١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الأولى قصة نوح عليه السلام اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضاً لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي {أني} بفتح الهمزة، والمعنى: أرسلنا نوحاً بأني لكم نذير مبين، ومعناه أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله: {أني لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان، وأما سائر القراء فقرؤا {إِنّي } بالكسر على معنى قال {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }. المسألة الثانية: قال بعضهم: المراد من النذير كونه مهدداً للعصاة بالعقاب، ومن المبين كونه مبيناً ما أعد الله للمطيعين من الثواب، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى. واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله: {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }. ثم قال: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } فقوله: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } بدل من قوله: {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ } ثم إنه أكد ذلك بقوله: {إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم، كقولهم نهارك صائم، وليلك قائم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} ذكر سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم. {إِنَّي} أي فقال: إني؛ لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو والكسائيّ «أَنِّي» بفتح الهمزة؛ أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين. ولم يقل «إنه» لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه؛ كما قال: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 7] ثم قال: {أية : فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} تفسير : [الأعراف: 145]. قوله تعالى: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي ٱتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده. ومن قرأ «إنّي» بالكسر جعله معترضاً في الكلام، والمعنى أرسلناه بألا تعبدوا إلا الله. {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ} بأني لكم. قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالكسر على إرادة القول. {نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن نوح عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام: أنه قال لقومه: {إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله، إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} وقوله: {إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه، عذبكم الله عذاباً أليماً موجعاً شاقاً في الدار الآخرة {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} والملأ هم السادة والكبراء من الكافرين منهم: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا؛ كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك، ولهذا قالوا: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى} أي: في أول بادىء الرأي: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق، ولا رزق ولا حال، لمَّا دخلتم في دينكم هذا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ} أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح، والعبادة والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها، هذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه، وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم؛ فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالباً أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته؛ كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 32]. ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: هم أتباع الرسل، وقولهم {بَادِىَ ٱلرَّأْى} ليس بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق والحالة هذه لكل ذي زكاء وذكاء، بل لا يفكر ههنا إلا غبي أو عيي، والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما جاؤوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم» تفسير : أي: ما تردد ولا تروى؛ لأنه رأى أمراً جلياً عظيماً واضحاً، فبادر إليه وسارع. وقوله: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عمي عن الحق، لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون الأقلون الأرذلون، وهم في الآخرة هم الأخسرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّى } أي بأني، وفي قراءة بالكسر على حذف القول {لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بيِّن الإِنذار.
الشوكاني
تفسير : لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم أنواع الدلائل التي هي أوضح من الشمس، أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام، ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين، والقبول أتمّ، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} قرأ ابن كثيرة، وأبو عمرو، والكسائي بفتح الهمزة على تقدير حرف الجر: أي أرسلناه بأنى: أي أرسلناه متلبساً بذلك الكلام، وهو أني لكم نذير مبين. وقرأ الباقون بالكسر على إرادة القول: أي قائلاً إني لكم، والواو في {ولقد} للابتداء، واللام هي الموطئة للقسم، واقتصر على النذارة دون البشارة، لأن دعوته كانت لمجرد الإنذار، أو لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به، وجملة {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } بدل من إني لكم نذير مبين: أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله، أو تكون أن مفسرة متعلقة بأرسلنا، أو بنذير، أو بمبين، وجملة: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } تعليلية. والمعنى: نهيتكم عن عبادة غير الله لأني أخاف عليكم، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار، واليوم الأليم: هو يوم القيامة، أو يوم الطوفان؛ ووصفه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغة. ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه، وهذا الجواب يتضمن الطعن منهم في نبوّته من ثلاث جهات، فقال: {فَقَالَ ٱلْمَلأ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قومِهِ} والملأ: الأشراف، كما تقدم غير مرة، ووصفهم بالكفر ذماً لهم، وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } هذه الجهة الأولى من جهات طعنهم في نبوّته: أي: نحن وأنت مشتركون في البشرية، فلم يكن لك علينا مزية تستحق بها النبوّة دوننا، والجهة الثانية: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } ولم يتبعك أحد من الأشراف، فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء الأراذل لك. والأراذل: جمع أرذل، وأرذل جمع رذل، مثل: أكالب وأكلب وكلب. وقيل: الأراذل جمع الأرذل، كالأساود جمع أسود، وهم: السفلة. قال النحاس: الأراذل: الفقراء والذين لا حسب لهم، والحسب: الصناعات. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة، ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه، قيل له: فمن سفلة السفلة؟ قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. والظاهر من كلام أهل اللغة: أن السفلة هو الذي يدخل في الحرف الدنية، والرؤية في الموضعين إن كانت القلبية فـ {بشرا} في الأوّل، و{اتبعك} في الثاني هما المفعول الثاني، وإن كانت البصرية فهما منتصبان على الحال، وانتصاب {بادي الرأي} على الظرفية، والعامل فيه {اتبعك}. والمعنى: في ظاهر الرأي من غير تعمق، يقال بدا يبدو: إذا ظهر. قال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. والوجه الثالث: من جهات قدحهم في نبوّته {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } خاطبوه في الوجهين الأولين، منفرداً وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه أي: ما نرى لك ولمن اتبعك من الأراذل علينا من فضل يتميزون به، وتستحقون ما تدّعونه، ثم أضربوا عن الثلاثة المطاعن، وانتقلوا إلى ظنهم المجرّد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرد العصبية، والحسد، واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية، فقالوا: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ } فيما تدّعونه، ويجوز أن يكون هذا خطاباً للأراذل وحدهم، والأوّل: أولى؛ لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا بطريق التبعية له. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به نوح عليهم، فقال: {قَالَ يَـاقَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي: أخبروني إن كنت على برهان من ربي في النبوّة يدل على صحتها ويوجب عليكم قبولها، مع كون ما جعلتموه قادحاً ليس بقادح في الحقيقة، فإن المساواة في صفة البشرية لا تمنع المفارقة في صفة النبوّة، واتباع الأراذل كما تزعمون ليس مما يمنع من النبوّة، فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم، فاتباعهم لي حجة عليكم لا لكم، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} هي: النبوّة، وقيل: الرحمة: المعجزة، والبينة: النبوّة. قيل: ويجوز أن تكون الرحمة هي: البينة نفسها، والأولى تفسير الرحمة بغير ما فسرت البينة، والإفراد في {فَعُمّيَتْ } على إرادة كل واحدة منهما، أو على إرادة البينة، لأنها هي التي تظهر لمن تفكر، وتخفى على من لم يتفكر، ومعنى عميت: خفيت؛ وقيل: الرحمة هي على الخلق، وقيل: هي الهداية إلى معرفة البرهان، وقيل: الإيمان، يقال عميت عن كذا، وعمي عليّ كذا: إذا لم أفهمه. قيل وهو من باب القلب، لأن البينة أو الرحمة لا تعمى وإنما يعمى عنها فهو كقولهم: أدخلت القلنسوة رأسي. وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص {فعميت} بضم العين وتشديد الميم على البناء للمفعول: أي فعماها الله عليكم، وفي قراءة أبيّ "فعماها عليكم" والاستفهام في {أَنُلْزِمُكُمُوهَا } للإنكار: أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها، والحال أنكم {لها كارهون}، والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة نبوّتي إلا أنها خافية عليكم أيمكنننا أن نضطركم إلى العلم بها، والحال أنكم لها كارهون غير متدبرين فيها، فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله عزّ وجلّ. وحكى الكسائي والفراء إسكان الميم الأولى في {أنلزمكموها} تخفيفاً كما في قول الشاعر:شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : فإن إسكان الباء في أشرب للتخفيف. وقد قرأ أبو عمرو كذلك. قوله: {وَيٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } فيه التصريح منه عليه السلام بأنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يكون بذلك محلاً للتهمة، ويكون لقول الكافرين مجال بأنه إنما ادّعى ما ادعى طلباً للدنيا، والضمير في عليه راجع إلى ما قاله لهم، فيما قبل هذا. وقوله: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } كالجواب عما يفهم من قولهم {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} من التلميح منهم إلى إبعاد الأراذل عنه. وقيل: إنهم سألوه طردهم تصريحاً لا تلميحاً، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } أي: لا أطردهم، فإنهم ملاقون يوم القيامة ربهم فهو يجازيهم على إيمانهم لأنهم طلبوا ما عنده سبحانه، وكأنه قال هذا على وجه الإعظام لهم، ويحتمل أنه قاله خوفاً من مخاصمتهم له عند ربهم بسبب طرده لهم؛ ثم بين لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طلبوها منه، والعلل التي اعتلوا بها عن إجابته فقال: {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } كل ما ينبغي أن يعلم، ومن ذلك استرذالهم للذين اتبعوه وسؤالهم له أن يطردهم. ثم أكد عدم جواز طردهم بقوله: {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ } أي: من يمنعني من عذاب الله وانتقامه إن طردتهم؟ فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى الدعوة التي أرسل الله رسوله لأجلها ظلم عظيم، لا يقع من أنبياء الله المؤيدين بالعصمة، ولو وقع ذلك منهم فرضاً وتقديراً لكان فيه من الظلم مالا يكون لو فعله غيرهم من سائر الناس. وقوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } معطوف على مقدّر؛ كأنه قيل: أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر، أفلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره، وتتفكرون فيه، حتى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ، وما هم عليه من الصواب. قوله: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئاً من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدّعي أن عنده خزائن الله حتى يستدلوا بعدمها على كذبه، كما قالوا: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } والمراد بخزائن الله: خزائن رزقه {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } أي: ولا أدّعي أني أعلم بغيب الله، بل لم أقل لكم إلا أني نذير مبين، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم {وَلا أَقُولُ } لكم {إِنّى مَلَكٌ } تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا. وقد استدلّ بهذا من قال: إن الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة في هذه المسألة مختلفة، وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست مما كلفنا الله بعلمه {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } أي: تحتقر، والازدراء مأخوذ من أزرى عليه: إذا عابه، وزري عليه: إذا احتقره، وأنشد الفراء:شعر : يباعده الصديق وتزدريه خليلته وينهره الصغير تفسير : والمعنى: إني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا } بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه؛ فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة، ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرّهم احتقاركم لهم شيئاً {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } من الإيمان به، والإخلاص له، فمجازيهم على ذلك، ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء {إِنّى إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لهم إن فعلت ما تريدونه بهم، أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم، ثم جاوبوه بغير ما تقدّم من كلامهم وكلامه عجزاً عن القيام بالحجة، وقصوراً عن رتبة المناظرة، وانقطاعاً عن المباراة بقولهم: {يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } أي: خاصمتنا بأنواع الخصام، ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال، فقد ضاقت علينا المسالك، وانسدّت أبواب الحيل {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب الذي تخوّفنا منه، وتخافه علينا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } فيما تقوله لنا، فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة الله وإرادته، و{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء } فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة. {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } الذي أبذله لكم، وأستكثر منه قياماً مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته، ولكم بإيضاح الحق وبيان بطلان ما أنتم عليه {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } وجواب هذا الشرط محذوف، والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، كما يدل عليه ما قبله: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } أي: إن كان الله يريد إغواءكم، فلا ينفعكم النصح مني، فكان جواب هذا الشرط محذوفاً كالأوّل، وتقديره ما ذكرنا، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدّم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب من يجيزه، فجزاء الشرط الأوّل، {ولا ينفعكم نصحي}، وجزاء الشرط الثاني الجملة الشرطية الأولى وجزاؤها. قال ابن جرير: معنى {يغويكم} يهلككم بعذابه، وظاهر لغة العرب أن الإغواء: الإضلال؛ فمعنى الآية: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق. وحكى عن طيّ: أصبح فلان غاوياً: أي مريضاً، وليس هذا المعنى هو المراد في الآية. وقد ورد الإغواء بمعنى الإهلاك، ومنه: {أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } تفسير : [مريم: 59] وهو غير ما في هذه الآية {هُوَ رَبُّكُمْ } فإليه الإغواء وإليه الهداية {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } قال: فيما ظهر لنا. وأخرج أبو الشيخ، عن عطاء، مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو، {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِه} قال: الإسلام الهدى والإيمان، والحكم والنبوّة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا } قال: أما والله لو استطاع نبيّ الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ «أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، قال في قراءة أبيّ: «أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون». وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أبيّ بن كعب، أنه قرأ: «أنلزمكموها من شطر قلوبنا». وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، قال: قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأرض سواء، وفي قوله: {إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } قال: فيسألهم عن أعمالهم {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } التي لا يفنيها شيء، فأكون إنما دعوتكم لتتبعوني عليها، لا أعطيكم بملكه لي عليها {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } لا أقول: اتبعوني على علمي بالغيب {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ }. قال: حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي، في قوله: {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا } قال: يعني: إيماناً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } قال: تكذيباً بالعذاب، وأنه باطل.
الماوردي
تفسير : قوله عزوجل: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَك إلاَّ الَّذينَ هُمْ أرَاذِلُنا} الاراذل جمع أرذل، وارذل جمع رذل، والرذل الحقير، وعنوا بأراذلهم الفقراء وأصحاب المهن المتضعة. {باديَ الرأي}أي ظاهر الرأي، وفيه ثلاثة اوجه: احدها: إنك تعمل بأول الرأي من غير فكر، قاله الزجاج. الثاني: أن ما في نفسك من الرأي ظاهر، تعجيزاً له، قال ابن شجرة. الثالث: يعني ان أراذلنا اتبعوك بأقل الرأي وهم إذا فكروا رجعوا عن اتباعك، حكاه ابن الأنباري. {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنا مِن فَضْلٍ} يحتمل وجهين. أحدهما: من فضل تفضلون به علينا من دنياكم. والثاني: من فضل تفضلون به علينا في أنفسكم.
ابن عطية
تفسير : هذه آية قصص فيه تمثيل لقريش وكفار العرب وإعلام محمد صلى الله عليه وسلم ببدع من الرسل. وروي أن نوحاً عليه السلام أول رسول إلى الناس. وروي أن ادريس نبي من بني آدم إلا أنه لم يرسل، فرسالة نوح إنما كانت إلى قومه كسائر الأنبياء، وأما الرسالة العامة فلم تكن إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة "إني" بكسر الألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي "أني" بفتح الألف. فالكسر على إضمار القول، والمعنى: قال لهم: {إني لكم نذير مبين}، ثم يجيء قوله {أن لا تعبدوا} محمولاً لـ {أرسلنا}، أي أرسلنا نوحاً بأن لا تعبدوا إلا الله، واعترض اثناء الكلام بقوله: {إني لكم نذير مبين}، وفتح الألف على إعمال {أرسلنا} في "أن" أي بأني لكم نذير. قال أبو علي: وفي هذه القراءة خروج من الغيبة إلى المخاطبة. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وإنما هي حكاية مخاطبته لقوله، وليس هذا حقيقة الخروج من غيبة إلى مخاطبة، ولو كان الكلام: أن أنذرهم ونحوه لصح ذلك. و"النذير" المحفظ من المكاره بأن يعرفها وينبه عليها و {مبين} من أبان يبين. وقوله {أن لا تعبدوا إلا الله} ظاهر في أنهم كانوا يعبدون الأوثان ونحوها، وذلك بين في غير هذه الآية. و {أليم} معناه مؤلم، ووصف به اليوم وحقه أن يوصف به العذاب تجوزاً إذ العذاب في اليوم، فهو كقولهم: نهار صائم وليل قائم. و {الملأ} الجمع والأكثر من القبيلة والمدينة ونحوه، ويسمى الأشراف ملأ إذ هم عمدة الملأ والسادّون مسدّه في الآراء والأمور، وكل جماعة كبيرة ملأ. ولما قال لهم نوح: {إني لكم نذير...} قالوا: {ما نراك إلا بشراً مثلنا...} أي والله لا يبعث رسولاً من البشر، فأحالوا الجائز على الله تعالى. و "الأراذل" جمع أرذل، وقيل جمع أرذل وأرذال جمع رذل وكان اللازم على هذا أن يقال: أراذيل؛ وإذا ثبتت الياء في جمع صيرف فأحرى ألا تزال في موضع استحقاقها. وهم سفلة الناس ومن لا أخلاق له، ولا يبالي ما يقول ولا ما يقال له. وقرأ الجمهور "بادي الرأي" بياء دون همز، من بدا يبدو، ويحتمل أن يكون من بدأ مسهلاً، وقرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي "بادىء الرأي" بالهمز من بدأ يبدأ. قال القاضي أبو محمد: وبين القراءتين اختلاف في المعنى يعطيه التدبر، فتركت التطويل ببسطه، والعرب تقول: أما بادىء بدء فإني أحمد الله، وأما بادي بدي بغير همز فيهما، وقال الراجز: [الرجز] شعر : أضحى لخالي شبهي بادي بدي وصار للفحل لساني ويدي تفسير : وقال الآخر: شعر : وقد علتني ذرأة بادي بدي تفسير : وقرأ الجمهور بهمز "الرأي" وقرأ أبو عمرو بترك همزه. و {بادي} نصب على الظرف وصح أن يكون اسم الفاعل ظرفاً كما يصح في قريب ونحوه، وفعيل وفاعل متعاقبان أبداً على معنى واحد، وفي المصدر كقولك: جهد نفسي أحب كذا وكذا. وتعلق قوله: {بادي الرأي} يحتمل ستة أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ {نراك} بأول نظر وأقل فكرة، وذلك هو {بادي الرأي}، أي إلا ومتبعوك أراذلنا. والثاني: أن يتعلق بقوله: {اتبعك} أي، وما نراك اتبعك بادي الرأي إلا الأراذل، ثم يحتمل على هذا قوله: {بادي الرأي} معنيين: أحدهما: أن يريد اتبعك في ظاهر أمرهم وعسى أن بواطنهم ليست معك. والثاني: أن يريد اتبعوك بأول نظر وبالرأي البادي دون تعقب ولو تثبتوك لم يتبعوك. وفي هذا الوجه ذم الرأي الغير المروي. والوجه الثالث: من تعلق قوله {بادي الرأي} أن يتعلق بقوله: {أراذلنا} أي الذين هم أراذلنا بأول نظر فيهم، وببادي الرأي يعلم ذلك منهم، ويحتمل أن يكون قولهم: {بادي الرأي} وصفاً منهم لنوح، أي تدعي عظيماً وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك، ونصبه على الحال وعلى الصفة، ويحتمل أن يكون اعتراضاً في الكلام مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجيء جميع هذا ستة معان، ويجوز التعلق في هذا الوجه بـ {قال}. ومعنى {وما نرى لكم علينا من فضل} أي ما ثم شيء تستحقون به الاتباع والطاعة. ثم قال: {بل نظنكم كاذبين} فيحتمل أنهم خاطبوا نوحاً ومن آمن معه من قومه، أي أنتم كاذبون في تصديقكم هذا الكاذب، وقولكم إنه نبي مرسل.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إني لكم} بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. والآخرون بفتحها {بادىء} بالهمزة: أبو عمرو ونصير. {الرأي} بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف {فعميت} مجهولاً مشدداً. حمزة وعلي وخلف وحفص. الباقون بضدهما {أنلزمكموها} باختلاس ضمة الميم: عباس {أجري إلا} بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص {ولكني أريكم} بالفتح حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {نصحي إن} أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {بأعيننا} مدغماً. حيث كان: عباس {من كل} بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل {مجريها} بفتح الميم بالإِمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص {مجريها} بالضم وبالإمالة: أبو عمرو. والباقون بالضم مفخماً. {يا بني} بفتح الياء: عاصم {اركب معنا} مظهراً: عاصم وحمزة {عمل} على أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب. الآخرون {عمل} غير بالرفع فيهما {تسألن} بالنون المشددة المسكورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء المتكلم في الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير {تسألني} بغير نون التأكيد وإثبات الياء في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين {إني أعظك} {إني أعوذ} بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو. الوقوف: {مبين} ه لا {إلا الله} ط {أليم} ه {الرأي} ج {كاذبين} ه {فعيمت عليكم} ط {كارهون} ه {مالاً} ط {آمنوا} ط {تجهلون} ه {طردتهم} ط {تذكرون} ه {خيراً} ط {أنفسهم} ج {الظالمين} ه {الصادقين} ه {بمعجزين} ه {أن يغويكم} ط {ترجعون} ه ط {افتراه} ط {تجرمون} ه {يفعلون} ه ج للآية والعطف {ظلموا} ج لا حتمال التعليل. {مغرقون} ه {سخروا منه} ه {تسخرون} ه ط {تعلمون} ه لا لأن ما بعده مفعول {مقيم} ه {التنور} ه لا لأن ما بعده جواب "إذا" {ومن آمن} ط {قليل} 5 ط {ومرساها} ط {رحيم} ه {الكافرين} ه {من الماء} ط، {رحم} ج لاتفاق الجملتين مع اختلاف العامل. {المغرقين} ه {الظالمين} ه. {الحاكمين} ه {من أهلك} ج {علم} ط {الجاهلين} ه {علم} ط {الخاسرين} ه {معك} ط {أليم} ه {إليك} ج ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف {هذا} ط وعلى قوله: {فاصبر} أحسن للابتداء بــ"أن" {للمتقين} ه. التفسير: لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح. ومعنى {إني لكم} أي متلبساً بهذا الكلام وهو قوله: {إني لكم} فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر فعلى إرادة القول. و{أن لا تعبدوا} بدل من {إني لكم نذير} أي أرسلناه بأن لا تعبدوا {إلا الله} أو يكون "أن" مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير. ووصف اليوم بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازاً. وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر بالجوار. ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات. الأولى أنه بشر مثلهم. الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم. والأراذل جمع أرذل. وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته. ومعنى {بادي الرأي} أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهروها وبروزها للناظر. وهذا تفسير من قرأ بغير همز. وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يتعلق {بادي الرأي} بقوله: {أراذلنا} أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم عياناً، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ {إلا الذين هم أراذلنا رأي العين} وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله سبحانه بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعناً في النبوة وفي متابعة النبي. الشبهة الثالثة: {وما نرى لكم علينا من فضل} لا في العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل {بل نظنكم كاذبين} خطاب لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ادعاء الإيمان. ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: {أرأيتم إن كنت على بينة} برهان {من ربي وآتاني} بإيتاء تلك البينة {رحمة} وعلى هذا البينة هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس {فعيمت} خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم. والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازاً باعتبار نتيجتها كما أن دليل القوم إن كان بصيراً اهتدوا وإن كان أعمى بقول خابطين متحيرين. ثم قال: {أنلزمكموها} أي أنكرهكم على قبول البينة {وأنتم لها كارهون} والمراد أنا لا نقدر على إيصال حقيقة البينة إليك. وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق. ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنياً أو فقيراً {وما أنا بطارد الذين آمنوا} عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله {إنهم ملاقو ربهم} فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم متقدون لقاء ربهم {ولكني أراكم قوماً تجهلون} لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوماً تسفهون حيث تسمون المؤمنين أراذل. ثم أكد عدم طردهم بقوله: {ويا قوم من ينصرني من الله} من يمنعني من عقابه {إن طردتهم} لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية. سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نهي عنه بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم}؟ الجواب أنه لم يكن ذلك طرداً مطلقاً وإنما عين لأجلهم أوقاتاً مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتاً أخرى فعوتب على ذلك القدر. احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه. وأجيب بأنه مخصوص بآيات العفو. ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالاً فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى يجحدوا أن له فضلاً عليهم من هذه الجهة. {ولا أعلم الغيب} حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر {ولا أقول إني ملك} أتعظم بذلك عليكم بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في "الأنعام" سائر ما يتعلق بالآية. ومعنى {تزدري} تعيب وتحقر والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه. وفي قوله تعالى {الله أعلم بما في أنفسهم} دلالة على أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق {إني إذا} أي إن قلت شيئاً من ذلك كنت من الظالمين لنفسي. أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيراً مع أنه لا وقوف لي على باطنهم. ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته كقوله: جاد لي فلان فأكثر. لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن الوصف مقارن للموصوف. وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل التوحيد من دأب أكابر الأنبياء. ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إليّ وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ذلك أحد. وقوله: {ولا ينفعكم نصحي} كقول القائل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار فأكل الخبز. ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: {إن كان الله يريد أن يغويكم} فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي. واحتجاج الأشاعرة بالآية ظاهر. وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحاً إنما قال ذلك ليبين لهم أنه تعالى بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح فائدة، ولو تشبث الخصم بالجبر لزم إفحام النبي. ومن الجائز أن يراد بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: {أية : فسوف يلقون غياً}تفسير : [مريم: 59] أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف وقد تقدم أمثال ذلك مراراً. ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: {هو ربكم وإليه ترجعون} ثم أنكر الله سبحانه عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي إليه مفترى فقال: {أم يقولون افتراه} فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: {قل إن افتريته فعليّ إجرامي} أي عقاب إثمي وهو الافتراء. {وأنا بريء مما تجرمون} أي من إجرامكم وهو إسناد الافتراء إليّ وههنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه. وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من تمام قصة نوح. وعن مقاتل أنها من قصة محمد صلى الله عليه وسلم وقعت في أثناء قصة نوح. قوله سبحانه: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن} إقناط له من إيمانهم الذي كان يتوقعه منهم بدليل قوله: {إلا من قد آمن} فإن "قد" للتوقع. وقوله: {فلا تبتئس} تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام منهم. قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم يعلم أن فيهم من يؤمن أو في أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] إلى قوله: {أية : إلا فاجراً كفاراً}تفسير : [نوح: 27] علل الإهلاك بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك. وذهب كثير منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون على الوجه الأصلح. ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ما شاء. ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: {واصنع الفلك} وهو أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقيل: أمر إباحة كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً يسكنها. والإنصاف أن الأمر ظاهره الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته. وقوله: {بأعيننا ووحينا} في موضع الحال أي متلبساً بذلك. والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط بأمرين: أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: {بأعيننا} وليست العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة. والثاني أن يكون عالماً بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها. عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. وقيل: المراد عين الملك الذي كان يعرّفه كيفية اتخاذ السفينة. ثم قال: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} أي في شأنهم. وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: {إنهم مغرقون} أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة. وقيل: لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل. وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة وكنعان ابنه. ثم حكى الحال الماضية بقوله: {ويصنع الفلك} والحال أنه {كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} يحتمل أن يكون هذا جواباً لـ"كلما" وقوله: {قال إن تسخروا} استئناف على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذٍ؟ ويحتمل أن يكون {سخروا} بدلاً من {مر} أو صفة لــ{ملأ} و {قال} جواب {قيل} كانوا يقولون: يا نوح كنت نبياً فصرت نجاراً، ولو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون. وقيل: إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون. وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذباً فيسخرون منه فأجابهم بقوله: {إن تسخروا منا} في الحال {فإنا نسخر منكم} في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر. والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار. وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله: {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورى: 40] ثم هددهم بقوله: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} في الدنيا وهو عذاب الغرق {ويحل عليه عذاب مقيم} في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم. و"من" موصولة أو استفهامية وقد مر في "الأنعام". روي أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وارتفاعها ثلاثين. وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم. وقال الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة. قوله: {حتى إذا جاء أمرنا} هي غاية لقوله: {ويصنع الفلك} أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك. {وفار التنور} أي نبع الماء من بشدة وسرعة تشبيهاً بغليان القدر. والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه العربي والعجمي. وقيل: معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء. عن ابن عباس والحسن ومجاهد: هو تنور نوح. وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي. وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبياً. وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل. وقيل: بالهند. روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان الله تعالى جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان. ويروى عن علي رضي الله عنه أيضاً أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: {أية : وفجرنا الأرض عيوناً}تفسير : [القمر: 12] وعنه أيضاً كرم الله وجهه أن معنى {فار التنور} طلع الصبح. وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس. والمراد إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى. فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ بالتنوين. فالمراد حمل من كل شيء زوجين. واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون النبات داخلاً فيه لاحتياج الناس إليه {وأهلك} معطوف على مفعول {احمل} وكذا {من آمن} وقوله {إلا من سبق عليه القول} قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله لهما الكفر إذا علم منهما ذلك. ثم قال {وما آمن معه إلا قليل} أي نفر قليل: عن مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحة الموصل لأنهم لما خرجوا من السفينة بنوها. وقيل: اثنان وسبعون رجلاً وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء. وعن محمد بن إسحق كانوا عشرة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم. وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري فلا يؤثر الغرق فيه. قوله سبحانه وتعالى حكاية عن نوح وأهله {وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها} الآية. فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة والبحر والسفينة أي علوتها. فما الفائدة في زيادة لفظة "في"؟ قال الواحدي: فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره. الثاني قوله: {بسم الله} إما أن تتعلق بقوله: {اركبوا} حالاً من الواو أي مسمين الله، أو قائلين باسم الله {ومجريها ومرسيها} مصدران حذف منهما الوقت المضاف كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو زمانها. وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر. وعلى التقادير يكون مجموع قوله: {وقال اركبوا} إلى قوله: {ومرساها} كلاماً واحداً. وإما أن يكون {باسم الله مجريها ومرساها} كلاماً آخر من مبتدإ وخبر أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست. ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أوّلاً ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته. وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول كأنه قال اركبوا فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم لله تعالى.يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره. يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم. ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعاً فأعتقها الله من الغرق. البحث الثالث قوله: {إن ربي لغفور رحيم} كيف ناسب مقام الإهلاك وإظهار العزة؟ والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم الله تعالى بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته. وفي الآية إشارة إلى أن العاقل إذ ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال بسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن أمواج الشبه والظنون والأوهام. قال في الكشاف: {وهي تجري بهم} متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها {في موج كالجبال} في التراكم والارتفاع، فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج. واختلف المفسرون في قوله: {ونادى نوح ابنه} فالأكثرون على أنه ابن له في الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا استبعاد في كون ولد النبي كافراً كعكسه. واعترض عل هذا القول بأنه كيف ناداه مع كفره وقد قال: {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] وأجيب بأنه كان منافقاً وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: {ولا تكن مع الكافرين} أو لعل شفقة الأبوة حملته على ذلك النداء. وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن علياً رضي الله عنه قرأ {ونادى نوح ابنها} ويؤكد هذا الظن قوله: {إن ابني من أهلي} دون أن يقول "إنه مني" وقيل: إنه ولد على فراشه لغير رشده وإليه الإشارة بقوله تعالى {أية : فخانتاهما}تفسير : [التحريم: 10] ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: {أية : الخبيثات للخبيثين}تفسير : [النور: 26] وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح كانت تقول زوجي مجنون. وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه. وقوله: {وكان في معزل} هو مفعل من عزله عنه إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه. وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: {ولا تكن مع الكافرين} لا يساعد هذا القول. وقوله {يا بني} بكسر الياء لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين. ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال {سآوي إلى جبل} فأجاب نوح بأنه {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} واعترض عليه بأن معنى {من رحم} من رحمه الله وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟ وأجيب بأن "من" فاعلة في المعنى لا مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: {إن ربي لغفور رحيم} وهو عاصم لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر. وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم {وحال بينهما الموج} أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى. وقوله سبحانه: {وقيل يأرض} الآية. مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن نورد ههنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية. أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها. فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي - وهو جبل بقرب الموصل - فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي لا يتأتى منه - لكمال هيبته - العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود تصويراً لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما تابعتان لإرادته إيجاداً وإعداماً وتغييراً وتصريفاً كأنهما عقلاء مميزون قد أحاطا علماً يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل {قيل} بدل "أريد" مجازاً إطلاقاً للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته. وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد بقوله: {يا أرض ابلعي ماءَك ويا سماء} والخطابان أيضاً على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين المنقادين. وأيضاً استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفيّ. ووجعل قرينة الاستعارة نسبه الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضاً استعارة لأنه شبه الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوّي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة {ابلعي} لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء. ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحاً لاستعارة النداء إذ كونه مخاطباً من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال {ماءك} بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك. واختار ضمير الخطاب دون أن يقول "ليبلع ماؤها" لأجل الترشيح المذكور. ثم اختار مستعيراً لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما تقدم في {ابلعي} من ترشيح استعارة النداء. ثم قال {وغيض الماء} غاض الماء قل ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى {وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً} فلم يصرح بالفاعل سلوكاً لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيام الطوفان. وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير "يا" للنداء لأنها أكثر استعمالاً ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة والهيبة، ولهذا لم يقل " يا أرضي" بالإضافة تهاوناً بالمنادى، ولم يقل "يا أيتها الأرض" للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه التنبيه. واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير {ابلعي} على {ابتلعي} لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين {أقلعي} أوفر. وقيل: {ماءك} بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء. ولم يحذف مفعول {ابلعي} لئلا يلزم تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض. ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه فحذف من {أقلعي} حذراً من التطويل. وإنما لم يقل "ابلعي ماءك فبلعت" لأن عدم تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم. واختير {غيض} على غيض المشددة للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح للاستغناء عن الإضافة بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء الفعل للفاعل، ولأن {استوت} أخصر لسقوط همزة الوصل. ثم قيل: {بعداً للقوم} دون أن يقال "ليبعد القوم من بعد" بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع الاختصار ودلالة "لام" الملك على أن البعد حق لهم. وقول القائل "بعداً له" من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها. ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم وظلمهم غيرهم. وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد عقيب النداء كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل قوله: {وفار التنور} ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: {وغيض الماء} ثم ذكر مقصود القصة وهو قوله {وقضي الأمر} أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء المؤمنين. ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: {واستوت على الجودي} وكان جبلاً منخفضاً فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة الماء. ثم ختمت القصة بما ختمت من التعريض. قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب إجرام الكفار؟ وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال الشاقة. وقد روى جمع من المفسرين أنه سبحانه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين. وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب عن إهلاك سائر الحيوانات. والظاهر أن القائل في قوله: {وقيل بعداً} هو الله تعالى لتناسب صدر الآية، ويحتمل أن يكون القائل نوحاً وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جارٍ مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق. وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي أنها كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه. وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله تعالى أعلم بمراده من كلامه. {ونادى نوح ربه} أي أراد أن يدعوه {فقال رب إن ابني من أهلي} بعض سواء كان من صلبه أو رببياً له {وإن وعدك} أي كل ما تعد به {الحق} الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي {وأنت أحكم الحاكمين} أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع. {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} أي من أهلك دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك. ثم صرح بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: {إنه عمل غير صالح} من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملاً غير صالح وهو الإشراك والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: {غير صالح} دون أن يقول "فاسد" تعريض بل تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود الضمير في {إنه} إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل غير صالح. وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه. ثم نهاه عن مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: {فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقاً فلذلك اشتبه أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أوّلاً على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمناً فإنه يخلص من الغرق لا محالة. ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك تنبه ورجع إلى الله قائلاً {رب إني أعوذ بك أن أسألك} فيما يستقبل من الزمان {ما ليس لي به علم} تأدباً بآدابك واتعاظاً بعظتك. {وألا تغفر لي} ما فرط مني من الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: {أية : ربنا ظلمنا}تفسير : [الأعراف: 23] الآية. فلذلك عفى عنه. {وقيل يا نوح اهبط} أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من الجبل إلى الفضاء ملتبساً {بسلام منا} بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع الآفات والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفاً من عدم المأكول والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من النبات والحيوانات. وقيل: أي مسلماً عليك مكرماً. والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو ذريته، وإما لأنه لما خرج من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذرّيته، دليله قوله سبحانه {أية : وجعلنا ذريته هم الباقين}تفسير : [الصافات: 77] فنوح آدم الأصغر. وقيل: لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في التزايذ والثبات لا عليك وحدك بل {وعلى أمم ممن معك} إن كان "من" للبيان فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل الأمم التي انشعبت منه. وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ممن معك إلى آخر الدهر. وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة المتوالدة فقال: {وأمم} وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم {سنمتعهم} في الدنيا {ثم يمسهم} في الآخرة {منا عذاب أليم} عن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم ومنهم من عذب، وخصص بعضهم الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب و {تلك} إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ والجمل بعدها أخبار. وقوله {ولا قومك} للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا قومك ولا أهل بلدك. والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى. ومعنى {من قبل هذا} أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: {فاصبر} كما صبر نوح و {إن العاقبة} الحميدة {للمتقين}. التأويل: {ما نراك إلا بشراً مثلنا} أي مخلوقاً محتاجاً مثلنا. وفيه أن النفس بنظرها السفلي ترى الروح العلوي سفلياً فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون {إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق. {وما أنا بطارد الذين آمنوا} من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أومن بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع البدن وجوارحه في التكاليف {من ينصرني من الله} من يمنعني من قهره إن منعت البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة. {أفلا تذكرون} أن جميعة الباطن ونوره من نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟ فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع {لن يؤتيهم الله خيراً} أي استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال {وأنا بريء مما تجرمون} من التكذيب. وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها. {وأوحي إلى نوح} الروح {أنه لن يؤمن من قومك} وهم القلب وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه {إلا من قد آمن} من خواص العباد وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه. فأما النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد للإكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها {أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} ولا تبتئس على نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في النار على وجوههم {واصنع الفلك} اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} فإن الظلم من شيم النفوس {إنهم مغرقون} في بحر الدنيا وشهواتها. {وكلما مر عليه ملأ} هم النفس وهواها وصفاتها {يسخرون} من استعمال أركان الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها {حتى إذا جاء أمرنا} وهو حد البلوغ والركوب في سفينة الشريعة {وفار} ماء الشهوة من تنور القالب {قلنا احمل} في سفينة الشريعة من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة. والحرص وزوجها القناعة، والبخل وزوجها السخاء، والغضب وزوجه الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة {وأهلك} وهم صفات الروح لا النفس {ومن آمن} وهم القلب والسر. وفي قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها باسم الله} إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: {أية : وأن إلى ربك المنتهى}تفسير : [النجم: 42] {في موج} من الفتن {كالجبال ونادى نوح} الروح {ابنه} كنعان النفس المتولد بينه وبين القالب {وكان في معزل} من معرفة الله وطلبه {سآوي إلى جبل} العقل {يعصمني من الماء} الفتن {لا عاصم اليوم} أي إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة {ابلعي} ماء شهواتك {اقلعي} عن إنزال مطر الآفات {وغيض} ماء الفتن ببركة الشرع {وقضي الأمر} ما كان مقدراً من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، {واستوت} سفينة الشريعة {على الجودي} وهو مقام التمكين بعد مقامات التلوين {وإن وعدك الحق} وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه إلى العالم السفلي من الرجوع إلى العالم العلوي: {إنه ليس من أهلك} وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس. فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية {اهبط} من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن {وأمم سنمتعهم} هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية {ثم يمسهم} في الآخرة عذاب البعد عن المألوفات، {فاصبر} على تربية الروح و النفس {إن العاقبة} لمن اتقى طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ* فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا...