١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة. وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على نوح كلامين: الأول: أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار. والثاني: أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به، فقالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحداً لا يعجزه، أي لا يمنعه منه، والمعجز هو الذي يفعل ما عنده لتعذر مراد الغير فيوصف بأنه أعجزه، فقوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي لا سبيل لكم إلى فعل ما عنده، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد إنزاله بكم، وقد قيل معناه: وما أنتم بمانعين، وقيل: وما أنتم بمصونين، وقيل: وما أنتم بسابقين إلى الخلاص، وهذه الأقوال متقاربة. واعلم أن نوحاً عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة، فقال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } أي إن كان الله يريد أن يغويكم فإنه لا ينفعكم نصحي ألبتة، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يريد الكفر من العبد، وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه، قالوا: إن نوحاً عليه السلام قال: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } والتقدير: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم، وهذا صريح في مذهبنا، أما المعتزلة فإنهم قالوا ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول، وهذا مسلم، فإنا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء عبد فإنه لا ينفعه نصح الناصحين، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء فإن النزاع ما وقع إلا فيه، بل نقول إن نوحاً عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم، بل فوض الاختيار إليهم وبيانه من وجهين الأول: أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما بقي في النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار، وأجمع المسلمون على أنه عليه السلام مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم، فعلمنا أن هذا النصح غير خال عن الفائدة، وإذا لم يكن خالياً عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه. الثاني: أنه لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذراً لهم في عدم إتيانهم بالإيمان ولصار نوح منقطعاً في مناظرتهم، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله أغوانا فإنه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة، فإذا ادعيت بأن الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة، فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم، لصار هذا حجة للكفار على نوح عليه السلام، ومعلوم أن نوحاً عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاماً يصير بسببه مفحماً ملزماً عاجزاً عن تقرير حجة الله تعالى، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة، ثم إنهم ذكروا وجوهاً من التأويلات: الأول: أولئك الكفار كانوا مجبرة، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة الله تعالى، فعند هذا قال نوح عليه السلام: إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد: لا أقدر على غير ما أنا عليه، فيقول الوالد فلن ينفعك إذاً نصحي ولا زجري، وليس المراد أنه يصدقه على ما ذكره بل على وجه الإنكار لذلك. الثاني: قال الحسن معنى {يُغْوِيَكُمْ } أي يعذبكم، والمعنى: لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت، لأن الإيمان عند نزول العذاب لا يقبل، وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب. الثالث: قال الجبائي: الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى: { أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } تفسير : [مريم: 59] أي خيبة من خير الآخرة قال الشاعر: شعر : ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : الرابع: أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه منعه الله تعالى الألطاف وفوضه إلى نفسه، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال إن الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب. والجواب عن أمثال هذه الكلمات قد ذكرناه مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة. المسألة الثانية: قوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر في اللفظ مقدماً في الوجود وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول، فإذا ذكر بعده شرطاً آخر مثل أن يقول: إن أكلت الخبز كان المعنى أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول إما إن لم يوجد الشرط المذكور ثانياً لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول، هذا هو التحقيق في هذا التركيب، فلهذا المعنى قال الفقهاء: إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى، والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى. واعلم أن نوحاً عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال: {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم إليه وهذا يفيد نهاية التحذير.