٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
145
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } فقال الأصم: المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 144] واحتج عليه بوجوه. أحدها: قوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعاً لهوى النفس، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم، ثم ينكرون بألسنتهم، فهم المتبعون للهوى. وثانيها: أن ما قبل هذه الآية وهو قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لِيَعْلَمُواْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء، وما بعدها وهو قوله: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ }تفسير : [الأنعام: 20] مختص بالعلماء أيضاً إذ لو كان عاماً في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصاً فكذا هذه الآية المتوسطة. وثالثها: أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم، ومستمرون على باطلهم، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات، وهذا شأن المعاند اللجوج، لا شأن المعاند المتحير. ورابعها: أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً لأن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبع قبلته. وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله: {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } صيغة عموم فيتناول الكل، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم، وفي الآية الثانية كلهم، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلاً في الكل، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون، وقولنا: كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحداً منهم لا يؤمن. المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم، قال: لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه القطع. المسألة الثالثة: احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً وهو محال، ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالاً وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6]. المسألة الرابعة: إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل. المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } قال الحسن والجبائي: أراد جميعهم، كأنه قال: لا يجتمعون على اتباع قبلتك، على نحو قوله: {أية : وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [الأنعام: 35] وقال الأصم وغيره: بل المراد أن أحداً منهم لا يؤمن، قال القاضي: إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضاً ذلك التأويل، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله: {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } وبين قوله: ما تبع أحد منهم قبلتك. المسألة السادسة: {لَئِنْ } بمعنى {لَوْ } وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه خلاف فقيل: إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر، وأجيب بجوابه نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } تفسير : [الروم: 51] ثم قال: {لَّظَلُّواْ } على جواب: {لَوْ } وقال: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ وٱتَّقَوْا} تفسير : [البقرة: 103] ثم قال: {لَمَثُوبَةٌ } على جواب: {لَئِنْ } وذلك أن أصل {لَوْ } للماضي {وَلَئِنِ } للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه: إن كل واحدة منهما على موضعها، وإنما الحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم، فجاء الجواب كجواب القسم. المسألة السابعة: الآية: وزنها فعلة أصلها: أية، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها، والآية الحجة والعلامة، وآية الرجل: شخصه، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف. وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. وقيل: لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى. المسألة الثامنة: روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: أئتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة. أما قوله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } ففيه أقوال. الأول: أنه دفع لتجويز النسخ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة. والثاني: حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. الثالث: المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك. الرابع: أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم، لأن ذلك معصية. الخامس: وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق، فالزم قبلتك ودع أقوالهم. أما قوله: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } قال القفال: هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال، أما على الحال فمن وجوه. الأول: أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها. الثاني: أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك مع أنهم فيما بينهم مختلفون. الثالث: أن هذا إبطال لقولهم إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث، وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان فلم يثبت عندنا أن أحداً منهم يتبع قبلة الآخر فالخلف غير لازم، وإن حملناه على الكل قلنا إنه عام دخله التخصيص. أما قوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الهوى المقصور هو ما يميل إليه الطبع والهواء الممدود معروف. المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب، قال بعضهم: الرسول وقال بعضهم: الرسول وغيره. وقال آخرون: بل غيره، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب، وهذا القول الثالث خطأ لأن كل ما لو وقع من الرسول لقبح، والالجاء عنه مرتفع، فهو منهى عنه، وإن كان المعلوم منه أنه لا يفعله، ويدل عليه وجوه. أحدها: أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه، لكان ما علم أنه يفعله وجب أن لا يأمره به، وذلك يقتضي أن لا يكون النبي مأموراً بشيء ولا منهياً عن شيء وأنه بالاتفاق باطل. وثانيها: لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي صلى الله عليه وسلم عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطاً بذلك النهي والتحذير فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافياً للنهي والتحذير. وثالثها: أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذلك في العقل، فيكون الغرض منه التأكيد ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعد ما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل فأي بعد في مثل هذا الغرض ههنا. ورابعاً: قوله تعالى في حق الملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29] مع أنه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النمل: 50] وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وقد أجمعوا على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك وما مال إليه، وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 1] وقال تعالى:{أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } تفسير : [القلم: 9] وقال: {أية : بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } تفسير : [المائدة: 67] وقوله: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } تفسير : [الأنعام: 14] فثبت بما ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام منهي عن ذلك، وأن غيره أيضاً منهي عنه لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه الصلاة والسلام بقي أن يقال: فلم خصه بالنهي دون غيره؟ فنقول فيه وجوه، أحدها: أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص. وثانيها: أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. وثالثها: أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده فإنه يكون منبهاً بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيهاً للغير أو توكيداً، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية. القول الثاني: أن قوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم } ليس المراد منه أن اتبع أهواءهم في كل الأمور فلعله عليه الصلاة والسلام كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام، طمعاً منه عليه الصلاة والسلام في استمالتهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية على ما قال: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 74]. القول الثالث: إن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت إنساناً أساء عبده إلى عبدك فتقول له: لو فعلت مرة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقاباً شديداً، فكان الغرض منه لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة. أما قوله تعالى: {مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات والمعجزات، لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثر، واعلم أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم العلم، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة. المسألة الثانية: دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله: {مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } يدل على ذلك. أما قوله تعالى: {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فالمراد إنك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم وظلمهم لأنفسهم، والغرض منه التهديد والزجر والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس تنفعهم الآيات؛ أي العلامات. وجمع قِبْلة في التكسير: قِبَلٌ. وفي التسليم: قِبلاتٌ. ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قِبَلات. ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قِبْلات. وأُجيبت «لئِن» بجواب «لو» وهي ضدّها في أن «لو» تَطلب في جوابها المضيّ والوقوع، و «لئن» تطلب الاستقبال؛ فقال الفراء والأخفش: أجيبت بجواب «لو» لأن المعنى: ولو أتيت. وكذلك تُجاب «لو» بجواب «لئن»، تقول: لو أحسنت أحسن إليك؛ ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ} تفسير : [الروم: 51] أي ولو أرسلنا ريحاً. وخالفهما سيبويه فقال: إن معنى «لئن» مخالف لمعنى «لو» فلا يدخل واحد منهما على الآخر؛ فالمعنى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قِبْلتك. قال سيبويه: ومعنى {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ} ليظُّلن. قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} لفظ خبر ويتضمّن الأمر؛ أي فلا تركن إلى شيء من ذلك. ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متّبعة قِبلة النصارى ولا النصارى متّبعة قِبلة اليهود؛ عن السُّدّي وٱبن زيد. فهذا إعلام بٱختلافهم وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم: المعنى وما من ٱتبعك ممن أسلم منهم بمتّبع قِبلَة مَن لم يُسلم، ولا من لم يُسلم قِبلةَ من أسلم. والأوّل أظهر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد أمّته ممن يجوز أن يتّبع هواه فيصير بٱتباعه ظالماً، وليس يجوز أن يفعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالماً؛ فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقطعِنا أنّ ذلك لا يكون منه، وخُوطب النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر ولأنه المنزل عليه. والأهواء: جمع هوًى، وقد تقدّم؛ وكذا {مِنَ الْعِلْم} تقدّم أيضاً، فلا معنى للإعادة.
البيضاوي
تفسير : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلّ ءايَةٍ} برهان وحجة على أن الكعبة قبلة، واللام موطئة للقسم {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } جواب للقسم المضمر، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً. {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبتَ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره، تغريراً له وطَمعاً في رجوعه، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق. {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } فإن اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس. لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، لتصلب كل حزب فيما هو فيه {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } على سبيل الفرض والتقدير، أي: ولئن اتبعتهم مثلاً بعدما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه: أحدها: الإِتيان باللام الموطئة للقسم. ثانيها: القسم المضمر. ثالثها: حرف التحقيق وهو أن. رابعها: تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية. وخامسها: الإِتيان باللام في الخبر. وسادسها: جعله من {ٱلْظَّـٰلِمِينَ }، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم. وسابعها: التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم، وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 96 ـ 97] ولهذا قال ههنا: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} وقوله: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} إخبار عن شدة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضاً مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، ولا كونه متوجهاً إلى بيت المقدس لكونها قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجةُ عليه أقومُ من غيره، ولهذا قال مخاطباً للرسول، والمراد به الأمة: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلّ ءَايَةٍ} على صدقك في أمر القبلة {مَّا تَبِعُواْ } أي لايتبعون {قِبْلَتَكَ } عناداً {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم } التي يدعونك إليها {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } الوحي {إِنَّكَ إِذَاً } إن اتبعتهم فرضاً {لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: هذه الآية مقدّمة في النزول على قوله: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء}، ومعنى: {قَدْ } تكثير الرؤية، كما قاله صاحب الكشاف، ومعنى: {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ } تحوّل وجهك إلى السماء، قاله قطرب. وقال الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وقوله: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ } هو إما من الولاية، أي: فلنعطينك ذلك، أو من التولي، أي: فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وهذا أولى لقوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }. والمراد بالشطر هنا: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية ومنه قول الشاعر:شعر : أقول لأم زِنْبَاعٍ أقيِمي صدُورَ العِيسِ شَطْرَ بني تَميم تفسير : p>>ومنه أيضاً قول الآخر:شعر : ألا مَنْ مُبْلغ عمراً رَسُولا وَمَا تُغْنِي الرِسَالةُ شَطْرَ عمرو تفسير : وقد يراد بالشطر النصف، ومنه «الوضوء شطر الإيمان»، ومنه قول عنترة:شعر : إني امرؤ مِنْ خَيرِ عَبْس منصباً شَطِري وَأحْمِي سَائِري بِالمْنصَلِ تفسير : p>> قال ذلك؛ لأن أباه من سادات عبس، وأمّه أمَة، ويرد معنى البعض مطلقاً. ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا: الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، والضمير في قوله: {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحويل إلى جهة الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبيّ يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجباً عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } قد تقدّم معناه. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي "تعملون" بالمثناة الفوقية على مخاطبة أهل الكتاب، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء التحتية. وقوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ } هذه اللام هي موطئة للقسم، والتقدير: والله لئن أتيت. وقوله: {مَّا تَبِعُواْ } جواب القسم المقدّر. قال الأخفش والفراء: أجيب "لئن" بجواب و"لو" لأن المعنى: ولو أتيت، ومثله قوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ } تفسير : [الروم: 51] أي: ولو أرسلنا. وإنما قالا هكذا؛ لأن "لئن" هي ضد "لو"، وذلك أن "لو" تطلب في جوابها المضيّ، والوقوع، و"لئن" تطلب في جوابها الاستقبال. وقال سيبويه: إن معنى "لئن" يخالف معنى لو، فلا تدخل إحداهما على الأخرى، فالمعنى: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال سيبويه: ومعنى: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } ليظللن. انتهى. وفي هذه الآية مبالغة عظيمة، وهي متضمنة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وترويح خاطره، لأن هؤلاء لا تؤثر فيهم كل آية، ولا يرجعون إلى الحق، وإن جاءهم بكل برهان فضلاً عن برهان واحد، وذلك أنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم، أو لشبهة طرأت عليهم، حتى يوازنوا بين ما عندهم، وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقلعوا عن غوايتهم عند وضوح الحق، بل كان تركهم للحق تمرداً، وعناداً مع علمهم بأنهم ليسوا على شيء، ومن كان هكذا، فهو لا ينتفع بالبرهان أبداً. وقوله: {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } هذا الإخبار ممكن أن يكون بمعنى النهي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: أي: لا تتبع يا محمد قبلتهم، ويمكن أن يكون على ظاهره، دفعاً لأطماع أهل الكتاب، وقطعاً لما يرجونه من رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى القبلة التي كان عليها. وقوله: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } فيه إخبار بأن اليهود، والنصارى مع حرصهم على مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما عندهم مختلفون في دينهم، حتى في هذا الحكم الخاص الذي قصه الله سبحانه على رسوله، فإن بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته. قال في الكشاف: "وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس". انتهى. وقوله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } إلى آخر الآية، فيه من التهديد العظيم، والزجر البليغ ما تقشعرّ له الجلود، وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء، والملة الشريفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون - وحاشاه - من الظالمين، فما ظنك بغيره من أمته، وقد صان الله هذه الفرقة الإسلامية بعد ثبوت قدم الإسلام، وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب، ولم تبق إلا دسيسة شيطانية، ووسيلة طاغوتية، وهي ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة، لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم، أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس دولة، أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، والتمرة التمرة؛ وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشدّ على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين، ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك، والضدّ لما هنالك، فلا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة، حتى يسلخوه من الدين، ويخرجوه منه، وهو يظنّ أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم، هذا إن كان في عداد المقصرين، ومن جملة الجاهلين، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق، والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم، وختم على قلبه، وصار نقمة على عباد الله، ومصيبة صبها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى حق، ولا يتبع إلا الصواب، فيضلون بضلاله، فيكون عليه إثمه، وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. نسأل الله اللطف، والسلامة، والهداية وقوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ } قيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: يعرفون نبوّته. روي ذلك عن مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم. وقيل: يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة، بالطريق التي قدّمنا ذكرها، وبه قال جماعة من المفسرين، ورجح صاحب الكشاف الأوّل. وعندي أن الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت له هذه الآيات. وقوله: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } هو عند أهل القول الأوّل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وعند أهل القول الثاني استقبال القبلة. وقوله: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } يحتمل أن يكون المراد به الحقّ الأوّل، ويحتمل أن يراد به جنس الحق على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره قوله: {من ربك} أي الحق هو الذي من ربك لا من غيره. وقرأ عليّ بن أبي طالب {الحق} بالنصب على أنه بدل من الأول، أو منصوب على الإغراء، أي: الزم الحق. وقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والامتراء: الشك، نهاه الله سبحانه عن الشك في كونه الحق من ربه، أو في كون كتمانهم الحق مع علمهم، وعلى الأول هو: تعريض للأمة، أي لا يكن أحد من أمته من الممترين، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في كون ذلك هو الحق من الله سبحانه. وقد أخرج ابن ماجه عن البراء قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقليب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره، وهو يصعد بين السماء، والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَاء } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا جبريل كيف حلنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ تفسير : فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ }. وأخرجه الطبراني من حديث معاذ مختصراً لكنه قال: سبعة عشر شهراً. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو في قوله تعالى: {فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } قال: قبلة إبراهيم نحو الميزاب. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن البراء في قوله: {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } قال: قبله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن عليّ مثله. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، والبيهقي عن ابن عباس؛ قال: {شَطْرَهُ } نحوه. وأخرج البيهقي، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية قال: {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تلقاءه، وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: حديث : البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب. وأخرج البيهقي في سننه عنه، مرفوعاً قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها، ومغاربها من أمتي، تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله: {وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: أنزل ذلك في اليهود. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } قال: يعني بذلك القبلة. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير عن أبي العالية نحوه. وأخرج ابن جرير عن السدّي في قوله: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: اليهود والنصارى: {يَعْرِفُونَهُ } أي قال: يعرفون رسول الله في كتابهم: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عنه في قوله: {يَعْرِفُونَهُ } أي: يعرفون أن البيت الحرام هو: القبلة. وأخرج ابن جرير عن الربيع مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال: يكتمون محمداً، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج أبو داود، في ناسخه، وابن جرير، عن أبي العالية قال: قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } يقول: لا تكوننّ في شك يا محمد أن الكعبة هي قبلتك، وكانت قبلة الأنبياء من قبلك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} يعني استقبال الكعبة. {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُم} يعني استقبال بيت المقدس، بعد أن حُوِّلَتْ قِبْلَتُك إلى الكعبة. {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابٍعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ} يعني أن اليهود لا تتبع النصارى في القبلة، فهم فيها مختلفون، وإن كانوا على معاندة النبي صلى الله عليه وسلم متفقين. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} يعني في القبلة. {مَن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} يعني في تحويلها عن بيت المقدس إلى الكعبة. {إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} وليس يجوز أن يفعل النبي ما يصير به ظالماً. وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أن هذه صفة تنتفي عن النبي، وإنما أراد بذلك بيان حكمها لو كانت. والوجه الثاني: أن هذا خطاب للنبي والمراد به أمته.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم} خوطب به والمراد أمته، أو بيّن حكم ذلك لو وقع وإن كان غير واقع.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى {بكل آية} أي بكل معجزة وقيل: بكل حجة وبرهان وذلك بأنهم قالوا: ائتنا بآية على ما تقول فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ما تبعوا قبلتك} يعني الكعبة {وما أنت بتابع قبلتهم} يعني أن اليهود تصلي إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق وأنت يا محمد تصلّي إلى الكعبة. فكيف يكون سبيل إلى اتباع قبلة أحد هؤلاء مع اختلاف جهاتها فالزم أنت قبلتك التي أمرت بالصلاة إليها {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني وما اليهود بتابعة قبلة النصارى ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود، لأن اليهود والنصارى لا يجتمعون على قبلة واحدة {ولئن اتبعت أهواءهم } يعني مرادهم ورضاهم لو رجعت إلى قبلتهم {من بعد ما جاءك من العلم} أي في أمر القبلة وقيل معناه: من بعد ما وصل إليك من العلم بأن اليهود والنصارى مقيمون على باطل، وعناد للحق {إنك إذاً لمن الظالمين} يعني أنك إن فعلت ذلك كنت بمنزلة من ظلم نفسه وضرها. قيل: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواءهم أبداً. وقيل: هو خطاب له خاصة فيكون ذلك على سبيل التذكير والتنبيه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ...}. قال ابن عرفة: في هذا تهدئة (روعته) صلّى الله عليه وسلم وتطمين له حتى لا يتهالك على عدم إيمانهم وهو عام في جميع المعجزات. قيل لابن عرفة: إن الإمام ابن العربي قال: لا يتناول الآيات النظرية وأما الآيات (الملجئة) الاضطرارية فلا، لأنّ الإيمان عندها ضروري؟ فقال: بل يتناول الجميع لأنّا نقول: إنّ ربط الدليل بالمدلول عادي لا عقلي، أو نقول: إن في الجائز: إن يستدل المستدل بالدليل الصحيح ويعمي الله بصيرته عن العثور على الوجه الذي يدل الدليل منه، أو نقول: إن الإيمان الاضطراري ليس إيمانا بوجه ولا يترتب عليه ثواب لأنه ليس للمكلف فيه اختيار. وفي الآية دليل على أنّ ارتباط الدليل بالمدلول عادي لا عقلي. وفيها رد على المعتزلة القائلين بمراعاة الصلاح والأصلح وأنّ الآيات التي يمكن الإيمان عندها قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجميعها وليست القدرة / صالحة لغيرها فقوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} (دليل على أنه لم يأتهم بكل آية) وأن القدرة صالحة للإتيان بآيات أخر. قوله تعالى: {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ...}. قال ابن عطية: أي جواب (إن) كجواب (لو) وهي ضدها، لأن (لَوْ) تطلب المضي (والوقوع) و "إِنْ" تطلب المستقبل، والجواب إنما هو للقسم لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر هذا قول سيبويه. وتعقب هذا أبو حيان بأن أول كلامه يقتضي أن الجواب لـِ"إن" مع أن قوله بالجواب للقسم (يقتضي) أن الجواب ليس لِـ"إن". قال ابن عرفة: إنما ذلك سلب حكم، لا حكم بالسلب فلا تناقض فيه. قوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ...}. نفى الأول بالفعل وهذا بالاسم ولم يقل: وما أنت تتّبع قبلتهم، مع أن النفي بالفعل أعم لأنه مطلق، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص. قال ابن عرفة: الجواب أن الأول جاء على الأصل في أنهم مصممون على عدم اتباعه وأما نفيه هو بالاسم فلأن أفعاله صلى الله عليه وسلم ثابتة لازمة فهو إذا اتبع أمرا ثبت عليه ولا ينتقل عنه فنُفي على حسب ما هو عليه. قيل لابن عرفة: فيكون هذا نفي أخص؟ فقال: لا. بل ورد النفي عليه على حسب ما وجد إذا لو (وجد) اتباعه أمرا لما وجد إلا على سبيل الثبوت واللزوم. قيل: أو يجاب بأنه قد كان تابعا قبلتهم ثم انتسخ ذلك. فقال: هذه الآية نزلت بعد النسخ و"ما" لنفي الحال، واتّباع قبلتهم (ماض). قوله تعالى: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ...}. لأن اليهود يستقبلون بيت المقدس والنصارى يستقبلون الشمس من حيث تطلع. قوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ...}. راعى ابن عطية الأمر العادي فصرفه عن ظاهره وحمله على غير النّبي صلى الله عليه وسلم. وراعى الزمخشري الأمر العقلي فأبقاه على ظاهره، وقال: وهو على حسب الفرض والتقدير من خطاب التهييج والإلهاب. قوله تعالى: {إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}. أي إنك لغريق في الظلم. قال ابن عرفة: ويحتمل أن يكون هذا من باب السلب والإيجاب مثل "الحائط لا يبصر" لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من اتّباع أهوائهم. قيل لابن عرفة: لا يصح التكليف بذلك لأنه من تكليف العاجز؟ فقال: الأشياء على ثلاثة أقسام: موجود، وقابل للوجود، ومستحيل. فالإبصار للحائط غير محال إذ في الجائز أن يخلق الله فيه الإبصار فيبصر، هذا (هو) مذهبنا، لأنا لا نشترط (البنية). وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من اتّباع (أهوائهم) لكنه (كلف) بذلك. وجعل ذاته قابلة للاتباع باعتبار اعتقاد الكفار فيها قبول ذلك وأنّها عندهم غير معصومة لا باعتبار ما في نفس الأمر. قال ابن عرفة: وفيه دليل على أنّ عقوبة العالم أشد من عقوبة الجاهل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلِئَنْ أَتَيْتَ} فيه قولان: أحدهما: قول سيبويه وهو أن "اللام" هي الموطّئة للقسم المحذوف، و"إن" شرطية، فقد اجتمع شرط وقسم، وسبق القسمن فالجواب له إذ لم يتقدمهما ذو خبر، فلذلك جاء الجواب للقسم بـ"ما" النافية وما بعدها، وحذف جواب الشرط لسدّ جواب القسم مسده، ولذلك جاء فعل الشرط ماضياً؛ لأنه متى حذف الجواب وجب مضيّ فعل الشرط إلا في ضرورة، و"تَبِعُوا" وإن كان ماضياً لفظاً فهو مستقبل معنى أي: ما يتبعون لأن الشرط قيد في الجملة والشرط مستقبل، فوجب أن يكون مضمون الجملة مستقبلاً ضرورة أن المستقبل لا يكون شرطاً في الماضي. الثاني: وهو قول الفراء، وينقل أيضاً عن الأخفش والزجاج أن "إن" بمعنى "لو"، ولذلك كانت "ما" في الجواب، وجعل "ما تَبِعُوا" جواباً لـ"إن" لأنها بمعنى "لو". أما إذا لم تكن بمعناها، فلا تجاب بـ"ما" وحدها، بل لا بد من الفاء، تقول: إن تزرني فما أزورك. ولا يجيز الفراء: "ما أزورك" بغير فاء وقال ابن عطية: وجاء جواب "لئن" كجواب "لو"، وهي ضدها في أنَّ "لو" تطلب المضي والوقوع، و"إنْ" تطلب الاستقبال؛ لأنهما جميعاً يترتب قبلهما القسم، فالجواب إنما هو للقسم؛ لأن أحد الحرفين يقع موضع الآخر هذا قول سيبويه. قال أبو حيان: هذا فيه تثبيج، وعدم نصّ على المراد؛ لأن أوله يقتضي أن الجواب لـ"إن"، وقوله بعد: الجواب للقسم يدل على أنه ليس لـ"إن"، وتعليله بقوله: لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر لا يصلح علة لكون "ما تَبِعُوا" جواباً للقسم، بل لكونه جواباً لـ"إن". وقوله: "قول سيبويه" ليس في كتاب سيبويه ذلك، إنما فيه أن "ما تبعوا" جواب القَسَم، ووقع فيه الماضي موقع المستقبل. قال سيبويه وقالوا: لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعل وما يفعل. وتلّخص مما تقدم أن قوله: "مَا تَبِعُوا" فيه قولان: أحدهما: أنه جواب للقسم سادّ مسدّ جواب الشرط، ولذلك لم يقترن بالفاء. والثاني: أنه جواب لـ"إن" إجراء لها مجرى "لو". وقال أبو البقاء: "ما تَبِعُوا" أي: لا يتبعوا فهو ماض في معنى المستقبل، ودخلت "ما" حملاً على لفظ الماضي، وحذفت الفاء في الجواب؛ لأن فعل الشرط ماض. وقال الفراء: "إِنْ" هنا بمعنى "لو". وهذا من أبي البقاء يؤذن أن الجواب للشرط وإنما حذفت الفاء لكون فعل الشرط ماضياً، وهذا منه غير مُرْضٍ؛ لأنه خالف البصريين والكوفيين بهذه المَقَالَة. فصل في المراد بالآية. قال الأصم: المراد من الآية علماؤهم الذين أخبر عنهم في الآية الكريمة المتقدمة بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}تفسير : [البقرة: 144]؛ لأن الآية الكريمة لا تتناول العوام، ولو كان المراد الكل لامتنع الكِتْمان؛ لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكِتْمَان، ولأنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً؛ لان كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام - وتبع قبلته. وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأن الذين أوتوا الكتاب صيغة عموم، فيتناول الكل. فصل في لفظ "آية" "الآية": وزنها "فَعَلَة" أصلها: أَيَيَة"، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها. والآية: الحُجّة والعلامة، وآية الرجل: شخصه، وخرج القول بآيتهم أي: جماعتهم. وسميت آية القرآن بذلك؛ لأنها جماعة حروف. وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. وقيل: لانها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى. فصل في سبب نزول هذه الآية روي أن يهود "المدينة"، ونصارى "نجران" قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم: ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال ابن الخطيب: "والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة، بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة". قوله: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعِ قِبْلَتَهُمْ}. "ما" تحتمل الوجهين أعني: كونها حجازية، أو تميمية: فعلى الأول يكون "أنت" مرفوعاً بها، و"بتابع" في محلّ نصب. وعلى الثاني يكون مرفوعاً بالابتداء، و"بتابع" في محلّ رفع، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط، وجوابه لا على الجواب وحده، إذ لا يحل محله؛ لأن نفس تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيداً في نفي تبعيته قبلتهم، وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} من وجوه: أحدها: كونها اسمية متكررة فيها الاسم، مؤكد نفيها بالباء. ووحّد القبلة وإن كانت مثناة: لأن لليهود قبلة، وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين: إما لاشتراكهما في البطلان صارا قبلة واحدة، وإما لأجل المقابلة في اللفظ؛ لأن قبله: {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ}. وقرئ: {بِتَابِعٍ قِبْلَتِهِمْ} بالإضافة تخفيفاً؛ لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان. واختلف في هذه الجملة: هل المراد بها النهي أي: لا تتبع قبلتهم، ومعناه: الدوام على ما أنت عليه؛ لأنه معصوم من اتباع قبلتهم، أو الإخبار المَحْض بنفي الأتبّاع، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير مَنْسوخة، أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعود إلى قبلتهم؟ قولان مشهوران. قوله: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. قال القفال: هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال. أما على الحال فمن وجوه: الأول: أنهم ليسوا مجتمعين على قِبْلَةٍ واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها. الثاني: أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة، فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك، مع أنهم فيما بينهما مختلفون. الثالث: أن هذا إبطال لقولهم: إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب؛ لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث. وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر، لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان، فلم يثبت عندنا أن أحداً منهم تبع قبلة الآخر، فالخلف غير لازم. وإن حملناه على الكل قلنا: إنه عامّ دخله التخصيص. قوله تعالى: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [البقرة: 120] كقوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ}. وقوله: "إِنَّكَ" جواب القسم، وجواب الشرط محذوف كما تقدم في نظيره. قال أبو حيان: لا يقال: إنه يكون جواباً لهما لامتناع ذلك لفظاً ومعنى. أما المعنى فلأن الاقتضاء مختلف، فاقتضاء القسم على أنه لا عمل له فيه؛ لأن القَسَم إنما جيء به توكيداً للجملة المقسم عليها، وما جاء على سبيل التوكيد لا يناسب أن يكون عاملاً، واقتضاء الشرط على أنه عامل فيه، فتكون الجملة في موضع جزم، وعمل الشرط لقوة طلبه له. وأما اللفظ فإن هذه الجملة إذا كانت جواب قسم لم تحتج إلى مزيد رابط، فإذا كانت جواب شرط احتاجت إلى مزيد رابط وهو الفاء، ولا يجوز أن تكون خالية من الفاء موجودة فيها، فلذلك امتنع أن تكون جواباً لهما معاً. فصل في الهوى الهوى المقصور: هو ما يميل إليه الطبع [وقيل: هو شهوة نتجت عن شبهة، والممدود هو الجو].؟ اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب. قال بعضهم: الرسول. وقال بعضهم: الرسول وغيره. وقال آخرون: بل غيره؛ لأنه - تعالى - عرف أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصّه بهذا الخطاب، وهذا خطأ من وجوه: أحدها: أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب ألا ينهاه عنه، لكان ما علم أن يفعله وجب ألا يأمره به، وذلك يقتضي ألا يكون النبي مأموراً بشيء، ولا منهيّاً عن شيء، وإنه بالاتفاق باطل. وثانيها: لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطاً بذلك النهي والتحذير، فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافياً للنهي والتحذير. وثالثها: أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذاك في العقل، فيكون الغرض منه التأكيد، ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعدما قرّرها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل، فأي بعد في مثل هذا الغرض هاهنا. ورابعها: قوله تعالى في حق الملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 29] مع أنه - تعالى - أخبر عن عصمتهم في قوله: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [النحل: 50] وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر: 65]. والإجماع على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك، وما مال إليه، وقال{أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ}تفسير : [الأحزاب: 1] وقال: {أية : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}تفسير : [المائدة: 67]، وقوله: {أية : وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ}تفسير : [الأنعام: 14]. فثبت بما قلنا أنه - عليه الصلاة والسلام - مَنْهي عن ذلك وأن غيره أيضاً منهي عنه؛ لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواصّ الرسول عليه الصلاة والسلام. بقي أن يقال: فلم خصه بالنهي دون غيره؟ فنقول فيه وجوه: أحدها: أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان أَوْلَى بالتخصيص. وثانيها: أن مزيد الحبّ يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. وثالها: أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم، فزجره عن أمر بحضرة جماعه أولاده، فإنه يكون منبهاً بذلك على عظم ذلك الفعل إن ارتكبوه، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية. القول الثاني: أن قوله: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [البقرة: 120] ليس المراد منه إن اتبع أهواءهم في كل الأمور، فلعله - عليه الصلاة والسلام - كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم، مثل ترك المُخَاشنة في القول والغِلْظَة في الكلام، طمعاً منه - عليه الصلاة والسلام - في استمالتهم، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك القدر أيضاً، وآيَسَهُ منهم بالكلية على ما قال:{أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74]. القول الثالث: أن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا ان المراد منه غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت [إنساناً أساء عبده إلى عبدك فتقول له: لو فعلت مرة أخرى مثل] هذا الفعل لعاقبتك عليه عقاباً شديداً، فكان الغرض منه زجر العبد. قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ}. إنه - تعالى - لم يرد بذلك أنه نفس العلم، بل المراد الدَّلائل والآيات والمعجزات؛ لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثّر، والغرض من هذا الاستعارة هو المبالغة [والتعظيم في] أمر النبوات والمعجزات بأنه سمّاها باسم العلم، وذلك ينبّهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة، ودلّت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجّهه على غيرهم. [قوله تعالى: { إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إِنّك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم، وظلمهم أنفسهم]. و"إذاً" حرف جواب وجزاء بنص سيبويه، وتنصب المضارع بثلاثة شروط: أن تكون صدراً، وألا يفصل بينها وبين الفعل بغير الظرف والقسم، وألا يكون الفعل حالاً، ودخلت هنا بين اسم "إن" وخبرها لتقرير النسبة بينهما وكان حدها أن تتقدم أو تتأخر، فلم تتقدم، لأنه سبق قسم وشرط والجواب هو للقسم، فلو تقدمت لتوهّم أنها لتقرير النسبة التي بين الشرط والجواب المحذوف، ولم تتأخر لئلا تفوت مناسبة الفواصل رؤوس الآي. قال أبو حيان: وتحرير معنى "إذاً" صعب اضطرب الناس في معناها، وفي فهم كلام سيبويه فيها، وهو أن معناها الجواب والجزاء. قال: والذي تحصل فيها أنها لا تقع ابتداء كلام، بل لا بد أن يسبقها كلام لفظاً أو تقديراً، وما بعدها في اللفظ أو التقدير، وإن كان متسبباً عما قبلها فهي في ذلك على وجهين: أحدهما: أن تدلّ على إنشاء الارتباط والشرط، بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها، مثال ذلك: أزورك فتقول: إذاً أزورك، فإنما تريد الآن أن تجعل فعله شرطاً لفعلك، وإنشاء السببية في ثاني حال من ضرورته أن يكون في الجواب، وبالفعلية في زمان مستقبل، وفي هذا الوجه تكون عاملة، ولعملها شروط مذكورة في النحو. الوجه الثاني: أن تكون مؤكّدة لجواب ارتبط بمقدم، أو منبّهة على مسبب حصل في الحال، وهي في الحالين غير عاملة؛ لأن المؤكدات لا يعتمد عليها والعامل يعتمد عليه، وذلك، نحو: "إن تأتني إِذَاً آتك"، و "والله إِذاً لأفعلن" فلو أسقطت "إِذاً" لفهم الارتباط، ولما كانت في هذا الوجه غير معتمد عليها جاز دخولها على الجملة الاسمية الصريحة نحو: "أزورك" فتقول: "إِذاً أنا أكرمك"، وجاز توسطها نحو: "أنا إِذاً أكرمك" وتأخرها، وإذا تقرر هذا فجاءت "إذاً" في الآية مؤكدة للجواب المرتبط بما تقدم، وإنما قررت معناها هنا؛ لأنها كثيرة الدور في القرآن، فتحمل في كل موضع على ما يناسب من هذا الذي قررناه انتهى كلامه. واعلم أنها إذا تقدمها عاطف جاز إعمالها وإهمالها، وهو الأكثر، وهي مركبة من "همزة وذال ونون"، وقد شبهت العرب نونها بتنوين المنصوب قلبوها في الوقف ألفاً، وكتبوها في الكتاب على ذلك، وهذا نهاية القول فيها. وجاء في هذا المكان "مِنْ بِعْدِ مَا جَاءَكَ" وقال قبل هذا: {أية : بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ}تفسير : [البقرة: 120] وفي "الرعد": {أية : بَعْدَ مَا جَآءَكَ}تفسير : [الرعد: 37] فلم يأت بـ"من" الجارة إلا هنا، واختص موضعاً بـ"الذي"، وموضعين بـ"ما"، فما الحكمة في ذلك؟ والجواب: ما ذكره بعضهم وهو أن "الذي" أخص و "ما" أشد إبهاماً، فحيث أتي بـ"الذي" أشير به إلى العلم بصحّة الدين الذي هو الإسلام المانع من ملّتي اليهود والنصارى، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه؛ لأنه علم بكل أصول الدين، وحيث أتي بلفظ "ما" أشير به إلى العلم [بركنين] من أركان الدين، أحدهما: القبلة، والأخر: بعض الكتاب؛ لأنه أشار إلى قوله: {أية : وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}تفسير : [الرعد: 36]. قال: وأما دخول ":من" ففائدته ظاهرة، وهي بيان أول الوقت الذي وجب عليه - عليه السلام - أن يخالف أهل الكتاب في قبلتهم، والذي يقال في هذا: إنه من باب التنوع من البلاغة.
