١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات. فالشبهة الأولى: أنه بشر مثلهم، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين. والشبهة الثانية: كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة، قالوا ولو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء { أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 111]. والشبهة الثالثة: قوله تعالى: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } والمعنى: لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات، فهذا خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات. واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر الأنبياء، وفي لفظ الآية مسائل: المسألة الأولى: الملأ الأشراف وفي اشتقاقه وجوه: الأول: أنه مأخوذ من قولهم مليء بكذا إذا كان مطيقاً له وقد ملؤا بالأمر، والسبب في إطلاق هذا اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات وأحسنوا في تدبيرها. الثاني: أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه. الثالث: وصفوا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة. الرابع: وصفوا به لأنهم ملؤوا العقول الراجحة والآراء الصائبة. ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى، وهي قولهم: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا: { أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام: 8] وهذا جهل، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة، لا بالصورة والخلقة، بل نقول: إن الله تعالى لو بعث إلى البشر ملكاً لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى البشر رسولاً إلا من البشر. ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم هذا أيضاً جهل، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية، بل الفقر أهون على الدين من الغنى، بل نقول: الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعناً في النبوة والرسالة. ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } وهذا أيضاً جهل، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون هذا خطاباً مع نوح ومع قومه، والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة. والثاني: أن يكون هذا خطاباً مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه. المسألة الثانية: قال الواحدي: الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل. والأراذل جمع الأرذل، كقولهم أكابر مجرميها، وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أحاسنكم أخلاقاً » تفسير : فعلى هذا الأراذل جمع الجمع، وقال بعضهم: الأصل فيه أن يقال: هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا: هو الأرذل فصارت الألف واللام عوضاً عن الإضافة وقوله: {بَادِىَ ٱلرَّأْى } البادي هو الظاهر من قولك: بدا الشيء إذا ظهر، ومنه يقال: بادية لظهورها وبروزها للناظر، واختلفوا في بادي الرأي وذكروا فيه وجوهاً: الأول: اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، والثاني: يجوز أن يكون المراد اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في ذلك الرأي وما أعطوه حقه من الفكر الصائب والتدبر الوافي. الثالث: أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة قالوا: كونهم كذلك بادي الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم، والرأي على هذا المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه كان يقرأ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ }. المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي {بادىء} بالهمزة والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ {بادىء} بالهمزة فالمعنى أول الرأي وابتداؤه ومن قرأ بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و {بَادِىَ } نصب على المصدر كقولك: ضربت أول الضرب.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ} قال أبو إسحق الزجاج: الملأ الرؤساء؛ أي هم مليئون بما يقولون. وقد تقدّم هذا في «البقرة» وغيرها. {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً} أي آدميًّا. {مِّثْلَنَا} نصب على الحال. و {مثلنا} مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر فيه التنوين؛ كما قال الشاعر:شعر : يا رُبَّ مِثْـلِكِ فـي النِّسـاءِ غَرِيـرَةٍ تفسير : الثانية: قوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أَرَاذل جمع أَرْذُل وأَرْذُل جمع رَذْل؛ مثل كَلْب وأكْلُب وأَكَالب. وقيل: والأراذل جمع الأَرْذل، كأَسَاود جمع الأَسْوَد من الحيّات. والرَّذْل النّذْل؛ أرادوا ٱتبعك أخِسّاؤنا وسَقَطُنا وسفلتنا. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحِياكة؛ ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم، والخسيسو الصناعات. وفي الحديث: «حديث : إنهم كانوا حاكَة وحَجَّامين». تفسير : وكان هذا جهلاً منهم؛ لأنهم عابوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسَلون إلى الناس جميعاً، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم. قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء؛ كما قال هِرَقْل لأبي سفيان: أشراف الناس ٱتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم؛ فقال: هم أتباع الرسل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأَنَفة من الانقياد للغير؛ والفقير خلِيٌّ عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا. الثالثة: اختلف العلماء في تعيين السّفلة على أقوال؛ فذكر ٱبن المبارك عن سفيان أن السّفلة هم الذين يَتَقلَّسون، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السّفِلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم؛ قيل له: فمن سفلة السّفلة؟ قال: الذي يُصلح دنيا غيره بفساد دينه. وسئل علي رضي الله عنه عن السّفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غَلَبوا؛ وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقيل لمالك بن أنس رضي الله عنه: مَن السّفلة؟ قال: الذي يسبّ الصحابة. وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنهما: الأرذلون الحاكَة والحجّامون. يحيـى بن أَكْثَم: الدّبّاغ والكنّاس إذا كان من غير العرب. الرابعة: إذا قالت المرأة لزوجها: يا سَفِلة، فقال: إن كنتُ منهم فأنتِ طالق؛ فحكى النقاش أن رجلاً جاء إلى التّرمذي فقال: إن ٱمرأتي قالت لي يا سَفِلة، فقلت: إن كنتُ سَفِلة فأنت طالق؛ قال التّرمذيّ: ما صناعتك؟ قال: سماك؛ قال: سَفِلة واللَّهِ، سَفلة والله (سفلة). قلت: وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان لا تطلق، وكذلك على قول مالك، وابن الأعرابي لا يلزمه شيء. قوله تعالى: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ}. أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. يقال: بدا يبدو إذا ظهر؛ كما قال:شعر : فاليـوم حيـن بَـدَوْن للنُّظـار تفسير : ويقال للبرّية بادية لظهورها. وبدا لي أن أفعل كذا، أي ظهر لي رأي غير الأول. وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكون {بَادِيَ الرَّأْيِ} من بدأ يبدأ وحذف الهمزة. وحَقَّق أبو عمرو الهمزة فقرأ: «بَادِىء الرأي» أي أوّل الرأي؛ أي ٱتبعوك حين ٱبتدؤوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك؛ ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وتَرك الهمز. وانتصب على حذف «في» كما قال عز وجل: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ}. تفسير : [الأعراف: 155] {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي في ٱتباعه؛ وهذا جحد منهم لنبوّته صلى الله عليه وسلم. {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} الخطاب لنوح ومن آمن معه.
البيضاوي
تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة. {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أخساؤنا جمع أرذل فإنه بالغلبة صار مثل الاسم كالأكبر، أو أرذل جمع رذل. {بَادِيَ ٱلرَّأْي} ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو، أو أول الرأي من البدء، والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها. وقرأ أبو عمرو بالهمزة وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي: وقت حدوث بادي الرأي، والعامل فيه {ٱتَّبَعَكَ }. وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم والمحروم منها أرذل. {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ} لك ولمتبعيك. {عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة. {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ} إياي في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك فغلب المخاطب على الغائبين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } وهم الأشراف {مَا نَرَٰكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا } ولا فضل لك علينا {وَمَا نَرَٱكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } أسافلنا كالحاكة والأساكفة {بَادِىَ ٱلرَّأْى } بالهمز وتركه: أي ابتداء من غير تفكّر فيك ونصبه على الظرف: أي وقت حدوث أوّل رأيهم {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } تستحقون به الاتباع منا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ } في دعوى الرسالة أدرجوا قومه معه في الخطاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَرَاذِلُنَا} جمع أََرْذُل، وأَرْذُل جمع رَذْل وهو الحقير يعنون الفقراء وأصحاب الصنائع الدنيئة. {بَادِىَ الرَّأْىِ} ظاهره، أي إنك تعمل بأول الرأي من غير فكر، أو إنما في نفسك من الرأي ظاهر تعجيزاً له، أو اتبعوك بأول الرأي ولو فكروا لرجعوا عن اتباعك.
الخازن
تفسير : {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} يعني الأشراف والرؤساء من قوم نوح {ما نراك} يا نوح {إلا بشراً مثلنا} يعني آدمياً مثلنا لا فضل لك علينا لأن التفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع اشتهاره إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة على جميع العالم وإنما قالوا هذه المقالة وتمسكوا بهذه الشبهة جهلاً منهم لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدعوة إلى الله تعالى بإقامة الدليل والبرهان على ذلك ويظهر المعجزة الدالة على صدقه ولا يأتي ذلك إلا من آحاد البشر وهو من اختصه الله بكرامته وشرفه بنبوته وأرسله إلى عباده ثم قال سبحانه وتعالى إخباراً عن قوم نوح {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} يعني سفلتنا والرذل الدون من كل شيء قيل هم الحاكة والأساكفة وأصحاب الصنائع الخسيسة وإنما قالوا ذلك جهلاً منهم أيضاً لأن الرفعة في الذين ومتابعة الرسول لا تكون بالشرف ولا بالمال والمناصب العالية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ولا يضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين {بادي الرأي} يعني أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير تثبت وتفكر في أمرك، ولو تفكروا ما اتبعوك. وقيل: معناه ظاهر الرأي، يعني أنهم اتبعوك من غير أن تفكروا باطناً {وما نرى لكم علينا من فضل} يعني بالمال والشرف والجاه وهذا القول أيضاً جهل منهم لأن الفضيلة المعتبرة عند الله بالإيمان والطاعة لا بالشرف والرياسة {بل نظنكم كاذبين} قيل الخطاب لنوح ومن آمن معه من قومه وقيل هو لنوح وحده فعلى هذا يكون الخطاب بلفظ الجمع للواحد على سبيل التعظيم {قال} يعني نوحاً {يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} يعني على بيان ويقين من ربي بالذي أنذرتكم به {وآتاني رحمة من عنده} يعني هدياً ومعرفة ونبوة {فعميت عليكم} يعني خفيت وألبست عليكم {أنلزمكموها} الهاء عائدة إلى الرحمة والمعنى أنلزمكم أيها القوم قبول الرحمة يعني أنا لا نقدر أن نلزمكم ذلك من عند أنفسنا {وأنتم لها كارهون} وهذا استفهام معناه الإنكار أي لا أقدر على ذلك والذي أقدر عليه أن أدعوكم إلى الله وليس لي أن أضطركم إلى ذلك قال قتادة والله لو استطاع نبي صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك {ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً} يعني لا أسألكم ولا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلاً {إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا} وذلك أنهم طلبوا من نوح أن يطرد الذين آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال ما يجوز لي ذلك لأنهم يعتقدون {إنهم ملاقو ربهم} فلا أطردهم {ولكني أراكم قوماً تجهلون} يعني عظمة الله ووحدانيته وربوبيته وقيل معناه إنكم تجهلون أن هؤلاء المؤمنين خير منكم {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم} يعني من يمنعني من عذاب الله إن طردتهم عني لأنهم مؤمنون مخلصون {أفلا تذكرون} يعني فتتعظون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} [الآية: 27]. قال أبو الفرج: لم يشهد مخالفو الأنبياء والرسل منهم إلا هياكل البشرية، وعموا عن درك حقائقهم فى ميادين الربوبية واختصاصهم بما خصوا به من فناء حظوظهم فيهم وبقاء أشباحهم وهياكلهم رحمة للخلق. فقالوا: ما نراك إلا بشرًا مثلنا: أكلا وطعمًا وشربًا، ولو لاحظوا مقامهم من الحق وقربهم منه لأخرستهم مشاهدتهم عن مثل هذا الخطاب؛ لأنهم فى مشاهد القدس.