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها. والجَدَل في كلام العرب المبالغة في الخصومة؛ مشتق من الجَدْل وهو شدّة الفَتْل؛ ويقال للصقر أيضاً أَجْدَل لشدّته في الطّير؛ وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» بأشبع من هذا. وقرأ ٱبن عباس «فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا» ذكره النحاس. والجَدَل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قَبِله أنجح وأفلح، ومن ردّه خاب وخَسِر. وأما الجِدال لغير الحقّ حتى يظهر الباطل في صورة الحقّ فمذموم، وصاحبه في الدّارين ملوم. {فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ} أي من العذاب. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في قولك. قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} أي إن أراد إهلاككم عذّبكم. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين. وقيل: بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك؛ كانوا مَلَؤوا الأرض سهلاً وجبلاً على ما يأتي. قوله تعالى: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ} إي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم. {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} أي لأنكم لا تقبلون نصحاً؛ وقد تقدّم في «براءة» معنى النصح لغة. {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي يضلّكم. وهذا مما يدلّ على بطلان مذهب المعتزلة والقَدَرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يَعصي العاصي، ولا يَكفر الكافر، ولا يَغوي الغاوي؛ وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك؛ فردّ الله عليهم بقوله: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}. وقد مضى هذا المعنى في «الفاتحة» وغيرها. وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيّنّاه في «الأعراف» في إغواء الله تعالى إيّاه حيث قال: {أية : فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} تفسير : [الأعراف: 16] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام: {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ هو الهادي والمضل؛ سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون عُلُوًّا كبيراً. وقيل: {أَنْ يُغْوِيَكُمْ} يهلككم؛ لأن الإضلال يُفضي إلى الهلاك. الطَّبريّ: {يُغْوِيَكُمْ} يهلككم بعذابه؛ حكي عن طيء: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً، وأغويته أهلكته؛ ومنه «أية : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا». تفسير : {هُوَ رَبُّكُمْ} فإليه الإغواء، وإليه الهداية. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تهديد ووعيد. قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} يعنون النبي صلى الله عليه وسلم. ٱفترى ٱفتعل؛ أي اختلق القرآن من قِبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه؛ قاله مقاتل. وقال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة. {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي عقاب إجرامي، وإن كنت مُحقاً فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي. والإجرام مصدر أجرم؛ وهو اقتراف السَّيئة. وقيل (المعنى): أي جزاء جُرْمي وكَسْبي. وجَرَم وأَجْرَم بمعنى؛ عن النحاس وغيره. قال: شعر : طَريدُ عَشيرةٍ ورَهينُ جُرْمٍ بما جَرَمَتْ يَدِي وجَنَى لِسَانِي تفسير : ومن قرأ «أَجْرَامِي» بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جُرْم؛ وذكره النحاس أيضاً. {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} أي من الكفر والتكذيب.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ يا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا} خاصمتنا. {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} فأطلته أو أتيت بأنواعه. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي: حاججتنا، فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت، فليأتنا ما تدعو به {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شيء {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِىۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: أي شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم، وإنذاري إياكم ونصحي {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: إغواءكم ودماركم {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: هو مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر، وهو المبدىء المعيد، مالك الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ يَٰنُوحٌ قَدْ جـَٰدَلْتَنَا } خاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا } به من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ } فيه.