربانية علمها من علمها وجهلها من جهلها، بقي هل دعا صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة صريحاً أم لا؟ الظاهر الثاني بناءاً على ما صح عندنا من ظواهر الأخبار حيث لم يكن فيها سوى حب التحويل، فقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحهما» عن البراء قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم علم الله تعالى هوى نبيه عليه الصلاة والسلام فنزلت: {قَدْ نَرَىٰ} الآية، وليس في الآية ما يدل صريحاً على أحد الأمرين، وأما الإشارة فقد تصلح لهذا وهذا كما لا يخفى، هذا ومن الناس من جعل {قَدْ} هنا للتقليل زعماً منه أن وقوع التقلب قليلاً أدل على كمال أدبه صلى الله عليه وسلم، واعترض بأن من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة لا يقال له: قلب بصره إلى السماء، وإنما يقال: قلب إذا داوم فالكثرة تفهم من الآية لا محالة ـ لأن التقلب ـ الذي هو مطاوع التقليب يدل عليها، وهل التكثير معنى مجازي ـ لقد ـ أو حقيقي؟ قولان نسب ثانيهما إلى سيبويه، وهذه الكثرة أو القلة هنا منصرفة إلى التقلب، وذكر بعض النحاة أن (قد) تقلب المضارع ماضياً، ومنه ما هنا، وقوله تعالى: {أية : قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } تفسير : [النور: 64] {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ }تفسير : [الحجر: 97] إلى غير ذلك. {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً} أي لنمكننك من استقبالها من قولك: وليته كذا إذا جعلته والياً له أو فلنجعلنك تلي جهتها دون جهة المقدس من وليه دنا منه ووليته إياه أدنيته منه، والفاء لسببية ما قبلها لما بعدها، وهي في الحقيقة داخلة على قسم محذوف تدل عليه السلام، وجاء هذا الوعد على إضمار القسم مبالغة في وقوعه لأنه يؤكدون مضمون الجملة المقسم عليها، وجاء قبل الأمر لفرح النفس بالإجابة ثم بانجاز الوعد فيتوالى السرور مرتين، ـ ونولي ـ يتعدى لاثنين الكاف الأول وقبلة الثاني. وقوله تعالى: {تَرْضَـٰهَا} أي تحبها وتميل إليها للأغراض الصحيحة التي أضمرتها، ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته في موضع نصب صفة ـ لقبلة ـ، ونكرها لأنه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودة فتعرّف باللام، وليس في اللفظ ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطلب قبلة معينة. {فَوَلّ وَجْهَكَ} الفاء لتفريع الأمر على الوعد وتخصيص التولية بالوجه لما أنه مدار التوجه ومعياره، وقيل: المراد به جميع البدن وكنى بذلك عنه لأنه أشرف الأعضاء وبه يتميز بعض الناس عن بعض، أو مراعاة لما قبل والتولية إذا كانت متعدية بنفسها إلى تمام المفعولين كانت مستعملة بأحد المعنيين المتقدمين، وإذا كانت متعدية إلى واحد فمعناها الصرف إما عن الشيء أو إلى الشيء على اختلاف صلتها الداخلة على المفعول الثاني، وهي هنا بهذا المعنى ـ فوجهك ـ مفعول أول. وقوله تعالى: {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي نحوه كما روي عن ابن عباس، أو قبله كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه؛ أو تلقاءه كما روي عن قتادة ظرف مكان مبهم كمفسره منصوب على الظرفية أغنى غناء إلى فان مؤدى ـ ولّ وجهك ـ نحو أو قبل أو تلقاء المسجد ـ وولّ وجهك إلى المسجد ـ واحد وإنما لم يجعل الأمر من المتعدية إلى مفعولين بأن يكون {شَطْرَ} مفعوله الثاني ـ ما قيل به ـ لأن ترتبه بالفاء وكونه إنجازاً للوعد بأن الله تعالى يجعل مستقبل القبلة أو قريباً من جهتها بأن يؤمر بالصلاة إليها يناسبه أن يكون مأموراً بصرف الوجه إليها لا بأن يجعل نفسه مستقبلاً لها أو قريباً من جهتها فإن المناسب لهذا فلنأمرنك بأن تولي ولأنه يلزم حينئذ أن يكون الواجب رعاية سمت الجهة لأن المسجد الحرام جهة القبلة فإذا كان النبـي صلى الله عليه وسلم مأموراً بجعل نفسه مستقبل جهة المسجد أو قريباً منها كان مأموراً باستقبال جهة الجهة أو بقرب جهة الجهة بخلاف ما إذا جعل من التولية بمعنى الصرف، و ـ شطر ـ ظرفاً فإنه يصير المعنى اصرف وجهك نحو المسجد الحرام وتلقاءه الذي هو جهة القبلة فيكون مأموراً بمسامته الجهة وإصابته ـ قاله بعض المحققين ـ وقيل: الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصل فيكون بمعنى بعض الشيء ويتعين حينئذ جعله مفعولاً ثانياً ـ وفيه أنه ـ وإن لم يلزم حينئذ وجوب رعاية جهة الجهة لكن عدم مناسبته بانجاز الوعد باق، والقول ـ بأن الشطر هنا بمعنى النصف ـ مما لا يكاد يصح، و ـ الحرام ـ المحرم أي محرم فيه القتال؛ أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوا. وفي ذكر المسجد الحرام الذي هو محيط بالكعبة دون الكعبة مع أنها القبلة التي دلت عليها الأحاديث الصحاح إشارة إلى أنه يكفي للبعيد محاذاة جهة القبلة وإن لم يصب عينها وهذه الفائدة لا تحصل من لفظ الشطر ـ كما قاله جمع ـ لأنه لو قيل: فولّ وجهك شطر الكعبة لكان المعنى اجعل صرف الوجه في مكان يكون مسامتاً ومحاذياً للكعبة ـ وهذا هو مذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأحمد، وقول أكثر الخراسانيين من الشافعية ـ ورجحه حجة الإسلام في «الإحياء» إلا أنهم قالوا: يجب أن يكون قصد المتوجه إلى الجهة العين التي في تلك الجهة لتكون القبلة عين الكعبة، وقال العراقيون والقفال منهم: يجب إصابة العين، وقال الإمام مالك: إن الكعبة قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة مكة، وهي قبلة الحرم، وهو قبلة الدنيا، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً ما يدل عليه، وهذا الخلاف في غير من يكون شاهداً أما هو فيجب عليه إصابة العين بالإجماع، ولم يقيد سبحانه وتعالى التولية في الصلاة لأن المطلوب لم يكن سوى ذلك فأغنى عن الذكر، وقيل: لأن الآية نزلت وهو صلى الله عليه وسلم في الصلاة فأغنى التلبس بها عن ذكرها، واستدل هذا القائل بما ذكره القاضي تبعاً لغيره أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين، وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ـ فسمى المسجد مسجد القبلتين ـ/ وهذا ـ كما قال الإمام السيوطي ـ تحريف للحديث، فإن قصة بني سلمة لم يكن فيها النبـي صلى الله عليه وسلم إماماً ولا هو الذي تحول في الصلاة، فقد أخرج النسائي عن أبـي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء} الآية، فقلت لصاحبـي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى، فصليناهما، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ، وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس فلما نزلت هذه الآية مرّ رجل ببني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس، ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة فمالوا كما هم ركوعاً إلى الكعبة، فما ذكر مخالف للروايات الصحيحة الثابتة عند أهل هذا الشأن فلا يعول عليه. وقرأ أبـيّ {تِلْقَاء ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهي تؤيد القول الأول في {شَطْرَ} كما لا يخفى. {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} عطف على {فَوَلّ وَجْهَكَ} ومن تتمة إنجاز الوعد ـ والفاء ـ جواب الشرط لأن (حيث) إذا لحقه (ما) الكافة عن الإضافة يكون من كلم المجازاة، والفراء لا يشترط ذلك فيها، و (كان) تامة ـ أي في أي موضع وجدتم ـ وأصل {وَلَّوْاْ} وليوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذف أولهما وضم ما قبل الياء للمناسبة ـ فوزنه فعوا ـ وهذا تصريح بعموم الحكم المستفاد من السابق اعتناءً به إذ الخطاب الوارد في شأن النبـي صلى الله عليه وسلم عام حكمه ما لم يظهر اختصاصه به عليه الصلاة والسلام، وفائدة تعميم الأمكنة ـ على ما ذهب إليه البعض ـ دفع توهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة، وقيل: لما كان الصرف عن الكعبة لاستجلاب قلوب اليهود وكان مظنة أن لا يتوجه إليها في حضورهم أشار إلى تعميم التولية جميع الأمكنة أو يقال: صرح بأن التولية جهة الكعبة فرض مع حضور بيت المقدس؛ ولأهله أيضاً لئلا يظن أن حضور بيت المقدس يمنع التوجه إلى جهة الكعبة مع غيبتها فليفهم. وقرأ عبد الله {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قَبْلِهِ}. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي من اليهود والنصارى {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي التحويل أو التوجه المفهوم من التولية {ٱلْحَقَّ مِن رَّبّهِمْ} لا غيره لعلمهم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالباطل إذ هو النبـي المبشر به في كتبهم وتحققهم أنه لا يتجاوز كل شريعة عن قبلتها إلى قبلة شريعة أخرى، وأما اشتراك النبـي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام في هذه القبلة فلاشتراكهما في الشريعة على ما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [البقرة: 135]، ووقوفهم على ما تضمنته كتبهم من أنه صلى الله عليه وسلم يصل إلى القبلتين، والجملة عطف على {قَدْ نَرَىٰ} بجامع أن السابقة مسوقة لبيان أصل التحويل وهذه لبيان حقيته قيل: أو اعتراضية لتأكيد أمر القبلة. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} اعتراض بين الكلامين جيء به للوعد والوعيد للفريقين من أهل الكتاب الداخلين تحت العموم السابق المشار إليهما فيما سيجيء قريباً إن شاء الله تعالى وهما من كتم ومن لم يكتم وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي {تَعْمَلُونَ} بالتاء فهو وعد للمؤمنين، وقيل: على قراءة الخطاب وعد لهم، وعلى قراءة الغيبة وعيد لأهل الكتاب مطلقاً، وقيل: الضمير على القراءتين لجميع الناس فيكون وعداً ووعيداً لفريقين من المؤمنين والكافرين.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي وإفضاء لِشرع استقبال الكعبة ونَسْخِ استقبال بيت المقدس فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله: { أية : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } تفسير : [البقرة: 142] بَعْد أن مَهَّد الله بما تقدم من أفانين التهيئة وإعدادِ الناس إلى ترقبه ابتداء من قوله: { أية : ولله المشرق والمغرب}تفسير : ثم قوله: {أية : ولن ترضىٰ عنك اليهود } تفسير : [البقرة: 120] ثم قوله: { أية : وإذا جعلنا البيت } تفسير : [البقرة: 125] ثم قوله: {سيقول السفهاء}. و(قد) في كلام العرب للتحقيق أَلاَ ترى أهلَ المعاني نَظَّروا هل في الاستفهام بقد في الخبر فقالوا من أجل ذلك إن هل لطلب التصديق فحرف قد يفيد تحقيق الفعل فهي مع الفعل بمنزلة إِنَّ مع الأسماء ولذلك قال الخليل إنها جواب لقوم ينتظرون الخبر ولو أخبروهم لا ينتظرونه لم يقل قد فعل كذا اهــــ. ولما كان علم الله بذلك مما لا يَشُك فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يُحتاجَ لتحقيق الخبر به كان الخبر به مع تأكيده مستعملاً في لازمه على وجه الكناية لدفع الاستبطاء عنه وأن يُطَمئِنهَ لأن النبي كان حريصاً على حصوله ويَلزم ذلكَ الوعدُ بحصوله فتحصل كنايتان مترتبتان. وجيء بالمضارع مَعَ (قد) للدلالة على التجدد والمقصود تجدد لازمه ليكون تأكيداً لذلك اللازم وهو الوعد، فمن أجْل ذلك غلب على قد الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل. قال عبيد بن الأَبْرَص: شعر : قد أَتْركُ القِرن مُصْفَرَّا أَنامِلُه كَأَنَّ أَثوابه مُبحَّت بفِرصاد تفسير : وستجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى: { أية : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } تفسير : [الأنعام: 33] في سورة الأنعام. والتقلب مطاوع قَلَّبه إذا حَوَّله وهو مثل قلبهُ بالتخفيف، فالمراد بتقليب الوجه الالتفات به أي تحويله عن جهته الأصلية فهو هنا ترديده في السماء، وقد أخذوا من العدول إلى صيغة التفعيل الدلالةَ على معنى التكثير في هذا التحويل، وفيه نظر إذ قد يكون ذلك لما في هذا التحويل من الترقب والشدة فالتفعيل لقوة الكيفية، قالوا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقع في رُوعه إلهاماً أن الله سيحوله إلى مكة فكان يردد وجهه في السماء فقيل ينتظر نزول جبريل بذلك، وعندي أنه إذا كان كذلك لزم أن يكون تقليب وجهه عند تهيؤ نزول الآية وإلاّ لما كان يترقب جبريل فدل ذلك على أنه لم يتكرر منه هذا التقليب. والفاء في {فلنولينك} فاء التعقيب لتأكيد الوعد بالصراحة بعد التمهيد لها بالكناية في قوله: {قد نرى تقلب وجهك}، والتولية تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } تفسير : [البقرة: 142]، فمعنى {فلنولينك قبلة} لنوجهنك إلى قبلة ترضاها. فانتصب {قبلة} على التوسع بمنزلة المفعول الثاني وأصله لنولينك مِن قِبلة وكذلك قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام}. والمعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد. وهذا وعد اشتمل على أداتي تأكيد وأداةِ تعقيب وذلك غاية اللطف والإحسان. وعبر بترضاها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيُوتِ الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال من بيت المقدس، ولأن في استقبالها إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب. ولما كان الرضى مشعراً بالمحبة الناشئة عن تعقل اختير في هذا المقام دون تُحبها أو تهواها أو نحوهما فإن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يربو عن أن يتعلق ميله بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء المصلحة العارضة لمشروعية استقبال بيت المقدس، ألا ترى أنه لما جاء في جانب قبلتهم بعد أن نسخت جاء بقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم} الآية. وقوله: {فول وجهك} تفريع على الوعد وتعجيل به والمعنى فول وجهك في حالة الصلاة وهو مستفاد من قرينة سياق الكلام على المجادلة مع السفهاء في شأن قبلة الصلاة. والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والأمر متوجه إليه باعتبار ما فيه من إرضاء رغبته، وسيعقبه بتشريك الأمة معه في الأمر بقوله: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}. والشَّطْر بفتح الشين وسكون الطاء الجهة والناحية وفسره قتادة بتلقاء، وكذلك قرأه أبي بن كعب، وفَسر الجُبَّائي وعبد الجبار الشطر هنا بأنه وسَط الشيء، لأن الشطر يطلق على نصف الشيء فلما أضيف إلى المسجد والمسجد مكان اقتضى أن نصفه عبارة عن نصف مقداره ومساحته وذلك وسطه، وجعَلا شطر المسجد الحرام كناية عن الكعبة لأنها واقعة من المسجد الحرام في نصف مساحته من جميع الجوانب (أي تقريباً) قال عبد الجبار ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان أحدهما أن المصلى لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد ولا يكون متوجهاً