القشيري
تفسير : أنكروا صحة كوْنهِ نبيَّا لمشاكلته إياهم في الصورة، ولم يعلموا أن المباينة بالسريرة لا بالصورة. ثم قال: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ}: نظروا إلى أتباعه نَظْرَةَ استصغارٍ، ونَسَبُوهم إلى قِلَّةِ التحصيل... وما استصغر أحدٌ أحداً من حيث رؤية الفضل عليه إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عليه، وأذاقه ذُلَّ صَغَارِه، فبالمعاني يحصل الامتيازُ لا بالمباني: شعر : ترى الرجلَ النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور فإن أَكُ في شِراركم قليلاً فإني في خِياركم كثير
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}هذا عادة السفلة واهل الجهل والغباوة الذين قاسوا بارائهم الفاسدة حال الانبياء والصديقين ولو شاهدوا ذرة من حالهم لماتوا حسرة من شوقها لكن سبقت لهم الشقاء الازلى بحجبهم عن جمال احوالهم وانوار اسرارهم وبقوا بظنونهم المختلفة وقياساتهم الفاسدة فى الاشكال والهياكل واحتجبوا عن رؤية الارواح وطيرانها فى الملكوت والجبروت وتكبروا على اولياء الله من قلة معرفتهم بنفوسهم ومن قلة ادراكهم حقائق القوم قال ابن الفرحى لم يشهد مخالف الانبياء والرسل منهم الا الهياكل البشرية وعموا عن درك حقائقهم فى ميادين الربوبية واختصاصهم بما خصوا به من فناء حظوظهم فيهم وبقاء اشباحهم وهياكلهم رحمة للخلق فقالوا ما نراك الا بشرا مثلنا اكلا وطعما وشربا ولو لاحظوا مقامهم من الحق وقربهم منه لاخرسهم مشاهدتهم عن مثل هذا الجواب لانهم فى مشاهد القدس.
اسماعيل حقي
تفسير : {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} اى الاشراف منهم الذين ملأوا القلوب هيبة والمجالس ابهة ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من اول الامر لا لان بعض اشرافهم ليسوا بكفرة {وما نراك الا بشرا مثلنا} لا مزية لك علينا نخصك من دوننا بالنبوة ووجوب الطاعة ولو كان كذلك لرأيناه فالرؤية بصرية والا بشرا حال من المفعول ويجوز ان تكون قلبية وهو الظاهر فالا بشرا مفعول ثان وتعلق الرأى بالمثلية لا بالبشرية فقط. قال الكاشفى [ايشان هياكل بشر ديدند وازدرك حقائق اشيا غافل ماندند]: مثنوى شعر : همسرى باانبيا بر داشتند اوليارا همجو خود بنداشتند كفت اينك ما بشر ايشان بشر ماوايشان بسته خوابيم وخور اين ندانستند ايشان ازعمى هست فرقى درميان بى منتهى هردوكون ونبور خوردند از محل ليك شد زان نيش وزاين ديكر عسل هر دوكون آهوكيا خوردند وآب زاين يكى سركين شد وزان مشكناب هر دو نى خوردند از يك آبخور اين يكى خالى وآن براز شكر تفسير : والاشارة ان النفس سفلية وطبعها سفلى ونظرها سفلى والروح علوى وله طبع علوى ونظر علوى فالروح العلوى من خصائصه دعوة غيره الى عالمه لانه بنظره العلوى يرى شرف العبادات وعزتها ويرى السفليات وخستها وذلتها فمن طبعه العلوى يدعو السفلى الى العلويات والنفس السفلية بنظرها السفلى لا ترى العلويات ولا تميل بطبعها السفلى الى العلويات بل تميل الى السفليات وترى بنظرها السفلى كل شيء سفليا فتدعو غيرها الى عالمها فمن هنا ترى الروح العلوى بنظر المثلية فكذلك صاحب هذه النفس يرى صاحب هذه الروح العلوى بنظر المثلية فيقول ما نراك الا بشرا مثلنا فلهذا ينظرون الى الانبياء ولا يرونهم بنظر النبوة بل يرونهم بنظر الكذب والسحر والجنون ويرون اتباع الانبياء بنظر الحقارة كما قالوا {وما نراك اتبعك} الرؤية ان كانت بصرية يكون اتبعك حالا من المفعول بتقدير قد وان كالت قلبية يكون مفعولا ثانيا {الا الذين هم اراذلنا بادى الرأى} اخساؤنا وادانينا كالحاكة والاساكفة واهل الصنائع الخسيسة ولو كنت صادقا لاتبعك الاكياس والاشراف من الناس. فالاراذل جمع اسم تفضيل اى ارذل كقوله "اكابر مجرميها واحاسنكم اخلاقا" جمع اكبر واحسن فان قلت يلزم الاشتراك اذا بين الاشراف وبينهم فى ماخذ الاشتقاق الذى هو الرذالة. قلت هو للزيادة المطلقة والاضافة للتوضيح فلا يلزم ما ذكرت وانتصاب بادى الرأى على الظرفية على حذف المضاف اى اتبعك وقت حدوث بادى الرأى وظاهره او فى اول الوهلة من غير تعمق وتدقيق تفكر من البدو او من البدء والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها وانما استرذلوهم مع كونهم اولى الالباب الراجحة لفقرهم وكان الاشراف عندهم من له جاه ومال كما ترى اكثر زمانك يعتقدون ذلك ويبنون عليه اكرامهم واهانتهم شعر : فلك بمردم نادان دهد زمام مراد تواهل فضلى ودانش همين كناهت بس تفسير : وما اعجب شان اهل الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر ولا اتباعه وقد رضوا للالهية بحجر وعبادته. قال فى التأويلات النجمية اما الاراذل من اتباع الروح البدن وجوارحه الظاهرة فان الغالب على الحق ان البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالاعمال الشرعية ولكن النفس الامارة بالسوء تكون على كفرها ولا تخلى البدن يستعمل بالاعمال الشرعية الدينية الا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لاكثر الخلق {وما نرى لكم} اى لك ولمتسبيك فغلب المخاطب على الغائبين {علينا من فضل} من زيادة شرف فى الملك والمال تؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة واتباعهم لك لا يدل على نبوتك ولا نجد بكم فضيلة تستبع اتباعنا لكم. قال فى الكواشى وما نرى لكم علينا من فضل لانكم بشر تأكلون وتشربون مثلنا {بل نظنكم كاذبين {جميعا لكون كلامكم واحدا ودعوا كم واحدة
الطوسي
تفسير : قرأ أبو عمرو {بادئ الرأي} بالهمز في بادي. الباقون بلا همز. قال ابو علي: حدثنا محمد بن السدّي أن اللحياني قال: يقال: أنت بادي الرأي تريد ظلمنا لا يهمز (بادي) وبادئ الرأي مهموز. فمن لم يهمز أراد أنت أول الرأي ومبتدؤه وهما في القرآن. وقال أبو علي: من قال (بادي الرأي) بلا همز جعله من بدو الشيء وهو ظهوره، وما اتبعك إلا أراذل فيما ظهر لهم من الرأي اي لم يفعلوه بنظر فيه ولا بتبين له. ومن همز أراد اتبعوك في أول الامر من غير فكر فيه ولا روية، والقراءتان متقاربتان، لأن الهمز في اللام منها ابتداء الشيء وأوله وابتداء الشيء يكون ظهوراً، وان كان الشيء الظاهر قد يكون مبتدأ وغير مبتدأ، فلذلك يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر يقولون: انا بادي بدا وبادئ بدء، فاني أحمد الله. أخبر الله تعالى في هذه الآية عن جماعة الرؤساء من قوم نوح الذين كفروا وجحدوا نبوته أنهم قالوا له {ما نراك إلا بشراً مثلنا} والبشر مأخوذ من ظهور البشرة، لأن الغالب على الحيوان غير الانسان أن يلبس البشرة منه بالصوف أو الشعر أو الريش أو الصدف. والانسان مأخوذ من النسيان، لأنهم يصغرونه إنيسيان ويجوز أن يكون من الأنسان الا أنهم زادوا الياء في التصغير. والمثل ما سد مسد غيره في الجنس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهد لسد مسده كما يسد الاسود مسد الاسود في الجنس من غير فضل. وقوله {ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} حكاية أيضاً عما قاله قوم نوح من أنه ما نرى من اتبعك الا أنه رذل خسيس حقير من جماعتنا تقول: رذل وجمعه أرذل، وجمع الجمع أراذل مثل كلب وأكلب وأكالب والعامل في {الذين} قوله {اتبعك} كأنه قال ما اتبعك الا الذين هم أراذلنا ونراك ملغى، ذكره الفراء. قال ابو علي النحوي: هو نصب على الحال، والعامل فيه {اتبعك} وأخر الظرف وأوقع بعد {إلا} ولو كان غيره لم يجز، لأن الظرف اتسع فيه في مواضع. ومعنى {بادئ الرأي} أول الرأي ما نراهم. والرأي والرؤية من قوله {أية : يرونهم مثليهم رأي العين} تفسير : وهو نصب على المصدر كقولك ضربته أول الضرب. وقال الزجاج: نصبه بـ {اتبعوك أول الرأي} من غير فكر كأنه قيل اتبعوك رأياً غير سديد، ومن قرأ بادي الرأي بلا همز اراد ظاهر الرأي قال الشاعر: شعر : وقد علتني ذرأة بادي بدي وريثة تنهض في تشددي تفسير : وقال آخر: شعر : اضحى لخالي شبهي بادي بدي وصار للفحل لساني ويدي تفسير : وقوله {وما نرى لكم علينا من فضل} تمام الحكاية عن كفار قوم نوح وانهم قالوا لنوح: إنا لا نرى لك ولا مثالك علينا زيادة خير، لأن الفضل هو زيادة الخير، وانما قالوا ذلك، لأنهم جهلوا في طريقة الاستدلال. وقوله {بل نظنكم كاذبين} ايضاً تمام الحكاية عن كفار قومه أنهم قالوا له ولمن آمن معه هذا القول.