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ يا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا} خاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} أي أطَلْته أو أتيتَه بأنواعه فإن إكثارَ الجدالِ يتحقق بعد وقوعِ أصلِه فلذلك عُطف عليه بالفاء أو أردتَ ذلك فأكثرتَه كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 98] ولما حجّهم عليه الصلاة والسلام وأبرز لهم بـيناتٍ واضحةَ المدلولِ وحُججاً تتلقاها العقولُ بالقَبول وألقمهم الحجرَ برد شُبهِهم الباطلةِ ضاقت عليهم الحيلُ وعيّت بهم العللُ وقالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب المعجّلِ أو العذابِ الذي أشير إليه في قوله: {أية : إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} تفسير : [هود: 26] على تقدير أن لا يكون المرادُ باليوم يومَ القيامة {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} فيما تقول {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء} يعني أن ذلك ليس موكولاً إليّ ولا هو مما يدخُل تحت قدرتي وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به وعصيتموه يأتيكم به عاجلاً أو آجلاً إنْ تعلَّق به مشيئتُه التابعةُ للحكمة، وفيه ما لا يخفى من تهويل الموعودِ فكأنه قيل: الإتيانُ به أمرٌ خارجٌ عن دائرة القُوى البشرية وإنما يفعله الله عز وجل. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بالهرب أو بالمدافعة كما تدافعونني في الكلام {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى} النُصحُ كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يدور عليه الخيرُ من قول أو فعل، وحقيقتُه إمحاضُ إرادةِ الخيرِ والدِلالةِ عليه، ونقيضُه الغشُّ وقيل: هو إعلامُ موقع الغَيِّ ليُتّقى وموضعِ الرشد ليُقْتَفىٰ {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} شرطٌ حذف جوابُه لدلالة ما سبق عليه، والتقديرُ إن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعُكم نُصحي وهذه الجملةُ دليلٌ على ما حذف من جواب قولِه تعالى: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} والتقديرُ إن كان يريد أن يُغوِيَكم فإن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نصحي، هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاءِ على الشرطِ، وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله عز وعلا: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى} جزاءٌ للشرط الأولِ، والجملةُ جزاءٌ للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاءُ متعلّقٌ بالشرط الأولِ وتعلّقه به معلّقٌ بالشرط الثاني، وهذا الكلامُ متعلِّقٌ بقولهم: {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} صدر عنه عليه الصلاة والسلام إظهاراً للعجز عن إلزامهم بالحجج والبـيناتِ لتماديهم في العناد، وإيذاناً بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدالِ والخصامِ بل بطريق النصيحةِ لهم والشفقةِ عليهم وبأنه لم يألُ جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتِهم إلى سبـيله المستبـينِ وإمحاضِ النصحِ لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة الله تعالى لإغوائهم، وتقيـيدُ عدمِ نفع النصحِ بإرادته مع أنه محققٌ لا محالة للإيذان بأن ذلك النصحَ منه مقارِنٌ للإرادة والاهتمامِ به ولتحقيق المقابلةِ بـين ذلك وبـين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم، وإنما اقتُصر في ذلك على مجرد إرادةِ الإغواءِ دون نفسِه حيث لم يقل: إن كان الله يغويكم مبالغةً في بـيان غلبةِ جنابِه عز وعلا حيث دل ذلك على أن نُصحَه المقارِنَ للاهتمام به لا يُجديهم عند مجردِ إرادةِ الله سبحانه لإغوائهم، فكيف عند تحقيقِ ذلك وخلقِه فيهم. وزيادةُ كان للإشعار بتقدم إرادتِه تعالى زماناً كتقدّمها رتبةً وللدلالة على تجدّدها واستمرارِها، وإنما قُدّم على هذا الكلامِ ما يتعلق بقولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء} رداً عليهم من أول الأمرِ وتسجيلاً عليهم بحلول العذابِ مع ما فيه من اتصال الجوابِ بالسؤال، وفيه دليلٌ على أن إرادتَه تعالى يصِحّ تعلقُها بالإغواء وأن خلافَ مرادِه غيرُ واقع، وقيل: معنى أن يغويَكم يُهلكَكم، من غوَى الفصيلُ غوًى إذا بشِم وهلك {هُوَ رَبُّكُمْ} خالقُكم ومالكُ أمركم {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على أعمالكم لا محالة.
