٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
146
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } وإن كان عاماً بحسب اللفظ لكنه مختص بالعلماء منهم، والدليل عليه أنه تعالى وصفهم بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والجمع العظيم الذي علموا شيئاً استحال عليهم الاتفاق على كتمانه في العادة، ألا ترى أن واحداً لو دخل البلد وسأل عن الجامع لم يجز أن لا يلقاه أحد إلا بالكذب والكتمان، بل إنما يجوز ذلك على الجمع القليل، والله أعلم. المسألة الثانية: الضمير في قوله: {يَعْرِفُونَهُ } إلى ماذا يرجع؟ ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: أنه عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بإبني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه، وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام وعلى هذا القول أسئلة. السؤال الأول: أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة. الجواب: أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن اتباع اليهود والنصارى بقوله: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 145] أخبر المؤمنين بحاله عليه الصلاة والسلام في هذه الآية فقال: اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمداً وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم. السؤال الثاني: هذه الآية نظيرها قوله تعالى: {أية : يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ } تفسير : [الأعراف: 157] وقال: {أية : وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } تفسير : [الصف: 6] إلا أنا نقول من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل إما أن يكون قد أتى مشتملاً على التفصيل التام، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخلقة والنسب والقبيلة أو هذا الوصف ما أتى مع هذا النوع من التفصيل فإن كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين من البلد المعين من القبلة المعينة على الصفة المعينة معلوماً لأهل المشرق والمغرب لأن التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب، ولو كان الأمر كذلك لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. وأما القسم الثاني: فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لأنا نقول: هب أن التوراة اشتملت على أن رجلاً من العرب سيكون نبياً إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهياً في التفصيل إلى حد اليقين، لم يلزم من الاعتراف به الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب: عن هذا الإشكال إنما يتوجه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه ونحن لا نقول به بل نقول أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً صادقاً فهذا برهان والبرهان يفيد اليقين، فلا جرم كان العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأظهر من العلم بنبوة الأبناء وأبوة الآباء. السؤال الثالث: فعلى هذا الوجه الذي قررتموه كان العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علماً برهانياً غير محتمل للغلط، أما العلم بأن هذا ابني فذلك ليس علماً يقينياً بل ظن ومحتمل للغلط، فلم شبه اليقين بالظن؟ والجواب: ليس المراد أن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يشبه العلم بنبوة الأبناء، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره، فكذا ههنا وعند هذا يستقيم التشبيه لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري وتشبيه النظري بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. السؤال الرابع: لم خص الأبناء الذكور؟ الجواب: لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق. القول الثاني: الضمير في قوله: {يَعْرِفُونَهُ } راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. واعلم أن القول الأول أولى من وجوه. أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله: {أية : مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [البقرة: 145] والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. وثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد عليه السلام، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. أما قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فاعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام وأتباعه، ومنهم من بقي على كفره، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره، لا جرم قال الله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فوصف البعض بذلك، ودل بقوله: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } على سبيل الذم، على أن كتمان الحق في الدين محظور إذا أمكن إظهاره، واختلفوا في المكتوم فقيل: أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: أمر القبلة وقد استقصينا في هذه المسألة. أما قوله: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون (الحق) خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق، وقوله: {مِن رَبّكَ } يجوز أن يكون خبراً بغير خبر، وأن يكون حالاً، ويجوز أيضاً أن يكون مبتدأ خبره: {مِن رَبّكَ } وقرأ علي رضي الله عنه: (الحق من ربك) على الإبدال من الأول، أي يكتمون الحق من ربك. المسألة الثانية: الألف واللام في قوله: {ٱلْحَقّ } فيه وجهان: الأول: أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الحق الذي في قوله: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن يكون للجنس على معنى: الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. أما قوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } في ماذا اختلفوا فيه على أقوال. أحدها: فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم عاند وكتم، قاله الحسن. وثانيها: بل يرجع إلى أمر القبلة. وثالثها: إلى صحة نبوته وشرعه، وهذا هو الأقرب لأن أقرب المذكورات إليه قوله: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة، فقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } وجب أن يكون راجعاً إليه. المسألة الثانية: أنه تعالى وإن نهاه عن الامتراء فلا يدل ذلك على أنه كان شاكاً فيه، وقد تقدم القول في بيان هذه المسألة والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} «الذين» في موضع رفع بالابتداء والخبر «يعرفونه». ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة لـ «ـلظالمين»، و «يَعْرِفُونَ» في موضع الحال؛ أي يعرفون نبوّته وصدق رسالته؛ والضمير عائد على محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وقيل: «يعرفون» تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق؛ قاله ٱبن عباس وٱبن جريج والربيع وقتادة أيضاً. وخص الأبناء في المعرفة بالذِّكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمرّ عليه من زمنه بُرْهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمرّ عليه وقت لا يعرف فيه ٱبنه. ورُوِيَ أنّ عمر قال لعبد اللَّه بن سَلاَم: أتعرف محمداً صلى الله عليه وسلم كما تعرف ٱبنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أَمِينه في سمائه إلى أَمِينه في أرضه بنعته فعرفتُه، وٱبني لا أدري ما كان من أُمّه. قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم؛ قاله مجاهد وقتادة وخُصيف. وقيل: استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفاً. قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ظاهر في صحة الكفر عناداً؛ ومثله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ}تفسير : [النمل: 14] وقوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}تفسير : [البقرة: 89].
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يعني علماءهم {يَعْرِفُونَهُ} الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه. وقيل للعلم، أو القرآن، أو التحويل {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ} يشهد للأول: أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم. عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولم، قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته قد خانت. {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب، يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير:«حديث : ابنك هذا»تفسير : ؟ قال: نعم يا رسول الله أشهد به، قال: «حديث : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه»تفسير : قال القرطبي: ويروى عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمداً كما تعرف ولدك؟ قال نعم، وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته، فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه (قلت): وقد يكون المراد {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ} من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد، ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، ثم ثبت تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُ } أي محمداً {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } بنعته في كتبهم قال ابن سلام: (لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد أشدّ) {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ } نعته {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } هذا الذي أنت عليه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} يعني اليهود والنصارى، أوتوا التوراة، والإنجيل. {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنآءَهُمُ} فيه قولان: أحدهما: يعرفون أن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة حق كما يعرفون أبناءهم. والثاني: يعرفون الرسول وصدق رسالته كما يعرفون أبناءهم. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} يعني علماءَهم وخواصَّهمْ. {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} فيه قولان: أحدهما: أن الحق هو استقبال الكعبة. والثاني: أن الحق محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول مجاهد وقتادة. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعلمون أنه حق متبوع. والثاني: يعلمون ما عليه من العقاب المستحق. {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يعني استقبال الكعبة، لا ما أخبرتك به شهود من قبلتهم. {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي من الشاكِّين يقال: امترى فلان في كذا إذا اعترضه اليقين مَرَّةً، والشك أخرى، فدافع أحدهما بالآخر. فإن قيل: أفكان شاكّاً حين نهى عنه؟ قيل: هذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم فالمراد به غيره من أمته.