الجنابذي
تفسير : {فَقَالَ} اى فقال نوح لهم ما ارسلناه به فقال {ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} يعنى انّ المطاعيّة تقتضى ان يكون المطاع افضل من المطيع والفضيلة امّا اضافيّة بالاضافة الى من ادّعى الانتساب اليه او نفسيّة بكونه فى نفسه افضل من المطيع وكلاهما منتف عنك، امّا الاوّل فلكونك بشراً مثلنا والبشر لا يكون مناسباً للخالق الّذى ادّعيت الانتساب اليه لكونك مادّياً سفليّاً محدوداً متحيّزاً وكون الخالق بخلاف ذلك ولو فرض وجود بشرٍ على خلاف ذلك فلست انت ذلك لكونك مثلنا، وامّا الثّانى فلكون اتباعك اراذل النّاس وبين التّابع والمتبوع يكون مناسبة فانت ارذل النّاس {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} من بدا يبدو بمعنى ظهر او من بدء بمعنى ابتدء وهو منصوب على الظّرفيّة بتقدير مضاف اى وقت بادى الرأى والاتّباع وقت اوّل الرّأى او ظاهر الرّأى من غير تعمّقٍ دليل على الارذليّة {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} يعنى لا فضل سوى ما ذكر ولو فرض فضل سوى ما ذكر لم تكن انت له باهلٍ لانّا لا نرى لكم علينا شيئاً من الفضل، اشركوا اتباعه معه فى نفى مطلق الفضل ليكون كالدّليل على نفى مطلق الفضل عنه لانّه ان كان للمتبوع فضل يسر ذلك الفضل الى التّابع وان خفى فى بعضٍ ظهر فى بعض آخر، ويجوز ان يكون قوله وما نرى لكم كالنّتيجة للاوليين يعنى ان لم يكن لك فضل نفسىّ ولا اضافىّ فلا فضل لكم علينا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} فى دعوى الرّسالة وتصديقهم ايّاك ولمّا لم يكن مقدّماتهم يقينيّة بل كلّها كانت ظنّيّة خطابيّة صرّحوا بظنّهم اخيراً، ولكن قياسهم يشبه ان يكون من القياسات الشّعريّة المركّبة من المقدّمات الوهميّة المموّهة حيث انكروا الرّسالة بقصر النّظر فى الرّسول على بشريّته وانّها تنافى الرّسالة عن الخالق ولم ينظروا الى روحانيّته وانّها مناسبة للخالق وانّ الرّسول بوجهه الرّوحانىّ يأخذ من الله وبوجهه البشرىّ يبلّغ الى خلقه، وانّه لو لم يكن ذا بشريّةٍ لا يمكنه التّبليغ الى البشر، وانكروا فضل الاتباع ايضاً بقصر النّظر على بشريّتهم وجهة دنياهم ولم ينظروا الى روحانيّتهم المناسبة لروحانيّة الرّسول المناسبة للارواح المجرّدة ولو ادركوا روحانيّتهم، وان لا روحانيّة لانفسهم لعلموا انّ لاتباع النّبىّ (ص) فضلاً كثيراً جدّاً عليهم.
الأعقم
تفسير : {فقال الملأ الذين كفروا من قومه}، قيل: هم الأشراف والرؤساء {ما نراك إلاَّ بشراً مثلنا} يعني قالوا لنوح أنه بشر مثلهم ظنَّاً منهم أن الرسول يكون من جنس آخر، ولم يعلموا أن البعثة من الجنس أصلح {وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا} أهل الخرق الخسيسة الذي لا مال لهم ولا جاه، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم {بادي الرأي} أي أول الرأي أو ظاهره بمعنى اتبعك أول الرأي أو ظاهره {قال} نوح {يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها} فعيمت أي خفيت، وقيل: المراد عموا عنها، أنلزمكموها يعني الرحمة فيدخل فيه الإِسلام والدين وسائر النعم، وقيل: لا ألزمكم، وقيل: كيف ألزمكم {وأنتم لها كارهون}، وقيل: معناه على الدعاء واثبات الدلالة وليس عليَّ أن اضطركم والجئكم {ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً} أي على الرسالة والابلاغ مالاً {إن أجري إلاَّ على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا} أي لا أبعدهم وإن كانوا من الأرذال عندكم بل أكرمهم {إنهم ملاقو ربهم} أي ملاقو جزاء ربهم {ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} إنما أنا عبد مؤمن من المؤمنين مأمور لا أدَّعي ما ليس لي {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} فلا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم {لن يؤتيهم الله خيراً} في الدنيا والآخرة {قالوا يا نوح قد جادلتنا} خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} زدت على المقدار {فأتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت من الصادقين} {قال إنما يأتيكم به الله إن شاء} انه يعذبكم إن شاء عجل وإن شاء أخَّر {وما أنتم بمعجزين} ممتنعين ولا ينفعكم نصحي، قوله تعالى: {إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي يعاقبكم ويعذبكم بسوء عملكم وكفركم ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم ما دمتم على ما أنتم عليه إلاَّ أن تتوبوا وهذا قول أبي علي وأبي مسلم، وقيل: معناه إن كان الله يريد أن يهلككم فليس ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم وإن قبلتموه وآمنتم لأن حكم الله تعالى لا يقبل الايمان عند نزول العذاب روى ذلك الحاكم، وروي في الكشاف قال: إذا عرف الله من الكافر الاصرار خلاَّه وشأنه {أم يقولون} يعني الكفار {افتراه} يعني افتراء نوح الكذب فيما يقول عن ابن عباس، وقيل: يعنون محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) افتراء فيما يقصُّه علينا من نبأ نوح وغيره يعني فعله من نفسه {قل} يا محمد {إن افتريته} من نفسي {فعلي إجرامي} أي عذاب جرمي ولا تؤاخذون {وأنا بريء مما تجرمون} أي لا أؤاخذ بجرمكم {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلاَّ من قد آمن} الآية أي لا تغتم بأمرهم وبفعلهم فالفرج قريب، وذلك لما أراد الله سبحانه هلاك قوم نوح (عليه السلام) أمره باتخاذ السفينة فكان يعملها في البرية فكانوا يتضاحكون ويقولون: يا نوح صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً.
الهواري
تفسير : { فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتِّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: سفلتنا { بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: فيما ظهر لنا {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي: في الدين { بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} يعنون نوحاً ومن آمن معه. { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} أي: بيان من ربي { وَءَاتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} يعني بالرحمة النبوةّ {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أن تبصروها بقلوبكم وتقبلوها. { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}. وقد علم الله أنه على بيّنة من ربّه، وهذا استفهام على معرفة. {وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما أدعوكم إليه من الهدى { مَالاً} فإنما يحملكم على ترك الهدى المالُ الذي أسألكموه. { إِنْ أَجْرِيَ} أي: ثوابي {إِلاَّ عَلَى اللهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} فيحاسبهم بأعمالهم. وقد قال الله في آية أخرى: (أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) تفسير : [الشعراء:113]. { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}. { وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ} أي: من عذاب الله، فيمنعني من الله حتى لا يعذبني {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}. وقال أهل الحرم من مشركي العرب للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن أردت أن نجالسك فاطرد عنا فلاناً وفلاناً، فقال الله: (أية : وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) تفسير : [الأنعام:52] وقال في آية أخرى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} إلى غيرهم (أية : تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا) تفسير : [الكهف:28].
