١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} ٱبتداء وخبر. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ضاع عنهم ٱفتراؤهم وتَلِف. قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ} للعلماء فيها أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه: {لاَ جَرَمَ} بمعنى حق، فـ {ـلا} و {جَرَمَ} عندهما كلمة واحدة، و {أنّ} عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفرّاء ومحمد ابن يزيد؛ حكاه النحاس. قال المهدويّ: وعن الخليل أيضاً أن معناها لا بدّ ولا محالة، وهو قول الفرّاء أيضاً؛ ذكره الثعلبيّ. وقال الزجاج: {لا} هاهنا نفي وهو ردّ لقولهم: إن الأصنام تنفعهم؛ كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كَسَب؛ أي كسب ذلك الفعلُ لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و {أنّ} منصوبة بجرم، كما تقول كَسَب جفاؤُك زيداً غضبة عليك؛ وقال الشاعر: شعر : نَصبنا رأسه في جِذْع نَخْلٍ بما جَرَمَتْ يداه وما ٱعتدينا تفسير : أي بما كسبت. وقال الكسائيّ: معنى {لاَ جَرَمَ} لا صَدّ ولا مَنْع عن أنهم. وقيل: المعنى لا قَطعَ قاطعٌ، فحذف الفاعل حين كثر استعماله؛ والجَرْم القَطْع؛ وقد جَرَمَ النَّخْلَ وٱجترَمَه أي صَرَمه فهو جارِمٌ، وقومٌ جُرَّم وجُرَّامٌ وهذا زمن الجَرَام والجِرَام، وجَرَمتُ صوف الشاة أي جززتُه، وقد جَرَمتُ منه أي أخذتُ منه؛ مثل جَلَمْت الشيء جَلْماً أي قطعتُ، وجَلَمت الجزورَ أَجلِمها جَلْماً إذا أخذتَ ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجَلْمته ـ ساكنة اللام ـ إذا أخذته أجمع، وهذه جَلَمة الجزور ـ بالتحريك ـ أي لحمها أجمع؛ قاله الجوهريّ. قال النحاس: وزعم الكسائيّ أن فيها أربع لغات: لا جَرَمَ، ولا عن ذا جَرَمَ، ولا أَنْ ذا جَرَمَ، قال: وناس من فَزَارة يقولون: لا جَرَ أنّهم بغير ميم. وحكى الفرّاء فيه لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون لا ذا جَرَمَ، قال: وناس من العرب يقولون: لا جُرم بضم الجيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَـٱئِكَ ٰلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم {وَضَلَّ} غاب {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} على الله من دعوى الشريك.
ابن عطية
تفسير : {خسروا أنفسهم} بوجوب العذاب عليهم، ولا خسران أعظم من خسران النفس، و {ضل} معناه: تلف ولم يجدوه حيث أملوه. و {لا جرم} لفظة مركبة من: {لا}، ومن: {جرم} بنيتا. ومعنى {لا جرم}: حق. هذا مذهب سيبويه والخليل. وقال بعض النحويين: معناها: لا بد ولا شك ولا محالة وقد روي هذا عن الخليل. وقال الزجاج: {لا} رد عليهم، ولما تقدم من كل ما قبلها، و {جرم} معناه: كسب، أي كسب فعلهم {أنهم في الآخرة هم الأخسرون}. فموضع "أن" على مذهب سيبويه رفع: وموضعها على مذهب الزجاج - نصب. وقال الكسائي معناها لا صد ولا منع. قال القاضي أبو محمد: فكأن {جرم} على هذا من معنى القطع، تقول: جرمت أي قطعت: وهي على منزع الزجاج من الكسب ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : جريمتنا هض في رأس نيق ترى لعظام ما جمعت صليبا تفسير : وجريمة القوم كاسبهم. وأما قول الشاعر جرير: شعر : ولقد طعنت أبا أميمة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : فيحتمل الوجهين: ويختلف معنى البيت. وفي {لا جرم} لغات: يقول بعض العرب: لا ذا جرم، وبعضهم: لا أن ذا جرم، وبعضهم: لا عن ذا جرم، وبعضهم: لا جر، حذفوا الميم لكثرة استعماله. و {أخبتوا} قيل معناه: خشعوا، قاله قتادة، وقيل: أنابوا، قاله ابن عباس، وقيل: اطمأنوا، قاله مجاهد، وقيل: خافوا، قاله ابن عباس أيضاً، وهذه الأقوال بعضها قريب من بعض، وأصل اللفظ من الخبت، وهو البراح القفر المستوي من الأرض؛ فكأن المخبت في القفر قد انكشف واستسلم وبقي ذا منعة، فشبه المتذلل الخاشع بذلك، وقيل: إنما اشتق منه لاستوائه وطمأنينته. وقوله {إلى ربهم} قيل: هي بمعنى اللام أي أخبتوا لربهم. وقيل: المعنى جعلوا قصدهم بإخباتهم إلى ربهم، و"الفريقان" الكافرون والمؤمنون: شبه الكافر بـ {الأعمى والأصم}، وشبه المؤمن بـ {البصير والسميع} فهو على هذا تمثيل بمثالين. وقال بعض المتأولين: التقدير كالأعمى الأصم والبصير السميع ودخلت واو العطف كما تقول: جاءني زيد العاقل والكريم، وأنت تريده بعينه؛ فهو على هذا تمثيل بمثال واحد. و {مثلاً} نصب على التمييز. ويجوز أن يكون حالاً.