ابن عطية
تفسير : {الذين} في موضع رفع بالابتداء، والخبر {يعرفونه}، ويصح أن يكون في موضع خفض نعتاً للظالمين و {يعرفونه} في موضع الحال. وخص الأبناء دون الأنفس وهي ألصق، لأن الإنسان يمر عليه من زنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه، والمراد هنا معرفة الوجه وميزه لا معرفة حقيقة النسب، ولعبد الله بن سلام رضي الله عنه في هذا الموضع كلام معترض يأتي موضعه إن شاء الله، والضمير في {يعرفونه} عائد على الحق في القبلة والتحول بأمر الله إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج والربيع، وقال قتادة أيضاً ومجاهد وغيرهما: هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، أي يعرفون صدقه ونبوته، والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم، والإشارة بالحق إلى ما تقدم من الخلاف في ضمير {يعرفونه}، فعم الحق مبالغة في ذمهم، و {هم يعلمون} ظاهر في صحة الكفر عناداً. وقوله تعالى: {الحق من ربك}، {الحقُّ} رفع على إضمار الابتداء والتقدير هو الحق، ويصح أن يكون ابتداء والخبر مقدر بعده، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه {الحقَّ} بالنصب، على أن العامل فيه {يعلمون}، ويصح نصبه على تقدير: الزم الحق. وقوله تعالى: {فلا تكونن من الممترين}، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وامترى في الشيء إذا شك فيه، ومنه المراء لأن هذا يشك في قول هذا، وأنشد الطبري - شاهداً على أن الممترين الشاكون- قول الأعشى: [المتقارب] شعر : تدر على اسؤق الممترين ركضاً إذا ما السراب ارجحن تفسير : ووهم في ذلك لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزاً لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، فليس في البيت معنى من الشك كما قال الطبري. وقوله تعالى: {ولكل وجهة} الآية، الوجهة: فعلة من المواجهة كالقبلة، وقوله: {هو} عائد على اللفظ المفرد في {كل}، والمراد به الجماعات. المعنى: لكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله الربيع وعطاء وابن عباس، وقرأ ابن عباس وابن عامر وحده من السبعة {هو مولاها}، وقالت طائفة: الضمير في {هو} عائد على الله تعالى، والمعنى: الله موليها إياهم، وقالت فرقة: المعنى في الآية أن للكل ديناً وشرعاً وهو دين الله وملة محمد وهو موليها إياهم اتبعها من اتبعها وتركها من تركها، وقال قتادة: المراد بالآية أن الصلاة إلى الشام ثم الصلاة إلى الكعبة لكل واحدة منهما وجهة الله موليها إياهم، وحكى الطبري أن قوماً قرؤوا {ولكل وجهة} بإضافة كل إلى وجهة، وخطأها الطبري. قال القاضي أبو محمد: وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم من هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع، وقدم قوله: {لكل وجهة} على الأمر في قوله: {فاستبقوا} للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمروا الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنه وسلمت الواو في وجهة ولم تجر كعدة وزنة لأن {وجهة} ظرف وتلك مصادر فسلمت للفرق، وأيضاً فليكمل بناء الهيئة كالجلسة، قال أبو علي: ذهب قوم أنه مصدر شذ عن القياس فسلم، ومال قوم إلى أنه اسم ليس بمصدر. قال غير أبي علي: وإذا أردت المصدر قلت جهة. قال القاضي أبو محمد: وقد يقال الجهة في الظرف، وحكى الطبري عن منصور أنه قال: نحن نقرؤها "ولكلٍّ جعلنا قبلة يرضونها". ثم أمر تعالى عباده باستباق الخيرات والبدار إلى سبيل النجاة، ثم وعظهم بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيداً وتحذيراً. وقوله: {يأتِ بكم الله جميعاً} يعني به البعث من القبور، ثم اتصف الله تعالى بالقدرة على كل شيء مقدور عليه لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإتيان بهم. وقوله تعالى: {ومن حيث خرجت}، معناه حيث كنت وأنّى توجهت من مشارق الأرض ومغاربها، ثم تكررت هذه الآية تأكيداً من الله تعالى، لأن موقع التحويل كان صعباً في نفوسهم جداً فأكد الأمر ليرى الناس التهمم به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} اليهود والنصارى. {يَعرِفُونَهُ} يعرفون التحويل، أو يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة {فَرِيقاً} علماءهم وخواصهم. {الحَقَّ} استقبال الكعبة، أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} يعني علماء اليهود والنصارى وقيل: أراد به مؤمني أهل الكتاب كعبدالله بن سلام وأصحابه {يعرفونه} أي يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم معرفة جلية بالوصف المعين الذي يجدونه عندهم {كما يعرفون أبناءهم} أي لا يشكون فيه ولا تشتبه عليهم كما لا يشتبه عليهم أبناؤهم من أبناء غيرهم، روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعبدالله بن سلام: إن الله أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبدالله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني فقال عمر وكيف ذلك فقال: أشهد أنه رسول الله حق من الله وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقبل عمر رأس عبدالله وقال: وفقك الله با ابن سلام فقد صدقت. وقيل: الضمير في يعرفونه يعود إلى أمر القبلة والمعنى أن علماء اليهود والنصارى يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك كما يعرفون أبناءهم لا يشكون في ذلك {وإن فريقاً منهم} أي من علماء أهل الكتاب {ليكتمون الحق} يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل أمر القبلة {وهم يعلمون} يعني أن كتمان الحق معصية. وقيل يعلمون أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل وهم مع ذلك يكتمونه {الحق} أي الذي يكتمونه هو الحق {من ربك فلا تكونن من الممترين} أي من الشاكين في أن الذين تقدم ذكرهم، علموا صحة نبوتك وقيل: يرجع إلى أمر القبلة والمعنى أن بعضهم عاند وكتم الحق فلا تشك في ذلك. فإن قلت: النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتر ولم يشك فما معنى هذا النهي؟. قلت: هذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد غيره والمعنى فلا تشكوا أنتم أيها المؤمنون وقد تقدم نظير هذا. قوله عز وجل: {ولكل وجهة} أي ولكل أهل ملة قبلة، والوجهة اسم للمتوجه إليه. وقيل الوجهة الهيئة والحالة في التوجه إلى القبلة، وقيل في قوله: {ولكل وجهة} إن المراد به جميع المؤمنين، أي ولكل أهل جهة من الآفاق وجهة من الكعبة يصلون إليها. وقيل: المراد بالوجهة المنهاج والشرع والمعنى ولكل قوم شريعة وطريقة لأن الشرائع مصالح للعباد فلهذا اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الزمان والأشخاص {هو موليها} أي مستقبلها والمعنى أن لكل أهل ملة وجهة وجهة هو مول وجهه إليها، وقيل: متوليها أي مختارها وقيل: إن هو عائد على اسم الله تعالى، والمعنى إن الله موليها إياه، وقرئ مولاّها أي مصروف إليها {فاستبقوا الخيرات} أي بادروا بالطاعات وقبول الأوامر وفيه حث على المبادرة إلى الأولوية والأفضلية. فعلى هذا تكون الآية دليلاً لمذهب الشافعي في أن الصلاة أول الوقت أفضل لقوله: فاستبقوا الخيرات لأن ظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق الوجوب فلا أقل من الندب {أينما تكونوا} يعني أنتم وأهل الكتاب {يأت بكم الله جميعاً} يعني يوم القيامة فهو وعد لأهل الطاعة بالثواب ووعيد لأهل المعصية بالعقاب {إن الله على كل شيء قدير} أي على الإعادة بعد الموت والإثابة لأهل الطاعة والعقاب لمستحق العقوبة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ...}. أي يميزونه بصفاته من حيث كونه رسولا. (كما يعرفون) أبناءهم (من حيث كونهم أبْنَاءهم، أو يكون من تشبيه المركب بالمفرد، أي يعلمونه بصفاته من حيث كونه رسولا كما يعرفون أبناءهم) بالإطلاق لا من حيث النسبة كما قال عبد الله بن سلام: إنه لا يتحقق أن ابنه المنسوب إليه ابنه حقيقة، ويتحقق رسالته صلى الله عليه وسلم علما يقينيا. قال ابن عطية: لم شبّه معرفتهم له بمعرفتهم أبناءهم ولم يشبهها بمعرفتهم أنفسهم؟ وأجاب بأن الإنسان يتقدم له زمن لا يعرف فيه حال نفسه وهو زمن الصغر بخلاف ولده فإنه يشاهده من صغره إلى كبره. قال ابن عرفة: ويحتمل عندي أن يجاب بأن ذلك التشبيه للمشاكلة لأن الكتاب منفصل عنهم فشبه بما هو منفصل عنهم وهو الولد بخلاف أنفسهم. قوله تعالى: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وباقيهم إما يقرون بالحقّ، أو يكتمون الحق وهم يجلهون. وهذا دليل على أن كفر الأولين عناد. قلت: تقدم لنا في الختمة الأخرى عن الشيخ الإمام ابن عرفة وهو أن آخر الآية مناقض لأولها لأن قوله {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ} دليل على أن جميعهم يعلمونه. وقوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ...}. دليل على أن بعضهم يجهلونه. فإن قلت: إنما مقتضاه أن باقيهم يعلمون الحق ويظهرونه؟ قلنا: لا يصح لوجهين: الأول: أن الضمير المجرور في قوله {مِّنْهُم} عائد على {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} وقد قالوا: إن {ٱلَّذِينَ} بدل من {الظالمين}، فإذا كان كذلك بطل أن يكون بعضهم عالمين به ومظهرين له إذ لا يسمى فاعل ذلك ظالما. - الثاني: {إِنَّ فَرِيقاً} إنما يطلق على القليل من الجماعة ولا يقال للنصف (فريقا)(فيلزم) أن يكون أكثرهم مظهرين للحق، وذلك مخالف لسياق الآية لأنها إنما سيقت لذمهم. وأجاب ابن / عرفة عن الإشكال باحتمال كون فيهم مِن علِم وتحقق ولم تعرض له شبهة توجب له الريبة والشك في علمه فهؤلاء هم الّذين قيل فيهم {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. ومنهم من علم وعرضت له شبهة توجب التردد في علمه فهؤلاء هم المسكوت عنهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ...} الآية: الضمير في يعرفونه عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قال ابن عبَّاس وغيره، وقال مجاهدٌ وغيره: هو عائدٌ على محمَّد صلى الله عليه وسلم، أي: يعرفون صدْقَه ونبوَّته. * ت *: بل وصفاتِهِ. {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ }: الفريقُ: الجماعةُ، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير {يَعْرِفُونَهُ} {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ظاهرٌ في صحَّة الكفر عناداً. وقوله تعالى: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ }، أي: هو الحق، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ }: الخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ أمَّته، وٱمْتَرَىٰ في الشيء، إِذا شك فيه؛ ومنه: المراءُ، لأن هذا يشك في قول هذا.
ابن عادل
تفسير : في "الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ": ستة أوجه: أظهرها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: "يعرفونه". الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين آتيناهم. الثالث: النصب بإضمار "أعني". الرابع: الجر على البدل من "الظَّالمين". الخامس: على الصفة للظالمين. السادس: النصب على البدل من {الَّذين أوتوا الكتاب} في الآية قبلها. قوله تعالى: "يَعْرِفُونَهُ" فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر لـ "الذين آتيناهم" كما تقدم في أحد الأوجه المذكورة في "الَّذِيْنَ آتيناهم". الثاني: أنه نصب على الحال على بقية الأقوال المذكورة. وفي صاحب الحال وجهان: أحدهما: المفعول الأول لــ"آتيناهم". والثاني: المفعول الثاني وهو الكتاب؛ لأن في "يعرفونه" ضميرين يعودان عليهما، والضمير في "يعرفونه" فيه أقوال: أحدها: أنه يعود على "الحق" الذي هو التحول، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنهما - وقتادة والربيع وابن زيد. الثاني: على النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظّم؛ أي: يعرفونه معرفة جليّة كما يعرفون أبناءهم لا تشتبه أبناؤهم وأبناء غيرهم. روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سأل عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبَّل عمر رأسه. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر؛ لأن الكلام يدل عليه، ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام. قالوا: وهذا القول أولى من وجوه: أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله: {أية : مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [البقرة: 145]. والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. وثانيها: أن الله - تعالى - ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القِبْلة مذكور في التوراة والإنجيل، واخبر فيه ان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوّة أَوْلى. وثالثها: أن المعجزات لا تدلّ أوّل دلالتها إلا على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظّم، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وعلى هذا القول أسئلة. السؤال الأول: أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من امر القبلة. والجواب: أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - عن اتْباع اليهود والنصارى بقوله تعالى: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 145] أخبر المؤمنين بحاله - صلوات الله وسلامه عليه - في هذه الآية فقال: اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمداً، وما جاء به وصدقه ودعوته وقِبْلَتَه لا يشكّون فيه كما لا يشكون في أبنائهم. السؤال الثاني: هذه الآية نظيرها قوله تعالى: {أية : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157] وقال: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف: 6] إلا أنّا نقول: من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل: إما أن يكون قد أتى مشتملاً على التفصيل التام، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخِلْقة والنَّسَب والقبيلة، أو هذا الوصف ما أتى من هذا النوع من التفصيل، فإن كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين، من البلد المعين، من القبيلة المعينة على الصفة المعينة معلوماً لأهل المشرق والمغرب؛ لأن التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب، ولو كان الأمر كذلك لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. وأما القسم الثاني: فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنا نقول: هَبْ أن التوراة اشتملت على أن رجلاً من العرب سيكون نبيّاً إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهياً في التفصيل إلى حَدّ اليقين، لم يلزم من الاعتراف به الاعتراف بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب: أن هذا الإشكال إنما يتوجّه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه، ونحن لا نقول به، بل نقول: إنه ادّعى النبوة، وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً صادقاً، فهذا برهان، والبرهان يفيد اليقين، فلا جرم كان العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أقوى وأظهر من العلم ببنوّة الأبناء، وأبوة الآباء. السؤال الثالث: فعلى هذا الوجه الذي قرّرتموه كان العلم بنبوة محمد - صلوات الله وسلامه عليه - علماً برهانياً، غير محتمل للغَلَطِ. أما العلم بأن هذا ابْني فذلك ليس علماً يقينياً، بل ظن ومحتمل للغلط، فلم شبه اليقين بالظن؟ والجواب: ليس المراد أن العلم بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشبه العلم ببنوّة الأبناء، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم، فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره فكذا هاهنا، وعند هذا يستقيم التشبيه، لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري، وتشبيه النظري بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. السؤال الرابع: لم خص الأبناء بالذكر دون البنات. الجواب: لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم بصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. والضمير في "يَعْرِفُونَه" يعود على القرآن الكريم. وقيل: على العلم. وقيل: على البيت الحرام. [ويعود الضمير إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ومجد وبجل وعظم. وهو رأي الزمخشري، واختاره الزَّجاج وغيره، وقال أبو حيان: هذا من باب الالتفات من الخطاب في قوله: "فَوَلِّ وَجْهَكَ" إلى الغيبة]. قوله: "كَمَا يَعْرِفُونَ" "الكاف" في محل نصب إما على كونها نَعْتاً لمصدر محذوف أي: معرفة كائنة مثل معرفتهم أبناءهم، أو في موضع نصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المعرفة المحذوف، التقدير: يعرفونه معرفة مُمَاثلة لعرفانهم، وهذا مذهب سيبويه وتقدم تحقيق هذا. و"ما" مصدرية لأنه ينسبك منها ومما بعدها مصدر كما تقدم تحقيقه. قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة: 146]. اعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول، فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام وأتباعه، ومنهم من بقي على كفره، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره، لا جرم قال الله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فوصف البعض بذلك، ودلّ بقوله]: "لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ" على سبيل الذَّم، على أنّ كتمان الحقّ في الدين محظور إذا أمكن إظهاره، واختلفوا في المَكْتُوم، فقيل: أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل: أمر القبلة كما تقدم. قوله تعالى: "وَهُمْ يَعْلَمُونَ" جملة اسمية في محلّ نصب على الحال من فاعل "يكتمون"، والأقرب فيها أن تكون حالاً مؤكدة؛ لأن لفظ "يَكْتُمون الحَقّ" يدل على علمه، إذ الكتم إخفاء ما يعلم وقيل: متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي: وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق، فتكون إذ ذاك حالاً مبينة، وهذا ظاهر في أن كفرهم كان عِنَاداً، ومثله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}تفسير : [النمل: 14]. قوله تعالى: "الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ" فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور بعده، وفي الألف واللام حينئذ وجهان: أحدهما: أن تكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه الرسول - عليه السلام - أو إلى الحق الذي في قوله: "يَكْتُمُونَ الْحَقَّ" أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق من ربك، والضمير يعود على الحق المكتوم أي: ما كتموه هو الحق. الثالث: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: الحق من ربك يعرفونه، والجار والمجرور على هَذَين القولين في محلّ نصب على الحال من "الحَقّ"، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر في الوجه الثاني. وقرأ علي بن أبي طالب: "الحقَّ مِنْ رَبِّك" نصباً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على البدل من الحق المكتوم، قاله الزمخشري. الثاني: أن يكون منصوباً بإضمار "الذم"، ويدل عليه الخطاب بعده في قوله: "فَلاَ تَكُونَنَّ". الثالث: أنه يكون منصوباً بـ"يعلمون" قبله، وذكر هذين الوجهين ابن عطية، وعلى هذا الوجه الأخير يكون مما وقع فيه الظاهر موضع المضمر، أي: وهم يعلمونه كائناً من ربك، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل نحو: [الخفيف] شعر : 837 - لاَ أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ ............................... تفسير : والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن نفس الصفة، فلذلك جاء التنزيل عليه: نحو {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}{أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأنعام: 35] دُونَ: لا تمتر ولا تجهل ونحوه وتقرير ذلك أن قوله: "لا تكن ظالماً" نهي عن الكون بهذه الصفة، والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن تلك الصفة؛ إذ النهي عن الكون على صفة يدلّ على عموم الأكوان المستقبلة عن تلك الصفة، والمعنى لا تظلم في كل أكوانك، أي: في كل فرد فرد من أكوانك فلا يمرّ بك وقت يوجد منك فيه ظلم، فيصير كأن فيه نصاً على سائر الأكوان، بخلاف: لا تظلم، فإنه يستلزم الأكوان، وفرق بين ما يدلّ دلالة بالنص وبين ما يدل دلالة بالاستلزام و"الامتراء": افتعال من المِرْيَة وهي الشك، ومنه المراء. قال: [الطويل] شعر : 838 - فَإِيَّاكَ إِيَّاكَ الْمِرَاءَ فَإِنَّهُ إِلَى الشَّرِّ دَعَّاءٌ وَلِلشَّرِّ جَالِبُ تفسير : و "ماريته": جادلته وشاكلته فيما يدعيه، و"افتعل" فيه بمعنى "تفاعل"، يقال: تماروا في كذا، وامتروا فيه نحو: تجاوروا، واجتوروا. وقال الراغب: المِرْيَة: التردّد في الأمر، وهي أخَصُّ من الشَّك، والامتراء والمماراة المُحاجَّةُ فيما فيه مِرْية، وأصله من مَرَيْتُ النَّاقة إذا مَسحتَ ضَرْعَها للحَلْب. ففرق بين المِرْية والشَّك كما ترى، وهذا كما تقدم له الفرق بين الرّيب والشَّك، وأنشد الطبري قول الأعشى: [الطويل] شعر : 839 - تَدُرُّ عَلى أَسْؤُقِ المُمْتَرِيــ ــنَ رَكَضاً إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ تفسير : شاهداً على أن الممترين الشاكون. قال: ووهم في ذلك؛ لأن أبا عبيدة وغيره قالوا: الممترون في البيت هم الذين يمرُّون الخيل بأرجلهم هَمْزاً لتجري كأنهم يَتَحلبون الجري منها. [فصل فيمن نزلت فيه الآية قوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} قال الحسن: من الذين علموا صحة نبوتك وإن بعضهم عاندوكم. وقيل: بل يرجع إلى أمر القبلة. وقيل: بل يرجع إلى صحة نبوته وشرعه، وهو أقرب؛ لأن أقرب مذكور إليه قوله: "من ربك"؛ وظاهره يقتضي النبوة، فوجب أن يرجع إليه، ونهيه عن الامتراء لا يدلّ على أنه كان شاكاً فيه كما تقدم القول في هذه المسألة].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الذين آتيناهم الكتاب} قال: اليهود والنصارى {يعرفونه} أي يعرفون رسول الله في كتابهم {كما يعرفون أبناءهم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} قال: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة. وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} قال: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة التي أمروا بها {وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق} يعني القبلة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وإن فريقاً منهم} قال: أهل الكتاب {ليكتمون الحق وهم يعلمون} قال: يكتمون محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} قال: زعموا أن بعض أهل المدينة من أهل الكتاب ممن أسلم قال: والله لنحن أعرف به منا بأبنائنا من الصفة والنعت الذي نجده في كتابنا، وأما ابناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء. وأخرج الثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله على نبيه {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان، وأنا أشد معرفة بمحمد مني بإبني. فقال عمر: كيف ذلك؟ قال: إنه رسول الله حق من الله، وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء. فقال له عمر: وفقك الله يا ابن سلام". وأخرج الطبراني عن سلمان الفارسي قال: خرجت أبتغي الدين، فوقعت في الرهبان بقايا أهل الكتاب، قال الله تعالى {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} فكانوا يقولون: هذا زمان نبي قد أظل يخرج من أرض العرب له علامات، من ذلك شامة مدوّرة بين كتفيه خاتم النبوّة.
ابو السعود
تفسير : {الَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي علماؤُهم إذْ هم العمدةُ في إيتائه، ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ مع قرب العهد للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ للحكم، والضميرُ المنصوبُ في قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ} للرسول صلى الله عليه وسلم والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتَهم له عليه السلام من حيث ذاتُه ونسبُه الزاهرُ بل من حيث كونُه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي من جملتها أنه عليه السلام يصلي إلى القبلتين، كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتابَ يعرِفون مَنْ وصفناه فيه. وبهذا يظهر جزالةُ النظم الكريم، وقيل: هو إضمارٌ قبل الذكر للإشعار بفخامة شأنِه عليه الصلاة والسلام أنه عِلْمٌ معلوم بغير إعلامٍ فتأمل، وقيل: الضميرُ للعلم أو سببِه الذي هو الوحيُ أو القرآنُ أو التحويل، ويؤيد الأولَ قولُه عز وجل: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} أي يعرِفونه عليه الصلاة والسلام بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم، ولا يشتبِهُ عليهم كما لا يشتبه أبناؤُهم، وتخصيصُهم بالذكر دون ما يعم البناتِ لكونهم أعرفَ عندهم منهن بسبب كونِهم أحبَّ إليهم. عن عمرَ رضي الله عنه أنه سأل عبد اللَّه بنَ سلام رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولِمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ فيه أنه نبـي، فأما ولدي فلعل والدتَه خانت فقبّل عمرُ رأسه رضي الله عنهما. {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هم الذين كابروا وعاندوا الحقَّ والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يُظهرون الحقَّ ولا يكتُمونه، وأما الجهلةُ منهم فليست لهم معرفةٌ بالكتاب ولا بما في تضاعيفه، فما هم بصدد الإظهارِ ولا بصدد الكَتْم وإنما كفرُهم على وجه التقليد {ٱلْحَقّ} بالرفع على أنه مبتدأ، وقولُه تعالى: {مِن رَبّكَ} خبرُه واللامُ للعهد والإشارةِ إلى ما عليه النبـي صلى الله عليه وسلم أو إلى الحقِّ الذي يكتُمونه أو للجنس، والمعنى: أن الحقَّ ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا غيرُه كالذي عليه أهلُ الكتاب أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ أي هو الحقُّ، وقولُه تعالى: {مِن رَبّكَ} إما حالٌ أو خبرٌ بعد خبر، وقرىء بالنصب على أنه بدلٌ من الأول، أو مفعولٌ ليعلمون. وفي التعرُّض لوصف الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من إظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفىٰ {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} أي الشاكّين في كتمانهم الحقَّ عالمين به وقيل في أنه من ربك، وليس المرادُ نهيَ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك لأنه غيرُ متوقعٍ منه عليه الصلاة والسلام وليس بقصد واختيار بل إما تحقيقُ الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمرُ الأمةِ باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ.
