Verse. 1504 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَلَاۗ اَقُوْلُ لَكُمْ عِنْدِيْ خَزَاۗىِٕنُ اللہِ وَلَاۗ اَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَاۗ اَقُوْلُ اِنِّىْ مَلَكٌ وَّلَاۗ اَقُوْلُ لِلَّذِيْنَ تَزْدَرِيْۗ اَعْيُنُكُمْ لَنْ يُّؤْتِيَہُمُ اللہُ خَيْرًا۝۰ۭ اَللہُ اَعْلَمُ بِمَا فِيْۗ اَنْفُسِہِمْ۝۰ۚۖ اِنِّىْۗ اِذًا لَّمِنَ الظّٰلِــمِيْنَ۝۳۱
Wala aqoolu lakum AAindee khazainu Allahi wala aAAlamu alghayba wala aqoolu innee malakun wala aqoolu lillatheena tazdaree aAAyunukum lan yutiyahumu Allahu khayran Allahu aAAlamu bima fee anfusihim innee ithan lamina alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا» إني «أعلم الغيب ولا أقول إني مَلَكٌ» بل أنا بشر مثلكم «ولا أقول للذين تزدري» تحتقر «أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم» قلوبهم «إني إذًا» إن قلت ذلك «لمن الظالمين».

31

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } رزقه وأمواله حتى جحدتم فضلي. {وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } عطف على {عِندِي خَزَائِنُ ٱللَّهِ } أي: ولا أقول لكم أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني استبعاداً، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب، وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول. {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا. {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم. {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا } فإن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ إِنّى إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إن قلت شيئاً من ذلك، والازدراء به افتعال من زرى عليه إذا عابه قلبت تاؤه دالاً لتجانس الراء في الجهر وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم.

ابن كثير

تفسير : يخبرهم أنه رسول من الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له بإذن الله له في ذلك، ولا يسألهم على ذلك أجراً، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحقرونهم وتزدرونهم: إنهم ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطناً كما هو الظاهر من حالهم، فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا، لكان ظالماً قائلاً ما لا علم له به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلآ } أني {أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ } بل أنا بشر مثلكم {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى } تحتقر {أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } قلوبهم {إِنِّى إِذاً } إن قلت ذلك {لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} احتمل هذا القول من نوح عليه السلام وجهين: أحدهما: أن يكون جواباً لقومه على قولهم {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا} الثاني: أن يكون جواباً لهم على قولهم {وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} فقال الله تعالى له قل: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِن اللَّهِ} وفيها وجهان: أحدهما: أنها الرحمة أي ليس بيدي الرحمة فأسوقها إليكم، قاله ابن عباس. الثاني: أنها الأموال، أي ليس بيدي أموال فأعطيكم منها على إيمانكم. {وَلاَ أعْلَمُ الْغَيْبَ} فأخبركم بما في انفسكم. {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} يعني فأباين جنسكم. {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً} والازدراء الإحتقار. يقال ازدريت عليه إذاعبته، وزريت عليه إذا حقرته. وأنشد المبرد: شعر : يباعده الصديق وتزدريه حليلته وينهره الصغير. تفسير : {لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً} أي ليس لاحتقاركم لهم يبطل أجرهم أو ينقص ثوابهم، وكذلك لستم لعلوكم في الدنيا تزدادون على أجوركم. {اللَّهَ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} يعني أنه يجازيهم عليه ويؤاخذهم به. {إِني إذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} يعني إن قلت هذا الذي تقدم ذكره.

ابن عطية

تفسير : قوله: {ولا أقول} عطف على قوله: {أية : لا أسألكم عليه مالاً} تفسير : [هود: 29]، ومعنى هذه الآية: أني لا أموه عليكم ولا أتعاطى غير ما أهلني الله له، فلست أقول {عندي خزائن الله}، يريد القدرة التي يوجد بها الشيء بعد حال عدمه، وقد يمكن أن يكون من الموجودات كالرياح والماء، ونحوه ما هو كثير بإبداع الله تعالى له، فإن سمي ذلك - على جهة التجوز - مختزناً فيشبه. ألا ترى ما روي في أحمر ريح عاد أنه فتح عليهم من الريح قدر حلقة الخاتم، ولو كان على قدر منخر الثور لأهلك الأرض. وروي أن الريح عتت على الملائكة الموكلين بتقديرها فلذلك وصفها الله تعالى بالعتو، وقال ابن عباس وغيره: عتت على الخزان. فهذا ونحوه يقتضي أن ثم خزائن. ثم قال: {ولا أعلم الغيب}، ثم انحط على هاتين فقال {ولا أقول إني ملك}، ظاهر هذه الآية فضل الملك على البشر وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلاف. وظواهر القرآن على ما قلناه. قال القاضي أبو محمد: وإن أخذنا قوله {ولا أقول إني ملك} على حد أن لو قال: ولا أقول إني كوكب أو نحوه - زالت طريقة التفضيل، ولكن الظاهر هو ما ذكرنا. و {تزدري} أصله تزتري (تفتعل) من زرى يزري؛ ومعنى {تزدري}: تحتقر. و"الخير" هنا يظهر فيه أنه خير الآخرة، اللهم إلا أن يكون ازدراؤهم من جهة الفقر، فيكون الخير المال؛ وقد قال بعض المفسرين: حيثما ذكر الله الخير في القرآن فهو المال. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام تحامل، والذي يشبه أن يقال: إنه حيثما ذكر الخير فإن المال يدخل فيه. وقوله {الله أعلم بما في أنفسهم} تسليم لله تعالى، أي لست أحكم عليهم بشيء من هذا وإنما يحكم عليهم بذلك ويخرج حكمه إلى حيز الوجود، الله تعالى الذي يعلم ما في نفوسهم ويجازيهم بذلك، وقال بعض المتأولين: هي رد على قولهم: اتبعك أراذلنا على ما يظهر منهم. قال القاضي أبو محمد: حسبما تقدم في بعض تأويلات تلك الآية آنفاً، فالمعنى لست أنا أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خير بظنكم بهم أن بواطنهم ليست كظواهرهم، الله عز وجل أعلم بما في نفوسهم، ثم قال: {إني إذاً} لو فعلت ذلك {لمن الظالمين} الذين يضعون الشيء في غير موضعه. وقوله: {يا نوح...}، الآية معناه: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة والمخاصمة والمقابلة بالأقوال حتى تقع الغلبة، وهو مأخوذ من الجدل وهو شدة الفتل ومنه: حبل مجدول، أي ممرّ، ومنه قيل للصقر أجدل لشدة بنيته وفتل أعضائه؛ و"الجدال" فعال، مصد فاعل، وهو يقع من اثنين، ومصدر فاعل يجيء على فعال وفيعال ومفاعلة، فتركت الياء من فيعال ورفضت. ومن الجدال ما هو محمود، وذلك إذا كان مع كافر حربي في منعته ويطمع في الجدال أن يهتدي، ومن ذلك هذه الآية، ومنه قوله تعالى: {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن} تفسير : [النحل: 125] إلى غير ذلك من الأمثلة. ومن الجدال ما هو مكروه، وهو ما يقع بين المسلمين بعضهم في بعض في طلب علل الشرائع وتصور ما يخبر الشرع به من قدرة الله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكرهه العلماء، والله المستعان. وقرأ ابن عباس "قد جادلتنا فأكثرت جَدلنا" بغير ألف، وبفتح الجيم، ذكره أبو حاتم. والمراد بقولهم {ما تعدنا} العذاب والهلاك، والمفعول الثاني لـ {تعدنا} مضمر تقديره بما تعدناه. ولما كان الكلام يقتضي العذاب جاز أن يستعمل فيه الوعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {خَزَآئِنُ اللَّهِ} الأموال فأدفعها إليكم على إيمانكم، أو الرحمة فأسوقها إليكم "ع". {تَزْدَرِى} تحتقر، أزريت عليه عِبْته، وزريت عليه حقَّرته.