البقاعي
تفسير : ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوّح إليه هذا الأخير وأعلمه صلى الله عليه وسلم بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه وبينهم أصلاً ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صلى الله عليه وسلم من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا} بناه للمجهول تنبيهاً على هوانهم {الكتاب} أي من اليهود والنصارى {بكل آية} أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغرّبة ومقربة {ما تبعوا قبلتك} أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها قياماً للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس، لأن إعراضهم ليس عن شبهة إذا زالت زال بل عن عناد. ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال: {وما أنت بتابع قبلتهم} ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال: {وما بعضهم} أي أهل الكتاب {بتابع قبلة بعض} مع تقاربهم في النسب، وذلك حثاً للعرب على الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم. ولما كان دينهم قد نسخ أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد هوى فقال منفراً للأمة عنهم ومحذراً لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع {ولئن اتبعت أهواءهم}. ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال: {من بعد ما جاءك من العلم} قال الحرالي: فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه "بعد الذي" لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه "من" التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ذلك الأول، لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل، وهذه في أمر التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب، قال الحرالي: قال تعالى: {إنك إذاً لمن الظالمين} على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحاً من وصف كان من الموصوف به بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها، فما يرفع عنه النبي صلى الله عليه وسلم من باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب المسامحة في التقاصر عنه نظراً منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه، فكان صلى الله عليه وسلم يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ترك ذلك وودعه فيجيبه حكماً وإن كان معه علماً، ومنه قوله: " حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " تفسير : ففي طيّ كل خطاب له يظهر الله عز وجل فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته إياه، فهو ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في أمر رحمته للعالمين، فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع النقمة، فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع الرحمة فيكون أدنى الظلم، أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من نحو قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} أي في إمضاء العدل { أية : فلا تكونن من الممترين } تفسير : [يونس: 94] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض فضله، وكذلك قوله: { أية : عبس وتولى أن جاءه الأعمى } تفسير : [عبس: 1-2] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك، فلا ينصرف عن حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه، فهو محمود بما هو منهي عنه، لأن خطابه أبداً في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل، وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور، فبين الخطابين ما بين درج العلو، ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في العلم - انتهى. وسيأتي في قوله تعالى: { أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم } تفسير : [التوبة: 43] في سورة التوبة ما يوضحه. ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله: {أهواءهم} إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحاً كما فتحه بالإعلام به تصريحاً كرّ على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمراً له على وجه يصلح أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معظماً لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه: {الذين آتيناهم} أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون {الكتاب يعرفونه} أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال علمهم به {كما يعرفون أبناءهم} لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم، لأنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع نعوته معرفة لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته، ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها، ولذلك قال الحرالي: في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر؛ وإنما لم تجز في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين: علم على تشهد الأشياء ببواديها، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كياناً كياناً إلى ظهوره، ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره { أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } تفسير : [البقرة: 89] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه {وإن فريقاً منهم} أي أهل الكتاب {ليكتمون الحق} أي يخفونه ولا يعلنونه. ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال: {وهم يعلمون} أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه، فجعلهم أصنافاً: صنفاً عرفوه فاتبعوه، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه وفريقاً علموه فكتموه؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف: عارف ثابت، وعارف منكر هو أردؤهم، وعالم كاتم لاحق به؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في الكتمان. ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد صلى الله عليه وسلم تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله: {الحق} أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق، أو يكون المعنى: الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات، أو جنس الحق كائن {من ربك} أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه {فلا تكونن من الممترين} فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل انتهى. وفيه زيادة وتغيير، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه. قال الحرالي: والممتري من الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل، من امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلباً، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه. ولما بين أن أحداً من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى: {ولكل} أي لكل فريق من المذكورين وغيرهم {وجهة} أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد {هو موليها} إن كسر اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في آخر الأنفال، فيكون وليّ بمعنى تولّى كقدم بمعنى تقدم، ومن المعلوم الفرق بين تولاه وتولى عنه، وإن فتح فالمعنى: هو ممال إليها. قال الحرالي: وفي قراءة موليها - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وفي قراءة "مولاها" إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء، وأبهم فيه المولى لما كان في طوائف منهم حظ هوى، وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد، أو القصد أي يكون ميالاً بين يديه ملاصقاً له - انتهى. ولما كان فعلهم هذا إنما هو لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل إلا بفعل الخير واجتناب الشر سبب عنه قوله: {فاستبقوا الخيرات} أي فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها وتسابقوا في قصدكم إليها، أي كانوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصماً فهو يجتهد في سبقه، فإن الاستباق تكلف السبق والسبق بروز أحد المتحاربين، ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على وجه التعليل: {أين ما تكونوا} أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية والمعنوية {يأت بكم الله} أي الملك الأعظم {جميعاً} منها إليه في يوم البعث، ثم علل هذه العلة بقوله: {إن الله} أي الذي له الأمر كله {على كل شيء قدير} وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين: قبلة أهل الفضل الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن، والقبلة الأولى، قال الحرالي: من حيث يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام، فيكون موطن الحق والعدل أولى القبلتين بذلك، لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن من دخله كان آمناً، فكان المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في الأول حكماً وعلماً والإتيان الآخر في العقبى قهراً وملكاً. ولما عظم في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق، وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق، كان الحال مقتضياً لمزيد تأكيد لأمرها تعظيماً لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانياً معبراً بعبارة مشعرة بإمامته صلى الله عليه وسلم وانتظار المصلين له، {ومن حيث خرجت} أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من الشرق والغرب والجنوب {فول وجهك شطر} أي عين {المسجد الحرام} وأما قلبك فهو إلى الله ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما عمل لتطلعه صلى الله عليه وسلم إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام عطف عليه قوله: {وإنه للحق من ربك} مؤكداً له بأنواع التأكيد مضيفاً له إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها. ولما كان التقدير: وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس وخيفت عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بغافل عما} أي عن شيء مما {يعملون} أي السفهاء من اليهود وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه، وعلى قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصاً لوجهه وإلا جعله هباء منثوراً. قال الحرالي: ومن التفت بقلبه في صلاته إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة، لأن ذلك حكم حق حقيقته توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل الذي استدبر بوجهه عن شطر قبلته، فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حساً فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيباً، فلذلك أقبل هذا الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا، لأنه هو صلى الله عليه وسلم مبرأ عن مثله - انتهى. {ومن حيث خرجت} أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك {فول وجهك} أي اجعله يلي {شطر} أي عين {المسجد الحرام}. ولما تقرر بما تكرر أن هذا التحويل فرض قي حقه صلى الله عليه وسلم حتم لا فتور عنه ولا رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو باطل فقال: {وحيث ما كنتم} أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية. قال الحرالي: وذكر في أمته بالكون لا بالخروج إشعاراً يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم كحالهم في جولتهم - انتهى. {فولوا وجوهكم} أي اجعلوها والية {شطره} للصلاة. قال الحرالي: وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم، كما قال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت في أهلك، بخلافه هو صلى الله عليه وسلم فإن صلاته لا تقع إلا جمعاً من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام لا تقع صلاته فذا - انتهى. ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام بين سبحانه وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال: {لئلا يكون للناس} أي لأحد منهم {عليكم حجة} بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل، أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا. ولما كانت الحجة كلاماً ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيباً صحيحاً وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو قريب من الاستخدام فقال: {إلا الذين} أي الناس الذين {ظلموا منهم} فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام، ويكون الاستثناء على هذا منقطعاً بمعنى: لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ظلموا يقولون أو يظهرون فجوراً ولدداً في ذلك كلاماً يسمونه حجة، ولعل السر في تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر الله سبحانه وتعالى والإعراض عمن خالفه نظراً إلى ما تأصل من إبطاله واستحضاراً لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب على بعض المحقين حله حتى يظن حجة؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي والظني فيكون الاستثناء متصلاً، قال السفاقسي: ومثار الخلاف هل الحجة الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل - انتهى. ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من الأذى بدلالتها على العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة، و {الذين ظلموا} إن أريد بهم اليهود فهم يقولون: ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده، ولو كان في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه، وإن كان المشركين فهم يقولون: قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم. ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله: {فلا تخشوهم} أي في هذا الأمر ولا غيره، فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم. ولما تبين أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذراً من مخالفته في شيء من الأشياء فقال: {واخشوني} ثم عطف على علة الاستقبال قوله: {ولأتم} أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين ونعيمها الذي من جملته هذا الاستقبال {نعمتي عليكم} بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين حين أنزل عليكم آية { أية : اليوم أكملت لكم دينكم } تفسير : [المائدة: 3] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي وجهتكم إليه. قال الحرالي: وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - انتهى. {ولعلكم تهتدون} أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه القبلة وغيرها من أمر هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة لكل خير ودافعة لكل ضير. قال الحرالي: وفي كلمة {لعل} على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد للثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة، لما ذكر من أن ما هو للخلق تردد فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام لقوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع قوم عن ذلك التمادي بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقسامهم فيه بين ثابت عليه دائم الاهتداء فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده وردة من ارتد - انتهى. {كما} أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل {أرسلنا} أي بعظمتنا {فيكم} لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا يقولون من أنكم لا حرمة لكم لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم النعمة بإرسال من يستنقذكم اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب في الأخرى {رسولاً} متصفاً بأنه {منكم} تعرفون من صفته العلية وهممه الشم الحاملة على اتباعه والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم {يتلوا عليكم آياتنا} الحافظة لمن رعاها حق رعايتها على الصراط المستقيم عوضاً من تناشدكم الأشعار. قال الحرالي: وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها. فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم؛ ثم قال: وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاماً، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على معلمهم ممن سواه صلى الله عليه وسلم. انتهى. ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله: {ويزكيكم} أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال. قال الحرالي: أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات، وذلك زكاؤها ونماؤها، لتتأكد فيه رغبتهم، لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى. {ويعلمكم الكتاب} المقيم للدين والدنيا. قال الحرالي: أي الفقه فيه {والحكمة} دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى. قال الحرالي: فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة "أل" إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون. ثم قال: وبذلك كان صلى الله عليه وسلم يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق الجذام " تفسير : لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات، غاية إدراكهم حصر كليات المعقولات، ومن استجلى أحواله صلى الله عليه وسلم علم اطلاع حسه على إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعاً، لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية؛ ثم قال: فعلى قدر ما وهب الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة، يؤثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما يقولان شيئاً" ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم يعلمهم ما لم يكن في كتابهم مثال علمه. ففيه إشعار بفتح وتجديد فطرة يترقون لها إلى ما لم يكن في كتابهم علمه - انتهى. وذلك لأن استعمال الحكمة موجب للترقي فقال تعالى: {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي من الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة لبصائر الاعتبار.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن السدي في قوله {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يقول: لا اليهود بتابعي قبلة النصارى ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود.
ابو السعود
تفسير : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} وضْعُ الموصولِ موضِعَ المضمرِ للإيذان بكمال سوءِ حالِهم من العناد مع تحقيق ما يُرْغِمُهم منه من الكتاب الناطق بحقِّية ما كابروا في قبوله {بِكُلّ ءايَةٍ} أي حجةٍ قطعيةٍ دالةٍ على حقية التحويل، واللامُ موطئة للقسم، وقولُه تعالى: {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} جوابٌ للقسم المضمَر سادٌ مسدَّ جوابِ الشرط، والمعنى أنهم ما تركوا قبلَتك لشُبهةٍ تُزيلها الحجةُ وإنما خالفوك مكابرةً وعِناداً، وتجريدُ الخطاب للنبـيِّ صلى الله عليه وسلم بعد تعميمِه للأمة لما أن المُحاجةَ والإتيانَ بالآية من الوظائف الخاصة به عليه السلام، وقولُه تعالى: {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} جملةٌ معطوفةٌ على الجملة الشرطية لا على جوابها، مسوقةٌ لقطع أطماعِهم الفارغةِ حيث قالت اليهودُ لو ثبتَّ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبَنا الذي ننتظرُه تغريراً له عليه الصلاة والسلام وطمعاً في رجوعه، وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على دوامِ مضمونِها واستمرارِه، وإفراد قبلتَهم مع تعدُّدِها باعتبار اتحادِها في البُطلان ومخالفةِ الحق، ولئلا يُتوَهّم أن مدارَ النفي هو التعدُّدُ، وقرىء بتابعِ قبلتِهم على الإضافة {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} فإن اليهودَ تستقبلُ الصخرةَ والنصارى مطلِعَ الشمس، ولا يُرجىٰ توافقُهم كما لا يُرجىٰ موافقتُهم لك لتصلُّب كلِّ فريقٍ فيما هو فيه. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم} الزائغةَ المتخالفة {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} ببطلانها وحقّيةِ ما أنت عليه. وهذه الشرطيةُ الفرَضية واردةٌ على منهاج التهيـيج والإلهابِ للثبات على الحق أي ولئن اتبعت أهواءَهم فرضاً {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وفيه لطفٌ للسامعين وتحذيرٌ لهم عن متابعة الهوى فإن مَنْ ليس من شأنه ذلك إذا نُهيَ عنه ورُتِّبَ على فرض وقوعِه ما رُتِّبَ من الانتظام في سِلكِ الراسخين في الظلم فما ظنُّ من ليس كذلك؟ وإذن حرفُ جوابٍ وجزاءٍ توسطت بـين اسمِ إن وخبرِها لتقرير ما بـينهما من النسبة إذ كان حقُها أن تتقدمَ أو تتأخر فلم تتقدمْ لئلا يُتوَهَّم أنها لتقرير النسبةِ التي بـين الشرط وجوابِه المحذوفِ لأن المذكورَ جوابُ القسم ولم تتأخرْ لرعاية الفواصل، ولقد بولغ في التأكيد من وجوهٍ تعظيماً للحق المعلومِ وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوىٰ واستعظاماً لصدورِ الذنبِ من الأنبـياء عليهم السلام.