اطفيش
تفسير : {فَقالَ الملأ} الأشراف، مِن ملئ بكذا بمعنى أطاقه، وهم ملئوا بالأمر وتدبيره وكفايته، أو على، أى استند وظاهر، فإنهم يتظاهرون ويتساندون، أو سموا بذلك لأنهم يملئون القلوب، أو لامتلائهم بالأحلام والآراء الصائبة. {الَّذين كَفَرُوا مِنْ قَومِه ما نَراكَ إلا بشَراً مثْلَنا} لا مزية لك علينا تخص بها من بيننا بالنبوة ووجوب الطاعة لك، وذلك تعام منهم عن معجزاته، وعدم اعتداد بها، لأنهم إنما يعتدون بأمر الدنيا، أو إشارة إلى أن الرسول إنما يكون مَلَكاً لا بشراً مثلنا، أو تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه، لأنهم ذووا مال ودنيا. {وما نَراكَ اتَّبعكَ إلاَّ الَّذينَ هُم أراذِلُنا} أخساؤنا وسفلتنا، كالحاكة والأساكفة، اعتقادا منهم أن الأشرف من له مال وجاه، لم يدروا أن الازدياد فى الدنيا يبعد عن الله، ويضع ولا يرفع، فلذلك كان غالب الأنبياء وأتباعهم فقراء، ليكون حالهم مرغبا فى الآخرة، ومن هذا فى الدنيا، بل غالب من يتبعهم حين يبدوا أمرهم، وهو من يكون عند الناس مستقلا، والمفرد أرذل بفتح الذال، ويجوز كونه جمع أرذل بضمها الذى هو جمع رذل بإسكانها، وعلى هذا هو جمع الجمع. {بَادِىَ الرَّأىِ} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أى الرأى البادى، أو الإضافة للبيان، والنصب على الظرفية، ويتعلق بمحذوف، أى اتبعوك وقت حدوث بادى الرأى، فظرفيته إنما هى بالنيابة، وهو اسم فاعل بدا بألف لا بالهمزة يبدوا بالواو كدعا يدعو بمعنى ظهر، أى اتبعوك قبل أن يتوصلوا إلى الرأى الباطن السديد، ولو تأملوا لم يتبعوك فى الرأى الذى ظهر، ولعل لهم رأيا أخفوه فى تكذيبك، واسم فاعل بدأ يبدأ بالهمزة فيهما، لكن أبدلت فيه بالجواز إبدالها بعد كسرة ياء، أو على لغة من يقول بدا يبدا بألف فيهما بدلا من الهمزة، والمعنى اتبعوك أول الرأى، ولفظ أول تصح ظرفيته بلا تقدير ما يدل على الظرفية، وقدر بعضهم هنا أيضا وقت حدوث أول الرأى. وقرأ أبو عمرو باداء بالهمزة من بدأ يبدأ بالهمزة، وذكر غيرى أنه يتعلق باتبعك المذكور، أى وما نراك اتبعك فى بادى الرأى إلا الأراذل، وأما غيرهم فلم يتبعك فيه، بل تأمل وتحقق حتى ظهر أنك غير صادق، وأجاز بعضهم تعليقه بأراذل أو نرى. {ومَا نَرَى لكُم عَلينَا مِنْ فَضلٍ} تكونوا ما به أهلا لنبوة، واستحقاق المتابعة، والخطاب لنوح ومن اتبعه، فكأنهم قالوا: ليس نوح أهلا للنبوة، ولستم أهلا أن تكون فيكم، بأن يكون صاحبها منكم، فليس نوح أهلا لها لذاته، ولكونه فيكم، وغالب المخاطب وهو نوح على الغائبين وهم من اتبعه، وكذا فى قوله: {بَلْ نظنُّكم كَاذِبينَ} نظنك كاذِبا فى دعوى الرسالة، ونظنهم كاذبين فى دعوى صدقك، ويجوز كون الخطاب لنوح عليه السلام وحده، تعظيما له تبعا منهم، لعنهم الله، للمنصب الذى يذكره من نفسه، وهو منصب الرسالة، ولو كانوا مكذبين به ومتهاونين.
اطفيش
تفسير : {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفرُوا مِنْ قَوْمِهِ} الأَشراف الذين يملأُون العيون جمالا والقلوب جلالا والأَكف نوالا أَو بعض ذلك أَو يظن الجلال والنوال فيهم بالرؤْية أَو أَنهم مملوءُون بالآراءِ الصائِبة والأَحلام الراجحة وما لا يلزم ويتعدى أَو قادرون يقال ملأَ كذا أَى قدر عليه، أَو أَنهم متمالئُون أَى متعاونون أَو الجماعة مطلقاً {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا} لست ملكا فكيف تختص بالرسالة من الله ووجوب الطاعة لك علينا {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ} فى دينك {إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنَا} أَخساؤُنا بنحو نجس وحجامة وعمل الحدا، جمع أَرذل بفتح الهمزة والذال بمعنى أَخس وأَفعل يجمع على أَفاعل سواءٌ كان اسم تفضيل أَو اسماً غير صفة ولا يختص بالاسم فلا تهم قال الله تعالى أَكابر مجرميها، وقال صلى الله عليه وسلم حديث : أَحاسنكم أَخلاقاتفسير : أَو جمع أَرذل بفتح الهمزة وضم الذال جمع رذل بفتحها وإِسكان الذال فيكون أَراذل على هذا جمع الجمع، وكذا إِن قيل جمع أَرذال وأَرذل جمع رذل حذفت أَلف أرذال فى الجمع لم تقلب ياءً {بَادِىَ الرَّأْىِ} ظاهر الرأْى من إِضافة النعت إِلى المنعوت على حذف مضافين أَى تظهر خستهم بلا تأَمل وذلك مبالغة فى ذمهم، ونصب على الظرفية أَى وقت حدوث الرأْى البادى، أَو يقدر حدوث الرأْى البادى لأَن حدوث مصدر ينصب على الظرفية، وجاز نصبه على الظرفية مع أَنه اسم فاعل لا مصدر لأَنه مضاف للمصدر نحو جئْت بادى طلوع الشمس، وبادى الرأْى ما لم يتعمق فيه بالكفر وهو متعلق بأَراذل فيما قيل، وفيه أَنه لم تحدث رذالتهم وقت حدوث بادى الرأْى بل يتعلق باتبعك أَى ابتعوك فى ظاهر رأْيهم أَو فى أَوله بلا تأَمل أَو تعمق، أَو اتبعوك فى ظاهر رأْيهم أَو أَوله، وليسوا معك فى الباطن والحقيقة، أَو يتعلق بمحذوف حال من الكاف فى اتبعك أَن اتبعك حال كونك مكشوف الرأْى أَو بمحذوف نعتاً لبشرا أَو بنرى قولك ما قام إِلا زيد أَحد فى عمل ما قبل إِلا فيما بعدها مع أَنه غير مستثنى، أَو بنسبة الكلام أَى محكوما عليهم فى بادى الرأْى إِنهم أَراذلنا وياءُ بادى عن واو لأَنه اسم فاعل يبدل واو عن همزة من البدىءِ، كما قرأَ أَبو عمرو وعيسى الثقفى بالهمزة، والرأْى مصدر رأَى يرى والمادة فى المواضع الأَربعة من معنى العلم لا من معنى الإِبصار؛ لأَن ذلك مما لا يدرك بالعين نعم تدرك الوسائِط، فباعتبارها يجوز أَن تكون بصرية والوضع الرابع قوله {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} من نحو مال وملك وغيرهما تستحقون به التقدم علينا ووجوب اتباعكم، وعن ابن عباس خلق وخلق، وعن بعضهم كثرة مال وملك، وقيل الفضل التفضل لم تتفضلوا علينا فنتبعك يا نوح فى نبوتك ولو كنت مثلنا ونتبعكم على ما أَنتم عليه معشر أَتباعه ولو كنتم أَراذل، وقيل الخطاب للأَتباع والمعنى لم تتفضلوا علينا بشىءٍ، ولكم مفعول ثان وفضل أَو وعلينا حال من فضل أَو متعلق بلكم أَو بمتعلقه وإِن كان نرى بصريا ففضل مفعوله ولكم متعلق بنرى أَو بمحذوف حال من فضل أَو يفضل لأَنه ولو كان مصدراً لكن لا ينحل إِلى فعل وحرف مصدر فساغ تقدم معموله ولا سيما أَنه ظرف {بَلْ نَظُنَّكُمْ كَاذِبِينَ} فى دعوى الرسالة التى يدعيها نوح لنفسه وتدعونها له، وإِنما أَدرجوا القوم المؤمنين معه فى الخطاب بلكم ونظنكم لأَنه ومن آمن به كواحد لاتحاد دعواهم وتمسكهم بها كتمسك واحد وما يترتب عليها هم مشتركون فيه، والمراد فى الآية أَنك لا تثبت لك النبوة لأَنك بشر مثلنا ولا مزية تخصك بالنبوة من مال وجاه ولو كان كانت النبوة، لكنا أَحق بها لأَنا ذوو مال وجاه وأَتباع شرفاءَ، والخطاب تغليب على الغيبة، وقيل الخطاب لهم دون نوح عليه السلام، وعبروا بالظن تجوزا عن أَن ينسبهم نوح وأَتباعه إِلى المجازفة ومجاراة على طريق الإِنصاف كما لم يصرحوا أَولا بالتكذيب، بل أَعرضوا واحتجوا بثلاث شبه بما نراك إِلا بشراً وردها بقوله ولا أَقول لكم أَنى ملك وبما نراك اتبعك