الخازن

تفسير : {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} هذا عطف على قوله لا أسألكم عليه مالاً والمعنى لا أسألكم عليه مالاً ولا أقول لكم عندي خزائن الله يعني التي لا يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها وقال ابن الأنباري الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق وإنما وجب أن يكون هذا جواباً من نوح عليه السلام لهم لأنهم قالوا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وادعوا أن المؤمنين إنما اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم وهم في الحقيقة غير متبعين له فقال مجيباً لهم ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يعلم منها ما ينطوي عليه عباده وما يظهرونه إلا هو وإنما قيل للغيوب خزائن لغموضها عن الناس واستتارها عنهم والقول الأول أولى ليحصل الفرق بين قوله ولا أقول لكم عندي خزائن الله وبين قوله {ولا أعلم الغيب} يعني ولا أدعي علم ما يغيب عني مما يسرونه في نفوسهم فسبيل قبول إيمانهم في الظاهر ولا يعلم ما في ضمائرهم إلا الله {ولا أقول إني ملك} وهذا جواب لقولهم ما نراك إلا بشراً مثلنا أي لا أدعي أني من الملائكة بل أنا بشر مثلكم أدعوكم إلى الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. (فصل) استدل بعضهم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء قال لأن نوحاً عليه السلام قال ولا أقول إني ملك لأن الإنسان إذا قال أنا لا أدعي كذا وكذا لا يحسن إلا إذا كان ذلك الشيء أشرف وافضل من أحوال ذلك القائل فلما قال نوح عليه السلام هذه المقالة وجب أن يكون الملك أفضل منه والجواب أن نوحاً عليه السلام إنما قال هذه المقالة في مقابلة قولهم ما نراك إلا بشراً مثلنا لما كان في ظنهم أن الرسل لا يكونون من البشر إنما يكونون من الملائكة فأعلمهم أن هذا ظن باطل وأن الرسل إلى البشر إنما يكونون من البشر فلهذا قال سبحانه وتعالى: {ولا أقول إني ملك} ولم يرد أن درجة الملائكة أفضل من درجة الأنبياء والله أعلم. وقوله سبحانه وتعالى: {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} يعني تحتقر وتستصغر أعينكم يعني المؤمنين وذلك لما قالوا إنهم أراذلنا من الرذالة وهي الخسة {لن يؤتيهم الله خيراً} يعني توفيقاً وهداية وإيماناً وأجراً {الله أعلم بما في أنفسهم} يعني من الخير والشر {إني إذاً لمن الظالمين} يعني إن طردتهم مكذباً لظاهرهم ومبطلاً لإيمانهم يعني أني إن فعلت هذا فأكون قد ظلمتهم وأنا لا أفعله فما أنا من الظالمين {قالوا يا نوح قد جادلتنا} يعني خاصمتنا {فأكثرت جدالنا} يعني خصومتنا {فأتنا بما تعدنا} يعني من العذاب {إن كنت من الصادقين} يعني في دعواك أنك رسول الله إلينا {قال إنما يأتيكم به الله إن شاء} يعني قال نوح لقومه حين استعجلوه بإنزال العذاب إن ذلك ليس إليّ إنما هو إلى الله ينزله متى شاء وعلى من يشاء إن أراد إنزال العذاب بكم {وما أنتم بمعجزين} يعني وما أنتم بفائتين إن أراد الله نزول العذاب بكم {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم} يعني ولا ينفعكم إنذاري وتحذيري إياكم عقوبته ونزول العذاب {إن كان الله يريد أن يغويكم} يعني يضلكم وقيل يهلككم وهذا معنى وليس بتفسير لأن الإغواء يؤدي إلى الهلاك {هو ربكم} يعني أنه سبحانه وتعالى هو يملككم فلا تقدرون على الخروج من سلطانه {وإليه ترجعون} يعني في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم {أم يقولون افتراه} أي اختلقه وجاء به من عند نفسه والضمير يعود إلى الوحي الذي جاءهم به {قل إن افتريته} أي اختلقته {فعلي إجرامي} أي إثم إجرامي والإجرام اقتراف السيئة واكتسابها يقال جرم وأجرم بمعنى أنه اكتسب الذنب وافتعله {وأنا بريء مما تجرمون} يعني من الكفر والتكذيب وأكثر المفسرين على أن هذا من محاورة نوح قومه فهي من قصة نوح عليه السلام وقال مقاتل {أم يقولون} يعني المشركين من كفار مكة افتراه يعني محمداً صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه فعلى هذا القول تكون هذه الآية معترضة في قصة نوح ثم رجع إلى القصة فقال سبحانه وتعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} قال ابن عباس إن قوم نوح كانوا يضربون نوحاً حتى يسقط فيلفونه في لبد ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله ويروي أن شيخاً منهم جاء متكئاً على عصاه ومعه ابنه فقال يا بني لا يغرنك هذا الشيخ المجنون فقال يا أبت أمكني من العصا فأخذه من أبيه وضرب بها نوحاً عليه السلام حتى شجه شجة منكرة فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن {فلا تبتئس} يعني فلا تحزن عليهم فإني مهلكهم {بما كانوا يفعلون} يعني بسبب كفرهم وأفعالهم فحينئذ دعا نوح عليه السلام عليهم فقال {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] وحكى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمير الليثي أنه بلغه أنهم كانوا يبسطون نوحاً فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حتى تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء وهو ينتظر الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أنحس من الذي قبله ولقد كان يأتي القرن الآخر منهم فيقول قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً فلا يقبلون منه شيئاً فشكا نوح إلى الله عز وجل فقال يا رب {أية : أني دعوت قومي ليلاً ونهاراً}تفسير : [نوح: 5] الآيات حتى بلغ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه.