} الآية: فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و«الأراذل» جَمْعُ الجمعِ، فقيل: جمع أَرْذُلٍ، وقيل: جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور: «بَادِيَ الرَّأْي» - بباء دون همز -؛ من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق «بَادِيَ الرَّأْي» بـــ «نَرَاكَ»، أي: وما نراك بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله: «ٱتَّبَعَكَ»، أيْ: وما نَرَاكَ ٱتبعكَ بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} معنيين: أحدهما: أَنْ يريدوا: ٱتَّبَعَكَ في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك. والثاني: أن يريدوا: ٱتبعُوكَ بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت. ويحتملُ أنْ يكون قولهم: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} وصْفاً منهم لنوحٍ، أي: تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة لـــ «بَشَر».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} الآية. اعلم أنَّه جرت عادته - تعالى - في القرآن بأنَّهُ إذا أورد على الكافر الدَّلائل أتبعها بالقصص ليُؤكِّد تلك الدَّلائل، وقد بدأ بذكر هذه القصَّة في سورة يونس، وأعادها ههنا لما فيها من زوائد الفوائد. قوله {إِنَّي لَكُمْ} قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح همزة "إني"، والباقون بكسرها. فأمَّا الفتحُ فعلى إضمارِ حرفِ الجرِّ، أي: "بأنِّي لَكُمْ". قال الفارسيُّ: في قراءةِ الفتح خروجٌ من الغيبةِ إلى المخاطبةِ. قال ابن عطية: وفي هذا نظر، وإنَّما هي حكايةُ مخاطبته لقومه، وليس هذا حقيقة الخروج من غيبةٍ إلى مخاطبة، ولو كان الكلامُ أن أنذرهم ونحوه لصحَّ ذلك. وقد قال بهذه المقالة - أعني الالتفات - مكي - فإنَّهُ قال: الأصل: بأنِّي، والجارُّ والمجرور في موضع المفعول الثاني، وكان الأصلُ: أنَّهُ، لكنَّهُ جاء على طريق الالتفات. ولكن هذا الالتفات غيرُ الذي ذكره أبو علي، فإنَّ ذلك من غيبة إلى خطابٍ، وهذا من غيبةٍ إلى تكلم وكلاهما غير محتاج إليه، وإن كان قولُ مكي أقربَ. وقال الزمخشري: الجارُّ والمجرور صلةٌ لحالٍ محذوفة، والمعنى: أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام، وهو قوله: {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} بالكسر، فلمَّا اتصل بها الجارُّ فُتِح كما فتح "كأنَّ" والمعنى على الكسر في قولك "إنَّ زيداً كالأسد"، وأمَّا الكسرُ، فعلى إضمار القول، أي: فقال، وكثيراً ما يُضْمر، وهو غني عن الشَّواهد. و "النذيرُ" قيل: المرادُ به كونه مهدداً للعصاة بالعقاب، ومن المبين كونه مبيناً ما أعد الله للمطيعين من الثواب، وأنه يبين ذلك الإنذار على أكمل طرقه، ثم بيَّن تعالى أنَّ ذلك الإنذار إنما هو بنهيهم عن عبادة غير الله، والأمر بعبادته - جل ذكره -؛ لأنَّ قوله {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} استثناء من النَّهْي، فهو يوجب نفي غير المستثنى، وإيجاب المستثنى. قوله: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ} كقوله: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ} في أول السورة، ونزيد هنا شيئاً آخر، وهو أنَّها على قراءةِ من فتح "أني" تحتملُ وجهين: أحدهما: أن تكون بدلاً من قوله: "أنِّي لَكُم"، أي أرْسلناهُ بأن لا تَعْبُدُوا. والثاني: أن تكون مفسِّرة، والمفسَّر بها: إمَّا "أرْسَلناهُ" وإما "نَذِيرٌ". وأمَّا على قراءة من كسر فيجوزُ أن تكون المصدرية وهي معمولةٌ لـ "أرسلنا" ويجوزُ أن تكون المفسرة بحاليها. قوله: "أليم" إسناد الألم إلى اليوم مجازٌ لوقوعه فيه لا بِهِ. وقال الزمخشريُّ: فإذا وُصِفَ به العذابُ قلت: مجازٌ مثله؛ لأنَّ الأليمَ في الحقيقة هو المعذِّب، ونظيرها قولك نهارُكَ صائمٌ. قال أبُو حيَّان: "وهذا على أن يكون "ألِيم" صفةُ مبالغةٍ من "ألِمَ" وهو من كثر ألمه، وإن كان "ألِيم" بمعنى: "مُؤلم" فنسبته لليوم مجازٌ وللعذاب حقيقة". فصل قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - بعث نوح بعد أربعين سنة، ولبث يَدعو قومه تسع مائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطُّوفانِ ستين سنة، فكان عمره ألفاً وخمسين سنة. وقال مقاتلٌ: بعث وهو ابن مائة سنة. وقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة. وقيل: ابن مائتين وخمسين سنة، ومكث يدعو قومه تسعمائة سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فكان عمره ألفاً وأربع مائة سنة. قوله: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ}. "المَلأُ" هم الأشراف والرُّؤساء. "مَا نَراكَ" يجوزُ أن تكون هذه الرُّؤيا قلبيةً، وأن تكون بصريةً. فعلى الأول تكون الجملةُ من قولك: "اتَّبَعَكَ" في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً، وعلى الثَّاني في محل نصب على الحال، و "قَدْ" مقدرةٌ عند من يشترط ذلك. و "الأراذِلُ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ جمع الجمع. والثاني: جَمْعٌ فقط. والقائلون بالأول اختلفوا فقيل: جمع لـ "أرْذُلٍِ"، و "أرْذُل" جمع لـ "رَذْلٍ" نحو: كَلْب وأكْلُب وأكالب. وقيل: بل جمع لـ "أرْذَال"، و "أرْذَال" جمع لـ "رَذْل" أيضاً. والقائلون بأنه ليس جمع جمع، بل جمعٌ فقط قالوا: هو جمعٌ لـ "أرْذل"، وإنَّما جاز أن يكون جَمْعاً لأرذل لجريانه مَجْرَى الأسماءِ من حيث إنه هُجِر موصوفه كالأبْطَح والأبرق. وقال بعضهم: هو جمع "أرْذَل" الذي للتفضيل، وجاء جمعاً كما جاء {أية : أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا}تفسير : [الأنعام:123] و "أحاسنكم أخلاقاً". ويقال: رجل رَذْل ورُذَال، كـ "رَخْل" و "رُخَال" وهو المرغوبُ عنه لِردَاءتِهِ. قال الواحديُّ: هُمُ الدُّونُ من كُلِّ شيءٍ في منظره وحالاته. والأصلُ فيه أن يقال هو أرْذَلُ من كذا فكثُرَ حتى قالوا: هو الأرْذَلُ، فصارت الألف واللاَّم عوضاً عن الإضافة. قوله: "بَادِيَ الرَّأي" قرأ أبو عمرو وعيسى الثَّقفيُّ "بَادِىءَ" بالهمز، والباقون بياءٍ صريحة مكان الهمزة. فأما الهمزُ فمعناه: أول الرَّأي، أي: أنَّه صادرٌ عن غير رويَّةٍ وتأمُّل، بل من أولِ وهلةٍ. وأمَّا مَنْ لَمْ يهمز؛ فيحتمل أن يكون أصلُه كما تقدَّم، ويحتملُ أن يكون من بدا يبدُو أي ظَهَر، والمعنى: ظاهر الرَّأي دون باطنه، أي: لوْ تُؤمِّل لعُرِفَ باطنه، وهو في المعنى كالأولِ. وفي انتصابه على كلتا القراءتين سبعةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرفِ وفي العامل فيه على هذا ثلاثة أوجه: أحدها: "نَرَاكَ"، أي: وما نَراكَ في أول رأينا، على قراءة أبي عمرو، أو فيما يظْهَر لنا من الرأي في قراءة الباقين. والثاني - من الأوجه الثلاثة -: أن يكون منصوباً بـ "اتَّبَعَكَ"، أي: ما نَرَاكَ اتَّبعَكَ أول رأيهم، أو ظاهر رأيهم، وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريدوا اتبعوك في ظاهر أمرهم، وبواطنهم ليست معك. والثاني: أنَّهُم اتَّبعُوكَ بأول نظرٍ، وبالرَّأي البَادِي دُونَ تَثَبُّت، ولو تثبتُوا لما اتَّبَعُوك. الثالث - من الأوجه الثلاثة - أنَّ العامل فيه "أرَاذِلُنَا" والمعنى: أراذِلُنَا بأولِ نظرٍ منهم أو بظاهر الرَّأي نعلم ذلك، أي: إنَّ رذالتهم مكشوفةٌ ظاهرةٌ لكونهم أصحاب حرفٍ دنيَّة. والرَّأي على هذا من رأي العين لا من رأي القلب، ويتأكَّدُ هذا بما نُقل عن مجاهد أنَّهُ قرأ "إلاَّ الذينَ هُمْ أرَاذِلُنَا بادِيَ رَأي العَيْنِ". ثم القائل بكون "بَادِيَ" ظرفاً يحتاج إلى اعتذار، فإنَّهُ اسمُ فاعلٍ وليس بظرفٍ في الأصلِ، قال مكيّ: وإنَّما جاز أن يكون فاعل ظرفاً كما جاز ذلك في "فَعِيل" نحو: قَرِيب ومليء، و "فاعل وفعيل" متعاقبان كـ: رَاحِم ورَحِيم، وعَالِم وعَلِيم، وحسُن ذلك في "فَاعِل" لإضافته إلى الرأي، والرأي يضاف إليه المصدر، وينتصبُ المصدرُ معه على الظَّرْفِ نحو: "أمَّا جَهْدُ رأي فإنَّك منطلقٌ" أي: "في جَهْد". قال الزمخشريُّ: وانتصابه على الظَّرف، أصله: وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمرهم، أو وقتَ حدوثِ ظاهرِ رأيهم، فحذفَ ذلك وأقيم المضافُ إليه مقامه. الوجه الثاني - من السَّبعة -: أن ينتصب على المفعول به، حذف معه حرفُ الجر مثل: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ}تفسير : [الأعراف:155]. وفيه نظرٌ من حيث إنَّه ليس هنا فعلٌ صالحٌ للتعدِّي إلى اثنين، إلى ثانيهما بإسقاط الخافضِ. الثالث من السَّبعة: أن ينتصب على المصدر ومجيء المصدر على فاعل أيضاً ليس بالقياس، والعامل في هذا المصدر كالعامل في الظَّرف كما تقدَّم، ويكون من باب ما جاء فيه المصدرُ من معنى الفعل لا من لفظه، تقديره: رُؤية بدءٍ: أو ظهور، أو اتباع بدءٍ أو ظهور، أو رذالة بدءٍ. الرابع من السبعة: أن يكون نعتاً لـ "بَشَر"، أي: ما نَراكَ إلاَّ بشراً مثلنا بادِيَ الرأي، أي: ظاهرهُ، أو مبتدئاً فيه. وفيه بعدٌ للفصل بين النَّعْتِ والمَنْعُوتِ بالجملة المعطوفة. الخامس: أنَّهُ حالٌ من مفعول "اتَّبَعَكَ"، أي: وأنت مكشوفُ الرَّأي ظاهرهُ لا قُوةَ فيه، ولا حصانة لك. السادس: أنه منادى والمراد به نوحٌ - عليه الصلاة والسلام -، كأنَّهُم قالوا: يا بَادِي الرَّأي، أي: ما في نفسك ظاهرٌ لكلِّ أحدٍ، قالوا ذلك على سبيل الاستهزاءِ به، والاستقلال له. السابع: أنَّ العامل فيه مضمر، تقديره: أتقُولُ ذلك بادي الرَّأي، ذكره أبُو البقاءِ، والأصلُ عدم الإضمار مع الاستغناء عنه، وعلى هذه الأوجه الأربعة الأخيرة هو اسمُ فاعلٍ من غير تأويلٍ، بخلاف ما تقدَّم من الأوجه فإنَّهُ ظرفٌ أو مصدرٌ. واعلم أنَّك إذا نصبت "بَادِيَ" على الظرف أو المصدر بما قبل "إلاَّ" احتجْتَ إلى جوابٍ عن إشكال، وهو أنَّ ما بعد "إلاَّ" لا يكون معمولاً لما قبلها، إلاَّ إن كان مستثنى منه نحو: مَا قَامَ إلاَّ زيداً القومُ، أو مستثنى نحو: قَامَ القومُ إلاَّ زيداً، أو تابعاً للمستثنى منه نحو: ما جاءني أحَدٌ إلاَّ زيدٌ أخيرُ من عمرو و "بَادِي الرَّأي" ليس شيئاً من ذلك. قال مكي: لو قلت في الكلام: ما أعْطَيْت أحَداً إلا زَيْداً درهماً؛ فأوقعت اسمين مفعولين بعد "إلاَّ" لم يَجُزْ؛ لأنَّ الفعل لا يصلُ بـ "إلاَّ" إلى مفعولين، إنَّما يصل إلى اسم واحدٍ كسائر الحروفِ، ألا ترى أنَّك لو قلت: مررتُ بزيدٍ عمرو فأوصلت الفعل إليهما بحرفٍ واحدٍ لم يَجز، ولذلك لو قلت: استوى الماءُ والخشبة الحائط فتنصب اسمين بواو "مع" لمْ يَجُزْ إلاَّ أن تأتيَ في جميع ذلك بواو العطف، فيجوز وصولُ الفعل. والجوابُ الذي ذكرهُ هو أنَّ الظروف يُتَّسع فيها ما لا يُتَّسع في غيرها، وهذا جماعُ القولِ في هذه المسألة باختصارٍ. والرَّأيُ: يجوزُ أن يكون من رُؤيةِ العيْنِ أو من الفكرة والتَّأمُّل. فصل اعلم أنَّ الله - سبحانه وتعالى - حكى عن قوم نُوحٍ - عليه الصلاة والسلام - شُبُهَاتٍ: الأولى: أنَّهُم قالوا: إنَّه بشرٌ مثلهم، وأنَّ التفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطَّاعة لجميع العاملين. الثانية: كونه ما اتبعه إلاَّ الأراذل من القوم كالحياكةِ، وأصحاب الصنائع الخسيسة؛ فلو كنت صادقاً لاتبعك الأشراف والرؤساء، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء:111]. الثالثة: قولهم: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} لا في العَقْلِ ولا في رعايةِ المصالحِ العاجلة ولا في قوَّةِ الجدلِ فإذا لم نشاهد فضلك في شيءٍ من هذه الأحوال الظاهرة؛ فكيف نعترف بفضلك في أشرف الدرجات. واعلم أنَّ الشُّبْهَة الأولى لا تليقُ إلاَّ بالبراهمةِ الذين ينكرون نبوَّة البشر على الإطلاقِ، وتقدَّم الكلامُ على "الملأ" وتقدم الكلام على الشبهة الأولى في الأنعام في الأعراف [66]. واعلم أنَّه لو بُعِثَ إلى البشر ملكاً رسولاً لكانت الشبهةُ أقوى في الطَّعْنِ عليه في رسالته؛ لأنَّهُ يخطر بالبال أنَّ هذه المعجزة التي ظهرت على يدِ هذا الملك أتى بها من عند نفسه؛ لأنَّ قوَّتهُ أكمل؛ فلهذا ما بعث الله إلى البشر رسُولاً إلاَّ من البشر. وأمَّا قولهم {مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} فهذا أيضاً جهلٌ؛ لأنَّ الرِّفعة في الدِّين لا تكون بالحسبِ ولا بالمالِ، ولا بالمناصبِ العاليةِ، بل الفقر أهونُ على الدِّين من الغنى، والأنبياء ما بعثُوا إلا لترْكِ الدُّنيا والإقبالِ على الآخرةِ، فكيف يجعل الفقرُ في الدُّنيا طَعْناً في النبوةِ والرسالة. وأمَّا قولهم: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} فهو أيضاً جهلٌ؛ لأنَّ الفضيلة المعتبرة عند الله - تعالى - ليست إلاَّ بالعلم والعمل، فكيف اطَّلَعُوا على بواطن الخَلْق حتَّى عرفوا نفي هذه الفضيلة. ثم قالوا لنُوح وأتباعه {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} وهذا خطاب مع نوحٍ وقومه، والمرادُ منه تكذيب نوح في دَعْوَى الرِّسالة. وقيل: خطاب مع الأرَاذِلِ، أي كذَّبُوهم في إيمانهم. قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ}. وهذا جوابٌ عن شبهتهم الأولى، والمعنى: أنَّ حصول المساواةِ في البشريَّةِ لا يمنع من حصولِ المفارقةِ في صفةِ النبوة والرسالةِ، وذكر الطَّريق الدَّال على إمكانه، وهو كونهُ على بيِّنةٍ من معرفةِ الله وصفاته - سبحانه - وما يجبُ وما يمتنعُ وما يجوزُ {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} وهي إمَّا النبوة، وإمَّا المعجزة الدَّالة على النبوَّة {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي: صارت مظنة خفيت، والتبست عليكم. قوله: "مِّن رَّبِّيۤ" نعتٌ لـ "بَيِّنَة"، أي: بَيِّنَةٌ من بيِّنات ربِّي. قوله: "رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ" يجُوزُ في الجارِّ أيضاً أن يكون نعتاً لـ "رَحْمَةً" وأن يكون متعلقاً بـ "آتَانِي". قوله: "فَعُمِّيَتْ" قرأ الأخوان وحفص بضمِّ العين وتشديد الميم، والباقون بالفتح، والتخفيف. فأمَّا القراءة الأولى فأصلها: عماهَا اللهُ عليكم، أي: أبْهمها عقوبة لكم، ثُمَّ بُنِيَ الفعل لما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فحذف فاعله للعلم به وهو الله تعالى، وأقيم المفعولُ وهو ضميرُ الرَّحْمَة مقامه ويدل على ذلك قراءةُ أبَيّ بهذا الأصل "فَعمَاهَا اللهُ عَليْكُم". ورُوي عنه أيضاً وعن الحسن وعليّ والسُّلمي "فَعَمَاهَا" من غير ذكرِ فاعلٍ لفظي. وروى عن الأعمش وابن وثاب "وعُمِّيَتْ" بالواو دون الفاء. وأمَّا القراءة الثانية فإنَّه أسْنَدَ الفعل إليها مجازاً. قال الزمخشريُّ: فإذا قلتَ ما حقيقته؟ قلت: حقيقته أن الحجة كما جُعِلتْ بصيرةً ومُبْصرة، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً}تفسير : [النمل:13] جعلت عمياء، قال تعالى: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} الآية؛ لأنَّ الأعمى لا يَهْتَدي ولا يَهْدِي غيرهُ، فمعنى فَعَمِيتْ عليكم البيِّنةُ: فَلمْ تَهْدِكُم كما لو عَمِيَ على القوم دليلهم في المفازَةِ بَقُوا بِغَيْر هادٍ. وقيل: هذا من باب القلبِ، وأصلها فعَميتم أنتم عنها كما تقول: أدخلتُ القلنسوة في رَأسِي، وأدخلت الخاتم في إصبعي، وهو كثيرٌ، وقد تقدَّم الخلافُ فيه، وأنشدوا على ذلك: [الطويل] شعر : 2962- تَرَى النَّوْرَ فيها مُدْخلَ الظِّلِّ رَأسَه ................................... تفسير : قال أبُو علي: وهذا ممَّا يُقْلَبُ، إذ ليس فيه إشكال، وفي القرآن {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}تفسير : [إبراهيم:47]. وبعضهم يخرِّجُ البيت على الاتِّساع في الظَّرْفِ. وأمَّا الآيةُ فـ "أخْلَفَ" يتعدَّى لاثنين، فأنت بالخيار: أن تُضيفَ إلى أيِّهما شئتَ فليس من باب القَلْبِ. وقد ردَّ بعضهم كون هذه الآية من باب المقلوب بأنه لو كان كذلك لتعدَّى بـ "عَنْ" دُونَ "عَلَى"، ألا ترى أنك تقول: "عَمِيتُ عن كذَا" لا "عَلَى كَذَا". واختلف في الضَّمير في "عُمِّيَتْ" هل هو عائدٌ على "البَيِّنة"، أو على "الرَّحْمَة"، أو عليهما معاً؟. وجاز ذلك - وإن كان بلفظ الإفراد - لأنَّ المراد بهما شيءٌ واحد، وإذا قيل بأنه عائدٌ على "البيِّنة" فيكون قوله {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} جملة معترضة بين المتعاطفين، إذ حقُّهُ، "على بيِّنة مِن ربِّي فعُمِّيتْ". وإن قيل: بأنَّه عائدٌ على الرَّحْمةِ فيكون قد حذف من الأوَّل لدلالة الثاني عليه، والأصلُ: "على بيِّنة مِن ربِّي وآتَانِي رَحْمَةً فعُمِّيتْ". قال الزمخشريُّ: وآتَانِي رحْمَةً بإتيان البيِّنة، على أنَّ البيِّنة في نفسها هي الرَّحمة، ويجوزُ أن يُرَادَ بالبيِّنةِ المعجزة، وبالرَّحمة النبوَّة. فإن قلت: فقوله "فعُمِّيَتْ" ظاهر على الوجهِ الأوَّلِ فما وجهه على الوجه الثاني، وحقُّه أن يقال: فَعَمِيتَا؟ قلت: الوجهُ أن يُقدَّرَ: فعُمِّيَتْ بعد البيِّنة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة. انتهى وقد تقدَّم الكلامُ على "أرأيْتُمْ" هذه في الأنعام، وتلخيصهُ هنا أنَّ "أرأيتُم" يطلب "البيِّنة" منصوبةً وفعل الشَّرط يطلبها مجرورةً بـ "عَلَى" فأعمل الثَّاني وأضمر في الأول، والتقدير: أرأيْتُم البيِّنة من ربِّي إن كنتُ عليها أنلزِمُكمُوهَا، فحذف المفعولُ الأوَّل، والجملةُ الاستفهاميَّة هي في محلِّ الثاني، وجواب الشرط محذوفٌ للدَّلالةِ عليه. قوله: "أنُلْزمُكُمُوهَا" أتى هنا بالضَّميرين متصلين، وتقدَّم ضميرُ الخطاب؛ لأنَّهُ أخص، ولو جِيءَ بالغائب أولاً لانفصل الضَّميرُ وجوباً. وقد أجاز بعضهم الاتِّصال واستشهد بقول عثمان "أراهُمُني الباطل شَيْطَاناً". وقال الزمخشريُّ: يجوزُ أن يكون الثاني منفصلاً كقوله: "أنُلْزِمكم إيَّاهَا" ونحوه {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة:137] ويجوز "فَسَيكفيك إيَّاهُمْ"، وهذا الذي قاله الزمخشريُّ ظاهرُ قول سيبويه وإن كان بعضهم منعهُ. وإشباعُ الميم في مثل التركيب واجبٌ، ويضعف سكونها، وعليه "أرَاهُمْني البَاطِل". وقال أبُو البقاءِ: وقرىء بإسكان الميم فراراً من توالي الحركات فقوله هذ يحتمل أن يكون أراد سكون ميم الجمع؛ لأنَّه قد ذكر ذلك بعدما قال: "ودخلتِ الواوُ هُنَا تتمَّةً للميم، وهو الأصلُ في ميم الجمع، وقرىء بإسكان الميم" انتهى. وهذا إن ثبت قراءةً فهو مذهبٌ ليونس: يُجوِّزُ الدِّرهمَ أعطيتكه، وغيره يأباه. ويحتملُ أن يريد سكون ميم الفعل، ويدلُّ عليه ما قال الزجاج. أجمع النَّحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكانُ حركةِ الإعراب إلاَّ في ضرورة الشعر، فأمَّا ما رُوي عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه القراء، وروى عنه سيبويه أنه كان يُخِفُّ الحركة ويختلسُها، وهذا هو الحقُّ وإنما يجُوزُ الإسكانُ في الشعر نحو قول امرىء القيس: [السريع] شعر : 2963- فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ........................... تفسير : وكذا قال الزمخشري أيضاً. وحكى عن أبي عمرو إسكانُ الميم، ووجهه أنَّ الحركة لم تكن إلاَّ خلسةً خفيفةً، فظنَّها الرَّاوي سُكُوناً، والإسكانُ الصَّريحُ لحنٌ عند الخليل، وسيبويه، وحُذَّاقِ البصريين؛ لأنَّ الحركة الإعرابية لا يُسَوَّغ طرحها إلاَّ في ضرورة الشِّعْرِ. قال شهابُ الدِّين: وقد حكى الكسائيُّ والفرَّاءُ: "أنُلُزِمْكُمُوهَا" بسكون هذه الميم، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك مُشْبَعاً في سورة البقرة [54]، أعني تسكين حركةِ الإعرابِ فكيف تجعلونه لحْناً؟. و "ألزم" يتعدَّى لاثنين، أولهما ضمير الخطاب، والثاني ضمير الغيبة. و {أَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} جملة حالية، يجوز أن تكون للفاعل، أو لأحدِ المفعولين. وقدَّم الجارَّ لأجْل الفواصل، وفي الآية قراءاتٌ شاذَّةٌ مخالفةٌ للسَّواد أضْرَبْتُ عنها لذلك. والمعنى: "أنلزمكم البينة، وأنتم لها كَارهُون لا تُريدُونهَا". قال قتادةُ: "لو قدر الأنبياء أن يُلزموا قومهُم لألزموا، ولكن لم يقدروا". قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً}. الضَّمير في "عَلَيْهِ" يجوزُ أن يعود على الإنذار والمفهوم من "نَذِيرٌ"، وأن يعودَ على الدِّين الذي هو الملَّة، وأن يعود على التَّبليغ. وهذا جوابٌ على الشُّبهةِ الثانية، وهي قولهم: اتَّبَعَك الأرَاذل، فقال: أنا لا أطلبُ على تبليغِ الرِّسالةِ مالاً حتَّى يتفاوت الحالُ بسبب كون المستجيب فقيراً، أو غنياً، وإنما أجري علَى هذه الطاعة على رب العالمين، وإذا كان كذلك فسواء كان غنياً أو فقيراً، لم يتفاوت الحال في ذلك. ويحتمل أنَّه قال لهم: إنكم لمَّا نظرتم إلى هذه الأمور وجدتُمُوني فقيراً، وظننتم أنِّي إنما أتيت بهذه الأمور لأتوسَّل بها إلى أخذ أموالكم، وهذا الظَّن منكم خطأ، وإنِّي لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجْراً، {أية : إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:109] فلا تَحْرِمُوا أنفسكم من سعادةِ الدِّين بهذا الظن الفاسد. قوله: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ} قرىء "بطَاردٍ الذينَ" بتنوين "طارد". قال الزمخشري: على الأصل يعنى أنَّ أصل اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال العملُ وهو ظاهرُ قول سيبويه. قال أبُو حيَّان: يُمكن أن يقال: ألأصل الإضافةُ لا العَمَلُ، لأنَّهُ قد اعتورهُ شَبَهَان: أحدهما: الشبه بالمضارع وهو شبهٌ بغير جنسه. والآخر: شبههُ بالأسماءِ إذا كانت فيه الإضافةُ؛ فكان إلحاقه بجنسه أولى. وقوله: {إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} استئنافٌ يفيدُ التَّعليل، وقوله: "تَجْهَلُون" صفةٌ لا بُدَّ منها إذ الإتيانُ بهذا الموصوفِ دون صفته لا يفيدُ، وأتى بها فعلاً ليدلَّ على التَّجدُّد كلَّ وقتٍ. فصل قوله: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} كالدَّليل على أنَّ القوم سألوه لئلاَّ يشاركوا الفقراءَ، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ومَا أنَا بطارِدِ الذين آمنُوا"تفسير : ، وأيضاً قولهم {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} كالدَّليل على أنَّهم طلبوا منه طردهم؛ فكأنَّهم يقولون لو اتَّبَعَك الأشراف لوافقناهم. ثمَّ ذكر ما يوجب الامتناع من طردهم، وهو أنَّهم ملاقُو ربِّهم، وهذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً: منها: أنَّهُم قالوا إنَّهم منافقون فيما أظهروا فلا تغترّ بهم؛ فأجاب بأنَّ هذا الأمر ينكشفُ عند لقاءِ ربِّهم في الآخرة. ومنها: أنَّهُ جعله علَّة في الامتناع من الطَّرْدِ، وأراد أنهم ملاقو ربِّهم ما وعدهم، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة. ومنها: أنَّهُ نَبَّه بذلك على أنَّا نجتمع في الآخرة؛ فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني. ثم بيَّن أنَّهم يَبْنُون أمرهُم على الجَهْلِ بالعواقب والاغترارِ بالظَّواهرِ فقال: {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}. ثم قال: {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} [هود:30] من يمنعني من عذاب الله {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتَّعِظُونَ. والمعنى: على أنَّ العقل والشرع تطابقا على تعظيم المؤمن التَّقي، وإهانةِ الفَاجرِ، فلو عظَّمْتُ الكافر وطردتُ المؤمن وأهنتهُ كنت على ضِدّ دين الله؛ فأسْتوْجبُ حينئذٍ العقابَ العظيمَ، فمن الذي ينصُرُني من الله، ومن الذي يُخَلِّصُني من عذابِ الله. واحتجَّ قوم بهذه الآية على صُدُورِ الذَّنب من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فقالوا دلَّت الآيةُ على أنَّ طردَ المؤمنين لطلب مرضاة الكفار معصية، ثم إن محمداً - صلوات الله وسلامه عليه - طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله - عزَّ وجلَّ - في قوله: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ}تفسير : [الأنعام:52]. والجوابُ: يحمل الطَّرد المذكور في هذه الآية على الطَّرد المطلق المؤبَّدِ، والطَّرد المذكور في واقعة محمدٍ - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه - على المُقيَّدِ في أوقاتٍ معينةٍ رعاية للمصلحة. ثُمَّ أكَّدَ هذا البيان فقال: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} فآتي منها ما تطلبون، {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} فأخبركم بما تُريدُونَ. وقيل: إنَّهم لمَّا قالوا لنوح: إنَّ الذين آمنُوا بك إنَّما اتَّبَعُوكَ في ظاهر ما ترى منهم، فأجابهم نوح - عليه الصلاة والسلام - فقال: لا أقول لكم: عِنْدِي خزائن غيوب الله التي يعلم منها ما يضمره الناس، ولا أعلم علم الغيب فأعلم ما يسرونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} هذا جواب لقولهم: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود:27] وقيل معناه: لا أقولُ إنِّي ملكٌ حتَّى أتعظَّمَ بذلك عليكم، بل طريقي الخضوع والتَّواضع، ومن كان طريقه كذلك فإنَّهُ لا يستنكفُ عن مخالطةِ الفقراءِ والمساكين. واحتجَّ قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكةِ على الأنبياء قالوا: لأنَّ الإنسان إذا قال: لا أدَّعي كذا وكذا، إنما يحسنُ إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل. ثم أكَّدَ هذا البيان بطريق آخر فقال: {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} وهذا كالدلالة على أنهم يعيبون أتباعهم، ويحتقرونهم، فقال: لا أقولُ للذين يحتقرونهم: لن يؤتيهم الله خَيْراً، أي: توفيقاً وإيماناً وأجراً {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} لأنَّ ذلك من باب الغَيْبِ لا يعلمه إلا الله، فربَّما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله خير مُلكٍ في الآخرة؛ فأكون كاذباً فيما أخبرتُ به، فإن فعلتُ ذلك كنتُ من الظَّالمينَ لنفسي. قوله: {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} الظَّاهرُ أنَّ هذه الجملة لا محلَّ لها عطفاً على قوله: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ} كأنَّه أخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث. وقد تقدَّم في الأنعام أنَّ هذا هو المختار، وأنَّ الزمخشري قال: "إنَّ قوله تعالى: {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} معطوفٌ على {عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} أي: لا أقول: عندي خزائنُ الله، ولا أقولُ: أنَا أعلمُ الغَيْبَ". قوله: "تَزْدَرِي" تفتعل من زَرَى يَزْرِي، أي: حَقَرَ، فأبدلت تاءُ الافتعال دَالاً بعد الزَّاي وهو مطرد، ويقال: "زَرَيْتُ عَليْهِ" إذا عبته، و "أزْرَيْتُ بِهِ" أي: قصَّرت به. وعائدُ الموصول محذوفٌ، أي تَزْدَرِيهم أعينكم، أي: تحتقرهم وتُقَصِّر بهم؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 2964- تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فتزْدَرِيهِ وفِي أثْوابِهِ أَسَدٌ هَصُورُ تفسير : وقال الشاعر أيضاً: [الوافر] شعر : 2965- يُبَاعدهُ وتزْدَريهِ حَليلتُهُ وينْهَرهُ الصَّغِير تفسير : واللاَّمُ في "للَّذينَ" للتَّعليل، أي: لأجْلِ الذين، ولا يجُوزُ أن تكون التي للتَّبليغ إذ لو كانت لكان القياس "لن يُؤتيكُم" بالخطاب. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. قرأ ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما - "جَدَلنا" كقوله: {أية : أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}تفسير : [الكهف:54]. ونقل أبو البقاء أنه قرىء "جَدَلْتنا فأكْثَرْتَ جدلنا" بغير ألفٍ فيهما، وقال: "هو بمعنى غلبتنا بالجَدلِ". وقوله: "بِمَا تَعِدُنَا" يجوزُ أن يكون "ما" بمعنى "الذي"، فالعائدُ محذوفٌ، أي: تَعدناه. ويجوزُ أن تكون مصدرية، أي: بوعدك إيَّانا. وقوله: "إن كنت" جوابه محذوفٌ أو متقدِّمٌ وهو "فَأتِنَا". فصل دلَّت هذه الآية على أنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - كان قد أكثر في الجدال معهم وذلك الجدالُ كان في بيان التَّوحيد، والنبوة، والمعاد، وهذا يدلُّ على أنَّ المجادلة في تقرير الدَّلائل وفي إزالةِ الشُّبُهاتِ حرفةُ الأنبياءِ، وأنَّ التقليدَ والجَهْلَ والإصرار حرفةُ الكفَّار، ودلَّت على أنَّهم استعجلوا العذاب الذي كان يعدهم به، فقالوا: {فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} ثُمَّ إنه - عليه الصلاة والسلام - أجابهم بقوله:{إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} [هود:33] أي: أنَّ إنزال العذاب ليس إليَّ، وإنما هو خلق الله فيفعله إن شاء، وإذا أراد إنزال العذاب فإنَّ أحداً لا يعجزه، أي: لا يمنعه. ثم قال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} إن أردتُ أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم، أي: يضلكم، قوله: {إن أردت أن أنصح لكم، إن كان} قد تقدَّم حكم توالي الشرطين، وأن ثانيهما قيد في الأوَّل، وأنه لا بد من سبقه للأوَّل، وقال الزمخشريُّ هنا: "إنْ كانَ اللهُ" جزاؤه ما دل عليه قوله: "لا يَنْفعُكم نُصْحِي". وهذا الدليل في حكم ما دلَّ عليه؛ فوصل بشرطٍ، كما وصل الجزاء بالشَّرط في قوله: "إنْ أحْسَنْتَ إليَّ أحْسَنْتُ إنْ أمكنني". وقال أبو البقاء: حكمُ الشَّرطِ إذا دخل على الشَّرْطِ أن يكون الشَّرطُ الثَّاني والجواب جواباً للشَّرط الأول نحو: "إنْ أتَيْتَنِي إنْ كلَّمتَني أكْرَمْتُكَ" فقولك: "إنْ كَلَّمْتَني أكْرَمْتك" جوابُ "إنْ أتَيْتَني" جميعُ ما بعده، وإذا كان كذلك كان الشَّرطُ الأول في الذِّكر مؤخَّراً في المعنى، حتَّى إن أتاه ثم كلَّمه لم يجب الإكرام، ولكن إن كلَّمه ثمَّ أتاهُ وجب الإكرام، وعلَّةُ ذلك أنَّ الجواب صار معوَّقاً بالشَّرطِ الثاني، وقد جاء في القرآن منه {أية : إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [الأحزاب:50]. قال شهابُ الدِّين: أما قوله: "إنْ وهبَتْ... إنْ أرادَ" فظاهرُهُ - وظاهرُ القصة المرويَّة - يدلُّ على عدم اشتراطِ تقدُّم الشَّرط الثاني على الأوَّلِ، وذلك أنَّ إرادته - صلوات الله وسلامه عليه - للنكاح إنما هو مُرتَّبٌ على هبة المرأةِ نفسها له وكذا الواقعُ في القصَّة، لمَّا وهبت أراد نكاحها، ولمْ يُرْوَ أنه أراد نكاحها، فوهبت، وهو يحتاجُ إلى جوابٍ، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - في موضعه. وقال ابنُ عطيَّة هنا وليس نُصْحِي لكم بنافع، ولا إرادتي الخيرَ لكم مغنيةً إن أراد اللهُ - تعالى - بكم الإغواء، والشرطُ الثاني اعتراض بين الكلام، وفيه بلاغةٌ من اقتران الإرادتين، وأنَّ إرادة البشر غيرُ مُغْنِيةٍ، وتعلُّقُ هذا الشرط هو بـ "نُصْحِي" وتعلُّقُ الآخر بـ "لا يَنْفَعُ". وتلخص من ذلك أنَّ الشرط مدلولٌ على جوابه بقوله: "ولا يَنْفَعُكُمْ" لأنَّهُ عقبهُ، وجواب الثاني أيضاً ما دلَّ على جواب الأول وكأنَّ التقدير: وإنْ أردت أنْ أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعُكمْ نُصحِي. وهو من حيث المعنى كالشَّرط إذا كان بالفاءِ نحو: إنْ كان الله يريدُ أن يُغويكُم فإن أردتُ أن أنصح لكم، فلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي. وقرأ الجمهور: "نُصْحي" بضم النونِ، وهو يحتملُ وجهين: أحدهما: المصدريةُ كالشُّكر والكُفْر والثاني: أنه اسمٌ لا مصدرٌ. وقرأ عيسى بن عمر "نَصْحي" بفتح النُّون، وهو مصدرٌ فقط. وفي غضون كلام الزمخشري: "إذا عرف اللهُ" وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ الله تعالى لا يسندُ إليه هذا الفعل ولا يوصف بمعناه، وقد تقدَّم علةُ ذلك في غضون كلام أبي حيَّان وللمعتزليِّ أن يقول: لا يتعيَّن أن تكون "إنْ" شرطيةً بل هي نافيةٌ، والمعنى: "ما كان اللهُ يريد أن يُغويكُمْ". قال شهابُ الدِّين: لا أظن أحداً يرضى بهذه المقالة. فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ الله - تبارك وتعالى - قد يريدُ الكُفْرَ من العبدِ، فإذا أرادَ الله منه ذلك امتنع صدور الإيمان منه؛ لأنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - قال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}. قالت المعتزلةُ: ظاهرُ الآية يدلُّ على أن الله تعالى إذا أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا مسلمٌ، فإنا نعلم أنَّ الله - تعالى - لو أراد إغواء عبدٍ فإنَّه لا ينفعهُ نصح النَّاصحين، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء، والنزاع ما وقع إلا فيه؟ بل نقول إنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - إنَّما ذكر هذا الكلام ليدل على أنَّهُ تعالى ما أغواهُم، بل فوَّضَ الاختيار إليهم، وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما بقي في النصح فائدة، ولو لمْ يكنُ فيه فائدة لما أمره بنصح الكفار، وأجمع المسلمون على أنه مأمورٌ بدعوة الكفار ونصيحتهم، فعلمنا أنَّ هذا النُّصح لا يخلُو من الفائدة، وإن لم يكن خالياً عن الفائدة وجب القطع بأنَّهُ تعالى ما أغواهم. الثاني: لو ثبت الحكم عليهم بأنَّ الله تعالى أغواهم؛ لصار هذا عذراً لهم في عدم الإتيان بالإيمان ولصار نوح منقطعاً في مناظرتهم؛ لأنَّهم يقولون له: إنَّك سلمت أنَّ الله تعالى إذا أغوانا فإنَّه لا يبقى في نصحك، ولا في اجتهادك فائدةٌ؛ فإذا ادَّعَيْتَ أنَّ الله تعالى أغوانا؛ فقد جعلتنا مغلُوبين، فلمْ يَلْزَمْنَا قبول هذه الدعوة؛ فثبت أنَّ الأمر لو كان كما قالهُ الخصمُ؛ لصار هذا حجة للكافر على نُوح - عليه الصلاة والسلام -؛ فثبت بما ذكرنا أنَّ هذه الآية لا تدلُّ على قول المجبرة، ثم إنَّهم ذكروا تأويلات: الأول: أنَّ أولئك الكُفَّار مجبرة، وكانوا يقولون إنَّ كفرهم بإرادة الله؛ فعند هذا قال نوحٌ - عليه الصلاة والسلام - إن نصيحَتي لا تنفعُكُم إن كان الأمرُ كما تقولون. ومثاله: أن يعاقب الرَّجلُ ولدهُ على ذنبه، فيقول الولد: لا أقدرُ على غير ما أنا عليه؛ فيقول الوالدُ: فلن ينفعك إذنْ نُصْحِي، وليس المرادُ أنَّهُ يصدِّقهُ على ما ذكره، بل على وجه الإنكار لذلك. الثاني: قال الحسنُ: معنى "يُغْويكُم" أي: يُعَذِّبكم والمعنى: لا ينفعكم نُصْحِي اليوم إذا نزل بكُم العذابُ؛ فأمنتم في ذلك الوقت؛ لأنَّ الإيمان عند نُزُول العقابِ لا يقبلُ وإنَّما ينفعُكم نصحي إذا آمنتم قبل مُشاهدةِ العذابِ. الثالث: قال الجُبائي: الغوايةُ هي الخيبة من الطَّلب بدليل قوله: {أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}تفسير : [مريم:59]، أي: خيبة من خير الآخرة؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2966-.................................... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمَا تفسير : الرابع: أنه إذا أصرَّ على الكُفْرِ، وتمادى فيه، منعه الله الألطاف، وفوَّضه إلى نفسه؛ فهذا شبيه بما إذا أراد إغواءهُ؛ فلهذا السَّبب حسن أن يقال: إنَّ الله أغواه، هذا جملة كلامِ المعتزلةِ في هذا البابِ، وتقدَّم الجوابُ عن أمثال هذه الكلمات، فلا فائدة في الإعادة، ثَم قال: {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم بأعمالكم، وهذا نهاية الوعيد والتهديد. قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} اختلقه، وافتعله، يعني نوحاً - عليه الصلاة السلام - قاله ابن عباس - رضي الله عنهما -. [وقال مقاتلٌ - رضي الله عنه -: يعني محمَّداً صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه] والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي: إثْمِي ووبال جرمي، والإجرامُ: كسب الذَّنب، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأنَّ المعنى: فعليَّ عقاب إجْرامي، وفي الآية محذوفٌ آخر، وهو أنَّ المعنى: إن كنتُ افتريتُه فعليَّ عقاب جرمي، وإن كنتُ صادقاً وكذَّبْتُمونِي فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلاَّ أنَّه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه. قوله: "فَعَلَيَّ إجْرَامِي": مبتدأٌ وخبرٌ، أو فعلٌ وفاعلٌ. والجمهورُ على كسر همزة "إجْرَامِي"، وهو مصدر أجْرَمَ، وأجْرمَ هو الفاشي، ويجوزُ "جَرَمَ" ثلاثياً وأنشدوا: [الوافر] شعر : 2967- طَرِيدُ عَشيرةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِمَا جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَانِي تفسير : وقرىء في الشاذّ "أجْرَامِي" بفتحها، حكاهُ النَّحَّاس، وخرَّجه على أنَّه جمعُ "جُرْم" كقفل وأقْفَال، واعلم أنَّ قوله {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} لا يدلُّ على أنَّهُ كان شاكّاً، إلاَّ أنَّهُ قولٌ يقال على وجهِ الإنكارِ عند اليأس من القبولِ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي} قال: فيما ظهر لنا. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه. مثله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {إن كنت على بينة من ربي} قال: قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو {وآتاني رحمة من عنده} قال: الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أنلزمكموها} قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه كان يقرأ "أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ "أنلزمكموها من شطر قلوبنا". وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن أجري} قال: جزائي. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وما أنا بطارد الذين آمنوا} قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. وفي قوله {إنهم ملاقوا ربهم} قال: فيسألهم عن أعمالهم {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها {ولا أعلم الغيب} لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب {ولا أقول إني ملك} نزلت من السماء برسالة {ما أنا إلا بشر مثلكم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} قال: حقرتموهم. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {لن يؤتيهم الله خيراً} قال: يعني إيماناً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قالوا يا نوح قد جادلتنا} قال: ماريتنا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه {فائتنا بما تعدنا} قال: تكذيباً بالعذاب وأنه باطل. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فعليَّ إجرامي} قال: عملي {وأنا بريء مما تجرمون} أي مما تعملون.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} الواوُ ابتدائيةٌ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وحرفُه الباءُ لا الواو كما في سورة الأعراف لئلا يجتمعَ واوان، ولا يكاد تُطلق هذه اللامُ إلا مع قد لأنها مظِنّةُ التوقعِ وأن المخاطبَ إذا سمِعها توقع وقوعَ ما صُدّر بها، ونوحٌ هو ابن لمك بن متوشلخ بن إدريسَ عليهما السلام وهو أولُ نبـي بُعث بعده. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بعث عليه الصلاة والسلام على رأس أربعين من عُمره ولبث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنةً وعاش بعد الطوفانِ ستين سنةً وكان عمرُه ألفاً وخمسين سنة، وقال مقاتل: بعث وهو ابنُ مائةِ سنةٍ، وقيل: وهو ابنُ خمسين سنة، وقيل: وهو ابنُ مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة {إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ} بالكسر على إرادة القولِ أي فقال أو قائلا، وقرأ ابن كثير، وأبو عمْروٍ، والكسائيُّ، بالفتح على إضمار حرف الجرِّ أي أرسلناه ملتبساً بذلك الكلامِ وهو إني لكم نذيرٌ بالكسر فلما اتصل به الجارُّ فُتح كما فُتح في كأن والمعنى على الكسر وهو قولك: إن زيداً كالأسد واقتُصر على ذكر كونِه عليه الصلاة والسلام نذيراً لا لأن دعوتَه عليه الصلاة والسلام كانت بطريق الإنذارِ فقط، ألا يُرى إلى قوله تعالى: {أية : فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً } تفسير : [نوح: 10, 11]الخ، بل لأنهم لم يغتنموا مغانمَ إبشارِه عليه الصلاة والسلام {مُّبِينٌ} أبـيِّن لكم موجباتِ العذابِ ووجهَ الخلاصِ منه لأن الإنذارَ إعلامُ المحذورِ لا لمجرد التخويفِ والإزعاجِ بل للحذر منه فيتعلق صفتُه بكلا وصفَيه.
القشيري
تفسير : كان نوحٌ عليه السلام أطولَ الأنبياء عُمْراً وأشدَّهم بلاءً، وسمي نوحاً لكثرة نَوْحِه على نَفْسِه.. وسببُ ذلك أنه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أَنْ اخلقْ أنت أَحْسَنَ من هذا. فأخذ يبكي وينوح على نفسه كلَّ ذلك النَّوْح. فكيف بحالِ مَنْ لم يذكر يوماً مما مضى من عمره في مدة تكليفه - ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا نوحا الى قومه} الواو ابتدائية واللام جواب قسم محذوف وحرفه الباء لا الواو كما فى سورة الاعراف لئلا يجتمع واوان اى بالله لقد بعثنا نوحا وهو ابن ملك ابن متوشلخ بن ادريس عليهما السلام وهو اول نبى بعث بعده قال ابن عباس رضى الله عنهما بعث نوح على راس اربعين من عمره ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره الفا وخمسين سنة وقيل غير ذلك ولد نوح بعد الف وستمائة واثنتين واربعين سنة من هبوط آدم عليه السلام وكانت دمشق داره ودفن فى الكوفة وقال بعضهم فى الكرك وقال بعضهم فى مغارة ابراهيم عليه السلام فى القدس ويقال كان اسما شاكرا وسمى نوحا لكثرة نياحته على نفسه واختلفوا فى سبب نياحته على ثلاثة اوجه. الاول قلة رحمته حين قال {أية : رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا} تفسير : فلم يرض الله ذلك منه. والثانى انه مر بكلب فقال ما اقبحك من خلق فعاتبه الله على ذلك أعبتنى ام عبت الكلب فقام وناح على نفسه وذهب فى البرارى والجبال. والثالث الميل والهوى الى ولده ومراجعته الى ربه حيث قال {أية : ان ابنى من اهلى} تفسير : فقال الله {أية : انه ليس من اهلك} تفسير : فقام وناح على نفسه او شفقة على الولد وخوفا لى نفسه كذا فى التبيان. يقول الفقير عامله الله بلطف الخطير ان بعض الزلات وان كان سببا للنياحة كما وقع ايضا لداود عليه السلام وغيره الا ان نياحة الانبياء والاولياء انما هى من جلال الله تعالى وهيبته الآخذة بقلوبهم فهى من صفات العاشقين وسمات العارفين الا ترى الى يحيى عليه السلام لم ير اكثر نوحا وبكاء منه فى زمانه مع انه لم يهم بذنب قط وبكاء يعقوب عليه السلام لم يكن لمجرد فراق يوسف عليه السلام بل كان فراقه سببا صوريا ظاهريا له والله تعالى اذا اراد بكاء عبده وحنينه الى جنابه ابتلاء بالفراق او بالجوع او بغيرهما كما لا يخفى على اهل القلوب وفى ذلك ترقيات له عجيبة وتجليات له غريبة قد شاهدت هذه الحال من بعض اهل الكمال وههنا سؤال وهو انه كيف يستقيم الاخبار فى الازل عن ارسال نوح عليه السلام بلفظ الماضى ونوح وقومه لم يجد بعد والجواب ان هذا الاخبار بالنسبة الى الازل لا يتصف بشيء من الازمنة اذ لا ماضى ولا مستقبل ولا حال بالنسبة الى الله تعالى واتصافه به انما هو بالنسبة الى توجه الخطاب له كان ماضيا وان كان معه او بعده فالحال او الاستقبال {انى} اى فقال لقومه انى {لكم نذير} مخوف {مبين} مظهر وذلك الانذار على اكمل طرقه اى ابين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه بيانا ظاهرا لا شبهة فيه ولم يقل وبشير لان البشارة انما تكون لمن آمن ولم يكن احد آمن كما اقتصر على الانذار فى قوله تعالى {أية : قم فانذر} تفسير : تقديما للتخلية على التحلية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: من قرأ: إني؛ بالكسر، فعلى إرادة القول، ومن قرأ بالفتح، فعلى إسقاط الخافض، أي: بأني، و(بادي الرأي): ظرف لـ(اتبعك)، على حذف مضاف أي: وقت حدوث أول رأيهم. وهو من البدء أي: الحدوث، أو من البُدُوِّ، أي: الظهور. أي: اتبعوك في ظاهر الرأي دون التعمق في النظر. يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} فقال لهم: {إني لكم}، أو بأني لكم {نذير مبينٌ} أي: بين ظاهر، أو أبين لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه، قائلاً: {ألا تعبدوا إلا الله}، ولا تعبدوا معه غيره، {إني أخاف عليكم عذابَ يومٍ أليم}؛ مُؤلم، وهو في الحقيقة صفة للعذاب، ووصف به زمانه على طريقة [جَدَّ جَدُّه، ونهاره صائم]؛ للمبالغة. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نَراك إلا بشراً مثلنا}؛ لا مزية لك علينا تخصك بالنبوءة ووجوب الطاعة، {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلُنا}؛ أخساؤنا وسُقَّاطنا؛ جمع ارذل. {بادِيَ الرأي}؛ من أول الرأي من غير تفكر ولا تدبر، أي: اتبعك هؤلاء بادي الرأي من غير ترو. أو ظاهراً رأيهم خفيفاً عقلهم، وإنما استرذلوهم، لأجل فقرهم، جهلاً منهم، واعتقاداً أن الشرف هو المال والجاه. وليس الأمر كذلك. بل الشرف إنما هو بالإيمان والطاعة، ومعرفة الحق. وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين. وقيل: أراذل في أفعالهم، لقوله: {أية : وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون} تفسير : [الشعراء: 112]، ثم قالوا: {وما نَرى لكم} أي: لك ولمتبعيك {علينا من فضلٍ} يؤهلكم للنبوءة، واستحقاق المتابعة. {بل نظنكم كاذبين}؛ أنت في دعوى النبوءة، وهم في دعوى العلم بصدقك. فغلب المخاطب على الغائبين. الإشارة: تكذيب الصادقين سنة ماضية، وأتباع الخصوص موسومون بالذلة والقلة، وهم أتباع الرسل والأولياء وهم أيضاً جُل أهل الجنة؛ لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَهلُ الجَنَّة كُلُّ ضَعِيفٍ مُستَضعَفٍ". وقالت الجنة: مَا لِيَ لا يَدخُلُني إلا سُقَّطُ الناس؟ فقال لها الحق تعالى: "أنتِ رَحمَتي أَرحَمُ بِك مَنْ أَشاء"تفسير : حسبما في الصحيح. ثم أجابهم بقوله: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة {إني} بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. قال أبو علي النحوي. من فتحها حملها على {أرسلنا} أي أرسلناه بأني لكم ولم يقل إنه، لأنه انتقل عن الغيبة إلى الخطاب، ومثله كثير، قال الله تعالى {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة} ثم قال بعده {أية : فخذها بقوة } تفسير : فكذلك الآية. ومن كسر يضمر القول قبلها كأنه قال: أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال: إني لكم نذير، ومثله كثير، قال الله تعالى {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}تفسير : اي يقولون: سلام عليكم، وقوله تعالى {أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } تفسير : أي قالوا: ما نعبدهم، ويكون الكلام على ظاهره لم يرجع من الغيبة إلى الخطاب. وليس لأحد أن يرجع القراءة بالفتح من حيث أن ما بعده من قوله {أن لا تعبدوا إلا الله} محمول على الارسال، فاذا فتحت كان أشكل بما بعدها لحملهما جميعاً على الارسال. وذلك أن من كسر حمل قوله {إني لكم} وما بعده على الاعتراض بين المفعول وما يتصل به مما بعده، كما أن قوله {إن الهدى هدى الله} اعتراض بينهما في قوله {أية : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم }تفسير : فكذلك قوله {إني لكم نذير مبين} لان التقدير ولقد أرسلنا نوحاً لانذار أن لا تعبدوا الا الله إني أنذركم لتوحدوا الله وأن تتركوا عبادة غيره. أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل نوحاً وأمره أن يقول لهم: إني مؤد عن الله ومخوفكم من عقابه وترك طاعاته، لأن اللام في قوله {لقد} لام القسم، وهي تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه، ولام الابتداء للاسم خاصة. ومعنى (قد) وقوع الخبر على وجه التقريب من الحال تقول: قد ركب الامير - لقوم يتوقعون ركوبه -. وقوله {أن لا تعبدوا إلا الله} يحتمل أن يكون موضع {تعبدوا} من الاعراب نصباً، والمعنى أن لا تعبدوا الا الله، ويجوز أن يكون موضعه جزماً على تقدير أي لا تعبدوا. ويحتمل أن يكون متعلقاً بقوله {أرسلنا} وتقديره أرسلنا بأن لا تعبدوا الا الله، على ما بينا من الاعتراض وحملها جميعاً على الارسال. وقوله {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي مؤلم عذابه وانما قال عذاب يوم اليم بالجر ومعناه مؤلم، لأن الألم يقع في اليوم، فكأنه سبب الألم. ولو نصبته على أن يكون صفة للعذاب كان جائزاً، ولم يقرأ به أحد. وانما بدئ بالدعاء إلى العبادة دون سائر الطاعات، لأنها أهم ما يدعى اليه من خالف الحق فيه ولأنه يجب أن يفعل كل واحدة من الطاعات على وجه الاخلاص والعبادة فيها لله. وانما قال {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} مع أن عذاب الكافر معلوم لأنه يخاف ما لم يعلم ما يؤل اليه أمرهم من ايمان أو كفر، وهذا لطف في الاستدعاء وأقرب إلى الاجابة في غالب أمر الناس.
اطفيش
تفسير : {ولَقَدْ أرْسَلنا نُوحاً إلى قَومِه إنِّى لكُم نَذِيرٌ مُبينٌ} مخوف بالعقاب لمن خالف أمر الله، واضح التخويف، أو موضح لموجبات العقاب، والجملة مفعول لقول مقدر مستأنف، أو قال: إنى أو لقول حال مقدر أى أرسلناه إليهم قائلا: إنى أى ناويا أن يقول إذ وصلهم: إنى، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائى: أنى بفتح الهمزة، أى بأنى كذا قالوا: وليس عندى بشئ لمقام الياء والكاف فى: {إنى لكم} إذ لا معنى لقولك: أرسلنا نوحا إلى قومه بإنذارى لكم، مع أن ياء إنذارى لنوح، اللهم إلا أن يقال ذلك على طريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم والخطاب، بل هذا لا يصح التفاتا بالنظر إلى التكلم إلا على طريقة السكاكى، حيث كان مقتضى الظاهر أن يقال: إنه لهم نذير، لا على طريق الجمهور، لأن ضمير التكلم ليس من جملة الكلام له، وهو الله سبحانه وتعالى، بل لنوح عليه السلام، مع أنه لو كان لله لم يكن التفاتا لتقدم التكلم فى أرسلنا.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحا} هو ابن لملك متوشلخ بن إِدريس وهو أَول نبى بعد إِدريس {إِلَى قَوْمِهِ} ابن أَربعين سنة، ودعا قومه تسعمائة سنة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة فعمره أَلف وخمسون، أَو ابن مائة أَو ابن خمسين أَو ابن مائتين وخمسين ودعاهم تسعمائَة وخمسين وعاش بعدهم مائتين وخمسين فعمره أَلف وأَربعمائِة وخمسون، واسمه عبد الغفار ونوح لقبه، والتقدير ووالله بواو العطف وواو القسم حذفت واو القسم مع مجرورها وبقيت العاطفة، ولا بأْس باجتماع واوين ولا سيما مع حذف إِحداهما، لا كما قيل أَنه يتعين القسم هنا بالياءِ أَو التاءِ كقوله فبعزتك وقوله وتالله لئَلا يجتمع واوان {إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ} مخبر لكم بالعذاب إِن لم تؤْمنوا وبالنجاة إِن آمنتم {مُبِينٌ} أَى قائِلا إِنى لكم نذير مبين، أَو يقول، وهذا القول حال مقدرة أَو يقول استئناف بيانى أَى إِنى لكم إِلخ، محكى بأَرسلنا أَو تفسيره له لتضمنه معنى القول لأَن معنى أَرسلنا إِلخ قل لهم إِنى لكم نذير ولكم متعلق بنذير واللام للتقوية وتعليقها هنا أَولى لضعف نذير بالتقديم عليه، وكونه معدولا به عن أَنذر زيادة على ضعفه بالوصفية، ومبين من أَبان اللازم أَى ظاهرا والمتعدى أَى مبين وجه الخلاص فحذف مفعوله ويجوز أَن يكون مفعوله هو قوله: {أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ} ويجوز أَن تكون أَن مفسرة لنذير أَو لمبين لأَن فيهما معنى القول دون حروفه، ولا ناهية أَو يقدر متعلقة بنذير وبأَرسلنا ولا نافية، ومعنى النفى أَنه لا يليق بكم إِلا عبادة الله عز وجل {إِنِّى أَخَافُ} لم يقل أُوقن لإِمكان إِيمانهم بعد عنده {عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} بمعنى مؤلم بكسر اللام كسميع إِذا كان بمعنى مسمع وكنذير بمعنى منذر كاستعمال مصدر الثلاثى بمعنى الرباعى فما فوقه وأَسند الأَيام إِلى اليوم إِسنادا عقلياً مجازيا، وإِنما هو لله عز وجل أَو بمعنى مؤْلم بفتح اللام على طريق التجوز ذلك لأَن المؤْلم بفتحها حقيقة هم القوم لا اليوم مبالغة، أَو بمعنى المتأَلم كأَنه سرى إِليه التوجع منهم لشدته ولا داعى إِلى جعله نعتاً لعذاب مجرورا للجوار لأَن إِسناد التأَلم أَو الأَيام أَو الأَلم غير حقيق أَيضاً، والمراد باليوم يوم القيامة أَو يوم فى الدنيا وهو يوم الغرق وهو أَنسب بالتنكير، وعلى إِرادة يوم القيامة فالتنكير للتعظيم، ثم إِنه لا يخفى أَن عقاب الدنيا بالاستئصال ونحوه مستلحق لعذاب الآخرة أَيضاً..
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ} الواو ابتدائية واللام واقعة في جواب قسم محذوف ويقدر حرفه ياء لا واو وإن كان هو الشائع لئلا يجتمع واوان، وبعضهم يقدرها ولا يبالي بذلك. ونوح في المشهور ابن لمك بن متوشلخ بن إدريس عليه السلام وأنه أول نبـي بعث بعده، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: بعث عليه السلام على رأس أربعين من عمره ولبث يدعو قومه ما قص الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ وعاش بعد الطوفان ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة. وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة، وقيل: ابن خمسين، وقيل: ابن مائتين وخمسين ومكث يدعو قومه ما قص سبحانه وعاش بعد / الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة. {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ} بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلاً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالفتح على إضمار حرف الجر أي ملتبساً بذلك الكلام وهو {إني لكم نذير} فلما اتصل [به] الجار فتح كما فتح في كأن، والمعنى على الكسر وهو قولك: إن زيداً كالأسد بناءً على أن كان مركبة وليست حرفاً برأسه، وليس في ذلك خروج من الغيبة إلى الخطاب خلافاً لأبي علي، ولعل الاقتصار على ذكر كونه عليه السلام نذيراً لأنهم لم يغتنموا مغانم إبشاره عليه السلام {مُّبِينٌ} أي موضح لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص منه.