القشيري
تفسير : سبق لكم من قديم الحكم (...) انفرادٌ بطريق الحق، ووقوع أعدائكم في شق البُعْد، فبينكما برزخٌ لا يبغيان، فما هم بِتَابعي قبلتكم وإنْ أريتهم من الآثار ما هو أظهر من الشموس والأقمار، ولا أنت - بتابعٍ قبلتهم وإن أتَوا بكل احتيال، حُكْماً من الله - سبحانه - بذلك في سابق الأزل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية} برهان قاطع على ان التوجه الى الكعبة هو الحق {ما تبعوا قبلتك} عنادا ومكابرة وهذا فى حق قوم معينين علم الله انهم لا يؤمنون فان منهم من آمن وتبع القبلة {وما انت بتابع قبلتهم} حسم لاطماعهم اذ كانوا تناجوا فى ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ان يكون صاحبنا الذى ننتظره وطمعوا فى رجوعه الى قبلتهم {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} فان اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته فى عناده {ولئن اتبعت اهوائهم} جمع هوى وهو الارادة والمحبة اى ولئن وافقتهم فى مراداتهم بان صليت الى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على ايمانهم {من بعد ما جاءك من العلم} اى من بعد ما علمت بالوحى القاطع ان قبلة الله هى الكعبة {انك اذا} حرف جواب وجزاء توسطت بين اسم ان وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة {لمن الظالمين} اى المرتكبين الظلم الفاحش وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والالهاب للثبات على الحق. وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فان من ليس من شانه ذلك اذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام فى سلك الراسخين فى الظلم فما ظن من ليس كذلك: قال فى المثنوى شعر : تازه كن ايمان نه از كفت زبان اى هوا را تازه كرده در نهان تا هوا تازه است ايمان تازه نيست كين هوا جزقفل آن دروازه نيست
الطوسي
تفسير : الاعراب: اختلف النحويون في أن جواب - لئن - لم كان جواب (لو) فقال الاخفش، ومن تبعه اجيبت بجواب - لو، لان الماضي وليها كما يلي لو فاجيبت بجواب (لو) ودخلت كل واحدة منهما على صاحبتها قال الله تعالى: {أية : ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون}تفسير : فجرى مجرى ولو ارسلنا وقال {أية : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله} تفسير : على جواب لئن. قال سيبويه وجميع اصحابه: ان معنى {لظلوا من بعده يكفرون} ليظلن ومعنى (لئن) غير معنى (لو) في قول الجماعة. وإن قالوا إن الجواب متفق لانهم لا يدفعون أن معنى (لئن) ما يستقبل ومعنى (لو): ما مضى وحقيقة معنى (لو) أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره. كقولك لو أتيتني لأكرمتك أي لم تأتني فلم اكرمك، فامتنع الاكرام، لامتناع الاتيان. ومعنى (إن) (ولئن) انما يقع بهما الشيء لوقوع غيره تقول: إن تأتني أكرمك، فالاكرام يقع بوقوع الاتيان وقال بعضهم: إن كل واحدة منهما على موضعها، وانما لحق في الجواب هذا التداخل، لدلالة اللام على معني القسم، فجاء الجواب بجواب القسم، فاغني عن جواب الجزاء لدلالته عليه، لان معني لظلوا ليظلن وهذا هو معنى قول سيبويه. ويجوز أن تقول: إن أتيتني لم أجفك، ولا يجوز أن تقول: إن اتيتني ما حفوتك، لان (ما) منفصلة (ولم) كجزء من الفعل. ألا ترى أنه يجوز ان تقول: زيداً لم أضرب، ولا يجوز زيداً ما ضربت. وانما يجاب الجزاء بالفعل أو الفاء، فاذا تقدم لام القسم جاز، فقلت لئن أتيتني ما جفوتك. المعنى: فان قيل: كيف قال {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} وقد آمن منهم خلق؟ قلنا عن ذلك جوابان: احدهما - قال الحسن: إن المعنى أن جميعهم لا يؤمن، وهو اختيار الجبائي. والثاني - أن ذلك مخصوص لمن كان معانداً من أهل الكتاب دون جميعهم الذين وصفهم الله، فقال {يعرفونه كما يعرفون ابناءهم} اختاره البلخي والزجاج. وهذه الآية دالة على فساد قول من قال: لا يكون الوعيد بشرط، وعلى فساد قول من قال بالموافاة، وإن من علم الله أنه يؤمن لا يستحق العقاب أصلا، لان الله تعالى علق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى تحصل الشرط تحصل استحقاق العقاب، وفيها دليل على فساد قول من قال: إن الوعيد لا يقع لمن علم أنه لا يعصي، لان الله تعالى علم من حال الرسول أنه لا يتبع اهواءهم ومع هذا يوعده إن اتبع أهواءهم. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن في المقدور لطفاً، لو فعل الله بالكافر لآمن لا محالة، من قبل أنه قيل في قوله {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} قولان: أحدهما - أن المعاند لا ينفعه الدلالة لأنه عارف والآخر أنه لا لطف لهم فتلتمسه ليؤمنوا، وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللطف، لان مخرجه مخرج التنصل من التخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعاً، فلو قال قائل: وما في أن الآية لا ينفعهم في الايمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله إلا بأن يقال: لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدهما - {لئن اتبعت أهواءهم} في المداراة لهم حرصاً على أن يؤمنوا {إنك إذاً لمن الظالمين} لنفسك مع اعلامنا إياك: {أنهم لا يؤمنون}. هذا قول ابي علي الجبائي. الثاني - الدلالة على أن الوعيد يجب باتباع أهوائهم فيما دعوا اليه من قبلتهم، وأنه لا ينفع مع ذلك عمل سلف، لأنه ارتداد. والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به كل من كان بتلك الصفة. كما قال: {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : وهذا قول الحسن، والزجاج. الثالث - ان معناه الدلالة على فساد مذاهبهم، وتبكيتهم بها. كما تقول: لئن قيل عنك أنه لخاسر تريد به التبكيت على فساد رأيه، والتبعيد من قبوله. وقوله: {وما أنت بتابع قبلتهم} قيل في معناه أربعة اقوال: اولها - أنه لما قال: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم} على وجه المقابلة كما تقول: ما هم بتاركي انكار الحق وما أنت بتارك الاعتراف به، فيكون الذي جرّ الكلام التقابل للكلام الاول، وذلك حسن من كلام البلغاء. الثاني - أن يكون المراد أنه ليس يمكنك استصلاحهم باتباع قبلتهم لاختلاف وجهتهم، لان النصارى يتوجهون الى المشرق، واليهود الى بيت المقدس، فبين الله تعالى: أن رضا الفريقين محال. الثالث - أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود إذ كانوا طمعوا في ذلك وظنوا انه يرجع الى الصلاة الى بيت المقدس، وماجوا في ذكره. الرابع - انه لما كان النسخ مجوزاً قبل نزول هذه الآية، فأنزل الله تعالى الآية، ليرتفع ذلك التجوز. وقوله: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والسدي، وابن زيد، والجبائي: أنه لا يصير النصارى كلهم يهوداً، ولا اليهود كلهم يصيرون نصارى أبداً، كما لا يتبع جميعهم الاسلام. وهذا من الاخبار بالغيب. وقال غيرهم: معناه إسقاط الاعتلال بأنه مخالفة لأهل الكتاب الذين ورثوا ذلك عن أنبياء الله بامره إياهم به، فكلما جاز أن يخالف بين وجهتهم للاستصلاح جاز ان يخالف بوجهة ثالثة للاستصلاح في بعض الازمان. وقد بينا حد الظلم فيما تقدم، واعترضنا قول من قال: هو الضرر والقبيح الذي يستحق به الذّم من حيث أن ذلك ينقض بفعل الساهي، والنائم، والطفل، والمجنون - اذا كان بصفة الظلم - فانه يكون قبيحاً وان لم يستحقوا به ذّماً. ومن خالف في ذلك كان الكلام عليه في موضع آخر. على ان المخالف في ذلك ناقض، فانه قال: ان الكذب يقع من الصبي ويكون قبيحاً. وهذا اذا جاز. هلا جاز ان يقع منه الظلم؟ فان قال: لان العقل للانسان البالغ، يزجر الصبي عن ذلك بالتاديب. قلنا مثل ذلك في الظلم سواء.
الجنابذي
تفسير : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} معجزة مقترحةٍ لهم او غير مقترحةٍ {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لأنّهم أصحاب النّفس والنّفس كالشّيطان من فطرتها عدم الانقياد، وطلب الآية ليس الاّ للفرار من الانقياد ولو اتيت بالآية المقترحة لما انقادت واعتذرت بعذر آخر واقترحت آيةً أخرى وهذا قطع لأطماع المؤمنين عن اتّباع أهل الكتاب لهم {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} قطع لأطماعهم عن متابعته (ص) قبلتهم فانّهم قالوا: لو كنت ثابتاً على قبلتنا لكنّا نرجو ان تكون صاحبنا الّذى ننتظره {وَمَا بَعْضُهُم} كالنّصارى بتابعٍ {قِبْلَةَ بَعْضٍ} كاليهود فانّ اليهود كما قيل تستقبل الصّخرة والنّصارى مطلع الشّمس {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} خطابٌ له (ص) والمقصود أمّته (ص) كسابقتها فانّ المؤمنين لرغبتهم فى اسلام اهل الكتاب كانوا يودّون لو كان رسول الله (ص) بقى على قبلتهم حتّى يسلموا {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قطعٌ لاطماع المؤمنين عن بقائه (ص) على قبلتهم واتّباعه (ص) لأهواءهم.
اطفيش
تفسير : {وَلئِنْ أَتَيتَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ}: اليهود والنصارى. {بِكلّ آيةٍ ما تَبعُوا قِبلتَك وما أنتَ بِتابعٍ قِبلَتَهُم وما بعْضُهم بِتابعٍ قِبلةَ بَعْضٍ}: يعنى إذا كانوا لا يؤمنون بقبلتك، ولو أتيتهم بكل آية، فأولى ألا يؤمنوا بها بمجرد رجوعك إلى قبلتهم، فكأنهم أرادوا مخادعته بأن يرجع إلى قبلتهم، وإذا رجع إليها كانوا يصلون إلى الكعبة تارة وإلى بيت المقدس تارة، وكذا هو، إلا لم يكن سبب نزول الآية ذلك، وقيل: إن اليهود قالوا إنا لنرجوأ أن يرجع محمد إلى ديننا، كما صلى إلى قبلتنا فأنزل الله {ولنْ أتيتَ الَّذينَ أوتوا الكتابَ بِكلِّ آية} إلى قوله: {الظالمين} يعنى أنهم مصرون على كفرهم، ويدعونك إليه بطلب ترك الكعبة، وأنت مقيم على الحق، والكعبة لا تدخل فى أهوائهم، وإلا فلا يصح كون سبب النزول ذلك، وكلا القولين تكلف، والواضح ما قيل أنهم قالوا: ائتنا يا محمد بآية على ما تقول، فنزلت هذه الآية، والمراد بالآية فى قوله: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية} الحجة أو البرهان أو المعجزة، وكل من ذلك علامة على ما يقول، وقبلة محمد الكعبة، وقبلة اليهود صخرة بيت المقدس، وقبلة النصارى المشرق أو مشرق الشمس، كما قال القاضى من حيث طلعت فى كل يوم، حيث كانوا، لأن مريم اتخذت مكاناً شرقياً، فليس النصارى واليهود متبعين قبلة رسول الله صلى الله عليهِ وسلم، ولا هو متبع قبلة اليهود أو قبلة النصارى ولا قبلتهما معاً، ولا بعضهم وهو اليهود والنصارى متبع قبلة الآخر، فاليهود لا تثبت قبلة النصارى، والنصارى لا تتبع قبلة اليهود، والآية تتضمن أن ييئس رسول الله أن يؤمنوا وييئسوا أن يتبعهم فى ضلالهم، وأن ييئس بعضهم من بعض لتصلب كل فى دينه. وقوله: {وما أنتَ بِتابعٍ قِبْلَتهم} إخبار كما قبله وبعده، ويجوز أن يكون بمعنى الأمر أى لا تتبع قبلتهم، وتضمنت الآية أن كفرهم عناد ومكابرة، إذ لو كان لشبهة أو طلب الحق لزال بأدنى آية، وما تبعوا جواب القسم المقدر قبل أن بدليل اللام، وجواب أن محذوف دل عليهِ جواب القسم وقيل أغنى جواب القسم عنه، والإضافة فى قبلتهم للجنس الصادق بالقبلتين: قبلة اليهود وقبلة النصارى، وإنما أفردت ولم تئن إشارة إلى اتحادهما فى البطلان وقرئ بتابع قبلتهم بإضافة تابع لقبلتهم. {ولَئن اتّبعتَ أهْواءَهم}: أى ما يهوونه من استقبال بيت المقدس بعد ما حرم الله استقباله فى الصلاة وغير ذلك من الأباطيل، والخطاب للنبى صلى الله عليهِ وسلم على سبيل الفرض والتمثيل، لأنهُ صلى الله عليه وسلم لا يتبع أهواءهم ألبتة، وذلك تنبيه له وتأكيد، والمعنى بهذا الخطاب فى الحقيقة أمته وتقدم الكلام فى ذلك. {مِنْ بَعدِ ما جاءكَ مِنَ العِلْم}: بوجود أمر القبلة، وكون اليهود والنصارى مقيمين على باطل عناداً وغير ذلك من الوحى، والعلم باق على المصدرية، ويجوز كونه بمعنى المعلوم، ودلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم، حيث خصه فى ظاهر اللفظ بالخطاب وحيث قال من بعد ما جاءك من العلم. {إنّك إذاً}: حرف جواب وجزاء، بمعنى أنها دلت على أن الكلام فى قوة جواب سؤال، وأن الكون من الظالمين جزاء على اتباع الأهواء الباطلة لو كان، أو هى إذا الاستقبالية الظرفية، نونت وحذف ألفها للتنوين، وعوض تنوينها عن جملة شرطها، ولا مانع من أن تقول لمن لا يتوهم خروجه إذا خرجت إذا أوجعتك ضربا، فرضت الكلام أنهُ ممكن الخروج أو بصدده للمبالغة والتهديد بالجواب، ولا سيما أن الخطاب فى المعنى لأمته، صلى الله عليه وسلم، أو إذا الماضوية الظرفية، المعوض عن الجملة بعدها التنوين، كأنه فرض أنهُ اتبعهم ليغلظ بالجواب عليه، والمراد غيره، والقرينةُ على أنه لم يتحقق الاتباع إن الشرطية. {لمِنَ الظَّالمين}: لأنفسهم بالمضرة، والكلام مؤكد القسم المحذوف، وباللام المؤذنة به الداخلة على أن، أى والله لئن اتبعت، أو بأن الشرطية الدالة على تعليق كونه من الظالمين لمجرد اتباع جزء من أهوائهم، فإن التعليق تأكيد بحيث لا يجوز أن يتخلف المعلق إذا وجد المعلق إليه، وبالإجمال فى قوله: {ما جاءك} والتفضيل فى قوله: {من العلم} وبأن المشددة وباللام فى خبرها، وبالجملة الاسمية ويجعله من الظالمين بدرجة فيهم، فإن فى درجة فيهم تعظيما لمخالفة الحق، واتباع أهوائهم وإغراء باتباع الحق ومخالفة غيره واستفظاعاً لاندراج بنى فى جملة الظالمين، وبتعريف الظالمين، لأن المعنى من المعروفين فى الظلم، ومن الموسومين، وبإذا الدالة على الربط والجزاء، وجملة {إنك إذاً لمِنَ الظَّالمين} جواب القسم، وجواب إن محذوف أو مستغنى عنه كما مر.
