١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جواباً عن تلك الشبهات. فالشبهة الأولى: قولهم: {مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فقال نوح حصول المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه، فقال: {أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه، ثم إنه تعالى أتاني رحمة من عنده، والمراد بتلك الرحمة إما النبوة وإما المعجزة الدالة على النبوة {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم، فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم؟ والمراد أني لا أقدر على ذلك ألبتة، وعن قتادة: والله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه لم يقدر عليه، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا: { أية : وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } تفسير : [هود: 27] ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود، وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلاً عظيماً. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، بمعنى ألبست وشبهت والباقون بفتح العين مخففة الميم، أي التبست واشتبهت. واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولاً محضاً أشبه المعمي، لأن العلم نور البصيرة الباطنة والأبصار نور البصر الظاهر فحسن جعل كل واحد منها مجازاً عن الآخر وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار قال تعالى: { أية : فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً } تفسير : [النمل: 13] وكذلك توصف بالعمى، قال تعالى: { أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـاء } تفسير : [القصص: 66] وقال في هذه الآية: {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ }. المسألة الثالثة: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا } فيه ثلاث مضمرات: ضمير المتكلم وضمير الغائب وضمير المخاطب، وأجاز الفراء إسكان الميم الأولى، وروي ذلك عن أبي عمرو قال: وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضاً مرفوعة وقبلها كسرة والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة، قال الزجاج: جميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء، وروي عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها، وهذا هو الحق وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقول امرىء القيس: شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ} أي على يقين؛ قاله أبو عِمران الجُونيّ. وقيل: على معجزة؛ وقد تقدّم في «الأنعام» هذا المعنى. {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} أي نبوّة ورسالة؛ عن ٱبن عباس؛ وهي رحمة على الخلق. وقيل: الهداية إلى الله بالبراهين. وقيل: بالإيمان والإسلام. «فَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ» أي عمِيت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها. يقال: عَمِيتُ عن كذا، وعَمِي عليّ كذا أي لم أفهمه. والمعنى: فَعمِيت الرحمةُ؛ فقيل: هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تَعمَى إنما يُعمَى عنها؛ فهو كقولك: أدخلت في القَلَنْسُوة رأسي، ودخل الخفُّ في رجلي. وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي {فَعُمِّيَتْ} بضم العين وتشديد الميم على ما لم يُسمَّ فاعله؛ أي فعمّاها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أُبيّ «فعَمَّاها» ذكرها الماورديّ. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} قيل: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الهاء ترجع إلى الرحمة. وقيل: إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، وأُوجبها عليكم؟ٰ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يردّ عليهم. وحكى الكسائيّ والفرّاء «أَنُلْزِمْكُمُوهَا» بإسكان الميم الأولى تخفيفاً؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد:شعر : فاليومَ أَشربْ غيرَ مُستَحْقِبٍ إِثْماً مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ تفسير : وقال النحاس: ويجوز على قول يونس في غير القرآن أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول: أنلزمكم ذلك. {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها. قال قتادة: والله لو ٱستطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجراً أي {مَالاً} فيثقل عليكم. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ثوابي في تبليغ الرسالة. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدّم في «الأنعام» بيانه؛ فأجابهم بقوله: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإِعظام لهم بلقاء الله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم. {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} في ٱسترذالكم لهم، وسؤالكم طردهم. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ} قال الفرّاء: أي يمنعني من عذابه. {إِن طَرَدتُّهُمْ} أي لأجل إيمانهم. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أدغمت التاء في الذال. ويجوز حذفها فتقول: تَذَكَّرون. قوله تعالى: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أخبر بتذلّله وتواضعه لله عزّ وجلّ، وأنه لا يدّعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ. {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة. وقد قالت العلماء: الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، وٱتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم. والدّال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تَزْتَرِي، ولكن التّاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزّاي مجهورة والتّاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها. ويقال: أَزْرَيتُ عليه إذا عِبتَه. وزرَيتُ عليه إذا حقَّرته. وأنشد الفرّاء:شعر : يُباعدهُ الصديقُ وتَزْدَريهِ حَلِيلتُهُ ويَنْهَرُه الصَّغيرُ تفسير : {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إن قلت هذا الذي تقدّم ذكره. و «إِذًا» ملغاة؛ لأنها متوسطة.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ} أخبروني. {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّي} حجة شاهدة بصحة دعواي. {وَآتَانِي رَحمةً مِن عِندِه} بإيتاء البينة أو النبوة. {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ} فخفيت عليكم فلم تهدكم وتوحيد الضمير لأن البينة في نفسها هي الرحمة، أو لأن خفاءها يوجب خفاء النبوة، أو على تقدير فعميت بعد البينة وحذفها للاختصار أو لأنه لكل واحدة منهما. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {فَعُمّيَتْ } أي أخفيت. وقرىء «فعماها» على أن الفعل لله. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أنكرهكم على الاهتداء بها. {وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ} لا تختارونها ولا تتأملون فيها، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعاً وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الفصل والوصل.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما رد به نوح على قومه في ذلك: {أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّىۤ} أي: على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي: خفيت عليكم، فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي: نغصبكم بقبولها، وأنتم لها كارهون؟