الخازن
تفسير : {أولئك الذين خسروا أنفسهم} يعني أن هؤلاء الذين هذه صفتهم هم الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} يعني وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله وادعاؤهم أن الملائكة والأصنام تشفع لهم {لا جرم} يعني حقاً وقال الفراء لا محالة {أنهم في الآخرة هم الأخسرون} لأنهم باعوا منازلهم في الجنة واشتروا عوضها منازل في النار وهذا هو الخسران المبين. قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} لما ذكر الله عز وجل أحوال الكفار في الدنيا وخسرانهم في الآخرة أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة والإخبات في اللغة هو الخشوع والخضوع وطمأنينة القلب ولفظ الإخبات يتعدى بإلى وباللام فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه وإذا قلت أخبت له فمعناه خشع وخضع له فقوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إشارة إلى جميع أعمال الجوارح وقوله وأخبتوا إشارة إلى أعمال القلوب وهي الخضوع والخشوع لله عز وجل يعني أن هذه الأعمال الصالحة لا تنفع في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب وهي الخشوع والخضوع فإذا فسرنا الإخبات بالطمأنينة كان معنى الكلام يأتون بالأعمال الصالحة مطمئنين إلى صدق وعد الله بالثواب والجزاء على تلك الأعمال أو يكونون مطمئنين إلى ذكره سبحانه وتعالى وإذا فسرنا الإخبات بالخشوع والخضوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين أن لا تكون مقبولة وهو الخشوع والخضوع {أولئك} يعني الذين هذه صفتهم {أصحاب الجنة هم فيها خالدون} أخبر عن حالهم في الآخرة بأنهم من أهل الجنة التي لا انقطاع لنعيمها ولا زوال. قوله سبحانه وتعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} لما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوال الكفار وما كانوا عليه من العمى عن طريق الهدى والحق ومن الصمم عن سماعه وذكر أحوال المؤمنين وما كانوا عليه من البصيرة وسماع الحق والانقياد للطاعة ضرب لهم مثلاً فقال تبارك وتعالى مثل الفريقين يعني فريق المؤمنين وفريق الكفارين كالأعمى وهو الذي لا يهتدي لرشده والأصم وهو الذي لا يسمع شيئاً البتة، والبصير وهو الذي يبصر الأشياء على ماهيتها، والسميع وهو الذي يسمع الأصوات ويجيب الداعي فمثل المؤمنين كمثل الذي يسمع ويبصر وهو الكامل في نفسه ومثل الكافر كمثل الذي لا يسمع ولا يبصر وهو الناقص في نفسه {هل يستويان مثلاً} قال الفراء لم يقل هل يستوون لأن الأعمى والأصم في حيز كأنهما واحد وهما من وصف الكافر والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد وهما من وصف المؤمن {أفلا تذكرون} يعني فتتعظون. قوله عز وجل: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين} يعني أن نوحاً عليه السلام قال لقومه حين أرسله الله إليهم إني لكم أيها القوم نذير مبين يعني بين النذارة أخوف بالعقاب من خالف أمر الله وعبد غيره؛ وهو قوله سبحانه وتعالى: {أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} يعني مؤلم موجع قال ابن عباس: بعث نوح بعد أربعين سنة ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة فكان عمره ألفاً وخمسين سنة. وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة وقيل وهو ابن خمسين سنة وقيل وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {أولئك الذين خسروا أنفسهم} قال: غبنوا أنفسهم.
