Verse. 1493 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

اُولٰۗىِٕكَ لَمْ يَكُوْنُوْا مُعْجِزِيْنَ فِي الْاَرْضِ وَمَا كَانَ لَہُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ مِنْ اَوْلِيَاۗءَ۝۰ۘ يُضٰعَفُ لَہُمُ الْعَذَابُ۝۰ۭ مَا كَانُوْا يَسْتَطِيْعُوْنَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوْا يُبْصِرُوْنَ۝۲۰
Olaika lam yakoonoo muAAjizeena fee alardi wama kana lahum min dooni Allahi min awliyaa yudaAAafu lahumu alAAathabu ma kanoo yastateeAAoona alssamAAa wama kanoo yubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك لم يكونوا معجزين» الله «في الأرض وما كان لهم من دون الله» أي غيره «من أولياء» أنصار يمنعونهم من عذابه «يضاعف لهم العذاب» بإضلالهم غيرهم «وما كانوا يستطيعون السمع» للحق «وما كانوا يبصرونـ» ـه أي لفرط كراهتهم له كأنهم لم يستطيعوا ذلك.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم. الصفة الأولى: كونهم مفترين على الله، وهي قوله: { أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } تفسير : [هود:18]. والصفة الثانية: أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال وهي قوله: { أية : أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبّهِمْ } تفسير : [هود: 18]. والصفة الثالثة: حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله: { أية : وَيَقُولُ ٱلاْشْهَادُ هَـؤُلاء ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ } تفسير : [هود: 18]. والصفة الرابعة: كونهم ملعونين من عند الله، وهي قوله: { أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18]. والصفة الخامسة: كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق، وهي قوله: { أية : ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود:19]. والصفة السادسة: سعيهم في إلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة، وهي قوله: { أية : وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } تفسير : [هود:19]. والصفة السابعة: كونهم كافرين، وهي قوله: { أية : وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ } تفسير : [هود: 19]. والصفة الثامنة: كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله، وهي قوله: {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } قال الواحدي: معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد. يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب الله محال، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف. والصفة التاسعة: أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله: {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله: {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء } هو أن أحداً لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصراً يمنع ذلك العذاب عنهم، بل إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة، وقال بعضهم: بل المراد أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون ولياً ينصرهم ويدفع ذلك عنهم. والصفة العاشرة: قوله تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ } قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سبباً لتضعيف العذاب، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد، سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم. الصفة الحادية عشرة: قوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا ففي قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } وأما في الآخرة فهو قوله: { أية : يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } تفسير : [القلم: 42] وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف، وإما أن يكون المراد كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن، وكلاهما لا يقدر العبد عليه، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالاً، وإذا كان إثباتها محالاً كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا. ثم قال المراد بقوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل: هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذراً آخر، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } فكيف يصلحون للولاية. والجواب: أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها فباطل، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصاً بهم، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف يمكن حمل اللفظ عليه، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبصار صورته. فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر، وأيضاً أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع، فإن منع فهو المقصود، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سبباً أجنبياً عن المعاني المعتبرة في الفهم والإدراك، ولا تختلف أحوال القلب في العلم والمعرفة بسببه، فكيف يمكن جعله ذماً لهم في هذا المعرض، وأيضاً قد بينا مراراً كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف محال، فلما بين تعالى كون هذا المعنى صارفاً عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولاً على سبيل اللزوم بحيث لا يزول ألبتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ممنوعاً عن الإيمان، وحينئذ يحصل المطلوب، وأما قوله فإنا نجعل هذه الصفة من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ } ثم قال: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائداً إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى. وأما قوله: {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } فقيل: المراد منه البصيرة، وقيل: المراد منه أنهم عدلوا عن إبصار ما يكون حجة لهم. الصفة الثانية عشرة: قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } ومعناه أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران. الصفة الثالثة عشرة: قوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا، لأنهم أعطوا الشريف، ورضوا بأخذ الخسيس، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر، وهو المراد بقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }. الصفة الرابعة عشرة: قوله: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } وتقريره ما تقدم، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة. ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة، فلهذا قال: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } وقوله {لاَ جَرَمَ } قال الفراء: إنها بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً، تقول العرب: لا جرم أنك محسن، على معنى حقاً إنك محسن، وأما النحويون فلهم فيه وجوه: الأول: لا حرف نفي وجزم، أي قطع، فإذا قلنا: لا جرم معناه أنه لا قطع قاطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. الثاني: قال الزجاج إن كلمة {لا } نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، و {جَرَمَ } معناه كسب ذلك الفعل، والمعنى: لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة، وذكرنا {جَرَمَ } بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى: { أية : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ سنآن قوم } تفسير : [المائدة: 2] قال الأزهري، وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب، الثالث: قال سيبويه والأخفش: {لا } رد على أهل الكفر كما ذكرنا وجرم معناه حق وصحح، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم. واحتج سيبويه بقول الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارةُ بعدها أن يغضبوا تفسير : أراد: حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي فائتين من عذاب الله. وقال ابن عباس: لم يُعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} يعني أنصاراً، و {مِنْ} زائدة. وقيل: {ما} بمعنى الذي تقديره: أولئك لم يكونوا معجزين لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء من دون الله؛ وهو قول ٱبن عباس رضي الله عنهما. {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي على قدر كفرهم ومعاصيهم. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} {ما} في موضع نصب على أن يكون المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع. {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره. والعرب تقول: جزيته ما فعل وبما فعل؛ فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى؛ وأنشد سيبويه: شعر : أَمَرْتُكَ الخيرَ فافعل ما أمِرتَ بهِ فقد تَركُتك ذا مالٍ وذا نَشَبِ تفسير : ويجوز أن تكون {ما} ظرفا، والمعنى: يضاعف لهم أبداً، أي وقت ٱستطاعتهم السمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبداً. ويجوز أن تكون {ما} نافية لا موضع لها؛ إذ الكلام قد تمّ قبلها، والوقف على العذاب كافٍ؛ والمعنى: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعاً ينتفعون به، ولا أن يبصروا إبصار مهتد. قال الفرّاء: ما كانوا يستطيعون السمع؛ لأن الله أضلّهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا عنه. قال النحاس: وهذا معروف في كلام العرب؛ يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلاً عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ } الله {فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مِنْ أَوْلِيآءَ } أنصار يمنعونهم من عذابه {يُضـَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ } بإضلالهم غيرهم {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } للحق {ومَا كَانُوا يُبْصِرُونَ}ه أي لفرط كراهتهم له، كأنهم لم يستطيعوا ذلك.