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } بيان {مِّن رَّبِّى وَءَاتَٰنِى رَحْمَةً } نبوّة {مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ } خفيت {عَلَيْكُمْ } وفي قراءة بتشديد الميم والبناء للمفعول {أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أنجبركم على قبولها {وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ } لا نقدر على ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي} فيه وجهان: أحدهما: يعني على ثقة من ربي، قاله أبو عمران الجوني. الثاني: على حجة من ربي، قاله عليّ بن عيسى. {وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْدِهِ} فيها وجهان: أحدهما: الإيمان. والثاني: النبوة، قاله ابن عباس. {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} يعني البينة في قوله {إنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةِ مِن رَبِّي} وإنما قال {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} وهم الذين عموا عنها، لأنها خفيت عليهم بترك النظر فأعماهم الله عنها. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {فعميت عليكم} بضم العين وتشديد الميم، وفي قراءة أُبي {فعمّاها} وهي موافقة لقراءة من قرأ بالضم على ما لم يسم فاعله. وفي الذي عماها على هاتين القراءتين وجهان: أحدهما: أن الله تعالى عماها عليهم. الثاني: بوسوسة الشيطان. وما زينه لهم من الباطل حتى انصرفوا عن الحق. وإنما قصد نبي الله نوح بهذا القول لقومه أن يرد عيهم قولهم {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} ليظهر فضله عليهم بأنه على بينة من ربه وآتاه رحمة من عنده وهم قد سلبوا ذلك، فأي فضل أعظم منه. ثم قال تعالى: {أَنُلْزِمْكَمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فيها وجهان: أنلزمكم الرحمة، قاله مقاتل. الثاني: أنلزمكم البينة وأنتم لها كارهون، وقبولكم لها لا يصح مع الكراهة عليها. قال قتادة والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية كأنه قال: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم كارهون له معرضون عنه، واستفهامه في هذه الآية أولاً وثانياً على جهة التقرير. وعبارة نوح عليه السلام كانت بلغته دالة على المعنى القائم بنفسه، وهذا هو المفهوم من هذه العبارة العربية، فبهذا استقام أن يقال كذا وكذا، إذ القول ما أفاد المعنى القائم بنفسه. وقوله {على بيّنة} أي على أمر بيّن جلي، والهاء في {بيّنة} للمبالغة كعلامة ونسابة، و "إيتاؤه الرحمة" هو هدايته للبيّنة، والمشار إليه بهذا كله النبوءة والشرع، وقوله {من عنده} تأكيد، كما قال: {أية : يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38]، وفائدته رفع الاشتراك ولو بالاستعارة. وقرأ جمهور الناس "فعميت" ولذلك وجهان من المعنى: أحدهما: خفيت، ولذلك يقال للسحاب العماء لأنه يخفي ما فيه، كما يقال له: الغمام لأنه يغمه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الله قبل أن يخلق الأشياء في عماء ". تفسير : والمعنى الثاني: أن تكون الإرادة: فعميتم أنتم عنها، لكنه قلب، كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ترى النور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع تفسير : قال أبو علي: وهذا مما يقلب إذ ليس فيه إشكال وفي القرآن: {أية : فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} تفسير : [إبراهيم: 47]. وقرأ حفص وحمزة والكسائي "فعُمّيت" بضم العين وشد الميم على بناء الفعل للمفعول وهذا إنما يكون من الإخفاء؛ ويحتمل القلب المذكور. وقرأ الأعمش وغيره "فعماها عليهم". قال أبو حاتم: روى الأعمش عن ابن وثاب "وعميت" بالواو خفيفة. وقوله: {أنلزمكموها} يريد إلزام جبر كالقتال ونحوه، وأما إلزام الإيجاب فهو حاصل، وقال النحاس: معناه أن وجبها عليكم، وقوله في ذلك خطأ. وفي قراءة أبي بن كعب: "أنلزمكموها من شطر أنفسنا"، ومعناه من تلقاء أنفسنا. وروي عن ابن عباس أنه قرأ ذلك "من شطر قلوبنا". وقوله {يا قوم لا أسألكم عليه مالاً...} الآية؛ الضمير في {عليه} عائد على التبليغ. وقوله: {وما أنا بطارد الذين آمنوا} يقتضي أنهم طلبوا منه طرد الضعفاء الذين بادروا إلى الإيمان به نظير ما اقترحت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرد تباعه بمكة الذين لم يكونوا من قريش. وقوله: {إنهم ملاقوا ربهم} تنبيه على العودة إلى الله ولقاء جزائه المعنى، فيوصلهم إلى حقهم عندي إن ظلمتهم بالطرد. ثم وصفهم بالجهل في مثل هذا الاقتراح ونحوه. وقوله {يا قوم من ينصرني من الله...} الآية؛ هو استفهام بمعنى تقرير وتوقيف، أي لا ناصر يدفع عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد عن الخير الذي قبلوه، ثم وقفهم بقوله: {أفلا تذكرون} وعرض عليهم النظر المؤدي إلى صحة هذا الاحتجاج.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَيِّنَةٍ} ثقة، أو حجة {رَحْمَةً} إيماناً، أو نبوة "ع". {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} البينة خفيت فعميتم عنها، أراد بذلك بيان تفضيله عليهم لما قالوا {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلِ}. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} البينة، أو الرحمة. {كَارِهُونَ} أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهية، وقال قتادة: لو استطاع نبي الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكنه لم يملك ذلك.
النسفي
تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ } أخبروني {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ } برهان {مّن رَّبّى } وشاهد منه يشهد بصحة دعواي {وآتني رحمةً من عنده} يعني النبوة {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } -أي خفيت. {فعميت}: حمزة وعلي وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره {أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي الرحمة {وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ } لا تريدونها، والواو دخلت هنا تتمة للميم. وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكوناً وهو لحن، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر .
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ...} الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا ٱستقام أنْ يقال: قال كذا وكذا؛ إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ } أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور: «فَعَمِيَتْ» ولذلك وجهان من المعنَى: أحدهما: خَفِيَتْ. والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها. وقوله: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا }: يريد: إِلزامَ جبر؛ كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ. وقوله: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحَتْ قريشٌ، و{تَزْدَرِي}: أصله: تَزْتَرِي؛ تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: {تَزْدَرِي}: تحتقر، و«الخير»؛ هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ٱزدراؤُهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال؛ وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ اللَّه الخيرَ في القرآن، فهو المَالُ. قال * ع *: وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال: إِنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه. * ت *: وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب: أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى: { أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة:7] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه: { أية : وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [الحج:77]، وانظر قوله عليه السلام: « حديث : اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ » تفسير : ، وقَوْلُهُ تعالَى: { أية : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } تفسير : [النور:33]، فهٰهنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ؛ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى: { أية : إِن تَرَكَ خَيْرًا... } تفسير : الآية [البقرة:180]. وقوله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ }: تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذِلُنا في ظاهر أمرِهم؛ حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال: {إِنِّي إِذاً } لو فعلت ذلك، {لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }، وقولهم: {قَدْ جَادَلْتَنَا }: معناه: قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم: {بِمَا تَعِدُنَا } العذابَ والهلاكَ، {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }، أي: بمفلتين.