البقاعي

تفسير : ولما كان نفيهم للفضل شاملاً للأموال وعلم الغيب، أقرهم على ذلك منبهاً على خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون سبباً له، فقال عاطفاً على قوله {لا أسئلكم عليه أجراً}؛ {ولا أقول لكم} أي في وقت من الأوقات {عندي خزائن الله} أي الملك الأعظم فأتفضل عليكم بها؛ ولما كان من الجائز أن يمكن الله من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها فيسوغ له أن يطلق ملك ذلك مجازاً، ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب، وهو ما غاب عن الخلق كلهم، لأنه خاصته سبحانه، قال عاطفاً على {أقول} لا على المقول: {ولا أعلم الغيب} لا حقيقة ولا مجازاً فأعلم وقت ما توعدون به أو ما في قلوب المؤمنين مما قد يتوهم به من السوء، وأعلمهم أنه لا مانع من إرسال البشر بقوله: {ولا أقول إني ملك} فتكون قوتي أفضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدراً من خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل، فلا تكون الآية دليلاً على أفضلية الملائكة، وتقدم في الأنعام سر إسقاطه {لكم}. ولما كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء، أتبعه تأكيد قبوله لمن آمن كائناً من كان وإن ازدروه بقوله: {ولا أقول للذين} أي لأجل الذين {تزدري} أي تحتقر {أعينكم} أي تقصرون به عن الفضل عند نظركم له وتعيبونه {لن يؤتيهم الله} أي الذي له الكمال كله {خيراً} ولما كان كأنه قيل: ما لك لا تقول ذلك؟ أجاب بما تقديره: لأني أعلم ضمائرهم ولا أحكم إلا على الظاهر: {الله} أي المحيط بكل شيء {أعلم} أي حتى منهم {بما في أنفسهم} ومن المعلوم أنه لا يظلم أحداً، فمن كان في نفسه خير جازاه عليه، ويجوز أن يكون هذا راجعاً إلى {بادي الرأي} بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم كما تقدم؛ ثم علل كفه عن ذلك بقوله مؤكداً لإنكارهم ظلمه على ذلك التقدير: {إني إذاً} أي إذا قلت لهم ذلك {لمن الظالمين} اي العريقين في وضع الشيء في غير موضعه؛ والخزائن: أخبية المتاع الفاخرة، وخزائن الله مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء، وفي وصفها بذلك بلاغة؛ والغيب: ذهاب الشيء عن الإدراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب، وإذا قيل: علم غيب، كان معناه: علم من غير تعليم؛ والازدراء: الاحتقار، وهو افتعال من الزراية، زريت عليه - إذا عبته، وأزريت عليه - إذا قصرت به؛ والملك أصله مألك من الألوكة وهي الرسالة. فلما استوفى نقض ما أبرموه في زعمهم من جوابهم على غاية الإنصاف واللين والاستعطاف، استأنف الحكاية عنهم بقوله: {قالوا} أي قول من لم يجد في رده شبهة يبديها ولا مدفعاً يغير به: {يا نوح قد جادلتنا} أي اردت فتلنا وصرفنا عن آرائنا بالحجاج وأردنا صرفك عن رأيك بمثل ذلك {فأكثرت} أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أنك أكثرت {جدالنا} أي كلامنا على صورة الجدال {فأتنا} أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أن نقول لك: لم يصح عندنا دعواك، ائتنا {بما تعدنا} من العذاب {إن كنت} أي كوناً هو جبلة لك {من الصادقين*} أي العريقين في الصدق في أنه يأتينا فصرحوا بالعناد المبعد من الإنصاف والاتصاف بالسداد وسموه باسمه ولم يسمحوا بأن يقولوا له: يا ابن عمنا، مرة واحدة كما كرر لهم: يا قوم، فكان المعنى أنا غير قابلين لشيء مما تقول وإن أكثرت وأطلت - بغير حجة منهم بل عناداً وكبراً فلا تتعب، بل قصر الأمر مما تتوعدنا به، وسموه وعداً سخرية به، أي أن هذا الذي جعلته وعيداً هو عندنا وعد حسن سار باعتبار أنا نحب حلوله، المعنى أنك لست قادراً على ذلك ولا أنت صادق فيه، فإن كان حقاً فائتنا به، فكأنه قيل: ماذا قال لهم؟ فقيل: {قال} جرياً على سنن قوله {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب}: {إنما يأتيكم به الله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء فتبرأ من الحول والقوة ورد ذلك إلى من هو له، وأشار بقوله: {إن شاء} إلى أنه مخير في إيقاعه وإن كان قد تقدم قوله به إرشاداً إلى أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء، بل ولا يسأل عما يفعل وإن كان لا يقع إلا ما أخبر به؛ ثم بين لهم عجزهم وخطأهم في تعرضهم للهلاك فقال: {وما أنتم بمعجزين*} أي في شيء من الأوقات لشيء مما يريده بكم سبحانه؛ والإكثار: الزيادة على مقدار الكفاية؛ والمجادلة: المقابلة بما يفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو شبهة، وهو من الجدل وهو شدة الفتل والمطلوب به الرجوع عن المذهب، والمطلوب بالحجاج ظهور الحجة، فهو قد يكون مذموماً كالمراء، وذلك حيث يكون للتشكيك في الحق بعد ظهوره، وحيث قيد الجدال بـ {أية : التي هي أحسن} تفسير : [العنكبوت: 46] فالمراد به إظهار الحق. ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه، زاد في بيان عظمته وأن إرادته تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص بهم، فقال جواباً لما وهموا من أن جداله لهم كلام بلا طائل: {ولا ينفعكم نصحي} وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال: {إن أردت} أي جمعت إلى فعل النصح إرادة {أن أنصح لكم} بإعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليتبع، وجزاءه محذوف تقديره: لا ينفعكم نصحي {إن كان الله} أي الذي له الأمر كله {يريد أن يغويكم} أي يضلكم ويركبكم غير الصواب فإنه إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معاً لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا غالبين، ولا بطاعة فتكونوا محبوبين مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء، وأن أردت أنا نجاتكم، ولم يقل: ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم، فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم، وأما النفع به فلا شيء منه إليّ، بل هو تابع لمراد الله، فإن أراد غوايتكم حصلت لا محالة، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه المستجلب لنفع المستدفع للضر؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللاً لعدم ما لا يريده: {هو ربكم} أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده لما يريد. ولما كان التقدير: فمنه مبدؤكم، عطف عليه قوله: {وإليه} أي لا إلى غيره {ترجعون*} أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ}. لا أتخطَّى خَطِّي عما أبلغ مما حملتُ من رسالتي، ولا أتعدَّى ما كُلِّفْتُ به، ولا أزيد عما أُمِرْتُ، ولن أخرجَ عن الذي أنبأوني، بل أنتصب بشاهدي فيما أقاموني. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ}. إن أولياء الله سبحانه في أثوابهم ولا يراهم إلا من قارَبَهُم في معناهم. اللَّهُ أعلمُ بأحوالهم, وفي الجملة: طيرُ السماءِ على أُلاَّفها تقع.