Verse. 1502 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَيٰقَوْمِ لَاۗ اَسْـــَٔـلُكُمْ عَلَيْہِ مَالًا۝۰ۭ اِنْ اَجْرِيَ اِلَّا عَلَي اللہِ وَمَاۗ اَنَا بِطَارِدِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا۝۰ۭ اِنَّہُمْ مُّلٰقُوْا رَبِّہِمْ وَلٰكِنِّيْۗ اَرٰىكُمْ قَوْمًا تَجْـہَلُوْنَ۝۲۹
Waya qawmi la asalukum AAalayhi malan in ajriya illa AAala Allahi wama ana bitaridi allatheena amanoo innahum mulaqoo rabbihim walakinnee arakum qawman tajhaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويا قوم لا أسألكم عليه» على تبليغ الرسالة «مالا» تعطونيه «إن» ما «أجري» ثوابي «إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا» كما أمرتموني «إنهم ملاقو ربهم» بالبعث فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم «ولكني أراكم قوما تجهلون» عاقبة أمركم.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه: الوجه الأول: أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيراً أو غنياً وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين » تفسير : وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك. الوجه الثاني: كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيراً وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسئلكم على تبليغ الرسالة أجراً إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد. والوجه الثالث: في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } إلى قوله: { أية : وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } تفسير : [هود: 27] فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعاً كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا، وإنما يسعى في طلب الدين، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه. فأما قوله: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعاً لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء. روى ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم فقال عليه الصلاة والسلام: {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا: { أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى } تفسير : [هود: 27] كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون: لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أموراً: الأول: أنهم ملاقو ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوهاً منها أنهم قالوا هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة. ومنها أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ }. ثم قال بعده {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } والمعنى: أن العقل والشرع تطابقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر التقي ومن إهانة الفاجر الكافر، فلو قلبت القصة وعكست القضية وقربت الكافر الفاجر على سبيل التعظيم، وطردت المؤمن التقي على سبيل الإهانة كنت على ضد أمر الله تعالى، وعلى عكس حكمه وكنت في هذا الحكم على ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين، والعقاب إلى المبطلين وحينئذ أصير مستوجباً للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح ثم أكد هذا البيان بوجه ثالث فقال: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } أي كما لا أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالاً ولا لي غرض في المال لا أخذاً ولا دفعاً، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولا أتباعي ولا أقول إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه وطريقه فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين وإنما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيباً علي، ثم إنه أكد هذا البيان بطريق رابع فقال: {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال: إني لا أقول ذلك، لأنه من باب الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ملك الآخرة فأكون كاذباً فيما أخبرت به، فإني إن فعلت ذلك كنت من الظالمين لنفسي ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم الخير في الآخرة. المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقالوا: إن الإنسان إذا قال: أنا لا أدعي كذا وكذا، فهذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء، ثم قالوا: وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى طول الدنيا مذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة، وتمام التقرير أن الفضائل الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء: أولها: الاستغناء المطلق وجرت العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فإنه يوصف بكونه غنياً فقوله: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق وثانيها: العلم التام وإليه الإشارة بقوله: {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } وثالثها: القدرة التامة الكاملة، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة والقوة هم الملائكة وإليه الإشارة بقوله: {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أن ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية، فأما الكمال المطلق فأنا لا أدعيه وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن قوله: {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } يدل على أنهم أكمل من البشر، وأيضاً يمكن جعل هذا الكلام جواباً عما ذكروه من الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال: {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أُجري الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال: {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية. المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله: { أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } تفسير : [الأنعام: 52] وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب. والجواب: يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح. المسألة الرابعة: احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام {مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ } معناه إن كان هذا الطرد محرماً فمن ذا الذي ينصرني من الله، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله: {مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ } واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } تفسير : [البقرة: 48، 123] إلى قوله: { أية : وَلاَ هم يُنصَرُونَ } تفسير : [البقرة: 48، 123] والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام.

البيضاوي

تفسير : {وَيَا لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ} على التبليغ وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر. {مَالاً } جعلا: {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} فإنه المأمول منه. {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} جواب لهم حين سألوا طردهم. {أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ} فيخاصمون طاردهم عنده، أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم. {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} بلقاء ربكم أو بأقدارهم أو في التماس طردهم، أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل.

ابن كثير

تفسير : يقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالاً: أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من الله عز وجل {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُوۤاْ} كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشاماً ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم؛ كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء، ويجلس معهم مجلساً خاصاً، فأنزل الله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىِّ} تفسير : [الأنعام: 52] الآية، وقال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 53] الآيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَٰقَوْمِ لآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة {مَالاً } تعطونيه {إِن } ما {أَجْرِىَ } ثوابي { إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذيِنَ ءَامَنُواْ} كما أمرتموني {إِنَّهُمْ مُّلَـٰقُو رَبّهِمْ } بالبعث فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم {وَلَٰكِنِّى أَرَٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } عاقبة أمركم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {.. وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} لأنهم سألوه طرد من اتبعه من أراذلهم، فقال جواباً لهم ورداً لسؤالهم: وما أنا بطارد الذين آمنوا. {إِنَّهُم مُّلاَقُوْا رَبِّهِم} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قال ذلك على وجه الإعظام لهم بلقاء الله تعالى. الثاني: على وجه الاختصام، بأني لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله. {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تجهلون في استرذالكم لهم وسؤالكم طردهم. الثاني: تجلون في أنهم خير منكم لإيمانهم وكفركم.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَجْهَلُونَ} أنهم أفضل منكم لإيمانهم وكفركم، أو لاسترذالكم وطلب طردهم.