البقاعي
تفسير : ولما كان ختام جوابهم أشده، بدأ في جوابه برده مبيناً لضلالاتهم مغضياً عن شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لنجاتهم، فقال تعالى حكاية عنه: {قال يا قوم} وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيراً لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام، وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب {أرأيتم} أي أخبروني {إن كنت} على سبيل الفرض منكم والتقدير {على بينة} أي برهان ساطع، وزاد ترغيباً فيه بقوله: {من ربي} أي الذي أوجدني وأحسن إليّ بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند المنصف شبهة فكيف بالظن! {وآتاني} فضلاً منه عليّ لا لمعنى فيّ أزيد عليكم به، بل {رحمة} أي إكراماً بالرسالة بعد النبوة، وعظمها بقوله: {من عنده} فيها فضل عظيم النور واضح الظهور. ولما كانت البينة من الرحمة، وحد الضمير فقال: {فعميت} أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت،ووقع ظلامها {عليكم} أي فعميتم انتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها، وذلك أن الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة {أنلزمكموها} وقوله: {وأنتم لها كارهون} مع تسميته لها بينة - إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها، وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من تبعه، والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة، وكأنه لم يكن مأموراً بالقتال كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، والآية ناظرة إلى قوله تعالى: {أية : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} تفسير : [يونس: 99] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمرون بالمجادلة للمعاندين إلى أن يلزموهم الحجة، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في الباطن، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين، وبالموعظة والخطابة للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي، فيكون المعنى أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا مع حسن الظن، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح، فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام، وهو مع الكراهة غير نافع لكم. ولما كان نفي ذلك عاماً للفضل الدنيوي، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما يكون ضاراً إذا كان صاحبه يسأل غيره، نفى عنه هذا اللازم العائب فقال مجيباً عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثواباً دنيوياً: {ويا قوم} استعطافاً لهم {لا أسئلكم} أي في وقت من الأوقات {عليه} أي الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم من ينذركم أمر من يريد بكم بعض ما تكرهون في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ذلك أن تتهموني {مالاً إن} أي ما {أجري إلا على الله} أي الذي له الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها، ونبه بهذا على أنه لا غرض له من عرض دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه، وفيه تلقين للجواب عن قول قريش: لولا ألقي إليه كنز - كما سيأتي بأبين من ذلك عقب قصة يوسف عليه السلام في قوله: {وما تسئلهم عليه من أجر} لأن هذه القصص كالشيء الواحد متتابعة في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء بالرسل في الصبر على أداء جميع الرسالة مع ما يلزم ذلك من جليل العبر وبديع الحكم، فلما اتحد الغرض منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها. ولما كان التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع، بين لهم أن شأنه غير شأنهم وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان متأخراً في الدنيا محروماً منها خوفاً من الله الذي اتبعوه فيه فقال: {وما أنا} وأغرق في النفي بقوله: {بطارد الذين آمنوا} أي أقروا بألسنتهم بالإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم {إنهم ملاقوا ربهم} أي المحسن إليهم بعد إيجادهم وترتيبهم لهدايتهم، فلو طردتهم لشكوني إليه فلا أرى لكم وجهاً في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به {ولكني أراكم} أي أعلمكم علماً هو كالرؤية {قوماً تجهلون*} أي تفعلون أفعال أهل الجهل فتكذبون الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون لقاء الله وتوقعون الأشياء في غير مواقعها، وفي تعبيره بـ {تجهلون} دون {جاهلين} إشارة إلى أن الجهل متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافاً لهم إلى الحلم، ثم عطف إلى صريح الاستعطاف في سياق محذر من سطوات الله فقال: {ويا قوم} أي الذين هم أعز الناس عليّ {من ينصرني من الله} أي الذي له جميع العظمة {إن طردتهم} ولو لم يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل: ولما تم الجواب عن ازدرائهم، سبب عنه الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم بما يجدونه في أنفسهم فقال: {أفلا تذكرون*} أي ولو أدنى تذكر - بما يشير إليه الإدغام - فتعلموا أن من طرد صديقاً لكم عاديتموه وقصدتموه بالأذى، فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى عادتكم مِنَ الحلم الباعث على التأمل الموقف على الحق؛ والطرد: إبعاد الشيء على جهة الهوان؛ والقوم: الجماعة الذين يقومون بالأمر، اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ والتذكير: طلب معنى قد كان حاضراً للنفس، والتفكر طلبه وإن لم يكن حاضراً.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ يَـا قَوْمِ أَرَءيْتُمْ} أي أخبروني وفيه إيماءٌ إلى ركاكة رأيِهم المذكور {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ} برهانٍ ظاهر {مّن رَّبّى} وشاهدٍ يشهد بصِحّة دعواي {وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} هي النبوةُ، ويجوز أن تكون هي البـينةَ نفسَها جيء بها إيذاناً بأنها ـ مع كونها بـينةً من الله تعالى ـ رحمةٌ ونعمةٌ عظيمة من عنده، فوجْهُ إفرادِ الضمير في قوله تعالى: {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ} حينئذ ظاهرٌ وإن أريد بها النبوةُ وبالبـينة البرهانُ الدالُّ على صحتها فالإفرادُ لإرادة كلِّ واحدةٍ منهما أو لكون الضميرِ للبـينة والاكتفاءِ بذلك لاستلزام خفائِها خفاءَ النبوةِ، أو لتقدير فعلٍ آخرَ بعد البـينة، ومعنى عُمِّيت أُخفيت، وقرىء عمِيَت ومعناه خَفِيت، وحقيقتُه أن الحجةَ كما تجعل مُبصِرة وبصيرةً تجعلُ عمياءَ، لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيرَه، وفي قراءة أُبـيّ فعمّاهما عليكم على الإسناد إلى الله عز وجل {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي أنُكرِهُكم على الاهتداء بها، وهو جوابُ أرأيتم وسادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ، وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركةِ الميمِ، وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قُدِّم أعرفُهما جاز في الثاني الوصلُ والفصلُ، فوصل كما في قوله تعالى: {أية : فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 137] {وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ} لا تختارونها ولا تتأملون فيها، ومحصولُ الجوابِ أخبروني إن كنتُ على حجة ظاهرةِ الدِلالة على صِحّة دعواي إلا أنها خافيةٌ عليكم غيرُ مُسلَّمةٍ عندكم، أيمكنُنا أن نكرِهَكم على قَبولها وأنتم معرضون عنها غيرَ متدبِّرين فيها أي لا يكون ذلك، وظاهرُه مُشعِرٌ بصدوره عنه عليه الصلاة والسلام بطريق إظهارِ اليأسِ عن إلزامهم القعودَ عن مُحاجَّتهم كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى}تفسير : [هود: 34] الخ، لكنه محمولٌ على أن مرادَه عليه الصلاة والسلام ردُّهم عن الإعراض عنها وحثُّهم على التدبّر فيها بصرف الإنكارِ إلى الإلزام حالَ كراهتِهم لها لا إلى الإلزام مطلقاً، هذا ويجوز أن يكون المرادُ بالبـينة دليلَ العقلِ الذي هو ملاكُ الفضل، وبحسبه يمتاز أفرادُ البشرِ بعضُها من بعض وبه يناط الكرامةُ عند الله عز وجل والاجتباءُ للرسالة، وبالكون عليها التسمكُ به والثباتُ عليه وبخفائها على الكفرة ـ على أن الضميرَ للبـينة ـ عدمُ إدراكِهم لكونَه عليه الصلاة والسلام عليها وبالرحمة النبوةُ التي أنكروا اختصاصَه عليه السلام بها بـين ظَهرانيهم، والمعنى أنكم زعمتم أن عهدَ النبوةِ لا يناله إلا من له فضيلةٌ على سائر الناسِ مستتبِعةٌ لاختصاصه به دونهم، أخبروني إن امتزتُ عنكم بزيادة مزيةٍ وحيازةِ فضيلةٍ من ربـي وآتاني بحسبها نبوةً منه فخفِيَتْ عليكم تلك البـينةُ ولم تُصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلُكم وهي متحققةٌ في نفسها أنلزمكم قبولَ نبوتي التابعةِ لها والحالُ أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهامُ للحمل على الإقرار، وهو الأنسبُ بمقام المُحاجّةِ وحينئذٍ يكون كلامُه عليه الصلاة والسلام جواباً عن شُبَههم التي أدرجوها في خلال مقالِهم من كونه عليه السلام بشراً، قصارى أمره أن يكون مثلَهم من غير فضلٍ له عليهم وقطعاً لشأفة آرائِهم الركيكة.
