١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {لاَ جَرَمَ } حقاً {أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا جَرَمَ} لا بد، أو "لا" صلة، جرم: حقاً، أو لا نفي لدفع العذاب عنهم، ثم استأنف جرم بمعنى كسب أي كسبوا استحقاق النار، قال: شعر : نصبنا رأسه في رأس جذع بما جرمت يداه وما اعتدينا
النسفي
تفسير : {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ } بالصد والصدود وفي لا جرم أقوال أحدها أن لا رد لكلام سابق أي ليس الأمر كما زعموا ومعنى {جرم} كسب وفاعله مضمر و{أنهم في الآخرة} في محل النصب والتقدير كسب قولهم خسرانهم في الآخرة وثانيها أن {لا جرم} كلمتان ركبتا فصار معناهما حقاً و«أن» في موضع رفع بأنه فاعل لحق أي حق خسرانهم، وثالثها أن معناه لا محالة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ } واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ } شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وفريق المؤمنين بالبصير والسميع {هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين {مَثَلاً } تشبيها وهو نصب على التمييز {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتنتفعون بضرب المثل. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله {إني لكم نذير مبين} بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في «كأن» والمعنى على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } أن مفسرة متعلقة بـ {أرسلنا} أو بـ {نذير} {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه {فَقَالَ ٱلْمَلأ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } يريد الأشراف لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً أو ملكاً {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أخساؤنا جمع الأرذل {بَادِىَ } وبالهمزة: أبو عمرو {ٱلرَّأْى } وبغير همز: أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي، أو أول الرأي من بدا يبدو إذا أظهر أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولاً، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم أو أول رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، أرادوا أن اتباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك. وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمّين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } في مال ورأي يعنون نوحاً وأتباعه {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ }أي نوحاً في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيباً للرياسة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ...} الآية: {لاَ جَرَمَ } تقدم بيانها، {وَأَخْبَتُواْ }: قال قتادة: معناه: خشعوا، وقيل: معناه أنابوا؛ قاله ابن عباس، وقيل: ٱطمأنُّوا؛ قاله مجاهد وقيل: خافوا؛ قاله ابن عباس أيضاً، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض. وقوله سبحانه: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ...} الآية، «الفريقان» الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين.
القشيري
تفسير : لا محالةَ أنهم في الآخرة أشدُّ خسراناً، وأوفر - من الخيرات - نقصاناً.
اسماعيل حقي
تفسير : {لا جرم} فيه ثلاثة اوجه. الاول ان لا نافية لما سبق وجرم فعل بمعنى حق وان مع ما فى خبره فاعله. والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعل اى حق {انهم فى الآخرة هم الاخسرون} وهذا مذهب سيبويه. والثانى ان جرم بمعنى كسب وما بعده مفعوله وفاعله ما دل عليه الكلام اى كسب ذلك خسرانهم فالمعنى ما حصل ومن ذلك الا ظهور خسرانهم. والثالث ان لا جرم بمعنى لا بد انهم فى الآخرة هم الاخسرون واياما كان فمعناه انهم اخسر من كل خاسر. قال الكاشفى [بى شك وشبهه ايشان دران سراى ايشان زيانكارتر زهمه زيانكاران جه برستش بتانرا بيرستش خداى تعالى خريده اندو متاع دنياى فانى را بر نعيم عقباى باقى اختيار كرده ودرين سود اغبن فاحش است] شعر : مايه اين را بدنيا دادن ازدون همتيست زانكى دنيا جملكى رنج اسن ودين آسايش است نعمت فانى ستانى دولت باقى دهى اندرين سودا خردداندكه غبن فاحش است تفسير : -وروى- ابن ابى الدنيا عن الضحاك انه قال حديث : اتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله من ازهد الناس قال "من لم ينس القبر والبلى وترك زينة الدنيا واثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد عدا من ايامه وعد نفسه من الموتى" تفسير : وفى الحديث "حديث : بادروا بالاعمال فان بين ايديكم فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا" تفسير : ومن البائع دينه بالدنيا المدعى مع الله رتبة طلبا للرياسة واستجلاب حظوظ النفس بطريق التزهد والشيخوخة وهو ملعون على ألسنة الاولياء الذين هم شهداء الله فى الارض لانه نزل نفسه منزلة السادة الكبراء فظلم واستحق اللعنة: وفى المثنوى شعر : توملاف ازمشك كان بوى بياز ازدم توميكند مكشوف راز كلشكر خوردم همى كوئى وبوى ميزند از سيركه ياوه مكوى تفسير : ومن اوصاف المدعين انهم بادعائهم الشيخوخة يقطعون سبيل الله على طالبيه بالدعوة الى انفسهم ويمنعونهم ان يتمسكوا بذيل ارادة صاحب ولاية يهديهم الى الحق وهم بالآخرة هم كافرون على الحقيقة لان من يؤمن بالآخرة ولقاء الله والحساب والجزاء على الاعمال لا يجرى مع الله بمثل هذه المعاملات ولهم عذاب الضلال عن سبيل الله بطلب الدنيا والقدوة فيها وعذاب اضلال اهل الارادة عن طريق الحق باستتباعهم وهم مؤاخذون بخسرانهم وخسران اتباعهم وبحسبان انهم يحسنون صنعا فهم الاخسرون شعر : ترسم نرسى بكعبه اى اعرابى كين ره كه توميروى بتركشتانست
الطوسي
تفسير : معنى {لا جرم} قال الزجاج: معنى {لا} نفي لما ظنوه أنه ينفعهم كأن المعنى لا ينفعهم ذلك. ثم ابتدأ {جرم أنهم} أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران. وقال غيره: معناه لا بد انهم، ولا محالة أنهم. وقيل: معناه حقاً أنهم. واصل (الجرم) القطع فكأنه قال لا قطع من انهم في الاخرة هم الاخسرون و (جرم) في قوله {لا جرم} فعل، وتقديره لا قطع قاطع عن ذا، إلا أنهم كثر في كلامهم حتى صار كالمثل وهو من قول الشاعر: شعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا تفسير : اي قطعتهم إلى الغضب، فرواية الفراء نصب فزارة، والمعنى كسبهم أن يغضبوا. وخسران النفس يتعاظم، لأن خسران النفس بعذاب دائم أعظم من خسرانها بعذاب منقطع، و (هم) في قوله {هم الأخسرون} يحتمل أن يكون فصلا والأخسرون خبر (أن) و (هم) إذا كانت فصلا لم تقع في النكرة. وقولهم: ما كانوا في الدار هم القائمون. فلا يكون إلا اسماً، فان جعلتهما فصلا قلت: كانوا في الدار هم القائمون.
الجنابذي
تفسير : {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} حيث بدلّوا بضاعتهم بما لم يبق منه عين ولا اثر وظنّوا انّه اجلّ عوضٍ اخذوه.
اطفيش
تفسير : {لا جَرَم} لا بد من {أنهم فى الآخرِةِ هُم الأخْسَرون} دون من آمن بالله ورسوله وعمل صالحا، كما يفيده الحصر، فاسم التفضيل خارج عن معناه، أو دون من آمن ولم يعمل صالحا، فإنه خاسر، ولكنهم أخسر، فاسم التفضيل على معناه، والفريقان باعوا منزلهم فى الجنة بمنزل فى النار، فذلك خسرانهم فى الآخرة، وما ذكرته من أن لا جرم بمعنى لا بد، وأنهم الخ بتقدير الجار خبر لا، هو ما يظهر لى، وهو قول الفراء، وقيل: لا جرم معنى حقا، فيكون أنهم الخ فى التأويل فاعلا له، إذ ضمن معنى المصدر الرافع للفاعل نيابة من فعله، وقد تقدم الكلام فى ذلك، وأعقب الله سبحانه وتعالى ذكر أموال الكفرة فى الدنيا، وخسرانهم فى الآخرة بذكر أحوال المؤمنين فى الدنيا، وربحهم فى الآخرة إذ قال: {أية : إنَّ الَّذينَ آمنُوا وعملُوا الصَّالحاتِ وأخْبتُوا إلى ربِّهم}.
اطفيش
تفسير : {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} لا بد، أَو لا منع من أَنهم فى الآخرة هم الأَخسرون فإِنهم إِلخ خبر لا على تقدير من، وقيل كذلك إِلا أَن جرم بمعنى القطع، جرمت الشىءَ قطعته، وقيل الخبر محذوف أَى واقع أَو موجود، وعليه فاسمها مشبه بالمضاف لتعلق من المقدرة به، وبنى مع ذلك أَو أَعرب ولم ينون كما لا ينون المضاف لشبهه به أَو لا نفى لما ظنوا، وجرم فعل ماض بمعنى حق وأَنهم إِلخ فى تأْويل مصدر فاعله، أَى ليس الأَمر كما تقولون، وحق أَخسريتهم فى الآخرة، وهذا مذهب سيبويه، وإِذا لم يكن كلام بعد لا جرم على هذا كانت لا زائِدة للتأْكيد أَو نفياً لضد ما بعدها ولا زائدة أَو لنفى ما قبل وجرم بمعنى كسب، وأَنهم مفعول به له والفاعل مستتر عائِد إِلى ما قبل، أَى كسب خسرانهم ذلك، وقيل لا نافية لمحذوف أَى لا ينفعهم فعلهم، ونقل عن سيبويه والخليل أَن لا جرم كلمتان ركبتا وجعلتا بمعنى فعل ماض بمعنى حق، وفى الآخرة متعلق بالأَخسرون قدم للفاصلة وقد يستدل به على جواز تقديم معمول اسم التفضيل عليه غير من التفضيلية ومدخولها إِلا أَن هذا المعمول ظرف وهم يتوسعون فى الظروف، وأَما أَل فليست موصولة فى اسم التفضيل، والمراد أَنهم أَكثر خسرانا، فالزيادة فى الكم، أَو أَكثر شدة فالزيادة فى الكيف.