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا اقول لكم} حين ادعى النبوة {عندى خزائن الله} اى عندى رزق الله وامواله حتى تستدلوا بعدمها على كذبى بقولكم وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين فان النبوة اعز من ان تنال باسباب دنيوية ودعواها بمعزل عن ادعاء المال والجاه. قال سعدى المفتى يعنى لا ادعى وجوب اتباعى بكثرة المال والجاه حتى تنكروا فضلى وانما ادعى وجوبه لانى رسول من الله وقد جئت ببينة تشهد على ذلك {ولا اعلم الغيب} اى لا ادعى فى قولى انى لكم نذير مبين انى اخاف عليكم عذاب يوم اليم العلم على الغيب حتى تسارعوا الى الانكار والاستبعاد. وقال سعدى المفتى الظاهر انهم حين ادعى النبوة سألوه عن المغيبات وقالوا ان كنت صادقا فى دعواك فاخبرنا عن كذا وكذا فقال انا ادعى النبوة وقد جئتكم بآية من ربى ولا اعلم الغيب الا باعلامه ولا يلزم من ان يكون سؤالهم مذكورا فى النظم ان سؤال طردهم كذلك {ولا اقول} لكم {انى ملك} حتى تقولوا ما نراك الا بشرا مثلنا فان البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها. يعنى انكم اتخذتم فقدان هذه الامور الثلاثة ذريعة الى تكذيبى والحال انى لا ادعى شيئا من ذلك ولا الذى ادعيه يتعلق بشيء منها وانما يتعلق بالفضائل النفسانية التى بها تتفاوت مقادير البشر {ولا اقول} مساعدة لكم كما تقولون {للذين تزدرى اعينكم} زراه اذا عابه واستصغره اى لاجل المؤمنين الذين تزدريهم اعينكم لفقرهم وفى شانهم ولو كانت اللام للتبليغ لكان القياس لن يؤتيكم بكاف الخطاب واسناد الازدراء الى الاعين للمبالغة والتنبيه على انهم استرذلوهم بادى الرؤية من غير روية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل فى معانيهم وكمالاتهم: قال السعدى شعر : معانيست درزير حرف سباه جودر برده معشوق ودرميغ ماه بسنديده ونغز بايد خصال كه كاه آيد وكه رود جاه ومال تفسير : يقول الفقير الظاهر ان اسناد الازدراء الى الاعين انما هو بالنسبة الى ظهوره فيها كما يقال فلان نظر الى فلان بعين التحقير دون عين التعظيم وهذا لا ينافى كونه من صفات القلب فى الحقيقة {لن يؤتيهم الله خيرا} فى الدنيا او فى الآخرة فعسى الله ان يؤتيهم خير الدارين وقد وقع كما قال فى نطق الانبياء عليهم السلام انما هو من الوحى والالهام حيث اورثهم الله ارضهم وديارهم بعد عزتهم {الله اعلم بما فى انفسهم} من الايمان والمعرفة ورسوخهم فيه {انى اذا} اى اذ قلت ذلك {لمن الظالمين} لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم او من الظالمين لانفسهم بذلك فان وباله راجع الى انفسهم. وفيه تعريض بانهم ظالمون فى ازدرائهم واسترذالهم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال {المسلم اخو المسلم} المراد اخوة الاسلام {لا يظلمه} بنقصه حقه او بمنعه اياه {ولا يخذله} بترك الاعانة والنصرة اذا استعان به فى دفع ظالم ونحوه {ولا يحقره} اى لا يحتقره ولا يستكبر عليه. والاحتقار بالفارسية [خوارداشتن] (التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا) ويشير الى صدره واصل التقوى الاجتناب والمراد ههنا اجتناب المعاصى وكان المتقى يتخذ له وقاية من عذاب الله تعالى بترك المخالفة. وقوله ههنا اشارة الى ان الاعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى وانما تحصل بما يقع من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته فمن كانت التقوى فى قلبه فلا ينظر الى احد بعين الحقارة (بحسب امرئ من الشر ان يحقر اخاه المسلم) يعنى يكفيه من الشر احتقاره اخاه المسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) العرض موضع المدح والذم من الانسان كما فى فتح القريب. وقال ابن الملك عرض الرجل جانبه الذى يصونه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: قال نوح لقومه: {ولا أقول لكم عندي خزائنُ الله} حتى أنفق منها متى شئت، فأستغني عن مباشرة الأسباب، بل ما أنا إلا بشر، أو لا أدعي ما ليس لي فتنكروا قولي، أي: لا أفوه لكم، ولا أتعاطى غير ما ألهمني الله له، فلست أقول: عندي خزائن الله، أي: القوة التي توجد بها الأشياء بعد عدمها. أو: عندي خزائن الله التي يتنزل منها الأشياء، كالريح والمياه ونحوها، كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}تفسير : [الحجر: 21] فتبرأ عليه السلام من هذه الدعوى. ثم قال: {ولا أعلمُ الغيبَ} أي: ولا أقول: إني أعلم الغيب، فأعلم من أصحابي ما يسترونه عني في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر منهم. أو: لا أعلم أنهم اتبعوني في بادي الرأي عن غير بصيرة وعقد قلب {ولا أقولُ إني ملكٌ} حتى تقولوا: ما نراك إلا بشراً مثلنا. {ولا اقول للذين تزدري أعينُكم} أي: تحتقرهم. من زريت على الرجل: قصرت به. قلبت تاؤه دالاً؛ لتجانس الزاي للتاء، والمراد بهم ضعفاء المؤمنين، أي: لا أقول في شأن من احتقرتموهم، لفقرهم: {لن يُؤتهم الله خيراً}؛ فإنَّ ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا. {والله اعلم بما في أنفسكم} من خير أو غيره، {إني إِذاً} أي: إن قلتُ شيئاً من ذلك، {لَمِنَ لظالمين}. قال البيضاوي: وإسناده إلى الأعين؛ للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير روية، مما عاينوه من رثاثة حالهم، وقلة منالهم، دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم. وقال أيضاً: وإنما استرذلوهم لفقرهم؛ لأنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم، والمحروم منها أرذل. هـ. الإشارة: لا يشترط في وجود الخصوصية ظهور الكرامة؛ فقد تظهر الكرامة على من لم تكمل له الاستقامة، فلا يشترط فيه الاطلاع على خزائن الغيوب، وإنما يشترط فيه التطهير من نقائص العيوب، لا يشترط فيه الإنفاق من الغيب، وإنما يشترط فيه الثقة بما ضمن له في الغيب. والله تعالى أعلم. ثم استعجلوا العذاب، كما قال تعالى: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية تمام الحكاية عما قال نوح لقومه وحاجهم به، وهو أن قال لهم مضافاً إلى ما مضى حكايته {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} والمعنى إني لا أرفع نفسي فوق قدرها، فأدعي أن عندي خزائن الله من الأموال فأعطيكم منها وأستطيل عليكم بها، أو أقول إني أعلم الغيب، أو أقول لكم إني ملك روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بخلاف ما خلقني الله، بل أنا بشر مثلكم وانما خصني الله بالرسالة وشرفني بها. وقيل معنى خزائن الله مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء. وفي وصفها بذلك بلاغة. وقيل {لا أقول لكم عندي خزائن الله} فادعوكم إلى أن أعطيكم منها، ذكره ابن جريح. و {الغيب} ذهاب الشيء عن الادراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب. واذا قيل: علم الغيب معناه علم من غير تعلم، وهو جميع الغيب، وعلى هذا لا يعلم الغيب إلا الله تعالى. وقوله {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} أي لست أقول للذين احتقرتهم اعينكم. و (الازدراء) الافتعال من الزراية، يقال: زريت عليه إذا عبته، وازريت عليه اذا قصرت به، والازدراء الاحتقار. وقوله {لن يؤتيهم الله خيراً} معناه لا اقول لهؤلاء المؤمنين الذين احتقرتموهم انهم لا يعطيهم الله في المستقبل خيراً من أعمالهم، ولا يثيبهم عليها، من حيث لا علم لي بباطنهم بل الله اعلم بما في انفسهم، هل هم مؤمنون في باطنهم ام لا، ومتى قلت لا يعطيهم خيراً كنت اذاً من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} حتّى تكّذبوني واتباعى بفقرنا وفاقتنا {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} حتّى تكّذبونى بعدم اكثارى المال بالمكاسبات الرّابحة او تكّذبونى بعدم اجابتكم فى السّؤال عن المغيبات والجملة معطوفة على جملة عندى خزائن الله ولا زائدة لتأكيد النّفى والعدول الى الفعليّة لكون العلم وصفاً للعالم دون الخزائن او معطوفة على جملة لا اقول ولا نافية وعدم ادخاله فى جملة القول للاشعار بانّ علم الغيب خاصّ بالله لا يوصف غيره به بخلاف الخزائن فانّه قد يوكّل الله بعض خواصّه عليها لكن لا يقول ذلك ولا يدّعيه {وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} حتّى تكّذبونى بما ترون من بشريّتى {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} تعيبهم اعينكم افتعال للمبالغة من زراه اذا عابه ونسبته الى الاعين للاشعار بانّ ازدرائهم انّما هو لأجل ما رأوه من ظاهر حالهم من الرّثاثة والحاجة من غير تبصّرٍ بحالهم الواقعيّة {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} حتّى تطالبونى بطردهم وتكّذبونى بقبولهم {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} تعليل {إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تعليلٌ اخر وتعريض بهم حيث عابوهم.