القشيري
تفسير : الصُّبحُ لا خَلَلَ في ضيائه لِكَوْن الناظرين عمياناً، والسيفُ لا خَلَلَ في مُضَائِه لِكَوْنِ الضاربين صبياناً... وكيف لِبَشَرٍ من قدرةٍ على هداية مَنْ أَضَلَّه اللَّهُ - ولو كان نبيَّا؟ هيهات لا ينفع مع الجاهل نُصْحٌ، ولا ينجح في المُصِرِّ وعظٌ!
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} نوح {يا قوم} [اى كروه من] {أرأيتم} اى اخبرونى فان الرؤية سبب للاخبار {ان كنت على بينة} برهان ظاهر {من ربى} وشاهد يشهد بصحة دعواى {وآتانى رحمة من عنده} هى النبوة {فعميت عليكم} اى اخفيت تلك البينة عليكم {انلزمكموها} اى نلزمكم قبول تلك البينة ونوجبها عليكم ونجبركم على الاهتداء بها. وهذا استفهام معناه الانكار يقول لا نقدر ان نلزمكم من ذات انفسنا وهو جواب ارأيتم وساد مسد جواب الشرط {وانتم لها كارهون} والحال انكم لا تختارونها ولا تتاملون فيها ومحصول الجواب اخبرونى ان كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة الدعوى الا انها خافية عليكم غير مسلمة عندكم أيمكننا ان نكرهكم على قبولها وانتم معرضون عنها غير متدبرين فيها اى لا يكون ذلك. قال سعدى المفتى المراد الزام جبر بالقتل ونحوه فاما الزام الايجاب فهو حاصل. قال قتادة لو قدر الانبياء ان يلزموا قومهم الايمان لالزموهم ولكن لم يقدروا شعر : يكى را بخوانى كه مقبول ماست يكى را برانى كه مخذول ماست بدونيك امر ترا بنده اند بتسليم حكمت سر افكنده اند
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "أنلزمكموها": يصح في الضمير الثاني الوصل والفصل؛ لتقدم الأخص. يقول الحق جل جلاله: {قال} نوح لقومه: {يا قوم أرأيتم}: أخبروني، {إن كنت على بينة من ربي}؛ على طريقة واضحة من عند ربي، أو حجة واضحة شاهدة بصحة دعواي، {وآتاني رحمة من عنده} النبوة، {فعميت}؛ خفيت {عليكم} فلم تهتدوا إليها، {أنلزمكموها}؛ أنكرهكم على الاهتداء بها {وأنتم لها كارهون} لا تختارونها ولا تتأملون فيها. ولم يؤمر بالجهاد، بل تركهم حتى نزل بهم العذاب. الإشارة: طريقة أهل التذكير ـ الذين هم على بينة من ربهم ـ أنهم يُذكرون الناس، ولا يكرهون أحداً على الدخول في طريقهم، إذا عميت عليهم، والله تعالى أعلم. ثم قال: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وحفص {فعميت} بضم العين وتشديد الميم. الباقون بتخفيف الميم وفتح العين. وقال ابو علي: من قرأ {فعميت} بالتخفيف فلقوله {أية : فعميت عليهم الأنباء يومئذ} تفسير : وهذه مثلها. ويجوز في قوله {فعميت} أمران: احدهما - ان يكون عموا هم، الا ترى ان الرحمة لا تعمى وانما يعمى عنها، فيكون هذا من المقلوب، كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في أصبعي ونحو ذلك مما يقلب إذا زال الاشكال. والاخر - ان يكون معنى عميت خفيت كقول الشاعر: شعر : ومهمه أطرافه في مهمه أعمى الهدى في الحائرين العمه تفسير : أي خفي الهدى ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، وقد قيل للسحاب: العمى لخفاء ما يخفيه، كما قيل له: الغمام ومن ذلك قول زهير: شعر : ولكنني عن علم ما في غد عمي تفسير : ومن شدد اعتبر قراءة الاعمش فانه قرأها فعمّاها عليهم. وروى ذلك الفراء عن أبي، والمعنيان متقاربان. قال الفراء: يقال عمى علي الخبر وعمي بمعنى واحد. حكى الله تعالى عن نوح ما قاله لقومه جواباً عما قالوه له مما حكيناه فانه {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة} أي برهان وحجة من المعجزة التي تشهد بصحة النبوة. وخصهم بهذا إذ هو طريق العلم بالحق لا ما التمسوا من اختلاف الخلق. وقوله {آتاني رحمة من عنده} يرّد عليهم ما ادعوه من أنه ليس له عليهم فضل، فبين ذلك بالهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي إلى العلم. وقوله {فعميت} يحتمل امرين: احدهما - خفيت عليكم، لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي اليها. والاخر - ان يكون المعنى عميتم عنها، واضاف العمى إلى البينة لما عموا عنها لضرب من المجاز؛ لأن المعنى ظاهر في ذلك، كما يقال: ادخلت الخاتم في يدي والقلنسوة في راسي، والمراد ادخلت يدي في الخاتم ورأسي في القلنسوة. ومن قرأ بتشديد الميم وضم العين أضاف التعمية إلى غيرهم ممن صدهم عن النظر فيها واغواهم في ذلك من الشياطين والمضلين عن الحق. وقوله {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} أنضطركم إلى موجب البينة مع العلم مع كراهتكم لذلك فيبطل تكليفكم الاستدلال بالبينة المؤدية إلى المعرفة أي أضطركم إلى حال الضرورة. ووجه آخر - وهو أن يكون المراد إن الذي علي أن أدل بالبينة، وليس علي أن أضطركم إلى المعرفة. وفي قوله {أنلزمكموها} ثلاث مضمرات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وضمير الغائب، وهو أحسن ترتيب: بدأ بالمتكلم، لانه اخص بالفعل ثم بالمخاطب ثم بالغائب، ولو اتى بالمنفصل لجاز لتباعده عن العامل بما فرق بينه وبينه، فاشبه ما ضربت إلا إياك، وما ضربني إلا انت. وأجاز الفراء {أنلزمكموها} بتسكين الميم جعله بمنزلة عضد وعضد وكبد وكبد. ولا يجوز ذلك عند البصريين، لأن الاعراب لا يلزم فيه النقل كما يلزم في بناء الكلمة، وإنما يجيزون مثل ذلك في ضرورة الشعر كقول امرئ القيس: شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واعل تفسير : وقال آخر: شعر : وناع يخبرنا بمهلك سيد تقطع من وجد عليه الانامل تفسير : وقال آخر: شعر : إذا اعوججن قلت صاحب قوم
الجنابذي
تفسير : {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ} من الرّأى بمعنى الاعتقاد ولمّا كان حقيقة الاستفهام الاستخبار ومعنى الاستخبار طلب الاخبار عن اعتقاد المستخبر عنه استعملوا تلك الكلمة فى معنى اخبرونى مجرّداً عن الاعتقاد لئلاّ يلزم التّكرار وقد مرّ نظيره {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} فعميّت جواب الشّرط، وجملة الشّرط والجزاء متعلّق ارأيتم وارأيتم معلّق عنها والحقّ انّ التّعليق كما يقع باداة الاستفهام يقع باداة الشّرط ايضاً وحينئذٍ يكون جملة انلزمكموها مستأنفة منقطعة عمّا قبلها او الفاء عاطفة وعمّيت معطوف على الشّرط والجزاء محذوف بقرينة ارأيتم او بقرينة انلزمكموها وانلزمكموها مفعول ارأيتم معلّقاً عنه باداة الاستفهام، والبيّنة قد مرّ مراراً انّها النّبوّة كما انّ الزّبر هى الولاية واطلاقها على الرّسالة واحكامها وعلى المعجزة المبيّنة لصدق الدّعوى وعلى الكتاب السّماوىّ لكونها صورة النّبوّة وظهورها، والرّحمة هى الولاية والنّبوّة وتوابعها صورة الرّحمة ولذا وحّد الضّمير فى عمّيت ونلزمكموها ولتوحيد الضّمير وجوه اخر لا فائدة معتدّاً بها فى ذكرها.