سيد قطب
تفسير : القصص في هذه السورة هو قوامها؛ ولكنه لم يجئ فيها مستقلاً، إنما جاء مصداقاً للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها. والتي أجملها السياق في مطلع السورة:{أية : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير، إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير }. تفسير : وقد تضمن مطلع السورة جولات متعددة حول هذه الحقائق. جولات في ملكوت السماوات والأرض، وفي جنبات النفس، وفي ساحة الحشر.. ثم أخذ في هذه الجولة الجديدة في جنبات الأرض وأطواء التاريخ مع قصص الماضين.. يستعرض حركة العقيدة الإسلامية في مواجهة الجاهلية على مدار القرون. والقصص هنا مفصل بعض الشيء ـ وبخاصة قصة نوح والطوفان ـ وهو يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت فى مطلع السورة، والتي يجيء كل رسول لتقريرها، وكأنما المكذبون هم المكذبون، وكأنما طبيعتهم واحدة، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ. ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ، فيبدأ بنوح، ثم هود، ثم صالح، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط، ثم شعيب، ثم إشارة إلى موسى.. ويشير إلى الخط التاريخي، لأنه يذكر التالين بمصير السالفين على التوالي بهذا الترتيب: ونبدأ بقصة نوح مع قومه. أول هذا القصص في السياق. وأوله في التاريخ: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه. إني لكم نذير مبين. ألا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}.. إنها تكاد تكون الألفاظ ذاتها التي أرسل بها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتي تضمنها الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وهذه المقاربة في ألفاظ التعبير عن المعنى الرئيسي الواحد مقصودة في السياق لتقرير وحدة الرسالة ووحدة العقيدة، حتى لتتوحد ألفاظ التعبير عن معانيها. وذلك مع تقدير أن المحكي هنا هو معنى ما قاله نوح ـ عليه السلام ـ لا ألفاظه. وهو الأرجح. فنحن لا ندري بأية لغة كان نوح يعبر. {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه: إني لكم نذير مبين}.. ولم يقل قال: إني... لأن التعبير القرآني يحيي المشهد فكأنما هو واقعة حاضرة لا حكاية ماضية. وكأنما هو يقول لهم الآن ونحن نشهد ونسمع. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه يلخص وظيفة الرسالة كلها ويترجمها إلى حقيقة واحدة: {إني لكم نذير مبين}.. وهو أقوى في تحديد هدف الرسالة وإبرازه في وجدان السامعين. ومرة أخرى يبلور مضمون الرسالة في حقيقة جديدة: {ألا تعبدوا إلا الله}.. فهذا هو قوام الرسالة، و قوام الإنذار. ولماذا؟ {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}.. فيتم الإبلاغ ويتم الإنذار، في هذه الكلمات القصار.. واليوم ليس أليماً. إنما هو مؤلم. والأليم ـ إسم مفعول أصله: مألوم! ـ إنما هم المألومون في ذلك اليوم. ولكن التعبير يختار هذه الصيغة هنا، لتصوير اليوم ذاته بأنه محمل بالألم، شاعر به، فما بال من فيه؟ {فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما نراك إلا بشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل، بل نظنكم كاذبين}.. ذلك رد العلية المتكبرين.. الملأ.. كبار القوم المتصدرين.. وهو يكاد يكون رد الملأ من قريش: ما نراك إلا بشراً مثلنا، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ـ بادي الرأي ـ وما نرى لكم علينا من فضل، بل نظنكم كاذبين. الشبهات ذاتها، والاتهامات ذاتها، والكبرياء ذاتها، والاستقبال الغبي الجاهل المتعافي! إنها الشبهة التي وقرت في نفوس جهال البشر: أن الجنس البشري أصغر من حمل رسالة الله؛ فإن تكن رسالة فليحملها ملك أو مخلوق آخر. وهي شبهة جاهلة، مصدرها عدم الثقة بهذا المخلوق الذي استخلفه الله في أرضه، وهي وظيفة خطيرة ضخمة، لا بد أن يكون الخالق قد أودع في هذا الإنسان ما يكافئها من الإستعداد والطاقة، وأودع في جنسه القدرة على أن يكون من بينه أفراد مهيأون لحمل الرسالة، باختيار الله لهم، وهو أعلم بما أودع في كيانهم الخاص من خصائص هذا الجنس في عمومه. وشبهة أخرى جاهلة كذلك. هي أنه إذا كان الله يختار رسولاً، فلم لا يكون من بين هؤلاء الملأ الكبراء في قومهم، المتسلطين العالين؟ وهو جهل بالقيم الحقيقية لهذا المخلوق الإنساني، والتي من أجلها استحق الخلافة في الأرض بعمومه، واستحق حمل رسالة الله بخصوصيته في المختارين من صفوفه. وهذه القيم لا علاقة لها بمال أو جاه أو استطالة في الأرض، إنما هي في صميم النفس، واستعدادها للاتصال بالملأ الأعلى، بما فيها من صفاء وتفتح وقدرة على التلقي، واحتمال للأمانة وصبر على أدائها ومقدرة على إبلاغها.. إلى آخر صفات النبوة الكريمة.. وهي صفات لا علاقة لها بمال أو جاه أو استعلاء! ولكن الملأ من قوم نوح، كالملأ من قوم كل نبي تعميهم مكانتهم الدنيوية عن رؤية هذه الخصائص العلوية، فلا يدركون مبرراً لاختصاص الرسل بالرسالة. وهي في زعمهم لا تكون لبشر. فإن كانت فهي لأمثالهم من الوجهاء العالين في الأرض! {وما نراك إلا بشراً مثلنا}.. هذه واحدة.. أما الأخرى فأدهى: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا، بادي الرأي}!! وهم يسمون الفقراء من الناس "أراذل".. كما ينظر الكبراء دائماً إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان! وأولئك هم أتباع الرسل السابقون غالباً؛ لأنهم بفطرتهم أقرب إلىالإستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، وتصل القلوب بإله واحد قاهر عال على الأعلياء. ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر والترف. ولم تعوقها المصالح عن الإستجابة؛ ولأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة لغفلة الجماهير واستعبادها للخرافات الوثنية في شتى صورها. وأول صور الوثنية الدينونة والعبودية والطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلاً من الإتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك. فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طور وفي كل أرض. ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائماً، ويصدون عنها الجماهير؛ ويحاولون تشويهها واتهام الدعاة إليها بشر التهم للتشويش والتنفير. {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي}.. أي دون ترو ولا تفكير.. وهذه تهمة كذلك توجه دائماً من الملأ العالين لجموع المؤمنين.. أنها لا تتروى ولا تفكر في اتباع الدعوات. ومن ثم فهي متهمة في اتباعها واندفاعها، ولا يليق بالكبراء أن ينهجوا نهجها، ولا أن يسلكوا طريقها. فإذا كان الأراذل يؤمنون، فما يليق إذن بالكبراء أن يؤمنوا إيمان الأراذل؛ ولا أن يدعوا الأراذل يؤمنون! {وما نرى لكم علينا من فضل}.. يدمجون الداعي بمن تبعوه من الأراذل! ما نرى لكم علينا من فضل يجعلكم أقرب إلى الهدى، أو أعرف بالصواب. فلو كان ما معكم خيراً وصواباً لاهتدينا إليه، ولم تسبقونا أنتم إليه! وهم يقيسون الأمور ذلك القياس الخاطئ الذي تحدثنا عنه. قياس الفضل بالمال، والفهم بالجاه، والمعرفة بالسلطان.. فذو المال أفضل. وذو الجاه أفهم. وذو السلطان أعرف!!! هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائماً حين تغيب عقيدة التوحيد عن المجتمع، أو تضعف آثارها، فترتد البشرية إلى عهود الجاهلية، وإلى تقاليد الوثنية في صورة من صورها الكثيرة وإن بدت في ثوب من الحضارة المادية قشيب. وهي انتكاسة للبشرية من غير شك، لأنها تصغر من القيم التي بها صار الإنسان إنساناً، واستحق الخلافة في الأرض، وتلقى الرسالة من السماء؛ وترجع به إلى قيم أقرب إلى الحيوانية العضلية الفيزيقية! {بل نظنكم كاذبين}... وهي التهمة الأخيرة يقذفون بها في وجه الرسول وأتباعه. ولكنهم على طريقة طبقتهم.. "الأرستقراطية".. يلقونها في أسلوب التحفظ اللائق "بالأرستقراط!" {بل نظنكم!} لأن اليقين الجازم في القول والإتجاه من طبيعة الجماهير المندفعة ـ بادي الرأي ـ التي يترفع عنها السادة المفكرون المتحفظون! إنه النموذج المتكرر من عهد نوح، لهذه الطبقة المليئة الجيوب الفارغة القلوب، المتعاظمة المدعية المنتفخة الأوداج والأمخاخ!! ويتلقى نوح ـ عليه السلام ـ الإتهام والإعراض والاستكبار، في سماحة النبي وفي استعلائه وفي ثقته بالحق الذي جاء به، واطمئنانه إلى ربه الذي أرسله؛ وفي وضوح طريقه أمامه واستقامة منهجه في شعوره. فلا يشتم كما شتموا، ولا يتهم كما اتهموا، ولا يدعي كما ادعوا، ولا يحاول أن يخلع على نفسه مظهراً غير حقيقته ولا على رسالته شيئاً غير طبيعتها.. {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، وآتاني رحمة من عنده فعميّت عليكم. أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله، وما أن بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون. ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون؟ ولا أقول لكم: عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول: إني ملك، ولا أقول للذين تزدري أعينكم: لن يؤتيهم الله خيراً. الله أعلم بما في أنفسهم، إني إذن لمن الظالمين}.. {يا قوم}.. في سماحة ومودة بندائهم ونسبتهم إليه، ونسبة نفسه إليهم. إنكم تعترضون فتقولون: {ما نراك إلا بشراً مثلنا}.. فما يكون رأيكم إن كنت على اتصال بربي، بيِّن في نفسي مستيقن في شعوري. وهي خاصية لم توهبوها. وإن كان الله آتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة، أو آتاني من الخصائص ما أستحق به حمل الرسالة ـ وهذه رحمة ولا شك عظيمة ـ ما رأيكم إن كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية، لأنكم غير متهيئين لإدراكها، وغير مفتوحي البصائر لرؤيتها. {أنلزمكموها؟} إنه ما كان لي وما أنا بمستطيع أن ألزمكم الإذعان لها والإيمان بها {وأنتم لها كارهون}! وهكذا يتلطف نوح في توجيه أنظارهم ولمس وجدانهم وإثارة حساسيتهم لإدراك القيم الخفية عليهم، والخصائص التي يغفلون عنها في أمر الرسالة والإختيار لها: ويبصرهم بأن الأمر ليس موكولاً إلى الظواهر السطحية التي يقيسون بها. وفي الوقت ذاته يقرر لهم المبدأ العظيم القويم. مبدأ الإختيار في العقيدة، والإقتناع بالنظر والتدبر، لا بالقهر والسلطان والإستعلاء! {ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً، إن أجري إلا على الله، وما أنا بطارد الذين آمنوا، إنهم ملاقو ربهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون}. يا قوم إن الذين تدعونهم أراذل قد دعوتهم فآمنوا، وليس لي عند الناس إلا أن يؤمنوا. إنني لا أطلب مالاً على الدعوة، حتى أكون حفياً بالأثرياء غير حفي بالفقراء؛ فالناس كلهم عندي سواء.. ومن يستغن عن مال الناس يتساو عنده الفقراء والأغنياء.. {إن أجري إلا على الله}.. عليه وحده دون سواه. {وما أنا بطارد الذين آمنوا}.. ونفهم من هذا الرد أنهم طلبوا أو لوحوا له بطردهم من حوله، حتى يفكروا هم في الإيمان به، لأنهم يستنكفون أن يلتقوا عنده بالأراذل، أو أن يكونوا وإياهم على طريق واحد! ـ لست بطاردهم، فهذا لا يكون مني. لقد آمنوا وأمرهم بعد ذلك إلى الله لا لي: {إنهم ملاقو ربهم}.. {ولكني أراكم قوماً تجهلون}.. تجهلون القيم الحقيقية التي يقدر بها الناس في ميزان الله. وتجهلون أن مرد الناس كلهم إلى الله. {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم. أفلا تذكرون؟}.. فهناك الله. رب الفقراء والأغنياء. ورب الضعفاء والأقوياء. هناك الله يقوِّم الناس بقيم أخرى. ويزنهم بميزان واحد. هو الإيمان. فهؤلاء المؤمنون في حماية الله ورعايته. {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم؟}.. من يعصمني من الله إن أنا أخللت بموازينه، وبغيت على المؤمنين من عباده ـ وهم أكرم عليه ـ وأقررت القيم الأرضية الزائفة التي أرسلني الله لأعدِّلها لا لأتبعها؟ {أفلا تذكّرون؟}.. وقد أنساكم ما أنتم فيه ميزان الفطرة السليمة القويمة؟ ثم يقدم لهم شخصه ورسالته مجردين عن كل زخرف وكل طلاء وكل قيمة من تلك القيم العرضية الزائفة. يقدمها لهم في معرض التذكير، ليقرر لهم القيم الحقيقية، ويزدري أمامهم القيم الظاهرية، بتخليه عنها، وتجرده منها. فمن شاء الرسالة كما هي، بقيمها، بدون زخرف، بدون ادعاء، فليتقدم إليها مجردة خالصة لله: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله..} فأدعي الثراء أو القدرة على الإثراء... {ولا أعلم الغيب}.. فأدعي قدرة ليست للبشر أو صلة بالله غير صلة الرسالة.. {ولا أقول: إني ملك}.. فأدعي صفة أعلى من صفة الإنسانية في ظنكم لأرتفع في أعينكم، وأفضل نفسي بذاتي عليكم. {ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً}.. إرضاء لكبريائكم، أو مسايرة لتقديركم الأرضي وقيمكم العرضية. {الله أعلم بما في أنفسهم}.. فليس لي إلا ظاهرهم، وظاهرهم يدعو إلى التكريم، وإلى الرجاء في أن يؤتيهم الله خيراً.. {إني إذن لمن الظالمين}.. إن إدعيت أية دعوى من هذه الدعاوي. الظالمين للحق وقد جئت أبلغه؛ والظالمين لنفسي فأعرضها لغضب الله؛ والظالمين للناس فأنزلهم غير ما أنزلهم الله. وهكذا ينفي نوح ـ عليه السلام ـ عن نفسه وعن رسالته كل قيمة زائفة وكل هالة مصطنعة يتطلبها الملأ من قومه في الرسول والرسالة. ويتقدم إليهم بها مجردة إلا من حقيقتها العظيمة التي لا تحتاج إلى مزيد من تلك الأعراض السطحية. ويردهم في نصاعة الحق وقوته، مع سماحة القول ووده إلى الحقيقة المجردة ليواجهوها، ويتخذوا لأنفسهم خطة على هداها. بلا ملق ولا زيف ولا محاولة استرضاء على حساب الرسالة وحقيقتها البسيطة. فيعطي أصحاب الدعوة في أجيالها جميعاً نموذجاً للداعية ودرساً في مواجهة أصحاب السلطان بالحق المجرد، دون استرضاء لتصوراتهم، ودون ممالأة لهم، مع المودة التي لا تنحني معها الرؤوس! وعند هذا الحد كان الملأ من قوم نوح قد يئسوا من مناهضة الحجة بالحجة؛ فإذا هم ـ على عادة طبقتهم ـ قد أخذتهم العزة بالإثم، واستكبروا أن تغلبهم الحجة، وأن يذعنوا للبرهان العقلي والفطري. وإذا هم يتركون الجدل إلى التحدي: {قالوا: يا نوح قد جادلتنا، فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.. إنه العجز يلبس ثوب القدرة، والضعف يرتدي رداء القوة؛ والخوف من غلبة الحق يأخذ شكل الإستهانة والتحدي: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.. وأنزل بنا العذاب الأليم الذي أنذرتنا به فلسنا نصدقك، ولسنا نبالي وعيدك. أما نوح فلا يخرجه هذا التكذيب والتحدي عن سمت النبي الكريم، ولا يقعده عن بيان الحق لهم، وإرشادهم إلى الحقيقة التي غفلوا عنها وجهلوها في طلبهم منه أن يأتيهم بما أوعدهم، وردهم إلى هذه الحقيقة وهي أنه ليس سوى رسول، وليس عليه إلا البلاغ، أما العذاب فمن أمر الله، وهو الذي يدبر الأمر كله، ويقدر المصلحة في تعجيل العذاب أو تأجيله، وسنته هي التي تنفذ.. وما يملك هو أن يردها أو يحولها.. إنه رسول. وعليه أن يكشف عن الحق حتى اللحظة الأخيرة، فلا يقعده عن إبلاغه وبيانه أن القوم يكذبونه ويتحدونه: {قال: إنما يأتيكم به الله إن شاء، وما أنتم بمعجزين. ولا ينفعكم نصحي ـ إن أردت أن أنصح لكم ـ إن كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون}.. فإذا كانت سنة الله تقتضي أن تهلكوا بغوايتكم، فإن هذه السنة ستمضي فيكم، مهما بذلت لكم من النصح. لا لأن الله سيصدكم عن الانتفاع بهذا النصح، ولكن لأن تصرفكم بأنفسكم يجعل سنة الله تقتضي أن تضلوا، وما أنتم بمعجزين لله عن أن ينالكم ما يقدر لكم، فأنتم دائماً في قبضته، وهو المدبر والمقدر لأمركم كله؛ ولا مفر لكم من لقائه وحسابه وجزائه: {هو ربكم وإليه ترجعون}.. وعند هذا المقطع من قصة نوح، يلتفت السياق لفتة عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة، التي تشبه أن تكون قصتهم مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعواهم أن محمداً يفتري هذا القصص. فيرد هذا القول قبل أن يمضي في استكمال قصة نوح: {أم يقولون افتراه؟ قل: إن افتريته فعليّ إجرامي، وأنا بريء مما تجرمون}.. فالافتراء إجرام، قل لهم: إن كنت فعلته فعليَّ تبعته. وأنا أعرف أنه إجرام فمستبعد أن أرتكبه، وأنا بريء مما تجرمون من تهمة الافتراء إلى جوار غيرها من الشرك والتكذيب. وهذا الاعتراض لا يخالف سياق القصة في القرآن، لأنها إنما جاءت لتأدية غرض من هذا في السياق. ثم يمضي السياق في قصة نوح؛ يعرض مشهداً ثانياً. مشهد نوح يتلقى وحي ربه وأمره: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا، ولا تخاطبني في الذين ظلموا، إنهم مغرقون}.. فقد انتهى الإنذار، وانتهت الدعوة، وانتهى الجدل! {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}.. فالقلوب المستعدة للإيمان قد آمنت، أما البقية فليس فيها استعداد ولا اتجاه. هكذا أوحى الله إلى نوح، وهو أعلم بعباده، وأعلم بالممكن والممتنع، فلم يبق مجال للمضي في دعوة لا تفيد. ولا عليك مما كانوا يفعلونه من كفر وتكذيب وتحد واستهزاء: {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون}.. أي لا تحس بالبؤس والقلق، ولا تحفل ولا تهتم بهذا الذي كان منهم، لا على نفسك فما هم بضاريك بشيء، ولا عليهم فإنهم لا خير فيهم. دع أمرهم فقد انتهى.. {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا}. برعايتنا وتعليمنا. {ولا تخاطبني في الذين ظلموا، إنهم مغرقون}.. فقد تقرر مصيرهم وانتهى الأمر فيهم. فلا تخاطبني فيهم.. لا دعاء بهدايتهم، ولا دعاء عليهم ـ وقد ورد في موضع آخر أنه حين يئس منهم دعا عليهم، والمفهوم أن اليأس كان بعد هذا الوحي ـ فمتى انتهى القضاء امتنع الدعاء.. والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهد نوح يصنع الفلك، وقد اعتزل القوم وترك دعوتهم وجدالهم: {ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه: قال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}.. والتعبير بالمضارع. فعل الحاضر.. هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدته. فنحن نراه ماثلاً لخيالنا من وراء هذا التعبير. يصنع الفلك. ونرى الجماعات من قومه المتكبرين يمرون به فيسخرون. يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم: إنه رسول ويدعوهم، ويجادلهم فيطيل جدالهم؛ ثم إذا هو ينقلب نجاراً يصنع مركباً.. إنهم يسخرون لأنهم لا يرون إلا ظاهر الامر، ولا يعلمون ما وراءه من وحي وأمر. شأنهم دائماً في إدراك الظواهر والعجز عن إدراك ما وراءها من حكمة وتقدير. فأما نوح فهو واثق عارف وهو يخبرهم في اعتزاز وثقة وطمأنينة واستعلاء أنه يبادلهم سخرية بسخرية: {قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون}.. نسخر منكم لأنكم لا تدركون ما وراء هذا العمل من تدبير الله وما ينتظركم من مصير: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يوم مقيم}.. أنحن أم أنتم: يوم ينكشف المستور، عن المحذور! ثم مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك ـ إلا من سبق عليه القول ـ ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل. وقال: اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم}. وتتفرق الأقوال حول فوران التنور، ويذهب الخيال ببعضها بعيداً، وتبدو رائحة الإسرائيليات فيها وفي قصة الطوفان كلها واضحة. أما نحن فلا نضرب في متاهة بغير دليل، في هذا الغيب الذي لا نعلم منه إلا ما يقدمه لنا النص، وفي حدود مدلوله بلا زيادة. وأقصى ما نملك أن نقوله: إن فوران التنور ـ والتنور الموقد ـ قد يكون بعين فارت فيه، أو بفوارة بركانية. وأن هذا الفوران ربما كان علامة من الله لنوح، أو كان مصاحباً مجرد مصاحبة لمجيء الأمر، وبدءاً لنفاذ هذا الأمر بفوران الأرض بالماء. وسح الوابل من السماء. لما حدث هذا {قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين...} كأن نظام العملية كان يقتضي أن يؤمر نوح بمراحلها واحدة واحدة في حينها. فقد أمر أولاً بصنع الفلك فصنعه، ولم يذكر لنا السياق الغرض من صنعه، ولم يذكر أنه أطلع نوحاً على هذا الغرض كذلك. {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور}.. أمر بالمرحلة التالية.. {قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن}.. ومرة أخرى تتفرق الأقوال حول {من كل زوجين اثنين} وتشيع في الجو رائحة الإسرائيليات قوية. أما نحن فلا ندع الخيال يلعب بنا ويشتط حول النص: {احمل فيها من كل زوجين اثنين}.. مما يملك نوح أن يمسك وأن يستصحب من الأحياء. وما وراء ذلك خبط عشواء.. {وأهلك ـ إلا من سبق عليه القول ـ}.. أي من استحق عذاب الله حسب سنته. {ومن آمن}.. من غير أهلك. {وما آمن معه إلا قليل}.. {وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها}.. فنفذ الأمر وحشر من حشر وما حشر. {وقال: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها}.. وهذا تعبير عن تسليمها للمشيئة في جريانها ورسوها، فهي في رعاية الله وحماه.. وماذا يملك البشر من أمر الفلك في اللجة الطاغية بله الطوفان؟! ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب: مشهد الطوفان: {وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونادى نوح ابنه ـ وكان في معزل ـ يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال. سآوي إلى جبل يعصمني من الماء. قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.. إن الهول هنا هولان. هول في الطبيعة الصامته، وهول في النفس البشرية يلتقيان: {وهي تجري بهم في موج كالجبال}.. وفي هذه اللحظة الرهيبة الحاسمة يبصر نوح، فإذا أحد أبنائه في معزل عنهم وليس معهم، وتستيقظ في كيانه الأبوة الملهوفة، ويروح يهتف بالولد الشارد: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين}.. ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء}.. ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير: {قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}. لا جبال ولا مخابئ ولا حامٍ ولا واقٍ. إلا من رحم الله. وفي لحظة تتغير صفحة المشهد. فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.. وإننا بعد آلاف السنين، لنمسك أنفاسنا ـ ونحن نتابع السياق ـ والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد. وهي تجري بهم في موج كالجبال، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء. وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب! وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية ـ بين الوالد والمولود ـ كما يقاس بمداه في الطبيعة، والموج يطغى على الذرى بعد الوديان. وإنهما لمتكافئان، في الطبيعة الصامته وفي نفس الإنسان. وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن. وتهدأ العاصفة، ويخيم السكون، ويقضى الأمر، ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن: {وقيل: يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجوديّ، وقيل بعداً للقوم الظالمين}.. ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض، وتكف السماء: {وقيل: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي}. {وغيض الماء}.. ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها. {وقضي الأمر}.. ونفذ القضاء {واستوت على الجودي}.. ورست رسو استقرار على جبل الجودي.. {وقيل بعداً للقوم الظالمين}.. وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير.. {قيل} على صيغة المجهول فلا يذكر من قال، من قبيل لف موضوعهم ومواراته: {وقيل بعداً للقوم الظالمين}.. بعداً لهم من الحياة فقد ذهبوا، وبعداً لهم من رحمة الله فقد لعنوا، وبعداً لهم من الذاكرة فقد انتهوا.. وما عادوا يستحقون ذكراً ولا ذكرى! والآن وقد هدأت العاصفة، وسكن الهول، واستوت على الجودي. الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع: {ونادى نوح ربه، فقال: رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين}. رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. فلا تقضي إلا عن حكمة وتدبير.. قالها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله، ويستنجزه حكمته في الوعد والقضاء.. وجاءه الرد بالحقيقة التي غفل عنها. فالأهل ـ عند الله وفي دينه وميزانه ـ ليسوا قرابة الدم، إنما هم قرابة العقيدة. وهذا الولد لم يكن مؤمناً، فليس إذن من أهله وهو النبي المؤمن.. جاءه الرد هكذا في قوة وتقرير وتوكيد؛ وفيما يشبه التقريع والتأنيب والتهديد: {قال: يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم. إني أعظك أن تكون من الجاهلين}.. إنها الحقيقة الكبيرة في هذا الدين. حقيقة العروة التي ترجع إليها الخيوط جميعاً. عروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد ما لا يربطه النسب والقرابة: {إنه ليس من أهلك. إنه عمل غير صالح}.. فهو مُنبتٌّ منك وأنت منبت منه، ولو كان ابنك من صلبك، فالعروة الأولى مقطوعة، فلا رابطة بعد ذلك ولا وشيجة. ولأن نوحاً دعا دعاء من يستنجز وعداً لا يراه قد تحقق.. كان الرد عليه يحمل رائحة التأنيب والتهديد: {فلا تسألن ما ليس لك به علم. إني أعظك أن تكون من الجاهلين}.. إني أعظك خشية أن تكون من الجاهلين بحقيقة الوشائج والروابط، أو حقيقة وعد الله وتأويله، فوعد الله قد أُول وتحقق، ونجا أهلك الذين هم أهلك على التحقيق. ويرتجف نوح ارتجافة العبد المؤمن يخشى أن يكون قد زل في حق ربه، فيلجأ إليه، يعوذ به، ويطلب غفرانه ورحمته: {قال: رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفرلي وترحمني أكن من الخاسرين}.. وأدركت رحمة الله نوحاً، تطمئن قلبه، وتباركه هو والصالح من نسله، فأما الآخرون فيمسهم عذاب أليم: {قيل؛ يا نوح اهبط بسلام منا، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك. وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم}.. وكانت خاتمة المطاف: النجاة والبشرى له ولمن يؤمن من ذريته؛ والوعيد والتهديد لمن يريدون منهم متاع الحياة الدنيا ثم يمسهم العذاب الأليم.. ذات البشرى وذات الوعيد، اللذان مرا في مقدمة السورة. فجاء القصص ليترجمهما في الواقع المشهود.. ومن ثم يجيء التعقيب: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، فاصبر إن العاقبة للمتقين}. فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة: حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون. فهذا القصص غيب من الغيب، ما كان يعلمه النبي، وما كان معلوماً لقومه، ولا متداولاً في محيطه. إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير. وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني. فهي هي. والتعبير عنها يكاد يكون هو التعبير. وحقيقة تكرارالإعتراضات والإتهامات من المكذبين على الرغم من الآيات والعبر والبينات التي لا تمنع جيلاً أن يرددها وقد بدت باطلة في جيل. وحقيقة تحقق البشرى والوعيد، كما يبشر النبي وينذر، وهذا شاهد من التاريخ. وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تحيد: {والعاقبة للمتقين}.. فهم الناجون وهم المستخلفون. وحقيقة الرابطة التي تربط بين فرد وفرد وبين جيل وجيل.. إنها العقيدة الواحدة التي تربط المؤمنين كلهم في إله واحد يلتقون في الدينونة له بلا منازع ولا شريك. وبعد.. أكان الطوفان عاماً في الأرض؟ أم إنه كان في تخوم الأرض التي بعث فيها نوح؟ وأين كانت هذه الأرض؟ وأين تخومها في العالم القديم وفي العالم الحديث؟ اسئلة لا جواب عليها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً؛ وإلا الإسرائيليات التي لا تستند إلى دليل صحيح.. وليس لها بعد ذلك قيمة في تحقيق أهداف القصص القرآني في كثير ولا قليل. ولكن هذا لا يمنع من القول بأن ظاهر النصوص القرآنية يلهم أن قوم نوح كانوا هم مجموع البشرية في ذلك الزمان. وأن الأرض التي يسكنونها كانت هي الأرض المعمورة في ذلك الحين. وأن الطوفان قد عم هذه الرقعة، وقضى على جميع الخلائق التي تقطنها ـ فيما عدا ركب السفينة الناجين. وهذا حسبنا في إدراك طبيعة ذلك الحادث الكوني الذي جاءنا خبره من المصدر الوحيد الوثيق عن ذلك العهد السحيق، الذي لا يعرف "التاريخ" عنه شيئاً. وإلا فيومها أين كان "التاريخ"؟! إن التاريخ مولود حدثٌ لم يسجل من أحداث البشرية إلا القليل! وكل ما سجله قابل للخطأ والصواب، والصدق والكذب، والتجريح والتعديل! وما ينبغي قط أن يستفتى ذات يوم في شأن جاءنا به الخبر الصادق. ومجرد استفتائه في مثل هذا الشأن قلب للأوضاع، وانتكاسه لا تصيب عقلاً قد استقرت فيه حقيقة هذا الدين! ولقد حفلت أساطير شتى الشعوب وذكرياتها الغامضة بذكر طوفان أصاب أرضها في تاريخ قديم مجهول، بسبب معصية ذلك الجيل الذي شهد ذلك الحادث الكبير.. وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه "العهد القديم" تحوي كذلك ذكرى طوفان نوح.. ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان؛ ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق الوثيق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد. وإن كان لوجود هذه الأخبار الغامضة عن الطوفان عند شعوب شتى دلالته في أن الطوفان قد كان في أرض هذه الأقوام؛ أو على الأقل قد رحلت ذكرياته مع ذراري الناجين حين تفرقوا في الأرض بعد ذلك وعمروا الأرض من جديد.. وينبغي أن نذكر أن ما يسمى "بالكتاب المقدس" ـ سواء في ذلك "العهد القديم" المحتوي على كتب اليهود أو "العهد الجديد" المحتوي على أناجيل النصارى ـ ليس هو الذي نزل من عند الله. فالتوراة التي أنزلها الله على موسى قد حرقت نسخها الأصلية على يد البابليين عند سبي اليهود. ولم تعد كتابتها إلا بعد قرون عديدة ـ قبيل ميلاد المسيح بنحو خمسة قرون ـ وقد كتبها عزرا ـ وقد يكون هو عزير ـ وجمع فيها بقايا من التوراة. أما سائرها فهو مجرد تأليف! وكذلك الأناجيل فهي جميعاً لا تحوي إلا ما حفظته ذاكرة تلامذة المسيح وتلامذتهم بعد نحو قرن من وفاة المسيح ـ عليه السلام ـ ثم خلطت به حكايات كثيرة وأساطير!.. ومن ثم لايجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور! ونخلص من هذه القضية العرضية إلى عبرة هذا الحادث الكوني العظيم.. وهي في الحقيقة ـ عبر شتى، لا عبرة واحدة. وسنحاول أن نلم بشيء منها في الصفحات التالية، قبل أن ننتقل من قصة نوح إلى قصة هود: إن قوم نوح - عليه السلام ـ هؤلاء الذين شهدنا مدى جاهليتهم، ومدى إصرارهم على باطلهم، ومدى استنكارهم لدعوة الإسلام الخالص التي حملها نوح ـ عليه السلام ـ إليهم، وخلاصتها: التوحيد الخالص الذي يفرد الله ـ سبحانه ـ بالدينونة والعبودية؛ ولا يجعل لأحد معه صفة الربوبية.. إن قوم نوح هؤلاء.. هم ذرية آدم.. وآدم ـ كما نعلم من قصته في سورة الأعراف من قبل ـ وفي سورة البقرة كذلك ـ قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها ـ وهي المهمة التي خلقها الله لها وزوده بالكفايات والإستعدادات اللازمة لها ـ بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها، وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها. وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق ـ هو وزوجه وبنوه ـ أن {يتبع} ما يأتيه من هدى الله، ولا يتبع الشيطان وهو عدوه وعدو بنيه إلى يوم الدين. وإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلماً لله متبعاً هداه.. وما من شك أنه علم بنيه الإسلام جيلاً بعد جيل؛ وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض؛ حيث لم تكن معها عقيدة أخرى! فإذا نحن رأينا قوم نوح ـ وهم من ذرية آدم بعد أجيال لا يعلم عددها إلا الله ـ قد صاروا إلى هذه الجاهلية ـ التي وصفتها القصة في هذه السورة ـ فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها وتصوراتها وتقاليدها جميعاً. وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم؛ وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية. تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو الله وعدو الناس، كلما تراخوا عن الاستمساك بهدى الله، واتباعه وحده، وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة.. ولقد خلق الله الإنسان ومنحه قدراً من الاختيار ـ هو مناط الابتلاء ـ وبهذا القدر يملك أن يستمسك بهدى الله وحده فلا يكون لعدوه من سلطان عليه، كما يملك أن ينحرف ـ ولو قيد شعرة ـ عن هدى الله إلى تعاليم غيره؛ فيجتاله الشيطان حتى يقذف به ـ بعد أشواط - إلى مثل تلك الجاهلية الكالحة التي انتهت إليها ذراري آدم ـ النبي المسلم ـ بعد تلك الأجيال التي لا يعلمها إلا الله. وهذه الحقيقة.. حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده.. تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم "علماء الأديان المقارنة" وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طوراً متاخراً من أطوار العقيدة. سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنيه للآلهة. ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح، وتأليه الشموس والكواكب.. إلى آخر ما تخبط فيه هذه "البحوث" التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة؛ يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله وإثبات أن الأديان من صنع البشر؛ وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان! وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين؛ فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان ـ وفق ذلك المنهج الموجه! ـ من حيث لا يشعرون! وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الإعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم. حين يقرر أن آدم ـ عليه السلام ـ هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام. وأن نوحاً ـ عليه السلام ـ واجه ذراري آدم ـ الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه.. القائم على التوحيد المطلق.. وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية؛ وأن الرسل جميعاً أرسلوا بعد ذلك بالإسلام.. القائم على التوحيد المطلق.. وإنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الإعتقاد ـ إنما كان الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة ـ وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة. إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية ـ حتى بعد انجراف الأجيال عنها ـ ترقي عقائدهم الجاهلية ذاتها؛ حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني. أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعاً! وقد وجدت هكذا كاملة منذ وجدت، لأنها ليست نابعة من أفكار البشرومعلوماتها المترقية؛ إنما هي آتية لهم من عند الله سبحانه. فهي حق منذ اللحظة الأولى، وهي كاملة منذ اللحظة الأولى.. هذا ما يقرره القرآن الكريم؛ ويقوم عليه التصور الإسلامي. فلا مجال ـ إذن ـ لباحث مسلم ـ وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام! ـ أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم، إلى شيء مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة. تلك النظريات النابعة من منهج موجه كما أسلفنا! ومع أننا هنا ـ في ظلال القرآن ـ لا نناقش الأخطاء والمزالق في الكتابات التي تكتب عن الإسلام ـ إذ أن مجال هذه المناقشة بحث آخر مستقل ـ.. ولكننا بنموذج واحد، نعرضه في مواجهة المنهج القرآني والتقريرات القرآنية في هذه القضية.. كتب الأستاذ العقاد في كتابه: "الله" في فصل أصل العقيدة: .."ترقى الإنسان في العقائد. كما ترقى في العلوم والصناعات. فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته. فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى. وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات. لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى. وقد جهل الناس شأن الشمس الساطعة، وهي أظهر ما تراه العيون وتحسه الأبدان، ولبثوا إلى زمن قريب يقولون بدورانها حول الأرض، ويفسرون حركاتها وعوارضها كما يفسر الألغاز والأحلام. ولم يخطر لأحد أن ينكر وجود الشمس لأن العقول كانت في ظلام من أمرها فوق ظلام. ولعلها لا تزال. فالرجوع إلى أصل الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال. وكل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة شاملة في عصر واحد؛ وأن الناس يستعدون لعرفانها عصراً بعد عصر، وطوراً بعد طور. واسلوباً بعد أسلوب، كما يستعدون لعرفان الحقائق الصغرى، بل على نحو أصعب وأعجب من استعدادهم لعرفان هذه الحقائق التي يحيط بها العقل ويتناولها الحس والعيان. وقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية، أو بين أمم الحضارة العريقة. ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك، ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة. فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها. وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء، أو يبنون عليه جديداً في الحكم على جوهر الدين. فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء، إنما يبحث عن محال...". كذلك كتب في فصل: "أطوار العقيدة الإلهية" في الكتاب نفسه: "يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاث أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية فى اعتقادها بالآلهة والأرباب: وهى دور التعدد polytheism ودور التمييز والترجيح henotheism ودور الوحدانيةmonotheism "ففى دور التعدد كانت القبائل الأولى تتخذ لها أرباباً تعد بالعشرات، وقد تتجاوز العشرات إلى المئات. ويوشك فى هذا الدور أن يكون لكل أسرة كبيرة رب تعبده، أو تعويذة تنوب عن الرب فى الحضور، وتقبل الصلوات والقرابين. "وفى الدور الثانى وهو دور التمييز والترجيح تبقى الأرباب على كثرتها، ويأخذ رب منها فى البروز والرجحان على سائرها. إما لأنه رب القبيلة الكبرى التى تدين لها القبائل الأخرى بالزعامة، وتعتمد عليها فى شؤون الدفاع والمعاش، وإما لأنه يحقق لعباده جميعاً مطلباً أعظم وألزم من سائر المطالب التى تحققها الأرباب المختلفة، كأن يكون رب المطر والإقليم فى حاجة إليه، أو رب الزوابع والرياح وهى موضع رجاء أو خشية يعلو على موضع الرجاء والخشية عند الأرباب القائمة على تسيير غيرها من العناصر الطبيعة. "وفي الدور الثالث تتوحد الأمة، فتتجمع إلى عبادة واحدة تؤلف بينها مع تعدد الأرباب في كل إقليم من الأقاليم المتفرقة. ويحدث في هذا الدور أن تفرض الأمة عبادتها على غيرها كما تفرض عليها سيادة تاجها وصاحب عرشها، ويحدث أيضاً أن ترضى من إله الأمة المغلوبة بالخضوع لإلها، مع بقائه وبقاء عبادته كبقاء التابع للمتبوع، والحاشية للملك المطاع. "ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية الناقصة إلاّ بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة، ويتعذّر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فتصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة، وتقترن العبادة بالتفكير في أسرار الكون وعلاقتها بإرادة الله وحكمته العالية، وكثيراً ما يتفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة، وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحظيرة السماوية.." الخ. وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصاً من آراء علماء الدين المقارن ان البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم؛ ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية. وأن التطور من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد تطور زمني مطرد على الإجمال.. وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه: "موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية، منذ أن اتخذ الإنسان رباً، إلى أن عرف الله الأحد، واهتدى إلى نزاهة التوحيد".. والذي لا شك فيه أن الله سبحانه يقرر في كتابه الكريم، تقريراً واضحاً جازماً، شيئاً آخر غير ما يقرره صاحب كتاب: "الله" متأثراً فيه بمنهج علماء الأديان المقارنة.. وأن الذي يقرره الله ـ سبحانه ـ أن آدم وهو أول البشر عرف حقيقة التوحيد كاملة، وعرف نزاهة التوحيد غير مشوبة بشائبة من التعدد والتثنية، وعرف الدينونة لله وحده باتباع ما يتلقى منه وحده. وأنه عرّف بنيه بهذه العقيدة، فكانت هنالك أجيال في أقدم تاريخ البشرية لا تعرف إلا الإسلام ديناً، وإلا التوحيد عقيدة.. وأنه لما طال الأمد على الأجيال المتتابعة من ذرية آدم انحرفت عن التوحيد.. ربما إلى التثنية وربما إلى التعدد.. ودانت لشتى الأرباب الزائفة... حتى جاءها نوح عليه السلام بالتوحيد من جديد. وأن الذين بقوا على الجاهلية أغرقهم الطوفان جميعاً؛ ولم ينج إلا المسلمون الموحدون الذين يعرفون "نزاهة التوحيد" وينكرون التعدد والتثنية وسائر الأرباب والعبادات الجاهلية! ولنا أن نجزم أن أجيالاً من ذراري هؤلاء الناجين عاشت كذلك بالإسلام القائم على التوحيد المطلق. قبل أن يطول عليهم الأمد، ويعودوا إلى الإنحراف عن التوحيد من جديد.. وأنه هكذا كان شأن كل رسول: {أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـه إلا أنا فاعبدون }.. تفسير : والذي لا شك فيه أن هذا شيء، والذي يقرره علماء الأديان المقارنة ويتابعهم فيه مؤلف كتاب: "الله" شيء آخر. وبينهما تقابل تام في منهج النظر وفي النتائج التي ينتهي إليها.. وآراء الباحثين في تاريخ الأديان ليست سوى نظريات يعارض بعضها بعضاً، فهي ليست الكلمة النهاية حتى في مباحث البشر الفانين! وما من شك أنه حين يقرر الله ـ سبحانه ـ أمراً يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع، ويقرر غيره أمراً آخر مغايراً له تمام المغايرة، فإن قول الله يكون أولى بالاتباع. بخاصة ممن يدافعون عن الإسلام؛ ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة.. وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الإعتقادية في أن الدين جاء وحيا من عند الله، ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم؛ و أنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجىء بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ، ولا في أية رسالة. كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله؛ وهي أنه وحي من الله، وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور! وليس وقفاً على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية! ولعل هذه اللمحة المختصرة ـ التي لا نملك الاستطراد فيها في كتاب الظلال ـ تكشف لنا عن مدى الخطورة في تلقي مفهوماتنا الإسلامية ـ في أي جانب من جوانبها ـ عن مصدر غير إسلامي. كما تكشف لنا عن مدى تغلغل مناهج الفكر الغربية ومقرراتها في أذهان الذين يعيشون على هذه المناهج والمقررات ويستقون منها. حتى وهم يتصدون لرد الافتراءات عن الإسلام من أعدائه.. {أية : إن هـذا القرآن يهدي للتي هي أقوم }.. تفسير : ونقف وقفة أخرى مع قصة نوح.. نقف مع نوح وابنه الذي ليس من أهله! إنها وقفة على مَعلم واضح بارز في طبيعة هذه العقيدة وفي خطها الحركي أيضاً.. وقفة على مفرق الطريق تكشف معالم الطريق.. {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون. واصنع الفلك بأعيننا ووحينا، ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون...} {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ـ إلا من سبق عليه القول ـ ومن آمن، وما آمن معه إلا قليل...} {وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل ـ: يا بني اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين. قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين..} {ونادى نوح ربه، فقال: رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين. قال: يا نوح إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، فلا تسألن ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون من الجاهلين. قال: رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} .. إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين وشيجة فريدة تتميز بها طبيعة هذا الدين، وتتعلق بآفاق وآماد وأبعاد وأهداف يختص بها ذلك المنهج الرباني الكريم. إن هذه الوشيجة ليست وشيجة الدم والنسب؛ وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة، وليست وشيجة اللون واللغة، وليست وشيجة الجنس والعنصر، وليست وشيجة الحرفة والطبقة.. إن هذه الوشائج جميعها قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد؛ كما قال الله سبحانه وتعالى لعبده نوح ـ عليه السلام ـ وهو يقول: { رب إن ابني من أهلي}.. {يا نوح إنه ليس من أهلك} ثم بين له لماذا يكون ابنه.. ليس من أهله.. {إنه عمل غير صالح}.. إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح: {فلا تسألن ما ليس لك به علم} فأنت تحسب أنه من أهلك، ولكن هذا الحسبان خاطئ. أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك، ولو كان هو ابنك من صلبك! وهذا هو الْمَعْلَم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة... إن الجاهليات تجعل الرابطة آنا هي الدم والنسب؛ وآناً هي الأرض والوطن، وآناً هي القوم والعشيرة، وآناً هي اللون واللغة، وآناً هي الجنس والعنصر، وآناً هي الحرفة والطبقة! تجعلها آناً هي المصالح المشتركة، أو التاريخ المشترك. أو المصير المشترك.. وكلها تصورات جاهلية ـ على تفرقها أو تجمعها ـ تخالف مخالفة أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي! والمنهج الرباني القويم ـ ممثلاً في هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم وفي توجيهات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه ـ قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك الأصل الكبير.. والْمَعْلَم الواضح البارز في مفرق الطريق.. وهذا المثل الذي يضربه في هذه السورة من نوح وابنه فما يكون بين الولد والوالد، ضرب أمثاله لشتى الوشائج والروابط الجاهلية الأخرى، ليقرر من وراء هذه الأمثال حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يعتبرها.. * ضرب لها المثل فيما يكون بين الولد والوالد وذلك فيما كان بين إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأبيه وقومه كذلك: {أية : واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقاً نبياً. إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً؟ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً. يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمـن عصياً. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمـن فتكون للشيطان ولياً.. قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك! واهجرني ملياً. قال سلام عليك سأستغفر لك ربي، إنه كان بي حفياً، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبياً؛ ووهبنا لهم من رحمتنا، وجعلنا لهم لسان صدق عليا}... تفسير : [مريم: 41 ـ50]. * وضرب لها المثل فيما كان بين إبراهيم وذريته كما علمه الله سبحانه ولقنه، وهو يعطيه عهده وميثاقه. ويبشره ببقاء ذكره وامتداد الرسالة في عقبه: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات، فأتمهن، قال: إني جاعلك للناس إماما، قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين.. } أية : وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هـذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات ـ من آمن منهم بالله واليوم الآخر. قال: ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير }.. تفسير : [البقرة: 124 ـ 126] * وضرب لها المثل فيما يكون بين الزوج وزوجه، وذلك فيما كان بين نوح وامرأته، و لوط وامرأته. وفي الجانب الآخر ما كان بين امرأة فرعون و فرعون: {أية : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين }... {أية : وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون، إذ قالت: رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين}... تفسير : [التحريم: 10ـ 11] * وضربَ لها المثل فيما يكون بين المؤمنين وأهلهم وقومهم ووطنهم وأرضهم وديارهم وأموالهم، ومصالحهم وماضيهم ومصيرهم. وذلك فيما كان بين إبراهيم والمؤمنين به مع قومهم. وما كان من الفتية أصحاب الكهف مع أهلهم وقومهم ودورهم وأرضهم... { أية : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده...}.. تفسير : [الممتحنة: 4]. {أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً؟ إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً، فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً، نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلـهاً لقد قلنا إذن شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين! فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ـ إلا الله ـ فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً}... تفسير : [الكهف: 9 ـ 16]. وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين. الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان، وضحت معالم الطريق لهذه الأمة؛ وقام هذا المَعْلَم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم، ولا يقوم على سواها. وطالبها ربها بالإستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة، وفي توجيهات من القرآن كثيرة.. هذه نماذج منها.. * {أية : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ـ ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ـ أولـئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولـئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون}... تفسير : [المجادلة: 22] * {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم، إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}... تفسير : [الممتحنة:1] * {أية : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم، والله بما تعملون بصير، قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه...الخ}.. تفسير : [الممتحنة: 3ـ 4] * {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولـئك هم الظالمون}...تفسير : [التوبة: 23]. * {أية : يـا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين}...