Verse. 1496 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ وَاَخْبَتُوْۗا اِلٰي رَبِّہِمْ۝۰ۙ اُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ الْجَــنَّۃِ۝۰ۚ ہُمْ فِيْہَا خٰلِدُوْنَ۝۲۳
Inna allatheena amanoo waAAamiloo alsalihati waakhbatoo ila rabbihim olaika ashabu aljannati hum feeha khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا» سكنوا واطمأنوا أو أنابوا «إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون».

23

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين، والإخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة وخبت ذكره أي خفي، فقوله: «أخبت» أي دخل في الخبت، كما يقال فيمن صار إلى نجد أنجد وإلى تهامة أتهم، ومنه المخبت من الناس الذي أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه، ولفظ الإخبات يتعدى بإلى وباللام، فإذا قلنا: أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } إشارة إلى جميع الأعمال الصالحة، وقوله {وَأَخْبَتُواْ } إشارة إلى أن هذه الأعمال لا تنفع في الآخرة إلا مع الأحوال القلبية ثم إن فسرنا الإخبات بالطمأنينة كان المراد أنهم يعبدون الله وكانت قلوبهم عند أداء العبادات مطمئنة بذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى أو يقال إنما قلوبهم صارت مطمئنة إلى صدق الله بكل ما وعدهم من الثواب والعقاب، وأما إن فسرنا الإخبات بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين من أن يكونوا أتوا بها مع وجود الإخلال والتقصير، ثم بين أن من حصل له هذه الصفات الثلاثة فهم أصحاب الجنة، ويحصل لهم الخلود في الجنة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} {الذين} ٱسم {إنّ} و {آمَنُوا} صلة، أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} عطف على الصلة. قال ٱبن عباس: أخبتوا أنابوا. مجاهد: أطاعوا. قَتَادة: خشعوا وخضعوا. مقاتل: أخلصوا. الحسن: الإخبات الخشوع للمخافة الثابتة في القلب؛ وأصل الإخبات الاستواء، من الخَبْت وهو الأرض المستوية الواسعة: فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة إلى الله عزّ وجلّ المستمرّة ذلك على ٱستِواء. {إِلَى رَبِّهِمْ} قال الفرّاء: إلى ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى: وجهوا إخباتهم إلى ربهم. {أُوْلَـٰئِكَ} خبر {إِنَّ}.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبّهِمْ} اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت وهو الأرض المطمئنة. {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم، وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة قولاً وفعلاً؛ من الإتيان بالطاعات، وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون، لا يموتون ولا يهرمون، ولا يمرضون ولا ينامون، ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون، إن هو إلا رشح مسك يعرقون، ثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} أي: الذين وصفهم أولاً بالشقاء، والمؤمنين بالسعادة، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر أعمى عن وجه الحق في الدنيا والآخرة لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 23] الآية. وأما المؤمن، ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق، يميز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير، ويترك الشر، سميع للحجة، يفرق بينها وبين الشبهة، فلا يروج عليه باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أفلا تعتبرون فتفرقون بين هؤلاء وهؤلاء؟ كما قال في الآية الأخرى: { أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] وكقوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِى ٱلاَْحْيَآءُ وَلاَ ٱلاَْمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر:19-24].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَـٰتِ وَأَخْبَتُواْ } سكنوا واطمأنوا أو أنابوا {إِلَىٰ رَبّهِمْ أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني خافوا ربهم، قاله ابن عباس. الثاني: يعني اطمأنوا، قاله مجاهد. الثالث: أنابوا، قاله قتادة. الرابع: خشعوا وتواضعوا لربهم، رواه معمر. الخامس: أخلصوا إلى ربهم، قاله مقاتل.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَخْبَتُواْ} خافوا "ع"، أو اطمأنوا، أو أنابوا، أو خشعوا وتواضعوا، أو أخلصوا.

البقاعي

تفسير : ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه، كان موضع أن يسأل عن حال المؤمنين فقال: {إن الذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {وعملوا الصالحات} ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن إليهم جلافة وغلظة، وصف المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال: {وأخبتوا} أي خشعوا متوجهين منقطعين {إلى ربهم} أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة السمع والأبصار. ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله: {أولئك} أي العالو الرتبة {أصحاب الجنة} ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من أول الأمر، أعاد الضمير فقال: {هم فيها} أي خاصة لا في غيرها {خالدون}. ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزاءهم، ضرب للكل مثلاً بقوله: {مثل الفريقين} أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف والنشر المرتب، فإن الكافر ذكر فيما قبل أولاً {كالأعمى} أي العام العمى في بصره وبصيرته {والأصم} في سمعه كذلك، فهذا للكافرين {والبصير} بعينه وقلبه {والسميع} على أتم أحوالهما، وهذا للمؤمنين، وفي أفراد المثل طباق أيضاً {هل يستويان} أي الفريقان {مثلاً} أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعاً لمن له أدنى تأمل: لا يستويان مثلاً فلا يستويان ممثولاً، حسن تسبب الإنكار عنه في قوله: {أفلا تذكرون} أي يحصل لكم أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم، وذلك ما قدم في حق الكفار من قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} الآية؛ والإخبات: الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرص المستوية الواسعة، ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي إخباتاً ينتهي إلى ربهم من غير أن