ابو السعود
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بما ذكر من القبائح {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} باشتراء عبادةِ الآلهةِ بعبادة الله عز سلطانُه {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتِها أو خسِروا ما بذلوا وضاع عنهم ما حصَلوا فلم يبقَ معهم سوى الحسرةِ والندامة {لاَ جَرَمَ} فيه ثلاثةُ أوجةٍ: (الأولُ) أن لا نافيةٌ لما سبق وجَرَم فعلٌ بمعنى حقَّ وأن مع ما في حيزه فاعلُه والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ {أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} وهذا مذهبُ سيبويه، (والثاني) جرَمَ بمعنى كسب وما بعده مفعولُه، وفاعلُه ما دل عليه الكلامُ أي كسب ذلك خُسرانَهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهورُ خُسرانِهم (والثالثُ) أن لا جرم بمعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، وأياً ما كان فمعناه أنهم أخسرُ من كل خاسر فتبـين أنهم أظلمُ من كل ظالم، وهذه الآياتُ الكريمة كما ترى مقرِّرةٌ لما سبق من إنكار المماثلةِ بـين مَنْ كان على بـينة من ربه وبـين مَنْ كان يريد الحياةَ الدنيا أبلغَ تقريرٍ فإنهم حيث كانوا أظلمَ من كل ظالمٍ وأخسَر من كل خاسرٍ لم يُتصوَّرْ مماثلةٌ بـينهم وبـين أحدٍ من الظَّلَمةِ الأخسرين فما ظنُّك بالمماثلة بـينهم وبـين مَنْ هو في أعلى مدارجِ الكمالِ ولما ذُكر فريقُ الكفارِ وأعمالُهم وبـيّن مصيُرهم ومآلُهم شُرع في بـيان حالِ أضدادِهم أعني فريقَ المؤمنين وما يؤول إليه أمرُهم من العواقب الحميدةِ تكملةً لما سلف من محاسنهم المذكورة في قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} تفسير : [هود: 17] الآية، ليتبـينَ ما بـينهما من التباين البـيِّنِ حالاً ومآلاً فقيل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بكل ما يجب أن يؤمَن به فيندرج تحتَه ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبّر عنه بالكون على بـينة من الله وإنما يحصُل ذلك باستماع الوحي والتدبرِ فيه ومشاهدةِ ما يؤدِّي إلى ذلك في الأنفس والآفاقِ، أو فعلوا الإيمان كما في يُعطي ويمنع {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضعِ من الخَبْت وهي الأرضُ المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخَبْت. وأنجدَ دخلَ في تِهامةَ ونجدٍ {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون وبعد بـيانِ تباينِ حاليهما عقلاً أريد بـيانُ تبايُنِهما حِساً فقيل:
اسماعيل حقي
تفسير : {اولئك الذين خسروا انفسهم} باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فى البحر انه على حذف مضاف اى راحة او سعادة انفسهم والا فانفسهم باقية معذبة انتهى. ولعل الابقاء على حاله انسب لمرام المقام وان البقاء معذبا كلابقاء اذ المقصود من البقاء انتفاع به {وضل} بطل وضاع {عنهم ما كانوا يفترون} من الهية الآلهة وشفاعتها
الطوسي
تفسير : ثم أخبر عنهم بخبر آخر، وهو أنهم {الذين خسروا أنفسهم} من حيث أنهم فعلوا ما يستحقون به العذاب وهلكوا بذلك في خسران أنفسهم، وخسران النفس اعظم الخسران، لأنه ليس عنها عوض، وعن هلاك رأس المال عوض، فسلامة النفس أجل فائدة، وما كان بعده من نفع فهو ربح. وقوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} قيل في معناه قولان: أحدهما - ذهب عنهم الانتفاع بالافتراء كما كانوا في الدنيا والثاني - ذهب عنهم الأوثان التي كانوا يأملون بها الانتفاع - في قول الحسن - و {أولئك} اشارة إلى البعيد، (وهؤلاء) إشارة إلى القريب وأولاء مبني على الكسر، لأنه اسم للجمع بمنزلة الواحد والكاف في {أولئك} حرف يدل على أن الكلام الذي معه مخاطباً به. ووجه اتصال {ما} في الآية أن {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره و {الذين} صفة لهم وهو موصول و {خسروا} صلته و {أنفسهم} معمول الصلة و {ضل} معطوف على الصلة و {كانوا} صلة فاعل معطوف الصلة و {يفترون} خبر صلة فاعل معطوف الصلة، وهو تمام (الاسم).