اطفيش
تفسير : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ} التوراة والإنجيل {بِكُلِّ ءَايَةٍ} دليل منقول عن الله، أو حجة عقلية، تنبنى على دين الله، أو مجرد حجة عقلية على صدقك، فى أن الله هو الذى أمرك بالتحويل إلى استقبال الكعبة {مَّا تَبِعُواْ} كلهم، ولو يتبع بعضهم {قِبْلَتَكَ} الكعبة، لأن عنادهم لك فى أمر القبلة وغيره ليس لشبهة، فيتركوه لآية تزيلها، بل عناد وحسد {وَمَآ أَنْتَ بِتَاَبِعٍ قِبْلَتَهُمْ} إخبار منه تعالى، بأنه لا يصدر منه متابعة قبلتهم، وهو مدح وتبشير، وقيل: إخبار بمعنى النهى، أى لا تتبع قبلتهم، أى دم على عدم ابتاعها، صخرة بيت المقدس لليهود، ومطلع الشمس للنصارى، لأن الله هو الذى أمرك بالتحول عن قبلة بيت المقدس، وأما مطلع الشمس فلا وجه لاستقباله، إذ ليس فى التوراة، وإنما الواجب على النصار قبل التحويل إلى الكعبة استقبال بيت المقدس لوجوب اتباع التوراة عليهم إلا ما نسخ الإنجيل منها، وإنما اتخذوه من اتخاذ مريم مكاناً شرقيا، أو من بوليس اليهودى إذ غرهم، وقال: إن الشمس كل يوم تبلغ سلام عيسى إلى الله، وقد أمر عيسى بأن تستقبلوه فى الصلاة، وقد صح أن عيسى يستقبل بيت المقدس، ولذلك أفرد قبلتهم، لأن القبلة بيت المقدس لا المشرق وبه خوطبوا كاليهود، وهذا أنسب بما فى نفس الأمر، وزعم أشياخ النصارى أن المسيح فوض إليه الدين، فما أوجبوه أو حرموه أو أباحوه فهو كذلك، فجعلوا الصلاة للمشرق، لأن فيه أسراراً ليست فى غيره عندهم، ولذا كان مولده شرقاً، أو أفردها مع أنها اثنتان، بيت المقدس ومطلع الشمس لا تحادهما فى البطلان بعد التحويل للكعبة، فأنهما إذ بطلتا قبلة واحدة، فقبلة حق، وهى الكعبة، وقبلة باطل، وهى ماعداها، وهو أنسب لقوله {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} وكذا إن قلنا، أفردها لمشاكلة الأفراد فى قوله {ما تبعوا قبلتك} أو معنى {ما أنت بتابع قبلتهم} أن قبلتك لا تنسخ إلى قبلتهم، كما لا تنسخ إلى غيرها، وفيه قطع طمعهم عن أن يستقبل قبلتهم، كما أنه قطع طمعه فى أن يؤمنوا، ويستقبلوا الكعبة، بقوله، ما تبعوا قبلتك، وهذا أولى من أن يقال، المراد النهى، أى لا تتبع قبلتهم، لأن استعمال الجملة الاسمية فى الطلب ضعيف، وما تقدم أولى من أن يقال، المعنى ما ينبغى لك اتباع قبلتهم وما يحق، وقيل: إن الله لم يأمر اليهود باستقبال بيت المقدس فى التوراة، بل كانوا ينصبون التابوت، ويصلون إليه من حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه من خلفه، ولما رفع صلوا إلى موضعه، وأبقاهم الله على ذلك وصحح بعضهم أنها فى التوراة التى غيروها، ونسخت على كل حال، والصابئون يصلون إلى الكعبة، ولعلهم اختاروهخا بعد نزول القرآن بها، وقبلة السامرية طورهم فى الشام، يعظمونه ويحجون إليه، وهى فى بلدة نابلس قبلة باطلة مبتدعة، والبعض الأول لليهود أو للنصارى، والثانى للآخرين، وفى ذلك بعض تسلية، إذ لم يختص عنادهم به، بل هو شأنهم حتى كان بينهم {وَلَئِنِ اتَبَعْتَ أَهْوَاءَهُمّْ} ما يحبونه مما خالف الحق كالرجوع إلى قبلتهم، وهذا زيادة فى قطع طمعهم فى أن يتبعهم، وإلا فقد تحقق أنه صلى الله عليه وسلم، وتحقق من الله، أن الرسل لا تفعل ذلك، أو الخطاب للمؤمنين على البدلية لا له صلى الله عليه وسلم، ولا سيما مع قوله تعالى {وما أنت بتابع قبلتهم} إلا على معنى، لا ينبغى لك ابتاعها، أولا تتبعها، أو الخطاب له صلى الله عليه وسلم على سبيل الفرض تعريضا بغيره، إذ كان يعاقب لو اتبع، فكيف غيره، وتهييجا على الثبات {مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الوحى، أن القبلة الكعبة أبدا، أو العلم المعلوم {إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم، ولدين الله، ولغيرهم بالبدعة، أكد الله عز وجل باللام، والقسم المقدر قبلها، وإن الفرضية، وإن اللام فى خبرها، والجملة الاسمية، وتعريف الظالمين، وإذا الجزائية فإنها لكونها جوابا وجزاء تفيد المبالغة وإيثار من الظالمين على أنك ظالم، أو الظالم لإفادة أنك معدود فيهم، وزيد من العلماء أبلغ من زيد عالم، وتسمية الاتباع هو بمعنى أنه لا يعضده دليل، والإجمال والتفصيل فى قوله {ما جاءك من العلم} إذ لو قال، ما جاءك العلم لكفى، وجعل الجائى نفس العلم، ووضع الظاهر موضع المضمر، إذ لم يقل لمنهم، أى اليهود والنصارى، إن أريد العهد.
الالوسي
تفسير : {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} عطف على {أية : وإنَّ ٱلَّذِينَ}تفسير : [البقرة: 144] بجامع أن كلاً منهما مؤكد لأمر القبلة ومبين لحقيته والمراد من الموصول الكفار من (أولئك) بدليل الجواب ولذا وضع المظهر موضع المضمر ومن خص ما تقدم بالكفار جعل هذا الوضع للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد مع تحقق ما ينافيه من الكتاب الصادح بحقية ما كابروا في قبوله {بِكُلّ ءايَةٍ} وحجة قطعية دالة على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق واللام موطئة لقسم محذوف {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} جواب القسم ساد مسد جواب الشرط لا جواب الشرط، لما تقرر أن الجواب إذا كان القسم مقدماً للقسم لا للشرط إن لم يكن مانع فكيف إذا كان كترك الفاء هٰهنا فإنها لازمة في الماضي المنفي إذا وقع جزاءاً وهذا تسلية للنبـي صلى الله عليه وسلم عن قبولهم الحق، والمعنى أنهم ما تركوا (قبلتك) لشبهة تدفعها بحجة وإنما خالفوك لمحض العناد وبحت المكابرة، وليس المراد من التعليق بالشرط الإخبار عن عدم متابعتهم على أبلغ وجه وآكده بأن يكون المعنى أنهم لا يتبعونك أصلاً ـ وإن أتيت بكل ـ حجة فاندفع ما قيل: كيف حكم بأنهم لا يتبعون وقد آمن منهم فريق واستغنى عن القول بأن ذلك في قوم مخصوصين أو حكم على الكل دون الأبعاض فإنه تكلف مستغنى عنه وإضافة القبلة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى تعبده باستقبالها. {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} أي لا يكون ذلك منك ومحال أن يكون فالجملة خبرية لفظاً ومعنى سيقت لتأكيد حقية أمر القبلة كل التأكيد وقطع تمني أهل الكتاب فإنهم قالوا: يا محمد عُدْ إلى قبلتنا ونؤمن بك ونتبعك مخادعة منهم لعنهم الله تعالى، وفيها إشارة إلى أن هذه القبلة لا تصير منسوخة أبداً، وقيل: إنها خبرية لفظاً إنشائية معنى ومعناها النهي أي لا تتبع قبلتهم أي داوم على عدم اتباعها، وأفرد القبلة وإن كانت مثناة إذ لليهود قبلة وللنصارى قبلة لأنهما اشتركتا في كونهما باطلتين فصار الاثنان واحداً من حيث البطلان، وحسن ذلك المقابلة لأن قبله {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} وقد يقال: إن الأفراد بناءً على أن قبلة الطائفتين الحقة في الأصل بيت المقدس وعيسى عليه السلام لم يصل جهة الشرق حتى رفع وإنما كانت قبلته قبلة بني إسرائيل اليوم ثم بعد رفعه شرع أشياخ النصارى لهم الاستقبال إلى الشرق واعتذروا بأن المسيح عليه السلام فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء وذكروا لهم أن في الشرق أسراراً ليست في غيره ولهذا كان مولد المسيح شرقاً كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً }تفسير : [مريم: 16] واستقبل المسيح حين صلب بزعمهم الشرق، وقيل: إن بعض رهبانهم قال لهم: إني لقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لي: إن الشمس كوكب أحبه يبلغ سلامي في كل يوم فمُرْ قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم فصدقوا وفعلوا، ويؤيد ذلك أنه ليس في الإنجيل استقبال الشرق، وذهب ابن القيم ((إلى أن قبلة الطائفتين الآن لم تكن قبلة بوحي وتوقيف من الله تعالى بل بمشورة واجتهاد منهم، أما النصارى فاجتهدوا وجعلوا الشرق قبلة وكان عيسى قبل الرفع يصلي إلى الصخرة، وأما اليهود فكانوا يصلون إلى التابوت الذي معهم إذا خرجوا وإذا قدموا بيت المقدس نصبوه إلى الصخرة وصلوا إليه فلما رفع اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى الصلاة إلى موضعه وهو الصخرة وليس في التوراة الأمر بذلك، والسامرة منهم يصلون إلى طورهم بالشام قرب بلدة نابلس))، وهذان القولان إن صحا يشكل عليهما القول بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة فتدبر. ثم إن هذه الجملة أبلغ في النفي من الجملة الأولى من وجوه: كونها اسمية وتكرر فيها الاسم مرتين وتأكد نفيها/ بالباء وفعل ذلك اعتناء بما تقدم. {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أي إن اليهود لا تتبع قبلة النصارى ولا النصارى تتبع قبلة اليهود ما داموا باقين على اليهودية والنصرانية وفي ذلك بيان لتصلبهم في الهوى وعنادهم بأن هذه المخالفة والعناد لا يختص بك بل حالهم فيما بينهم أيضاً كذلك، والجملة عطف على ما تقدم مؤكدة لأمر القبلة ببيان أن إنكارهم ذلك ناشىء عن فرط العناد وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} أي على سبيل الفرض وإلا فلا معنى لاستعمال أن الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقق الانتفاء فيما سبق، والمقصود بهذا الفرض ذكر مثال لاتباع الهوى وذكر قبحه من غير نظر إلى خصوصية المتبع والمتبع. {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي المعلوم الذي أوحي إليك بقرينة إسناد المجىء إليه، والمراد بعد ما بان لك الحق {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي المرتكبين الظلم الفاحش، وهذه الجملة أيضاً تقرير لأمر القبلة وفيها وجوه من التأكيد والمبالغة، وهي القسم، واللام الموطئة له، وإن الفرضية، وأن التحقيقية، واللام في حيزها، وتعريف الظالمين، والجملة الاسمية، وإذاً الجزائية، وإيثار (من الظالمين) على ـ ظالم أو الظالم ـ لإفادته أنه مقرر محقق وأنه معدود في زمرتهم عريق فيهم. وإيقاع ـ الاتباع ـ على ما سماه ـ هوى ـ أي لا يعضده برهان، ولا نزل في شأنه بيان، والإجمال والتفصيل وجعل الجائي نفس (العلم) وعد أيضاً من ذلك عده واحداً من الظالمين مغموراً فيهم غير متعين كتعينهم فيما بين المسلمين، فإن فيه مبالغة عظيمة للإشعار بالانتقال من مرتبة العدل إلى الظلم، ومن مرتبة التعين والسيادة المطلقة إلى السفالة والمجهولية، ولو جعل {كُنتُ} في {أية : كُنتَ عَلَيْهَا }تفسير : [البقرة: 143] بمعنى صرت لكان أعلى كعباً في الإفادة. وأنت تعلم أن التركيب يقتضي المبالغة في الاستعمال لا المجهولية، ولو اقتضاها فيه لكان العد معدوداً في عداد المقبول، وفي هذه المبالغات تعظيم لأمر الحق وتحريض على اقتفائه وتحذير عن متابعة الهوى، واستعظام لصدور الذنب عن الأنبياء وذو المرتبة الرفيعة إلى تجديد الإنذار عليه أحوج حفظاً لمرتبته، وصيانة لمكانته، فلا حاجة إلى القول بأن الخطاب للنبـي والمعني به غيره.