إِلخ وردها بقوله لا أَعلم الغيب وبما نرى إِلخ وردها بقوله ولا أَقول لكم عندى إِلخ وردهن إِجمالا بقوله: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّى} أَخبرونى إِن كنت على بينة من ربى والاستعلاءُ مجاز، كأَنه قيل متمكن على بينة كالتمكن على فرس أَو على بمعنى مع والبينة البرهان والحجة فى أَنه رسول من الله {وَآتَانِى رَحْمةً} نبوة فيما روى عن ابن عباس، وقيل الرحمة البينة بمعنى أَن البرهان بينة ونعمة عظيمة، وقيل البينة دليل العقل {مِنْ عِنْدِهِ فعُمِّيَتْ عَلَيْكمْ} أَى البينة وهى غير الرحمة، فإِن الرحمة النبوة والبينة الحجة على ثبوتها، وهذا أَولى من جعلها معاً بمعنى البرهان وإِفراد الضمير باعتبار أَن المراد واحد ولو اختلف المفهوم لأَن الأَصل فى العطف التغاير وأَولى من تقديم على بينة من ربى فعميت عليكم، لأَن الأَصل عدم الحذف وأَولى من رد الضمير إِلى رحمة، لأَن النبوة تثبت بالبرهان، فنسبة الخفاءِ إِليها أَولى من نسبته إِلى النبوة المعبر عنها بالرحمة، فإِن معنى عميت خفيت مجازاً لأَن العمى حقيقة فيمن له العين وذلك استعارة مفردة، شبه الخفاءَ بالعمى، أَو مركبة شبه عموم الاهتداءَ بالحجة لخفائِها بسلوك مفازة لا تعرف طرقها ولا يخالف هذا ظاهر الآية أَو مجاز مرسل لأن الخفاء لازم العمى {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أَنجعلها لاصقة بكم ونجعلكم مهتدين بالإِجبار عليها لا قدرة لنا على ذلك ولم يأْمرنا الله تعالى بذلك {وَأَنْتُمْ لَها كَارِهُونَ} نافرون عنها مبغون لها بحيث لا تلتفتون إِليها ولا تتأَملون فيها لا يتصور الإِلزام مع ذلك، والصادر عنه الحث الشديد على الإِيمان دون الإِكراه والمراد بالإِلزام ما مر لا القتل لأَنه لم يؤمر به ولا يقدر عليه، ولا الإِيجاب لأَن الإِيجاب واقع وها فى الموضعين للبينة أَو للرحمة، وتقدم قول أَنهما شىءٌ واحد، وقيل ها للنبوة على حذف مضاف أَى قبول نبوتى، وهو غير ظاهر، وضمير التكلم لنوح ومن آمن به أَو لنوح إِعظاماً لمقام النبوة أَو له ولملائِكة الوحى كأَنهم خاطبوا معه وهم جبريل وإِسرافيل أَو لنوح وجبريل: {وَيَاقَوْمِ} ناداهم لطفاً بهم واستجلاباً وتلييناً لشدتهم، وكذا أَعاد النداءَ بعد لذلك وللإِشارة إِلى ما بعد النداءِ علة مستقلة بوجه مخصوص ظاهر الدلالة على وجوب الامتناع من الطرد {لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أَى على التبليغ للرسالة لأَنه معلوم من المقام، وإِن لم يجر له ذكر، ودل عليه إِنى لكم نذير مبين إِلخ، أَو الضمير عائِد إلى إِنى لكم نذير مبين إِلخ، وقيل الضمير للإِنذار، وقيل للدعاءِ إِلى التوحيد والأَمر بالعبادة وحدها هو الأَصل المقصود من التبليغ وإِرسال الرسل {مَالاً} تأْجروننى به بعد إِيمانكم فيكون أَجراً لى كما أَشار إِلى ذلك بقوله {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللهِ} وهو الجنة، وفى التعبير بالأَجر تلويح بأَن المال لا يفى بأُجرتى ولو الدنيا كلها وأَكثر، وإِنما يفى بها أَجر الله لى بالجنة، وقد سأَلوه طرد الأَراذل وهم المؤمنون الفقراءُ، وليسوا أَراذل فنؤْمن بك نحن ونجالسك كما قال قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما ذكره الله عنه بقوله {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} فيخاصموننى على طردهم فلا أَجد حجة وأَنهم يلاقونه بالفوز للإِيمان فكيف أَطردهم عما به يفوزون وبه أَمرهم الله عز وجل، وهذا المراد للمقام وإِلا فكل أَحد يلقى ربه بالموت وقيل: المعنى لا أَطردهم لأَنهم مصدقون فى الدنيا بالله تعالى عالمون أَنهم ملاقوه، وهو خلاف الظاهر لاحتياجه إِلى التأْويل باعتقدوا أَنهم ملاقو ربهم، وقيل المعنى يلاقون الله فيجازيهم إِن صح إِيمانهم كما ظهر منهم أَو يطردهم إِن كان إِيمانهم الظاهر غير محقق فى قلوبهم، وهذا غير متبادر وهو مبنى على تفسير بادى الرأْى بالإِيمان بلا تأَمل وتعمق، أَو بالإِيمان منافقة ولا يأْباه ترتب غضب الله تعالى لأَنه يبنى فى الكلام على حسب ما يظهر له واسم الفاعل فى الموضعين للاستقبال، ومع ذلك أُضيف لأَن الأَصل أَن يضاف لمفعوله كما قال أَبو حيان أَلا ترى أَن عمله للإِلحاق بالمضارع لا بذاته، وأَلا ترى أَنه كثيراً ما يرد غير عامل مع وجود شرط العمل {وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} قدر المؤْمنين وعقاب طردهم فإِنهم أَولياءُ الله وخير منكم، أَو تجهلون لقاءَ ربكم بإِنكار البعث وهم يؤْمنون بالبعث ويأْملون الثواب الجزيل الدائِم أَو تجهلون فى التماس طردهم، أَو فى تسميتهم أَراذل وهم غير أَراذل فإِن أَتباع الرسل فى أَول أَمرهم الفقراءُ، ومن ليس مقدماً لعدم خوف من زوال جاه ورياسة لعدمهما وعدم حسد لأَن الأَكبر لا يناسبه المتضع بل يؤْمنون توفيقاً من الله إِلى حب الحق واختياره، وقد يؤْمن الإِنسان ليرتفع من خمول ثم يخلص لله، والجهل يطلق على السفه بقول أَو فعل وعلى عدم العلم فيجوز أَن يكون المعنى يسفهون عليهم. شعر : أَلا لا يجهلن أَحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين
الالوسي
تفسير : {فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي الأشراف منهم ـ وهو كما قال غير واحد ـ من قولهم: فلان مليء بكذا إذا كان قادراً عليه لأنهم ملئوا بكفاية الأمور وتدبيرها، أو لأنهم متمالئون أن متظاهرون متعاونون، أو لأنهم يملأون القلوب جلالا والعيون جمالاً والأكف نوالاً، أو لأنهم مملؤون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة على أنه من الملأ لازماً، ومتعدياً / ووصفهم بالكفر لذمهم والتسجيل عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن بعض أشرافهم ليسوا بكفرة. {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} أرادوا ما أنت إلا بشر مثلنا ليس فيك مزية تخصك من بيننا بالنبوة ولو كان ذلك لرأيناه لا أن ذلك محتمل لكن لا نراه، وكذا الحال في {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْي} فالفعلان من رؤية العين و{بشراً} و{ٱتَّبَعَكَ} حالان من المفعول بتقدير قد في الثاني أو بدونه على الخلاف؛ ويجوز أن يكونا من رؤية القلب وهو الظاهر فهما حينئذ المفعول الثاني، وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا البشرية فقط، ويفهم من «الكشاف» أن في الآية وجهين: الأول أنهم أرادوا التعريض بأنهم أحق بالنبوة كأنهم قالوا: هب أنك مثلنا في الفضيلة والمزية من كثرة المال والجاه فلم اختصصت بالنبوة من دوننا، والثاني أنهم أرادوا أنه ينبغي أن يكون ملكاً لا بشراً، وتعقب هذا بأن فيه اعتزالاً خفياً، وقد بينه العلامة الطيبـي، ونوزع في ذلك ففي «الكشف» أن قولهم {مّثْلُنَا} علية لتحقيق البشرية، وقولهم {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ} الخ استدلال بأنهم ضعفاء العقول لا تمييز لهم، فجوّزوا أن يكون الرسول بشراً وقولهم الآتي {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} تسجيل