الجنابذي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} الظّالمون او الاولياء او المجموع {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ممّا ادّعوا انتسابه الى الله من ادّعاء الخلافة والفتاوى الباطلة وادّعاء شفاعة الآلهة وشفاعة من يظنّونهم خلفاء الرّسول (ص) ورؤساء الدّين وشفعاء يوم القيامة.
الهواري
تفسير : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ} فصاروا في النار { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: من عبادة الأوثان. ضلّت عنهم فلم تغن عنهم شيئاً؛ كقوله (أية : ضَلَّوا عَنَّا) تفسير : [غافر:74]. { لاَ جَرَمَ} وهي كلمة وعيد { أَنَّهُمْ فِي الأَخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} أي: خسروا أنفسهم. ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} أي: اطمأنوا إلى ربهم، أي: خلصت قلوبهم بالإِيمان. كقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} وقال مجاهد: أخبتوا اطمأنوا. وقال بعضهم: وأخبتوا: وأنابوا إلى ربهم { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ} أي: أهل الجنة { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: لا يخرجون منها. قوله: { مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَستَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: لا يستويان مثلاً. أي: فكما لا يستوي عندكم الأعمى والأصم والبصير والسميع في الدنيا. فكذلك لا يستويان عند الله في الدين. ومثل الكافر مثل الأعمى والأصم، لأنه أعمى أصم عن الهدى، والبصير والسميع هو المؤمن، أبصر الهدى وسمعه فقَبِله. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: أنذركم عذاب الله في الدنيا والآخرة. {أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي: موجع.
اطفيش
تفسير : {أولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أنفُسَهم} أهلكوا، فإن الإهلاك خسران، كمن أحرق بضاعته أو أضاعوها إذ لم ينتفعوا بها فى الطاعة، أو أضاعوا حظوظها من رحمة الله، وذلك أنهم عبدوا غير الله سبحانه، فصاروا إلى النار المؤبدة. {وضَلَّ} غاب أو حضر، ولم ينفعهم، فكأنه غائب {ما كانُوا يفْتَرونَ} من الآلهة وعبادتها وشفاعتها التى يرجون، أو ضاع عنهم ما كانوا يكسبونه مما زعموا أنه ينفعهم من عبادتها.
اطفيش
تفسير : {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} أَضاعوها إِلى النار وأَضاعوا منافعها إِذ لم يستعملوا أَعضاءَهم فيما ينفع من الإِيمان وأَضاعوا ما لهم فى الجنة وأَضاعوا الفطرة الى فطروا عليها وهذا أَولى من قول أَبى حيان أَنه على حذف مضاف أَى خسروا سعادة أَنفسهم، وهو قول حسن لا بأْس به، وقال لأَن أَنفسهم باقية معذبة أَى فليسوا متلفين لها ومفنين. ويعنى أَن الآية ليست على الإِتلاف والإِفناء ولم يتصف من تعقبه بأَن الإِبقاءَ فى العذاب كلا إِبقاءَ لأَن قول هذا المتعقب أَن بقاءَه كلا إِبقاءٍ يناسب الفناءَ المناسب لعدم التأَلم، وهو باطل وأَولى من أَن يقال خسران النفس إِهلاكها {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} من شفاعة الآلهة فى الدنيا لو كانت تشفع فيها لشفعت لهم فى الآخرة، أَو الكلام على سبيل الفرض إِن كان البعث حقاً شفعت لنا آلهتنا، أَو ضاع عنهم ما لهم فى الدنيا من مال وجاه وأَعوان لم ينفعهم فى الآخرة، أَو لم ينفعهم الكفر الذى اختاروه عن الإِسلام لأَنفسهم.