القشيري
تفسير : أوضح لهم من البراهين مالوا أنعموا النظر فيه لتمَّ لهم اليقين، ولكنهم أصروا على الجحود، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا يا نوح قد جادلتنا} خاصمتنا {فاكثرت جدالنا} اى اطلته. والمجادلة روم احد الخصمين اسقاط كلام صاحبه وهو من الجدل وهو شدة الفتل {فائتنا بما تعدنا} اى تعدنا من العذاب المعجل {ان كنت من الصادقين} فى الدعوى والوعيد فان مناظرتك تؤثر فينا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إن اردت}: شرط حذف جوابه؛ لتقدم ما يدل عليه، وكذا (إن كان الله يريد أن يُغويكم)، والتقدير: إن كان يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت ان أنصح لكم. أي: فكذلك. فهو من تعليق الشرط، كقولك: إن دخلتِ الدار، إن كلمت زيداً، فأنتِ طالق. فلا تطلق إلا بهما، ثم استأنف: (هو ربكم). يقول الحق جل جلاله: {قالوا يا نوحُ قد جادلتنا}: خاصمتنا {فأكثرت جِدالنا}: خصامنا ومخاطبتنا، {فأتِنا بما تَعِدُنا} من العذاب، {إن كنتَ من الصادقين} في الدعوى والوعيد، فإن مناظرتك ووعظك لا يؤثر فينا. {قال} نوح عليه السلام: {إنما يأتيكم به الله} دوني {إن شاءَ} عاجلاً أو آجلاً، {وما أنتم بمعجزين} بدفع العذاب عنكم، أو الهرب منه حتى تعجزوا القدرة الإلهية، {ولا ينفعكم نُصحي إن أردتُ أن أنصح لكم}، وأراد الله {ان يُغويكم}، فإن النصح مع سابق الشقاء عنت. وهذا جواب لما أوهموا من أن جداله كلام لا طائل تحته، وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإغواء، وأن خلا ف مراد الله تعالى محال. ولذلك قيل: مراد الله من خلقه ما هم عليه. ثم قال: {هو ربُكمْ}؛ خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. {وإليه تُرجعون} فيجازيكم على أعمالكم. الإشارة: ينبغي لأهل الوغظ والتذكير أن لا يملوا ـ ولو أكثروا ـ إذا قابلهم الناس بالبعدُ والإنكار، وليقولوا: ولا ينفعكم نصحنا إن أردنا ان ننصحكم {إن كان الله يريد أن يُغويكم...} الآية. ولما كان المقصود من القصة تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم خاطبه في أثنائها بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ}.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية عما قال قوم نوح لنوح جواباً عما قاله لهم فيما تقدم {يا نوح قد جادلتنا} اي خاصمتنا وحاججتنا فأكثرت مجادلتنا، وروي فاكثرت جدلنا - والمعنى واحد، فلسنا نؤمن لك {فأتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت من الصادقين} فيما تقوله على الله تعالى. وحقيقة المجادلة المقابلة بما يقبل الخصم من مذهبه بالحجة أو شبهه، وهو من الجدل لشدة الفتل، ويقال للصقر أجدل، لأنه أشد الطير. و (الاكثار) الزيادة على مقدار الكفاية. و "الاقلال" النقصان عن مقدار الكفاية. والفرق بين الجدال والحجاج: ان المطلوب بالحجاج ظهور الحجة، والمطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب. والمراء مذموم لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهور الحق كمري الضرع بعد دروره، وليس كذلك الجدال. وفي الآية دلالة على حسن الجدال في الدين، لأنه لو لم يكن حسناً لما استعمله نوح مع قومه، لأن الأنبياء لا يفعلون إلا ما يحسن فعله.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ} بعد عجزهم عن المحاجّة {يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} وامللتنا بجدالك وكنت تعدنا العذاب من ربّك {فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فانّه لا ينفع فينا جدالك.