البقاعي

تفسير : ولما هددهم بأمور الآخرة، أشار إلى بيان قدرته على ذلك في الدارين بقوله: {أولئك} أي البعداء عن حضرة الرحمة {لم يكونوا} أي بوجه من الوجوه {معجزين} وأشار إلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ العالم العلوي بقوله: {في الأرض} أي ما كان الإعجاز - وهو الامتناع من مراد الله - لهم ولا هو في قدرتهم، لأن قدره على جميع الممكنات على حد سواء. ولما نفى التعذر بأنفسهم، نفاه من جهة غيرهم فقال: {وما كان لهم} ولما كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جداً، بين أنهم معزولون عن كل منها بإثبات الجار فقال: {من دون الله} أي الملك الأعظم، وأغرق في النفي بقوله: {من أوليآء} أي يفعلون معهم ما يفعل القريب من تولي المصالح والحماية من المصائب، ومن لم يقدر على الامتناع وهو حي لم يمتنع بعد موته فكأنه قيل: ماذا يفعل بهم؟ فقيل: {يضاعف} أي يفعل فيه فعل من يناظر آخر في الزيادة، وبناه للمفعول لأن المرجع وجود المضاعفة مطلقاً {لهم العذاب} أي بما كانوا يضاعفون المعاصي؛ ثم علل سبب المضاعفة بأنه خلق لهم سمعاً وبصراً فضيعوهما بتصامّهم عن الحق وتعاميهم عنه، فكأن لا فرق بينهم وبين فاقدهما فقال: {ما كانوا} أي بما لهم من فساد الجبلات {يستطيعون السمع} أي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة بانقيادهم للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فما كانوا يسمعون {وما كانوا} يستطيعون، الإبصار فما كانوا {يبصرون} حتى يعرضوا عن الشهوات فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار، وهو كناية عن عدم قبولهم للحق وأن شدة إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصف بعدم الاستطاعة كما يقول الإنسان لما تشتد كراهته له: هذا مما لا أستطيع أن أسمعه، وتكون المضاعفة بالكفر والصد، ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص وأنكأ من نفي السمع لأنهم قد يحملونه على الإجابة، وأما نفي البصر فغير منفك عن النقص سواء كان للعين أو للقلب، هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك، وإن خرجت عليه استوى الأمران، وصار نفي الاستطاعة أولاً دالاًّ على نفيها ثانياً، ونفي الإبصار يدل على نفي السمع أولاً. ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر، ثبت أنهم لا شيء فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين خسروآ أنفسهم} أي بتضييع الفطرة الأولى التي هي سهولة الانقياد للخير وصعوبة الانقياد للشر؛ ولما كان العاجز ربما نفعه من كان يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ونشاطاً بعد العجز، نفى ذلك بقوله عائداً إلى نفي النفع ممن عذرهم أولاً على أحسن وجه: {وضل عنهم ما كانوا} أي كوناً جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون عنه {يفترون} أي يتعمدون كذبه مما ادعوا كونهم آلهة، ولا شك أن من خسر نفسه ومن خسرها من أجله بادعاء أنه شريك لخالقه ونحو ذلك كان أخسر الناس، فلذلك قال: {لا جرم} أي لا شك {أنهم} أي هؤلاء الذي بالغوا في إنكار الآخرة {في الآخرة} ولما كان المقام جديراً بالمبالغة في وصفهم بالخسارة، أعاد الضمير فقال: {هم} أي خاصة {الأخسرون} أي الأكثرون خسراناً من كل من يمكن وصفه بالخسران؛ والإعجاز: الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه؛ والمضاعفة: الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر؛ والاستطاعة: قوة ينطاع بها الجوارح للفعل؛ وأما "لا جرم" فقد اضطرب علماء العربية في تفسيرها، قال الرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ما حاصله: والغالب بعد {لا جرم} الفتح، أي في {أن}، فـ {لا} إما رد الكلام السابق - على ما هو مذهب الخليل - أو زائدة كما في {لا أقسم} لأن في جرم معنى القسم، وهي فعل ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع "لا"، وجعلها سيبويه فعلاً بمعنى حق، فـ "أن" "فاعله"، وقيل: "جرم" بمعنى حق، وهو اسم لا و "أنهم" خبره؛ وقال الكسائي معناها: لا صد ولا منع؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة، ولا نفي لما قيل من أن لهم أصناماً تنفعهم، وجرم - فعل ماض بمعنى كسب وفاعله مضمر معبر به عن فعلهم، و {أنهم} مفعولة؛ وقال الفراهي: كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة، لأنه يروي عن العرب "لا جرم" - يعني بضم ثم سكون، والفعل - يعني هكذا، والفعل - يعني محركاً، يشتركان في المصادر كالرشد والرعد والبخل؛ والجرم: القطع، أي لا قطع من هذا كما أنه لا بد بمعنى لا قطع، فكثرت وجرت على ذلك حتى صارت بمعنى القسم، فلذلك يجاب بما يجاب به القسم، فيقال: لا جرم لآتينك، ولا جرم أنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل {لا جرم} كما نقول: لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل، أي من أن ومن أنك تفعل، ومن كسر فلمعنى القسم العارض في {لا جرم} - انتهى. فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلى أن مادة "جرم" بخصوصها دائرة على القطع، والأصنع تفسيرها بالظن نظراً إلى ما تدور عليه المادة من حيث هي - بأي ترتيب كان - من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ومرج، وإنما جعلتها كذلك لأنهم قالوا جرم النخل: خرصها، وأجمر النخل أيضاً: خرصها، ورجم - إذا ظن، والمجر: العقل، ويلزم الظن اتقاد الذهن ومنه جمرة النار، والجرم - للأرض الشديدة الجر، ويلزم الظن أيضاً اجتماع الفكر، ومنه الجمرة للقلبية وكل ما شاكلها في الجمع، ومنه الجرم بالكسر وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه، والصوت أو جهارته فإنه يجمع فيه الحلق لقطعه، ويلزم الاجتماع أيضاً العظمة، ومنه أجرم - إذا عظم، والجمير كأمير: مجتمع القوم، ومن الجمع الرياء والعقل، فينشأ منه الصفاء، ومنه {مارج من نار} أي لا دخان فيه، ومنه أجرم لونه: صفا، ومن الاجتماع المجر - بالتحريك، وهو أن يملأ بطنه من الماء ولم يرو، والكسب، جرم لأهله - إذا كسب، ومنه الذنب فإنه كسب خاص، ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه عن الخير، ويلزم الاجتماع أيضاً الاستتار ومنه أجمرت الليلة - استتر فيها الهلال، والمجر لما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، أو يجعل هذا مما يلزم نفس الظن من الخفاء، ومن الاجتماع الضمور، أجمر الخيل: أضمرها، وشاة مجمرة: مهزولة، ويلزم الاجتماع الصلابة والتمام، ومنه حول مجرم كمعظم: تام، فينشأ الافتراق، ومنه تجرم الليل: ذهب، وابنا جمير كأمير: الليل والنهار، أو يكون ذلك من لوازم القطع كما يأتي؛ ومن الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم، ويلزم الظن الفصل بين الأشياء، ومنه جرام النخل لصرامها؛ والجمرة: الحصاة، فيلزم مطلق الرمي فينشأ الرمي بالجمار، وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم، وهو يرجع أيضاً إلى نفس القطع، فإنه قطع النفس عما كانت عليه، ويلزم الفصل القذف والعيب؛ والرماج كسحاب: كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض، والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ذرقه، ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة في الكلام والعزيمة، ومنه المرجام للماد عنقه في السير من الإبل، وأجمر: أسرع في السير، وقد يلزم الظن الحيرة، ومنه حديث مرجم كمعظم: لا يوقف على حقيقته، فيلزم حينئذٍ الذنب والفساد والقلق والاضطراب، ومنه أمرج العهد: لم يف به، أي جعله مارجاً مزلزلاً، وعلى الاضطراب تدور مادة "مرج" بخصوص هذا الترتيب، أو الترميج: إفساد سطور بعد كتبتها، ويلزم الظن الاختلاط، ومنه الجرم للون لأنه لا يخلو عن شوب، وأجرم الدم به: لصق، والإجرام: متاع الراعي، أو هي من الكسب، والجرام كرمان: السمك؛ والمرج: موضع الرعي، وقد علم من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل، وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر انفتح له ما كان مغلقاً فيعدل إليه، فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى "لا جرم" أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم، ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفياً لجميع ما يقابله إلاّ العلم الذي هو بمعنى القطع كما إذا قيل: لا شك في كذا ولا ريب، فاتضح أن تفسيرهم لها بـ "حقاً" تفسير معنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في مثل هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع، وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق لأنه يريد - والله أعلم - أن لا صلة، وموضوعها في الأصل النفي، فهي نافية لضد ما دخلت عليه، فكأنه قيل: حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده، فهذا وجه كونها صلة مؤكدة، وقريب من ذلك ما قيل في "إنما" نحو إنما زيد قائم، أي أن زيداً قائم، ما هو إلاّ كذلك، فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد - والله الموفق.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه قال‏:‏ ما كانوا يستطيعون السمع وفي طاعته وما كانوا يبصرون، وأما في الآخرة فإنه قال‏:‏ لا يستطيعون خاشعة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ما كانوا يستطيعون السمع‏.‏ وما كانوا يبصرون‏}‏ قال‏:‏ ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً فينتفعوا به ولا يبصروا خيراً فيأخذوا به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [الآية: 20]. قال بعضهم كيف يستطيع السمع من لم يفتح مسامعه سماع الحق وكيف يبصر من لم يكتحل بنور التوفيق إذ لا سماع إلا عن إسماع ولا بصر إلا عن إبصار.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية. مَنْ هذه صفتهم لا يربحون في تجارتهم، ولا يلحقون غايةً طلبوها؛ فيبقون عن الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخْلق. خَسِرتْ صفْقتُهُمْ، وبَارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} لا يسمعون خطاب الحق اسماع القلوب ولا يرون مشاهدة الحق بابصار الارواح وكيف يسمعون وما سبقت لهم فى الازل العناية وكيف يبصرون وليس لهم حظ عن انوار القربة وما تطلع من وجوه الصديقين والعارفين قال بعضهم كيف يستطيع السمع من لم يفتح مسامعه لسماع الحق وكيف يبصر من لم يكتحل بنور التوفيق اذ لا سماع الا عن اسماع ولا بصر الا عن ابصار.