القشيري
تفسير : حَمَلَتْهُمْ مُسْتَكنَّاتُ الحَسَدِ على مكابرة ما علموه بالاضطرار، فكذلك المغلوب في ظلمات نفسه، ألقى جلباب الحياء فلم ينْجع فيه مَلاَم، ولم يَرْدَعْه عن انهماكه كلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} ايتاء فهم ودراسة وهم الاحبار {يعرفونه} اى الرسول صلى الله عليه وسلم {كما يعرفون ابناءهم} اى يعرفونه صلى الله عليه وسلم باوصافه الشريفة المكتوبة فى كتابهم لا يشتبه عليهم كما لا يشتبه ابناؤهم وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم البنات لكون الذكور اشهر واعرف عندهم منهن وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق * فان قيل لم لم يقل كما يعرفون انفسهم مع ان معرفة الشخص نفسه اقرب اليه من معرفة سائر الاشياء * فالجواب ما قال الراغب لان الانسان لا يعرف نفسه الا بعد انقضاء برهة من دهره ويعرف ولده من حين وجوده {وإن فريقا منهم} هم الذين كابروا وعاندوا الحق {ليكتمون الحق وهم يعلمون} ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وان الكعبة قبلة الله والباقون هم الذين آمنوا منهم فانهم يظهرون الحق ولا يكتمونه واما الجهلة منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما فى تضاعيفه فما هم بصدد الاظهار ولا بصدد الكتم وانما كفرهم على وجه التقليد.
الطوسي
تفسير : المعنى: أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم يعرفون النبي (صلى الله عليه وسلم) كما يعرفون أبناءهم، وأن جماعة منهم يكتمون الحق مع علمهم بأنه حق. وقيل في الحق الذي كتموه قولان: احدهما - قال مجاهد: كتموا محمداً (صلى الله عليه وسلم) ونبوته، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل. والثاني - قال الربيع: انهم كتموا أمر القبلة. وقوله {وهم يعلمون} يحتمل امرين: احدهما - يعلمون صحة ما كتموه. والثاني - يعلمون ما لمن دفع الحق من العقاب والذم. و (الهاء) في قوله: {يعرفونه} عائدة - في قول ابن عباس، وقتادة، والربيع - على أن أمر القبلة حق. وقال الزجاج هي عائدة على أنهم يعرفون النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحة أمره، وثبوت نبوته، وانما قال: {وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق} وفي أوّل الآية قال: {يعرفونه} على العموم، لان أهل الكتاب منهم من أسلم وأقر بما يعرف فلم يدخل في جملة الكاتمين. كعبد الله بن سلام، وكعب الاحبار، وغيرهما ممن دخل في الاسلام. والعلم والمعرفة واحد. وحدّه ما اقتضى سكون النفس. وإن فصّلت، قلت: هو الاعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس. وفصل الرماني بين العلم والمعرفة، بأن قال: المعرفة هي التي يتبين بها الشيء من غيره على جهة التفصيل. والعلم قد يتميز به الشيء على طريق الجملة دون التفصيل كعلمك بان زيداً في جملة العشرة. وإن لم تعرفه بعينه وإن فصلت بين الجملة التي هو فيها، والجملة التي ليس هو فيها. وهذا غير صحيح لان المعرفة أيضاً قد يتميز بها الشيء على طريق الجملة، فلا فرق بينهما. فان قيل لم قال: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} إنهم ابناءهم في الحقيقة، ويعرفون أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) هو النبي المبشر به في الحقيقة؟ قلنا التشبيه وقع بين المعرفة بالابن في الحكم: وهي معرفة تميزه بها من غيره، وبين المعرفة بالنبي المبشر به في الحقيقة، فوقع التشبيه بين معرفتين. إحداهما أظهر من الاخرى.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ ولذا لم يأت بأداة الوصل كأنّه قيل: الا يعرف أحدٌ منهم محمّداً (ص) وقبلته؟ - فقال الّذين آتيناهم الكتاب يعنى أحبارهم ولذا نسب الفعل الى نفسه تشريفاً لهم ونسب الكتمان الى فريق منهم {يَعْرِفُونَهُ} اى محمّداً (ص) او تحويله الى قبلةٍ اخرى فى صلاته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فى منازلهم بحيث لا يمكن الشكّ والريبة لهم {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} وهم الّذين عاندوا الحقّ عن علمٍ لمحض اللّجاج {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} الحقّ او انّ محمّداً (ص) نبىّ، او المراد أنّهم علماء على ان يكون المفعول منسيّاً.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه الحق. قال الحسن وغيره من المفسرين: وهم يعلمون أي: وهم يعرفون أن محمداً رسول الله فكتموه. قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيه، وهو بمكة، أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه السلام كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة يا ابن سلام؟ فقال: نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله به إذا رأيناه فيكم، كما يعرف الرجل ابنه إذا رآه مع الغلمان؛ والذي يحلف به عبد الله بن سلام لأنا بمحمد أشد معرفة مني لابني. فقال له عمر: كيف ذلك؟ قال: عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا أنه هو، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه؛ فقال له عمر بن الخطاب. وفَّقك الله، فقد أصبت وصدقت. قال بعض المفسّرين: إن هذه الآية نزلت بمكة أولاً في سورة الأنعام: (أية : الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [الأنعام:20].