اطفيش
تفسير : {قالَ يا قَومْ أرأيتُم} أخبرونى {إنْ كُنتُ عَلى بيِّنةٍ} يقين فى أمر جلى {مِنْ ربِّى} أومن به {وآتانِى رحْمةً مِنْ عِنْدهِ} معجزة ونبوة كذا ظهر لى، ثم رأيته لجار الله، وأجاز أن تكون الرحمة نفس البينة، ولا إشكال عليه فى الإفراد فى قوله: {فَعُمِّيتْ} أى خفيت، وأما على ما ذكرت فإنما أفرد ولم يقل عميتا، لأن خفاء المعجزة يوجب خفاء النبوة، أو الأصل عميت بعد البينة، فحذف اختصارا، أو لأن الضمير عائد على كل واحدة، وقرأ حمزة، والكسائى، وحفص بضم العين وتشديد الميم أى أخفيت، وقرأ أبى: فعماها بالتشديد، أى عماها ربى، أى أخفاها بمعنى أنه لم يوفقهم وتركهم وتصميمهم على الكفر {عَليْكُم} فلم نهدكم إذ خفيت أو وصفت بأنها عميا فى قراءة الجمهور، ومجعولة عميا فى قراءة الكسائى، وحمزة، وما كان لا يبصر لا يهدى غيره. {أنلْزِمُكمُوها} أنكرهكم على الاهتداء بها بالخبر، والاستفهام إنكار، وقرأ بعض بإسكان الميم الأولى تخفيفا، وقيل: إنه لحن، ولكن اختلست اختلاسة خفية ضمتها، فظنها الراوى إسكانا {وأنتُم لَها كَارهُون} إذ لا إكراه فى الدين، لأنه مبنى على الاختيار ليثاب ويعاقب عليه.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} استئناف بياني {يٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ} أي أخبروني، وفيه إيماء إلى ركاكة رأيهم المذكور {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ} حجة ظاهرة {مّن رَّبّى} وشاهد يشهد لي بصحة دعواي {وَآتَانِي رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ} هي النبوة على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجوز أن تكون هي البينة نفسها جيء بها إيذاناً بأنها مع كونها بينة من الله تعالى رحمة ونعمة عظيمة منه سبحانه، ووجه إفراد الضمير في قوله تعالى: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي أخفيت على هذا ظاهر، وإن أريد بها النبوة وبالبينة البرهان الدال على صحتها فالإفراد لإرادة كل واحدة منهما، أو لكون الضمير للبينة والاكتفاء بذلك لاستلزام خفاء البينة خفاء المدعى، وجملة {وَآتَانِي رَحْمَةً} على هذا معترضة أو لكونه للرحمة، وفي الكلام مقدر أي أخفيت الرحمة بعد إخفاء البينة وما يدل عليها وحذف للاختصار. وقيل: إنه معتبر في المعنى دون تقدير، أو لتقدير عميت غير المذكور بعد لفظ البينة وحذف اختصاراً، وفيه تقدير جملة قبل الدليل. وقرأ أكثر السبعة {فعميت} بفتح العين وتخفيف الميم مبنياً للفاعل، وهو من العمى ضد البصر، والمراد به هنا الخفاء مجازاً يقال: حجة عمياء كما يقال: مبصرة للواضحة، وفي الكلام استعارة تبعية من حيث إنه شبه خفاء الدليل بالعمى في أن كلاً منهما يمنع الوصول إلى المقاصد، ثم فعل ما لا يخفى عليك، وجوز أن يكون هناك استعارة تمثيلية بأن شبه الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك مفازة لا يعرف طرقها واتبع دليلاً أعمى فيها، وقيل: الكلام على القلب، والأصل فعميتم عنها كما تقول العرب: أدخلت القلنسوة في رأسي، ومنه قول الشاعر: شعر : ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه تفسير : وقوله سبحانه: {أية : فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} تفسير : [إبراهيم: 47] وتعقبه أبو حيان ((بأن القلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة، وقول الشاعر ليس منه بل من باب الاتساع في الظرف، وكذا الآية ليست منه أيضاً لأن أخلف يتعدى إلى مفعولين، والوصف منه كذلك ولك أن تضيفه إلى أيهما شئت على أنه لو كان ما ذكر من القلب لكان التعدي بعن دون على، ألا ترى أنك تقول: عميت عن كذا ولا تقول: عميت على كذا)). وروى الأعمش عن وثاب ـ وعميت ـ بالواو الخفيفة، وقرأ أبـيّ والسلمي والحسن وغيرهم (فعماها عليكم) على أن الفعل لله تعالى، وقرىء بالتصريح به وظاهر ذلك مع أهل السنة القائلين بأن الحسن والقبيح منه تعالى، ولذا أوله الزمخشري حفظاً لعقيدته. {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي أنكرهكم على الاهتداء بها وهو جواب {أَرَأَيْتُمْ} وساد مسد جواب الشرط. / وفي «البحر» أنه في موضع المفعول الثاني له ومفعوله الأول البينة مقدراً وجواب الشرط محذوف دل عليه {أَرَأَيْتُمْ} أي: إن كنت الخ فأخبروني وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قدم