اسماعيل حقي

تفسير : {اولئك} الكاذبون {لم يكونوا معجزين} الله تعالى ان يعاقبهم لو اراد عقابهم {فى الارض} مع سعتها وان هربوا منا كل مهرب {وما كان لهم من دون الله من اولياء} ينصرونهم ويمنعونهم من العقاب ولكن آخر ذلك الى اليوم تحقيقا للامهال كما قال تعالى {أية : امهلهم رويدا} تفسير : والجمع باعتبار افراد الكفرة كأنه قيل وما كان لاحد منهم من ولى {يضاعف لهم العذاب} استئناف كانه قيل هؤلاء الذين شأنهم ذلك ما مصير امرهم وعقبى حالهم. فقيل يضاعف لهم عذاب الابد ضعفين {ما كانوا يستطيعون السمع} النافع {وما كانوا يبصرون} الحق والآيات المنصوبة فى الانفس والآفاق وهو استئناف وقع تعليلا لمضاعفة العذاب وليس المراد بالمضاعفة الزيادة بمرتبة واحدة لشمولها الزيادة بمراتب كما فى الحواشى السعدية ولما كان قبح حالهم فى عدم اذعانهم للقرآن الذى طريق تلقيه السمع اشد منه فى عدم قبولهم لسائر الآيات المنوطة بالابصار بالغ فى نفى الاول حيث نفى عنهم الاستطاعة واكتفى فى الثانى بنفى الابصار