الهواري

تفسير : قال نوح: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ} أي: خزائن علم الله. { وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} من الملائكة { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} من المؤمنين { لَن يُّؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً} قال بعضهم: إيماناً، وقال الحسن: {لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً} أي: في العاقبة. {اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ} أي: إنه سيؤتيهم بذلك خيراً إن كانت قلوبهم صادقة. { إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}. { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} أي: ماريتنا، { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي: مِرَاءَنا. { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من عذاب الله { إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}. { قَالَ}: ليس ذلك إليّ، وهذا إضمار. {إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي: بالذين تعجزون الله فتسبقونه حتى لا يقدر عليكم فيعذبكم. { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: أن يهلككم. مثل قوله تعالى: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) تفسير : [إبراهيم:4] بعد البيان. قال الله: { هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. {أَمْ يَقُولُونَ} يعني مشركي العرب { افْتَرَاهُ} أي: إن محمداً افترى القرآن، على الاستفهام، أي: قد قالوا. { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} من قبل الجرم. يقول: فعليّ عملي وأنا بريء مما تعملون. وهو كقوله (أية : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) تفسير : [سبأ:50]. قال: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ} قال: بعضهم: ذلك حين دعا نوح عليهم السلام فقال: (أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً)تفسير : [نوح:26] { فَلاَ تَبْتَئِسْ} أي: لا تحزن عليهم { بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قال بعضهم: لا تأسَ ولا تحزن.