النسفي

تفسير : {وَيَٰقَوْمِ لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة لأنه مدلول قوله {إني لكم نذير} {مَالاً } أجراً يثقل عليكم إن أديتم أو عليّ أن أبيتم {إِنْ أَجْرِىَ } مدني وشامي وأبو عمرو وحفص {إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنو } جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أنفة من المجالسة معهم {أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } فيشكونني إليه إن طردتهم {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، أو تجهلون لقاء ربكم أو أنهم خير منكم {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ } من يمنعني من انتقامه{إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تتعظون{وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } فأدعي فضلاً عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم {وما نرى لكم علينا من فضل} {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على {عندي خزائن الله} أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا إلى {ما أنت إلا بشر مثلنا} {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا } في الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولاً على هواكم {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم {إِنّى إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إن قلت شيئاً من ذلك. والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه وأصله تزتري فأبدلت التاء دالاً. {قَالُواْ يَا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا } خاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعدك .

ابو السعود

تفسير : {وَيَا قَوْمِ لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على ما قلته في أثناء دعوتِكم {مَالاً} تؤدّونه إليّ بعدِ إيمانِكم واتباعِكم لي فيكونَ ذلك أجراً لي في مقابلة اهتدائِكم {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} الذي يُثيبني في الآخرة، وفي التعبـير عنه حين نُسب إليهم بالمال ما لا يخفى من المزية {وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} جوابٌ عما لوّحوا به بقولهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} تفسير : [هود: 27] من أنه لو اتبعه الأشرافُ لوافقوهم وأن اتّباعَ الفقراءِ مانعٌ لهم عن ذلك كما صرّحوا به في قولهم: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 111] فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه الصلاة والسلام بذلك أنفَةً من الانتظام معهم في سلك واحد {إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبّهِمْ} تعليلٌ لامتناعه عليه السلام عن طردهم أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله عز وجل كأنه قيل: لا أطرُدهم ولا أُبعِدُهم عن مجلسي لأنهم مقرَّبون في حضرة القدسِ، والتعرّضُ لوصف الربوبـيةِ لتربـية وجوبِ رعايتِهم وتحتّمِ الامتناعِ عن طردهم، أو مصدِّقون في الدنيا بلقاء ربِّهم موقنون به عالِمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطرُدهم. وحملُه على معنى أنهم يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيحٍ ثابتٍ كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرِفونهم به ـ من بناء إيمانِهم على بادي الرأي من غير نظرٍ وتفكّر، وما عليّ أن أشقَّ عن قلوبهم وأتعرَّفَ سرَّ ذلك منهم حتى أطرُدَهم إن كان الأمرُ كما تزعُمون ـ يأباه الجزمُ بترتّب غضب الله عز وجل على طردهم كما سيأتي وأيضاً فهم إنما قالوا إن اتباعَهم لك إنما هو بحسب بادي الرأي بلا تأمل وتفكرٍ، وهذا لا يكاد يصلُح مداراً للطرد في الدنيا ولا للمؤاخذة في الآخرة، غايتُه أن لا يكونوا في مرتبة الموقنين، وادعاءُ أن بناءَ الإيمانِ على ظاهر الرأي يؤدّي إلى الرجوع عنه عند التأملِ ـ فكأنهم قالوا إنهم اتبعوك بلا تأمل فلا يثبُتون على دينك بل يرتدون عنه ـ تعسفٌ لا يخفى. {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} بكل ما ينبغي أن يُعلم، ويدخُلُ فيه جهلُهم بلقاء الله عز وجل وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردِهم لغضب الله كما سيأتي وبركاكة رأيِهم في التماس ذلك وتوقيفِ إيمانهم عليه أنفةً عن الانتظام معهم في سلك واحدٍ وزعماً منهم أن الرذالة بالفقر والشرفَ بالغنى. وإيثارُ صيغةِ الفعلِ للدلالة على التجدد والاستمرارِ، أو تتسافهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخَساسة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الآية: 29]. قال أبو عثمان رحمة الله عليه فى هذه الآية: ما أنا بمعرض عمن أقبل على الله، فإن من أقبل على الله بالحقيقة أقبل الله عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله عليه فقد أعرض عن الله.