اطفيش
تفسير : {قالُوا يا نوحُ قَدْ جَادلْتَنا} خاصمتنا، وقد يقال من جانب الاشتقاق: إن المعنى قد خاصمتنا خصاما يشبه الطرح على الجدالة، وهى الأرض، والظاهر عندى أن ذلك مجمل فصله بقوله: {فأكْثَرت جِدَالنا}. ويجوز أن يراد "بجادلتنا" شرعت فى جدالنا، وبقوله: {فاكثرت جدالنا} أنك بعد اتشرع فيه أكثرت من أفراده، أو من أنواعه، وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما: فأكثرت جدلنا بفتح الجيم والدال، وترك الألف {فأتِنا بما تَعِدُنا} الرابط محذوف منصوب، أى بما تعدناه، أو تعدنا إياه، لأن الوعد يجوز تعديه لاثنين، وهذا أولى من تقديره مجرورا بالباء لاختلاف متعلقه الباءين، والمراد بما تعدنا من العذاب {إنْ كُنتَ مِنَ الصَّادقينَ} فى دعوى الرسالة والعقاب على تكذيبها فإن مجرد جدالك لا يؤثر فينا.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} عطف مفصل على مجمل فإِن الجدال يقبل القلة والكثرة وبينه بقوله فأَكثرت أَو المراد جادلت فزدت جدالا كثيراً أَو زدت جدالا يكون هو وما سبق كثيراً أَو معنى جادلت شرعت فى الجدال أَو أَردت الجدال فأَكثرت والجدال الخصام وإِكثاره الإِتيان بأَفراد كثيرة منه أَو بأَنواع منه أَو بتكرير فرد أَو نوع أَو كليهما أَو نحو ذلك، وأَصله من جدلت الحبل أَحكمت فتله والمخاصم يحكم أَمر خاصمه قدر طاقته وأَيضاً يريد فتل خصمه عما أَراد، ومن الجدالة وهى الأَرض كأَنه يريد صرعه على الأَرض {فَأْتِنَا} عطف على أَكثرت عطف طلب على إِخبار أَو على محذوف أَى اترك الجدال فأْتِنَا {بِمَا تَعِدُنَا} فى قولك إِنى أَخاف عليكم عذاب يوم أَليم، حملوا خوفه على اليقين منه أَى بما تعدناه من العذاب كقوله تعالى: "أية : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً"تفسير : [الفتح: 29] بالتعدية إِلى اثنين، وهذا أَولى من تقدير تعدنا به لعدم اتحاد متعلق الموصول والعائِد، ولو قلنا بجواز حذف المعلوم مطلقاً وأَولى من جعلها موصولة عرفية أَى بوعدنا لأَن هذا المصدر يحتاج إِلى التأْويل وقد أَغنانى عن ذلك جعل ما اسما موصولا فلا تهم {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فى وعدك أَو فى دعوى الرسالة أَو فيما جئت به أَو فى العذاب وأَما جدالك فلا نكترث به.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} أي خاصمتنا ونازعتنا، وأصله من جدلت الحبل أي أحكمت فتله ومنه الجديل وجدلت البناء أحكمته، ودرع مجدولة، والأجدل الصقر المحكم البنية، والمجدل القصر المحكم البناء، وسميت المنازعة جدالاً لأن المتجادلين كأنهما يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه، وقيل: الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} عطف على ما قبله على معنى شرعت في جدالنا فأطلته أو أتيت بنوع من أنواع الجدال فأعقبته بأنواع أخر فالفاء على ظاهرها، ولا حاجة إلى تأويل {جَادَلْتَنَا} بأردت جدالنا كما قاله الجمهور في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بالله}تفسير : [النحل: 98] ونظير ذلك جادل فلان فأكثر، وجعل بعضهم مجموع ذلك كناية عن التمادي والاستمرار. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (جدلنا)، وهو ـ كما قال ابن جني ـ اسم بمعنى الجدال. ولما حجهم عليه السلام وأبرز لهم ما ألقمهم به الحجر ضاقت عليهم الحيل وعيت بهم العلل. وقالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب المعجل، وجوز أن يكون المراد به العذاب الذي أشير إليه في قوله: {أية : إِنّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}تفسير : [هود: 26] بناءً على أن لا يكون المراد باليوم يوم القيامة، و {مَا} موصولة والعائد محذوف أي بالذي تعدنا به، وفي «البحر» تعدناه، وجوز أن تكون مصدرية وفيه نوع تكلف {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في حكمك بلحوق العذاب إن لم نؤمن بك.