اطفيش

تفسير : {ولا أقُولُ لكُم عِنْدى خَزائنُ اللهِ} أى ماله، وإن لى عليكم فضلا بها حتى تجحدوا فضلى حين اطلعتم على أنها ليست عندى، أو لا أقول هى عندى أعطيكم منها إن اتبعتمونى، وهذا مستأنف، وقيل: معطوف على لا أسألكم عليه مالا. {ولا أعْلم الغَيْب} عطف على عندى خزائن الله، فكأنه قيل: ولا أقول أعلم الغيب فتستبعدوا علمه فتكذبونى، ويجوز أن يكون المعنى لا أكلف علم الغيب، فأعلم ما فى قلوب من اتبعنى من أسرار خلاف ما أظهروا، وإنما على قبول ما أظهروا، وذلك أنهم قالوا كما مر: إن الأراذل اتبعوه فى الظاهر، وعلى هذا يكون العطف على ما ذكر، أو على لا أقول، وفسر ابن الأنبار فى الخزائن بالغيب، قلت: وجهه أنه نفى علم الغيب مرتين تأكيدا أو لاعتبار اللفظ، وهو متخالف كما تقول: لا أقول زيد قام ولا قام زيد، أو معنى كون الخزائن غيبا أنها مال غيبه الله. {ولا أقُولُ إنى مَلَكٌ} قاله رداً عليهم، إذ يقولون إنك لست مَلَكاً فكيف تكون رسولا؟ أو رداً على قولهم: {أية : ما أنت إلا بشر مثلنا} تفسير : على أنهم أرادوا به نفى الملائكة، ويجرز أن يجيب عليه بما يحتمله، فيكون نفى الملكية باعتبار أنهم أرادوها به وبغير المال، باعتبار أنهم أرادوا به أنك لم تفضلنا فى المال، مثل أن يقال لك: إنك لست بفقير؟ فيقول: لم أتجر ولم أرث غنيا، ولم أحرث، أتريد كيف أكون غنيا، ولم أفعل شيئا من ذلك؟ كذا ظهر لى، وعلى كل حال فلا دليل فى قوله: {ولا أقول إنى مَلَك} على أن الملك أفضل من المؤمن مطلقا، ولو نبيا لأنه إنما قال ذلك جوابا لقولهم: إن الرسول ملك لا وضعاً لمرتبة النبوة، فليس من باب قولك: لا أدعى أنى عالم، ولا أدعى أنى سلطان المشعر بتسفل مرتبتك عن مرتبتى العالم والسلطان، خلافا لمن وهم. {ولا أقُولُ للَّذينَ} أى فى الذين، أى فى شأن الذين، وإنما قلت ذلك لأنه لم يخاطب هؤلاء، بل عبر بصيغة الغيبة إذ قال بعد ذلك: {لن يؤتيهم الله خيراً} {تَزْدرِى} وزنه تفتعل، وأصله تزترى بتاء بعد الزاى، أبدلت دالاً، لأن الزاى جهرية، والتاء همسية، فلم يتجانسا، بخلاف الدال فإنها جهرية كالزاى، وهو من زرى عليه إذا عابه وحقره، فالمعنى ولا أقول للذين تحقرهم. {أعْينُكم} أسند الازدراء إلى أعينهم مع أنه قلبى، مبالغة وتنبيها على أنهم حكموا عليهم بأنهم أراذل بمجرد وقوع أعينهم عليهم، لما رأوا من قلة مالهم، وعدم تصنعهم فى لباسهم، وحالهم، دون تفكر، ولو تفكروا لوصفوهم بالكمال. {لَنْ يؤْتيَهم اللهُ خَيراً} صلة الذى، والخير هنا خبر الدنيا والآخرة، أى لا أنفى عنهم الخيرين، كما يقتضى قولكم: إنهم ليسوا بأهل خير، فإن لهم خير الآخرة، وليس لكم وهو خير مما آتاكم الله فى الدنيا، قادر أن يعطيهم خير الدنيا أيضا. وقال الحسن: الخير هنا خير الآخرة، وقد قيل: إنه التوفيق والهداية، والإيمان والثواب على ذلك فى الآخرة، ويجوز أن يراد خير الدنيا أى لا أقول ليسوا أهلا لأن يؤتيهم الله خيراً فى الدنيا، وقد قيل: حيثما ذكر الخير فى القرآن، فالمراد المال، وقال عياض: بل حيث ذكر، فالمال يدخل فيه، قلنا: يبعد إرادة المال فى {أية : إن علمتم فيهم خيراً} تفسير : ولم يرد فى أن ترك خيراً إلا المال. {اللهُ أعْلَم بما فى أنْفُسِهم} قلوبهم من خير أو شر {إنِّى} سكن الياء غير نافع، وأبى عمرو {إذاً} حرف جواب وجزاء، لقوله: {لن يؤتيهم الله خيراً} لو قاله، وأهملت لعدم ما تعمل فيه ولتوسطها، أو ظرف زمان ماض تنوينه عوض عن جملة، أى إذ قلت ذلك كذا قيل، واعترض بأن التى تكون هكذا مكسورة الذال مسبوقة بنحو حين أو يوم، وليس هذا الاعتراض بشئ عندى لصحة المعنى على ذلك، وكثرة ورود مثلها بلا مانع من حملها على ذلك، ولا ضير فى الفتح، فكما تجرد بالكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، تحرك بالفتح للتخلص مع قصد الخفة، وقيل: هى إذا الظرفية الاستقبالية التى هى بألف بلا نون، حذفه الجملة بعدها، وعوض عنها التنوين، وحذفت الألف فى النطق لئلا يلتقى ساكنان، كأنه قيل: إنى إذا قلت ذلك {لمنَ الظَّالمينَ} لَهم، وادعى بعضهم أن المراد أنى لمن الظالمين إن طردتهم.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ أَقُولُ لكمْ عِندِى خَزَائِنُ اللهِ} رد لقولهم وما نرى لكم علينا من فضل كالمال، وخزائِن الله أَمواله، لم أَدعكم إِلى اتباعى لكثرة أَموالى استتبعكم بها لى فإِنى لست بذى مال، بل أَدعوكم لأَن الله أَمرنى بدعائِكم، والجملة معطوفة على قوله: "أية : لا أَسأَلكم عليه مالاً"تفسير : [هود: 29] والمعنى لا أَسأَلكم مالا ولا حاجة لى به لأَنى أُريد الله لا لكون خزائن الله عندى لأَنه ليست عندى، وسميت الأَموال خزائن لأَنها تخزن أَو الخزائن مقدورات الله تعالى أَى لا أَقول لكم حين أَدعى النبوة عندى مقدرات الله تعالى أَفعل منها ما أَشاءُ، أَو الخزائِن الغيوب والوجهان ضعيفان، وعلى الأَخير سميت الغيب خزائِن، لأَنها تخفى كما يخفى المخزون فيكون راجعاً إِلى قوله: "أية : وما نراك اتبعك إِلا الذين هم هم أراذلنا بادى الرأْى"تفسير : [هود: 27] على أَن المعنى اتبعوك فى الظاهر لا فى الحقيقة، فأَجابهم بأَن الغيب لله، ولا يدريكم بذلك فلعلهم فى الغيب كالظاهر، وكذا قوله {وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} عطف على لا أَقول أَو على مدخوله وعليه فأَعاد لا دفعا لتوهم أَن المنفى المجموع وعليه فيكون المعنى ولا أَقول أَعلم الغيب، وهذا والجملة قبله متواردان ردا على قولهم وما نراك اتبعك إِلا الذين هم أَراذلنا بادى الرأْى، بمعنى اتبعوك فى بادى الرأْى لا فى الحقيقة فقال لا أَعلم الغيب لعلهم كالظاهر والغيب ما لم يوح به ولم يقم عليه دليل، وإِذا كان العطف على لا أَقول فإِنما لم يقل ولا أَقول أَعلم الغيب مبالغة فى أَنه لا يمكن لأَحد أَن يدعى القول بالغيب {وَلاَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ} رد لقولهم ما نراك إِلا بشراً مثلنا لم أَدع أَني ملك فضلاً عن أَن تردوا عليّ بقولكم ما نراك إِلا بشراً مثلنا فإِنى مقر بأَنى بشر مثلكم {وَلاَ أَقولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} تحقرهم {لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خِيْراً} توهموا أَن الله لا يعطى الأَراذل خيراً فى الآخرة على تقدير صحة البعث فى دعوى نوح فقال إِن رذالنهم بالفقر ونحو الحجامة لا تمنعهم من خير الآخرة مع إِيمانهم وعملهم الصالح، أَو أَرادوا لن يؤْتيهم الله خيرا فى الدنيا، فأَجابهم بأَن الأَصل أَن تراعوا خير الآخرة وأَنا أَطمع لهم فيه أَو فيهما، واللام ليست لام التبليغ والخطاب وإِلا قال لن يؤْتيكم بالكاف بل بمعنى فى أَى فى شأْن الذين ويضعف ما قيل للتعليل أَى لا أَقول لكم لأَجل الذين إِلخ، وتزدرى تفتعل من زرى أُبدلت التاءُ دالا لتوافق الزاى فى الجهر وإِسناد الازدراءَ إِلى العين مجاز عقلى للمبالغة وحقيقته لقلوبهم والعين واسطة بالغت قلوبهم فى الاحتقار حتى اتصل بعيونهم على طريق معناه فى القلب، أَو إِسناده إِليها لظهور أَثره فيها بالإِعراض عنهم بها وبلحظ السوءِ وللتنبيه على أَنهم استحقروهم لبادى المعاينة لرثة حالهم، وفى ذلك تجهيل لهم وتحميق لأَنهم استرذلوهم بمجرد فقرهم ورثة حالهم {اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنْفُسِهِمْ} من الخصال الحميدة والإِخلاص فى الإِيمان، هذا جزم من نوح بذلك لهم بإِخبار الله عز وجل أَو بما فى أَنفسهم من خير أَو شر مجاراة للكفار وإِرخاءٌ للعنان، أَو ليس احتقارهم ينقص عنهم ثواب الله أَو يبطله إِن كانوا على حق وإِنما الحكم للذى يعلم ما فى نفوسهم لا لى، وإِذا كان الكلام على سبيل الإِنصاف فى الكلام لم يناف جزمه بأَنهم أَولياءُ الله إِن داموا على ما هم أَو جزمه بذلك الوحى من الله الرحمن الرحيم {إِنِّى إِذًا} إِذ قلت على فرض صدور القول ومضيه أَو إِذا قلت لن يؤْتيهم الله خيراً إِذا جزمت لهم بعدم الخير جهالة للغيب أَو مناقضة لما عند الله من الخير لهم، وهذا لقربه وتبادره أَولى أَو إِذا قلت عندى خزائِن الله أَو أَعلم الغيب أَو لن يؤتيهم الله خيراً أَو ذلك كله، والأَعين والأَنفس جمعا قلة استعملا فى الكثرة ومعناهما النفوس والعيون {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} لهم أَو من الظالمين لأَنفسهم، وفيه تعريض بأَنهم ظالمون بذلك القول.