يحجب عنه؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول، والأمثال لا تغير عن صورتها. ولما تم ذلك على أوضح المسالك، وختم بالحث على التذكر، وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركاً لتوقع ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل، عطف - مقروناً بحرف التوقع على العامل الذي قدرته في قوله: {ألا تعبدوا إلا الله} أو على قوله: {إنما أنت نذير} وهو أحسن وأقرب - قوله: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {نوحاً إلى قومه} أي الذين هم على لسانه؛ وما بعد ذلك من القصص تقريراً لمضمون هذا المثل وتثبيتاً وتسلية وتأييداً وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره بشيء مما أمر بإبلاغه حرصاً على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى: { فلا يكن في صدرك حرج منه} وقوله: {وضائق به صدرك} ويأتي في قوله: {وكُلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت، وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعاً وأمكن أمراً وأقوى عناداً وأعظم فساداً وأحدّ شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات تحذيراً من مثل حالهم بارتكاب أفعالهم، ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم منه الشيء، ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم يطوله في غيرها، وصدرت بقوله: {إني} أي قائلاً على قراءة الجمهور بالكسر، والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو والكسائي: ملتبساً بأني {لكم} أي خاصة {نذير مبين} أي مخوف بليغ التحذير، أبين ما أرسلت به غاية البيان، وذكر فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما أوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه وفي كل ما يشبهه، وخللت قصته بقوله: {أم يقولون افتراه} خطاباً لهذا النبي الكريم وختمت بقوله: {فاصبر إن العاقبة للمتقين} وذكرت قصة إبراهيم عليه السلام لما ضمنته من أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم يتردد فيه، وأنه جادل الرسل في قوم ابن أخيه لوط، وأنه لما تحقق حتم الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه حليماً أواهاً منيباً إلى غير ذلك مما يؤمىء إليه سياق القصص، فكأنه قيل: إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا لقد أرسلنا من قبلك رسلاً منذرين فدعوا إلى ما أمرت بالدعوة إليه وأنذروهم ما يشق عليهم من بأسنا امتثالاً لأمرنا وما تركوا شيئاً منه خوفاً من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله تعالى عن نوح: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} - الآية، وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما، هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم} وزجر لهم عن مثل قولهم: {ما يحبسه} وتأييد لقوله: {ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة} - وغير ذلك مما تقدم، فقد علم من هذا الوجهُ في تكرير هذه القصص، وأنه في كل سورة لمقصد يخالف المقصد في غيرها وإن كان يستفاد من ذلك فوائد أخر: منها إظهار القدرة في بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي: قد استوفى اللفظ البليغ على الأسلوب الأكمل البديع في هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة؛ فأتى بها ثانياً إظهاراً لعجزه وقطعاً لحجته، وربما كررت ثالثاً ورابعاً توكيداً لذلك وتمكيناً للاعتبار بضروب البيان وتصبيراً للنبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه حالاً فحالاً، فإن قيل: فما بالها تأتي تارة في غاية البسط وتارة في غاية الإيجاز وتارة على الوسط؟ قيل: هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب الفصاحة والبراعة، فإن قبل: فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ثم توجز في غيرها غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم يؤت في المبسوطة كما في العنكبوت فإنه عين فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم لا استوعبت جميع المعاني في الموضع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا يخفى عليه شيء ولا ينسى، وإذا وقع حذف كان في الموجزة، قيل: قال شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن حجر: إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في كتابه التقاسيم والأنواع: إنما لم يرتبه ليحفظ إذ لو رتبه ترتيباً سهلاً لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه، وإذا وعر طريق الكشف كان أدعى إلى حفظه ليكون على ذكر من جميعه، وذكر أنه فعل ذلك اقتداء بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة، قال شيخنا: ومن هنا يظهر أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس في المبسوط الحث على حفظ الجميع - انتهى. وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن، والعمدة في المناسبة الوجه الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة، ثم يراعي في البسط وغيره المعاني المناسبة للمقصد الذي سيقت له القصة - والله الموفق. واللام في "لقد" للقسم: قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى الرماني: لأنها تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه. ولام الابتداء للاسم خاصة، ومعنى (قد) توقع الخبر للتقريب من الحال، يقال: قد ركب الأمير - لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى {ولقد أرسلنا} والإبانة: إظهار المعنى للنفس بما يمكن إدراكه. وأصله القطع، فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه - انتهى. والمقصود من الرسالة قوله سبحانه: {أن} أي نذير لأجل أن {لا تعبدوا} أي شيئاً أصلاً {إلا الله} أي الملك الأعظم - ومعنى النذارة قوله: {إني أخاف عليكم} وعظم العذاب المحذر منه بقوله: {عذاب يوم أليم*} وإذا كان اليوم مؤلماً فما الظن بما فيه من العذاب! فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم، ولم يذكر بشارة كما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : إنني لكم منه نذير وبشير} تفسير : [هود: 2] إرشاداً إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى {أية : إنما أنت نذير} تفسير : [هود: 12] ولذلك صرح بالألم بخلاف الأعراف، وكذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أول هذه من عذاب يوم كبير، وهما متقاربان؛ ثم ساق سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق بقوله: {فقال} أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال: {الملأ} وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله: {الذين كفروا} وبين أنهم اقارب أعزة بقوله: {من قومه} أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به {ما نراك} أي شيئاً من الأشياء {إلا بشراً} اي آدمياً {مثلنا} أي في مطلق البشرية، لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة، وهذا قول البراهمة، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشراً ويجعل الإله حجراً. ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا: {وما نراك} ولما انفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا: {اتبعك} أي تكلف اتباعك {إلا الذين هم} أي خاصة {أراذلنا} أي كالحائك ونحوه، وليس منا رذل غيرهم، وهو جمع أرذل كأكلب جمع رذل ككلب، والرذل: الخسيس الدنيء، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر؛ قالوا: و{اتبعك} عامل في قوله: {بادي الرأي} وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين: رذالتهم في أنفسهم، وأنهم لم يفكروا فيه، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة، فالأحسن إسناده - كما قالوه أيضاً - إلى أراذل. أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط، ويجوز أن يكون المراد "بادي رأيك" أي أنك تظن أنهم اتبعوك، ولم يتبعوك. ولما كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا، قالوا: {وما نرى لكم} أي لك ولمن تبعك {علينا} وأغرقوا في النفي بقولهم: {من فضل} أي شرف ولا مال، وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقاً بعظمة متبعه في الدنيا، وعلى كونه باطلاً بحقارته فيها، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون: لو صح كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض، وعمل {اتبعك} في {بادي} يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان، فانتفى الطعن بعدم التأمل {بل نظنكم كاذبين*} أي لكم هذا الوصف لازماً دائماً لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه؛ فكان داؤهم بطر الحق وغمط الناس، وهو احتقارهم، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل الإسلام، فصاروا لا يعظمون إلا بذلك، وهو أجهل الجهل لأن الرسل أتت للتزهيد في الدنيا وانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى اتباع الظن ما أردأه! وهذا افظع مما حكى هنا من قوله قريش {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} وأبشع؛ والبشر: الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر جلده لأن الغالب على غيره من الحيوان سترها بالصوف أو الشعر أو الوبر أو الريش؛ والمثل: الساد مسد غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده؛ والرذل: الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه؛ والفضل: الزيادة من الخير، والإفضال: مضاعفة الخير التي توجب الشكر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وأخبتوا‏} ‏ قال‏:‏ خافوا‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الإِخبات الإِنابة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ الإِخبات الخشوع والتواضع‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وأخبتوا إلى ربهم‏}‏ قال‏:‏ اطمأنوا إلى ربهم‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ}[23] أي خشعت قلوبهم إلى ربهم، وهو الخشية، فالخشوع ظاهر والخشية سر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو خشع قلبه لخشعت جوارحه"تفسير : . فقد حكي أن موسى صلوات الله عليه قص في بني إسرائيل، فمزق واحد منهم قميصه، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن قل له: مزق لي قلبك ولا تمزق لي ثيابك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} [الآية: 23]. قال شاه: علامات الإخبات ثلاث: غم الإياس مع التوبة لكره العود إلى الذنوب. وخوف الاستدراج فى إسبال الستر. وتوقيع العقوبة فى كل وقتٍ حذرًا وإشفاقًا من العدل. حذرًا وإشفاقًا من العدل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ}. الإخباتُ التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} امنوا اى ايقنوا مواعيد الغيب بنعت رويتها وعملوا الصالحات بذلوا مهجهم للوصول الى قرب الحق وزكوا سرائرهم بصفاء الذكر وجولان الفكر واخبتوا الى ربهم فنوا تحت انوار سلطان كبريائه حين عائنوها بابصار اسرارهم اولئك اصحاب مشاهدة صفات البقاء بعد افناهم فى انوار صفات القدم باقون فى البقاء بلا ضرر الفناء لانهم لا يزالون بعد ذلك الا اصحاب الصحو بعد المحو قال شاه الكرمانى رحمة الله عليه الاخبات ثلاثة غم الاياس مع التوبة لكثرة العود الى الذنوب وخوف الاستدراج فى اسبال الستر وتوقع العقوبة فى كل وقت حذر او اشفاقا من العدل قال الاستاد الاخبات التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار ومن علامات المخبتين الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستعانة بالسر ثم ان الله سبحانه فرق بين المقبولين فى الازل بنعت اصطفائيتهم بالولاية وبين المطرودين فى القدم باحتجابهم عن الوصلة والمشاهدة بقوله {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} مثل المحقق والمدعى كمثل السميع والبصير والاعمى السميع يسمع بسمع الحق من الحق كلمات الحق التى يفرق بها بين لمات الملكوتية والهواجس النفسانية ويبصر ببصر الحق جمال الحق الذى ينور بصائر العارفين وابصار المحبين بحيث يرون بها ضمائر القلوب وحقائق الغيوب فهذه الاوصاف وصف المتحققين وقال القائل فى هذا المعنى شعر : ليلى من وجهك شمس الضحى وانما السدفة فى الجو الناس فى الظلمة من ليلهم ونحن من وجهك فى الضوء تفسير : والجاهل الغاوى لا يسمع هواتف الالهام بان ليس له سمع الخاص ولا يبصر انوار المعرفة بعوارضات البشرية ما ابين مثل الحق حيث بين صريحا نفوت العارفين وسماة الجاهلين ثم استفهم عن اهل العقول استواء احل لهم اى لا يستويان وكيف يستوى حال العارف بالله والجاهل بالله قال بعضهم البصير من عاين ما يراد به وما يجرى له وعليه فى جميع اوقاته والسميع