القشيري

تفسير : سُنَّة الأنبياء - عليهم السلام - ألا يطلبوا على رسالتهم أجراً، وأَلاَّ يُؤَمِّلُوا لأنفسهم عند الخْلق قَدْراً، عَمَلُهُم لله لا يطلبون شيئاً من غير الله. فَمَنْ سَلكَ من العلماء سبيلَهم حُشِرَ في زمرتهم، ومَنْ أَخَذَ على صلاحِه مِنْ أحدٍ عِوَضَاً، أو اكتسب بسداده جاهاً لم يَرَ من الله إلا هواناً وصَغَاراً.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} بين سبحانه من قول نبيه نوح عليه السلام انه قال ما انا بطارد قوم اختارهم الله بالنظر الى جماله والجلوس على صفائح قدسه ومجالس انسه وسماع كلامه والمعرفة بصفاته وذاته وقربه وقرب قربه فى الازل وسابق العلم تصديق ذلك قوله انهم ملاقوا ربهم اي ليس على قبولهم وطردهم من اختارنى بالرسالة فقد اختارهم بالولاية يختص برحمته من يشاء لا ينظروا الى انكسارهم فى الطريقة واعراضهم عن دينا الدينة ورثاثة ثيابهم وصفرة الوانهم وقصر اكمامهم فانهم حمايم ابراج الملكوت === معارج الجبروت قال ابو عثمان فى هذه الاية ما انا بمعرض عمن اقبل على الله فان من اقبل على الله بالحقيقة اقبل الله عليه ومن اعرض عمن اقبل على الله فقدره اعرض عن الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويا قوم لا اسألكم عليه} على تبليغ الرسالة وهو ان لم يذكر فمعلوم من قوله انى لكم نذير مبين ان لا تعبدوا الا الله {مالا} تؤدونه الى بعد ايمانكم واتباعكم لى فيكون ذلك اجرا لى فى مقابلة اهتدائكم {ان اجرى الا على الله} وهو الثواب الذى يثيبنى فى الآخرة اى ما بلغتكم من رسالة الله الا لوجه الله لا لغرض من اغراض الدنيا {وما انا بطارد الذين آمنوا} لانهم طلبوا منه ان يطرد من عنده من الفقراء والضعفاء حتى يجالسوه كما طلب رؤوس قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين الملازمين لمجلسه الشريف استنكافا منهم ان ينتظموا معهم فى سلك واحد: قال الحافظ شعر : آنجه زر ميشود از برتو آن قلب سياه كيميا ييست كه در صحبت درويشا نست تفسير : وقال شعر : نظر كردن بدرويشان منافئ بزركى نيست سليمان با جنان حشمت نظرها بودبا مورش تفسير : قيل ان الله تعالى اختار الفقر لرسول الله صلى الله عليه وسلم نظرا لقلوب الفقراء حتى يتسلى الفقير بفقره كما يتسلى الغنى بماله وليدل على هوان الدنيا عند الله تعالى {انهم ملاقوا ربهم} يوم القيامة فيقتص لهم ممن ظلمهم كما فى الكواشى او انهم فائزون فى الآخرة بلقاء الله تعالى وحسن جزائه كأنه قيل لا اطردهم ولا ابعدهم عن مجلسى لانهم مقربون فى حضرة القدس وكيف اذل من اعزه الله تعالى {ولكنى اراكم قوما تجهلون} ما امرتكم به وما جئتكم به قال ابو الليث. وقال فى الارشاد تجهلون بكل ما ينبغى ان يعلم ويدخل فيه جهلهم بلقائه تعالى وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردهم لغضب الله تعالى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله:، حاكياً عن نوح عليه السلام: {ويا قوم لا أسألكم عليه}؛ على التبليغ المفهوم من السياق، {مالاً}: جُعلاً انتفع به، {وإن أجري إلا على الله}؛ فإنه المأمول منه. ثم طلبوا منه طرد الضعفاء ليجالسوه، فقال لهم: {وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم} فيخاصموني إن طردتهم، أو: إنهم ملاقوه فيفوزون بقربه، فكيف أطردهم؟ {ولكني أراكم قوماً تجهلون} لقاء ربكم، أو بأقدارهم، أو تسفهون عليهم فتدعُوهم أرذال، أو قوماً جُهالاً استحكم فيكم الجهل وشختم فيه، فلا ينفع فيكم الوعظ والتذكير. {ويا قوم من ينصرني من الله}: من يدفع انتقامه عني {إن طردتهم} وهم بتلك الصفة الكاملة من الإيمان والخوف منه؟ {أفلا تذكرون} فتعلموا أن التماس طردهم، وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب. الإشارة: قال القشيري: قوله تعالى: {لا أسألكم عليه مالاً}، فيه تنبيه للعلماء ـ الذين هم ورثة الأنبياء أن يتأدبوا بأنبيائهم، وألا يطلبوا من الناس شيئاً في بث علومهم، ولا يرتفقوا منهم بتعليمهم، والتذكير لهم، وما ارتفق من المستمعين في بث فائدة يذكر بها من الدين، ويعظ بها المسلمين فلا يبارك الله فيما يُسمعون به عن الله، ولا ينتفعون به، ويحصلون به على سخط من الله. هـ. قلت: هذا إن كان له تشوف وتطلع بذلك، بحيث لو لم يعط لم يُعلم، أو لم يُذكر. وأما إن كان يعلم ويذكر لله، ثم يتصدق عليه لله، فلا بأس به إن شاء الله. وما زالت الأشياخ والأولياء يقبضون زيارات الفقراء، وكل من يأتيهم ويذكرونهم ويعرفونهم بالله، لأن ذلك ربح للمعطي وتقريب له، وما ربح الناس إلا من فلسهم ونفسهم؛ بذلوها لله، فأغناهم الله. وقد تقدم عند قوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً...}تفسير : [التوبة: 103] بعض الكلام على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ولما قالوا له: لو كنت نبي الله، لأغناك الله عن التكسب، ولأعلمك بما يفعل أتباعك؛ فإنهم ما اتبعوك إلا في الظاهر دون الباطل، قال لهم: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية ما قال نوح لقومه أي لا أطلب منكم مالا أجراً على الرسالة ودعائكم إلى الله فتمتنعون من إجابتي بل أجري وثوابي في ذلك على الله. وقوله {وما أنا بطارد الذين آمنوا} معناه إني لست أطرد المؤمنين من عندي ولا أبعدهم على وجه الاهانة. وقيل: انهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا أنفة أن يكونوا معهم على سواء، ذكره ابن جريح والزجاج - وقوله {إنهم ملاقوا ربهم} اخبار بأن هؤلاء المؤمنين ملاقوا جزاء ربهم بعقاب من طردهم. في قول الزجاج. وقوله {ولكني أراكم قوماً تجهلون} معناه أراكم تجهلون انهم خير منكم لايمانهم بربهم وكفركم به. وقال قوم: إنهم قالوا له إن هؤلاء اتبعوك طمعاً في المال على الظاهر دون الباطن، فقال لهم نوح انهم ملاقوا جزاء اعمالهم فيجازيهم على ما يعلم من بواطنهم وليس لي الا الظاهر احملهم على ظاهر الايمان فانتم تجهلون ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} بعد ما اظهر الدّعوى وادّعى خفاء المدّعى عليهم تعرّض لجوابهم لانّهم عرّضوا بتكذيبه الى انّه (ص) طالب للدّنيا والرّياسة وبتحقير الاتباع الى طردهم عنه بل صرّحوا بطردهم كما نقل فقال: ان كنت طالباً لدنياكم ينبغى ان يظهر منّى التّعرّض لها حيناً ما، والحال انّى لا اسألكم عليه مالاً {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} وان كان ازدراء المؤمنين فى اعينكم سبباً لتوهينى ومانعاً من اتّباعكم لى فليس امرهم الىّ {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} بملاقاة خليفته ومظهره وبملاقاة ملكوت ربّهم المضاف فى الدّنيا والآخرة ولذا أتى باسم الفاعل اشارة الى تحقّق الملاقاة فى الحال {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} استدراك لما اوهم كلامهم واستدلالهم على تكذيبه من انّهم اهل علم وعقل ومقابلة لما قالوا له من قولهم ما نريك يعنى انّ تكذيبى وعدم اتّباعى ليس لما ذكرتم بل لوقوعكم فى دار الجهل وبعدكم عن دار العلم والعقل.