إلى الكعبة لا تصح صلاته، الثاني لو لم نفسر الشطر بما ذكرنا لم يبق لذكر الشطر فائدة إذ يغني أن يقول: {فول وجهك المسجد الحرام} ولكان الواجب التوجه إلى المسجد الحرام لا إلى خصوص الكعبة. فإن قلت ما فائدة قوله: {فلنولينك قبلة ترضاها} قبل قوله: {فول وجهك} وهلا قال: في السماء فول وجهك إلخ، قلت فائدته إظهار الاهتمام برغبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنها بحيث يعتنى بها كما دل عليه وصف القبلة بجملة {ترضاها}. ومعنى (نولينك) نوجهنك، وفي التوجيه قرب معنوي لأن ولي المتعدي بنفسه إذا لم يكن بمعنى القرب الحقيقي فهو بمعنى الارتباط به، ومنه الولاء والولي، والظاهر أن تعديته إلى مفعول ثان من قبيل الحذف والتقدير ولى وجهه إلى كذا ثم يَعدونه إلى مفعول ثالث بحرف عن فيقولون ولَّى عن كذا وينزلونه منزلة اللازم بالنسبة للمفعولين الآخرين فيقدرون ولى وجهه إلى جهة كذا منصرفاً عن كذا أي الذي كان يليه من قبل، وباختلاف هاته الاستعمالات تختلف المعاني كما تقدم. فالقبلة هنا اسم للمكان الذي يستقبله المصلى وهو إما مشتق من اسم الهيئة وإما من اسم المفعول كما تقدم. والمسجد الحرام المسجد المعهود عند المسلمين والحرام المجعول وصفاً للمسجد هو الممنوع. أي الممنوع منع تعظيم وحرمة فإن مادة التحريم تؤذن بتجنب الشيء فيفهم التجنب في كل مقام بما يناسبه. وقد اشتهر عند العرب وصف مكة بالبلد الحرام أي الممنوع عن الجبابرة والظلمة والمعتدين ووصف بالمحرم في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: { أية : عند بيتك الحرام } تفسير : [إبراهيم: 37]، أي المعظم المحترم وسمي الحرم قال تعالى: { أية : أولم نمكن لهم حرماً ءامناً } تفسير : [القصص: 57] فوصف الكعبة بالبيت الحرام وحرم مكة بالحرم أوصاف قديمة شائعة عند العرب فأما اسم المسجد الحرام فهو من الألقاب القرآنية جعل علماً على حريم الكعبة المحيط بها وهو محل الطواف والاعتكاف ولم يكن يعرف بالمسجد في زمن الجاهلية إذ لم تكن لهم صلاة ذات سجود والمسجد مكان السجود فاسم المسجد الحرام علم بالغلبة على المساحة المحصورة المحيطة بالكعبة ولها أبواب منها باب الصفا وباب بني شيبة ولما أطلق هذا العلم على ما أحاط بالكعبة لم يتردد الناس من المسلمين وغيرهم في المراد منه فالمسجد الحرام من الأسماء الإسلامية قبل الهجرة وقد ورد ذكره في سورة الإسراء وهي مكية. والجمهور على أن المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة لاستفاضة الأخبار الصحيحة بأن القبلة صرفت إلى الكعبة وأن رسول الله أمر أن يستقبل الكعبة وأنه صلى إلى الكعبة يوم الفتح وقال هذه القبلة، قال ابن العربي «وَذَكَرَ المسجد الحرام والمراد به البيت لأن العرب تعبر عن البيت بما يجاوره أو بما يشتمل عليه» وعن ابن عباس البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب. قال الفخر وهذا قول مالك، وأقول لا يعرف هذا عن مالك في كتب مذهبه. وانتصب {شطر المسجد} على المفعول الثاني لولّ وليس منصوباً على الظرفية. وقوله: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين بعموم ضميري {كنتم} و{وجوهكم} لوقوعهما في سياق عموم الشرط بحيثما وحينما لتعميم أقطار الأرض لئلا يظن أن قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فإن قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - اقتضى الحال تخصيصه بالخطاب به لأنه تفريع على قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} ليكون تبشيراً له ويعلم أن أمته مثله لأن الأصل في التشريعات الإسلامية أن تعم الرسول وأمته إلاّ إذا دل دليل على تخصيص أحدهما، ولما خيف إيهام أن يكون هذا الحكم خاصاً به أو أن تجزىء فيه المرة أو بعض الجهات كالمدينة ومكة أريد التعميم في المكلفين وفي جميع البلاد، ولذلك جيء بالعطف بالواو لكن كان يكفي أن يقول وولوا وجوهكم شطره فزيد عليه ما يدل على تعميم الأمكنة تصريحاً وتأكيداً لدلالة العموم المستفاد من إضافة {شطر} إلى ضمير {المسجد الحرام} لأن شطر نكرة أشبهت الجمع في الدلالة على أفراد كثيرة فكانت إضافتها كإضافة الجموع، وتأكيداً لدلالة الأمر التشريعي على التكرار تنويهاً بشأن هذا الحكم فكأنه أفيد مرتين بالنسبة للمكلفين وأحوالهم أولاهما إجمالية والثانية تفصيلية. وهذه الآيات دليل على وجوب هذا الاستقبال وهو حكمة عظيمة، ذلك أن المقصود من الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى وبمقدار استحضار المعبود يقوى الخضوع له فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته وذلك ملاك الامتثال والاجتناب. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: « حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك »، تفسير : ولما تنزه الله تعالى عن أن يحيط به الحس تعين لمحاول استحضار عظمته أن يجعل له مذكراً به من شيء له انتساب خاص إليه، قال فخر الدين: (إن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم لا بد من أن يستقبله بوجهه ويبالغ في الثناء عليه بلسانه وفي الخدمة له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقرآنُ والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة) اهــــ. فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك أو بالشبه كالغزال عند المحبين، وقديماً ما استهترت الشعراء بآثار الأحبة كالأطلال في قوله: شعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل تفسير : وأقوالهم في البرق والريح، وقال مالك بن الرَّيب: شعر : دَعاني الهَوى من أهل ودي وجيرتي بذِي الطَّيِّسَيْنِ فالتفتُّ وَرائيا تفسير : والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار ذاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه تعالى. لا جرم أن أولى المخلوقاتِ بأن يجعل وسيلة لاستحضار الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التي كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال مع تجردها عن كل ما يوهم أنها المقصودة بالعبادة وتلك هي المساجد التي بناها إبراهيم عليه السلام وجردها من أن يضع فيها شيئاً يوهم أنه المقصود بالعبادة، ولم يسمها باسم غير الله تعالى فبنى الكعبة أول بيت، وبنى مسجداً في مكان المسجد الأقصى، وبنى مساجد أخرى ورد ذكرها في التوراة بعنوان مذابح، فقد بنت الصابئة وأهل الشرك بعد نوح هيَاكل لتمجيد الأوثان وتهويل شأنها في النفوس فأضافوها إلى أسماء أناس مثل ود وسواع، أو إلى أسماء الكواكب، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» عدة من الهياكل التي أقيمت في الأمم الماضية لهذا الشأن ومنها هيكل سندوساب ببلاد الهند وهيكل مصلينا في جهة الرقة بناه الصابئة قبل إبراهيم وكان آزر أبو إبراهيم من سدنته، وقيل إن عاداً بنوا هياكل منها جلق هيكل بلاد الشام. فإذا استقبل المؤمن بالله شيئاً من البيوت التي أقيمت لمناقضة أهل الشرك وللدلالة على توحيد الله وتمجيده كان من استحضار الخالق بما هو أشدُّ إضافةً إليه، بيد أن هذه البيوت على كثرتها لا تتفاضل إلاّ بإخلاص النية من إقامتها، وبكون إقامتها لذلك وبأسبقية بعضها على بعض في هذا الغرض، وإن شئت جعلت كل هذه المعاني ثلاثةً في معنى واحد وهو الأسبقية لأن السابق منها قد امتاز على اللاَّحق بكونه هو الذي دل مؤسسَ ذلك اللاحق على تأسيسه قال تعالى: { أية : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } تفسير : [التوبة: 108]، وقال في ذكر مسجد الضرار: {لا تقم فيه أبداً}، أي لأنه أسس بنية التفريق بين المؤمنين، وقال: { أية : إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين } تفسير : [آل عمران: 96] فجعله هدى للناس لأنه أول بيت فالبيوت التي أقيمت بعده كبيت المقدس من آثار اهتداء اهتداه بانُوها بالبيت الأول. وقد قال بعض العلماء إن الكعبة أول هيكل أقيم للعبادة وفيه نظر سيأتي عند قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} في سورة آل عمران، ولا شك أن أول هيكل أقيم لتوحيد الله وتنزيهه وإعلان ذلك وإبطال الإشراك هو الكعبة التي بناها إبراهيم أول من حاج الوثنيين بالأدلة وأول من قاوم الوثنية بقوة يده فجعل الأوثان جذاذاً، ثم أقام لتخليد ذكر الله وتوحيده ذلك الهيكل العظيم ليعلم كل أحد يأتي أن سبب بنائه إبطال عبادة الأوثان، وقد مضت على هذا البيت العصور فصارت رؤيته مذكرة بالله تعالى، ففيه مزية الأولية، ثم فيه مزية مباشرة إبراهيم - عليه السلام - بناءه بيده ويد ابنه إسماعيل دون معونة أحد، فهو لهذا المعنى أعرق في الدلالة على التوحيد وعلى الرسالة معاً وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره. ثم سَن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم أن يكون أولى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة وما بنيت بيوت الله مثل المسجد الأقصى إلاّ بعده بقرون طويلة، فكان هو قبلة المسلمين. قدمنا آنفاً أن شرط استقبال جهة معينة لم يكن من أحكام الشرائع السالفة وكيف يكون كذلك والمسجد الأقصى بني بعد موسى بما يزيد على أربعمائة سنة وغاية ما كان من استقباله بعد دعوة سليمان أنه استقبال لأجل تحقق قبول الدعاء والصلاة لا لكونه شرطاً، ثم إن اختيار ذلك الهيكل للاستقبال وإن كان دعوة فهي دعوة نبي لا تكون إلاّ عن إلهام إلٰهي فلعل حكمة ذلك حينئذٍ أن الله أراد تعمير البلد المقدس كما وعد إبراهيم ووعد موسى فأراد زيادة تغلغل قلوب الإسرائيليين في التعلق به فبين لهم استقبال الهيكل الإيماني الذي أقامه فيه نبيه سليمان ليكون ذلك المعبد مما يدعو نفوسهم إلى الحرص على بقاء الأقطار بأيديهم. ويجوز أن يكون قد شرع الله لهم الاستقبال بعد ذلك على ألسنة الأنبياء بعد سليمان وفيه بعد لأن أنبياءهم لم يأتوا بزيادة على شريعة موسى وإنما أتوا معززين فتشريعه الله تعالى استقبال المسلمين في صلاتهم لجهة معينة تكميل لمعنى الخشوع في صلاة الإسلام فيكون من التكملات التي ادخرها الله تعالى لهذه الشريعة لتكون تكملة الدين تشريفاً لصاحبها ولأمته إن كان الاحتمال الأول، فإن كان الثاني فالأمر لنا بالاستقبال لئلا تكون صلاتنا أضعف استحضاراً لجلال الله تعالى من صلاة غيرنا. ولذلك اتفق علماؤنا على أن الاستقبال لجهة معينة كان مقارناً لمشروعية الصلاة في الإسلام فإن كان استقباله جهة الكعبة عن اجتهاد من النبي فعلَّته أنه المسجد الذي عظمه أهل الكتابين والذي لم يداخله إشراك ولا نصبت فيه أصنام فكان ذلك أقرب دليل لاستقبال جهته ممن يريد استحضار وحدانية الله تعالى، وإن كان استقبال بيت المقدس بوحي من الله تعالى فلعل حكمته تأليف قلوب أهل الكتابين وليظهر بعد ذلك للنبي وللمسلمين من اتبعهم من أهل الكتاب حقاً ومن اتبعهم نفاقاً لأن الأخيرين قد يتبعون الإسلام ظاهراً ويستقبلون في صلاتهم قبلتهم القديمة فلا يرون حرجاً على أنفسهم في ذلك فإذا تغيرت القبلة خافوا من قصدهم لاستدبارها فأظهروا ما كانوا مستبطنيه من الكفر كما أشار له قوله تعالى: { أية : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول } تفسير : [البقرة: 142] الآية. ولعل العدول عن الأمر باستقبال الكعبة في صدر الإسلام كان لخضد شوكة مكابرة قريش وطعنهم في الإسلام فإنه لو استقبل مكة لشمخوا بأنوفهم وقالوا هذا بلدنا ونحن أهله واستقباله حنين إليه وندامة على الهجرة منه، كما قد يكون قوله تعالى: { أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله } تفسير : [البقرة: 114] وقوله: { أية : ولله المشرق والمغرب } تفسير : [البقرة: 115] إيماء إليه كما قدمناه، وعليه ففي تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ذلك بشارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أمر قريش قد أشرف على الزوال وأن وقعة بدر ستكون الفيصل بين المسلمين وبينهم، ثم أمر الله بتحويل القبلة إلى البيت الذي هو أولى بذلك وإلى جهته للبعيد عنه. اعتراض بين جملة: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} وجملة { أية : ومن حيث خرجت فول وجهك } تفسير : [البقرة: 149] الآية. والأظهر أن المراد بالذين أوتوا الكتاب أحبار اليهود وأحبار النصارى كما روى عن السُّدِّي كما يشعر به التعبير عنهم بصلة: {أوتوا الكتاب} دونَ أن يقال وإنَّ أهل الكتاب. ومعنى كونهم يعلمون أنه الحق أن عِلْمهم بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - حسب البشارة به في كتبهم يتضمن أن ما جاء به حق. والأظهر أيضاً أن المراد بالذين أوتوا الكتاب هم الذين لم يزالوا على الكفر ليظهر موقع قوله: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} فإن الإخبار عنهم بأنهم يعلمون أنه الحق مع تأكيده بمؤكِّدَين، يقتضي أن ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبال الكعبة أنهم أنكروه لاعتقادهم بطلانه وأن المسلمين يظنونهم معتقدين ذلك، وليظهر موقع قوله {وما الله بغافل عما يعلمون} الذي هو تهديد بالوعيد. وقد دل التعريف في قوله: {أنه الحق} على القصر أي يعلمون أن الاستقبال للكعبة هو الحق دون غيره تبعاً للعلم بنسخ شريعتهم بشريعة الإسلام، وقيل إنهم كانوا يجدون في كتبهم أن قبلتهم ستبطل ولعل هذا مأخوذ من إنذارات أنبيائهم مثل أرميا وأشعيا المنادية بخراب بيت المقدس فإن استقباله يصير استقبال الشيء المعدوم. وقوله: {وما الله بغافل عما يعملون} قرأه الجمهور بياء الغيبة والضميرُ للذين أوتوا الكتاب أي عن عملهم بغير ما علموا فالمراد بما يعملون هذا العملُ ونحوه من المكابرة والعناد والسفه. وهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلاّ عدم العلم فلذلك كان وعيداً لهم ووعيدُهم يستلزم في المقام الخطابي وَعْداً للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة، ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا يَغفل عن عمل هؤلاء فيجازي كلاً بما يستحق. وقَرأه ابنُ عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورَوْح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو كناية عن وعد للمسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة. ويستلزم وعيداً للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة؛ وعلى القراءتين فهو تذييل إجمالي لِيأخُذ كلٌّ حظهُ منه وهو اعتراض بين جملة: {وإن الذين أوتوا} وجملة: { أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البقرة: 145] الآية. وفي قوله: {ليعلمون} وقوله: { أية : عما يعملون } تفسير : [البقرة: 96] الجناس التام المُحَرَّف على قراءة الجمهور والجناسُ الناقص المضارع على قراءة ابن عامر ومن وافقه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. بينه قوله بعده: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الآية.