الالوسي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بتلك القبائح. {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى شأنه، وقيل: خسروا بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة والآخرة بالدنيا وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة. وفي «البحر» أنه على حذف مضاف أي: {خَسِرُواْ} سعادة أنفسهم وراحتها فإن أنفسهم باقية معذبة. / وتعقب بأن إبقاءه على ظاهره أولى لأن البقاء في العذاب كلا بقاء {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتها
ابن عاشور
تفسير : استئناف، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله: {أية : أولئك يعرضون على ربهم}تفسير : [هود: 18]. والموصول في {الذين خسروا أنفسهم} مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة، أي إن بلغكم أنّ قوماً خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذباً، وخسارة أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء، فلما ضلوا فقد خسروها. وتقدم الكلام على {خسروا أنفسهم} عند قوله تعالى: {أية : الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون}تفسير : في سورة [الأنعام: 12]. والضلال: خطأ الطريق المقصود. و{ما كانوا يفترون} ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الضر عند الشدائد، قال تعالى: {أية : فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون}تفسير : [الأحقاف: 28]. وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها. شبهت أصنامهم بمن سلك طريقاً ليلحق بمن استنجد به فضَلّ في طريقه. وجملة {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل المتقدمة من قوله: {أية : أولئك يعرضون على ربهم}تفسير : [هود: 18] لأنّ ما جمع لهم من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة. و(لا جرم) كلمة جزْم ويقين جرت مجرى المثل، وأحسب أن (جرم) مشتقّ مما تنوسي، وقد اختلف أيمّة العربية في تركيبها، وأظهر أقوالهم أن تكون (لا) من أول الجملة و(جرم) اسم بمعنى محالة أي لا محالة أو بمعنى بدّ أي لا بدّ. ثم يجيء بعدها أنّ واسمها وخبرها فتكون (أنّ) معمولة لحرف جرّ محذوف. والتقدير: لا جرم من أن الأمر كذا. ولما فيها من معنى التحقيق والتوثيق وتعامل معاملة القسم فيجيء بعدها في ما يصلح لجواب قسم نحو: لا جرم لأفعلن. قاله عمرو بن معد يكرب لأبي بكر. وعبر عمّا لحقهم من الضر بالخسارة استعارة لأنه ضر أصابهم من حيث كانوا يرجون المنفعة فهم مثل التجار الذين أصابتهم الخسارة من حيث أرادوا الربح. وإنما كانوا أخسرين، أي شديدي الخسارة لأنهم قد اجتمع لهم من أسباب الشقاء والعذاب ما افترق بين الأمم الضالة. ولأنهم شقُوا من حيث كانوا يحسبونه سعادة قال تعالى: {أية : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}تفسير : [الكهف: 103، 104] فكانوا أخسرين لأنهم اجتمعت لهم خسارة الدنيا والآخرة. وضمير {هم الأخسرون} ضمير فصل يفيد القصر، وهو قصر ادّعائي، لأنهم بلغوا الحد الأقصى في الخسارة، فكأنّهم انفردوا بالأخسرية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي غاب عنهم ما كانوا يدعونه من شركاء لله تعالى. لا جرم: أي حقاً وصدقاً أنهم في الآخرة هم الأخسرون. وأخبتوا إلى ربهم: أي تطامنوا أو خشعوا لربهم بطاعته وخشيته. مثل الفريقين: أي فريق المؤمنين وفريق الكافرين. أفلا تذكرون: أي تتعظون، فتستغفروا ربكم ثم تتوبوا إليه؟. معنى الآيات: ما زال السياق في تحديد المجرمين وبيان حالهم في الآخرة فقال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ} أي البعداء {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} حيث استقروا في دار الشقاء فخسروا كل شيء حتى أنفسهم، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي وغاب عنهم ما كانوا يزعمون أن لهم شُركَاء، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم قال تعالى: {لاَ جَرَمَ} أي حقاً {أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} أي في دار الآخرة {هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أي الأكثر خسراناً من غيرهم لأنهم أضافوا إلى جريمة كفرهم جريمة تكفير غيرهم ممن كانوا يدعونهم إلى