بأن دعوى النبوة باطلة ـ لإدخاله عليه السلام والأراذل في سلك على أسلوب يدل أنهم أنقص البشر فضلاً عن الارتقاء، وليسس في هذا الكلام اعتزال خفي ولا المقام عنه أبـى انتهى. وفي الانتصاف يجوز أن يكونوا قد أرادوا الوجهين جميعاً كأنهم قالوا: من حق الرسول أن يكون ملكاً لا بشراً وأنت بشر، وإن جاز أن يكون الرسول بشراً فنحن أحق منك بالرسالة، ويشهد لإرادتهم الأول قوله في الجواب {أية : وَلآ أَقُولُ إِنّي مَلَكٌ } تفسير : [هود: 31] ويشهد لأرادتهم الثانية {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ} الخ، والظاهر أن مقصودهم ليس إلا إثبات أنه عليه السلام مثلهم وليس فيه مزية يترتب عليها النبوة ووجوب الإطاعة والاتباع، ولعل قولهم {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ} الخ جواب عما يرد عليهم من أنه عليه السلام ليس مثلهم حيث اتبعه من وفق لاتباعه، فكأنهم قالوا: إنه لم يميزك اتباع من اتبعك فيوجب علينا اتباعك لأنه لم يتبعك إلا الذين هم أراذلنا أي أخساؤنا وأدانينا، وهو جمع أرذل والأغلب الأقيس في مثله إذا أريد جمعه أن يجمع جمع سلامة كالأخسرون جمع أخسر لكنه كسر هنا لأنه صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم، ولذا جعل في «القاموس» الرذل والأرذل بمعنى وهو الخسيس الدنيء، ومعنى جريانه مجرى الاسم أنه لا يكاد يذكر الموصوف معه كالأبطح والأبرق. وجوز أن يكون جمع أرذل جمع رذل فهو جمع الجمع ونظير ذلك أكالب وأكلب وكلب وكونه جمع رذل مخالف للقياس وإنما لم يقولوا: إلا أراذلنا مبالغة في استرذالهم وكأنهم إنما استرذلوهم لفقرهم لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأشرف عندهم الأكثر منها حظاً والأرذل من حرمها ولم يفقهوا أن الدنيا بحذافيرها لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة وأن النعيم إنما هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به والأرذل من حرمه، ومثل هؤلاء في الجهل كثير من أهل هذا الزمان عافانا الله سبحانه مما هم فيه من الخذلان والحرمان وكان القوم على ما في بعض الأخبار حاكة وأساكفة وحجامين. وأرادوا بقولهم {بَادِيَ ٱلرَّأْي} ظاهره وهو ما يكون من غير تعمق، والرأي من رؤية الفكر والتأمل، وقيل: من رؤية العين وليس بذاك. وجوز أن يكون البادي بمعنى الأول، وهو على الأول من البدو، وعلى الثاني من البدء، والياء مبدلة / من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد قرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي بها، وانتصابه على القراءتين على الظرفية ـ لاتبعك ـ على معنى اتبعوك في ظاهر رأيهم أو أوله ولم يتأملوا ولم يتثبتوا ولو فعلو ذلك لم يتبعوك وغرضهم من هذا المبالغة في عدم اعتبار ذلك الاتباع وجعل ذلك بعضهم علة الاسترذال وليس بشيء، وقيل: المعنى إنهم اتبعوك في أول رأيهم أو ظاهره وليسوا معك في الباطن. واستشكل هذا التعلق بأن ما قبل {إِلا} لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستنثى منه نحو ما قام إلا زيداً القوم أو مستثنى نحو جاء القوم إلا زيداً أو تابعاً للمستنثى منه نحو ما جاءني أحد إلا زيداً خير من عمرو، و {بَادِيَ ٱلرَّأْي} ليس واحداً من هذه الثلاثة في بادي الرأي؛ وأجيب بأنه يغافر ذلك في الظرف لأنه يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، واستشكل أمر الظرفية بأن فاعلاً ليس بظرف في الأصل. وقال مكي: إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفاً كما جاز في فعيل كقريب ومليء لإضافته إلى الرأي وهو كثيراً ما يضاف إلى المصدر الذي يجوز نصبه على الظرفية نحو جهد رأيـي أنك منطلق. وقال الزمخشري: وتابعه غيره ((إن الأصل وقت حدوث أول أمرهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه))، ولعل تقدير الوقت ليكون نائباً عن الظرف فينتصب على الظرفية، واعتبار الحدوث بناءاً على أن اسم الفاعل لا ينوب عن الظرف وينتصب والمصدر ينوب عنه كثيراً فأشاروا بذكره إلى أنه متضمن معنى الحدوث بمعنييه فلذا جاز فيه ذلك، وليس مرادهم أنه محذوف إذ لا داعي لذلك في المعنى على التفسيرين، وما ذكروه هنا من أن الصفات لا ينوب منها عن الظرف إلا فعيل من الفوائد الغريبة ـ كما قال الشهاب ـ لكن استدركه بالمنع لأن فاعلاً وقع ظرفاً كثيراً كفعيل، وذلك مثل خارج الدار وباطن الأمر وظاهره وغير ذلك مما هو كثير في كلامهم، وقيل: هو ظرف لنراك أي ما نراك في أول رأينا أو فيما يظهر منه، وقيل: لأراذلنا أي أنهم أراذل في أول النظر أو ظاهره لأن رذالتهم مكشوفة لا تحتاج إلى تأمل. وقيل: هو نعت لبشراً وقيل: منصوب على أنه حال من ضمير نوح في {ٱتَّبَعَكَ} أي وأنت مكشوف الرأي لا حصافة فيك، وقيل: انتصب على النداء لنوح عليه السلام أي يا بادي الرأي أي ما في نفسك من الرأي ظاهر لكل أحد، وقيل: هو مصدر على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة والعامل فيه ما تقدم على تقدير الظرفية. {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ} خطاب له عليه السلام ولمتبعيه جميعاً على سبيل التغليب أي وما نرى لك ولمتبعيك {عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي زيادة تؤهلكم لاتباعنا لكم، وعن ابن عباس تفسير ذلك بالزيادة في الخلق والخلق، وعن بعضهم تفسيره بكثرة الملك والملك، ولعل ما ذكرناه أولى، وكأنّ مرادهم نفي رأية فضل بعد الاتباع أي ما نرى فيك وفيهم بعد الاتباع فضيلة علينا لنتبع وإلا فهم قد نفوا أولاً أفضليته عليه السلام في قولهم {مَا نَرَاكَ} الخ وصرحوا بأن متبعيه ـ وحاشاهم ـ أراذل، وهو مستلزم لنفي رؤية فضل لهم عليهم، وقيل: إن هذا تأكيد لما فهم أولاً، وقيل: الخطاب لأتباعه عليه السلام فقط فيكون التفاتاً أي ما نرى لكم علينا شرف في تلك التبعية لنوافقكم فيها، وحمل الفضل على التفضل والإحسان في احتمالي الخطاب على أن يكون مراد الملأ من جوابهم له عليه السلام حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه أنا لانتبعك ولا نترك ما نحن عليه لقولك لأنك بشر مثلنا ليس فيك / ما يستدعي نبوتك وكونك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا بذلك وأتباعك أراذل اتبعوك من غير تأمل وتثبت فلا يدل اتباعهم على أن فيك ما يستدعي ذلك وخفي عنا، وأيضاً لست ذا تفضل علينا ليكون تفضلك داعياً لنا لموافقتك كيفما كنت ولا أتباعك ذوو تفضل علينا لنوافقهم وإن كانوا أراذل مراعاة لحق التفضل، فإن الإنسان قد يوافق الرذيل لتفضله ولا يبالي بكونه رذيلاً لذلك مما يدور في الخلد إلا أن في القلب منه شيئاً. {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ} جميعاً لكون كلامكم واحداً ودعوتكم واحدة أو إياك في دعوى النبوة وإياهم في تصديقك، قيل: واقتصروا على الظن احترازاً منهم عن نسبتهم إلى المجازفة كما أنهم عبروا بما عبروا أولاً لذلك مع التعريض من أول الأمر برأي المتبعين ومجاراة معه عليه السلام بطريق الإراءة على نهج الإنصاف.