أعرفهماـ وهو ضمير المخاطب الأعرف من ضمير الغائب ـ جاز في الثاني الوصل والفصل فيجوز في غير القرآن أنلزمكم إياها وهو الذي ذهب إليه ابن مالك في «التسهيل» ووافقه عليه بعضهم، وقال ابن أبـي الربيع: يجب الوصل في مثل ذلك ويشهد له قول سيبويه في «الكتاب»: فإذا كان المفعولان اللذان تعدى إليهما فعل الفاعل مخاطباً وغائباً فبدأت بالمخاطب قبل الغائب فإن علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إياه وذلك نحو أعطيتكه وقد أعطاكه، قال الله تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} فهذا كهذا إذ بدأت بالمخاطب قبل الغائب انتهى، ولو قدم الغائب وجب الانفصال على الصحيح فيقال: أنلزمها إياكم. وأجاز بعضهم الاتصال، واستشهد بقول عثمان رضي الله تعالى عنه: أراهمني، ولم يقل: أراهم إياي، وتمام الكلام على ذلك في محله. وجيء بالواو تتمة لميم الجمع. وحكى عن أبـي عمرو إسكان الميم الأولى تخفيفاً، ويجوز مثل ذلك عند الفراء، وقال الزجاج: أجمع النحويون البصريون على أنه لا يجوز إسكان حركة الإعراب إلا في ضرورة الشعر كقوله: شعر : فاليوم أشربْ غير مستحقب إثما من الله ولا واغل تفسير : وقوله: شعر : وناع يخبرنا بمهلك سيد تقطع من وجد عليه الأنامل تفسير : وأما ما روي عن أبـي عمرو من الإسكان فلم يضبطه عنه الراوي، وقد روى عنه سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها وهذا هو الحق، وذكر نحو ذلك الزمخشري، وقال: ((إن الإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين)) وفي قراءة أبـيّ (أنلزمكموها من شطر أنفسنا)، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ (من شطر قلوبنا) أي من تلقائها وجهتها، وفي «البحر» أن ذلك على جهة التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف. {وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ} أي لا تختارونها ولا تتأملون فيها، والجملة في موضع الحال قال السمين: إما من الفاعل أو من أحد المفعولين، واختير أنها في موضع الحال من ضمير المخاطبين، وقدم الجار رعاية للفواصل ((ومحصول الجواب أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة دعواي إلا أنها خافية عليكم غير مسلمة لديكم أيمكننا أن نكرهكم على قبولها وأنتم معرضون عنها غير متدبرين فيها أي لا يكون ذلك ـ كذا قرره شيخ الإسلام ـ ثم قال: وظاهره مشعر بصدوره عنه عليه السلام بطريق إظهار اليأس عن إلزامهم والقعود عن محاجتهم كقوله: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي} تفسير : [هود: 34] الخ لكنه محمول على أن مراده عليه السلام ردهم عن الإعراض عنها وحثهم على التدبر فيها بصرف الإنكار المستفاد من الهمزة إلى الإلزام حال كراهتهم لا إلى الإلزام مطلقاً)) وقال مولانا سعدي جلبـي: إن المراد من الإلزام هنا الجبر بالقتل ونحوه لا الإيجاب لأنه واقع فليفهم. وجوز أن يراد بالبينة دليل العقل الذي هو ملاك الفضل وبحسبه يمتاز أفراد البشر بعضها عن بعض وبه تناط الكرامة عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة وبالكون عليها التمسك به والثبات عليه وبخفائها على الكفرة على أن يكون الضمير للبينة عدم إدراكهم لكونه عليه السلام عليها وبالرحمة النبوة التي أنكروا اختصاصه عليه السلام بها بين ظهرانيهم ويكون المعنى إنكم زعمتم أن عهد النبوة لا يناله إلا من له فضيلة على سائر الناس مستتبعة لاختصاصه به دونهم أخبروني إن امتزت عليكم بزيادة مزية وحيازة فضيلة من ربـي وآتاني / بحسبها نبوة من عنده فخفيت عليكم تلك البينة ولم تصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلكم وهي متحققة في نفسها أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك، ثم قيل: فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار وهو الأنسب بمقام المحاجة، وحينئذٍ يكون كلامه عليه السلام جواباً عن شبهتهم التي أدرجوها في خلال مقالهم من كونه عليه السلام بشراً قصارى أمره أن يكون مثلهم من غير فضل له عليهم وقطعاً لشأفة آرائهم الركيكة انتهى، وفيه أن كون معنى ـ أنلزمكموها ـ أنلزمكم قبول نبوتي التابعة لها غير ظاهر على أن في أمر التبعية نظراً كما لا يخفى، ولعل الإتيان بما أتى به من الشرط من باب المجاراة وإسناد الإلزام لضمير الجماعة إما للتعظيم أو لاعتبار متبعيه عليه السلام معه في ذلك.