الالوسي

تفسير : {وَلآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} شروع ـ على ما قال غير واحد ـ في دفع الشبه التي أوردوها تفصيلاً وذلك من قبيل النشر المشوش ثقة بعلم السامع وتخلل ما تخلل بين شبههم وجوابها ـ على ما قال العلامة الطيبـي ـ لأنه مقدمة وتمهيد للجواب، وبينه بأن قولـــه: {أية : يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ}تفسير : [هود: 28] إثبات لنبوته يعني ما قلت لكم {أية : إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} تفسير : [هود: 25-26] إلا عن بينة على إثبات نبوتي وصحة دعوتي لكن خفيت عليكم وعميت حتى أوردتم تلك الشبه الواهية ومع ذلك ليس نظري فيما ادعيت إلا إلى الهداية وإني لا أطمع بمال حتى ألازم الأغنياء منكم وأطرد الفقراء وأنتم تجهلون هذا المعنى حيث تقولون: اطرد الفقراء وأن الله سبحانه ما بعثني إلا للترغيب في طلب الآخرة ورفض الدنيا فمن ينصرني إن كنت أخالف ما جئت به، ثم شرع فيما شرع، وفي «الكشف» إن قوله: {أية : أَرَأَيْتُمْ}تفسير : [هود: 28] الآية جواب إجمالي عن الشبه كلها مع التعبير بأنهم لا يرجعون فما يرمون إلى أدنى تدبر وقوله: {أية : ويا قوم لآ أَسْـئَلُكُمْ } تفسير : [هود: 27] تتميم للتعبير وحث على ما ضمنه من التشويق إلى ما عنده، وقوله: {أية : مَآ أَنَاْ بِطَارِدِ }تفسير : [هود: 29] تصريح بجواب ما ضمنوه في قولهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} تفسير : [هود: 27] من خسة الشركاء وأنه لولا مكانهم لكان يمكن الاتباع إظهاراً للتصلب فيما هو فيه وأن ما يورده ويصدره عن برهان من الله تعالى يوافيه وأنى يدع الحق الأبلج بالباطل اللجلج، ثم شرع في الجواب التفصيلي بقوله: {وَلآ أَقُولُ} الخ، وهو أحسن مما ذكره الطيبـي، وجعلوا هذا رداً لقولهم: {أية : وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ}تفسير : [هود: 27] الخ كأنه يقول: عدم اتباع وتكذيبـي إن كان لنفيكم عني فضل المال والجاه فأنا لم أدعه ولم أقل لكم إن خزائن رزق الله تعالى وماله عندي حتى أنكم تنازعوني في ذلك وتنكرونه وإنما كان مني دعوى الرسالة المؤيدة بالمعجزات، ولعل جوابه عليه السلام عن ذلك من حيث أنه معنى به مستتبع للجواب عنه من حيث أنه عنى به متبعوه عليه السلام أيضاً، وجعله جواباً عن قولهم: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا}تفسير : [هود: 27] كما جوزه الطبرسي ليس بشيء، وحمل الخزائن على ما أشرنا إليه هو المعول عليه. / وقال الجبائي وأبو مسلم: إن المراد بها مقدورات الله تعالى أي لا أقول لكم حين أدعي النبوة عندي مقدورات الله تعالى فأفعل ما أشاء وأعطي ما أشاء وأمنع ما أشاء وليس بشيء، ومثله ـ بل أدهى وأمر ـ قول ابن الأنباري: إن المراد بها غيوب الله تعالى وما انطوى عن الخلق، وجعل ابن الخازن هذه الجملة عطفاً على {أية : لآ أَسْـئَلُكُمْ} تفسير : [هود: 29] الخ، والمعنى عنده لا أسألكم عليه مالاً ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يفنيها شيء فأدعوكم إلى اتباعي عليها لأعطيكم منها. {وَلآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} عطف على {عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} المقول للقول، وذكر معه النفي مع أن العطف على مقول القول المنفي منفي أيضاً من غير أن يذكر معه أداة نفي لتأكيد النفي السابق والتذكير به ودفع احتمال أن لا يقول هذا المجموع فلا ينافي أن يقول أحدهما أي ولا أقول أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني لاستبعاد ذلك وما ذكرت من دعوى النبوة والإنذار بالعذاب إنما هو بوحي وإعلام من الله تعالى مؤيد بالبينة والغيب ما لم يوح به ولم يقم عليه دليل، ولعله إنما لم ينف عليه السلام القول بعلم الغيب على نحو ما فعل في السابق واللاحق مبالغة في نفي هذه الصفة التي ليس لأحد سوى الله تعالى منها نصيب أصلاً، ويجوز عطفه على {أَقُولُ} أي لا أقول لكم ذلك ولا أدعي علم الغيب في قولي{أية : إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [هود: 25]{أية : إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}تفسير : [هود: 26] حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد، وقيل: هو معطوف على هذا أو ذاك إلا أن المعنى لا أعلم الغيب حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب ولا يخفى حاله، واعترض على الأول بأنه غير ملائم للمقام، ثم قيل: والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم حين ادعى النبوة سألوه عن المغيبات، وقالوا له: إن كنت صادقاً أخبرنا عنها فقال: أنا أدعي النبوة بآية من ربـي ولا أعلم الغيب إلا بإعلامه سبحانه، ولا يلزم أن يذكر ذلك في النظم الكريم كما أن سؤال طردهم كذلك انتهى، وفيه أن زعم عدم الملاءمة ليس على ما ينبغي، وأيضاً لا يخفى أنه لا قرينة تدل على وقوعه جواباً لما لم يذكر، وأما سؤال طردهم فإن الاستحقار قرينة عليه في الجملة، وقد صرح بعض السلف به ومثله لا يقال من قبل الرأي. {وَلآ أَقُولُ إِنّي مَلَكٌ} رد لقولهم: {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا }تفسير : [هود: 27] أي لا أقول ترويجاً لما أدعيه من النبوة إني ملك حتى تقولوا لي ذلك وتكذبوني فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها يعني كما قيل: إنكم اتخذتم فقدان هذه الأمور الثلاثة ذريعة إلى تكذيبـي، والحال أني لا أدعي شيئاً من ذلك ولا الذي يتعلق بشيء منها، وإنما الذي أدعيه يتعلق بالفضائل التي تتفاوت بها مقادير البشر، وقيل: أراد بهذا لا أقول إني روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بل إنما أنا بشر مثلكم فلا معنى لردكم عليَّ بقولكم {أية : مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا }تفسير : [هود: 27] وعلى القولين لا دليل فيه على أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم السلام خلافاً لمن استدل به، وجعل ذلك كلاماً آخر ليس رداً لما قالوه سابقاً مما لا وجه له فتدبر. {وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ} أي تستحقرهم والأصل تزتري بالتاء إلا أنها قلبت دالاً لتجانس الزاي في الجهر لأنها من المهموسة، وأصل الازدراء الإعابة يقال: ازدراه إذا عابه، والتعبير بالمضارع للاستمرار، أو لحكاية الحال لأن الازدراء قد وقع، وإسناده إلى الأعين مجاز للمبالغة في رأي من حيث أنه إسناد إلى الحاسة التي لا يتصور منها تعييب أحد فكأن من لا يدرك ذلك يدركه، وللتنبيه على أنهم استحقروهم بادي الرؤية وبما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل وتدبر في معانيهم وكمالاتهم، وعائد الموصول محذوف كما أشرنا إليه، واللام للأجل لا للتبليغ وإلا لقيل فيما بعد يؤتيكم أي لا أقول مساعدة لكم ونزولاً على هواكم في شأن الذين استرذلتموهم واستحقرتموهم لفقرهم من المؤمنين / {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا} في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله سبحانه يؤتيهم خيري الدارين. {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنفُسِهِمْ} مما يستعدون به لإيتاء ذلك، وفي «إرشاد العقل السليم» من الإيمان، وفيه توجيه لعطف نفي هذا القول الذي ليس مما يستنكره الكفرة ولا مما يتوهمون صدوره عنه عليه السلام أصالة واستتباعاً على نفي هاتيك الأقوال التي هي مما يستنكرونه ويتوهمون صدوره عنه عليه السلام إن ذلك من جهة أن كلا النفيين رد لقياسهم الباطل الذي تمسكوا به فيما سلف فإنهم زعموا أن النبوة تستتبع الأمور المذكورة من ادعاء الملكية وعلم الغيب وحيازة الخزائن وأن العثور على مكانها واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل، فأجاب عليه السلام بنفي ذلك جميعاً فكأنه قال: لا أقول وجود تلك الأشياء من مواجب النبوة ولا عدم المال والجاه من موانع الخير. ((واقتصر عليه السلام على نفي القول المذكور مع أنه عليه السلام جازم بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيراً عظيماً في الدارين وأنهم على يقين راسخ في الإيمان جرياً على سنن الإنصاف مع القوم واكتفاءاً بمخالفة كلامهم وإرشاداً لهم إلى مسلك الهداية بأن اللائق لكل أحد أن لا يبت القول إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أموره على الشواهد الظاهرة ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة)) انتهى. وأنت تعلم أنه عليه السلام قد بتّ القول بفوز هؤلاء في قوله: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ}تفسير : [هود: 29] بناءاً على أنهم المعنيون بالذين آمنوا، وأن المراد من كونهم ملاقوا ربهم أنهم مقربون في حضرة القدس ـ كما قال به غير واحد ـ وكذا الحكم إذا كان المعنى بالموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقاً إذ يدخلون فيه دخولاً أولياً لما أن المسؤول صريحاً أو تلويحاً طردهم، ولعل البت تارة وعدمه أخرى لاقتضاء المقام ذلك وأن في كون الكفرة قد زعموا أن العثور على مكان النبوة واغتنام مغانمها ليس من دأب الأراذل خفاءاً مع دعوى أنهم لوحوا بقولهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ }تفسير : [هود: 27] الخ الذي هو مظنة ذلك الزعم إلى التماس طردهم وتعليق إيمانهم به عليه السلام بذلك أنفة من الانتظام معهم في سلك واحد. وفي «البحر» ((أن معنى {وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ} الخ ليس احتقاركم إياهم ينقص ثوابهم عند الله تعالى ولا يبطل أجورهم ولست أحكم عليهم بشيء من هذا، وإنما الحكم بذلك للذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه، وقيل: إن هذا رد لقولهم: {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ }تفسير : [هود: 27] الخ على معنى لست أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خير لظنكم بهم أن بواطنهم ليست كظواهرهم الله أعلم بما في نفوسهم)) انتهى، ولا يخفى ما فيه. وقد أخرج أبو الشيخ عن السدي أنه فسر الخير بالإيمان أي لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله إيماناً ـ واستشكل بأن الظاهر أن المراد بالموصول أولئك المتبعون المسترذلون وهم مؤمنون عندهم فلا معنى لنفي القول بإيتاء الله تعالى إياهم الإيمان مساعدة لهم ونزولاً على هواهم. وأجيب بأن المراد من هذا الإيمان هو المعتد به الذي لا يزول أصلاً كما ينبـىء عن ذلك التعبير عنه بالخير وهم إنما أثبتوا لهم الاتباع بادي الرأي وأرادوا بذلك أنهم آمنوا إيماناً لا ثبات له، ويجعل ذلك رداً لذلك القول، ويراد من {لَن يُؤْتِيَهُمُ} ما آتاهم فكأنهم قالوا: إنهم اتبعوك وآمنوا بك بلا تأمل ومثل ذلك الإيمان في معرض الزوال، فهم لا يثبتون عليه ويرتدون فرد عليهم عليه السلام بأني لا أحكم على أولئك بأن الله تعالى ما آتاهم إيماناً لا يزول وأنهم سيرتدون كما زعمتم ويكون قوله عليه السلام: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ} تفويضاً للحكم بذلك إليه تعالى؛ أو إشارة إلى جلالة ما آتاهم الله تعالى إياه من الإيمان كما يقال الله تعالى: / أعلم بما يقاسي زيد من عمرو إذا كان ما يقاسيه منه أمراً عظيماً لا يستطاع شرحه، فكأنه قيل: إن إيمانهم عظيم القدر جليل الشأن فكيف أقول لن يؤتيهم الله تعالى إيماناً ثابتاً، وفيه من التكلف والتعسف ما الله تعالى به أعلم، وحمل الموصول على أناس مسترذلين جداً غير أولئك ولم يؤمنوا بعد أي لا أقول للذين تزدريهم أعينكم ولم يؤمنوا بعد لن يوفقهم الله تعالى للإيمان حيث كانوا في غاية من رثاثة الحال والدناءة التي تزعمونها مانعة من الخير الله أعلم بما في نفوسهم مما يتأهلون به لإفاضة التوفيق عليهم وهو المدار لذلك لا الأحوال الظاهرة مما لا أقول به. {إِنّيۤ إِذاً} أي إذا قلت ذلك {لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم، أو من الظالمين لأنفسهم بذلك، وفيه تعريض بأنهم ظالمون في ازدرائهم واسترذالهم. ويجوز أن يكون إذا قلت شيئاً مما ذكر من حيازة الخزائن وادعاء علم الغيب والملكية، ونفي إيتاء الله تعالى أولئك الخير والقوم لمزيد جهلهم محتاجون لأن يعلل لهم نحو الأقوال الأول بلزوم الانتظام في زمرة الظالمين.