الواحدي

تفسير : {قد نرى تقلُّب وجهك...} الآية. كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى أنَّ الصَّلاة إليها أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل عليه السَّلام: وددتُ أنَّ الله صرفني عن قِبلة اليهود إلى غيرها، فقال جبريل عليه السَّلام: إنَّما أنا عبدٌ مثلك، وأنت كريم على ربِّك فسله، ثمَّ ارتفع جبريل عليه السَّلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُديم النَّظر إلى السَّماء رجاء أَنْ يأتيه جبريل عليه السَّلام بالذي سأل، فأنزل الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} أَيْ: في النَّظر إلى السَّماء {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} فلنُصَيِّرَنَّك تستقبل {قبلة ترضاها} تحبُّها وتهواها {فَوَلِّ وجهك} أَيْ: أَقبل بوجهك {شطر المسجد الحرام} نحوه وتلقاءه {وحيثما كنتم} في برٍّ أو بحرٍ وأردتم الصَّلاة {فولوا وجوهكم شطره} فلمَّا تحوَّلت القِبلة إِلى الكعبة قالت اليهود: يا محمد ما أُمرتَ بهذا، وإنَّما هو شيءٌ تبتدعه من تلقاء نفسك، فأنزل الله تعالى: {وإنَّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنَّه الحق} أنَّ المسجد الحرام قِبلة إبراهيم وأنَّه لحقٌّ {وما اللَّهُ بغافل عما تعملون} يا معشر المؤمنين مِنْ طلب مرضاتي. {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود والنَّصارى {بكلِّ آية} [دلالةٍ ومعجزةٍ] {ما تبعوا قبلتك} لأنَّهم مُعاندون جاحدون نبوَّتك مع العلم بها {وما أنت بتابعٍ قبلتهم} حسمَ بهذا أطماع اليهود في رجوع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم؛ لأنَّهم كانوا يطمعون في ذلك {وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض} أخبر أنَّهم - وإنِ اتَّفقوا في التَّظاهر على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - مُختلفون فيما بينهم، فلا اليهود تتبع قِبلة النَّصارى، ولا النَّصارى تتبع قِبلة اليهود {ولئن اتبعت أهواءهم} أَيْ: صلَّيت إلى قِبلتهم {بعد ما جاءك من العلم} أنَّ قِبلة الله الكعبة {إنك إذاً لمن الظالمين} أيْ: إِنَّك إذاً مثلُهم، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظَّاهر، وهو في المعنى لأُمَّته. {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} يعرفون محمَّداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته {كما يعرفون أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحق} من صفته في التَّوراة {وهم يعلمون} لأنَّ الله بيَّن ذلك في كتابهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 144- ولقد رأينا كيف كنت تتطلع إلى السماء عسى أن ينزل الوحى بتغيير قبلة بيت المقدس إلى الكعبة التى تحبها لأنها قبلة إبراهيم أبى الأنبياء، وأبى اليهود والعرب، وبها مقام إبراهيم، فهى - لهذا - القبلة الجامعة وإن كانت تخالف قبلة اليهود، فها نحن أولاء نؤتيك سؤلك فاستقبل فى صلاتك المسجد الحرام، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون فى أى مكان تكونون، وإن أهل الكتاب الذين ينكرون عليكم التحول عن قبلة بيت المقدس قد عرفوا فى كتبهم أنكم أهل الكعبة، وعلموا أن أمر الله جار على تخصيص كل شريعة بقبلة، وأن هذا هو الحق من ربهم، ولكنهم يريدون فتنتكم وتشكيككم فى دينكم، والله ليس غافلا عنهم وهو يجزيهم بما يعملون. 145- وما كان إنكار أهل الكتاب عليكم لشبهة تزيلها الحُجة، بل هو إنكار عناد ومكابرة فلئن جئتهم - أيها الرسول - بكل حُجة قطعية على أن قبلتك هى الحق ما تبعوا قبلتك، وإذا كان اليهود منهم يطمعون فى رجوعك إلى قبلتهم ويعلِّقون إسلامهم على ذلك فقد خاب رجاؤهم وما أنت بتابع قبلتهم، وأهل الكتاب أنفسهم يتمسك كل فريق منهم بقبلته: فلا النصارى يتبعون قبلة اليهود ولا اليهود يتبعون قبلة النصارى، وكل فريق يعتقد أن الآخر ليس على حق، فاثبت على قبلتك ولا تتبع أهواءهم، فمن اتبع أهواءهم - بعد العلم ببطلانها والعلم بأن ما عليه هو الحق - فهو من الظالمين الراسخين فى الظلم. 146- وإن أهل الكتاب ليعلمون أن التحول إلى قبلة البيت الحرام بمكة هو الحق، ويسلِّمون أنك النبى المنعوت فى كتبهم بنعوت من جملتها أنه يصلى إلى الكعبة، ومعرفتهم نُبُوَّتك وقبلتك كمعرفتهم أبناءهم فى الوضوح والجلاء، ولكن بعضهم يخفون هذا الحق على علم اتباعاً لهواهم، وتعصباً باطلا لملتهم حفاظاً على سلطانهم، ويحاولون تضليلكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تقلب وجهك في السماء: تردده بالنظر إليها مرة بعد أخرى انتظاراً لنزول الوحي. فلنولينك قبلة ترضاها: فلنحولنك إلى القبلة التي تحبها وهي الكعبة. فول وجهك شطر المسجد: حوّل وجهك جهة المسجد الحرام بمكة. الحرام: بمعنى المحرم لا يسفك فيه دم ولا يقتل فيه أحد. الشطر: هنا الجهة واستقبال الجهة يحصل به استقبال بعض البيت في المسجد الحرام، لأن الشطر لغة: النصف أو الجزاء مطلقاً. أنه الحق من ربهم: أي تحول القِبلة جاء منصوصاً عليه في الكتب السابقة. آية: حجة وبرهان. يعرفونه: الضمير عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يعلمون أنه نبي الله ورسوله لما في كتبهم من صفاته الواضحة القطعية. من الممترين: الشاكين والامتراء: الشك وعدم التصديق. معنى الآيات: يعلم الله تعالى رسوله أنه كان يراه وهو يقلَّب وجهه في السماء انتظاراً لوحي يؤمر فيه باستقبال الكعبة بدل بيت المقدس لرغبته في مخالفة اليهود ولحبه لقبلة أبيه إبراهيم إذ هي أول قبلة وأفضلها فبناء على ذلك {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}، وبهذا الأمر الإِلهي تحولت القبلة وروي أنه كان يصلي الظهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين فصلى الرسول والمؤمنون وراءه ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، وكيلا تكونَ القبلةُ خاصة بمن كان بالمدينة قال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} أي في نواحي البلاد وأقطار الأرض {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} أي شطر المسجد الحرام كما أخبر تعالى في هذه الآية أن علماء أهل الكتاب يعرفون أن تحول القبلة حق وأنه بأمر الله تعالى وما أحدثوه من التشويش والتشويه إزاء تحول القبلة فقد علمه وسيجزيهم به إذ لم يكن تعالى بغافل عما يعملونه. وفي الآية الثانية [145] يخبر تعالى بحقيقة ثابتة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أتى اليهود والنصارى بكل آية تدل على صدقه وأحقية القبلة إلى الكعبة ما كانوا ليتابعوه على ذلك ويصلوا إلى قبلته كما أن النصارى لم يكونوا ليصلوا إلى بيت المقدس قبلة اليهود، ولا اليهود ليصلوا إلى مطلع الشمس قبلة النصارى، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لم يكونوا أبداً ليتابعوا أهل الكتاب على قبلتهم بعد أن هداهم الله إلى أفضل قبلة وأحبها إليهم. وأخيراً يحذر الله رسوله أن يبتع أهواء اليهود فيوافقهم على بدعهم وضلالاتهم بعد الذي أعطاه من العلم وهداه إليه من الحق، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل ولو فعل لكان من الظالمين. وفي الآية الثالثة [146] يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون أن الرسول حق وأن ما جاء به هو الحق معرفةً تامةً كمعرفتهم لأبنائهم، ولكن فريقاً كبيراً منهم يكتمون الحق وهم يعلمون أنه الحق، وفي الآية الرابعة [147] يخبر تعالى رسوله بأن ما هو عليه من الدين الحق هو الحق الوارد إليه من ربه فلا ينبغي أن يكون من الشاكين بحال من الأحوال. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب استقبال القبلة في الصلاة وفي أي مكان كان المصلي عليه أن يتجه إلى جهة مكة. 2- كفر كثير من أهل الكتاب كان على علم إيثاراً للدنيا على الآخرة. 3- حرمة موافقة المسلمين أهل الكتاب على بدعة من بدعهم الدينية مهما كانت. 4- علماء أهل الكتاب المعاصِرُونَ للنبي صلى الله عليه وسلم يعرفون أنه النبي المبشر به وأنه النبي الخاتم وأعرضوا عن الإيمان به وعن متابعته إيثاراً للدنيا على الآخرة.