من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتاديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب فى حال من الاحوال وقيل الاعمى الذى عمى رؤية الاعتبار والاصم الذى منع لطائف الخطاب والبصير الناظر الى الاشياء بعين الحق فلا تنكر شيئا ولا يتعجب من شئ وقيل السميع من يسمع من الحق فميز بذلك الالهام من الوسواس وقال الجنيد الاعمى هو الذى عمى عن درك الحقائق وقال الاستاد الاعمى من عمى ابصار رشده والاصم الذى طرش سمع قلبه فلا بالاستدلالات يشهد سر تقديره فى افعاله ولا بنور فراسته يتوهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه وقال البصير هو الذى يشهد افعاله بعلم اليقين ويشهد صفاته بعين اليقين ويشهد ذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف والذي يسمع بصفته لا يسمع هواجس النفس ولا وساوس الشيطان فيسمع من دواعى العلم شرعا ثم من خواطر التعريف قدرا ثم مكاشف الخطاب من الحق سرا فهؤلاء لا يستويان ولا فى الطريق المتقيان ونظر ما قال الاستاد ما انشد شعر : ايها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلقيان هى شامية اذا ما استقلت وسهبل اذا استقبل يمان

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين آمنوا} اى بكل ما يجب ان يؤمن به {وعملوا الصالحات} فيما بينهم وبين ربهم {وأخبتوا الى ربهم} الاخبات الخضوع والخشوع ويستعمل باللام يقال اخبت لله واستعماله بالى فى الاية لتضمينه معنى الاطمئنان والانقطاع. والمعنى اطمانوا وسكنوا اليه وانقطعوا الى عبادته بالخشوع والتواضع {اولئك} المنعوتون بتلك النعوت {اصحاب الجنة هم فيها خالدون} دائمون لم يأت هنا ضمير الفصل للاشارة والله اعلم الى ان الخلود فيها ليس بمختص بهؤلاء الموصوفين فان المؤمن وان لم يعمل الصالحات مآله الخلود فى الجنة على ما هو مذهب اهل السنة كذا فى حواشى سعدى المفتى. وقال فى التأويلات النجمية {ان الذين آمنوا} بطلب الله وطلبوه على اقدام المعاملات الصالحات للطلب المفيدات للوصول الى المطلوب وانابوا الى ربهم بالكلية ولم يطلبوا منه الا هو واطمانوا به {اولئك اصحاب الجنة} اى ارباب الجنة كما يقال رب الدار لصائب الدار وهم مطلوبوا الجنة لا طلابها وانما هم طلاب الله هم فيها خالدون طلابا

الطوسي

تفسير : لما ذكر الله تعالى الكفار، ووصف ما أعدّ لهم من العذاب وخسران النفس أخبر - هنا - أن الذين يؤمنون بالله ويعتقدون وحدانيته ويصدقون رسله، وعملوا الأعمال الصالحة التي أمرهم الله بها ورغبهم فيها {وأخبتوا إلى ربهم} أي خشعوا اليه. والاخبات الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرض المستوية الواسعة. وقيل: إن الاخبات الانابة - ذكره ابن عباس - وقال مجاهد: هو الاطمئنان إلى ذكر الله. وقال قتادة: هو الخشوع اليه والخضوع له. وقال الحسن: هو الخشوع للمخافة الثابتة في القلب. وقال الجبائي: الاخبات سكون الجوارح على وجه الخضوع لله تعالى. وليس كل عمل صالح يستحق عليه حمد أو مدح، لأنه مثل الحسن في أنه ينقسم قسمين: أحدهما - يستحق عليه الحمد. والآخر - لا يستحق عليه كالمباح، فكذلك الصالحات. والمراد بالصالحات - ها هنا - الطاعة، لأنه وعد عليها الجزاء في قوله {أية : إن الحسنات يذهبن السيئات }. تفسير : وقوله {وأخبتوا إلى ربهم} قال قوم: معناه اخبتوا لربهم، فوضع (إلى) مكان اللام؛ لأن حروف الاضافة توضع بعضها مكان بعض، كما قال { أية : أوحى لها} تفسير : بمعنى أوحى اليها. والآخر - أن معناه عمدوا باخباتهم إلى الله. وقوله {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} إشارة إلى المؤمنين الذين وصفهم بأنهم يعملون الصالحات ويخبتون إلى ربهم، فاخبر عنهم أنهم أصحاب الجنة اللازمون لها وأنهم فيها مخلدون دائمون.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ايماناً عامّاً بالبيعة العامّة النّبويّة او ايماناً خاصّاً بالبيعة الخاصّة الولويّة ودخول الايمان فى قلوبهم {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بعد الايمان العامّ بالدّخول فى الايمان الخاصّ او العمل بشرائط الايمان الخاصّ ممّا اخذ عليهم فى الميثاق والبيعة الولويّة اذ مرّ مراراً انّ اصل الصّالحات هو الولاية ولا يكون عمل صالح الاّ بقبول الولاية ودخول الايمان فى القلب {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} الاخبات الاطمينان مع الخشوع من الخبت بمعنى المتّسع من الارض المطمئنّة والمعنى اطمأنّوا اليه بالخشوع والانقطاع عن غيره، والرّبّ المضاف هو الولىّ الّذى بايعوا معه بيعةً خاصّةً ولويّةً ولا يصدق الاخبات الا بعد لقائه بالوصل الى ملكوته والحضور عنده، فانّ تلك البيعة تورث المحبّة والمحبّة تورث الاضطراب وعدم الاطمينان دون الاتّصال بالمحبوب ولا يقنع المحبّ بالاتّصال البشرىّ حتّى يحصل له الاتّصال الملكوتىّ ويجد المحبوب فى عالمه ويتّحد معه وهو الّذى يعبّر عنه بالفكر والحضور والسّكينة {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} الصّادّين عن سبيل الله والمؤمنين به {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ} كالّذى يعمى فى انّه لا يبصر طريقه وموبقات طريقه، وكالّذى يصمّ فى انّه لا يسمع من الصّوت ما هو مقصوده او فى انّه لا يسمع نداء منادى الله فى العالم الكبير ولا فى العالم الصّغير او كالّذى يعمى ويصمّ ليكون تشبيهاً واحداً لا ان يكون التّشبيه تشبيهين {وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} تقديم الكافرين لمراعاة اللّفّ {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ} بأنّى على قراءة فتح الهمزة: وقائلاً انّى لكم {نَذِيرٌ مُّبِينٌ} على قراءة كسر الهمزة، او هو مستأنفٌ على هذه القراء جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذينَ آمنُوا وعملُوا الصَّالحاتِ وأخْبتُوا إلى ربِّهم} اطمأنوا إليه، ولما يبالوا بما سواه، وانقطعوا إليه بالعبادة أو بالخشوع والتواضع، أو اطمأنوا إلى وعده بالثواب، وتضرعوا إليه أن يقبل أعمالهم، والإخباث يتعدى بإلى وباللام، ولو كان بمعنى الخشوع، لأن الخشوع إلى الله تضرع إليه والتجاء، وقيل: يتعدى باللام إذا كان بمعنى الخشوع، وأصله من الخبت وهو الأرض المطمئنة، والشئ الوضيع وهو بمثناة، ومنه الخبيث بالمثلثة، بمعنى الشئ الدنئ، حتى قيل: إن المثناة بدل من المثلثة. {أولئِكَ أصْحابُ الجنَّة هُم فِيها خَالدُونَ} دائمون.