ابن عاشور
تفسير : {ولئن أتيتَ} عطف على قوله: { أية : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون } تفسير : [البقرة: 144]، والمناسبة أنهم يعلمون ولا يعملون فلما أفيد أنهم يعلَمون أنه الحق على الوجه المتقدم في إفادته التعريض بأنهم مكابرون ناسبت أن يحقق نفي الطَّمع في اتِّباعهم القِبْلَة لدفع توهم أن يَطْمع السامع باتباعهم لأنهم يعلمون أحقيتها، فلذا أكدت الجملة الدالة على نفي اتِّباعهم بالقَسَم واللام الموطئة، وبالتعليق على أقصى ما يمكن عادةً. والمراد بالذين أوتوا الكتاب عين المراد من قوله: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون} على ما تقدم فإن ما يفعله أحْبارهم يكون قدوة لعامتهم فإذا لم يتبع أحبارهم قبلة الإسلام فأجْدَرُ بعامتهم أن لا يتبعوها. ووجه الإظهار في مقام الإضمار هنا الإعلان بمذمتهم حتى تكون هذه الجملة صريحة في تناولهم كما هو الشأن في الإظهار في موقع الإضمار أن يكون المقصود منه زيادة العناية والتمكن في الذهن. والمرادُ {بكل آية} آيات متكاثرة والمراد بالآية الحجة والدليل على أن استقبال الكعبة هو قبلة الحنيفِية. وإطلاق لفظ (كل) على الكثرة شائع في كلام العرب قال امرؤ القيس: شعر : فيالكَ من ليللٍ كأنَّ نُجُومَه بكل مُغَار الفَتْل شُدَّت بيذبُل تفسير : وأصله مجاز لجعل الكثير من أفراد شيء مشابهاً لمجموع عموم أفراده، ثم كثر ذلك حتى ساوى الحقيقة فصار معنى من معاني كل لا يحتاج استعماله إلى قرينة ولا إلى اعتبار تشبيه العدد الكثير من أفراد الجنس بعموم جميع أفراده حتى إنه يَرِد فيما لا يتصور فيه عموم أفراد، مثل قوله هنا {بكل آية} فإن الآيات لا يتصور لها عدد يُحاط به، ومثله قوله تعالى: { أية : ثم كلي من كل الثمرات } تفسير : [النحل: 69] وقوله: { أية : إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون } تفسير : [يونس: 96] وقال النابغة: شعر : بها كُلُّ ذُيَّالٍ وخَنْسَاءَ تَرْعَوِى إلى كُلِّ رَجافٍ من الرمل فارد تفسير : وتكرر هذا ثلاث مرات في قول عنترة: شعر : جادت عليه كل بِكْر حُرَّة فتَرَكْنَ كُلَّ قرارةٍ كالدِّرهَم سَحَّاً وتَسْكَاباً فكُلَّ عَشِيَّةٍ يجري إليها الماء لم يتَصَرَّم تفسير : وصاحب «القاموس» قال في مادة كل «وقد جاء استعمال كل بمعنى بَعْضٍ ضدٌّ» فأثبت الخروج عن معنى الإحاطة ولكنه جازف في قوله «بمعنى بعضٍ» وكان الأصوبُ أن يقول بمعنى كَثيرٍ. والمعنى أن إنكارهم أَحَقِّيَّة الكعبة بالاستقبال ليس عن شبهة حتى تُزيله الحجة ولكنه مكابرة وعناد فلا جدوى في إطناب الاحتجاج عليهم. وإضافة قبلة إلى ضمير الرسول لأنها أخص به لكونها قِبلة شرعِه، ولأنه سأَلها بلسان الحال. وإفراد القبلة في قوله: {وما أنت بتابع قبلتهم} مع كونهما قبلتين، إن كان لكل من أهل الكتاب قبلة معينة، وأكثرَ من قِبلة إن لم تكن لهم قبلةٌ معينة وكانوا مخيَّرين في استقبال الجهات، فإفراد لفظ (قبلتهم) على معنى التوزيع لأنه إذا اتَّبع قبلة إحدى الطائفتين كان غير متبع قبلة الطائفة الأخرى. والمقصود من قوله: {ما تبعوا قبلتك} إظهارُ مكابرتهم تأْييساً من إيمانهم، ومِنْ قوله: {وما أنت بتابع قبلتهم} تنزيهُ النبي وتعريضٌ لهم باليأس من رجوع المؤمنين إلى استقبال بيت المقدس، وفي قوله: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} تأنيسٌ لِلنبي بأنَّ هذا دأبهم وشنشنتهم من الخلاف فقديماً خالف بعضهم بعضاً في قبلتهم حتى خالفت النصارى قبلة اليهود مع أن شريعة اليهود هي أصل النصرانية. وجملة: {ولئن اتبعت أهواءهم} معطوفة على جملة: {وما أنت بتابع قبلتهم} وما بينهما اعتراض. وفائدة هذا العطف بعد الإخبار بأنه لا يتبع قبلتهم زيادة تأكيد الأمر باستقبال الكعبة، والتحذير من التهاون في ذلك بحيث يفرض على وجه الاحتمال أنه لو اتبع أهواء أهل الكتاب في ذلك لكان كذا وكذا، ولذلك كان الموقع لإن لأنَّ لها مواقعَ الشك والفرض في وقوع الشرط. وقوله: {من العلم} بيان لما جاءك أي من بعد الذي جاءك والذي هو العلم فجعل ما أنْزِل إليه هو العلم كلَّه على وجه المبالغة. والأهواء جمع هَوى وهو الحُب البليغ بحيث يقتضي طلبَ حصول الشيء المحبوب ولو بحصول ضر لمحصِّله، فلذلك غلب إطلاق الهوى على حُبَ لا يقتضيه الرشد ولا العقل ومن ثَمّ أطلق على العشق، وشاع إطلاق الهوى في القرآن على عقيدة الضلال ومن ثم سَمَّى علماء الإسلام أهلَ العقائد المنحرفة بأهل الأهواء. وقد بولغ في هذا التحذير باشتمال مجموع الشرط والجزاء على عدة مؤكدات أومأ إليها صاحب «الكَشَّاف» وفصَّلها صاحب «الكشف» إلى عشرة وهي: القَسَم المدلول عليه باللام، واللام الموطئة للقسم لأنها تزيد القسم تأكيداً، وحرف التوكيد في جملة الجزاء، ولام الابتداء في خبرها، واسمية الجملة، وجَعْل حرففِ الشرط الحرفَ الدال على الشك وهو (إنْ) المقتضي أن أقل جُزء من اتِّباع أهوائهم كافٍ في الظُّلم، والإتيانُ بإِذَن الدالةِ على الجزائية فإنها أَكَّدَتْ ربطَ الجزاء بالشرط، والإجمالُ ثم التفصيل في قوله: {ما جاءك من العلم} فإنه يدل على الاهتمام والاهتمامُ بالوازع يَؤُول إلى تحقيق العقاب على الارتكاب لانقطاع العذر، وجَعْل ما نزل عليه هو نفس العلم. والتعريفُ في {الظالمين} الدالُّ على أنه يكون من المعهودين بهذا الوصف الذين هو لهم سجية. ولا يخفى أن كل ما يَؤُول إلى تحقيق الربط بين الجزاء والشرط أو تحقيق سببه أو تحقيق حصول الجزاء أو تهويل بعض متعلقاته، كل ذلك يؤكد المقصود من الغرض المسوق لأجله الشرط. والتعبير بالعِلم هنا عن الوحي واليقين الإلٰهي إعلان بتنويه شأن العلم ولَفت لعقول هذه الأمة إليه لما يتكرر من لفظه على أسماعهم. وقوله: {لمن الظالمين} أقوى دلالةً على الانصاف بالظلم من إنك لَظالم كما تقدم عند قوله: { أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } تفسير : [البقرة: 67]. والمراد بالظالمين الظالمون أنفسهم وللظلم مراتِبُ دخلت كلها تحت هذا الوصف والسامع يعلم إرجاع كل ضَرب من ضروب اتباع أهوائهم إلى ضرب من ضروب ظلم النفس حتى ينتهي إلى عقائدهم الضالة فينتهي ظلمهم أنفسهم إلى الكفر الملقي في خالد العذاب. قد يقول قائل إن قريباً من هذه الجملة تقدم عند قوله تعالى: { أية : قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } تفسير : [البقرة: 120] فعبر هنالك باسم الموصول (الذي) وعبر هنا باسم الموصول (مَا)، وقال هنالك «بَعد» وقال هنا «مِنْ بعد»، وجُعل جزاء الشرط هنالك انتفاء ولِيَ ونصيرٍ، وجعل الجزاء هنا أن يكون من الظالمين، وقد أَوْرَد هذا السؤال صاحبُ «دُرَّة التنزيل وغُرَّة التأويل» وحاول إبداء خصوصيات تفرق بين ما اختلفت فيه الآيتان ولم يأت بما يشفي، والذي يرشد إليه كلامه أن نقول إن (الذي) و(مَا) وإن كانا مشتركين في أنهما اسما موصول إلاّ أنهما الأصل في الأسماء الموصولة، ولما كان العلم الذي جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في غرض الآية الأولى هو العلم المتعلق بأصل ملة الإسلام وببطلان ملة اليهود وملة النصارى بعد النسخ، وبإثبات عناد الفريقين في صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وذلك ابتداء من قوله تعالى: { أية : وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه } تفسير : [البقرة: 116] ــــ إلى قوله ــــ { أية : قل إن هدى الله هو الهدى } تفسير : [البقرة: 120]، فلا جرم كان العلم الذي جاء في ذلك هو أصرح العلم وأقدمه، وكان حَقيقاً بأن يعبر عنه باسم الموصول الصريح في التعريف. وأما الآية الثانية التي نحن بصددها فهي متعلقة بإبطال قبلة اليهود والنصارى، لأنها مسبوقة ببيان ذلك ابتداء من قوله: { أية : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } تفسير : [البقرة: 142] وذلك تشريع فرعي فالتحذير الواقع بعدهُ تحذير من اتباع الفريقين في أمر القبلة وذلك ليس له أهمية مثلُ ما للتحذير من اتباع ملتهم بأسرها فلم يكن للعلم الذي جاء النبي في أمر قبلتهم من الأهمية ما للعلم الذي جاءه في بطلان أصول ملتهم، فلذلك جيء في تعريفه باسم الموصول الملحق بالمعارف وهو (ما) لأنها في الأصل نكرة موصوفة نقلت للموصولية. وإنما أدخلت (مِنْ) في هذه الآية الثانية على (بْعد) بقوله: {من بعد ما جاءك من العلم} لأن هذه الآية وقعت بعد الآية الأولى في سورة واحدة وليس بينهما بعيد فَصْلٍ فكان العلم الذي جاءه فيها مِن قوله: {ما تبعوا قبلتك} هو جزئي من عموم العلم الذي جاء في إبطال جميع ملتهم، فكان جديراً بأن يُشار إلى كونه جزئياً له بإيراد (مِن) الابتدائية.