ابن عاشور
تفسير : فُصلت جملة {قال يا قوم} عن التي قبلها على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما قدّمناه عند قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعِلٌ في الأرض خليفةٌ}تفسير : في سورة [البقرة: 30]، فهذه لما وقعت مقابلاً لكلام محكي يقال فصلت الجملة ولم تعطف بخلاف ما تقدم آنفاً في قوله: {أية : فقال الملأ الذين كفروا من قومه}تفسير : [هود: 27]. وافتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه، كما تقدم في نظيرها في سورة الأعراف، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر نفورهم تذكيراً لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلاّ خيراً. وإذ قد كان طعنهم في رسالته مدلّلاً بأنهم ما رأوا له مزية وفضلاً، وما رأوا أتباعه إلاّ ضعفاء قومهم وإن ذلك علامة كذبه وضلال أتباعه، سلك نوح ـ عليه السلام ـ في مجادلتهم مسلك إجمال لإبطال شبهتهم ثم مسلك تفصيل لِردّ أقوالهم، فأما مسلك الإجمال فسلك فيه مسلك القلب بأنهم إن لم يروا فيه وفي أتباعه ما يحمل على التصديق برسالته، فكذلك هو لا يستطيع أن يحملهم على رؤية المعاني الدالة على صدقه ولا يستطيع منع الذين آمنوا به من متابعته والاهتداء بالهدي الذي جاء به. فقوله: {أرأيتم إن كنتُ على بينة من ربي} إلى آخره. معناه إن كنتُ ذا برهان واضح، ومتصفاً برحمة الله بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا دلائل الهدى، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها، أي بالإذعان إليها والتصديق بها إن أنتم تكرهون قبولها. وهذا تعريض بأنهم لو تأملوا تأملاً بريئاً من الكراهية والعداوة لعلموا صدق دعوته. و{أرأيتم}، استفهام عن الرؤية بمعنى الاعتقاد. وهو استفهام تقريري إذا كان فعل الرؤية غيرَ عامل في مفرد فهو تقرير على مضمون الجملة السادة مسدّ مفعولي (رأيتُم)، ولذلك كان معناه آيلاً إلى معنى أخبروني، ولكنّه لا يستعمل إلاّ في طلب مَن حاله حالُ من يجحد الخبر، وقد تقدم معناه في قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرة}تفسير : في سورة [الأنعام: 47]. وجملة {إن كنتُ على بينة من ربي إلى قوله فعَميت عليكم} معترضة بين فعل {أرأيتم} ومَا سدّ مسد مفعوليه. والاستفهام في {أنلزمكموها} إنكاري، أي لا نكرهكم على قبولها، فعُلق الإلزام بضمير البينة أو الرحمة. والمراد تعليقه بقبولها بدلالة القرينة. والبينة: الحجة الواضحة، وتطلق على المعجزة، فيجوز أن تكون معجزته الطوفان، ويجوز أن تكون له معجزات أخرى لم تذكر، فإن بعثة الرسل ـ عليهم السّلام ـ لا تخلو من معجزات. والمراد بالرحمة نعمة النبوءة والتفضيل عليهم الذي أنكروه، مع ما صحبها من البيّنة لأنّها من تمامها، فعطف (الرحمة) على (البينة) يقتضي المغايرة بينهما، وهي مغايرة بالعموم والخصوص لأن الرحمة أعم من البينة إذ البينة على صدقه من جملة الرحمة به، ولذلك لما أعيد الضمير في قوله: {فعميت} أعيد على (الرحمة) لأنها أعم. و{عليكم} متعلقة بـ(عميت) وهو حرف تتعدى به الأفعال الدّالة على معنى الخفاء، مثل: خفي عليك. ولما كان عمي في معنى خفي عُدّي بـ(على)، وهو للاستعلاء المجازي أي التمكن، أي قوة ملازمة البينة والرحمة له. واختيار وصف الرب دون اسم الجلالة للدّلالة على أن إعطاءه البينة والرحمة فضل من الله أراد به إظهار رفقه وعنايته به. ومعنى {فعميت} فخفيت، وهو استعارة، إذ شبهت الحجة التي لم يدركها المخاطبون كالعمياء في أنها لم تصل إلى عقولهم كما أن الأعمى لا يهتدي للوصول إلى مقصده فلا يصل إليه. ولمّا ضمّن معنى: الخفاء عدي فعل (عميت) بحرف (على) تجريداً للاستعارة. وفي ضد هذه الاستعارة جاء قوله تعالى: {أية : وآتينا ثمود الناقة مبصرةً}تفسير : [الإسراء: 59]، أي آتيناهم آية واضحة لا يستطاع جحدها لأنها آية محسوسة، ولذلك سمّي جحدهم إياها ظلماً فقال: {أية : فظلموا بها}تفسير : [الإسراء: 59]. ومن بديع هذه الاستعارة هنا أن فيها طباقاً لمقابلة قولهم في مجادلتهم {أية : ما نراك إلاّ بشراً - وما نراك اتّبعك - وما نرى لكم علينا من فضل}تفسير : [هود: 27]. فقابل نوح ـ عليه السلام ـ كلامهم مقابلة بالمعنى واللفظ إذ جعل عدم رؤيتهم من قبيل العَمى. وعطف (عَميت) بفاء التعقيب إيماء إلى عدم الفترة بين إيتائه البينة والرحمة وبين خفائها عليهم. وهو تعريض لهم بأنهم بادروا بالإنكار قبل التأمل. وجملة {أنلزمكموها} سادة مسد مفعولي {أرأيتم} لأن الفعل علّق عن العمل بدخول همزة الاستفهام. وجوابُ الشرط محذوف دلّ عليه فعل {أرأيتم} وما سدّ مسد مفعوليه. وتقدير الكلام: قال يا قوم إن كنت على بيّنة من ربي إلى آخره أترون أنلزمكم قبول البينة وأنتم لها كارهون. وجيء بضمير المتكلم المشارك هنا للإشارة إلى أن الإلزام لو فُرض وقوعه لكان له أعوان عليه وهم أتباعه فأراد أن لا يهمل ذكر أتباعه وأنهم أنصار له لو شاء أن يُهيب بهم. والقصد من ذلك التنويه بشأنهم في مقابلة تحقير الآخرين إياهم. والاستفهام إنكاري، أي ما كان لنا ذلك لأن الله لم يأمره بإكراههم إعراضاً عن العناية بهم فترك أمرهم إلى الله، وذلك أشد في توقع العقاب العظيم. والكاره: المبغض لشيء. وعدّي باللام إلى مفعوله لزيادة تقوية تعلق الكراهية بالرحمة أو البينة، أي وأنتم مبغضون قبولها لأجل إعراضكم عن التدبّر فيها. وتقديم المجرور على {كارهون} لرعاية الفاصلة مع الاهتمام بشأنها. والمقصود من كلامه بعْثهم على إعادة التأمل في الآيات. وتخفيض نفوسهم. واستنزالُهم إلى الإنصاف. وليس المقصود معذرتهم بما صنعوا ولا العدول عن تكرير دعوتهم.