اطفيش

تفسير : {إِن الَّذِينَ آمنُوا} صدقوا بقلوبهم وأَلسنتهم {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحهم {وأَخبتُوا إِلى رَبِّهِمْ} اطمَأَنوا من تحقيق القلوب إِلى صدق وعده عز وجل بالثواب على الأَعمال، وإِلى إِكثار ذكره، أَو أَخبتوا خشعوا بحيث يخافون أَن لا تقبل أَعمالهم، وكما يقال أَخبت له بمعنى خشع، يقال أَخبت إِليه بمعنى خشع فإِن الخشوع لا يخلو من معنى إِلى، وأَصل خبت نزل فى الخبت من الأَرض وأَتاه وهو المنخفض فأَطلق على الاطمئنان وعلى الخشوع استعارة تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة شرعية فيهما أَو فى معنى أَجاب {أُولئِكَ أَصحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دَائِمُون لكونهم نووا العمل الصالح والتقوى دائِماً ما داموا أَحياءَ بلا حد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا بكل ما يجب التصديق به من القرآن وغيره ولا يكون ذلك إلا باستماع الحق ومشاهدة الآيات الآفاقية والأنفسية والتدبر فيها، أو المعنى فعلوا الإيمان واتصفوا به كما في فلان يعطى ويمنع {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي الأعمال الصالحات ولعل المراد بها ما يشمل الترغيب في سلوك سبيل الله عز وجل ونحوه مما على ضده فريق الكفار {وَأَخْبَتُواْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} أي اطمؤنوا إليه سبحانه وخشعوا له، وأصل الإخبات نزول الخبت وهو المنخفض من الأرض، ثم أطلق على اطمئنان النفس والخشوع تشبيهاً للمعقول بالمحسوس ثم صار حقيقة فيه، ومنه الخبيت بالتاء المثناة للدنيء، وقيل: إن التاء بدل من الثاء المثلثة {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بتلك النعوت الجليلة الشأن {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون أبداً وليس المراد حصر الخلود فيهم لأن العصاة من المؤمنين يدخلون الجنة عند أهل الحق ويخلدون فيها، ولعل من يدعي ذلك يريد بنفي الخلود عن العصاة نقصه من أوله كما قيل به فيما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

ابن عاشور

تفسير : لما ذكر أحوال البالغين أقصى غايات الخسارة ذكر مقابلهم الذين بلغوا أعلى درجات السعادة. فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن النفوس تشرئب عند سماع حكم الشيء إلى معرفة حكم ضده. والإخبات: الخضوع والتواضع، أي أطاعوا ربهم أحسن طاعة. وموقع {أولئك} هنا مثل موقعه في الآية قبلها. وجملة {هم فيها خالدون} في موقع البيان لجملة {أصحاب الجنة} لأن الخلود في المكان هو أحق الأحوال بإطلاق وصف الصاحب على الحالّ بذلك المكان إذ الأمكنة لا تقصد إلاّ لأجل الحلول فيها فتكون الجملة مستأنفة لبيان ما قبلها فمنزلتها منزلة عطف البيان، ولا تعرب في موضع خبر ثان عن اسم الإشارة. وقد تقدم نظيرها في سورة [البقرة: 82] في قوله: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدُون}تفسير : . فعُد إليه وزد إليه ما هنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (23) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ فِي الآخِرَةِ، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ، وَهُمُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَخَشَعَتْ نُفُوسُهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلى رَبِّهِمْ، وَتَرَكُوا المُنْكَرَاتِ، فَوَرِثُوا الجَنَّةَ وَمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ لاَ يُوصَفُ، بِعَمَلِهِمْ، وَاسْتِكَانَتِهِمْ للهِ، وَخُضُوعِهِمْ لَهُ. وَيَكُونُونَ فِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ أَبَداً. أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ - اطْمَأَنُّوا إِلى وَعْدِهِ، أَوْ خَشَعُوا لَهُ.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} قال عطية عن ابن عباس وقتادة: أنابوا وتضرّعوا إليه، مجاهد: اطمأنّوا إلى ذكره، مقاتل: أخلصوا، الأخفش: تخشّعوا له، وقيل: تواضعوا له. {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} المؤمن والكافر {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} قال الفرّاء: وإنّما لم يقل هل يستوون مثلا، لأنّ الأعمى والأصم في خبر كأنهما واحد، لأنهما من وصف الكافر، والسميع والبصير في خبر كأنهما واحد، لأنهما من وصف المؤمن. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي} قرأ أهل مكة وأبو عمرو والكسائي: أني بفتح الألف ويعنون بأني، وقرأ الباقون بكسر الألف إني، قال: إني لأن في الإرسال معنى القول. {لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} مؤلم، قال مقاتل: بعث نوح وأمره ربّه ببناء، السفينة وهو ابن ستمائة سنة وكان عمره ألفاً وخمسين عاماً ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، قال الله تعالى {أية : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً}تفسير : [العنكبوت: 14] أي فلبث فيهم داعياً {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاك} يا نوح {إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} آدمياً مثلنا {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} سفلتنا {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} قال مجاهد وأبي المعين وحمزة أبو عمرو وبصير على معنى بادي الرأي من غير روية ولا فكرة يعني: آمنوا من غير روية. {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ} نوح {يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً} هدىً ومغفرة {مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} التبست واشتبهت وقرأ أهل الكوفة: فعُمّيت بضم العين وتشديد الميم،أي اشتبهت ولبّست ومعنى الكلام: عمّيت الأبصار عن الحق، وهذا كما يقال: دخل الخاتم في أصبعي، والخُفّ في رجلي وإنما يدخل الأصبع في الخاتم والرجل في الخُفّ {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} يعني البيّنة والرحمة {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} لا تريدونها يعني لا يُقبل ذلك. {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} أي على الوحي وتبليغ الرسالة كناية عن غير مذكور {إِنْ أَجْرِيَ} ما ثوابي {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الباء صلة {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} بالمعاد {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ} تحتقر وتستصغر {أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} يعني يؤخذ وانما {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} من النية والعزم والخير والشر {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} إنْ فعلتُ ذلك. {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} ما ريتنا وخاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} يعني العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} نصيحتي {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} يهلككم ويضلكم {هُوَ رَبُّكُمْ} والأمر والحكم له {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم بأعمالكم وهو ردّ على المعتزلة و [المرجئة]. {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} قال ابن عباس: يعني نوحاً، مقاتل يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} إثمي ووبال أمري، لا تؤخذون بذنبي {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} لا أواخذ بذنوبكم {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ} ولا تحزن وهو منفعل من البؤس {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فإني مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا عليهم {أية : وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26]. {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} واعمل السفينة {بِأَعْيُنِنَا} بمرأى منّا، الضحاك: بمنظر منّا، مقاتل: بعلمنا، ربيع: بمسمعنا {وَوَحْيِنَا} [على ما أوحينا إليك]، قال ابن عباس: وذلك إنّه لم يعلم كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها على جؤجؤ الطائر {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} ولا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} بالطوفان، أمر أن لا يشفع لهم عنده، وقال: عنى امرأته وابنه. {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} قيل: معناه وكان يصنع الفلك، وقيل: معناه وصنع الفلك {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} هزئوا به. {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} الآن {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} إذا عاينتم عذاب الله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يهينه {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم، قال ابن عباس: اتخذ نوح (عليه السلام) السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وطولها في السمك ثلاثين ذراعاً، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو في البطن الأعلى [.....]، عمّا يحتاج إليه من الزاد. روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، فأوحى الله عزّ وجلّ لما كان آخر زمانه وغرس شجرة [فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثمّ قطعها] ويقطع ما يبس منها، ثمّ جعل يعمل سفينة ويمّرون عليه قومه فيسألونه فيقول: أعمل سفينة فيسخرون منه ويقولون: يعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ فيقول: فسوف تعلمون، فلّما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك، خشيت أُمّ صبي عليه وكانت تحبّه حبّاً شديداً، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى صعدت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله أحداً منهم لرحم أُمّ الصبي ". تفسير : وروى علي بن زيد بن صوحان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فيحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفّاً من ذلك التراب بكفّه قال: أتدرون ماهذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كفن حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا بل متُّ وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثَمّ شبت، قال: حدِّثْنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثرت فضلات الدواب أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلمّا وقع الفار بحوض السفينة وحبالها فقرضها، وذلك أن الفار ولدت في السفينة فأوحى الله تعالى إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وهرّة فأقبلا على الفار. فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوّقها بالحمرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في قصر بأمان فمن ثم تألف البيوت. قال: فقالوا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد تراباً. وروى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير أنّه كان يحدّث الأحاديث وكانوا يبطشون به، يعني قوم نوح فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاولوا عليه، وتطاول عليه وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر البخل بعد البخل، فلا يأتي قرن إلاّ كان أخبث من الذي قبله حتى إذا كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً لا يقبلون منه شيئاً، حتى شكا ذلك من أمرهم إلى الله عزّ وجل فقال: رب إنّي دعوت قومي ليلا ونهاراً، حتى قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً إلى آخر القصة، فأوحى الله إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي بعد اليوم إنهم مغرقون. فأقبل نوح على [عمل] الفلك ولجأ عن قومه إلى جبل يقطع الخشب ويضرب بيديه [الحديد]، ويهيّئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلاّ هو، وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه ويقولون: يا نوح هل صرت نجاراً بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام النساء فلبثوا سنين فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور وأن يطليه بالقار من أسفله وخارجه، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً، ومائة في عرضه وبطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، والذراع إلى المنكب، وجعلها ثلاثة طوابق سفلى ووسطى وعليا، فجعل فيه كوى، ففعل نوح كما أمره الله تعالى. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابنا {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} يعني انبجس الماء من وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، وذلك أنه إذا قيل: إذا رأيت الماء يسيح على وجه الأرض فاركب أنت ومن اتبعك، ومنها قول ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة، وقال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في تفسير و {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}: أي طلع الفجر ونور الصبح، ومن ذلك عبارته نوّر الفجر تنويراً، قتادة: موضع في الأرض وأعلى مكان فيها. قال الحسن: أراد بالتنور الذي يخبز فيه وكان تنوراً من حجارة وكان لحواء حتى صار إلى نوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك، فنبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وهذا قول مهران. ورواه عطية عن ابن عباس، قال مجاهد: وكان ذلك في ناحية الكوفة، وروى السدي عن الشعبي أنه كان يحلف بالله ما يظهر التنور إلاّ من ناحية الكوفة، وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان فوران الماء منه علماً لنوح ودليلا على هلاك قومه. وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم وإنّما كان بالشام بموضع يقال له: عين وردة، وقال ابن عباس: فار التنور بالهند، والفور: الغليان. {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا} أي في السفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قال المفسرون أراد بالزوجين: اثنين ذكراً وأنثى، وقال أهل المعاني: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجاً، يقال له: زوجا نعال إذا كانت له نعلان وكذلك عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قيود، قال الله تعالى {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [النجم: 45]، وقال بعضهم: أراد بالزوجين الضربين والصنفين وكل ضرب يدعى زوج، قال الأعشى: شعر : وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبوّ بذاك معا تفسير : أراد كل ضرب ولون. وقال لبيد: وذي [.....] كرّ المقاتل صولة وذرّته أزواج [........] يشرّب أي ألوان وأصناف، وقرأ حفص هاهنا وفي سورة المؤمنين {مِن كُلٍّ} بالتنوين أي من كل صنف، وجعل اثنين على التأكيد. {وَأَهْلَكَ} أي واحمل أهلك ومالك وعيالك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بالهلاك يعني امرأته راحلة وابنه كنعان. {وَمَنْ آمَنَ} يعني واحمل من آمن بك، قال الله تعالى {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} واختلفوا في عددهم، فقال قتادة والحكم وابن جريج ومحمد بن كعب القرضي: لم يكن في السفينة إلاّ نوح وامرأته وثلاثة بنيه، سام وحام ويافث أخوة كنعان وزوجاتهم [وَرَحْلِهم] فجميعهم ثمانية، فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا الله نوحٌ أن يغير نطفته فجاء بالسودان. وقال الأعمش: كانوا سبعة: نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم: نوح وبنوه حام وسام ويافث وستة أناس ممن كان آمن معه وأزواجهم جميعاً. وقال مقاتل: [كانوا] اثنين وسبعين رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم، فكان الجميع ثمانية وسبعين نفساً، نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساء. قال ابن عباس: كان في سفينة نوح ثمانون إنساناً أحدهم جرهم. قال مقاتل: وحمل نوح معه جسد آدم وجعله معترضاً بين الرجال والنساء، وحمل نوح جميع الدواب من الغنم والوحوش والطير وفرق فيما بينها. قال ابن عباس: أول ما حمل نوح في السفينة من الدواب الأوزة، وآخر ما حمل الحمار، فلمّا دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه فلم يستقل رجلاه فجعل نوح يقول له: ادخل فينهض فلا يمشي، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدو الله؟ فقال له: ألم تقل ادخل وان كان الشيطان معك، قال نوح: اخرج عني يا عدو الله، قال: ما لك بدّ من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وفي تفسير مالك بن إبراهيم الهروي الذي أخبرني بالأسناد إلى أبي القاسم والحسن بن محمد ببعضه قراءةً وأجاز لي بالباقي في غير مرة، قال يحدثنا أبو العباس محمد بن الحسن الهروي، قال: حدثنا جابر بن عبد الله عنه أن الحية والعقرب أتيا نوحاً فقالتا: احملنا، فقال نوح: إنكما سبب الضرّ والبلايا والأوجاع فلا أحملكما، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك بأن لا نضر أحداً ذكرك، فمن قرأ حين خاف ضرّتهما:{أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الصافات: 79-81] ما ضرّتاه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الإيمان - كما نعلم - أمر عقدي، يعلن فيه الإنسان إيمانه بإله واحد موجود، ويلتزم بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن آمن بالله تعالى ولم يعمل العمل الصالح يتلقَّ العقاب؛ لأن فائدة الإيمان إنما تتحقق بالعمل الصالح. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ..}تفسير : [الحجرات: 14]. أي: اتبعتم ظاهر الإسلام. وهكذا نعرف أنه يوجد مُتيقِّن بصحة واعتقاد بأن الإله الواحد الأحد موجود، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مُبلِّغ عن الله عز وجل؛ لكن العمل الذي يقوم به الإنسان هو الفيصل بين مرتبة المؤمن، ومرتبة المعلم. فالذي يُحسن العمل هو مؤمن، أما من يؤدي العمل بتكاسل واتِّباع لظواهر الدين، فهو المسلم، وكلاهما يختلف عن المنافق الذي يدَّعي الحماس إلى أداء العبادات، لكنه يمكر ويبيِّت العداء للإسلام الذي لا يؤمن به. وكان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ويدبرون المؤامرات ضد النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ..} [هود: 23]. هذا القول يبيِّن لنا أن معيار الإيمان إنما يعتمد على التوحيد، وإتقان أداء ما يتطلبه منهج الله سبحانه، وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع، ولذلك يقال: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من عبادة أورثت عزّاً واستكباراً. أي: أن المؤمن عليه ألا يأخذ العبادة وسيلة للاستكبار. وكلمة {وَأَخْبَتُوۤاْ} أي: خضعوا خشية لله تعالى، فهم لا يؤدون فروض الإيمان لمجرد رغبتهم في ألاَّ يعاقبهم الله، لا بل يؤدون فروض الإيمان والعمل الصالح خشية لله. وأصل الكلمة من "الخبت" وهي الأرض السهلة المطمئنة المتواضعة، وكذلك الخبت في الإيمان. ويصف الحق سبحانه أهل الإيمان المخبتين بأنهم: {.. أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [هود: 23]. أي: الملازمون لها، وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبداً، ونعيم الجنة مقيم ودائم، على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته الإنسان بالموت، أو يفوت النعيم الإنسان بالسلب؛ لأن الإنسان في الدنيا عرضة للأغيار، أما في الآخرة، فأهل الإيمان أصحاب العمل الصالح المخبتون لربهم، فهم أهل النعيم المقيم أبداً. وهكذا عرض الحق سبحانه حال الفريقين: الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى الله، وصدوا عن سبيل الله، وابتغوا الأمر عوجاً، هؤلاء لن يُعجزوا الله، وليس لهم أولياء يحمونهم من العذاب المضاعف. وهم الذين خسروا أنفسهم، ولن يجدوا عوناً من الآلهة التي عبدوها من دون الله، ولا شيء بقادر على أن يفصل بينهم وبين العذاب، وهم الأخسرون. أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة بخشوع وخشية ومحبة لله سبحانه وتعالى، وهم أصحاب الجنة الخالدون فيها. إذن: فلكل فريق مسلكه وغايته. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَخْبَتُوۤاْ} معناهُ أنابوا وتَواضعُوا.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية، والفريقان هنا الكافر والمؤمن، ولما كان تقدم ذكر الكفار وأعقب بذكر المؤمنين جاء التمثيل هنا مبتدأ بالكافر، فقال: كالأعمى والأصم. ويمكن أن يكون من باب تشبيه اثنين باثنين فقوبل الأعمى بالبصير وهو طباق، وقوبل الأصم بالسميع وهو طباق أيضاً. {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} استفهام معناه النفي أي لا يستويان مثلاً أي صفة. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} الآية. {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان كما جاء مصرحاً به في غير هذه السورة وان بدل من أني لكم في قراءة من فتح ويحتمل أن تكون أنْ المفسرة واما في قراءة من كسر فيحتمل أن تكون المفسرة والمراعى قبلها اما أرسلنا واما نذير مبين. ويحتمل أن تكون معمولة لا أرسلنا أي بأن لا تعبدوا إلا الله وذكروا في بادىء الرأي أنه منصوب على الظرف. والظاهر ان العامل فيه اتبعك وان كان الظرف جائياً بعد إلا. والمعنى اتبعك في بادىء رأيهم أراذلنا. وقرىء: بادىء الرأي من بدأ يبدأ. ومعناه أول الرأي. وقرىء: بادي بالياء من بدا يبدو، ومعناه ظاهر الرأي. {قَالَ يٰقَوْمِ} لما حكى شبهتهم في إنكار نبوته عليه السلام وهي قولهم: ما نراك إلا بشراً مثلنا، ذكر أن المساواة في البشرية لا تمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه على جهة التعليق والإِمكان، وهو متيقن أنه على بينة من ربه ومن معرفته وتوحيده وما يجب له وما يمتنع، لكنه ابرزه في طريق الشرط والجزاء على سبيل الفرض لهم والاستدراج للإِقرار بالحق وقيام الحجة على الخصم. والبينة: البرهان والشاهد بصحة دعواه. و{رَحْمَةً} قال ابن عباس: الرحمة النبوة. {فَعُمِّيَتْ} مبنياً للمفعول مع شد الميم. والظاهر أن الضمير عائد على البينة، وبذلك يحصل الذم لهم من أنه أتى بالمعجزة الجليلة الواضحة وانها على وضوحها واستنارتها خفيت عليهم. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} تعدى لمفعولين أحدهما ضمير الخطاب. والثاني ضمير الغيبة واتصاله أفصح. ويجوز في الكلام انفصاله فتقول: أنلزمكم إياها. {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} الآية، تلطف نوح عليه السلام بندائه إياهم بقوله: ويا قوم. ويا قوم استدراجاً لهم في قبول كلامه كما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله: يا قوم يا قوم. والضمير في عليه عائد على الإِنذار. وافراد الله تعالى بالعبادة المفهوم من قوله: اني لكم نذير مبين ان لا تعبدوا إلا الله. وتقدم تفسير الجمل الثلاثة في الانعام. و{تَزْدَرِيۤ} تفتعل. والدال بدل من التاء. قال الشاعر: شعر : ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أنوابه أسد هصور تفسير : والعائد على الموصول محذوف، أي تزدريهم، أي تستحقرهم أعينكم. و{لَن يُؤْتِيَهُمُ} معمول لقوله: ولا أقول، وللذين معناه لأجل الذين. {قَدْ جَادَلْتَنَا} الظاهر المبالغة في الخصومة والمناظرة. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} إشارة إلى قوله: إني أخاف عليكم عذاب يوم اليم. وبما يجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي. وحذف العائد تقديره بما تعدنا به ويجوز أن تكون مصدرية، أي بوعدك إيانا. {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} الآية، أي ليس ذلك إلي، إنما هو لله الذي يعاقبكم على عصيانكم إن شاء فعل. ولما قالوا قد جادلتنا وطلبوا تعجيل العذاب، وكان مجادلته لهم إنما هو على سبيل النصح والإِنقاذ من عذاب الله تعالى. قال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله: ولا ينفعكم نصحي، وهو دليل على جواب الشرط تقديره إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي. والشرط الثاني اعتقب الأول وجوابه أيضاً ما دل عليه قوله: ولا ينفعكم نصحي، تقديره ان كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي وصار الشرط الثاني شرطاً في الأول، وصار المتقدم متأخراً، والمتأخر متقدماً. وكان التركيب إن أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو: إن كان الله يريد أن يغويكم. فإِن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم، أي: صدقوا واعترفوا، لما أمر الله بالإيمان به، من أصول الدين وقواعده. { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } المشتملة على أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان. { وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ } أي: خضعوا له، واستكانوا لعظمته، وذلوا لسلطانه، وأنابوا إليه بمحبته، وخوفه، ورجائه، والتضرع إليه. { أُولَئِكَ } الذين جمعوا تلك الصفات { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لأنهم لم يتركوا من الخير مطلبا، إلا أدركوه، ولا خيرا، إلا سبقوا إليه. { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } أي: فريق الأشقياء، وفريق السعداء. { كَالأعْمَى وَالأصَمِّ } هؤلاء الأشقياء، { وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ } مثل السعداء. { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا } لا يستوون مثلا بل بينهما من الفرق ما لا يأتي عليه الوصف، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } الأعمال، التي تنفعكم، فتفعلونها، والأعمال التي تضركم، فتتركونها.

همام الصنعاني

تفسير : 1196- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ}: [الآية: 23]، قال: الإخبات التخشع والتواضع.