ابن عاشور
تفسير : عطف قول المَلأ من قومه بالفاء على فعل {أية : أرسلنا}تفسير : [هود: 25] للإشارة إلى أنهم بادروه بالتكذيب والمجادلة الباطلة لمّا قال لهم: {أية : إني لكم نذيرٌ مبينٌ}تفسير : [هود: 25] إلى آخره. ولم تقع حكاية ابتداء محاورتهم إياه بـ(قال) مجرداً عن الفاء كما وقع في الأعراف لأن ابتداء محاورته إياهم هنا لم يقع بلفظ القول فلم يحك جوابهم بطريقة المحاورات بخلاف آية الأعراف. والملأ: سادة القوم. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مبين}تفسير : في سورة [الأعراف: 60]. جزموا بتكذيبه فقدموا لذلك مقدمات استخلصوا منها تكذيبه، وتلك مقدمات باطلة أقاموها على ما شاع بينهم من المغالطات الباطلة التي روجها الإلف والعادة فكانوا يعدون التفاضل بالسؤدد وهو شرف مصطلح عليه قوامه الشجاعة والكرم، وكانوا يجعلون أسباب السؤدد أسباباً مادية جسدية، فيسوّدون أصحاب الأجسام البَهْجة كأنهم خشب مسندة لأنهم ببساطة مداركهم العقلية يعظمون حسن الذوات، ويسوّدون أهل الغنى لأنهم يطمعون في نوالهم، ويسوّدون الأبطال لأنهم يُعدونهم لدفاع أعدائهم. ثم هم يعرفون أصحاب تلك الخلال إمّا بمخالطتهم وإما بمخالطة أتباعهم فإذا تسامعوا بسيّد قوم ولم يعرفوه تعرّفوا أتباعَه وأنصاره، فإن كانوا من الأشراف والسادة علموا أنهم ما اتّبعوه إلا لما رأوا فيه من موجبات السيادة؛ وهذه أسباب ملائمة لأحوال أهل الضلالة إذ لا عناية لهم بالجانب النفساني من الهيكل الإنساني. فلما دعاهم نوح ـ عليه السّلام ـ دعوةً علموا منها أنّه يقودهم إلى طاعته ففكروا وقدّروا فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح ـ عليه السلام ـ ومن الذين اتّبعوه فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم فجزموا بتكذيبه فيما ادّعاه من الرسالة بسيادة للأمة وقيادة لها. وهؤلاء لقصور عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق، فذهبوا يتطلّبون الكمال من أعراض تعرض للناس بالصدفة من سعة مال، أو قوة أتباع، أو عزة قبيلة. وتلك أشياء لا يطرد أثرها في جلب النفع العام ولا إشعار لها بكمال صاحبها إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولاً، والحيوان الأعجم مثل البقرة بما في ضرعها من لبن، والشاة بما على ظهرها من صوف، بل غالب حالها أنها بضد ذلك. وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن، أو زيادة خلقة لا أثر لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة، وتلك وإن كانت ملازمة لموصوفاتها لكنّها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات، فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمَها والطواويس، فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو. وهذه أشبه بأن تعدّ في أسباب الكمال ولكنها مكمّلات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين، وبدون ذلك تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيّئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطّاع الطريق والشّطّار، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين. وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل، فهما السبب المطّرد لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم، ولهما تكون القوى المنفّذة خادمة كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدّين، على أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلاّ إذا كان محفوفاً بالإرشاد الإلهي المعصوم، وهو مقام النبوءة والرسالة. فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لمّا قَصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا الأسباب من غير مكانها نظروا نوحاً - عليه السلام ـ وأتباعه فلم يروه من جنس غير البشر، وتأمّلوه وأتباعه فلم يروا في أجسامهم ما يميّزهم عن الناس وربّما كان في عموم الأمة من هم أجمل وجوهاً أو أطول أجساماً. من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا: {ما نراك إلاّ بشراً مثلنا} فأسندوا الاستدلال إلى الرؤية. والرؤية هنا رؤية العين لأنّهم جعلوا استدلالهم ضرورياً من المحسوس من أحوال الأجسام، أي ما نراك غير إنسان، وهو مماثل للنّاس لا يزيد عليهم جوارح أو قوائم زائدة. والبشَر ـ محركة ـ: الإنسان ذكراً أو أنثى، واحداً كان أو جمعاً. قال الراغب: «عبر عن الإنسان بالبشر اعتباراً بظهور بشرته وهي جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر» أي والريش. والبشر مرادف الإنسان فيطلق كما يطلق الإنسان على الواحد والأكثر، والمؤنث والمذكر. وقد يثنى كما في قوله تعالى: {أية : أنؤمن لبشرين مثلنا}تفسير : [المؤمنون: 47]. وقالوا: {وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا} فجعلوا أتباع الناس المعدودين في عادتهم أراذل محقورين دليلاً على أنه لا ميزة له على سادتهم الذين يلوذ بهم أشراف القوم وأقوياؤهم. فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ذاته وأتباعه، وذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه لأنهم يترفعون عن مخالطة أمثالهم وأنه لو أبعدهم عنه لاتبَعوه، ولذلك ورد بعده {أية : وما أنا بطارد الذين آمنوا}تفسير : [هود: 29] الآية. والأرذال: جمع أرذل المجعول اسماً غير صفة كذلك على القياس، أو جمع رذيل على خلاف القياس. والرذيل: المحتقر. وأرادوا أنهم من لفيف القوم غير سادة ولا أثرياء. وإضافة (أراذل) إلى ضمير جماعة المتكلمين لتعيين القبيلة، أي أراذل قومنا. وعبّر عنهم بالموصول والصّلة دون أن يقال: إلا أراذلنا لحكاية أن في كلام الذين كفروا إيماء إلى شهرة أتباع نوح ـ عليه السلام ـ بين قومهم بوصف الرذالة والحقارة، وكان أتباع نوح ـ عليه السلام ـ من ضعفاء القوم ولكنهم من أزكياء النفوس ممّن سبق لهم الهدى. و{بادي} قرأه الجمهور ـ بياء تحتية في آخره ـ على أنه مشتق من بدَا المقصور إذا ظهر، وألفهُ منقلبة عن الواو لما تحركت وانفتح ما قبلها، فلما صيغ منه وزن فاعل وقعت الواو متطرفة إثر كسرة فقلبت ياء. والمعنى فيما يبدو لهم من الرأي دون بحث عن خفاياه ودقائقه. وقرأه أبو عَمرو وحده ـ بهمزة في آخره ـ على أنه مشتق من البداء، وهو أول الشيء. والمعنى: فيما يقع أول الرأي، أي دون إعادة النظر لمعرفة الحق من التمويه، ومآل المعنيين واحد. والرأي: نظر العقل، مشتق من فعل رأى، كما استعمل رأى بمعنى ظن وعلم. يعنون أن هؤلاء قد غرتهم دعوتك فتسرعوا إلى متابعتك ولو أعادوا النظر والتأمل لعلموا أنك لا تستحق أن تتبع. وانتصاب {بادى الرأي} بالنيابة عن الظرف، أي في وقت الرأي دون بحث عن خفيّه، أو في الرأي الأول دون إعادة نظر. وإضافة {بادى} إلى {الرأي} من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومعنى كلامهم: لا يلبث أن يرجع إلى متبعيك رُشدُهم فيعيدوا التأمل في وقت آخر ويُكشف لهم خَطؤُهم. ولما وصفوا كل فريق من التابع والمتبوع بما ينفي سيادة المتبوع وتزكية التابع جَمَعوا الوصف الشامل لهما. وهو المقصود من الوصفين المفرقين. وذلك قولهم: {وما نَرى لكم علينا من فضل} فنفوا أن يكون لنوح ـ عليه السّلام ـ وأتباعه فضل على الذين لم يؤمنوا به حتى يكون نوح ـ عليه السلام ـ سيّداً لهم ويكون أتباعه مفضلين بسيادة متبوعهم. والفضل: الزيادة في الشرف والكمال، والمراد هنا آثاره وعلاماته لأنها التي تُرى، فجعلوا عدم ظهور فضل لهم عليهم دليلاً على انتفاء فضلهم، لأنّ الشيء الذي لا تخفى آثاره يصح أن يجعل انتفاء رؤيتِها دليلاً على انتفائها إذ لو ثبتت لرئَيت. وجملة {بل نظنّكم كاذبين} إبطال للمنفي كلّه الدال على صدقه في دعواه بإثبات ضد المنفي، وهو ظنهم إياهم كاذبين لأنّه إذا بطل الشيء ثبت ضدّه، فزعموا نوحاً ـ عليه السلام ـ كاذباً في دعوى الرسالة وأتباعه كاذبين في دعوى حصول اليقين بصدق نوح ـ عليه السّلام ـ، بل ذلك منهم اعتقاد باطل، وهذا الظن الذي زعموه مستند إلى الدليل المحسوس في اعتقادهم. واستعمل الظن هنا في العلم كقوله: {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}تفسير : [البقرة: 46] وهو إطلاق شائع في الكلام.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الملأ من قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك منا إلا الأسافل والأراذل. وذكر في سورة الشعراء، أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله {أية : قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 111]. وبين في هذه السورة الكريمة: أن نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ}تفسير : [هود: 29 - 30]. الآية. وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضاً بقوله: {أية : إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 113 - 114].