اطفيش

تفسير : {ويا قَوْم لا أسْألكم عَليْه} أى على الإنذار، أو على التبليغ، أو على ما أدعوكم إليه، يعلم ذلك من السياق السابق {مالاً} تعطونينه أجرة {إنْ أجْرىَ إلاَّ عَلى اللهِ} وسكن الياء ابن كثير وحمزة والكسائى. {وما أنا بِطاردِ الَّذينَ آمنُوا} جواب لهم حين سألوه أن يطردهم ليسلموا فلا يستووا معهم، أنفوا أن يكونوا مسلمين، فيضمهم وهؤلاء مجلس واحد، فاشترطوا لإسلامهم أن يطردهم وقرئ بتنوين طارد. {إنَّهمْ مُلاقُوا ربِّهم} تعليل جملى، أى لأنهم ملاقون ربهم بالبعث فيخاصموننى عنده إن طردتهم، فيعاقبنى، أو لأنهم يلاقونه فيفوزون بقربه، ويجازيهم بالخير، فكيف أطرد من هذه صفته، أو لأنهم يلاقون ربهم فيكفينى أمرهم بأن يثيبهم إن كانوا على ما يقولون، وعلى ما ظهر لى، ويعاقبهم إن كانوا على غير ذلك، أو لأنهم يلاقونه فيجازيهم بخير، فينصف لهم ممن ظلمهم أو طردهم، أو لأنهم معتقدون ملاقات ربهم. {ولكنِّى} وسكن الياء غير نافع، والبزى، وأبى عمرو {أراكُم قَوماً تجْهلُونَ} ملاقاة الله، أو تجهلون أنهم ليسوا بأهل أن يطردوا، وأنهم خير منكم، أو تجهلون حقهم وأقدارهم فدعوتموهم أراذل، وطلبتم طردهم، أو تسيئون إليهم، يقال: جهل عليه أى جفاه وأساء إليه، أو تجهلون عاقبة أمرهم، أو تجهلون أمر الله وعظمته وأمره ونهيه.

الالوسي

تفسير : {وَيٰقَوْمِ} ناداهم بذلك تلطفاً بهم واستدراجاً لهم {لآ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي التبليغ المفهوم مما تقدم، وقيل: الضمير للإنذار، وأفرد الله سبحانه بالعبادة، وقيل: للدعاء إلى التوحيد، وقيل: غير ذلك، وكلها أقوال متقاربة أي لا أطلب منكم على ذلك {مَالاً} تؤدونه إليَّ بعد إيمانكم، وأجراً لي في مقابلة اهتدائكم {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} فهو سبحانه يثيبني على ذلك في الآخرة ولا بدّ حسب وعده الذي لا يخلف، فالمراد بالأجر الأجر على التبليغ، وجوز أن يراد الأجر على الطاعة مطلقاً، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً، وفي التعبير بالمال أولاً وبالأجر ثانياً ما لا يخفى من مزية ما عند الله تعالى على ما عندهم. {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} قيل: هو جواب عما لوحوا به بقولهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا }تفسير : [هود: 27] من أنه لو اتبعه الأشراف لوافقوهم وأن اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك كما صرحوا به في قولهم: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ }تفسير : [الشعراء: 111] فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد انتهى. والمروي عن ابن جريج أنهم قالوا له يا نوح: إن أحببت أن نتبعك فاطرد هؤلاء وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء، وذلك كما قال قريش للنبـي صلى الله عليه وسلم في فقراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم: اطرد هؤلاء عنك ونحن نتبعك فأنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك فهو جواب عما لم يذكر في النظم الكريم لكن فيه نوع إشارة إليه. وقرىء {بِطَارِدِ} بالتنوين قال الزمخشري: على الأصل يعني أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فأصله أن يعمل ولا يضاف، وهو ظاهر كلام سيبويه، واستدرك عليه أبو حيان بأنه قد يقال: إن الأصل الإضافة لأنه قد اعتوره شبهان: أحدهما شبهه بالمضارع وهو شبه بغير جنسه، والآخر شبهه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة، وإلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه انتهى، وربما يقال: إن أولوية إلحاقه بالأسماء إنما يتم القول بها إذا كانت الإضافة في الأسماء هي الأصل وليس فليس. {إِنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ} تعليل للامتناع من طردهم كأنه قيل: لا أطردهم ولا أبعدهم عن مجلسي لأنهم من أهل الزلفى المقربون الفائزون عند الله تعالى؛ وانفهام الفوز بمعونة المقام وإلا فملاقاة الله تعالى تكون للفائز وغيره، أو أنهم ملاقوا ربهم فيخاصمون طاردهم عنده فيعاقبه على ما فعل. وحمله على أنهم مصدقون في الدنيا بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطردهم خلاف الظاهر على أن هذا التصديق من توابع الإيمان، وقيل: المعنى إنهم يلاقونه تعالى فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء أمرهم على بادىء الرأي من غير تعمق في الفكر، وما عليَّ أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون، وفيه أنه مع كونه / مبنياً على أن سؤال الطرد لعدم إخلاصهم لا لاسترذالهم وحاله أظهر من أن يخفى يأباه الجزم بترتب غضب الله تعالى على طردهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَٰكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} أي بكل ما ينبغي أن يعلم، ويدخل فيه جهلهم بمنزلتهم عند الله تعالى وبما يترتب من المحذور على طردهم وبركاكة رأيهم في التماس ذلك، وتوقف إيمانهم عليه وغير ذلك. وإيثار صيغة الفعل للدلالة على التجدد والاستمرار، وعبر بالرؤية موافقة لتعبيرهم، وجوز أن يكون الجهل بمعنى الجناية على الغير وفعل ما يشق عليه لا بمعنى عدم العلم المذموم وهو معنى شائع كما في قوله: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : أي ولكني أراكم قوماً تتسفهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخساسة.