القطان

تفسير : تقلب الوجه في السماء: التطلع الى السماء. الشطر: الجهة. كان النبي عليه الصلاة والسلام منذ وصوله المدينة يتطلع الى ان يؤمر بأن تكون قبلته الكعبة. قبلة ابيه ابراهيم. فهي قبلة بني قومه، يعظمونها ويفتخرون بها. لذلك جعل يديم النظر الى السماء، راجيا ان يمنّ الله عليه بالوحي الذي يأمره بذلك، فأوحى الله تعالى اليه قوله {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ....} فها نحن أولاء نؤتيك سؤلك، فاستقبل في صلاتك المسجد الحرام، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون في أي مكان تكونون. اما أهل الكتاب فانهم يعلمون ان استقبال القبلة في المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على رسوله، ومع ذلك تجدهم يثيرون الشغب والفتنة، ويؤثّرون على الضعاف في دينهم، ويوهمونهم ان ما يقولونه مأخوذ من كتبهم، وما هو من كتبهم، ولكنهم يريدون بذلك الخداع والفتنة. والله ليس غافلا عنهم، وهو يجزيهم بما يفعلون. ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد. القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "يعملون" بالياء. والباقون "تعملون" بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {تَرْضَاهَا} {ٱلْكِتَابَ} {بِغَافِلٍ} {َحَيْثُمَا} (144) - كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم حِينَما هَاجَر إِلى المَدِينَةِ يَسْتَقبلُ فِي صَلاَتِهِ الصَّخرَة في بيتِ المَقْدسِ، فَفَرِحَ اليَهُودُ بِذلِكَ، وَكَانَ الرَّسُولُ يُحِبُّ قِبلةَ إِبْرَاهِيمَ - الكَعْبَةَ - فَكَانَ يَدْعُو اللهَ وَيَنْظُرُ إِلى السَّمَاءِ فَأَنزَلَ اللهُ هذهِ الآيةَ. وَقَدْ أَمَرَهُ فِيها بالتَّوجُّهِ إِلى الجِهَةِ التِي يَقَعُ فِيها المَسْجِدُ الحَرَامُ (شَطْرَهُ)، وَأَمَرَ اللهُ المُسْلِِمِينَ بِأَنَّ يَتَّجِهُوا فِي صَلاَتِهِمْ جِهَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَيْنَمَا كَانُوا فِي بِقَاعِ الأَرْضِ. وَأَعْلَمَ اللهُ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ، بِأَنَّ اليَهُودَ الذِينَ أَنكَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ تَرْكَ الصَّلاَةِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، يَعْلَمُونَ أَنَّ هذا التَّوَلِّيَ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ هُوَ الحَقُّ المُنْزَلُ مِنَ اللهِ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّ آخِرَ نَبِيٍّ سَتَكُونُ قِبْلَتُهُ الكَعْبَةَ، وَلكِنَّهُمْ يَكْتُمُونَ ذلِكَ كُفْراً وَحَسَداً وَعِنَاداً، لِيَخْدَعُوا ضِعَافَ الإِيمَانِ، وَيُثيروا الفِتْنَةَ وَالشُّكُوكَ في نُفُوسِهِمْ، إِذْ هُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَمْرَ القِبْلَةِ أَمْرٌ مِنْ أُمورِ الدِّينِ كَغَيرِهِ، لاَ مَحِيصَ لِلمُؤمنِ عَنِ اتِّبَاعِهِ إِذا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ الذِي لا شَكَّ فِيهِ. ثَمَّ يُهَدِّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ عَالِمٌ بِحَالِهِمْ، وَإِنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْهُمْ فِيمَا يَعْمَلُونَ. شَطْرَ - اتِجَاهَ وَتِلْقَاءَ.

الثعلبي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} إنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرّع أمر القبلة وذلك إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة فلمّا هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقدمها لليلتين خليا من شهر ربيع الأوّل أمره تعالى أن يصلّي نحو الصخرة ببيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع مايجدون من نعته في التوراة هذا قول عامّة المفسّرين. وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "هؤلاء يهود يستقبلون بيتاً من بيوت الله، فلو (أنّا) استقبلناه" فاستقبله النبيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا جميعاً : فصلّى النبيّ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً وكانت الأنصار قد صلّت إلى بيت المقدّس سنتين قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلم . تفسير : وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في السبب الّذي كان صلى الله عليه وسلم يكره من أجله قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة. فقال ابن عبّاس: لأنّها كانت قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. مجاهد : من أجل أنّ اليهود قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا. مقاتل بن حيّان: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلّي نحو بيت المقدس قالت اليهود : زعّم محمّد أنّه نبي وما يراه أحد إلاّ في ديننا، أليس يصلّي إلى قبلتنا ويستنّ بسنّتنا فإن كانت هذه نبوّة فنحن أقدم وأوفر نصيباً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فشقّ عليه وزاده شوقاً إلى الكعبة. ابن زيد: لمّا استقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم بيت المقدس بلغه أنّ اليهود تقول: والله ما ندري محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم. قالوا جميعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل : "حديث : وددت أنّ الله صرفني من قبلة اليهود إلى غيرها فإنّي أبغضهم وأبغض توافقهم". فقال جبرئيل: إنما أنا عبد مثلك ليس إليَّ من الأمر شيئاً فاسأل ربّك؟ تفسير : فعرج جبرئيل وجعل رسول الله يديم النظر إلى السّماء رجاءَ أنْ ينزل عليه جبرئيل بما يجيء من أمر القبلة. {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تحوّل وتصرف وجهك يا محمّد في السّماء. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} فلنحوّلنّك ولنصرفنّك. {قِبْلَةً تَرْضَاهَا} تحبّها وترضاها. {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي نحوه وقصده. قال الشاعر: شعر : واطعن بالقوم شطر الملوك حتّى إذا خفق المخدج تفسير : أي: نحوهم وهو نصب على الظرف. والمسجد الحرام: المحرّم كالكتاب بمعنى المكتوب والحساب بمعنى المحسوب. {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ} في برَ أو بحر أو سهل أو جبل شرق أو غرب {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} فحوّل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين. مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرّجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين. قال ابن عبّاس: البيت كلّه قبلة وقبلة البيت الباب والبيت قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الأرض كلّها فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمّد ما أمرت بهذا - يعنون القبلة - وما هو إلاّ شيء تبتدعه من تلقاء نفسك. قتادة: فصلّى إلى بيت المقدس وتارة يصلّي إلى الكعبة ولو ثبتّ على قبلتنا لكنّا نرجوا أن تكون صاحبنا الّذي ننتظره ورأيناكم تطوفون بالكعبة وهي حجارة مبنية فأنزل الله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} يعني أمر الكعبة الحقّ. {مِن رَّبِّهِمْ} وإنّها قبلة إبراهيم ثمّ هددهم فقال: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [قرأ ابو جعفر وابن... والكسائي بالتاء وقال بريد: إنكم يا معشر... تطلبون وصالي وما... عن ثوابكم وجوابكم. وقرأ الباقون... يعني ما الله بغافل عما يعمل اليهود فأجازيهم في الدنيا والاخرة] {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} يعني يهود المدينة، ونصارى نجران. قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم آتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. {بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} يعني الكعبة، وقال الأخفش، والزّجاج : أجيئت لئن بما لأنّها بمعنى لو، وقيل: إنّها أجيبت بما لما فيه من معنى اليمين كأنّه قال: والله لئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكل آية إلى {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ}؛ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنّصارى تستقبل المشرق. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} مرادهم في أمر القبلة. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم. {إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} الجاحدين الضارين أنفسهم. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه. {يَعْرِفُونَهُ} يعني محمّداً {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} من بين النصارى. الكلبي عن الربيع عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام : لقد أُنزل الله على نبيّه {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فكيف يا عبدالله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفةً بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} يعني صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ثمّ قال {ٱلْحَقُّ} أي هذا الحقّ خبر ابتداء مضمر. وقيل: رفع باضمار فعل أي جاءك الحقّ كما قال {وَجَآءَكَ فِى هذه الْحَقُّ} وقرأ علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} نصباً على الأغراء. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} الشاكيّن مفتعل من المرية والخطاب في هذه الآية : وفي ما قبلها للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره وكلّ ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نحن نعلم أن "قد" للتحقيق .. و"نرى" .. فعل مضارع مما يدل على أن الحدث في زمن التكلم .. الحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. أنه يحب ويشتاق أن يتجه إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس .. وكان عليه الصلاة والسلام قد اعتاد أن يأتيه الوحي من علو .. فكأنه صلى الله عليه وسلم كان يتجه ببصره إلى السماء مكان إيتاء الوحي .. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان قلبه متعلقاً بأن يأتيه الوحي بتغيير القبلة .. فكأن هذا أمر شغله. إن الله سبحانه يحيط رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي يرضاها .. فهل معنى ذلك أن القبلة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي بيت المقدس لم يكن راضياً عنها؟ نقول لا .. وإنما الرضا دائماً يتعلق بالعاطفة، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل .. ولذلك لا يقول أحد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن راضياً عن قبلة بيت المقدس .. وإنما كان يتجه إلى بيت المقدس وفي قلبه عاطفة تتجه إلى الكعبة .. هذا يدل على الطاعة والالتزام. الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] أي تحبها بعاطفتك .. ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتطلع إلى هذا التغيير، فكأن عواطفه صلى الله عليه وسلم اتجهت لتضع مقدمات التحويل. قال الله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 144] .. والمراد بالوجه هو الذات كلها وكلمة شطر معناها الجهة، والشطر معناه النصف .. وكلا المعنيين صحيح لأنه حين يوجد الإنسان في مكان يصبح مركزاً لدائرة ينتهي بشيء اسمه الأفق وهو مدى البصر .. وما يخيل إليك عنده أن السماء انطبقت على الأرض. إن كل إنسان منا له دائرة على حسب نظره فإذا ارتفع الإنسان تتسع الدائرة .. وإذا كان بصره ضعيفاً يكون أفقه أقل، ويكون هو في وسط دائرة نصفها أمامه ونصفها خلفه. إذن الذي يقول الشطر هو النصف صحيح والذي يقول إن الشطر هو الجهة صحيح. وقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [البقرة: 144] .. أي اجعل وجهك جهة المسجد الحرام. أو اجعل المسجد الحرام في نصف الدائرة التي أمامك .. وفي الزمن الماضي كانت العبادات تتم في أماكن خاصة .. إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الله له الأرض كلها مسجداً. إن المسجد هو مكان السجود، ونظراً لأن السجود هو منتهى الخضوع لله فسمي المكان الذي نصلي فيه مسجداً .. ولكن هناك فرقاً بين مكان تسجد فيه ومكان تجعله مقصوراً على الصلاة لله ولا تزاول فيه شيئاً آخر. المسجد مخصص للصلاة والعبادة .. أما المكان الذي تسجد فيه وتزاول حركة حياتك فلا يسمى مسجداً إلا ساعة تسجد فيه .. والكعبة بيت الله. باختيار الله. وجميع مساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله .. ولذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله. وقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} [البقرة: 144] يعني أينما كنتم .. {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] .. لأن الآية نزلت وهم في مسجد بني سلمة بالمدينة، فتحول المسلمون إلى المسجد الحرام .. وحتى لا يعتقد أحد أن التحويل في هذا المسجد فقط وفي الوقت الذي نزلت فيه الآية فقط قال تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] .. وقوله جل جلاله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] .. أي أن الذين أوتوا الكتاب ويحاولون التشكيك في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يعلمون أن رسول الله هو الرسول الخاتم ويعرفون أوصافه التي ذكرت في التوراة والإنجيل .. ويعلمون أنه صاحب القبلتين .. ولو لم يتجه الرسول صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى الكعبة .. لقالوا إن التوراة والإنجيل تقولان إن الرسول الخاتم محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي إلى قبلتين فلماذا لم تتحقق؟ ولكان هذا أدعى إلى التشكيك. إذن فالذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم .. لأنه في التوراة أن الرسول الذي سيجيء وسيتجه إلى بيت المقدس ثم يتجه إلى البيت الحرام .. فكأن هذا التحويل بالنسبة لأهل الكتاب تثبيت لإيمانهم بالرسول عليه الصلاة والسلام وليس سبباً في زعزعة اليقين. وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] .. يريد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشكيكهم لا يقدم ولا يؤخر .. فموقفهم ليس لطلب الحجة ولكن للمكابرة .. فهم لا يريدون حجة ولا دليلاً إيمانياً .. ولكنهم يريدون المكابرة.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {شَطْرَهُ} [الآية: 144]. يعني: نحوه. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} يعني: من أَهل الكتاب {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} [الآية: 146]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: يقول لكل صاحب ملة قبلة فهو مستقبلها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 4ظ / {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [الآية: 150]. يعني على أُمة محمد، صلى الله عليه وسلم. وحجتهم [قولهم]: تركت قبلتنا.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} قَالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ [مَعناهُ] نَحوُهُ وتِلقاؤُهُ، هو بِلُغةِ أَهلِ يَثْربِ والشَطْرُ أَيضاً: النِصفُ والجمعُ أَشْطَارٌ، وشُطُورٌ وهي لُغةُ بني تَغلبٍ.

الأندلسي

تفسير : {قَدْ نَرَىٰ} أي قد رأينا. كقوله: {أية : قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} تفسير : [النور: 64]. أي: قد علم. ولقد نعلم: أي علمنا. وقد قيل: قد تصرف المضارع إلى الماضي "فقال" الزمخشري في قد نرى ربما نرى ومعناه كثرة الرؤية كقوله: شعر : قد أترك القرن مصفراً أنامله* تفسير : "انتهى". ورب على مذهب الجمهور لتقليل الشيء في نظيره أو في نفسه وتركيب قد مع المضارع لا تدل على الكثرة بل ان فهمت الكثرة فمن خارج. والكثرة هنا إنما فهمت من متعلق الرؤية، لأن من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة لا يقال فيه: قلب بصره، وإنما يقال: قلب إذا ردد. فالكثرة فهمت من التقلب الذي هو مطاوع التقليب والوجه يراد به ظاهره كان يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة أو كني بالوجه عن البصر. و{فِي ٱلسَّمَآءِ} متعلق بتقلب. كقوله: أية : {تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ} تفسير : [آل عمران: 196]. ومن على حقيقتها أي في نواحي السماء وفي الكلام حال محذوفة والتقدير في السماء طالب قبلة غير التي كنت مستقبلها. {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} جواب قسم مؤكد مضمون الجملة المقسم عليه، وجاء الوعد قبل الأمر لتفرح النفس بالاجابة، ثم بإِيجاز الوعد فيتوالى السرور مرتين ونكر القبلة لأنه لم يتقدم ما يقتضي العهد ووصفت بمرضية لتقرب من التعيين ومتعلق الرضا القلب وهو كان يؤثر ان تكون الكعبة وإن كان لم يصرح بذلك. {فَوَلِّ وَجْهَكَ} أي في استقبال الصلاة. {شَطْرَ} نحو المسجد الحرام. وفيه دليل على مراعاة جهة الكعبة لا عينها وأفرد أولاً بالأمر لأنه كان المنسوب إلى ذلك ثم أمرت أمته بذلك فكان حكمهم حكمه. {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} هم احبار اليهود ورؤساؤهم. {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} أي التوجه إلى المسجد الحرام هو الحق الذي فرضه الله على إبراهيم وذريته. وقرىء يعلمون بالتاء وبالياء. {وَلَئِنْ أَتَيْتَ} تسلية للرسول عن متابعة أهل الكتاب له. {مَّا تَبِعُواْ} جواب للقسم المؤذنة به اللام وهو ماضي اللفظ مستقبل المعنى كقوله: {أية : وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا} تفسير : [فاطر: 41]. أي ما يمسكهما وقوله: لظلوا أي ليظلنّ من بعده. وقال سيبويه: وقالوا لئن فعلت ما فعل بزيد ما هو فاعل. وما يفعل وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} استئناف اخبار ببراءته عليه السلام من اتباع قبلتهم وأفرد قبلتهم وإن كانت تختلف قبلتاهم لاشتراكهما في البطلان. {وَمَا بَعْضُهُم} أي اليهود لا تتبع النصارى ولا النصارى تتبع اليهود. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} التعليق على المستحيل مستحيل كقوله: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ} تفسير : [الأنبياء: 29] أو يكون المخاطب غيره من أمته. أي: ولئن اتبعت أيها السامع. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي من الدلالات والآيات التي تفيد العلم إطلاقاً لاسم الأثر على المؤثر. {إِنَّكَ} جواب القسم التي تدل عليه لام ولئن. و"إذن" هنا مؤكدة لجواب ارتبط بمتقدم ولا عمل لها إذا كانت مؤكدة.