القطان
تفسير : الملأ: كبار القوم. اراذل: جمع ارذل، وهو الخسيس الدنيء. بادى الرأي: ظاهره قبل التامل في باطنه. ارأيتم: اخبروني. عميت: خَفِيتء انلزمكموها: انكرهكم عليها. تزدري: تستهزئ. اختار الله تعالى نوحاً من بين أولئك القوم لينذرَهم عذابَ الله، لأنهم تمادَوا في غيِّهم وضلالهم. وقد اجتمع كبراؤهم وأهلُ الثراء فيهم على تكذيبه واحتقاره هو ومن ابتعه، واستتعدوا ان يكونَ واحدٌ منهم - لا يمتاز عليهم بالغِنى والجاه - هو المختار لهدايتهم، وأَنِفوا ان يكونوا مثل الّذين اتّبعوا نوحاً من الضعفاء. وزعموا ان هؤلاء قد اتبعوه من غير رويّة ولا تكفير، "بادى الرأي" وطلبوا اليه ان يطرد أولئك الاراذل الفقراء!، فأبى نوح ذلك خوفا من الله تعالى، وبيّن لهم أنه لن يجد ناصر يدفع عنه عقاب الله اذا ما طردهم عن الهدى. كذلك أوضح لهم ان إنما جاءهم بالهداية، وليس رجلَ مال قد مكّنه الله من خزائنه وأطلعه على غَيْبه، وقال إنه يدع المُلك فيهم، وانما هو شخص اختاره الله تعالى لدعوتهم وتبليغهم أمره. أما اتباعه من المؤمنين الذين تزدريهم أعين الكبراء فإن أمْرَهم الى الله، هو أعلمُ بسرائرهم، لان ادراك الهداية الى الحقّ لا يكون بالمظهر الفاخر بل باطمئنان النفس وركونها الى الهدى مع اليقين التام والرضى به، ثم إنه لا يطلبُ منهم أجرا على دعوته، فأجرُه على الله وحده. قراءات: قرأ ابو عمرو: "بادئ الرأي" بالهمزة والباقون بدون همزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: "فعميت" بضم العين وتشديد الميم. والباقون "فعميت" بفتح العين وكسر الميم بدون تشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَرَاكَ} {كَاذِبِينَ} (27) - فَرَدَّ السَّادَةُ الكُبَرَاءُ (المَلأُ) عَلَيهِ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَهُ إِلاّ بَشَراً مِثْلَهُمْ، وَلَيْسَ مَلكاً مُنْزَّلاً مِنَ السَّمَاءِ، فَكَيْفَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ لِلرِّسَالَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ ثُمَّ إِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْهُ إِلاّ الأَرْاذِلُ الأَخِسَّاءُ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنَ الأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ لَمْ يَتَّبِعُوهُ عَنْ فِكْرٍ وَنَظَرٍ وَتَمْحِيصٍ، وَإِنَّمَا أَجَابُوهُ فَوْرَ دَعْوَتِهِ إِيَّاهُمْ (بَادِيَ الرَّأْيِ - أَيْ فِي أَوَّلِ بَادِيءٍ). وَقَالُوا لَهُ أَخيراً: إِنَّهُمْ لاَ يَرَوْنَ لِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلٍ وَلاَ مِيزَةٍ، فِي الخَلْقِ وَلاَ فِي الخُلُقِ، وَلاَ فِي الحَالِ وَلا فِي القُوَّةِ، وَلاَ فِي العِلْمِ لِيَتَّبِعُوهُ فِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّ نُوحاً كَاذِبٌ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ نُبُوَّةٍ، وَأَنَّ أَصْحَابَهُ كَاذِبُونَ فِيمَا يَدَّعُونَهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنَ البِرِّ وَالصَّلاَحِ وَالعِبَادَةِ. المَلأُ - السَّادَةُ وَالكُبَرَاءُ. بَادِيَ الرَّأْيِ - ظَاهِرَهُ دُونَ تَعَمُّقٍ وَلاَ تَثَبُّتٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والملأ - كما نعلم - هم وجوه القوم، وهم السادة الذين يملأون العيون مهابة، ويتصدرون أي مجلس. وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين نقول: "فلان يملأ العين". أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة، فلا جزء في العين يرى غيره. ويقال أيضاً: "فلان قَيْد النواظر" أي: أنه إذا ظهر تقيَّدت به كل النواظر، فلا تلتفت إلى سواه، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه. والمراد بذلك هو الحاشية المقربة، أو الدائرة الأولى التي حول المركز، فَحَوْل كل مركز هناك دوائر، والملأ هم الدائرة الأولى، ثم تليهم دائرة ثانية، ثم ثالثة وهكذا، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من مركز، فتتشتت الدوائر. وردَّ الذين يكوِّنون الملأ على سيدنا نوح قائلين: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ..} [هود: 27]. أي: أنه لا توجد لك ميزة تجعلك متفوقاً علينا، فما الذي سوَّدك علينا لتكون أنت الرسول؟ وقولهم هذا دليل غباء؛ لأن الرسول ما دام قد جاء من البشر، فسلوكه يكون أسوة، وقوله يصلح للاتباع، ولو كان الرسول من غيرِ البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا؛ لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ المَلاك أسوة لهم. ولذلك بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94]. وجاء الرد منه سبحانه بأن قُلْ لهم: {أية : .. لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 95]. إذن: فالرسول إنما يجيء مُبلِّغ منهج وأسوة سلوك، فإذا لم يكن من جنس البشر، فالأسوة لن تصلح، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط. ومثال ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان، يصول ويجول، ويأكل اللحم النَّيء المقدم له من الحارس، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟.. طبعاً لا، لكنك إن رأيت فارساً على جواد ومعه سيفه، فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله. وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس؛ ولذلك قلنا: إن الأسوة هي الدليل على إبطال من يدَّعي الألوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلام. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ..} [هود: 27]. والأراذل جمع "أرذل"، مثل قولنا: "أفاضل قوم"، وهي جمع "أفضل". والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس. ورذال المال أي: رديئه. ورذال كل شيء هو نفايته. ونرى في الريف أثناء مواسم جمع "القطن" عملية "فرز" القطن، يقوم بها صغار البنين والبنات، فيفصلون القطن النظيف، عن اللوز الذي لم يتفتح بالشكل المناسب؛ لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور، ولم تنضج النضج الصحيح. وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع "البلح"، فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب. إذن: فرذال كل شيء هو نفايته. وقد قال الملأ من الكفار من قوم نوح: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ..} [هود: 27]. أي: أنهم وصفوا من آمنوا بنوح عليه السلام بأنهم نفاية المجتمع. وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر: {أية : .. وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 111]. ولم يَنْفِ نوح عليه السلام ذلك؛ لأن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف، وهم ضحايا الإفساد؛ لأن القوي في المجتمع لا يقربه أحد؛ ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين، أما الضعاف فهم الذين يعانون من المفسدين؛ فما إن يظهر المُخلِّص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به. ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء، بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم. ولكن الغالب في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد، هؤلاء الذين يشعرون بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد، وما إن يظهر داعية إلى الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد، فيلتفُّون حوله ويتعاطفون معه، وإن كانوا غير عبيد، لكن محكومين بالغير، فهم يؤمنون علناً برجل الإصلاح، وإن كانوا عبيداً مملوكين للسادة؛ فهم يؤمنون خفية، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد والتعذيب. إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس؛ وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان. ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد؛ لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به، وتلتف قلوبهم حوله. أما المنتفعون بالفساد فيقولون: إن أتباعك هم أراذلنا. وكأن هذا القول طَعْن في الرسول، لكنهم أغبياء؛ لأن هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول؛ ليخلص هؤلاء الضعاف، ويجيء الرسول ليقود غضبة على فساد الأرض، ولينهي هذا الفساد. وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين بالفساد. لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد، هي أنه يريد أن يستمر ثائراً، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد، فلا يسلط السيف على الكل، ولا يفضِّل قوماً على قوم، ولا يدلل مَنْ طُغِي عليهم، ويظلم مَنْ طغوا. بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة؛ لتستقيم الأمور، وتذهب الأحقاد، ويعلم الناس كلهم أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها، فإذا أخذ من الظالم وأعطى المظلوم؛ فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه. ومن هنا يجيء الهدوء والاستقرار في المجتمع. إذن: فقد كان قول الكافرين من ملأ قوم نوح. {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ..} [هود: 27]. هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع، وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحاً عليه السلام. ويقول الحق سبحانه: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ..} [هود: 27]. والبادي هو الظاهر؛ ضد المستتر. وهناك قراءة أخرى هي {بَادِيءَ ٱلرَّأْيِ ..}. أي: بعد بدء الرأي. والآية هنا تقول: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ..} [هود: 27]. أي: ظاهر الأمر، فساعة ما يُلْقى إلى الإنسان أيُّ شيء فهو ينظر له نظرة سطحية، ثم يفكر بإمعان في هذا الشيء. وساعة يسمع الإنسان دعوى أو قضية، فعليه ألا يحكم عليها بظاهر الأمر، بل لا بد أن يبحث القضية أو الدعوى بتروٍّ وهدوء. وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: أنت بشر مثلنا، وقد اتبعك أراذلنا؛ لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية، ولو تعقَّبوا دعوتك وتأمَّلوها ونظروا في عواقبها بتدبُّر لما آمنوا بها. ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان؛ لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم؛ لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال، ولا بمقياس من يملك الجاه، ولا بمقياس من له سيادة، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب، الذي تعقَّل وتبصَّر، وباللسان الذي أعلن الإيمان؛ لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه. إذن: فهذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة، لا بالمقاييس الصحيحة. ولو امتنع هؤلاء الذين يُقال عنهم "أراذل" عن خدمة من يقال لهم "سادة" لذاق السادة الأمرَّين، فهم الذين يقدِّمون الخدمة، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة. ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة. ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة، وكل خدمات هؤلاء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه. وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثروة - ولو عن طريق الميراث - ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضاً، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدِّهم وإنتاجهم. إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة. وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثَّريِّ أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: إنهم أراذل. ولو أنهم تخلَّوا عن الثري أو صاحب الجاه، لما استطاع أن يكون سيداً. ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح: {.. وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]. وهم - بهذا القول - قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل، وأنكروا فضل هؤلاء الناس. ويُلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى الآفة التي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ..}تفسير : [الزخرف: 31-32]. إذن: فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة، وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى، لا، فليس المرفوع هو الغنى، بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه. وما دام مرفوعاً في مجال فهو سيخدم غيره فيه، وغيره سيخدمونه فيما رُفعوا فيه؛ لأن المسألة أساسها التكامل. لذلك لا يُديم الله سبحانه غِنَى أحدٍ أبد الدهر، بل جعل الدنيا دُوَلاً بين الناس. إذن: فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - معنى كلمة الفضل لما قالوها؛ لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن، في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضي وجود فاضل ومفضول. ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها؟ إنه بعض من المال أو الجاه، وكل مَنْ يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل؛ لأن سيادة الطاغية مبنية على عطائهم. فهم أصحاب الفضل، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري. إذن: فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة، ولذلك حين نرى مسيطراً يطغى، فنحن نقول له: تعقَّل الأمر؛ لأنك ما سيطرت إلا بأناس من الأراذل، فإظهار قوته تكون بمن يُجيدون تصويب السلاح، أو بمن تدربوا على إيذاء البشر، فهو يبني سيادته ببعض الأراذل، كوسائل لتحقيق سيطرته. وقول الكافرين من ملأ نوح - عليه السلام -: {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ ..} [هود: 27]. يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغِنَى، والجاه والمناصب، وهم قد أخطأوا الفهم. ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]. والظن هو الراجح، والمرجوح هو الوهم؛ وهذا يثبت أن في الإنسان فطرة تستيقظ في النفس كومضات، فالمتكبر يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته، فيعرف أن الحق حق، وأن الباطل باطل. وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا الملأ الكافر، قالوا: {.. بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27]. ولم يقولوا: "نعتقد أنكم كاذبون". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} معناهُ ظَاهِرُ الرَّأَيّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):