ابن عاشور
تفسير : فصلت هذه الجملة فصلاً على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما تقدم في قصة آدم ـ عليه السلام ـ من سورة البقرة. والمجادلة: المخاصمة بالقول وإيراد الحجّة عليه، فتكون في الخير كقوله: {أية : يجادلنا في قوم لوطٍ}تفسير : [هود: 74]، ويكون في الشر كقوله: {أية : ولا جدال في الحجّ}تفسير : [البقرة: 197]. وإنما أرادوا أنه جادلهم فيما هو شر فعبّر عن مرادهم بلفظ الجدال الموجّه، وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم}تفسير : في سورة [النساء: 107]. وهذا قول وقع عقب مجادلته المحكية في الآية قبل هذه، فتعين أن تلك المجادلة كانت آخر مجادلة جادَلها قومه، وأن ضجرهم وسآمتهم من تكرار مجادلته حصل ساعتئذٍ فقالوا قولهم هذا، فكانت كلها مجادلات مضت. وكانت المجادلة الأخيرة هي الّتي استفزّت امتعاضهم من قوارع جدله حتى سئموا من تزييف معارضتهم وآرائهم شأن المبطل إذا دمغته الحجة، ولذلك أرادوا طي بساط الجدال، وأرادوا إفحامه بأن طلبوا تعجيل ما توعدهم من عذاب ينزل بهم كقوله آنفاً: {أية : إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم}تفسير : [هود: 26]. وقولهم: {فأكثرت جِدَالَنا} خبرٌ مستعمل في التذمر والتضجير والتأييس من الاقتناع، أجابهم بالمبادرة لِبيان العذاب لأن ذلك أدخل في الموعظة فبادر به ثم عاد إلى بيان مجادلته. والإتيان بالشيء: إحضاره. وأرادوا به تعجيله وعدم إنظاره. و{ما تَعِدنا} مصداقه {أية : عذاب يوم أليم}تفسير : [هود: 26]. والقصر في قوله: {إنما يأتيكم به الله إن شاء} قصر قلب بناء على ظاهر طلبهم، حملاً لكلامهم على ظاهره على طريقة مجاراة الخصم في المناظرة، وإلاّ فإنهم جازمون بتعذّر أن يأتيهم بما وعدهم لأنهم يحسبونه كاذباً وهم جازمون بأنّ الله لم يتوعدهم، ولعلّهم كانوا لا يؤمنون بوجود الله. وقوله: {إن شاء} احتراس راجع إلى حمل العذاب على عذاب الدنيا. ومعنى {وما أنتم بمعجزين} ما أنتم بناجين وفالتين من الوعيد، يريد أن العذاب واقع لا محالة. ولعل نوحاً ـ عليه السّلام ـ لم يكن له وحي من الله بأن يحلّ بهم عذاب الدنيا، فلذلك فوّضه إلى المشيئة؛ أو لعلّه كان يوقن بنزوله بهم فيكون التعليق بـ {إن شاء} منظوراً فيه إلى كون العذاب معجلاً أو مؤخراً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: جادلتنا: أي خاصمتنا تريد إسقاطنا وعدم اعتبارنا في ديننا وما نحن عليه. بما تعدنا: أي من العذاب إن لم نؤمن بما تدعونا إليه. إن كنت من الصادقين: أي في دعواك النبوة والإِخبار عن الله عز وجل. بمعجزين: أي بغالبين ولا فائتين الله تعالى متى أراد الله عذابكم. نصحي: أي بتخويفي إياكم عذاب ربكم إن بقيتم على الكفر به وبلقائه ورسوله. أن يغويكم: أي يوقعكم في الضلال ويبقيكم فيه فلا يهديكم أبدا. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة نوح عليه السلام مع قومه فأخبر تعالى عن قول قوم نوح له عليه السلام: فقال: {قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا} أي خاصمتنا وأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين أي فعجل العذاب وأنزله علينا إن كنت من الصادقين فيما تقول وتدعو وتعد. فأخبر تعالى عن قول نوح لهم ردا على مقالتهم وهو ما علمه ربه تعالى أن بقوله: فقال {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} أي بالعذاب الله إن شاء ذلك. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائتين الله ولا هاربين منه. وقوله: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. أي إن نصحي لا ينفعكم بمعنى أنكم لا تقبلونه مهما أردت ذلك وبالغت فيه إن كان الله جل جلاله يريد أن يغويكم لما فرط منكم وما أنتم عليه من عناد وكفر ومجاحدة ومكابرة إذ مثل هؤلاء لا يستحقون هداية الله تعالى بل الأولى بهم الضلالة حتى يهلكوا ضالين فيشقوا في الدار الآخرة. وقوله تعالى: {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي فالأمر له ألستم عبيده وهو ربكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وإن كانت حكمته تنفي أن يعذب الصالحين ويرحم الغواة الظالمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الجدال لإِحقاق الحق وإبطال الباطل. بشرط الأسلوب الحسن. 2- إرادة الله تعالى قبل كل إرادة وما شاءه الله يكون وما لم يِشأه لم يكن. 3- لا ينفع نصح الناصحين ما لم يرد الله الخير للمنصوح له. 4- ينبغي عدم إصدار حكم على عبد لم يمت فيعرف بالموت مآله. إلاَّ قول الله أعلم به.
القطان
تفسير : جادلتنا: ناقشتنا وخاصمتنا. يغويكم يضلكم. قالوا: يا نوحُ، قد ناقشتَنا بجِدالك فأطلتَ حتى مَلِلْنا. ان كنت صادقاً فيما تدعيه، فعجِّلْ وهاتِ ما توعدنا به من العذاب. {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}. عند ذاك قال نوح: هذا أمرٌ بيدِ الله وحدَه، فهو الذي يأتيكم بما تَشاء حكمتُه، ولن تعجزوه ابداً، لأنه لايعجِزه شيءٌ في الارض ولا في السماء. {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. إنه لن ينفعكم نصيحي لمجّردِ إرادتي الخيرَ لكم، إذا كان الله قد شاء ان يضلَّكم... انه ربُّكم وخالقكم لا أنا، واليه ترجعون يوم القيامة، ويجازيكم على اعمالكم. ونرى من هذا الحوار الذي دار بين نوح والملأ من قومه أنهم عجَزوا عن الجدال فطلبوا ان يأتيَهم بالعذاب تشكيكاً فيه، وهذا دَيْدَنُ الأمم في عدم الخضوع لحكم العقل إذا خالف الأمرُ ما ألِفُوه وورثوه عن آبائهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰنُوحُ} {جَادَلْتَنَا} {جِدَالَنَا} {ٱلصَّادِقِينَ} (32) - قَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ نُوْحٍ يَرُدُّونَ عَلَى مَقَالَتِهِ هَذِهِ: لَقَدْ جَادَلْتَنَا يَا نُوحُ وَحَاجَجْتَنَا، فَأَكْثَرْتَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى أَمْلَلْتَنا، وَلَمْ يَعُدْ لَدَيْنَا شَيءٌ نَقُولُهُ، وَنَحْنُ لَنْ نَتْبَعَكَ، فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ النَّقْمَةِ وَالعَذَابِ، وَادْعُ عَلَينا بِمَا شِئْتَ، وَلْيَأْتِنَا العَذَابُ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً فِيمَا تَدَّعِيهِ مِنْ أَنَّ الله يُعَاقِبُنا عَلَى عِصْيَانِهِ فِي الدُّنيا قَبْلَ عِقَابِ الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والجدال هو قول كلام يقابل كلاماً آخر، والقصد عند كل طرف متكلم أن يزحزح الطرف الآخر عن مذهبه بحجة أو بشبهة، بهدف إسقاط المذهب. إذن: فالجدال هو مناقشة طرفين، يتقاسمان الكلام بهدف أن يقنع أحدهما الآخر بأن ينصرف عن مذهبه هو إلى مذهب القائل. وكلمة "الجدال" مأخوذة من "الجَدْل" أي: الفَتْل، وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من الكتان أو الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك، ثم ضَمِّ شعرتين إلى بعضهما، ثم القيام بِلَفِّ كل شعرتين أخريين، وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل. ويقال للرجل القوي: "مفتول العضلات"، أي: أن عضلاته ليست رخوة أو ضعيفة، بل مفتولة، أي: متداخلة ومشدودة. وحين تنظر إلى الجهاز العضلي فأنت تندهش لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة بشكل وأسلوب معين، يتيح لها أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلات لأداء الحركات المطلوبة منها. فحين يرفع الإنسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة، وحين تعمل اليد فهي تحرك أكثر من عضلة، ولو تعطلت حركة عضلة واحدة، لامتنعت الحركة المقابلة لها. وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ..} [هود: 32]. ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام عاش ألف عام إلا خمسين عاماً، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتاً طويلاً. والجدال يختلف عن المِرَاء، لأن الجدال إنما يكون لحقٍّ، والمراء، يكون بعد ظهور الحق. الجدال - إذن - مطلوب، والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}تفسير : [النحل: 125]. وكذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ..}تفسير : [المجادلة: 1]. إذن: فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق، شرط أن يكون جدلاً حسناً، لا احتكاك فيه ولا إيذاء. وهناك فارق بين احتكاك الآراء، وتحكُّك الآراء، فالتحكك كالتلكَّك، وهو الرغبة في عدم الوصول إلى الحق، لكن الاحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق، مثلما نحكُّ الزناد بقطعة من حديد فتولد الشرر لنرى الحق، أما التحكُّك فهو يواري ويطمس الحقيقة. والمِرَاء هو الجدَال بعد أن يظهر الحق، وهو مأخوذ من مَرَى الضَّرع، فحينَ يقومون بإنزال اللبن من ضرع الناقة أو البقرة، فالضرع يكون ملآن، وينزل منه اللبن بشدة وقوة، وبعد أن ينتهي حَلْبُ الضرع، يظل مَنْ يحلبها مُمْسِكاً بحَلَمات الناقة أو الجاموسة، ويستحلب ما بقى من اللبن، ويُقال لهذا الجزء الأخير "المريى". ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة "المراء"، وهو ما بعد ظهور الحق. وهناك بجانب الجدال والمراء، والاحتكاك، والتحكُّك، والحِجَاج؛ والمراد بالحجاج هو إظهار حجة الخصم على الخصم. وبعد أن مَلُّوا من جدال نوح - عليه السلام - طلبوا أن ينزل بهم العذاب الذي أنذرهم به، وقد استبطأوا مجيء هذا العذاب؛ لأن نوحاً عليه السلام عاش بينهم ألف سنة إلا خمسين، وقالوا: {.. فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [هود: 32]. وكأنهم - بهذا القول - قد أخرجوا نوحاً مَخْرج من بيده أن يأتي بالعذاب، أو يمنع العذاب، وهذه مسألة لا يملكها نوح، بل هي مِلْك لله سبحانه وتعالى. ولذلك يُنبههم نوح عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، ثنا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {فَلاَ تَبْتَئِسْ} [الآية: 36]. يقول: فلا تحزن. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَوَحْيِنَا} [الآية: 37]. يقول: كما نأْمرك. انبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} [الآية: 40]. يقول: انبجس الماءُ منه، آية لنوح، أَن يركب بأَهله ومن آمن معه في السفينة. أَنبا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، [نا] ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {قَدْ جَادَلْتَنَا} [الآية: 32]. يعني: ماريتنا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن / 32ظ / مجاهد في قوله: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [الآية: 40] يقول: من كل صنف ذكر وأُنثَى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):