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأن عليهم لعنة الله وأنهم الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً بأنهم غير {معجزين في الأرض} أي لم يكونوا فائتين فيها هرباً من الله تعالى إذا اراد إهلاكهم كما يهرب الهارب من عدو، وقد جد في طلبه. والاعجاز الامتناع من المراد بما لا يمكن معه إيقاعه، وانهم لم يكن لهم ولي يستطيع الدفاع عنهم من دون الله. والولي الخصيص بأن يلي بالمعاونة لدفع الاذية، ومنه قولهم: تولاك بحفظه، فلا ولي لهؤلاء يعاونهم ويدفع العقوبة عنهم، لأن الله تعالى قد أيأسهم من ذلك. وقوله {يضاعف لهم العذاب} قيل في معناه قولان: احدهما - بحسب تضاعف الاجرام. والآخر - كلما مر ضعف جاء ضعف، وكله على قدر الاستحقاق. وقوله {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} معناه انه كان يثقل عليهم سماع الحق ورؤيته، كما يقال: فلان لا يستطيع النظر إلى فلان، وحقيقة الاستطاعة القوة التي تنطاع بها الجارحة للفعل، ولذلك لا يقال في الله انه يستطيع. وليس المراد بنفي الاستطاعة في الاية نفي القدرة بل ما ذكرناه، لأنه لو لم يكن فيهم قدرة لما حسن تكليفهم. وقد ذكر الفراء فيه وجهاً مليحاً، فقال: المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يعقلون، وحذف الباء كما قال {أية : أليم بما كانوا يكذبون} تفسير : اي بتكذيبهم وسقوط الباء جائز، كما قال {أية : أحسن ما كانوا يعملون} تفسير : ويقول القائل: لأجزينك ما عملت، وبما عملت. واختار ذلك البلخي. والسمع إدراك الصوت بما به يكون مسموعاً. والابصار إدراك الشيء بما به يكون مبصراً.

الجنابذي

تفسير : {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} تهديدٌ لهم وتسلية للرّسول (ص) {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} حتّى يمنعوهم من عقوبة الله ويصلحوا ما فسد من امورهم ومن يظنّونهم اولياء ممّن نصبوهم دون ولىّ الامر (ع) فهم لا يمنعون عن انفسهم ولا يصلحون انفسهم فكيف بغيرهم {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ عن حالهم او عن حال الاولياء (ع) من دون الله كأنّه قيل: فما حال اوليائهم الّذين يتولّونهم من الاصنام والاحبار والرّهبان والرّؤساء الّذين يظنّون هم رؤساء الدّين والمقصود غاصبوا آل محمّد (ع) حقّهم، فقال يضاعف لهم العذاب فكيف ينصرون غيرهم وهذا انسب بالمقام {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} حال من الضّمير المجرور او استيناف اخر يعني لشدّة العذاب لا قدرة لهم على استماع شيءٍ او كانوا لا قدرة لهم على سماع فضيلة علىّ (ع) فى الدّنيا لبغضهم له (ع)، واسم كان امّا ضمير الظّالمين او الاولياء (ع) {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} بالوجهين.

اطفيش

تفسير : {أولئِكَ لَم يَكُونوا مُعْجِزينَ} الله {فى الأرْضِ} أرض الدنيا أن يعاقبهم {ومَا كانَ لَهم مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أولياءَ} يمنعونهم من العذاب، ولكن أخر عذابهم إلى هذا اليوم، ليكون أشد وأدوم، وهذا مقول لهم يوم القيامة، وقيل فى الدنيا، وعليه فالتقدير ولكن نؤخر عذابهم إلى اليوم الآخر ليكون أشد وأهول، ومن الأولى متعلقة بمحذوف حال من أولياء أو من المستتر فى لهم، والثانية صلة للتأكيد فى اسم كان. {يُضاعَفُ} من جملة ما يقال لهم فى ذلك اليوم، وهكذا إلى يبصرون: وقيل: استؤنف من هنا إخبار عنهم فى الدنيا، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: ويضعف بالتشديد وإسقاط الألف {لَهم العَذابُ} فى الآخرة لإضلالهم غيرهم، ولفرط إعراضهم كما قال. {ما كانُوا} ما نافية {يسْتَطيعُون السَّمعَ} للحق لشدة إعراضهم عنه، وبغضهم له، أراد أنهم لا ينتفعون بما سمعوا حتى كأنهم لم يستطيعوا السمع، فضلا عن أن يسمعوا، فضلا عن أن ينتفعوا، وذلك لاكتسابهم المغطى على قلوبهم، وخذلان الله إياهم لا جبر منه تعالى. {وما} نافية {كانُوا يُبْصرُونَ} خبرا أو آيات ينتفعون بها، شبه إعراضهم عنها مع أنهم رأوها بعدم إبصارهم لها، أو ذلك كناية عن شدة بغضهم للنبى صلى الله عليه وسلم، حتى لا يستطيعوا حمل أنفسهم على السمع منه، والنظر إليه، والجملتان تعليل لمضاعفة العذاب، أو مجرد إخبار، وإن فسرنا الأولياء بالأوثان خصوصا، صح أن تكونا بيانا لنفى الولاية عنها، لأنها تسمع ولا تبصر، فيكون {يضاعف لهم العذاب} معترضا، وهذا عندى ضعيف، فإن الظاهر أن المراد نفى من ينصرهم على العموم، وما ذكرت من كونهما تعليلا للمضاعفة، أعنى التعليل الجملى، أولى من قول بعض: إن ما مصدرية، وحرف التعليل مقدر معهما مثل اللام والباء، لأن فيه التخريج على حذف الجار مع الحرف المصدرى، غير أن وإن وكى.