الالوسي
تفسير : {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} أي لا أحد أبين أو أكثر خسراناً منهم، فأفعل للزيادة إما في الكم أو الكيف، وتعريف المسند بلام الجنس لإفادة الحصر، وإن جعل {هُمْ} ضمير فصل أفاد تأكيد الاختصاص، وإن جعل مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر أن أفاد تأكيد الحكم، وفي {لاَ جَرَمَ} أقوال: ففي «البحر» عن الزجاج أن ـ لا ـ نافية ومنفيها محذوف أي لا ينفعهم فعلمهم مثلا، و ـ جرم ـ فعل ماض بمعنى كسب يقال: جرمت الذنب إذا كسبته؛ وقال الشاعر: شعر : نصبنا رأسه في جذع نخل بما جرمت يداه وما اعتدينا تفسير : وما بعده مفعوله، وفاعله ما دل عليه الكلام أي كسب ذلك أظهرية أو أكثرية خسرانهم، وحكي هذا عن الأزهري، ونقل عن سيبويه أن ـ لا ـ نافية حسبما نقل عن الزجاج، و ـ جرم ـ فعل ماض بمعنى حق، وما بعد فاعله كأنه قيل: لا ينفعهم ذلك الفعل حق أنهم في الآخرة الخ. وذكر أبو حيان أن مذهب سيبويه وكذا الخليل أيضاً كون مجموع {لاَ جَرَمَ} بمعنى حق وأن ما بعده رفع به على الفاعلية، وقيل: {لا} صلة و {جَرَمَ} فعل بمعنى كسب أو حق، وعن الكسائي أن {لا} نافية {وجرم} اسمها مبني معها على الفتح نحو لا رجل، والمعنى لا ضد ولا منع، والظاهر أن الخبر على هذا محذوف وحذف حرف الجر من أن ويقدر حسبما يقتضيه المعنى، وقيل: إن {لاَ جَرَمَ} اسم {لا} ومعناه القطع من جرمت الشيء أي قطعته، والمعنى لا قطع لثبوت أكثرية خسرانهم أي إن ذلك لا ينقطع في وقت فيكون خلافه. ونقل السيرافي عن الزجاج أن {لاَ جَرَمَ} في الأصل بمعنى لا يدخلنكم في الجرم أي الإثم كإثمه أي أدخله في الاثم، ثم كثر استعماله حتى صار بمعنى لا بد، ونقل هذا المعنى عن الفراء، وفي البحر أن {جَرَمَ} عليه اسم {لا}، وقيل: إن {جَرَمَ} بمعنى باطل إما على أنه موضوع له، وإما أنه بمعنى كسب والباطل محتاج له، ومن هنا يفسر {لاَ جَرَمَ} بمعنى حقاً لأن الحق نقيض الباطل، وصار لا باطل يميناً كلا كذب في قول النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا النبـي لا كذب»تفسير : وفي «القاموس» أنه يقال: {لاَ جَرَمَ} ولاذا جرم، ولا أن ذا جرم ولا عن ذا جرم ولا جرم ككرم، و {لا جرم} بالضم أي لا بد أو حقاً أو لا محالة وهذا أصله ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم فلذلك يجاب عنه باللام، فيقال: {لاَ جَرَمَ} لآتينك انتهى، وفيه مخالفة لما نقله السيرافي عن الزجاج، وما ذكره من {لا جرم} بالضم عن أناس من العرب، ولكن قال الشهاب: إن في ثبوت هذه اللغة في فصيح كلامهم تردداً، وجرم فيها يحتمل أن يكون اسماً وأن يكون فعلاً مجهولاً سكن للتخفيف، وحكى بعضهم لا ذو جرم ولا عن جرم ولا جر بحذف الميم لكثرة الاستعمال كما حذفت الفاء من سوف لذلك في قولهم: سو ترى. والظاهر أن المقحمات بين {لا} و {جرم} زائدة، وإليه يشير كلام بعضهم، وحكى بغير لا جرم أنك أنت فعلت ذاك، ولعل المراد أن كونك الفاعل لا يحتاج إلى أن يقال فيه لا جرم فليراجع ذاك والله تعالى يتولى هداك. ثم إنه تعالى لما ذكر طريق الكفار وأعمالهم وبين مصيرهم وما لهم، شرع في شرح حال أضدادهم وهم المؤمنون وبيان ما لهم من العواقب الحميدة تكملة لما سلف من محاسن المؤمنين المذكورة عند جمع في قوله سبحانه: / {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ }تفسير : [هود: 17] الآية ليتبين ما بينهما من التباين البين حالاً ومآلاً فقال عز من قائل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (22) - وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرَ النَّاسِ خُسْراناً. لأَِنَّهُمُ اعْتَاضُوا عَنِ الجَنَّةِ بِالجَحِيمِ، وَعَنِ المَغْفِرَةِ بِالعَذَابِ. لاَ جَرَمَ - لاَ شَكَّ، أَو لاَ مَحَالَةَ أَوْ حَقّاً، أَوْ حَقَّ وَثَبَتَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : واختلف العلماء في معنى كلمة {لاَ جَرَمَ}، والمعنى العام حين تسمع كلمة {لاَ جَرَمَ} أي: حق وثابت، أو لا بد من حصول شيء محدد. وحين يقول الحق سبحانه: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ ..}تفسير : [النحل: 62]. أي: حَقَّ وثبت أن لهم النار؛ نتيجة ما فعلوا من أعمال، وتلك الأعمال مقدمة بين يدي عذابهم، فحين نسمع {لاَ جَرَمَ} ومعها العمل الذي ارتكبوه، تثق في أنه يحق على الله - سبحانه - أن يعذبهم. وقال بعض العلماء: إن معنى: {لاَ جَرَمَ} حق وثبت. وقال آخرون: إن معنى {لاَ جَرَمَ} هو لا بد ولا مفر. والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البُدِّية يدل على أنها ثابتة. وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة، ومادة الكلمة هي "الجرم"، والجرم: هو القطع، ويقال: جرم يده، أي: قطع يده. وقول الحق سبحانه هنا: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [هود: 22]. أي: لا قَطْع لقول الله فيهم بأن لهم النار، ولا شيء يحول دون ذلك أبداً، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد؛ وهكذا التقى المعنى بـ"لا بد". إذن: فساعة تسمع كلمة "لا جرم"، أي: ثبت، أو لا بد من حدوث الوعيد. وأيضاً تجد كلمة "الجريمة" مأخوذة من "الجرم"، وهي قطع ناموس مستقيم، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئاً، فهذا ناموس مستقيم، فإن سرق واحد من آخر، فهو قد قطع الأمن والسلام للناس، وأيُّ جريمة هي قَطْع للمألوف الذي يحيا عليه الناس. وأيضاً يقال: جرم الشيء أي: اكتسب شرَّه، ومنه الجريمة، ولذلك يقال: من الناس من هو "جارم" وهي اسم فاعل من الفعل: "جرم"، مثل كلمة "كاتب" من الفعل "كتب" و"مجروم عليه" وهي اسم مفعول، مثلها مثل "مكتوب". فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا عن سبيل الله، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار. ومثل هذه العقوبة ليست جريمة؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة، بل هي مَنْع للجريمة. وهكذا تلتقي المعاني كلها، فحين نقول: {لاَ جَرَمَ} فذلك يعني أنه لا جريمة في الجزاء؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..}تفسير : [الشورى: 40]. وقد سمَّاها الحق سيئة؛ لأنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء إلى الفرد نفسه. ولهذا يقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ..}تفسير : [النحل: 126]. وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه: {لاَ جَرَمَ}، فهي تعني: لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار، أو لا بد أن يدخلوا النار، أو حق وثبت أن يدخلوا النار، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم. ويقول الحق سبحانه: {لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} [هود: 22]. وكلمة (الأخسرون) جمع "أخسر" وهي أفعل تفضيل لخاسر، وخاسر اسم فاعل مأخوذ من الخسارة. والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة إجحافاً لواحد، كأن يشتري شيئاً بخمسة قروش وكان يجب أن يبيعها بأكثر من خمسة قروش، لكنه باعها بثلاثة قروش فقط، فبعد أن كان يرغب في الزيادة، باع الشيء بما ينقص عن قيمته الأصلية. ومن يفعل ذلك يسمى "خاسر"، والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا، ومن يخسر في صفقة قد يربح في صفقة أخرى. ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا، فما أقصر وقت الدنيا! لأن كل ما ينتهي فهو قصير، لكن خسارة الآخرة لا نهاية لها. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 103-104]. وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الأخسرون، ومرة يقول سبحانه واصفاً الحكم عليهم: {أية : .. أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}تفسير : [الزمر: 15]. وهو خسران محيط يستوعب كل الأمكنة. وشاء الحق سبحانه بعد ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلاء، وفي ذلك فيض من الإيناسات المعنوية؛ لأن النفس حين ترى حكماً على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء المقابل. فحين يسمع الإنسان قول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 13]. فلا بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفُجَّار، فيقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار: 14]. وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار. ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح. فيقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):