اطفيش
تفسير : {الَّذينَ آتيناهُم الكِتابَ}: الجنس الصادق بالتوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى. الذين مبتدأ خبره هو قوله: {يعْرفُونه كمَا يعْرفُونَ أبناءهُم}، يعرفون محمداً بعد بعثته وقبلها، صلى الله عليه وسلم، بنعته فى التوراة والإنجيل، كما يعرفون أبناءهم، ويميزونهم من أبناء غيرهم، فكما لا يلتبس ولد الرجل عنه بولد غيره ولا يشتبه، كذلك لا يلتبس محمد بغيره، ولا يخفى على من عرف نعته فى التوراة والإنجيل، ولا على من وصل نعته من أسلافه أو أحباره قبل أن يكتموه. وأحباره الذين لم يكتموه روى أن عبد الله بن سلام سأله عمر ابن الخطاب، رضى الله عنه، أن الله أنزل على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم {الَّذِينَ آتينَاهُم الكِتاب يعْرفُونه كما يعْرفُونَ أبناءَهُم} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبدالله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابنى، ومعرفتى بمحمد، صلى الله عليه وسلم، أشد من معرفتى بابنى. فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: لست أشك فى محمد أنه رسول الله حقاً، وقد نعته الله فى كتابنا، ولا أدرى ما تصنع النساء، فلعل ولدى قد خانت والدته. فقبَّل عمر رأسه وقال: وفقك الله يا بن سلام، فقد صدقت. وهذه السورة نزلت بالمدينة. وقال الكلبى: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام: إن الله عز وجل أنزل على نبيه وهو بمكة أن أهل الكتاب ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فيكف هذه المعرفة يابن سلام؟ قال: نعرف نبى الله بالنعت الذى نعته إذ رأيناه فيكم، كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان، والذى يحلف به عبدالله بن سلام: لأنا بمحمد أشد معرفة منى لابنى. فقال له عمر: كيف ذلك؟ قال: عرفته بما نعته الله لنا فى كتابنا أنه هو، وأما ابنى فلا أدرى ما أحدثت أمه؟ فقال له عمر: وفقك الله قد أصبت وصدقت، يعنى آية الأنعام: {الَّذينَ آتيناهم الكِتابَ يعْرفُونَه كمَا يعْرفُون أبْنَاءَهُم} فإن سورة الأنعام نزلت فى مكة، والهاء فى يعرفونه عائدة على محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتقدم ذكره بلفظ الخطاب مراراً، فهذا على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة، وذكر بلفظ الرسول مرتين فى قولهِ: {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً...}،تفسير : إلخ وذلك قول مجاهد وغيره، وهو قول الجمهور وهو الصحيح، ويدل له قوله: {كما يعرفون أبناءهم}، والمعنى يعرفون صدقه ورسالته وصفاته. وقال ابن عباس وغيره: الهاء عائدة إلى التحول إلى الكعبة يعرفون أن التحول إليها حق من الله تعالى، وأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك كما يعرفون أبناءهم لا يشكون، وفى الهاء للأوجه السابقة فى قوله: {إنهُ الحقّ مِنْ ربِّهم}، وهذه الأوجه مع وجه عودها إلى التحول، وقد مر أيضاً فى هاء إنه هى المتبادرة لمناسبة الغيبة، كما قيل بعودها إلى القرآن، بخلاف عودها إلى رسول الله، لأنه ذكر قبله بلفظ الخطاب، غير أنه قد يقال إنه رجعت إليهِ الهاء بلفظ الغيبة، مع أنه لم يذكر فى الكلام المتصل بهذا إلا بلفظ الخطاب، إشهاراً بفخامته وشهرته أنه لا يلتبس على السامع فى عود الضمير إليه، حيث يلتبس غيره، ويجوز عودها إلى العلم فى قوله: {من بعد ما جاءك من العلم، وإن فريقاً منهم} أى جماعة من أهل الكتاب، وهى أكثر علمائهم، فالهاء لأهل الكتاب، ويجوز عودها لعلمائهم، وفى التعبير بفريق منهم إشارة إلى أن بعضهم لم يكتم الحق، بل قبلهُ كعبد الله بن سلام من اليهود، والنجاشى ومن آمن من رهطهِ وصهيب من النصارى. {لَيَكْتمونَ الحقَّ}: وهو كون محمد رسولا من الله تعالى إلى الناس كلهم، صلى الله عليه وسلم، أو هو التحول إلى الكعبة، أو هو القرآن، أو هو المسجد الحرام ونحو ذلك مما مر فى قوله: {إنه الحق} أو الوحى إليه، صلى الله عليه وسلم، مطلقاً القرآن وغيره، أو الحق مطلقاً، أو صفته صلى الله عليه وسلم. {وهُم يعْلمونَ}: من التوراة والإنجيل والسماع وآثارهم، والمفعولان محذوفان، أى وهم يعلمونه حقا أو بقدر ما يسد مسدهما، أى يعلمون أنه الحق أى أن ما كتموه حق، أو يعلمون أن كتمان الحق معصية.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ الْكِتَٰبَ} اليهود والنصارى، آتيناهم التوراة والإنجيل، مبتدأ خبره قوله تعالى {يَعْرِفُونَهُ} أى محمداً صلى الله عليه وسلم لدلالة الكلام عليه، وعدم اللبس، وأما ذكر الرسول قبل مرتين فبعيد مع الفصل بأجنبى، أو التفات عن الخطاب فى اتبعت، والكافين إلى الغيبة، والأصل يعرفونك، أو يعرفون القرآن أو التحويل لاستحضار القلب لهما فى المقام للنباهة لهما، أو يعرفون العلم المذكور، أى المعلوم الحق ومنه كون الكعبة قبلة {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءِهُمْ} هذا أنسب، بكون ا لهاء فى يعرفونه لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد يعرفونه بصفاته فى التوراة وغيرها، ومن صفاته فيها أنه يصلى للقبلتين، واستمراره على الكعبة بعد نسخ الصلاة إلى صخرة بيت المقدس معرفة، كما لا يلتبس عليهم أبناؤهم قال عمر لعبد الله بن سلام: قال الله تعالى {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} ما هذه المعرفة؟ فقال: يا عمر، لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابنى، ومعرفتى به أشد من معرفتى بابنى، فقال عمر: كيف ذلك؟ قال: أشهد أنه رسول الله حقا، وقد نعته الله فى كتابنا، ولا أدرى ما تصنع النساء، ولعل والده ابنى خانت، وفى رواية، لعل اليهودية خانت، وقبل عمر رأسه، وقال، وفقك الله يا عبدالله بن سلام فقد صدقت. ولا يلزم من قول الله تعالى {كما يعرفون أبناءهم} أنهم لا يعرفونه أشد من معرفتهم بأبنائهم، لأن المراد فى الآية مجرد التنظير، ولم يقل كما يعرفون أنفسهم، مع أن معرفة الإنسان نفسه أشد من معرفته لولده، لأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، وخص البنين بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم ابن، والابن ألصق بالقلب من البنت وأشهر، وألزم لصحبة الأب {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ} من أهل الكتاب {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} نعته صلى الله عليه وسلم فى التوراة والإنجيل وغيرهما والقرآن {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنك المنعوت، وأنك على الهدى فيما تقول وما تفعل، وأن كتمان الحق معصية، وأن عليه العقاب، وفريق آخر معترفون بالحق. كعبدالله بن سلام ومن معه، وذكر فريق الكتمان تنصيصا على قبح الكتمان مع الكفران.