اطفيش

تفسير : {أُولئِكَ لم يَكُونُوا مُعْجِزِينَ} الله {فِى الأَرْضِ} أَن يعاقبهم فى الدنيا ولكن أَخر عذابهم إِلى الآخرة فإِنه لا قوة لهم ولا مهرب عن أَرضه لسعتها، ولو هربوا لم يجدوا غيرها، ولو وجدوا فكل ملك لله، ويجمع ذلك كله أَن تجعل الأَرض عبارة عن الدنيا التى بمعنى الحياة {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ} يمنعونهم من العذاب فى الدنيا أَو من العذاب الموعود لهم فى الآخرة، أَو أُريد بالأَولياءِ آلهتهم التى يدعونها أَولياءَ، وعلى كل حال تكون الآية لسقوط آلهتهم عن رتبة الولاية إِلا أَن ذلك على التفسير الثانى أَظهر {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} لمضاعفة كفرهم فى نفسه، ولأَنهم ضلوا وأَضلوا ولأَنهم لا يشتغلون بسماع الحق أَخر عذابهم ليكون مع شدته دائِما وهذه المضاعفة هى نفس المماثلة فى قوله تعالى فلا يجزى إِلا مثلها فلا منافاة، وقيل المضاعفة لكراهتهم الحق أَشد الكراهة وافترائهم وكذبهم على ربهم وصدهم عن سبيل الله وبغيهم إِياها العوج وكفرهم بالآخرة وزعم بعض أَن المضاعفة لحفظ الأَصل الذى هو ما دون المضاعفة إِذ لولا ذلك لم يبق عذاب لأَنهم يأْلفونه لطول الأَبد، وهذا خطأْ لأَن العذاب الشديد لا يؤلف، وإِنما يؤلف ما وضع من أَول الأَمر على الإِطاقة، وأَيضاً الله قادر أَن يبقيهم على التأَلم الأَول، لكن جاءَ فى الأَثر أَن عذاب أَهل النار ونعيم أَهل الجنة لا يزالان يزدادان {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} للحق {وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} يعقلون لإِعراضهم هم فى الحق كمن هو أَصم وأَعمى، وكأَنه استحال سمعهم وإِبصارهم، أَو الضمائر للآلهة، وكانت بصيغة ضمائر العقلاءِ مجاراة للكفار فى نسبة ما للعاقل إِليها حتى اتخذوها آلهة، كما أَن مستحق الأَلوهية عالم. وهذا ضعيف لأَن السوق لذل الكفرة وبيان استحقاق مضاعفة العذاب وللزوم تفكيك الضمائِر بعضها للكفرة وبعضها للآلهة وعدم استطاعة حقيقة فى الآلهة مجاز فى الكفرة، فإِنهم مستطيعون استطاعة غير مؤثرة والله جل وعلا خلق فى العبد قدرة واختيارا، وزعم أَكثر المعتزلة أَن أَفعال العباد واقعة بقدرة العبد وحدها استقلالا وأَقلهم أَنها بقدرة العبد وقدرة الله عز وجل، والمجاز المذكور استعارة مفردة لا تمثيلية، وذلك أَنهم يصعب عليهم السمع حتى كأَنهم لا يطيقونه، وفى التمثيلية هنا تكلف.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما يوجب التدمير {لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ} لله تعالى مفلتين أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك / {فِي ٱلأَرْضِ} مع سعتها وإن هربوا منها كل مهرب وجعلها بعضهم كناية عن الدنيا {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآء} ينصرونهم من بأسه ولكن أخر ذلك لحكمة تقتضيه، و {مِنْ} زائدة لاستغراق النفي، وجمع {أَوْلِيَآء} إما باعتبار أفراد الكفرة كأنه قيل: وما كان لأحد منهم من ولي، أو باعتبار تعدد ما كانوا يدعون من دون الله تعالى فيكون ذلك بياناً لحال آلهتهم من سقوطها عن رتبة الولاية {يُضَـٰعَفُ لَهُمْ ٱلْعَذَابَ} جملة مستأنفة بين فيها ما يكون لهم ويحل بهم، وادعى أنها تتضمن حكمة تأخير المؤاخذة، وزعم بعضهم أنها من كلام الأشهاد، وهي دعائية ليس بشيء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ـ يضعف ـ بالتشديد. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} أي أنهم كانوا يستثقلون سماع الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ويستكرهونه إلى أقصى الغايات حتى كأنهم لا يستطيعونه، وهو نظير قول القائل: العاشق لا يستطيع أن يسمع كلام العاذل، ففي الكلام استعارة تصريحية تبعية، ولا مانع من اعتبار الاستعارة التمثيلية بدلها وإن قيل به، وبالجملة لا ترد الآية على المعتزلة وكذا على أهل السنة لأنهم لا ينفون الاستطاعة رأساً وإن منعوا إيجاد العبد لشيء مّا، وكأنه لما كان قبح حالهم في عدم إذعانهم للقرآن الذي طريق تلقيه السمع أشد منه في عدم قبولهم سائر الآيات المنوطة بالأبصار بالغ سبحانه في نفي الأول عنهم حسبما علمت واكتفى في الثاني بنفي الإبصار فقال عز قائلاً: {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} أي أنهم كانوا يتعامون عن آيات الله تعالى المبسوطة في الأنفس والآفاق، وكأن الجملة جواب سؤال مقدر عن علة مضاعفة العذاب كأنه قيل: ما لهم استوجبوا تلك المضاعفة؟ فقيل: لأنهم كرهوا الحق أشد الكراهة واستثقلوا سماعه أعظم الاستثقال وتعاموا عن آيات الملك المتعال، ولا يشكل على هذا قوله سبحانه: {أية : مَن جَآء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }تفسير : [الأنعام: 160] بناءاً على أن المراد بمثل السيئة ما تقتضيه من العقاب عند الله تعالى فلعل ما فعلوه من السيئات يقتضي تلك المضاعفة فتكون هي المثل كما أن مثل سيئة الكفر هو الخلود في النار، وقيل: إن المضاعفة لافترائهم وكذبهم على ربهم وصدّهم عن سبيل الله تعالى وبغيهم إياها العوج وكفرهم بالآخرة ـ على ما يدل عليه نسبة مضاعفة العذاب إلى هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات ـ وبه جمع بين ما هنا وقوله سبحانه: {أية : مَن جَآء بِٱلسَّيّئَةِ }تفسير : [الأنعام:160] الآية، ولعل التعليل بما تفيده الجملة على هذا لأنه الأصل الأصيل لسائر قبائحهم ومعاصيهم. وزعم بعضهم أن المضاعفة لحفظ الأصل إذ لولا ذلك لارتفع ولم يبق عذاباً للإلف بطول الأمد وفيه ما فيه، وقيل: إن الجملة بيان لما نفى من ولاية الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل عن الولاية وقوله سبحانه: {يُضَـٰعِفُ} الخ اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر بسوء العاقبة، وفيه أنه مخالف للسياق ومستلزم تفكيك الضمائر، وجوز أبو البقاء أن تكون {مَا} مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وإبصارهم، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد، وأجاز الفراء أن تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن، وفيه بعد لفظاً ومعنى.