الضلال، ويصدونهم عن الإِسلام سبيل الهدى والنجاة من النار. ولما ذكر تعالى حال الكافرين وما انتهوا إليه من خسران، ذكر تعالى حال المؤمنين فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي آمنوا بالله وبوعده ووعيده. وآمنوا برسول الله وبما جاء به، وعملوا الصالحات التي شرعها الله تعالى لهم من صلاة وزكاة {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي أسلموا له وجوههم وقلوبهم وانقادوا له بجوارحهم فتطامنوا وخشعوا أولئك أي السامون أصحاب الجنة أي أهلها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي لا يبرحون منها ولا يتحولون عنها، هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث أما الآية الرابعة [24] وهي قوله تعالى {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}؟ فقد ذكر تعالى مقارنة بين أهل الشرك وأهل التوحيد توضيحاً للمعنى وتقريراً للحكم فقال {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي صفة الفريقين الموضحة لهما هي كالأعمى والأصم وهذا فريق الكفر والظلم والسميع والبصير. وهذا فريق أهل الإِيمان والتوحيد فهل يستويان مثلا أي صفة الجواب لا، لأن بين الأعمى والبصير تبايناً كما بين الأصم والسميع تبايناً فأي عاقل يرضى أن يكون العمى والصمم وصفاً له ولا يكون البصر والسمع وصفاً له؟ والجواب لا أحد إذاً {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتعظون بهذا المثل وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وتوحدوا وتؤمنوا برسوله وتتبعوه، وبكتابه وتعملوا بما فيه؟. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- استحسان المقارنات بين الأشياء المتضادة للعبرة والاتعاظ. 2- الكافر ميت موتاً معنوياً فلذا هو لا يسمع ولا يبصر، والمسلم حيٌّ فلذا هو سميع بصير. 3- بيان ورثة دار النعيم وهم أهل الإِيمان والطاعة، وورثة دار الخسران وهم أهل الكفر والظلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُولَـٰئِكَ} (21) - لَقَدْ خَسِرَ هؤُلاءِ أَنْفُسَهُمْ، وَغَبَنُوهَا حَظَّهَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِافْتِرَائِهِمْ عَلَى اللهِ، وَاشْتِرَائِهِم الضَّلاَلَةَ بِالهُدَى، لأَِنَّهُمْ أُدْخِلُوا النَّارَ، وَلاَقُوْا عَذَاباً لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وَلاَ يُتَوَّقَفُ، وَغَابَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللهِ مِنْ نِسْبَةِ الأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَالأَبْنَاءِ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ أَصْنَامُهُمْ، وَلا أَوْثَانُهُمْ شَيْئاً مِنَ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها قليل، أخذوا عذاباً آجلاً زمنه خالد. وفي هذا ظلم للنفس، وهذه قمة الخيبة، وهذا يدل على اختلال الموازين. وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده بعضاً من الخير لتستفيد به، وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك. وظلم النفس يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذاباً آجلاً، والمتعة العاجلة لها مدة محدودة، أما العذاب فلا مدة تحدده. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {.. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [هود: 21]. أي: لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، ولو كان لهؤلاء الذين عبدوهم قوة يوم القيامة؛ لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب، ولكنهم بلا حول ولا قوة؛ لأن الحق سبحانه قد حكم على هؤلاء الكافرين، وقال: {أية : .. وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}تفسير : [التوبة: 74]. وكذلك هؤلاء الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، أو شركاء مع الله، لا يهتدون إليهم، حتى بفرض قدرتهم على النصرة، فتلك الآلهة أو الشركاء لا يهتدون إليهم، ولا يعرفون لهم مكاناً. وقول الحق سبحانه: {وَضَلَّ عَنْهُمْ ..} [هود: 21]. أي: غاب وتاه عنهم. وقوله سبحانه: {.. مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [هود: 21]. أي: ما كانوا يدَّعونه كذباً. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):