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ} مبتدأ وخبر، والمراد بهم العلماء لأن ـ العرفان ـ لهم حقيقة، ولذا وضع المظهر موضع المضمر، ولأن ـ أوتوا ـ يستعمل فيمن لم يكن له قبول، و (آتينا) أكثر ما جاء فيمن له ذلك، وجوّز أن يكون الموصول بدلاً من الموصول الأول، أو (من الظالمين) فتكون الجملة حالاً من {ٱلْكِتَـٰبِ} أو من الموصول، ويجوز أن يكون نصباً بأعني، أو رفعاً على تقديرهم، وضمير {يَعْرِفُونَهُ} لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإن لم يسبق ذكره ـ لدلالة قوله تعالى: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} عليه، فإن تشبيه معرفته بمعرفة ـ الأبناء ـ دليل على أنه المراد، وقيل: المرجع مذكور فيما سبق صريحاً بطريق الخطاب، فلا حاجة إلى اعتبار التقديم المعنوي غاية الأمر: أن يكون هٰهنا التفات إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له عليه الصلاة والسلام من حيث ذاته ونسبه الزاهر، بل من حيث كونه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي تستلزم إفحامهم، ومن جملتها أنه يصلي إلى القبلتين، كأنه قال: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم وإن خوطب في الكلام الذي في شأن القبلة مراراً لكنه لا يحسن إرجاع الضمير إليه لأن هذه الجملة اعتراضية مستطردة بعد ذكر أمر القبلة وظهورها عند أهل الكتاب بجامع المعرفة الجلية مع الطعن ـ ولذا لم تعطف ـ فلو رجع الضمير إلى المذكور لأوهمَ نوع اتصال ـ ولم يحسن ذلك/ الحسن ـ ودليل الاستطراد {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ}تفسير : [البقرة: 148] نعم إن قيل: بمجرد الجواز فلا بأس إذ هو محتمل، ولعله الظاهر بالنظر الجليل، وقيل: الضمير ـ للعلم ـ المذكور بقوله تعالى: {أية : مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }تفسير : [البقرة: 145] أو القرآن بادعاء حضوره في الأذهان، أو للتحويل لدلالة مضمون الكلام السابق عليه، وفيه أن التشبيه يأبـى ذلك لأن المناسب تشبيه الشيء بما هو من جنسه، فكان الواجب في نظر البلاغة حينئذٍ كما يعرفون التوراة أو الصخرة، وأن التخصيص بأهل الكتاب يقتضي أن تكون هذه المعرفة مستفادة من (الكتاب) وقد أخبر سبحانه عن ذكر نعته صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل بخلاف المذكورات فإنها غير مذكور فيه ذكرها فيهما ـ والكاف ـ في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي: يعرفونه بالأوصاف المذكورة في الكتاب بأنه النبـي الموعود بحيث لا يلتبس عليهم عرفاناً مثل ـ عرفانهم أبناءهم ـ بحيث لا تلتبس عليهم أشخاصهم بغيرهم، وهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن كلاً منهما يتعذر الاشتباه فيه، والمراد ـ بالأبناء ـ الذكور لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوبهم من البنات، فكان ظن اشتباه أشخاصهم أبعد، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس لأن الإنسان قد يمر عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها نفسه كزمن الطفولية ـ بخلاف الأبناء ـ فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه. وما حكي عن عبد الله بن سلام أنه قال في شأنه صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: لِمَ؟ قال: لأني لست أشك بمحمد أنه نبـي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبل عمر رضي الله تعالى عنه رأسه، فمعناه: أني لست أشك في نبوته عليه الصلاة والسلام بوجه، وأما ولدي فأشك في بنوته وإن لم أشك بشخصه، وهو المشبه به في الآية فلا يتوهم منه أن ـ معرفة الأبناء ـ لا تستحق أن يشبه بها لأنها دون المشبه للاحتمال، ولا يحتاج إلى القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونه أشهر في المشبه به ـ وإن لم يكن أقوى ـ ومعرفة الأبناء ـ أشهر من غيرها، ولا إلى تكلف أن المشبه به في الآية إضافة ـ الأبناء ـ إليهم مطلقاً سواء كانت حقة أو لا. وما ذكره ابن سلام كونه ابناً له في الواقع. {وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ} وهم الذين لم يسلموا {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} الذي يعرفونه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة حالية، و {يَعْلَمُونَ} إما منزلة منزلة اللازم ففيه تنبيه على كمال شناعة كتمان الحق وأنه لا يليق بأهل العلم، أو المفعول محذوف أي: يعلمونه فيكون حالاً مؤكدة لأن لفظ (يكتمون الحق) يدل على علمه إذ ـ الكتم ـ إخفاء ما يعلم، أو يعلمون عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون فتكون مبينة، وهذه الجملة عطف على ما تقدم من عطف الخاص على العام، وفائدته تخصيص من عاند وكتم بالذم، واستثناء من آمن وأظهر علمه عن حكم الكتمان.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين جملة: { أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } تفسير : [البقرة: 145] الخ، وبين جملة: { أية : ولكل وجهةٌ } تفسير : [البقرة: 148] الخ اعتراضَ استطرادٍ بمناسبة ذكر مطاعن أهل الكتاب في القبلة الإسلامية، فإن طعنهم كان عن مكابرة مع علمهم بأن القبلة الإسلامية حق كما دلّ عليه قوله: { أية : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم } تفسير : [البقرة: 144]، فاستُطرد بأن طعنهم في القبلة الإسلامية ما هو إلاّ من مجموع طَعنهم في الإسلام وفي النبي صلى الله عليه وسلم والدليلُ على الاستطراد قوله بعده: { أية : ولكل وجهةٌ هو موليها } تفسير : [البقرة: 148]، فقد عاد الكلام إلى استقبال القبلة. فالضمير المنصوب في {يَعْرِفُونه} لا يعود إلى تحويل القبلة لأنه لو كان كذلك لصارت الجملة تكريراً لمضمون قوله: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم}، بل هو عائد إما إلى الرسول وإن لم يسبق ذكر لمعادٍ مناسبٍ لضمير الغيبة، لكنه قد علم من الكلام السابق وتكرر خطابه فيه من قوله: { أية : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } تفسير : [البقرة: 143]، وقوله: { أية : قد نرى تقلب وجهك } تفسير : [البقرة: 144]، وقوله: { أية : فلنولينك قبلة } تفسير : [البقرة: 144]، وقوله: { أية : فول وجهك } تفسير : [البقرة: 144] فالإتيان بالضمير بطريق الغيبة من الالتفات، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صِدْقَهُ، وإما أن يعود إلى الحق في قوله السابق: {ليكتمون الحق} فيشمل رسالة الرسول وجميعَ ما جاء به، وإما إلى العلم في قوله: { أية : من بعد ما جاءك من العلم } تفسير : [البقرة: 145]. والتشبيه في قوله: {كما يعرفون أبناءهم} تشبيه في جلاء المعرفة وتحققها فإن معرفة المرء بعلائِقه معرفة لا تقبل اللبس، كما قال زهير: شعر : فهن ووادي الرس كاليد للفم تفسير : تشبيهاً لشدة القرب البيّن. وخص الأبناء لشدة تعلق الآباء بهم فيكون التملي من رؤيتهم كثيراً فتتمكن معرفتهم فمعرفة هذا الحق ثابتة لجميع علمائهم. وعدل عن أن يقال يعلمونه إلى {يعرفونه} لأن المعرفة تتعلق غالباً بالذوات والأمور المحسوسة قال تعالى: { أية : تعرف في وجوههم نضرة النعيم } تفسير : [المطففين: 24] وقال زهير: شعر : فَلأْياً عَرَفْتُ الدَّار بعد توهم تفسير : وتقول عرفت فلاناً ولا تقول عرفت عِلْم فلان، إلاّ إذا أردت أن علمه صار كالمشاهد عندك، ولهذا لا يعدى فعل العرفان إلى مفعولين كما تُعدى أفعال الظن والعلم، ولهذا يوصف الله تعالى بصفة العلم فيقال العليم، ولا يوصف بصفة المعرفة فلا يقال الله يعرف كذا، فالمعنى يعرفون الصفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلاماته المذكورة في كتبهم، ويعرفون الحق كالشيء المشاهد. والمراد بقوله: {الذين أتيناهم الكتاب} أحبارُ اليهود والنصارى ولذلك عُرِّفوا بأنهم أوتوا الكتاب أي علموا علم التوراة وعلم الإنجيل. وقوله: {وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} تخصيص لبعض الذين أوتوا الكتاب بالعناد في أمر القبلة وفي غيره مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وذم لهم بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمونه وهؤلاء مُعظم الذين أوتوا الكتاب قبل ابن صُوريا وكعب بن الأَشْرف فبقي فريق آخر يعلمون الحق ويعلنون به وهم الذين آمنوا بالنبي - عليه الصلاة والسلام - من اليهود قبل عبد الله بن سَلاَم، ومن النصارى مثل تميم الدَّاري وصهيب. أما الذين لا يعلمون الحق فضلاً عن أن يكتموه فلا يعبأ بهم في هذا المقام ولم يدخلوا في قوله: {الذين أتيناهم الكتاب} ولا يشملهم قوله: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.