ابن عاشور

تفسير : {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ}. استئناف بياني ناشىء عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في الآخرة فإنّ ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل: هل هم سالمون من عذاب الدنيا. فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في الدنيا، أي لا يخرجون عن مقدرة الله على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم. وإعادة الإشارة إليهم بقوله: (أولئك) بعد أن أشير إليهم بقوله: {أية : أولئك يعرضون على ربهم}تفسير : [هود: 18] لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق. والمعنى: أنهم يصيرون إلى حكم ربهم في الآخرة ولم يكونوا معجزيه أن يعذبهم في الدنيا متى شاء تعذيبهم ولكنه أراد إمهالهم. والمعجز هنا الذي أفلت ممّن يروم إضراره. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين}تفسير : في سورة [الأنعام: 134]. والأرض: الدنيا. وفائدة ذكره أنهم لا ملجأ لهم من الله لو أراد الانتقام منهم فلا يجدون موضعاً من الأرض يستعصمون به. فهذا نفي للملاجيء والمعاقل التي يستعصم فيها الهارب. وعندي أنّ مقارنة (في الأرض) بـ(معجزين) جَرى مجرى المثل في القرآن كما في قوله تعالى: {أية : ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض}تفسير : [الأحقاف: 32] ولعله مما جرى كذلك في كلام العرب كما يؤذن به قول إياس بن قبيصة الطائي من شعراء الجاهلية: شعر : ألم تر أن الأرض رحب فسيحة فهل تعجزني بقعة من بقاعها تفسير : {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} يجوز أن يكون المراد بالأول الأنصار، أي ما لهم ناصر ينصرهم من دون الله. فجمع لهم نفي سببي النجاة من عذاب القادر وهما المكان الذي لا يصل إليه القادر أو معارضة قادر آخر إياه يمنعه من تسليط عقابه. و{مِن دون الله} متعلق بـ(أولياء) لما في الولي هنا من معاني الحائل والمباعد بقوله: {أية : ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً}تفسير : [النساء: 119]. ويجوز أن يراد بالأولياء الأصنام التي تَولوْها، أي أخلصوا لها المحبة والعبادة. ومعنى نفي الأولياء عنهم بهذا المعنى نفي أثر هذا الوصف، أي لم تنفعهم أصنامهم وآلهتهم. و{من دون الله} على هذا الوجه بمعنى من غير الله، فـ(دون) اسم غير ظرف، و(من) الجارّة لـ(دون) زائدة تزاد في الظروف غير المتصرفة، و(من) الجارة لـ(أولياء) زائدة لاستغراق الجنس المنفي، أي ما كان لهم فرد من أفراد جنس الأولياء. والعذاب المضاعف هو عذاب الآخرة بقرينة قوله: {لم يكونوا معجزين في الأرض} المشعر بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لاَ عنْ عجز. خبر عن اسم الإشارة. ويجوز أن تكون جملة {لم يكونوا معجزين في الأرض} خبراً أوّلاً وجملة {يضاعف} خبراً ثانياً. ويجوز أن تكون جملة {لم يكونوا معجزين} حالاً وجملة {يضاعف} خبراً أول. يجوز أن يكون هذا خبراً عن اسم الإشارة أو حالاً منهُ فتكون استطاعة السمع المنفية عنهم مستعارة لكراهيتهم سماع القرآن وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم كما نفيت الإطاقة في قول الأعشى: شعر : وهل تطيق وداعاً أيها الرجل تفسير : أراد بنفي إطاقة الوداع عن نفسه أنه يحزن لذلك الحزن من الوداع فأشبه الشيء غير المطاق وعبّر هنَا بالاستطاعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى استماع القرآن فيعرضون لأنّهم يكرهون أن يسمعوه. قال تعالى: {أية : ويلٌ لكل أفّاكٍ أثيمٍ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها}تفسير : [الجاثية: 7، 8] وقال: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون}تفسير : [فصلت: 26] لأنهم لو سمعوا ووعوا لاهتدوا لأن الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها فسماعه كاف في حصول الاهتداء. والإبصار المنفي هو النظر في المصنوعات الدالة على الوحدانية، أي ما كانوا يوجهون أنظارهم إلى المصنوعات توجيه تأمل واعتبار بل ينظرون إليها نظر الغافل عما فيها من الدقائق، ولذلك لم يقل هنا: وما كانوا يستطيعون أن يبصروا، لأنهم كانوا يبصرونها ولكنّ مجرد الإبصار غير كاف في حصول الاستدلال حتّى يضم إليه عمل الفكر بخلاف السمع في قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع}. ويجوز أن تكون الجملة حالاً لـ(أولياء)، وسوّغ كونها حالاً من النكرة أن النكرة وقعت في سياق النفي. والمعنى: أنهم جعلوها آلهة لهم في حال أنها لا تستطيع السمع ولا الإبصار. وإعادة ضمير جمع العقلاء على الأصنام على هذا الوجه منظور فيه إلى أن المشركين اعتقدوها تَعْقل، ففي هذا الإضمار مع نفي السمع والبصر عنها ضرب من التّهكم بهم. والإتيان بأفعال الكون في هذه الجمل أربع مرات ابتداء من قوله: {أولئك لم يكونوا معجزين} إلى قوله {وما كانوا يبصرون} لإفادة ما يدل عليه فعل الكون من تمكن الحدث المخبر به فقوله: {لم يكونوا معجزين} آكد من: لا يعجزون وكذلك أخواته. والاختلاف بين صيغ أفعال الكون إذ جاء أولها بصيغة المضارع والثلاثة بعده بصيغة الماضي لأن المضارع المجزوم بحرف (لم) له معنى المضي فليس المخالفة منها إلاّ تفنناً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، يضاعف لهم العذاب يوم القيامة، لأنهم يعذبون على ضلالهم، ويعذبون أيضاً على إضلالهم غيرهم، كما أوضحه تعالى بقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ }تفسير : [النحل: 88]. وبين في موضع آخر. أن العذاب يضاعف للأتباع والمتبوعين، وهو قوله في الأعراف {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ}تفسير : [الأعراف: 38] الآية. قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُون}. في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه، بعضها يشهد له القرآن: الأول - وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره، ونقله عن ابن عباس وقتادة -: أن معنى {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} الآية - أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع، ولا أن يبصروه إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين عن استعمال جوارحهم في طاعة الله تعالى: وقد كانت لهم أسماع وأبصار. ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحقاف: 26] الآية. الثاني - وهو أظهرها عندي-: أن عدم الاستطاعة المذكورة في الآية إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة: 7]، وقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الكهف: 75] ونحو ذلك من الآيات. وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء: 155] وقوله {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5] وقوله {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة: 10] الآية. وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}تفسير : [التوبة: 125] الآية وقوله {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 110] الآية - إلى غير ذلك من الآيات. الثالث- أن المعنى ما كانوا يستطيعون السمع أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا استطيع أن اسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له ويشهد لهذا القول قوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا}تفسير : [الحج: 27] وقوله تعالى {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ }تفسير : [فصلت: 26] الآية وقوله {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ }تفسير : [نوح: 7] الآية. الرابع: أن "ما" مصدرية ظرفية، أي يضاعف لهم العذاب مدة كونهم يستطيعون أن يسمعوا ويبصروا، أي يضاعف لهم