الجيلاني

تفسير : ولما انكشف له صلى الله عليه وسلم توحيد الذات واستغرق فيها وتوجه وحوها، وانسلخ عن الأفعال والصفات بالمرة، انتظر صلى الله عليه وسلم الوحي المطابق لهذا الانكشاف بحسب الصورة أيضاً، فقال سبحانه: {قَدْ نَرَىٰ} نطلع ونعلم حين انكشافك بذاتنا {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} منتظراً للوحي المتضمن للتوجه الصوري {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} بعد انكشافك المعنوي {قِبْلَةً} صورية {تَرْضَاهَا} مناسبة لقبلتك المعنوية {فَوَلِّ وَجْهَكَ} يا أكمل الرسل صورة {شَطْرَ} جهة {ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الذي يحرم فيه التوجه إلى غير الذات البحث المسقط للإضافة {وَ} لا تختص بهذه الكرامة لك، بل تسري منك إلى من تبعك من المؤمنين {حَيْثُ مَا كُنْتُمْ} من مراتب الوجود {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ} الفائضة لكم إيها المؤمنون من ربكم {شَطْرَهُ} لتكونوا من المنكشفين به المهتدين بذاته {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} من اليهود والنصارى {لَيَعْلَمُونَ} يقيناً بشهادة كتبهم ورسلهم {أَنَّهُ} أي: شأن انكشافك وتحققك بالتوحيد الذاتي {ٱلْحَقُّ} الثابت المنزل {مِن رَّبِّهِمْ} أي: رباهم بإعطاء العقل المميز بن الحق والباطل، والمحق والمبطل، ومع ذلك ينكرون عناداً {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] من الإخفاء والستر بعد الوضوح والكشف. {وَ} الله {لَئِنْ أَتَيْتَ} يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} نازلة لك دالة على توحيد الذات الذي هو مقصدك وقبلتك {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لانهماكهم في الغفلة والضلالة {وَمَآ أَنتَ} أيضاً بعدما انكشف لك الأمر يقيناً {بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} التي توجهوا إليها ظناً وتخميناً {وَ} أيضاً {مَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} لتفاوت ظنونهم وآرائهم {وَ} الله {لَئِنِ ٱتَّبَعْتَ} أنت يا أكمل الرسل {أَهْوَاءَهُم} الباطلة {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} اليقيني المطابق للعين بل للحق {إِنَّكَ} مع اصطفائنا إياك واجتنابنا لك {إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] المعرضين عنا بعد توفيقنا إياك وإرشادنا لك إلى الكعبة الحقيقة. هذا تهديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تهديد وحث له صلى الله عليه وسلم لدوام التوجه على ما اكشف له من توحيد الذات، تحريض للمؤمنين على متابعته صلى الله عليه وسلم في دوام التوجه والميل إليه، ومثله في القرآن كثير. ثم قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} المبين لهم طريق توحيد الصفات والأفعال، المنبه لهم على توحيد الذات، وعلى من يظهر به وهم {يَعْرِفُونَهُ} بالأوصاف والخواص المبين في كتابهم {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} الذين خلقوا من أصلابهم، بل أشد من ذلك لإمكان الخلاف فيه دونه {وَ} مع ذلك {إِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} عناداً واستكباراً {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} الثابت في كتابهم {وَهُمْ} أيضاً {يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] حقيته جزماً، ويكتمونه مكابرة. {ٱلْحَقُّ} الذي هو ظهورك واستيلاؤك عليهم، ونسخك أديانهم وأحكام كتبهم إنما هو ناشئ {مِن رَّبِّكَ} الذي أظهرك مظهراً كاملاً لذاته {فَلاَ تَكُونَنَّ} أنت ومن تبعك {مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 147] الشاكين في توحيد الذات كما كانوا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول الله لنبيه: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } أي: كثرة تردده في جميع جهاته، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة، وقال: { وَجْهكَ } ولم يقل: "بصرك "لزيادة اهتمامه، ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر. { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } أي: نوجهك لولايتنا إياك، { قِبْلَةً تَرْضَاهَا } أي: تحبها، وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه، ثم صرح له باستقبالها فقال: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان، { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } أي: من بر وبحر، وشرق وغرب، جنوب وشمال. { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أي: جهته. ففيها اشتراط استقبال الكعبة، للصلوات كلها، فرضها، ونفلها، وأنه إن أمكن استقبال عينها، وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن الالتفات بالبدن، مبطل للصلاة، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر تعالى فيما تقدم، المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم، ذكر هنا، أن أهل الكتاب والعلم منهم، يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما يجدونه في كتبهم، فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه، إذا كان الأمر مشتبها، وكان ممكنا أن يكون معه صواب. فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه، وأن المعترض معاند، عارف ببطلان قوله، فإنه لا محل للمبالاة، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية، فلهذا قال تعالى: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بل يحفظ عليهم أعمالهم، ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين، وتسلية للمؤمنين.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [144] 22- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح، جاءهم آت، فقال: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة، وأُمر أن يستقبل القِبلة فاستقبلوها،تفسير : وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. 23- أنا محمد بن حاتم بن نُعيم، أنا حبان، أنا عبد الله، عن شريك، عن أبي إسحاق،/ عن البراء قال،/ حديث : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي نحو الكعبة، ، فكان يرفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } . تفسير : قال البراء: والشَّطر فينا قِبلة. وقال في قول الله تعالى: {لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال: ما كان الله ليُضيع صلاة من مات وهو يصلي نحو بيت المقدس. 24- أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، أنا الليث، نا خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال قال، أخبرني مروان بن عثمان أن عبيد بن حُنين أخبره عن أبي سعيد بن المُعلي قال: حديث : كنا نغدو للسوق على عهد رسول الله صلى عالله عليه وسلم، فنمر على المسجد، فنصلي فيه، فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ } حتى فرغ من الآية، قلت لصاحبي، تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى لله عليه وسلم فنكون أول من صلى، فتوارينا، فصلينا، ثم نزل رسول الله صلى علله عليه وسلم، فصلى للناس الظهر يومئذ . تفسير : 25- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا يحيى بن آدم،نا أبو زُبيد عن سليمان التَّيْمي، عن أنس قال، ما بقي أحد صلى القِبلتين غيري. قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [144] 28- أنا أبو بكر بن نافع، نا يحيى، نا حمَّاد بن سلمة، أنا ثابت، عن أنس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} مر رجل من بني سلمة، فناداهم، وهم ركوع في صلاة الفجر: ألا إن القِبلة قد حوِّلت إلى الكعبة فمالوا ركوعاً .

همام الصنعاني

تفسير : 112- عبد الرزّاق قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس، عَنْ أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [المدينة صلَّى] نحو بيت المقْدِس ستة عشر شهراً، أوْ قال: سبعة عشر شهْراً وكان يحب أن يُحَوَّل نحو الكَعْبة فنزلت: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}: [الآية: 144]، فصُرِفَ إلى الكْعَبْة، فَمَرَّ رجل صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نَفَرٍ مِنَ الأنصارِ وهم يُصلّونَ نحو بيت المقدس. فقال: قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: الكَعْبَة، فانْحَرَفُوا نحو الكعبة قبْل أنْ يركعوا وهُمْ في صلاتهم. 141- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}: [الآية: 144]، قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه إلى السَّماءِ يُحبّ أن يَصْرِفَهُ الله إلى الكعْبَة حتَّى صرَفَه الله تعالى إلَيْها . تفسير : 142- عبد الرزاق، قال: حدَّثنا هُشَيْم، عَنْ يَعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة قال: رأيتُ عبد الله بن عمرو جالساً في المسجد الحرام بإزاء الْمِيزاب، فتلا هذه الآية: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}: [الآية: 144]، فقال: هذه القبلة، هذه القبلة. 143- عبد الرزاق، قال حدثنا، معهمر، عنْ قتادة في قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ}: [الآية: 144]، قال: نحو المسجد الحرام {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}: أي: تلقاءه.