تفسير : [المائدة:51]. تفسير : وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصيلة الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي؛ وفي طبيعة بنائه وتكوينه العضوي الذي يتميز به عن سائر المجتمعات الجاهلية قديماً وحديثاً إلى آخر الزمان. ولم يعد هناك مجال للجمع بين "الإسلام" وبين إقامة المجتمع على أية قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة. والذين يدعون صفة الإسلام، ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحل الإسلام محلها قاعدة العقيدة، إما أنهم لا يعرفون الإسلام؛ وإما أنهم يرفضونه. والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها، بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلاً! وندع هذه القاعدة ـ وقد صارت واضحة تماماً ـ لننظر في جوانب من حكمة الله في إقامة المجتمع الإسلامي على هذه القاعدة.. * إن العقيدة تمثل أعلى خصائص "الإنسان" التي تفرقه من عالم البهيمة؛ لأنها تتعلق بالعنصر الزائد في تركيبه وكينونته عن تركيب البهيمة وكينونتها ـ وهو العنصر الروحي الذي به صار هذا المخلوق إنساناً في هذه الصورة ـ وحتى أشد الملحدين إلحاداً وأكثر الماديين مادية، قد انتبهوا أخيراً إلى أن العقيدة خاصة من خواص الإنسان تفرقه فرقاً أساسياً عن الحيوان. ومن ثم ينبغي أن تكون العقيدة ـ في المجتمع الإنساني الذي يبلغ ذروة الحضارة الإنسانية ـ هي آصرة التجمع. لأنها العنصر الذي يتعلق بأخص خصائص الإنسان المميزة له عن البهائم. ولا تكون آصرة التجمع عنصراً يتعلق بشيء يشترك فيه الإنسان مع البهائم! من مثل الأرض والمرعى والمصالح والحدود التي تمثل خواص الحظيرة، وسياج الحظيرة! ولا تكون كذلك هي الدم والنسب والعشيرة والقوم والجنس والعنصر واللون واللغة.. فكلها مما يشترك فيه الإنسان مع البهيمة. وليس هناك إلا شؤون العقل و القلب التي يختص بها الإنسان دون البهيمة! * كذلك تتعلق العقيدة بعنصر آخر يتميز به الإنسان عن البهائم.. هو عنصر الاختيار والإرادة، فكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ سن الرشد؛ وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختاراً؛ ونوع المنهج الاعتقادي والاجتماعي والسياسي والإقتصادي والخلقي الذي يريد ـ بكامل حريته ـ أن يتمذهب به ويعيش.. ولكن هذا الفرد لا يملك أن يقرر دمه ونسبه ولونه وقومه وجنسه. كما لا يملك أن يقرر الأرض التي يحب أن يولد فيها، ولغة الأم التي يريد أن ينشأ عليها.. إلى آخر تلك المقومات التي تقام عليها مجتمعات الجاهلية!.. إن هذه الأمور كلها يقضى فيها قبل مجيئه إلى هذه الأرض، ولا يؤخذ له فيها مشورة ولا رأي؛ إنما هي تفرض عليه فرضاً سواء أحب أم كره! فإذا تعلق مصيره في الدنيا والآخرة معاً ـ أو حتى في الدنيا وحدها ـ بمثل هذه المقومات التي تفرض عليه فرضاً لم يكن مختاراً ولا مريداً؛ وبذلك تسلب إنسانيته مقوماً من أخص مقوماتها؛ وتهدر قاعدة أساسية من قواعد تكريم الإنسان؛ بل من قواعد تركيبه وتكوينه الإنساني المميز له من سائر الخلائق! ومن أجل المحافظة على خصائص الإنسان الذاتية، والمحافظة على الكرامة التي وهبها الله له متمشية مع تلك الخصائص؛ يجعل الإسلام العقيدة ـ التي يملك كل فرد اختيارها بشخصه منذ أن يبلغ سن الرشد ـ هي الآصرة التي يقوم عليها التجمع الإنساني في المجتمع الإسلامي؛ والتي يتقرر على أساسها مصير كل فرد بإرادته الذاتية. وينفي أن تكون تلك العوامل الاضطرارية، التي لا يد له فيها، ولا يملك كذلك تغييرها باختياره، هي آصرة التجمع التي تقرر مصيره طول حياته. * ومن شأن قيام المجتمع على آصرة العقيدة ـ وعدم قيامه على العوامل الاضطرارية الأخرى ـ أن ينشئ مجتمعاً إنسانياً عالمياً مفتوحاً؛ يجيء إليه الأفراد من شتى الأجناس والألوان واللغات والأقوام والدماء والأنساب والديار والأوطان بكامل حريتهم واختيارهم الذاتي؛ لا يصدهم عنه صاد، ولا يقوم في وجوههم حاجز، ولا تقف دونه حدود مصطنعة، خارجة عن خصائص الإنسان العليا. وأن تصب في هذا المجتمع كل الطاقات والخواص البشرية، وتجتمع في صعيد واحد، لتنشىء "حضارة إنسانية" تنتفع بكل خصائص الأجناس البشرية؛ و لا تغلق دون كفاية واحدة، بسبب من اللون أو العنصر أو النسب والأرض... "ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية؛ ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة، والحدود الإقليمية السخيفة! ولإبراز "خصائص الإنسان" في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان.. كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والألوان واللغات، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها، وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت، وأنشأت مركباً عضوياً فائقاً في فترة تعد نسبياً قصيرة. وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة، تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة، على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان." "لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونيسي والإفريقي... إلى آخر الأقوام والأجناس... وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما "عربية" إنما كانت دائماً "إسلامية" ولم تكن يوماً ما "قومية" إنما كانت دائماً "إسلامية" و لم تكن يوماً ما " قومية" إنما كانت دائماً "عقيدية". " ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة، وبآصرة الحب. وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. فبذلوا جميعاً أقصى كفاياتهم، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية فى بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق. وهذا ما لم يجتمع قط لأى تجمع آخر على مدار التاريخ! "لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً. فقد جمعت بالفعل أجناساً متعددة، ولغات متعددة، وألواناً متعددة، وأمزجة متعددة. ولكن هذا كله لم يقم على "آصرة إنسانية" ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة.. لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية؛ وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني ـ بصفة عامة ـ وعبودية سائر الأجناس الأخرى. ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي." "كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى.. تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً.. ولكنه كان كالتجمع الروماني، الذي هو وريثه! تجمعاً قومياً استغلالياً، يقوم على أساس سيادة القومية الانجليزية، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية.. ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها.. الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية في وقت ما، والإمبراطورية الفرنسية.. كلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون. ولكنها لم تقمه على قاعدة "إنسانية" عامة، إنما أقامته على القاعدة "الطبقية". فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم.. هذا تجمع قاعدة طبقة "الأشراف" وذلك تجمع على قاعدة طبقة "الصعاليك" (البروليتريا)؛ والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني.. فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها. باعتبار أن "المطالب الأساسية" للإنسان هي "الطعام والمسكن والجنس" ـ وهي مطالب الحيوان الأولية ـ وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!!" "لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني.. وما يزال متفرداً.. والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر، يقوم على أية قاعدة أخرى، من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة.. إلى آخر هذا النتن السخيف، هم أعداء "الإنسان" حقاً! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره الله؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع باقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق". * ويحسن أن نذكر أن أعداء هذا الدين، الذين يعرفون مواضع القوة في طبيعته وحركته؛ وهم الذين يقول الله تعالى فيهم: {أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}.. تفسير : لم يفتهم أن يدركوا أن التجمع على أساس العقيدة سر من أسرار قوة هذا الدين، وقوة المجتمع الإسلامي الذي يقوم على هذا الأساس.. ولما كانوا بصدد هدم ذلك المجتمع أو إضعافه إلى الحد الذي يسهل عليهم السيطرة عليه؛ وشفاء ما في صدورهم من هذا الدين وأهله؛ ولاستغلالهم كذالك و استغلال مقدراتهم وديارهم وأموالهم.. لما كانوا بصدد تلك المعركة مع هذا المجتمع لم يفتهم أن يوهنوا من القاعدة التي يقوم عليها؛ وأن يقيموا لأهله المجتمعين على إله واحد، أصناماً تعبد من دون الله، اسمها تارة "الوطن" واسمها تارة "القوم" واسمها تارة "الجنس". وظهرت هذه الأصنام على مراحل التاريخ تارة باسم "الشعوبية" وتارة باسم "الجنسية الطورانية" وتارة باسم "القومية العربية" وتارة بأسماء شتى، تحملها جبهات شتى، تتصارع فيما بينها في داخل المجتمع الإسلامي الواحد القائم على أساس العقيدة، المنظم بأحكام الشريعة.. إلى أن وهنت القاعدة الأساسية تحت المطارق المتوالية، وتحت الإيحاءات الخبيثة المسمومة؛ وإلى أن أصبحت تلك "الأصنام" مقدسات يعتبر المنكر لها خارجاً على دين قومه! أو خائناً لمصالح بلده!!! وأخبث المعسكرات التي عملت وما زالت تعمل في تخريب القاعدة الصلبة التي كان يقوم عليها التجمع الإسلامي الفريد في التاريخ.. كان هو المعسكر اليهودي الخبيث، الذي جرب سلاح "القومية" في تحطيم التجمع المسيحي، و تحويله إلى قوميات سياسية ذات كنائس قومية.. وبذلك حطموا الحصار المسيحي حول الجنس اليهودي؛ ثم ثنوا بتحطيم الحصار الإسلامي حول ذلك الجنس الكنود! وكذلك فعل الصليبيون مع المجتمع الإسلامي ـ بعد جهد قرون كثيرة في إثارة النعرات الجنسية والقومية والوطنية بين الأجناس الملتحمة في المجتمع الإسلامي.. ومن ثم استطاعوا أن يرضوا أحقادهم الصليبية القديمة على هذا الدين وأهله. كما استطاعوا أن يمزقوهم ويروضوهم على الإستعمار الأوروبي الصليبي. وما يزالون.. حتى يأذن الله بتحطيم تلك الأصنام الخبيثة الملعونة؛ ليقوم التجمع الإسلامي من جديد، على أساسه المتين الفريد.. * وأخيراً فإن الناس ما كانوا ليخرجوا من الجاهلية الوثنية بكلياتهم حتى تكون العقيدة وحدها هي قاعدة تجمعهم. ذلك أن الدينونة لله وحده لا تتم تمامها إلا بقيام هذه القاعدة في تصورهم وفي تجمعهم. يجب أن تكون هناك قداسة واحدة لمقدس واحد، وألا تتعدد "المقدسات"! ويجب ان يكون هناك شعار واحد، وألا تتعدد "الشعارات" ويجب أن تكون هناك قبلة واحدة يتجه إليها الناس بكلياتهم وألا تتعدد القبلات والمتجهات.. إن الوثنية ليست صورة واحدة هي وثنية الأصنام الحجرية والآلهة الأسطورية! إن الوثنية يمكن أن تتمثل في صور شتى؛ كما أن الأصنام يمكن أن تتخذ صوراً متعددة؛ وآلهة الأساطير يمكن أن تتمثل مرة أخرى في المقدسات والمعبودات من دون الله أياً كانت أسماؤها. وأياً كانت مراسمها. وما كان الإسلام ليخلص الناس من الأصنام الحجرية والأرباب الأسطورية، ثم يرضى لهم بعد ذلك أصنام الجنسيات والقوميات والأوطان.. وما إليها.. يتقاتل الناس تحت راياتها وشعاراتها. وهو يدعوهم إلى الله وحده، وإلى الدينونة له دون شيء من خلقه! لذلك قسم الإسلام الناس إلى أمتين اثنتين على مدار التاريخ البشري.. أمة المسلمين من أتباع الرسل ـ كل في زمانه حتى يأتي الرسول الأخير إلى الناس كافة ـ وأمة غير المسلمين من عبدة الطواغيت والأصنام في شتى الصور والأشكال على مدار القرون.. وعندما أراد الله أن يعرف المسلمين بأمتهم التي تجمعهم على مدار القرون، عرفها لهم في صورة أتباع الرسل ـ كل في زمانه ـ وقال لهم في نهاية استعراض أجيال هذه الأمة: {أية : إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.. تفسير : ولم يقل للعرب: إن أمتكم هي الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها سواء! ولا قال لليهود: إن أمتكم هي بنو إسرائيل أو العبرانيون في جاهليتهم وإسلامهم سواء! ولا قال لسلمان الفارسي: إن أمتك هي فارس! ولا لصهيب الرومي: إن أمتك هي الرومان! ولا لبلال الحبشي: إن أمتك هي الحبشة! إنما قال للمسلمين من العرب والفرس والروم والحبش: إن أمتكم هي المسلمون الذين أسلموا حقاً على أيام موسى وهارون، وإبراهيم، ولوط، ونوح، وداود وسليمان، وأيوب، وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون، وزكريا ويحيى، ومريم.. كما جاء في سورة الأنبياء: [آيات 48 ـ91]. هذه هي أمة "المسلمين" في تعريف الله سبحانه.. فمن شاء له طريقاً غير طريق الله فليسلكه. ولكن ليقل: إنه ليس من المسلمين! أما نحن الذين اسلمنا لله، فلا نعرف لنا أمة إلا الأمة التي عرفها لنا الله. والله يقص الحق وهو خير الفاصلين.. وحسبنا هذا القدر مع إلهامات قصة نوح في هذه القضية الأساسية في هذا الدين. ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه: إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام، تذكر بعض الروايات انهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاماً كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن.. إن هذه الحفنة ـ وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل ـ قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون؛ وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها والإستخلاف من جديد.. .. وهذا أمر خطير.. إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها؛ والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة؛ كما تعاني من الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل.. إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلاً أمام هذا الأمر الخطير، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير! إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى.. شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعاً؛ كما يستحق منه سبحانه ان يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد! لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، كما قال تعالى:{واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}.. وعندما لجأ نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترونه عليه كما قال الله تعالى في سورة القمر: {أية : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر. فدعا ربه أني مغلوب فانتصر }.. تفسير : عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه {مغلوب} ويدعو ربه أن "ينتصر" هو وقد غُلب رسوله.. عندئذ أطلق الله القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب: {أية : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر }.. تفسير : وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوى الكوني الرائع الموهوب.. كان الله سبحانه ـ بذاته العلية ـ مع عبده المغلوب: {أية : وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا.. جزاء لمن كان كفر.. }. تفسير : هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية؛ وحين "تغلبها" الجاهليه! إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة.. وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان. فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى! {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو }.. تفسير : وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها؛ وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه؛ وإلا أن تصبر حتى يأتي الله بأمره، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه، إلا فترة الإعداد والابتلاء؛ وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن الله سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء. وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم.. إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية. كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى و هو عبده الذي يستنصر به فيدعوه: {أية : أني مغلوب فانتصر }.. تفسير : إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة و لا متقاربة.. إن الجاهلية تملك قواها.. و لكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. و الله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء و كيفما يشاء ـ وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب! وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله.. ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله. ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلماً.. ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة، والتدمير على البشرية الضالة جميعاً، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها.. إن عصر الخوارق لم يمض! فالخوارق تتم في كل لحظة ـ وفق مشيئة الله الطليقة ـ ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطاَ أخرى، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدِق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها؛ ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائماً، ويلابسون آثارها المبدعة. والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملاً، بكل ما في طاقتهم من جهد؛ ثم يدَعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعندما يُغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: {أية : فدعا ربه أني مغلوب، فانتصر}..تفسير : ثم ينتظروا فرج الله القريب. وانتظار الفرج من الله عبادة؛ فهم على هذا الانتظار مأجورون. ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهاداً كبيراً.. إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن؛ ومن ثم يتذوقونه ويدركونه؛ لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطاباً مباشراً به، كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى، فتذوقته وأدركته وتحركت به.. .. والحمد لله في الأولى والآخرة..
ابن عاشور
تفسير : انتقال من إنذار المشركين ووصف أحوالهم وما ناسب ذلك إلى موعظتهم بما أصاب المكذبين قبلهم من المصائب، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بما لاقاه الرّسل ـ عليهم السّلام ـ قبله من أقوامهم. فالعطف من عطف القصة على القصة وهي التي تسمى الواو الابتدائية. وأكدت الجملة بلام القسم و{قد} لأن المخاطبين لما غفلوا عن الحذر مما بقوم نوح مع مماثلة حالهم نزلوا منزلة المنكر لوقوع رسالته. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة {إني} بكسر الهمزة على أنه محكي بفعل قول محذوف في محل حال، أي قائلاً. وقرأه ابن كثير، وأبو عَمرو، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف ـ بفتح الهمزة ـ على تقدير حرف جرّ وهو الباء للملابسة، أي أرسلناه متلبساً بذلك، أي بمعنى المصدر المنسبك من (أني نذير)، أي متلبساً بالنذارة البيّنة. وتقدم الكلام على نوح ـ عليه السلام ـ وقومه عند قوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً}تفسير : في آل عمران (33). وعند قوله: {أية : لقد أرْسلْنا نُوحاً إلى قوْمه}تفسير : في سورة الأعراف (59). وجملة {ألا تعبدوا إلاّ الله} مفسرة لجملة {أرسلنا} لأن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه، ويجوز كونها تفسيراً لـ{نذير} لما في {نذير} من معنى القول، كقوله في سورة نوح (2، 3) {أية : قال يا قوم إني لَكمْ نَذير مبين أن اعبدوا الله واتّقوه}.تفسير : وهذا الوجه متعين على قراءة فتح همزة (أني) إذا اعتبرت (أنّ) تفسيرية. ويجوز جعل (أنْ) مخففة من الثقيلة فيكون بدلاً من {أني لكم نذير مبين} على قراءة ـ فتح الهمزة ـ واسمها ضمير شأن محذوفاً، أي أنّه لا تعبدوا إلاّ الله. وجملة {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} تعليل لـ{نذير} لأن شأن النذارة أن تثقل على النفوس وتخَزُهم فكانت جديرة بالتعليل لدفع حرج ما يلاقونه. ووصف اليوم بالأليم مجاز عقلي، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليماً، أي مؤلماً. وجملة {أخاف عليكم} ونحوها مثل أخشى عليك، تستعمل للتوقّع في الأمر المظنون أو المقطوع به باعتبار إمكان الانفلات من المقطوع به، كقول لبيد: شعر : أخشى على أربَد الحتوف ولا أخشَى عليه الرياح والمَطرا تفسير : فيتعدّى الفعل بنفسه إلى الخوف منه ويتعدى إلى المخوف عليه بحرف (على) كما في الآية وبيت لبيد. و(العذاب) هنا نكرة في المعنى، لأنه أضيف إلى نكرة فكان محتملاً لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فأما عذاب الدنيا فليس مقطوعاً بنزوله بهم ولكنه مظنون من نوح ـ عليه السلام ـ بناء على ما علمه من عناية الله بإيمان قومه وما أوحي إليه من الحرص في التبليغ، فعلم أن شأن ذلك أن لا يترك مَن عَصَوْه دون عقوبة. ولذلك قال في كلامه الآتي {أية : إنما يأتيكم به الله إن شاء}تفسير : [هود: 33] على ما يأتي هنالك. وكان العذاب شاملاً لعذاب الآخرة أيضاً إن بقوا على الكفر، وهو مقطوع به لأنّ الله يقرن الوعيد بالدعوة، فلذلك قال نوح ـ عليه السلام ـ في كلامه الآتي {أية : وما أنتم بمعجزين}تفسير : [هود: 33]، وقد تبادر إلى أذهان قومه عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فلذلك قالوا في كلامهم الآتي {أية : فأتنا بما تعدنا إن كنتم من الصادقين}تفسير : [هود: 32]. ولعلّ في كلام نوح ـ عليه السّلام ـ ما تفيدهم أنه توعدهم بعذاب في الدنيا وهو الطوفان.
الواحدي
تفسير : {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} فقال [لهم]: يا قومي {إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلاَّ الله} أَيْ: أُنذركم لِتُوحِّدوا الله وتتركوا عبادة غيره {إني أخاف عليكم} بكفركم {عذاب يومٍ أليم} مؤلمٍ. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} وهم الأشراف والرُّؤساء: {ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا} إنساناً مثلنا لا فضل لك علينا {وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا} أخسَّاؤنا. يعنون: مَنْ لا شرفَ لهم ولا مال {بادي الرأي} اتَّبعوك في ظاهر الرَّأي، وباطنهم على خلاف ذلك {وما نرى لكم} يعنون لنوحٍ وقومه {علينا من فضل} وهذا تكذيبٌ منهم؛ لأنَّ الفضل كلَّه في النُّبوَّة {بل نظنُّكم كاذبين} ليس ما أتيتنا به من الله. {قال يا قوم أرأيتم} أَيْ: أعلمتم {إنْ كنت على بينة من ربي} يقينٍ وبرهانٍ {وآتاني رحمة من عنده} نُبوَّةً {فعميت عليكم} فخفيت عليكم؛ لأنَّ الله تعالى سلبكم علمها، ومنعكم معرفتها لعنادكم الحقَّ {أنلزمكموها} أَنُلزمكم قبولها ونضطركم إلى معرفتها إذا كرهتم؟ {ويا قوم لا أسألكم عليه} على تبليغ الرِّسالة {مالاً إن أجري إلاَّ على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا} سألوه طرد المؤمنين عنه ليؤمنوا به أنفةً من أن يكونوا معهم على سواء، فقال: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم، ويأخذ لهم ممَّن ظلمهم وصغَّر شؤونهم، وهو قوله: {إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون} أنَّ هؤلاء خيرٌ منكم؛ لإِيمانهم وكفركم. {ويا قوم مَنْ ينصرني من الله} مَنْ يمنعني من عذاب الله {إن طردتهم}؟ {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} يعني: مفاتيح، وهذا جوابٌ لقولهم: اتَّبعوك في ظاهرِ ما نرى منهم، وهم في الباطن على خلافك، فقال مجيباً لهم: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} غيوب الله {ولا أعلم الغيب} ما يغيب عني ممَّا يسترونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر منهم {ولا أقول إني مَلَك} جوابٌ لقولهم: {ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا} {ولا أقول للذين تزدري} تستصغر وتستحقر {أعينكم} يعني: المؤمنين: {لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم} أَيْ: بضمائرهم، وليس عليَّ أن أطَّلع على ما في نفوسهم {إني إذاً لمن الظالمين} إن طردتهم تكذيباً لهم بعد ما ظهر لي منهم الإِيمان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نوحا: هو العبد الشكور أبو البشرية الثاني نوح عليه السلام. إني لكم نذير مبين: أي مخوف لكم من عذاب بَيِّنُ النذارة. عذاب يوم أليم: هو عذابه يوم القيامة. الملأ: الأشراف وأهل الحل والعقد في البلاد. أراذلنا: جمع أرذل وهو الأكبر خسة ودناءة. بادي الرأي: أي ظاهر الرأي، لا عمق عندك في التفكير والتصور للأشياء. معنى الآيات: هذه بداية قصة نوح عليه السلام وهي بداية لخمس قصص جاءت في هذه السورة سورة هود عليه السلام قال تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي قال لهم إني لكم نذير مبين أي بين النذارة أي أخوفكم عاقبة كفركم بالله وبرسوله وشرككم في عبادة ربكم الأوثان والأصنام، وقوله {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي نذير لكم بأن لا تعبدوا إلا الله، وتتركوا عبادة غيره من الأصنام والأوثان وقوله {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} علل لهم أمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك بأنه يخاف عليهم إن أصروا على كفرهم وتركهم عذاب يوم أليم وهو عذاب يوم القيامة {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} أي فرد على نوح ملأ قومه أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم ممن كفروا بالله ورسوله فقالوا {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} أي لا فضل لك علينا فكيف تكون رسولاً لنا ونحن مثلك هذا أولاً وثانياً {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي سفلتنا من أهل المهن المحتقرة كالحياكة والحجامة والجزارة ونحوها وقولهم بادي الرأي أي ظاهر الرأي لا عمق في التفكير ولا سلامة في التصور عندك وقولهم {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي وما نرى لكم علينا من أي فضل تستحقون به أن نصبح أتباعاً لكم فنترك ديننا ونتبعكم على دينكم بل نظنكم كاذبين فيما تقولون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إن نوحاً واسمه عبد الغفار أول رسول إلى أهل الأرض بعد أن أشركوا بربهم وعبدوا غيره من الأوثان والآلهة الباطلة. 2- قوله أن لا تعبدوا إلا الله هو معنى لا إله إلاّ الله. 3- التذكير بعذاب يوم القيامة. 4- اتباع الرسل هم الفقراء والضعفاء، وخَصُومُهم الأغنياء والأشراف والكبراء. 5- احتقار أهل الكبر لمن دونهم، وفي الحديث "حديث : الكبر بطر الحق وغمط الناس ".
القطان
تفسير : ورد ذِكر نوح في ثلاثة واربعين موضعا من القرآن الكريم في ثمانِ وعشرين سورة. وذُكرت قصة نوح مفصلة في القرآن الكريم في سورة الاعراف وهود وسورة المؤمنين والشعراء والقمر وسورة نوح، وهي مختلفة اللفظ حسْب ما تكون العنايةُ موجهة نحوه من البيان والمعنى: كما أرسلناك يا محمد الى قومه لتنذِرَهم وتبشّرهم، فقابلَكَ فريقٌ بالكفر والجحود، أرسلنا من قبلُ نوحاً الى قومه فقال لَهم: إني رسولُ الله إليكم، أُنذرُكم من عذابِ الله وأبيّن لكم طريق النجاة. ثم فسر هذا الانذار بكلام مختصر. {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}. وإني أطلبُ منكم ان لا تعبُدوا إلا الله، ولا تشرِكوا به شيئا، لأني أخاف عليكم إن عبدتم غيره او اشركتم معه سواه أن ينالكم عذابُ يوم مؤلم. قراءات: قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: "إني لكم نذير مبين" بكسر همزة ان، والباقون بفتحها.