العذاب دائماً الخامس: "ما" مصدرية في محل نصب بنزع الخافض، أي يضاعف لهم العذاب بسبب كونهم يستطيعون السمع والإبصار في دار الدنيا، وتركوا الحق مع أنهم يستطيعون إدراكه بأسماعهم وأبصارهم. وقد قدمنا في سورة النساء قول الأخفش الأصغر: بأن النصب بنزع الخافض مقيس مطلقاً عند أمن اللبس. السادس: أن قوله {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} من صفة الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، فيكون متصلاً بقوله {أية : وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآء}تفسير : [هود: 20] وتكون جملة {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} اعتراضية. وتقرير المعنى على هذا القول: وما كان لهم من دون الله من أولياء ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، أي الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله. وما لا يسمع ولا يبصر لا يصح أن يكون ولياً لآخر. ويشهد لمعنى هذا القول قوله تعالى في الأعراف {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}تفسير : [الأعراف: 195] الآية، ونحوها من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية الكريمة قد تكون فيها أقوال، وكلها يشهد به قرآن فنذكر الجميع، والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20- أولئك الكافرون، لم تكن لهم قوة تُعجز الله عن أخذهم بالعذاب فى الدنيا، ولم يكن لهم نُصراء يمنعون عنهم عذابه لو شاء أن يعجل لهم العذاب، وإن العذاب سيقع عليهم فى الآخرة أضعاف ما كان سيقع عليهم فى الدنيا، لو أراد الله أن يقع، لأنهم كرهوا أن يسمعوا القرآن، ويبصروا آيات الله فى الكون، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يسمعوا أو يبصروا. 21- أولئك الكافرون لم يربحوا بعبادة غير الله شيئاً. بل خسروا أنفسهم وغاب عنهم فى الآخرة ما كانوا يفترون من أكاذيب ودعاوى باطلة، وما كانوا يختلقون من الآلهة الباطلة، ويزعمون أنهم ينفعونهم أو يشفعون لهم، فإن يوم القيامة هو يوم الحقائق التى لا زيف فيها ولا افتراء. 22- حقاً، إنهم فى الآخرة أشد الناس خُسراناً. 23- إن الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الأعمال الصالحة، وخضعت قلوبهم واطمأنت إلى قضاء ربها، هؤلاء هم المستحقون لدخول الجنة والخُلْد فيها. 24- مثل الفريقين: المؤمنين والكافرين، كالأعمى الذى يسير على غير هدى، والأصم الذى لا يسمع ما يرشده إلى النجاة، وكقوى البصر الذى يرى طريق الخير والنجاة، وقوى السمع الذى يسمع كل ما ينفعه، هذان الفريقان لا يستويان فى الحال والمآل. أفلا تتفكرون - أيها الناس - فيما بينكم من التباين والكفر، وفيما بين الباطل والحق من خلاف، فتبتعدوا عن طريق الضلال، وتسيروا فى الطريق المستقيم؟ 25- وكما أرسلناك إلى قومك لتنذرهم وتبشرهم، فقابلك فريق منهم بالعناد والجحود، أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال لهم: إنى محذر لكم من عذاب الله، مبين لكم طريق النجاة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} {يُضَاعَفُ} (20) - إِنَّ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ، لَمْ يَكُونُوا بِالذِينَ يُعْجِزُونَ اللهَ بِهَرَبِهِمْ مِنْهُ فِي الأَرْضِ، إِذا أَرَادَ عِقَابَهُمْ، بَلْ هُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الانْتِقَامِ مِنْهُمْ، وَلا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَنْفَعَهُمْ، أَوْ أَنْ يَنْصُرَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يُؤَخِّرُ عُقُوبَتَهُمْ وَالانْتِقَامَ مِنْهُمْ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيُضَاعِفُ لَهُمُ العَذَابَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، لأَِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا، وَبَقُوا صُمّاً عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، عُمْياً عَنِ اتِّبَاعِهِ. مُعْجِزِينَ - فَائِتِينَ مِنْ عَذَابِ اللهِ بِالهَرَبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإعجاز هو الامتناع، وأعجزت فلاناً، أي: برهنت على أنه ممتنع عن الأمر وغير قادر عليه. وقد تجلَّى الإعجاز - على سبيل المثال - في عجز هؤلاء الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن يأتي بآية من مثله. والمعجز في الأرض هو من لا تقدر عليه. ويبيِّن لنا الحق سبحانه في هذه الآية أن هؤلاء الكافرين لا يُعجزون الله في الأرض، بدليل أن هناك نماذج من أمم قد سبقت وكفرت، فمنهم من أخذته الريح، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من غرق، وإذا انتقلوا إلى الآخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون الله؛ لأن الولي هو القريب منك، ولا يقرب منك إلا من تحبه، ومن ترجو خيره. فإذا قَرُب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك، نضح عليك من مواهبه، وإذا كان من يقرب منك قوياً وأنت ضعيف، ففي قوته سياج لك، وإن كان غنياً، فغناه ينضح عليك، وإن كان عالماً أفادك بعلمه، وإن كان حليماً أفادك بحلمه لحظة غضبك، وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب منه، فسوف يفيدك من موهبته. والولي هو النصير أيضاً؛ لأنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك. وهؤلاء الذين يصدُّون عن سبيل الله لن يجدوا وليّاً ولا نصيراً في الآخرة - وإن وجدوه في الدنيا - لأن كل إنسان في الآخرة سيكون مشغولاً بنفسه: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ}تفسير : [الحج: 2]. ويقول الحق سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..}تفسير : [لقمان: 33]. وكذلك يقول الحق سبحانه: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس: 34-37]. إذن: فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يُعجزون الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة، بل: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ..} [هود: 20]. ونحن نفهم الضِّعْفَ على أنه الشيء يصير مرتين، ونظن أن في ذلك قوة، ونقول: لا؛ لأن الذي يأتي ليسند الشيء الأول ويشفع له، كان الأول بالنسبة له ضعيف. إذن: فالمُضَاعفة هي التي تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج إلى ما يدعمه. ومُضَاعفة العذاب أمر منطقي لهؤلاء الذين أرادوا الأمر عوجاً، وصدوا عن سبيل الله تعالى، وأرادوا بذلك إضلال غيرهم. وقول الحق سبحانه: {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ..} [هود: 20]. لا يتناقض مع قوله الحق: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..}تفسير : [الأنعام: 164]. لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وِزْران: وزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم. وهناك آية تقول: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ ..}تفسير : [الفرقان: 68-69]. أي: أن مَنْ يفعل ذلك يَلْقَ مضاعفة للعذاب.. لماذا؟ لأنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم. والحق سبحانه وتعالى لا يريد للذنوب أن تنتشر، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يحض على أن يرى المؤمنون من ارتكب الجُرْم لحظةَ العقاب، مثلما يقول سبحانه في الزنا: {أية : .. وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما، ففي ذلك تحذير من ارتكاب الجُرْم، وحدّ من وقوع الجرائم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لأولئك الذين صَدُّوا عن سبيل الله، وأرادوا إضلال غيرهم، فارتكبوا جريمتين: أولاهما: ضلالهم. والثانية: إضلالهم لغيرهم. ولذلك تجد بعضاً من الذين أضلُّوا يقولون يوم القيامة: {أية : .. رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ}تفسير : [فصلت: 29]. ويقولون أيضاً: {أية : .. رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 67-68]. إذن: فالدعوة إلى الانحراف إضلال، وعمل الشيء بالانحراف إضلال؛ لأنه أسوة أمام الغير. ومضاعفة العذاب لا تعني الإحراق مرة واحدة في النار؛ لأن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا مرة واحدة لانتهى الإيلام؛ ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب. يقول الحق سبحانه: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..}تفسير : [النساء: 56]. فهو عذاب على الدوام. أو أن العذاب الذي يضاعف له لون آخر، فهناك عذاب للكفر، وهناك عذاب للإفساد. يقول الحق سبحانه: {أية : .. زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ}تفسير : [النحل: 88]. فالعذاب على الكفر لا يلغي العذاب على المعاصي التي يرتكبها الكافر. فإذا كانت الشاة القرناء يُقتصُّ للشاة الجلحاء منها، أي: أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي لا قرون لها، فيوم القيامة يتم القصاص منها، رغم أنه لا حساب للحيوانات؛ لأنها لا تملك الاختيار، ولكنها سوف تُستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة. ويقول الحق سبحانه: {.. يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود: 20]. أي: ما كانوا يستطيعون الاستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع، فلم يستمعوا لبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا استطاعوا الاستفادة من أبصارهم ليروا آيات الله سبحانه وتعالى في الكون، فكأنهم صُمٌّ عُمْيٌ، أو يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ..}تفسير : [مريم: 38]. أي: أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {أُولَـٰئِكَ} البعداء المسرفون المتفرون على الله، المفرطون في تحريف كتابه {لَمْ يَكُونُواْ} من أهل الإعجاز حتى صاروا {مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} كل من تحدى معهم ويعارضهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} حتى ينصروهم ويحفظوهم عن عذا الله إياهم إن تعلق إرادته بتعذيبهم في الدنيا، وإنما أمهلهم وأخر عذابهم إلى يوم الجزاء؛ ليقترفوا من موجباته وأسبابه أكثر مما كانوا عليه، وحتى يدوم وبالها لأجلهم، بل {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} لأنهم بسبب أعراضهم عن الحق {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} لأن في آذانهم وقراً عن استماعه {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود: 20] لتعاميهم عن أبصار آثاره ودلائله. وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} المعزولون عن استماع كلمة الحق وإبصار علاماته هم {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} بالافتراء على الله بما لا يليق بجنابه بإشراك مصنوعاته معه في استحقاق العبادة {وَ} مع ذلك {ضَلَّ} وغاب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [هود: 21] من الآلهة الباطلة، ولم يبقَ لهم سوى الندامة والخسران. لذلك {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [هود: 22] المقصرون على الخسران والحرمان، ألا ذلك هو الخسران المبين!. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وفوضوا أمورهم كلها إليه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى جنابه {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي: تضرعوا له مطمئنين خاشعين {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون الصالحون، المصالحون الخاشعون المخبتون {أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ} التي هي دار السعداء {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود: 23] دائمون مطمئنون متمكنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي: المؤمن والكافر في السعادة والشقاوة والهداية والضلال {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} كل مع نقيضتها {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} كل من النقيضين {مَثَلاً} أيها العقلاء {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] التفاوت والتفاضل حتى تتنبهوا وتتفطنوا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} [هود: 20] أي: لم يعجزوني بأن أهلكهم في الدنيا؛ لئلا يبقوا في الأرض متمتعين بها. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} ينتفعون بهم في الدنيا والآخرة انتفاع النجاة، بل {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} [هود: 20] عذاب الضلال والإضلال، فإنهم ضلوا عن سبيل الله بطلب الدنيا، وأضلوا أهل الإرادة عن طريق الحق باستتباعهم. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} [هود: 20] ليسمعوا نصح الله ورسوله، ونصح الناصحين، {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود: 20] أي: ما كانوا لهم بصر يبصرون بها الحق، ولا سمع يسمعون به الحق عن أهل الحق، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} [هود: 21] بأنهم باعوا الدين بالدنيا، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ورضا الله، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [هود: 21] أي: ما كان لافترائهم حاصل الندامة والغرامة، {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [هود: 22] لأنهم مؤاخذون بخسرانهم وخسران اتباعهم بحسبانهم أنهم يحسنون صنعاً كقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً}تفسير : [الكهف: 103]. ثم أخبر عن مثل أهل الهداية وأهل الغواية بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} [هود: 23]، {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: آمنوا بطلب الله، وطلبوه على أقدام معاملات صالحات للطلب المفيدات للوصول إلى المطلوب، {وَأَخْبَتُوۤاْ} أي: أنابوا، {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} بالكلية، ولم يطلبوا منه إلا هو واطمأنوا به. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ} [هود: 23] أي: أرباب الجنة كما يقال لرب الدار: صاحب الدار وهم مطلوبو الجنة لا طلابها، وإنما هم طلاب الله، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود: 23] طلاباً عن الضالين المضلين، والطالبين المجتنبين، {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ} [هود: 24]. ثم أخبر والأعمى الذي لا يبصر الحق حقاً والباطل باطلاً، بل يبصر الباطل حقاً والحق باطلاً، والأصم لا يسمع الحق حقاً والباطل باطلاً، بل يسمع الباطل حقاً والحق باطلاً، {وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} [هود: 24] البصير الذي يرى الحق حقاً ويتبعه، ويرى الباطل باطلاً ويجتبيه، والسميع الذي يسمع الحق حقاً ويعمل به والباطل باطلاً ولا يعمل به، وأيضاً البصير من كان الله بصره فبه يبصره، والسميع من كان الله سمعه فيسمع به، ومن أبصر با لله لا يبصر غير الله، ومن سمع بالله لا يسمع إلا من الله، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 24] أي: أفلا تتذكرون يوم الميثاق إن كنتم تسمعون خطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] بالله من الله تصبرونه به وتعرفونه به وتحبونه به.

همام الصنعاني

تفسير : 1198- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}: [الآية: 20]، قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً، فينتفعوا به ولا يبصروا خيراً فيأخذو به.