القطان
تفسير : ثم يؤكد تعالى عنادهم وكفرهم بهذه الآية، وتفسيرها: ولئن جئت يا محمد اليهود بكل برهان وحجة بأن الحق هو ما جئت به من فرض تحويل القبلة.. ما صدقوا به ولا اتبعوك، لأن إنكارهم ما كان لشبهة تزيلها الحجة. بل هو عناد ومكابرة، فلا يُجدي معهم برهان ولا تقنعهم حجة. واذا كان اليهود يطمعون في رجوعك الى قبلتهم ويعلقون اسلامهم على ذلك، كما راجعك نفر منهم ـ فقد خاب رجاؤهم ولن تتحول الى قبلتهم. ان اليهود لن يتركوا قبلتهم ويتوجهوا الى المشرق. ولا النصارى تغير قبلتها وتتجه الى المغرب. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم...} ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود فاتبعت قبلتهم من بعدما أوحينا إليك أنهم مقيمون على باطل ـ فإنك اذّاك من الظالمين أنفسهم المخالفين لأمري.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلَئِنْ} {ٱلْكِتَابَ} {آيَةٍ} {ٱلظَّالِمِينَ} (145) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى، بِأَنَّ كُفْرَ اليَهُودِ هُوَ كُفْرُ عِنَادٍ وَمُكَابَرَةٍ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُزيلَهُ الحُجَّةُ والدَّلِيلُ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ لَوْ جَاءَهُمْ بِكُلِّ حُجَّةٍ، وَكُلِّ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهم، لَمَا اتَّبَعُوهُ، وَلَمَا صَدَّقُوهُ، لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا خَالَفُوا الرَّسُولَ عِنَاداً وَمُكَابَرَةً وَحَسَداً، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِم الحُجَّةُ. وَيَقُولُ اللهُ لِنَبِيِّهِ: إِنَّكَ لاَ تَتْبَعُ قِبْلَةَ أَهْلِ الكِتَابِ لأَِنَّكَ عَلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ الذِي يُجِلُّنَهُ، فَهِيَ الأَجْدَرُ بِالاتِّبَاعِ. وَأَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لاَ يَتبَعُ بَعْضهُمْ قِبْلَةَ بَعْضٍ. فُاليَهُودُ لا يَتَّجِهُونَ إِلى الشَّرْقِ، وَالنَّصَارَى لاَ يُغَيِّرُونَ قِبْلَتَهُمْ وَيَتَّجِهُونَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُتَمَسّكٌ بِمَا هُوَ عَلَيهِ، مُحِقّاً كَانَ أَوْ مُبطِلاً، غَيرَ نَاظِرٍ إِلى حُجَّةٍ وَلا إِلى بُرْهَانٍ. وَلَئِنْ وَافَقْتَهُمْ فِيما يُريدُونَ فَصَلَّيتَ إِلى قِبْلَتِهِمْ مُداراةً لَهُمْ، وَحِرْصاً عَلَى أَنْ يَتبَعُوكَ، وَيُؤْمِنُوا بِكَ بَعدَ مَا جَاءَكَ الحَقُّ اليَقِينُ، لَتَكُونَنَّ في جُملةِ الظَّالِمينَ، وَحَاشَاكَ أَنْ تَفْعَل ذلِكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اتباع القبلة مظهر إيماني في الدين، فما دمت آمنت بدينك فاتبع قبلتك .. لا أؤمن بدينك لا أتبع قبلتك. وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ} [البقرة: 145] ساعة تسمع "ولئن" واو ولام وإن .. هذا قسم. فكأن الحق تبارك وتعالى أقسم أنه لو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب بكل آية ما آمنوا بدينه ولا اتبعوا قبلته .. لماذا؟ لأنهم لا يبحثون عن دليل، ولا يريدون الاقتناع بصحة الدين الجديد .. ولو كانوا يريدون دليلاً أو اقتناعاً لوجدوه في كتبهم التي أنبأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه النبي الخاتم وأعطتهم أوصافه .. فكأن الدليل عندهم ولكنهم يأخذون الأمر سفهاً وعناداً ومكابرة. وقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [البقرة: 145] .. فكأنه حين جاءت الآية بتغيير القبلة أعلمنا الله أن المسلمين لن يعودوا مرة أخرى إلى الاتجاه نحو بين المقدس ولن يحولهم الله إلى جهة ثالثة .. ولكن يعلمنا الله سبحانه وتعالى أن اليهود والنصارى سيكونون في جانب ونحن سنكون في جانب آخر .. وأنه ليس هناك التقاء بيننا وبينهم. قال سبحانه: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} [البقرة: 145] .. فالخلاف في القبلة مستمر إلى يوم القيامة. وقول الحق: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] .. حين يخاطب اللهُ سبحانه وتعالى رسوله وحبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الآية .. وهو يعلم أن محمداً الرسول المعصوم لا يمكن أن يتبع أهواءهم .. نقول إن المقصود بهذه الآية هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم. إن الله يخاطب أمته في شخصه قائلاً: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 145] .. ما هي أهواء أهل الكتاب؟ هي أن يهادنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقول إن ما حرفوه في كتبهم أنزله الله .. وهكذا يجعل هوى نفوسهم أمراً متبعاً .. فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفت أمة محمد عليه الصلاة والسلام .. إلى أن كل من يتبع أهواء أهل الكتاب وما حرفوه سيكون من الظالمين مهما كانت درجته من الإيمان .. وإذا كان الله تبارك وتعالى لن يقبل هذا من رسوله وحبيبه فكيف يقبله من أي فرد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ إن الخطاب هنا يمس قمة من قمم الإيمان التي تفسد العقيدة كلها .. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أنه لا يتسامح فيها ولا يقبلها، حتى لو حدثت من رسوله ولو أنها لن تحدث .. ولكن لنعرف أنها مرفوضة تماماً من الله على أي مستوى من مستويات الإيمان حتى في مستوى القمة فتبتعد أمة محمد عن مثل هذا الفعل تماماً.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما قاله السفهاء من اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إِلى الكعبة المعظمة، وأمر رسوله بأن يتوجه في صلاته نحو البيت العتيق، ذكر في هذه الآيات أن أهل الكتاب قد انتهوا في العناد والمكابرة إِلى درجة اليأس من إِسلامهم، فإِنهم ما تركوا قبلتك لشبهة عارضة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك عناداً واستكباراً، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم من جحود وتكذيب أهل الكتاب. اللغَة: {آيَةٍ} الآية: الحجة والعلامة {أَهْوَاءَهُم} جمع هوى مقصور، وهوى النفس: ما تحبه وتميل إليه {ٱلْمُمْتَرِينَ} الامتراء: الشك، امترى في الشيء شك فيه ومنه المراء والمرْية {أية : وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} تفسير : [الحج: 55] أي شك {وِجْهَةٌ} قال الفراء: وِجهة وجِهَة ووجه بمعنى واحد والمراد بها القِبلة {هُوَ مُوَلِّيهَا} أي هو مولّيها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه قال الفراء: أي مستقبلها {فَٱسْتَبِقُواْ} أي بادروا وسارعوا {ٱلْخَيْرَاتِ} الأعمال الصالحة جمع خيْرة {تَخْشَوْهُمْ} تخافوهم والخشية: الخوف. التفسِير: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} أي والله لئن جئت اليهود والنصارى بكل معجزة على صدقك في أمر القبلة ما اتبعوك يا محمد ولا صلّوا إِلى قبلتك {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} أي ولست أنت بمتبع قبلتهم بعد أن حوّلك الله عنها، وهذا لقطع أطماعهم الفارغة حيث قالت اليهود: لو ثبتَّ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره تغريراً له عليه السلام {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أي إِن النصارى لا يتبعون قبلة اليهود، كما أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من العداوة والخلاف الشديد مع أن الكل من بني إِسرائيل {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي ولئن فرض وقدّر أنك سايرتهم على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه بعد وضوح البرهان الذي جاءك بطريق الوحي {إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي تكون ممن ارتكب أفحش الظلم، والكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير وإِلا فحاشاه صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء الكفرة المجرمين، وهو من باب التهييج للثبات على الحق. {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي اليهود والنصارى {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أي يعرفون محمداً معرفة لا امتراء فيها كما يعرف الواحد منهم ولده معرفة يقين {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي وإِن جماعة منهم - وهم رؤساؤهم وأحبارهم - ليخفون الحق ولا يعلنونه ويخفون صفة النبي مع أنه منعوت لديهم بأظهر النعوت {أية : ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} تفسير : [الأعراف: 157] فهم يكتمون أوصافه عن علم وعرفان {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي ما أوحاه الله إِليك يا محمد من أمر القبلة والدين هو الحق فلا تكوننَّ من الشاكّين، والخطاب للرسول والمراد أمته {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} أي لكل أمة من الأمم قبلةٌ هو مولّيها وجهه أي مائل إِليها بوجهه فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إِلى فعل الخيرات {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل بين المحق والمبطل {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإِن تفرقت أجسامكم وأبدانكم {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي من أيّ مكان خرجت إِليه للسفر فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تقدم تفسيره وكرّره لبيان تساوي حكم السفر والحضر {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} هذا أمر ثالث باستقبال الكعبة المشرفة، وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام الشرعية، فدعت الحاجة إِلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإِزالة الشبهة قال تعالى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أي عرّفكم أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود فيقولوا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا فتكون لهم حجة عليكم أو كقول المشركين: يدعى محمد ملة إِبراهيم ويخالف قبلته {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي} أي إِلا الظلمة المعاندين الذين لا يقبلون أيّ تعليل فلا تخافوهم وخافوني {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي أتمّ فضلي عليكم بالهداية إِلى قبلة أبيكم إبراهيم والتوفيق لسعادة الدارين. البَلاَغَة: 1- وضع اسم الموصول موضع الضمير في قوله {أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} للإِيذان بكمال سوء حالهم من العناد. 2- {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم} هذا من باب التهييج والإِلهاب للثبات على الحق. 3- {وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} هذه الجملة أبلغ في النفي من قوله {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لأنها جملة اسمية أولاً ولتأكيد نفيها بالباء ثانياً ذكره صاحب الفتوحات الإِلهية. 4- {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فيه تشبيه "مرسل مفصل" أي يعرفون محمداً معرفةً واضحة كمعرفة أبنائهم الذين من أصلابهم. الفوَائِد: الأولى: روي أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمداً كما تعرف ولدك؟ قال وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته ولست أشك فيه أنه نبيٌّ، وأما ولدي فلا أدري ما كان من أمه فلعلها خانت، فقبّل عمر رأسه. الثانية: توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم، ولهذا زاد الله في ذم أهل الكتاب بقوله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فإِنه ليس المرتكب ذنباً عن جهلٍ كمن يرتكبه عن علم. الثالثة: تكرر الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات قال القرطبي: والحكمة في هذا التكرار أن الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو ببقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان النبي صلى الله عليه وسلم من كمال حرصه على هداية الخلق يبذل لهم غاية ما يقدر عليه من النصيحة، ويتلطف بهدايتهم، ويحزن إذا لم ينقادوا لأمر الله، فكان من الكفار، من تمرد عن أمر الله، واستكبر على رسل الله، وترك الهدى، عمدا وعدوانا، فمنهم: اليهود والنصارى، أهل الكتاب الأول، الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم عن يقين، لا عن جهل، فلهذا أخبره الله تعالى أنك لو { أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } أي: بكل برهان ودليل يوضح قولك ويبين ما تدعو إليه، { مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } أي: ما تبعوك، لأن اتباع القبلة، دليل على اتباعه، ولأن السبب هو شأن القبلة، وإنما كان الأمر كذلك، لأنهم معاندون، عرفوا الحق وتركوه، فالآيات إنما تفيد وينتفع بها من يتطلب الحق، وهو مشتبه عليه، فتوضح له الآيات البينات، وأما من جزم بعدم اتباع الحق، فلا حيلة فيه. وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم، حاصل، وبعضهم، غير تابع قبلة بعض، فليس بغريب منهم مع ذلك أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد، وهم الأعداء حقيقة الحسدة، وقوله: { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } أبلغ من قوله: "وَلا تَتَّبِعْ "لأن ذلك يتضمن أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بمخالفتهم، فلا يمكن وقوع ذلك منه، ولم يقل: "ولو أتوا بكل آية "لأنهم لا دليل لهم على قولهم. وكذلك إذا تبين الحق بأدلته اليقينية، لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه، لأنها لا حد لها، ولأنه يعلم بطلانها، للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح، فهو باطل، فيكون حل الشبه من باب التبرع. { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } إنما قال: "أهواءهم "ولم يقل "دينهم "لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } . تفسير : { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } بأنك على الحق، وهم على الباطل، { إِنَّكَ إِذًا } أي: إن اتبعتهم، فهذا احتراز، لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها، ولو في الأفهام، { لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي: داخل فيهم، ومندرج في جملتهم، وأي ظلم أعظم، من ظلم، من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق، وهذا، وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم، فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضا، فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالما مع علو مرتبته، وكثرة حسناته فغيره من باب أولى وأحرى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):