د. أسعد حومد
تفسير : (25) - كَانَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ مِمَّنْ أََشْرَكُوا، وَعَبَدُوا الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّنِي لَكُمْ نَذِيرٌ مِنَ اللهِ أُبَيِّنُ لَكُمْ طَرِيقَ النَّجَاةِ، فَآمِنُوا بِهِ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والآية توضِّح مسألة إرسال نوح عليه السلام كرسول لقومه، وعلى نوح الرسول أن يمارس مهمته وهي البلاغ، فيقول: {.. إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25]. ونحن نلحظ أن همزة (إن) في إحدى قِرَاءَتَى الآية تكون مكسورة، وفي قراءة أخرى تكون مفتوحة، أما في القراءة بالكسر فتعني أن نوحاً عليه السلام قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال: {.. إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25]. وأما في القراءة الأخرى بالفتح فتعني أن الرسالة هي: {.. إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25]. فكأن القراءة الأولى تعني الرواية عن قصة البلاغ، والقراءة الثانية تحدد مضمون الرسالة: {.. إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25]. والقراءة الأولى فيها حذف القول، وحذف القول كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ..}تفسير : [الرعد: 23ـ24]. وهذا يعني أن الملائكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب، وساعة الدخول يقول الملائكة: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ..}تفسير : [الرعد: 24]. وقول نوح عليه السلام: {.. إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25]. نعلم منه أن النذير - كما قلنا من قبل - هو من يخبر بشرٍّ لم يأت وقته بعد، حتى يستعد السامع لملاقاته، وما دام أن نبي الله نوحاً قد جاء نذيراً، فالسياق مستمر؛ لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ ..}تفسير : [هود: 24]. أي: أن هناك فريقاً عاصياً وكافراً وله نذير، أما الفريق الآخر فله بشير، يخبر بخير قادم ليستعد السامع أيضاً لاستقباله بنفس مطمئنة. والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار، يأتي لهم الحق سبحانه بنص الإنذار في قوله تعالى: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى عناد الكافرين من أهل مكة، وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتهامهم له بافتراء القرآن، ذكر هنا قصة نوح مع قومه الكافرين لتكون كالعظة والعبرة لمن كذّب وعاند، ولتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بسرد قصص المرسلين وما جرى لهم مع أقوامهم. اللغَة: {ٱلْمَلأُ} أشراف القوم وسادتهم {أَرَاذِلُنَا} الأراذل هنا: المراد بهم الفقراء والضعفاء والسَّفَلة، وهو جمع أَرْذَل بمعنى السافل الذي لا خَلاَق له ولا يبالي بما يفعل {فَعُمِّيَتْ} عمي عن كذا، وعمي عليه كذا، بمعنى التبس عليه ولم يفهمه، وخفي عليه أمره {جَادَلْتَنَا} الجدل في كلام العرب: المبالغة في الخصومة {تَزْدَرِيۤ} تحتقر {ٱلْفُلْكَ} السفينة ويطلق على المفرد والجمع {ٱلتَّنُّورُ} مستوقد النار {مُرْسَاهَا} رسا الشيء يرسو ثبت واستقر {عَاصِمَ} مانع يقال: عصمه إذا منعه ومنه الحديث "حديث : فقد عصموا مني دماءهم"تفسير : {غِيضَ} غاض الماء نقص بنفسه وغضتُه أنقصته {ٱلْجُودِيِّ} جبلٌ بقرب المَوْصل. التفسِير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} أي أرسلناه رسولاً إلى قومه بعد أن امتلأت الأرض بشركهم وشرورهم {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بأني منذرٌ لكم ومخوّف من عذاب الله إن لم تؤمنوا {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي أرسلناه بدعوة التوحيد وهي عبادة الله وحده {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} أي إني أخاف عليكم إن عبدتم غيره عذاب يوم شديد مؤلم {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} أي قال السادة والكبراء من قوم نوح {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} أي ما نراك إلا واحداً مثلنا ولا فضل لك علينا قال الزمخشري: وفيه تعريضٌ بأنهم أحقُّ منه بالنبوة، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحدٍ من البشر لجعلها فيهم {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي وما اتبعك إلا سفلةُ الناس قال في التسهيل: وإنما وصفوهم بذلك لفقرهم جهلاً منهم واعتقاداً بأن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كذلك، بل المؤمنون أشرف منهم على فقرهم وخمولهم {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} أي في ظاهر الرأي من غير تفكر أو رويّة {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي وما نرى لك ولأتباعك من مزية وشرف علينا يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} أي بل نظنكم كاذبين فيما تدعونه، أرادوا أن يحجوا نوحاً من وجهين: أحدهما: أن المتبعين له أراذل القوم ليسوا قدوة ولا أسوة، والثاني: أنهم مع ذلك لم يتَروَّوا في اتّباعه، ولا أمعنوا الفكر في صحة ما جاء به، وإنما بادروا إلى ذلك من غير فكرة ولا رويّة، وغرضُهم ألا تقوم الحجة عليهم بأن منهم من آمن به وصدّقه {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ} تلطف معهم في الخطاب لاستمالتهم إلى الإِيمان أي قال لهم نوح: أخبروني يا قوم إن كنتُ على برهان وأمرٍ جليٍّ من ربي بصحة دعوايَ {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} أي ورزقني هداية خاصة من عنده وهي النبوة {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي فخفي الأمر عليكم لاحتجابكم بالمادة عن نور الإِيمان {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي أنكرهكم على قبولها ونجبركم على الإِهتداء بها والحال أنكم كارهون منكرون لها؟ والاستفهام للإِنكار أي لا نفعل ذلك لأنه لا إكراه في الدين {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} أي لا أسألكم على تبليغ الدعوة أجراً، ولا أطلب على النصيحة مالاً حتى تتهموني {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ما أطلب ثوابي إلا من الله فإنه هو الذي يثيبني ويجازيني {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي ولست بمبعد هؤلاء المؤمنين الضعفاء عن مجلسي، ولا بطاردهم عني كما طلبتم {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} أي إنهم صائرون إلى ربهم، وفائزون بقربه فكيف أطردهم؟ {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} أي ولكنكم قوم تجهلون قدرهم فتطلبون طردهم، وتظنون أنكم خير منهم {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} أي من يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم وطردتهم؟ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتفكرون فتعلمون خطأ رأيكم وتنزجرون عنه؟ {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} أي لا أقول لكم عندي المال الوافر الكثير حتى تتبعوني لغناي {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب حتى تظنوا بي الربوبية {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} أي ولا أقول لكم إني من الملائكة أُرسلت إِليكم فأكون كاذباً في دعواي {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} أي ولا أقول لهؤلاء الضعفاء الذين آمنوا بي واحتقرتموهم لفقرهم لن يمنحهم الله الهداية والتوفيق {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} أي أعلم بسرائرهم وضمائرهم {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إني إن قلت ذلك أكون ظالماً مستحقاً للعقاب {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي قال قوم نوح لنوحٍ عليه السلام: قد خاصمتنا فأكثرتَ خصومتنا {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فائتنا بالعذاب الذي كنت تعدنا به إن كنت صادقاً في ما تقول {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} أي أمر تعجيل العذاب إليه تعالى لا إليَّ فهو الذي يأتيكم به إن شاء {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي ولستم بفائتين الله هرباً لأنكم في ملكه وسلطانه {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} أي ولا ينفعكم تذكيري إياكم ونصحي لكم {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي إن أراد الله إضلالكم وهو جواب لما تقدم والمعنى ماذا ينفع نصحي لكم إن أراد الله شقاوتكم وإضلالكم؟ {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي هو خالقكم والمتصرف في شئونكم، وإليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم على أعمالكم {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي أيقول كفار قريش اختلق محمد هذا القرآن من عند نفسه {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي قل لهم يا محمد إن كنت قد افتريت هذا القرآن فعليَّ وزري وذنبي، ولا تؤاخذون أنتم بجريرتي {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} أي وأنا بريءٌ من إجرامكم بكفركم وتكذيبكم، والآية اعتراضٌ بين قصة نوح للإِشارة إلى أن موقف مشركي مكة كموقف المشركين من قوم نوح في العناد والتكذيب {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} أي أوحى الله إلى نوحٍ أنه لن يتبعك ويصدِّق برسالتك إلا من قد آمن من قبل {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي فلا تحزن بسبب كفرهم وتكذيبهم لك فإني مهلكهم {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي اصنع السفينة تحت نظرنا وبحفظنا ورعايتنا {وَوَحْيِنَا} أي وتعليمنا لك قال مجاهد: أي كما نأمرك {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي لا تشفع فيهم فإني مهلكهم لا محالة {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي هالكون غرقاً بالطوفان {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ لاستحضارها في الذهن أي صنع نوحٌ السفينة كما علّمه ربُّه {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} أي كلما مرَّ عليه جماعة من كبراء قومه هزءوا منه وضحكوا وقالوا: يا نوحُ كنتَ بالأمس نبياً، وأصبحتَ اليوم نجاراً!! {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} أي إن تهزءوا منا اليوم {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} أي فإنّا سنسخر منكم في المستقبل عندما تغرقون مثل سخريتكم منا الآن، فأنتم أولى بالسخرية والاستهزاء {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وعيدٌ وتهديد أي سوف تعلمون عاقبة التكذيب والاستهزاء {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي عذابٌ يُذلُّه ويهينه وهو الغرق {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي وينزل عليه عذاب دائم لا ينقطع وهو عذاب جهنم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} أي جاء أمرنا الموعود بالطوفان {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} أي فار الماء من التنور الذي يوقد به النار قال العلماء: جعل الله ذلك علامة لنوح وموعداً لهلاك قومه، وقال ابن عباس: التنور وجهُ الأرض قال الطبري: والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، قيل له: إذا رأيتَ الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك في السفينة وقال ابن كثير: التنور وجه الأرض أي صارت الأرض عيوناً تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماءً، وهذا قول جمهور السلف والخلف {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي احمل في السفينة من كل صنفٍ من المخلوقات اثنين: ذكراً، وأنثى {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} أي واحمل قرابتك أيضاً أولادك ونساءك إلا من حكم الله بهلاكه، والمراد به ابنهُ الكافر "كنعان" وامرأته "واعلة" {وَمَنْ آمَنَ} أي واحمل معك من آمن من أتباعك {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي وما آمن بنوح إلا نزرٌ يسير مع طول إقامته بينهم وهي مدة تسعمائة وخمسين سنة، قال ابن عباس: كانوا ثمانين نفساً منهم نساؤهم، وعن كعب: كانوا اثنين وسبعين نفساً، وقيل: كانوا عشرة {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} أي وقال نوح لمن آمن به اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريُها على وجه الماء، وباسم الله يكون رسوُّها واستقرارها قال الطبري: المعنى بسم الله حين تجري وحين تُرسي، أي حين تسير وحين تقف {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي ساتر لذنوب التائبين، رحيمٌ بالمؤمنين حيث نجاهم من الغرق {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} أي والسفينة تسير بهم وسط الأمواج، التي هي كالجبل في العِظَم والارتفاع، بإذن الله وعنايته ولطفه قال الصاوي: رُوي أن الله أرسل المطر أربعين يوماً وليلة، وخرج الماء من الأرض ينابيع كما قال تعالى {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}تفسير : [القمر: 11-12] وارتفع الماء على أعلى جبل أربعين ذراعاً حتى أغرق كل شيء {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي ونادى نوحٌ ولده "كنعان" قبيل سير السفينة وكان في ناحيةٍ منها لم يركب مع المؤمنين {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} أي اركب معنا ولا تهلكْ نفسك بالغرق {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} أي فتغرق كما يغرقون {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} أي سأصعد إلى رأس جبل أتحصن به من الغرق، ظناً منه أن الماء لا يصل إلى رءوس الجبال {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} أي قال له أبوه نوح: لا معصوم اليوم من عذاب الله ولا ناجي من عقابه إلا من رحمه الله {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} أي حال بين نوحٍ وولده موجُ البحر فغرق {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} أي انشقي وابتلعي ما على وجهك من الماء {وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} أي أمسكي عن المطر {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي ذهب في أغوار الأرض قال مجاهد: نقص الماء {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي تمَّ أمر الله بإغراق من غرق، ونجاة من نجا {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} أي استقرت السفينة على جبل الجودي بقرب الموصل {وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً وخساراً لمن كفر بالله وهي جملة دعائية قال الألوسي: ولا يخفى ما في الآية من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، بل على عموم هلاك أهل الأرض ما عدا أهل السفينة، ويدل عليه ما رُوي أن الغرقَ أصاب امرأة معها صبيٌّ لها فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبها، فلما بلغها الماء رفعته بيديها، فلو رحم الله أحداً من أهل الأرض لرحمها {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي} أي نادى نوح ربَّه متضرعاً إليه فقال: ربِّ إن ابني "كنعان" من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أي وعدك حقٌ لا خُلْف فيه {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} أي وأنت يا ألله أعدل الحاكمين بالحق {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي قال له ربه: يا نوحُ إنَّ ولدك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر ولا ولاية بين المؤمن والكافر {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} إي إنَّ عمله سيءٌ غير صالح {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم أصوابٌ هو أم غير صواب؟ {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي إني أنبهك وأنصحك خشية أن تكون من الجاهلين قال في التسهيل: وليس في ذلك وصفٌ له بالجهل، بل فيه ملاطفةٌ وإكرام {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي قال نوح معتذراً إلى ربه عمّا صدر عنه: ربّ إني أستجير بك من أن أسألك أمراً لا يليق بي سؤاله {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي وإلا تغفر لي زلتي، وتتداركني برحمتك، أكنْ ممن خسر آخرته وسعادته {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} أي اهبط من السفينة بسلامة وأمن {وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} أي وخيراتٍ عظيمة عليك وعلى ذرية من معك من أهل السفينة، قال القرطبي: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} أي وأمم أخرى من ذرية من معك نمتعهم متاع الحياة الدنيا وهم الكفرة المجرمون {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ثم نذيقهم في الآخرة العذاب الأليم وهو عذاب جهنم {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي هذه القصة وأشباهها من أخبار الغيوب السالفة التي لم تشهدها {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} أي نعلمك بها يا محمد بواسطة الوحي {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} أي لم يكن عندك ولا عند أحدٍ من قومك علمٌ بها من قبل هذا القرآن {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} أي فاصبر على أمر الله بتبليغ الدعوة كما صبر نوح، فإن العاقبة المحمودة لمن اتقى الله، وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم على أذى المشركين. البَلاَغَة: 1- {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} شبّه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه، بمن سلك مفازةً لا يعرف طرقها ومسالكها، واتبع دليلاً أعمى فيها على سبيل الاستعارة التمثيلية. 2- {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} الاستفهام للإِنكار والتقريع. 3- {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} الأمر يراد به التهكم والاستهزاء. 4- {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} مجاز بالحذف أي عقوبة إجرامي وجاء بـ {إِنِ} الدالة على الشك لبيان أنه على سبيل الفرض {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} بخلاف إجرامهم فإنه محقّق {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ}. 5- {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} الأعين كناية عن الرعاية والحفظ يقال للمسافر "صحبتك عين الله" أي رعاية الله وحفظه. 6- {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} بين الأرض والسماء طباقٌ، وبين ابلعي وأقعلي جناسٌ ناقص، وكلاهما من المحسنات البديعية. فَائِدَة: قال ابن عباس في قوله تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} كان ابنه من صلبه، ولكنه لم يكن مؤمناً، وما بغت امرأة نبيٍّ قط ومعنى الآية: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. أقول: نبهت الآية على أن أهله هم الصلحاء، أهل دينه وشريعته، فمن لا صلاح له لا نجاة له، ومدار الأهلية القرابة الدينية، لا القرابة البدنية. شعر : أبي الإِسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم تفسير : لطيفَة: روي أن أعرابياً سمع هذه الآية {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي...} الآية فقال: هذا كلام القادرين لا يشبه كلام المخلوقين، ويروى أن "ابن المقفع" - وكان أفصح أهل زمانه - رام أن يعارض القرآن فنظم كلاماً، وجعله مفصلاً، وسمّاه سوراً، فمرَّ يوماً بصبي فسمعه يقرأ الآية فرجع إلى بيته ومحا ما كان قد بدأ به، وقال: أشهد أن هذا لا يُعارض أبداً، وما هو من كلام البشر. تنبيه: هذه الآية بلغت من أسرار الإِعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها، وجمعت من المحاسن اللفظية والمعنوية ما يضيق عنه نطاق البيان، وقد اهتم بإظهار لطائفها وأسرارها العلاّمة أبو حيان حيث قال رحمه الله وطيَّب ثراه: في هذه الآية أحدٌ وعشرون نوعاً من البديع: المناسبةُ في قوله {أَقْلِعِي} و {ٱبْلَعِي} والمطابقةُ بذكر الأرض والسماء، والمجازُ في {يٰسَمَآءُ} المراد مطر السماء، والاستعارةُ في {أَقْلِعِي} والإِشارة في {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} فإنها إشارة إلى معانٍ كثيرة، والتمثيلُ في {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} عبّر بالأمر عن إهلاك الهالكين ونجاة الناجين، والإِرداف في {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} فلفظ واستوت كلام تامٌ أردفه بلفظ {عَلَى ٱلْجُودِيِّ} قصداً للمبالغة في التمكن بهذا المكان، والتعليلُ في {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} فإنه علة للاستواء، والاحتراسُ في {بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} وهو أيضاً ذم لهم، والإِيجاز وهو ذكر القصة باللفظ القصير مستوعباً للمعاني الجمَّة، وعدَّد بقية الوجوه وهي: الإِيضاحُ، والمساواة، وحسنُ النَّسق، وصحة التقسيم، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والتسهيم، والمقابلة، والتهذيب، والوصف. "مقتطفات من تفسير سيد قطب في ظلال القرآن" وننقل هنا فقراتٍ من تفسير شهيد الإِسلام "سيد قطب" عليه الرحمة والرضوان حيث قال ما نصه: "وعند هذا المقطع من قصة نوح يلتفت السياقُ لفتةً عجيبة، إلى استقبال مشركي قريش لمثل هذه القصة التي تشبه أن تكون قصَّتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ودعواهم أن محمداً يفتري هذا القصص {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} فالافتراء إجرام وعليَّ تبعته، وأنا أعرف أنه إجرام فمستبعدٌ أن أرتكبه، وهذا الاعتراضُ لا يخالف سياق القصة في القرآن لأنها إنما جاءت لتأدية غرضٍ معيَّن، ثم يمضي السياقُ في قصة نوح يعرض مشهداً ثانياً، مشهد نوح يتلقى وحي ربه وأمره {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي برعايتنا وتعليمنا {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} فقد تقرر مصيرهم، وانتهى الإِنذار، وانتهى الجدل. والمشهد الثالث من مشاهد القصة: مشهدُ نوح يصنع الفلك {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} والتعبير بالمضارع هو الذي يعطي المشهد حيويته وجدَّته، فنحن نراه ماثلاً لخيالنا من وراء هذا التعبير، وقومه المتكبرون يمرون به فيسخرون، يسخرون من الرجل الذي كان يقول لهم إنه رسول ثم إذا هو ينقلب نجاراً يصنع مركباً، والمشهد الرابع: مشهد التعبئة عندما حلت اللحظة المرتقبة {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ..} ثم يأتي المشهد الهائل المرهوب: مشهد الطوفان {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ... وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} إن الهول هنا هولان: هولٌ في الطبيعة الصامتة، وهولٌ في النفس البشرية يلتقيان. وإننا بعد آلاف السنين لنمسك أنفسنا - ونحن نتابع السياق - والهولُ يأخذنا كأننا نشهد المشهد، {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} ونوحٌ الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء، وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعةٍ خاطفة راجفة {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} وينتهي كل شيء، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب، وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن. وتهدأ العاصفة، ويخيّم السكون، ويقضى الأمر، ويوجه الخطاب إلى الأرض والسماء بصيغة العاقل، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل، فتبلع الأرض وتكف السماء {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من عدم تذكر الإنسان وتوغله في الغفلة والنسيان {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} الناجي عما سوى الحق، المنجي للهالكين في تيه الضلال {إِلَىٰ قَوْمِهِ} حين ظهر عليهم أمارات الكفر والعصيان، ولاح فيهم علامات الظلم والطغيان قائلاً لهم على وجه العظة والنصيحة: {إِنَّي} من غاية إشفاقي وعطفي {لَكُمْ نَذِيرٌ} أنذركم من طول العذاب ونزول غضبه بسبب ظلمكم وكفركم {مُّبِينٌ} [هود: 25] مظهر مبين لكم ما يوجب تعذيبكم من أفعالكم وأعمالكم الدالة على كفركم وشرككم. فعليكم أيها المسرفون المفرطون {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ} ولا تتوجهوا {إِلاَّ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد، الذي لا شريك له ولا شيء سواه، ولا تشركوا به غيره {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} لو أشركتم بالله وكفرتم به {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] مؤلم مفزع، كأن ألم العذاب يسري في زمانه لفظاعته وشدته. ثم لما سمعوا قوله وفهموا مراده استكبروا عليه واستبعدوا أمره {فَقَالَ ٱلْمَلأُ} أي: الأشراف {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} مستكبرين عليه مستهزئين له: {مَا نَرَاكَ} يا نوح {إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} كيف تدعي الرسالة والنيابة عن الله والوحي من جانبه {وَ} مع ذلك لا شوكة ولا استيلاء لك ولا قوة بسبب المكر والأعوان والأنصار حتى تدعي الرئاسة علينا؛ إذ {مَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ} منا {إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: أدنانا وأسافلنا عقلاً وجاهاً وسعة ومالاً {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} يظهر رذالتهم للناظرين في أو الفكر والنظر بلا احتياج إلى تعميق وتدبر {وَ} بالجملة: {مَا نَرَىٰ لَكُمْ} أيها السفلة والأرذال تابعاً ومتبوعاً {عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} زيادة في العقل والمال والجاه والرئاسة حتى نتبعكم ونقبل قولكم {بَلْ نَظُنُّكُمْ} ونعتقدكم {كَاذِبِينَ} [هود: 27] في دعواكم، مفترين فيه، طالبين الرئاسة بسببه بلا إظهار معجزة وبينة واضحة. {قَالَ} نوح متحسراً آيساً منهم، قنوطاً عن إيمانهم بعدما سمع منهم ما سمع: {يٰقَوْمِ} أضافهم إلى نفسه بعد يأسه على مقتضى شفقة النبوة {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني {إِن كُنتُ} جئت لكم {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} واضحةٍ دالة على صدقي في دعواي نازلةٍ {مِّن رَّبِّيۤ} لتأييدي وتصديقي {وَ} مع ذلك {آتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} تفضلاً وامتناناً، مشعرة بنجاتتي وطهارتي وصدقي في قولي تذكيري {فَعُمِّيَتْ} أي: خفيت واشتبهت {عَلَيْكُمْ} الدلائل والشواهد مع وضوحها وسطوعها {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} بها {وَ} الحال أنه {أَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28] منكرون غير ملتفتين إليها، ولا متأملين فيها وفي إشاراتها ورموزها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن قوم عموا وصموا بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} [هود: 25] أي: نوح الروح، {إِلَىٰ قَوْمِهِ} [هود: 25] وهم القلب والنفس والبدن، {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [هود: 25] أي: منذر بالحقيقة، {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} [هود: 26] أي: لا تعبدوا الدنيا وشهواتها والآخرة ودرجاتها، فإن عبادة الله مهما كانت معلومة بشيء من الدنيا والآخرة فإنه عبد ذلك الشيء لا الله على الحقيقة، {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] وهو يوم القيطعة عن الله، وعذاب الفرقة شديد، وألم البعد عظيم، {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} [هود: 27] وهم القلب والنفس والهوى والطبيعة البشرية. {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود: 27] أي: مخلوقاً محتاجاً مثلنا، وفيه إشارة أخرى وهي النفس سفلية وطبعها سفلي ونظرها سفلي، والروح علوي ولها طبع علوي، فالروح العلوي من خصائصه دعوة غيره إلى عالمه؛ لأنه بنظره العلوي يرى شرف العلويات وعزتها، ويرى السفليات وخستها وذلتها، فمن طبعه العلوي يدعو السفلي إلى العلويات، والنفس السفلي بنظرها السفلي لا ترى العلويات ولا تميل بطبعها السفلية إلى العلويات؛ بل تميل إلى السفليات وترى بنظرها السفلي كل شيء سفليّاً فتدعو غيرها إلى عالمها، فمن هاهنا ترى الروح العلوي بنظر المثلية، فكذلك صاحب هذه النفس يرى صاحب الروح العلوي بنظر المثلية فيقول: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا} [هود: 27] لهذا ينظرون إلى الأنبياء ولا ترضيهم النبوة؛ بل يرونهم بنظر الكذب والسحر والجنون، ويرون أتباع الأنبياء بنظر الحقارة كما قالوا: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]. فأمَّا الأراذل من أتباع الروح والبدن وجوارحه الظاهرة، فإن الغالب على الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح، ويستعمل الجوارح بالأعمال الشرعية؛ ولكن النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يستعمل بالأعمال الشريعة الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق. قال: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ} [هود: 28] برهان من شواهد الحق؛ {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} [هود: 28] موهبة مواهب الحق ونوراً يهتدي به، {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} [هود: 28] وهي أن النفس بمعزل من رؤية الحق وآياته ومواهبه وشواهده، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} [هود: 28] أي: أنلزمكم رؤيتها، {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28] وهي أن النفس كارهة لطلب المقامات العلية والأحوال السنية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } . إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال. { أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ } أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. { مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا } وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب، الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر، أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة. { وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة، بزعمهم. وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟. وقولهم: { بَادِيَ الرَّأْيِ } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب، يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية، التي تحتاج إلى تأمل، وفكر طويل. { وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، { بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه. ولهذا { قَالَ } لهم نوح مجاوبا { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله، عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، فحسبك بهذا القول، شهادة له وتصديقا. { وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } أي: أوحى إلي وأرسلني، ومنَّ علي بالهداية، { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم. { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي: أنكرهكم على ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟ { وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } حتى حرصتم على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم وافتراؤكم علينا، صادا لنا عما كنا عليه. وإنما غايته أن يكون صادا لكم أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم، على ما أمر الله، ولا إلزامكم، ما نفرتم عنه، ولهذا قال: { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ }. { وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي: على دعوتي إياكم { مَا لا } فستستثقلون المغرم. { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ } وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء، فقال لهم: { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } أي: ما ينبغي لي، ولا يليق بي ذلك، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام، والإعزاز والإعظام { إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم. { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } حيث تأمرونني، بطرد أولياء الله، وإبعادهم عني. وحيث رددتم الحق، لأنهم أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل. { وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ } أي: من يمنعني من عذابه، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال، الذي لا يمنعه من دون الله مانع. { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } ما هو الأنفع لكم والأصلح، وتدبرون الأمور. { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } أي: غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم، وأنذركم، وأما ما عدا ذلك، فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي، أدبرها أنا، وأعطي من أشاء، وأحرم من أشاء، { وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } فأخبركم بسرائركم وبواطنكم { وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة سوى المنزلة، التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس، بظني. { وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ } أي: ضعفاء المؤمنين، الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا { لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ } فإن كانوا صادقين في إيمانهم، فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك، فحسابهم على الله. { إِنِّي إِذًا } أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم { لَمِنَ الظَّالِمِينَ } وهذا تأييس منه، عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين، أو يمقتهم، وتقنيع لقومه، بالطرق المقنعة للمنصف. فلما رأوه، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ولم يدركوا منه مطلوبهم { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة، لنبيهم الناصح. فهلا قالوا إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا، وأشفقت علينا، ودعوتنا إلى أمر، لم يتبين لنا، فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، وإلا فأنت مشكور في نصحك. لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر خفي عليه، ولكنهم في قولهم، كاذبون، وعلى نبيهم متجرئون. ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة. ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم - إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله: { إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ } أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته، أن ينزله بكم، فعل ذلك. { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء. { وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } أي: إن إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم، لردكم الحق، فلو حرصت غاية مجهودي، ونصحت لكم أتم النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا، { هُوَ رَبُّكُمْ } يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم بأعمالكم. { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح، كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن المعنى: أن قومه يقولون: افترى على الله كذبا، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله، وأن الله أمره أن يقول: { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ } أي: كل عليه وزره {أية : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }. تفسير : ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون هذه الآية معترضة، في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان التام فقال: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } أي: هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله. فإذا زعموا - مع هذا - أنه افتراه، علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال، الإعراض عنهم، ولهذا قال: { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } أي: ذنبي وكذبي، { وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ } أي: فلم تستلجون في تكذيبي. وقوله: { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ } أي: قد قسوا، { فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } أي: فلا تحزن، ولا تبال بهم، وبأفعالهم، فإن الله قد مقتهم، وأحق عليهم عذابه الذي لا يرد. { وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } أي: بحفظنا، ومرأى منا، وعلى مرضاتنا، { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: لا تراجعني في إهلاكهم، { إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } أي: قد حق عليهم القول، ونفذ فيهم القدر. فامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ } ورأوا ما يصنع { سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا } الآن { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } نحن أم أنتم. وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب. { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم { وَفَارَ التَّنُّورُ } أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر. { قُلْنَا } لنوح: { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها { وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق. { وَمَنْ آمَنَ } { و } الحال أنه { مَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ }. { وَقَالَ } نوح لمن أمره الله أن يحملهم: { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره. { إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين. ثم وصف جريانها كأنا نشاهدها فقال: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ } أي: بنوح، ومن ركب معه { فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ } والله حافظها وحافظ أهلها { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ } لما ركب، ليركب معه { وَكَانَ } ابنه { فِي مَعْزِلٍ } عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعدا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: { يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ } فيصيبك ما يصيبهم. فـ { قَالَ } ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة. { سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } أي: سأرتقي جبلا أمتنع به من الماء، فـ { قَالَ } نوح: { لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ } فلا يعصم أحدا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله. { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ } الابن { مِنَ الْمُغْرَقِينَ } . فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ } الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك { وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي } فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، { وَقُضِيَ الأمْرُ } بهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين. { وَاسْتَوَتْ } السفينة { عَلَى الْجُودِيِّ } أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل. { وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا، وسحقا لا يزال معهم. { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ } أي: وقد قلت لي: فـ { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ } ولن تخلف ما وعدتني به. لعله عليه الصلاة والسلام، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوض الأمر لحكمة الله البالغة. فـ { قَالَ } الله له: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } الذين وعدتك بإنجائهم { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } أي: هذا الدعاء الذي دعوت به، لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله. { فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي: ما لا تعلم عاقبته،ومآله، وهل يكون خيرا، أو غير خير. { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } أي: أني أعظك وعظا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين. فحينئذ ندم نوح، عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و { قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ }. فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحا، عليه السلام، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: { وَأَهْلَكَ }. وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم. { قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها. { وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ } في الدنيا { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: هذا الإنجاء، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك، أحللنا به العقاب، وإن متعوا قليلا فسيؤخذون بعد ذلك. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة، التي لا يعلمها إلا من منَّ عليه برسالته. { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } فيقولوا: إنه كان يعلمها. فاحمد الله، واشكره، واصبر على ما أنت عليه، من الدين القويم، والصراط المستقيم، والدعوة إلى الله { إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):