الشنقيطي
تفسير : ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح: أنه قال لقومه:{أَرَأَيْتُمْ} أي أخبروني {إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ} أي على يقين ونبوة صادقة لا شك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلي من التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنه حق، أيمكنني أن ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهدى وإن كان واضحاً جلياً لا لبس فيه، إن لم يهدكم الله جل وعلا. وهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضاً في هذه السورة الكريمة بقوله: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ}تفسير : [هود: 34] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أرأيتم: أي أخبروني. على بينة من ربي: أي على علم علمنيه الله فعلمت أنه لا إله إلا الله. فعميت عليكم: أي خفيت عليكم فلم تروها. أنُلزِمُكمُوها: أي أجبركم على قبولها. بطارد الذين آمنوا: أي بمبعدهم عني ومن حولي. خزائن الله: التي فيها الفضل والمال. تزدري أعينكم: تحتقر أعينكم. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة نوح مع قومه فأخبر تعالى أن نوحاً قال لقومه أرأيتم أي أخبروني إن كنت على بيِّنة من ربي أي على علم يقيني تعالى وبصفاته وبما أمرني به من عبادته وتوحيده والدعوة إلى ذلك. وقوله {وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ} وهي الوحي والنبوة والتوفيق لعبادته. {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أنتم فلم تروها. فماذا أصنع معكم {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي أنجبركم أنا ومن آمن بي على رؤيتها والإِيمان بها والعمل بهداها، {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} أي والحال أنكم كارهون لها والكاره للشيء لا يكاد يراه ولا يسمعه، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [27] أما الآية الثانية فإِن الله تعالى يخبر أيضا عن قيل نوح لقومه: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} أي لا أطلب منكم أجراً على إبلاغكم هذه الرحمة التي عميت عليكم فلم تروها. {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ما أجري إلا على الله إذ هو الذي كلفني بالعمل بها والدعوة إليها وواعدني بالأجر عليها. وقوله {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 114] أي وما أنا بمطيعكم في طرد المؤمنين من حولي كما اقترحتم عليّ، إنهم ملاقو ربهم، ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم فكيف يصح مني إبعادهم عن سماع الحق وتعلمه والأخذ به ليكملوا ويسعدوا إذ العبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح بواسطة الإِيمان والعمل الصالح لا بالشرف والمال والجاه كما تتصورون ولذا فأَني أراكم قوما تجهلون هذا ما دلت عليه الآية الثانية [28] ثم قال لهم في الآية الثالثة {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} أي من هو الذي يرد عني عذاب الله ويمنعني منه إن أنا عصيته فطردت أي أقصيت وأبعدت عبادة المؤمنين عن سماع الهدى وتعلم الخير ولا عِلَةَ لذلك إلا لأنهم فقراء ضعفاء تزدريهم أعينكم المريضة التي لا تقدر على رؤية الحق وأهله والداعين إليه، ثم قال لهم {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي تتفكرون فتعلمون خطأكم وجهلكم فتثوبوا إلى رشدكم، وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وبرسوله وتعبدوه وحده لا شريك له ثم قال لهم في الآية الأخيرة [31] {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} ردا على قولهم: {أية : وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}تفسير : [هود: 27] {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} فأعرف ما تخفيه صدور الناس فأطرد هذا وأبقي هذا، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} لفقرهم وضعفهم {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} أي من صدق أو نفاق ومن حب لي أو بغض كأنهم طعنوا في المؤمنين واتهموهم بأنهم ينافقون أولهم أغراض فاسدة أو أطماع مادية من أجلها التفوا حول نوح، وقوله {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} أي إني إذا قلت للمؤمنين من الضعفاء لن يؤتيكم الله خيرا كنت بعد ذلك من الظالمين الذين يعتدون على الناس بهضمهم حقوقهم وامتهان كرامتهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1) كُرهُ الشيء يجعل صاحبه لا يراه ولا يسمعه ولا يفهم ما يقال له فيه. 2) كراهية أخذ الأجرة على الدعوة والتربية والتعليم الديني. 3) وجوب احترام الضعفاء وإكرامهم وحرمة احتقارهم وازدرائهم. 4) علم الغيب استأثر الله تعالى به دون سائر خلقه إلا من علمه الله شيئا منه فإِنه يعلمه. 5) حرمة غمط الناس وازدرائهم والسخرية منهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰقَوْمِ} {أَرَأَيْتُمْ} {وَآتَانِي} {كَارِهُونَ} (28) - فَرَدَّ عَلَيْهِمْ نُوحٌ قَائِلاً: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ وَأَمْرٍ جَلِيٍّ وَنُبُوَّةٍ صَادِقَةِ، وَهِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ آتَأنِي إِيَّاهَا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ، فَلَمْ تَهْتَدُوا إِلَيهَا، وَلا عَرَفْتُمْ قَدْرَها، بَلْ بَادَرْتُمْ إلى تَكْذِيبِها وَرَدِّهَا، أَفَنُجْبِرُكُمْ عَلَى قَبُولِهَا وَالأّخْذِ بِهَا وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي. عَميَتْ عَلَيْكُمْ - أُخفِيَتْ عَلَيْكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول نوح عليه السلام: {أَرَأَيْتُمْ} أي: أخبروني إن كنت على بينة موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه: {رَحْمَةً} أي: رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على ذلك؟ لا؛ لأن الإيمان لا بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس، وانفعال مأنوس، واختيار بيقين. وحين ننظر في قوله: {.. أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28]. نجد الهمزة الاستفهامية ثم الفعل "نلزم" ثم كاف المخاطبة، وهنا نكون أمام استفهام، وفعل، وفاعل مطمور في الفعل، ومفعول أول هو كاف المخاطبة، ومفعول ثان هو الرحمة. إذن: فلا إلزام من الرسول لقومه بأن يؤمنوا؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلوب، لا قوالب، وإكراه القوالب لا يزرع الإيمان في القلوب. والحق سبحانه يريد من خلقه قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع، ولو شاء سبحانه لأرغمهم وأخضعهم كما أخضع الكون كله له، سبحانه القائل: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ ..}تفسير : [النازعات: 27]. فالحق سبحانه وتعالى أخضع السماء والشمس والقمر، وكلَّ الكون، وهو سبحانه يقول لنا: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57]. والكون كله يخضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. وقد خلق الحق سبحانه الملائكة وهم جنس أعلى من البشر، وقال سبحانه عنهم: {أية : .. لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لأخضع الخلق كلهم لعبادته، ولكنه سبحانه وتعالى يريد قلوباً تخشع؛ ولذلك يقول تبارك وتعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 3-4]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه مُنَزَّهٌ عن رغبة إخضاع القوالب البشرية، بل شاء سبحانه أن يجعل الإنسان مختاراً؛ ولذلك لا يُكْرِهُ الله سبحانه أحداً على الإيمان. والدِّين لا يكون بالإكراه، بل بالطواعية والرضا. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ ..}تفسير : [البقرة: 256]. وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر الإيمان على العقل، فالعقل بالإدراك ينفعل متعجباً لإبداع المبدع، وعند الإعجاب ينزع إلى اختياره بيقين المؤمن. يقول الحق: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190]. والإكراه إنما يكون على أمر غير مُتَبَيَّن، أما الدِّين فأمر يتبيَّن فيه الرشد؛ لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك، فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك، فهو يحمي محارمك، وحين يأمرك ألا تغتاب أحداً، وألا تحقد على أحد، ففي هذا كله راحة للإنسان. إذن: فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان، وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك، ولكن مطلوبة من الناس لك أيضاً. وهو تبادل مراد من الله لإعمار الكون أخذاً وعطاء. ولذلك لا يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين الغَيِّ. والآفة أن بعضاً من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها، فحين تطلب من مسلم أن يصلِّي تجده يقول لك: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..}تفسير : [البقرة: 256]. ولك أن تقول له: لا إكراه في الحَمْل على الدِّين والإيمان به، لكنك إذا آمنت بالدِّين فإياك أن تكسره، بتعطيل منهجه أو الإعراض عنه. ولذلك يشدِّد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين؛ لأن الحق سبحانه لم يُكرِه أحداً على الدخول في الدين، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر؛ لأنه إن دخَل في الدين وارتكب ذنباً فسيلقى عقاب الذنب؛ لأنه دخل برغبته واختاره بيقينه، فالمخالفة لها عقابها. إذن: فالدخول إلى الإيمان لا إكراه فيه، ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتدِّ ومعاقبة العاصي على عصيانه. وعندما يعلم الجميع هذا الأمر فهم يعلمون أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول إلى الدين عن طريق تصعيب آثار الخروج منه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):