ابن عاشور

تفسير : هذا تفصيل لما ردّ به مقالة قومه إجمالاً، فهم استدلوا على نفي نبُوّته بأنهم لم يروا له فضلاً عليهم، فجاء هو في جوابهم بالقول بالموجَب أنه لم يدع فضلاً غير الوحي إليه كما حكى الله عن أنبيائه ـ عليهم السّلام ـ في قوله: {أية : قالت لهم رسلهم إن نحن إلاّ بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده}تفسير : [إبراهيم: 11]، ولذلك نفى أن يكون قد ادّعى غير ذلك. واقتصر على بعض ما يتوهّمونه من لوازم النبوءة وهو أن يكون أغنى منهم، أو أن يعلم الأمور الغائبة. والقول بمعنى الدعوى، وإنما نفى ذلك بصيغة المضارع للدّلالة على أنّه منتف عنه ذلك في الحال، فأما انتفاؤه في الماضي فمعلوم لديهم حيث لم يقله، أي لا تظنوا أني مضمر ادّعاء ذلك وإن لم أقله. والخزائن: جمع خِزانة ـ بكسر الخاء ـ وهي بيت أو مِشكاة كبيرة يجعل لها باب، وذلك لِخزن المال أو الطعام، أي حفظه من الضياع. وذكر الخزائن هنا استعارة مكنية؛ شبهت النعم والأشياء النافعة بالأموال النفيسة التي تُدخر في الخزائن، ورمز إلى ذلك بذكر ما هو من روادف المشبّه به وهو الخزائن. وإضافة {خزائن} إلى {الله} لاختصاص الله بِها. وأما قوله: {ولا أقول إني ملك} فنفي لشبهة قولهم: {أية : ما نراك إلاّ بشراً مثلنا}تفسير : [هود: 27] ولذلك أعاد معه فعل القول، لأنه إبطال دعوى أخرى ألصقوها به، وتأكيده بـ(إنّ) لأنه قول لا يقوله قائله إلا مؤكداً لشدة إنكاره لو ادعاه مدّع، فلما نفاه نفى صيغة إثباته. ولمّا أراد إبطال قولهم: {أية : وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا}تفسير : [هود: 27] أبطله بطريقة التغليط لأنهم جعلوا ضعفهم وفقرهم سبباً لانتفاء فضلهم، فأبطله بأن ضعفهم ليس بحائل بينهم وبين الخير من الله إذ لا ارتباط بين الضعف في الأمور الدنيوية من فقر وقلة وبين الحرمان من نوال الكمالات النفسانية والدينية، وأعاد معه فعل القول لأنه أراد من القول معنى غيرَ المراد منه فيما قيل، فالقول هنا كناية عن الاعتقاد لأن المرء إنما يقول ما يعتقد، وهي تعريضية بالمخاطبين لأنهم يضمون ذلك ويقدرونه. والازدراء: افتعال من الزري وهو الاحتقار وإلصاق العيب، فأصله: ازتراء، قلبت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي كما قلبت في الازدياد. وإسناد الازدراء إلى الأعين وإنما هو من أفعال النفس مجاز عقلي لأن الأعين سبب الازدراء غالباً، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة عند الناظر. ونظيره إسناد الفرق إلى الأعين في قول الأعشى: شعر : كذلك فافعل ما حييت إذا شتَوْا وأقدم إذا ما أعينُ الناس تَفرَقُ تفسير : ونظيره قوله تعالى: {أية : سَحروا أعْينَ الناس}تفسير : [الأعراف: 116] وإنما سحروا عقولهم ولكن الأعين ترى حركات السحرة فتؤثر رؤيتها على عقول المبصرين. وجيء في النفي بحرف {لن} الدّالة على تأكيد نفي الفعل في المستقبل تعريضاً بقومه لأنّهم جعلوا ضعف أتباع نوح ـ عليه السّلام ـ وفقرهم دليلاً على انتفاء الخير عنهم فاقتضى دوام ذلك ما داموا ضعفاء فقراء، فلسان حالهم يقول: لن ينالوا خيراً، فكان رده عليهم بأنه لا يقول: {لن يؤتيهم الله خيراً}. وجملة {الله أعلم بما في أنفسهم} تعليل لنفي أن يقول: {لن يؤتيهم الله خيراً}. ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف، ومعنى {الله أعلم بما في أنفسهم} أن أمرهم موكول إلى ربهم الذي علم ما أودعه في نفوسهم من الخير والذي وفقهم إلى الإيمان، أي فهو يعاملهم بما يعلم منهم. وتعليقه بالنفوس تنبيه لقومه على غلطهم في قولهم: {أية : وما نرى لكم علينا من فضل}تفسير : [هود: 27] بأنهم نظروا إلى الجانب الجثماني الدنيوي وجهلوا الفضائل والكمالات النفسانية والعطايا اللدنية التي اللّهُ أعلم بها. واسم التفضيل هنا مسلوبُ المفاضلة مقصود منه شدة العلم. وجملة {إني إذن لمن الظالمين} تعليل ثان لنفي أن يقول: {لن يؤتيهم الله خيراً}. و{إذن} حرف جواب وجزاء مجازاة للقَول، أي لو قلت ذلك لكنت من الظالمين، وذلك أنه يظلمهم بالقضاء عليهم بما لا يعلم من حقيقتهم، ويظلم نفسه باقتحام القول بما لا يصدق. وقوله: {لمن الظالمين} أبلغ في إثبات الظلم من: إني ظالم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : في سورة [البقرة: 67]. وأكده بثلاث مؤكدات: إنّ ولام الابتداء وحرف الجزاء، تحقيقاً لظلم الذين رموا المؤمنين بالرذالة وسلبوا الفضل عنهم، لأنه أراد التعريض بقومه في ذلك. وسيجيء في سورة الشعراء ذكر موقف آخر لنوح عليه السلام مع قومه في شأن هؤلاء المؤمنين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 31- ولا أقول لكم، لأنى رسول، إن عندى خزائن رزق الله أتصرف فيها كما أشاء، فأجعل من يتبعنى غنياً! ولا أقول: إنى أعلم الغيب، فأخبركم بما اختص به علم الله، بحيث لا يعلمه أحد من العباد!، ولا أقول: إنى ملك حتى تردوا على بقولكم: ما ذاك إلا بشر، ولا أقول عن الذين تحتقرونهم إن الله لن يؤتيهم خيراً إرضاء لرغباتكم، لأن الله - وحده - هو الذى يعلم ما فى أنفسهم من إخلاص. إنى إذا قلت لهم ما تحبونه، أكون من زمرة الظالمين لأنفسهم ولغيرهم.د 32- قالوا: يا نوح قد جادلتنا لنؤمن بك فأكثرت جدالنا، حتى مَلِلْنا، ولم نعد نتحمل منك كلاماً، فأتنا بهذا العذاب الذى تهددنا به، إن كنت صادقاً فى أن الله يعذبنا إذا لم نؤمن بك. 33- قال نوح: هذا أمر بيد الله - وحده - فهو الذى يأتيكم بما يشاء حسب حكمته، ولستم بمفلتين من عذابه إذا جاء، لأنه سبحانه لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء. 34- ولا ينفعكم نصحى لمجرد إرادتى الخير لكم، إن كان الله يريد أن تضلوا لعلمه وتقديره فساد قلوبكم حتى صارت لا تقبل حقاً، وهو سبحانه ربكم، وسيرجعكم إليه يوم القيامة، ويجازيكم على ما كنتم تعملونه. 35- إن هذا القَصصَ الصادق، ماذا يكون موقف المشركين منه؟ أيقولون افتراه؟ وإن قالوا ذلك، فقل - أيها الرسول - إن كنت افتريته على الله كما تزعمون، فهو جرم عظيم، علىَّ وحدى إثمه، وإذا كنت صادقاً، فأنتم المجرمون وأنا برئ من آثار جرمكم. 36- وأوحى الله إلى نوح: أنه لن يصدّقك ويذعن للحق من قومك أحد بعد الآن - غير من سبق منه الإيمان قبل ذلك - فلا تحزن يا نوح بسبب ما كانوا يفعلونه معك من تكذيبك وإيذائك؛ لأننا سننتقم منهم قريباً.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَزَآئِنُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (31) يُخْبِرُهُمْ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلامُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَلاَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَجْراً، وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِدَعْوَةِ النَّاسِ جَمِيعاً، الشَّرِيفِ وَالوَضِيعِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ فَقَدْ أَفْلَحَ وَنَجَا وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي خَزَائِنِ اللهِ، وَأَنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، إِلاّ مَا أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَلكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هُوَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ وَمِنْهُمْ، مُرْسَلٌ إِلَيْهِمْ مِنَ اللهِ رَبِّهِمْ، وَمُؤَيَّدٌ بِمُعْجِزَاتِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَقُولُ عَن المُؤْمِنينَ، الذِينَ يَحْتَقِرُونَهُمْ وَيَزْدَرُونَهُمْ: إِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ ثَوَابٌ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، وَاللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنينَ، حَقّاً وَصِدْقاً فَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ جَزَاءُ الحُسْنَى، وَإِنَّهُ إِنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ. خَزَائِنُ اللهِ - خَزَائِنُ رِزْقِهِ وَمَالِهِ. تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ - تَسْتَحْقِرُهُمْ وَتَسْتَهزِئُ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا يَسُدُّ نوح - عليه السلام - على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراءً، فنوح لا يملك خزائن الله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده. ولم يَدَّعِ نوح أنه من جنس آخر غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراءً، أو جاهاً، أو علم غيب. ولن يطرد نوح عليه السلام مَنْ آمن مِنَ الضِّعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكَّم عليهم عيون هذا الملأ الكافر؛ لأن نوحاً يخشى سؤال الله - عَزَّ وجَلَّ - له إن سَدَّ في وجوه الضعاف أبواب الإيمان. ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه: {وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ..} [هود: 31]. ونلاحظ هنا أن الخطاب قد حُوِّل إلى الغَيبة، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم: إن الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين. واللام في كلمة {لِلَّذِينَ} تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثاً إلى الضعاف. ومجيء "اللام" بمعنى "عن" له نظائر، مثل قول الحق سبحانه: {أية : .. وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [سبأ: 43]. وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت "اللام" بمعنى "عن". وهكذا أوضح نوح - عليه السلام - أنه لو طرد من يقال عنهم "أراذل"، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح - عليه السلام - يعلم يقيناً أن الله هو الأعلم بما في النفوس؛ لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ...}.