ابن عاشور

تفسير : إعادة الخطاب بـ{يا قوم} تأكيد لما في الخطاب به أول مرة من المعاني الّتي ذكرناها، وأما عطف النداء بالواو مع أن المخاطب به واحد وشأن عطف النداء أن يكون عند اختلاف المنادى، كقول المعري: شعر : يا ساهر البرق أيقظن راقد السمر لعل بالجزع أعواناً على السهر تفسير : ثم قال: شعر : ويا أسيرة حجليها أرى سفها حَمْلَ الحُلي بمن أعيَا عن النظر تفسير : فأما إذا اتّحد المنادى فالشأن عدم العطف كما في قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ في سورة [مريم: 42] {أية : إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} تفسير : إلى قوله {أية : وَلِيّاً}تفسير : [مريم:45] فقد تكرّر النداء أربع مرات. فتعين هنا أن يكون العطف من مقول نوح ـ عليه السّلام ـ لا من حكاية الله عنه. ثمّ يجوز أن يكون تنبيهاً على اتّصال النداءات بعضها ببعض، وأن أحدها لا يغني عن الآخر، ولا يكون ذلك من قبيل الوصل لأن النداء افتتاح كلام فجملته ابتدائية وعطفها إذا عطفت مجرد عطف لفظي. ويجوز أن يكون ذلك تفنناً عربياً في الكلام عند تكرر النداء استحساناً للمخالفة بين التأكيد والمؤكد. وسيجيء نظير هذا قريباً في قصة هود ـ عليه السلام ـ وقصة شعيب ـ عليه السّلام ـ. ومنه ما وقع في سورة [المؤمن:30 ـ 33] في قوله: {أية : وقال الذي آمن يا قوم إني أخَافُ عَليْكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذينَ مِن بعَدهم وما الله يريد ظلماً للعباد ويا قوم إنّي أخَافُ علَيكُم يَوْم التنادِ يوم تُولّون مُدبرين ما لكم من الله من عاصمٍ}تفسير : ثم قال: {أية : وقال الذي آمن يا قوم اتبعونِ أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار، من عمل سيئة فَلا يُجزى إلاّ مثلَها ومَن عمِل صالحاً من ذكر أو أنْثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حسابٍ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النّار}تفسير : [غافر: 38 ـ 41]. فعطف (ويا قوم) تارة وترك العطف أخرى. وأما مع اختلاف الوصف المنادى به فقد جاء العطف وهو أظهر لما في اختلاف وصف المنادى من شبه التغاير كقول قيس بن عاصم، وقيل حاتم الطائيء: شعر : أيا ابنةَ عبد الله وابنةَ مالك ويا ابنةَ ذي البُردين والفرس الورد تفسير : فقوله: (ويابنة ذي البردين) عطف نداء على نداء والمنادى بهما واحد. لما أظهر لهم نوح ـ عليه السّلام ـ أنه يجبرهم على إيمان يكرهونه انتقل إلى تقريبهم من النظر في نزاهة ما جاءهم به، وأنه لا يريد نفعاً دنيوياً بأنّه لا يسألهم على ما جاء به مالاً يعطونه إياه، فماذا يتهمونه حتّى يقطعون بكذبه. والضمير في قوله: {عليه} عائد إلى المذكور بمنزلة اسم الإشارة في قوله {ومن يفعل ذلك} فإن الضمير يعامل معاملة اسم الإشارة. وجملة {إن أجْري إلاّ على الله} احتراس لأنه لمّا نفى أن يسألهم مالاً، والمال أجر، نشأ توهّم أنه لا يسأل جَزاء على الدعوة فجاء بجملة {إن أجْري إلاّ على الله} احتراساً. والمخالفة بين العبارتين في قوله: {مالا} و{أجري} تفيد أنه لا يسأل من الله مالاً ولكنه يسأل ثواباً. والأجر: العوض على عمل. ويسمّى ثواب الله أجراً لأنّه جزاء على العمل الصالح. وعطف جملة {وما أنا بطارد الذين آمنوا} على جملة {لا أسألكم عليه مالاً} لأنّ مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها لأن نفي طمعه في المخاطبين يقتضي أنه لا يؤذي أتباعه لأجل إرضاء هؤلاء. ولذلك عبّر عن أتباعه بطريق الموصولية بقوله: {الذين آمنوا} لِما يؤذن به الموصول من تغليظ قومه في تعريضهم له بأن يُطردهم بما أنهم لا يجالسون أمثالهم إيذاناً بأن إيمانهم يوجب تفضيلهم على غيرهم الذين لم يؤمنوا به والرغبةَ فيهم فكيف يطردهم. وهذا إبطال لما اقتضاه قولهم: {أية : وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا}تفسير : [هود: 27] من التعريض بأنهم لا يماثلونهم في متابعته. والطرد: الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيراً أو زجراً. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم}تفسير : في سورة [الأنعام: 52]. وجملة {إنهم ملاقوا ربهم} في موضع التعليل لنفي أن يطردهم بأنهم صائرون إلى الله في الآخرة فمحاسبٌ من يَطردهم، هذا إذا كانت الملاقاة على الحقيقة، أو أراد أنهم يدعون ربهم في صلاتهم فينتصر الله لهم إذا كانت الملاقاة مجازية، أو أنهم ملاقو ربهم حين يحضرون مجلس دعوتي لأنّي أدعو إلى الله لا إلى شيء يخصّني فهم عند ملاقاتي كمن يلاقون ربّهم لأنهم يتلقون ما أوحى الله إليّ. وهذا حديث : كقول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفَر الثلاثة الذين حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فجلس أحدهم، واستحَيَا أحدهم، وأعرض الثالث «أمّا الأول فآوَى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه»تفسير : . وتأكيد الخبر بـ(إنّ) إنْ كان اللقاء حقيقة لرد إنكار قومه البعث، وإنْ كان اللقاء مجازاً فالتّأكيد للاهتمام بذلك اللقاء. وقد زيد هذا التأكيد تأكيداً بجملة {ولكني أراكم قوماً تجهلون}. وموقع الاستدراك هو أن مضمون الجملة ضد مضمون التي قبلها وهي جملة {إنهم ملاقوا ربهم} أي لا ريب في ذلك ولكنكم تجهلون فتحسبونهم لا حضرة لهم وأن لا تبعة في طردهم. وحذف مفعول {تجهلون} للعلم به، أي تجهلون ذلك. وزيادة قوله: {قوماً} يدل على أن جهلهم صفة لازمة لهم كأنها من مقومات قوميتهم كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : لآياتٍ لقومٍ يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أنه أخبر قومه أنه لا يسألهم مالاً في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير العظيم مجاناً من غير أخذ أجرة في مقابله. وبين في آيات كثيرة: أن ذلك هو شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كقوله في سبأ عن نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [سبأ: 47] الآية. وقوله فيه أيضاً في آخر صٱ: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [صٱ: 86]. وقوله في الطور والقلم {أية : أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}تفسير : [الطور: 40]. وقوله في الفرقان {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}تفسير : [الفرقان: 57]. وقوله في الأنعام: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنعام: 90]. وقوله عن هود في سورة هود: {أية : يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ}تفسير : [هود: 51] الآية. وقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 109]. وقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس {أية : ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً}تفسير : [يس: 20 -21] الآية. وقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة وبين قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23] في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى {أية : قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ}تفسير : [سبأ: 47]. ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجاناً من غير أخذ عوض ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام. ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي والروياني في مسنده عن أبي ابن كعب رضي الله عنه قال: علمت رجلاً القرآن، فأهدى لي قوساً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إن أخذت قوساً من نار" تفسير : فرددتها. قال البيهقي وابن عبد البر في هذا الحديث: هو منقطع، أي بين عطية الكلاعي وأبي بن كعب، وكذلك قال المزي. وتعقبه ابن حجر بأن عطية ولد في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وأعله ابن القطان بأن رواية عن عطية المذكور هو عبد الرحمن بن سَلْم وهو مجهول. وقال فيه ابن حجر في التقريب. شامي مجهول. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وله طرق عن أبي. قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء قال الحافظ وفيما قاله نظر. وذكر المزي في الأطراف له طرقاً منها: أن الذي أقرأه أبي هو الطفيل بن عمرو، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن عمرو الدوسي قال. أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت له قوساً فغدا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد تقلدها فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : تقلدها من جهنم"تفسير : الحديث. وقال الشوكاني أيضاً: وفي الباب عن معاذ عند الحاكم والبزار بنحو حديث أبي. وعن أبي الدرداء عن الدارمي بإسناد على شرط مسلم بنحوه أيضاً. ومن ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه "حديث : عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال. علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوساً فقلت ليست بمال أرمي بها في سبيل الله عز وجل، لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتيته فقلت. يا رسول الله، أهدى إلي رجل قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال أرمى عليها في سبيل الله؟ فقال:إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها"تفسير : وفي إسناده المغيرة بن زياد الموصلي قال الشوكاني: وثقه وكيع ويحيى بن معين وتكلم فيه جماعة. وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أو زرعة الرازي. لا يحتج بحديثه ا هـ. وقال فيه ابن حجر في التقريب. المغيرة بن زياد البجلبي أبو هشام أو هاشم الموصلي صدوق له أوهام. "حديث : وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق أخرى ليس فيها المغيرة المذكور. حدثنا عمرو بن عثمان وكثير بن عبيد قالا: ثنا بقية حدثني بشر بن عبد الله بن بشار قال عمرو: وحدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها" تفسير : اهـ منه بلفظه. وفي سند هذه الرواية بقية بن الوليد وقد تكلم فيه جماعة، ووثقه آخرون إذا روى عن الثقات، وهو من رجال مسلم. وأخرج له البخاري تعليقاً. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، والظاهر أن أعدل الأقوال فيه أنه إن صرح بالسماع عن الثقات فلا بأس به، مع أن حديثه هذا معتضد بما تقدم وبما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن ذلك "حديث : ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قوماً يقرؤون القرآن يسألون به الناس" تفسير : قال الترمذي في هذا الحديث: ليس إسناده بذلك. ومنها ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا وهب بن بقية، أخبرنا خالد عن حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، حديث : عن جابر بن عبد الله قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي: فقال: "اقرؤوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه"تفسير : حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن وفاء بن شريح الصدفي، حديث : عن سهل بن سعد الساعدي قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقتري فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود، اقرؤوا قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره ولا يـتأجله"تفسير : اهـ. ومنها ما رواه الإمام أحمد، حديث : عن عبد الرحمن بن شبل، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به".تفسير : قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في هذا الحديث: قال في مجمع الزوائد رجال أحمد ثقات. ومنها ما أخرجه الأثرم في سننه "حديث : عن أُبي رضي الله عنه قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة، قد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي شيء فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله" تفسير : ا هـ بواسطة نقل ابن قدامة في المغني والشوكاني في نيل الأوطار. فهذه الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليها. وممن قال بهذا: الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأبو حنيفة والضحاك بن قيس وعطاء. وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبد الله بن شقيق: هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت. وممن كره أجرة التعليم مع الشرط: الحسن وابن سرين، وطاوس، والشعبي، والنخعي. قاله في المغني. وقال: إن ظاهر كلام الإمام أحمد جواز أخذ العلم ما أعطيه من غير شرط. وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب مالك، والشافعي. وممن رخص في أجور المعلمين: أبو قلابة، وأبو ثور، وابن المنذر. ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال: التعليم أحب إلي من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحب إلي. وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم. قاله ابن قدامة في المغني. واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يارسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : هل عندك من شيء تصدقها إياه؟" فقال: ما عندي إلا إزاري. فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك"، فالتمس شيئاً فقال: ما أجد شيئاً، فقال: "التمس ولو خاتماً من حديد" فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ قال نعم، سورة كذا وكذا يسميها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" وفي رواية "قد ملكتكها بما معك من القرآن"تفسير : فقالوا: هذا الرجل أباح له النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضاً عن صداقها. وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز. وما رد به بعض العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم زوجه إياها بغير صداق إكراماً له لحفظه ذلك المقدار من القرآن، ولم يجعل التعليم صداقاً لها - مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن"تفسير : وفي رواية لأبي داود "حديث : علمها عشرين آية وهي امرأتك ". تفسير : واحتجوا أيضاً بعموم قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس: "حديث : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله"تفسير : قالوا: الحديث وإن كان وارداً في الجعل على الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. واحتمال الفرق بين الجعل على الرقية وبين الأجرة على التعليم ظاهر. قال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم، أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام للأدلة الماضية. وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين. لأن الظاهرأن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {أَسْأَلُكُمْ} {آمَنُوۤاْ} {مُّلاَقُو} {أَرَاكُمْ} (29) - وَأَنَا لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَى نُصْحِي لَكُمْ، وَدَعْوَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، مَالاً آخُذُهُ مِنْكُمْ أُجْرَةً عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، وَأَنَا لاَ أَسْتَطِيعُ طَرْدَ المُؤْمِنِينَ كَمَا طَلَبْتُمْ مِنِّي، اسْتِعْلاءً مِنْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَتَحَاشِياً مِنَ الجُلُوسِ مَعَهُمْ، لأَنَّهُمْ سَيُلاَقُونَ رَبَّهُمْ، وَسَيَسْأَلُنِي اللهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ قَوْماً تَتَجَاوَزُونَ فِي طَلَبِكُمُ الحَقَّ وَالصَّوابَ، إِلَى الجَهْلِ وَالبَاطِلِ، وَلا تًدْرِكُونَ أَنَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَفَاضَلَ فِيهِ الخَلْقُ عِنْدَ اللهِ هُوَ الإِيمَانُ، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ، لاَ المَالُ، وَلا الحَسَبُ وَلا الجَاهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول، ففي مواضع أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ..}تفسير : [الأنعام: 90]. لأن العِوَض في التبادل قد لا يكون مالاً، بل قد يكون تمراً، أو شعيراً أو قطناً أو غير ذلك، والأجر - كما نعلم - هو أعم من أن يكون مالاً أو غير مال؛ لذلك يقول الحق سبحانه هنا: {لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ..} [هود: 29]. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغْلَى الأمر. وقول الرسول: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ..} [هود: 29]. هو قول يدل على أن الأمر الذي جاء به الرسول هو أمر نافع؛ لأن الأجرة لا تستحق إلا مقابل المنفعة. ونحن نعلم أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه؛ تُسمَّى شراء، أما أن يأخذ الإنسان المنفعة من العين، وتظل العين ملكاً لصاحبها، فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع عنها إيجاراً، فكأن نوحاً عليه السلام يقول: لقد كنت أستحق أجراً لأنني أقدِّم لكم منفعة، لكنني لن آخذ منكم شيئاً، لا زُهْداً في الأجر، ولكني أطمع في الأجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر. ولأن هذا الملأ الكافر قد وصف من اتبع نوحاً بأنهم أراذل؛ لذلك يأتي الرد من نوح عليه السلام: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ..} [هود: 29]. ويوضح هذا الرد أن نوحاً عليه السلام لا يمكن أن يطرد إنساناً من حظيرة الإيمان لأنه فقير، فاليقين الإيماني لا علاقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر والحاجة. ولا يُخْلِي رسولٌ مكاناً من أتباعه الفقراء ليأتي الأغنياء، بل الكلُّ سواسية أمام الله سبحانه وتعالى. والحق سبحانه يقول: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 52]. وقد جعل الحق سبحانه هؤلاء الذين يطلق عليهم كلمة "أراذل" فتنة، فمن تكبَّر بسبب فقر وضعف أتباع الرسل، فليغرق في كِبْره. لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [الأنعام: 53]. وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلاء الضعاف، وألا ينصرف عنهم أو عن أي واحد منهم، فيقول الحق سبحانه: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ..}تفسير : [الكهف: 28]. جاء هذا القول حتى لا ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: "فلان مُقَرَّبٌ منه"؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس؛ يوزع نظره على كل جلسائه، حتى يظن كل جالس أن نظره لا يتحول عنه. وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا نوح - عليه السلام - وصفاً لهؤلاء الضعاف الذين آمنوا: {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ..} [هود: 29]. وفي هذا بيانٌ أن نوحاً - عليه السلام - لن يطرد هؤلاء الضعاف المؤمنين، فلو طردهم وهم الذين سيلقون الله تعالى، أيسمح نوح عليه السلام أن يقال عنه أمام الحق - تبارك وتعالى - إنه قد طرد قوماً آمنوا برسالته؟ طبعاً لا. ونحن نعلم أن الحق سبحانه يحاسب رسله، والمرسَل إليهم، فهو سبحانه القائل: {أية : فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 6]. إذن: فنوح - عليه السلام - يعلم أنه مسئول أمام ربه، ولكن هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الآية الكريمة على لسان نوح عليه السلام: {.. وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29]. أي: أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه السلام، وأنه مسئول أمام ربه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على تبليغي وإرشادي إياكم وإهدائي لكم {مَالاً} جعلاً وأجراً {إِنْ أَجْرِيَ} أي: ما أجري {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} الذي أمرني به وبعثني لتبليغه {وَ} إن أردتم أن أطرد من معي من المؤمنين فاعلموا أني {مَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وليس في وسعي طردهم وكيف أطردهم {إِنَّهُمْ} من غاية سعادتهم وصلاحهم {مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} الذي وفقهم على الإيمان والهداية، فيخاصمون مع طاردهم وينتقمون عنه {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ} من خبث باطنكم {قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29] تنكرون لقاء الله وحوله وقوته وإعانته للمظلوم وانتقامه للظالم الطارد. {وَيٰقَوْمِ} المكابرين المعاندين في طلب طرد المؤمنين الموقنين {مَن يَنصُرُنِي} ويدفع عني {مِنَ} عذاب {ٱللَّهِ} وبطشه وانتقامه {إِن طَرَدتُّهُمْ} اتبغاء لمرضاتهم ومواساة لكم بلا إذن وارد من قبل الحق، ووحي نازل من عنده {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] أيها المجبولون على العقل المفاض، المستلزم للتوحيد والعرفان لينكشف الأمر عنكم، وتعرفوا وخامة عاقبة التماسكم طرد المؤمنين وتوفيقكم الإيمان عليه. {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ} مدعياً بعدم طرد المؤمنين الفاقدين حطام الدنيا {عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} فأغنيهم بها، لذلك لم أطردهم {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي: لا أدعي الاطع على غيوب أحوالهم في مآلهم حتى يكون سبب ودادي لهم {وَلاَ أَقُولُ} لكم مباهاة ومفاخرة: {إِنِّي مَلَكٌ} حتى تقولوا: ما أنت إلا بشر مثلنا {وَلاَ أَقُولُ} أيضاً {لِلَّذِينَ} أي: للمؤمنين الذين {تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} أي: استرذلتموهم، وتقولون في حقهم: ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي: {لَن يُؤْتِيَهُمُ} ويعطيهم {ٱللَّهُ خَيْراً} في الدنيا والأخرة؛ إذ حالهم ومآلهم من الغيوب التي استأثر الله بها ولم يطلعني عليها؛ إذ {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} من الإخلاص والرضا، وما لي علم بحالهم إلا بوحي الله وإلهامه، ولم يوخ إليَّ شيء من أحوالهم، وإن تفوهت عنهم وعن أحوالهم بلا وحي {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [هود: 31] المجترئين على الله في ادعاء الاطلاع على غيبه رجماً به. وبعدما سمعوا من نوح عليه السلام ما سمعوا {قَالُواْ} من فرط عتوهم وعنادهم: {يٰنُوحُ} نادوه استهانة واسحتقاراً {قَدْ جَادَلْتَنَا} وخاصمتنا بالمقدمات الكاذبة الوهمية {فَأَكْثَرْتَ} علينا {جِدَالَنَا} وبالغت فيها وتماديت {فَأْتِنَا} أيها المكثر المفرط {بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب، فإنا لن نؤمن بك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [هود: 32] في دعواك.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [هود: 29] أي: على دعوتكم من السفليات إلى العلويات وجوار رب العالمين، {مَالاً} [هود: 29] مما يميلون إليه من الشهوات السفلية؛ لأنها ليست من مشاربه، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} [هود: 29] لما دون مشروبي هو الواردات الإلهية والشواهد الربانية، {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} [هود: 29] يشير إلى أن النفس من طبعها أنها تنادي من استعمال البدن وجوارحه في تكاليف الشرع فيستدعي من الروح ويقول: أتريد أن أؤمن بك وأتخلق بأخلاقك، فامنع البدن وجوارحه من استعمال الشرعية فيجتنبها الروح ويقول: {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ} مانع الذين آمنوا من البدن وجوارحه من استعمال الشرعية؛ لأنهم اعتقدوا {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} بالعين التي هي ناظر بهم وهي مستفادة من رؤية الحق من الأنوار المودعة في أعمال الشريعة. {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ} [هود: 29] يا نفس الهوى الطبيعة، {قَوْماً تَجْهَلُونَ} [هود: 29] لا تقبلون بجهلكم دعوة قبلها البدن وجوارحه في العبودية للرجوع إلى حضرة الربوبية والاستعداد بالرؤية. {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} [هود: 30] أي: من يمنعني من عذاب الله وقهره إن منعت البدن من الطاعة والعبودية، واقتصر على تجرد يقين النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو معتقد أهل الفلاسفة وأهل الإباحة بأن يقولوا: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية الباطن والتحلية بالأخلاق الحميدة، فلا عبرة للأعمال البدنية كذبوا الله ورسوله فضلوا وأضلوا كثيراً، وإن القول ما قال المشايخ: الظاهر عنوان الباطن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى تستقيم أعماله"تفسير : يعني: أركان الشريعة على جوارحه. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [هود: 30] أن جمعية الباطن واستقامة الإيمان من نتائج استعمال الشريعة في الظاهر، والجمعية الحقيقية في الباطن هي المتولدة من الأنوار المودعة في أركان الشرع تسري إلى الباطن عن استعمال الشريعة في الظاهر وإن الله تعالى أودع النور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع، فافهم جدّاً. {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} [هود: 31] يعني: المواهب المخزونة المكنونة عند الله في الغيب، {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} [هود: 31] أي: وما أنا بقادر على ما في الغيب المعنى ليس في هذه الأشياء لأدعوكم إلى نفسي وأدعوكم إلى اتباعي بها، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} [هود: 31] لا أحتاج في الاستكمال إلى البدن وجوارحه، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} [هود: 31] أي: البدن وجوارحه الذين تنظرون إليهم بنظر الحقارة، {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} [هود: 31] أي: استعداداً لتحصيل الدرجات العلوية إذ هم مخلوقون من السفليات، {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ} [هود: 31] أي: في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال. {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [هود: 31] أي: منعتهم عن العبودية، {قَالُواْ يٰنُوحُ} أي: يا رو ح، {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} في طلب الحق ووعدتنا العذاب على رد الدعوة، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [هود: 32].