القطان
تفسير : ان أهل الكتاب ليَعلمون ان تحويل القبلة الى المسجد الحرام حق، وأنك يا محمد النبي المنعوت في كتبهم بأنه سوف يصلي الى الكعبة.. وهم يعرفون ذلك كمعرفتهم لأبنائهم. وذلك ما قاله عبد الله بن سلام، أحد احبار اليهود. قبل ان اسلم وصار من عظماء الصحابة. لسيدنا عمر رضي الله عنه: انا اعلم بأن محمداً نبي أكثر مما اعلم انه منّي. وكذلك قال تميم الداري وهو من علماء النصارى.. ولكن بعضهم أصروا على الكفر وكتموا الحق الذي يعرفونه، اتباعا لهواهم، وتعصباً وحفظاً على سطانهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} (146) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الكِتَابِ يَعْرِفُونَ صِحَّةَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهُ مِنْ بَيْنِ أَوْلادِ النَّاسِ، لاَ يَشُكُّ فِيهِ وَلا يَمْتَري. وَلكِنَّ فَرِيقاً مِنْ أَهلِ الكِتَابِ يَكْتُمُونَ الحَقَّ، وَيُنْكِرُونَ وُجُودَ صِفَةِ الرَّسُولِ فِي كُتُبِهِمْ، مَعَ أَنَّ كُتُبَهُمْ أَشَارَتْ إِلى أَنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً مِنَ العَرَبِ مِنْ وُلدِ إِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّهُ سَيُحَوِّلُ القِبلَةَ إِلى الكَعْبَةِ، وَهِيَ قِبْلَةُ إِبراهِيمَ، عَلَيهِ السَّلامُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله تبارك وتعالى يقول إن الذين جاءهم الكتاب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفونه .. يعرفون ماذا؟ هل يعرفون أمر تحويل القبلة؟ أم يعرفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه ورسالته التي يحاولون أن يشككوا فيها؟ الله سبحانه وتعالى يشرح لنا ذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. فكأن اليهود والنصارى يعرفون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .. ومكتوب في التوراة والإنجيل أنه الحق ومطلوب منهم أن يؤمنوا به .. إن كعب الأحبار كان جالساً وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان موجوداً فسأله عمر أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود .. أعرف كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد .. فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون امرأتي خانتني فيه، أما محمد (صلى الله عليه وسلم) فأوصافه مذكورة بالدقة في التوراة بحيث لا نخطئه. إذا فأهل الكتاب يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرفون زمنه ورسالته .. والذين أسلموا منهم وآمنوا فعلوا ذلك عن اقتناع، أما الذين لم يؤمنوا وكفروا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه .. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .. وساعة تقول كتم الشيء .. فكأن الشيء بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر .. والحق بطبيعته لابد أن يبرز وينتشر ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود. إن الذين يحققون في القضايا الدقيقة يحاولون أن يمنعوا القوة أن تكتم الحق .. فيجعلون من يحققون معه لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة .. لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى مجهود، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى مجهود وقوة، وعدم النطق بالحق عملية شاقة .. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] .. أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على علم بالحقيقة .. والحق من الله فهل يستطيع هؤلاء كتمانه؟ طبعاً لا، لابد أن يظهر .. فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد .. الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك شيئاً أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية. إن أخطر الأمراض هي التي لا يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج .. والحق دائماً غالب على أمره، ولذلك لا توجد معركة بين حقين .. أما الباطل فتوجد معركة بين باطل وباطل. وبين حق وباطل. لأنه لا يوجد إلا حق واحد، أما الباطل فكثير .. والمعارك بين الحق والباطل تنتهي بهزيمة الباطل بسرعة .. ولكن الذي يطول هو معركة بين باطلين .. ولذلك فإن معارك العصر الحديث تطول وتتعب الدنيا .. فمعارك الحرب العالمية الثانية مثلاً لا زالت آثارها ممتدة حتى الآن في الحرب الباردة وغير ذلك من الحروب الصغيرة .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ).
الأندلسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} هم علماء اليهود والنصارى وهو مبتدأ خبره. {يَعْرِفُونَهُ} والضمير المنصوب في يعرفونه عائد على محمد صلى الله عليه وسلم. وليس كما قال الزمخشري. من أنه إضمار لم يسبق له ذكر في قوله: ولئن أتيت إلى سائر المضمرات التي جاء بها خطابه لكن الضمير في يعرفونه جاء على سبيل الالتفات وحكمته أنه لما فرغ من الاقبال عليه السلام أقبل على الناس. فقال: الذين آتيناهم الكتاب واخترناهم لتحمل العلم والوحي يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه لا يشكون في معرفته ولا في صدق إخباره بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة لما في كتابهم من ذكره ونعته والنص عليه يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل. وقال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي به صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني واخباره منتزع من قوله: {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} وظاهر هذا التشبيه يقتضي أن المعرفة معرفة الوجه والصورة ودل هذا على أن الضمير في يعرفونه للرسول عليه السلام. {لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ} هم المصرون على الكفر والعناد كتموا نعت الرسول. وهم يعلمون: حال مؤكدة ان كان متعلق العلم الحق وإن كان. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما على كاتم الحق من العقاب فهي حال مبيّنة. {ٱلْحَقُّ} مبتدأ خبره. {مِن رَّبِّكَ} أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق كائناً من ربك. وقرىء: الحق بالنصب بدلاً من الحق أو معمولاً ليعلمون. والامتراء الشك امترى في كذا شك فيه. والنهي عن الكون على صفة أبلغ من النهي عن تلك الصفة ولذلك كثر النهي عن الكون على الصفة التي يطلب اجتنابها في القرآن. {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} وقرىء ولكل وجهة بالاضافة ومولاها. ووجهة: اسم للمكان المتوجه إليه عند بعضهم. فثبوت الواو ليس بشاذ وكلام سيبويه يقتضي أنه مصدر فثبوت الواو فيه شاذ والمحذوف من كل اما طائفة من أهل الأيان أو أهل صقع من المسلمين أي جهة من الكعبة وراء وأماما ويميناً وشمالاً ليست جهة من جهاتها أولى من الأخرى وهو مبتدأ عائد على كل على لفظة أي هو يستقبلها وموجه إليها صلاته، ومفعول موليها الثاني محذوف، أي: موليها نفسه وفي قراءة مولاها الأول المستكن في مولاها، والثاني (ها). وهو عائد على الله أي الله موليها إياه واما قراءة الاضافة. فقال الطبري: هي خطأ. (وقال) الزمخشري: المعنى وكل وجهة الله موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك: لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه. وهذا فاسد لأن العامل إذ تعدى لضمير الاسم لم يتعد إلى ظاهره المجرور باللام لا تقول: لزيد ضربته. ولا لزيد أنا ضاربه الا تراهم تأولوا. هذا سراقة للقرآن يدرسه. "وقال" ابن عطية المعنى فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاّكموها وهو توجيه لا بأس به. {فَٱسْتَبِقُواْ} أي بادروا. {ٱلْخَيْرَاتِ} أي الأعمال الصالحة. {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ} تضمن وعظاً وتحذيراً وإظهار للقدرة. {يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً} أي يحشركم للثواب والعقاب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى: أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم، وعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن ما جاء به، حق وصدق، وتيقنوا ذلك، كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وصلت إلى حد لا يشكون فيه ولا يمترون، ولكن فريقا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } تفسير : وفي ضمن ذلك، تسلية للرسول والمؤمنين، وتحذير له من شرهم وشبههم، وفريق منهم لم يكتموا الحق وهم يعلمون، فمنهم من آمن [به] ومنهم من كفر [به] جهلا فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه، وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهولاء الكاتمون، عكسوا الأمر، فانعكست أحوالهم. { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أي: هذا الحق الذي هو أحق أن يسمى حقا من كل شيء، لما اشتمل عليه من المطالب العالية، والأوامر الحسنة، وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها، ودفع مفاسدها، لصدوره من ربك، الذي من جملة تربيته لك أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية العقول والنفوس، وجميع المصالح. { فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } أي: فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه، بل تفكَّر فيه وتأمل، حتى تصل بذلك إلى اليقين، لأن التفكر فيه لا محالة، دافع للشك، موصل لليقين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):