١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء} عاجلاً أو آجلاً. {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بدفع العذاب أو الهرب منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ } تعجيله لكم فإن أمره إليه لا إليَّ {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين الله.
ابن عطية
تفسير : المعنى: ليس ذلك بيدي ولا إليَّ توفيته، وإنما ذلك بيد الله وهو الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة بحال من يفلت أو يعصتم بمنج، وإنما في قبضة القدرة وتحت ذلة المتملك، وليس نصحي بنافع ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك. والشرط الثاني اعتراض بين الكلام، وفيه بلاغة في اقتران الإرادتين. وأن إرادة البشر غير مغنية، وتعلق هذا الشرط هو بـ {نصحي}، وتعلق الآخر هو بـ "لا ينفع". والنصح هو سد ثلم الرأي للمنصوح وترقيعه، وهو مأخوذ من نصح الثوب إذا خاطه، والمنصح الإبره، والمخيط يقال له منصح ونصاح: وقالت فرقة معنى قوله {يغويكم}: يضلكم، من قولهم غوى الرجل يغوى، ومنه قول الشاعر [المرقش]: [الطويل] شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما تفسير : وإذا كان هذا معنى اللفظة، ففي الآية حجة على المعتزلة القائلين إن الضلال إنما هو من العبد. وقالت فرقة معنى قوله: {يغويكم}: يهلككم، والغوى المرض والهلاك؛ وفي لغة طيِّىء: أصبح فلان غاوياً، أي مريضاً، والغوى بشم الفصيل، قال يعقوب في الإصلاح. وقيل: فقده اللبن حتى يموت جوعاً، قاله الفراء وحكاه الطبري. يقال غوى يغوى، وحكى الزهراوي أنه الذي قطع عنه اللبن حتى كاد يهلك ولما يهلك بعد، فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة، وبقي الاحتجاج عليهم بما هو أبين من هذه الآية كقوله تعالى: {أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} تفسير : [الأنعام: 125] ونحوها. قال القاضي أبو محمد: ولكني أعتقد أن للمعتزلة تعلقاً وحجة بالغة بهذا التأويل، فرد عليه وأفرط حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجوداً في لسان العرب. وقوله: {هو ربكم}، تنبيه على المعرفة بالخالق. وقوله: {وإليه ترجعون} إخبار في ضمنه وعيد وتخويف، وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه...} الآية، قال الطبري وغيره من المتأولين والمؤلفين في التفسير: إن هذه الآية اعترضت في قصة نوح وهي شأن محمد صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، وذلك أنهم قالوا: افترى القرآن وافترى هذه القصة على نوح، فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا لو صح بسند وجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام، ويبقى اتساق الآية مطرداً، ويكون الضمير في قوله {افتراه} عائداً إلى العذاب الذي توعدهم به أو على حميع أخباره، وأوقع الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به. والمعنى: أم يقول هؤلاء الكفرة افترى نوح هذا التوعد بالعذاب وأراد الإرهاب علينا بذلك؛ ثم يطرد باقي الآية على هذا. و {أم} هي التي بمعنى بل يقولون، و "الإجرام" مصدر أجرم يجرم إذا جنى، يقال: جرم وأجرم بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : طريد عشيرة ووهين ذنب بما جرمت يدي وجنى لساني
النسفي
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَاء } أي ليس الإتيان بالعذاب إليّ وإنما هو إلى من كفرتم به {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي لم تقدروا على الهرب منه {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } هو إعلام موضع الغي ليتقي والرشد ليقتفي {ولكني} {إني} {نصحَي} مدني وأبو عمرو {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } أي يضلكم وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في الحكم لما عرف. تقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، وهو دليل بين لنا في إرادة المعاصي {هُوَ رَبُّكُمْ } فيتصرف فيكم على قضية إرادته {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أعمالكم {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } بل أيقولون افتراه {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي يقال أجرم الرجل إذا أذنب {وَأَنَاْ بَرِىء } أي ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى {مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَم يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع، وفيه دليل على أن للإيمان حكم التجدد كأنه قال: إن الذي آمن يؤمن في حادث الوقت، وعلى ذلك يخرج الزيادة التي ذكرت في الإيمان بالقرآن {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فلا تحزن حزن بائس مستكين والابتئاس افتعال من البؤس وهو الحزن والفقر، والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام من أعدائك.
القشيري
تفسير : أقَرَّ بالعبودية، وتَبرَّأ عن الحول والقوة، وأحال الأمرَ على المشيئة. ولقد أنصف مَنْ لم يُجَاوِزْ حَدَّه في الدعوى. والأنبياء عليهم السلام - وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال انما يأتيكم به الله ان شاء} عاجلا او آجلا وليس موكولا الىّ ولا مما يدخل تحت قدرتى. وفيه اشارة الى وقوع العذاب بمشيئة الله لا بالاعمال الموجبة للوقوع {وما انتم بمعجزين} بالهرب او بالمدافعة كما تدافعون فى الكلام. قال الامام فان احدا لا يعجزه اى يمنعه مما اراد يفعله والمعجز هو الذى يفعل ما عنده فيتعذر به مراد الغير فيوصف بانه اعجزه فقوله تعالى {وما انتم بمعجزين} اى لا سبيل لكم الى ان تفعلوا ما عندكم فيمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب ان اراد انزاله بكم
الطوسي
تفسير : فأجابهم نوح عليه السلام عما قالوه فقال: إنما يأتي بالعذاب الله تعالى دون غيره يأتي به متى يشاء، ولستم تفوتونه هرباً. ومعنى {إنما} اختصاص ما ذكر لمعنى دون غيره، تقول: إنما زيد كريم أي هو كريم دون غير. وإنما دخل {إنما} بمعنى الاختصاص بالمذكور دون غيره؛ لأنها لتحقيق المعنى: ومن تحقيقه أن يكون لها دون غيره إذ المشرك لم يحقق على شيء بعينه، وإذا دخلت {إنما} هذه على (اسم) كان الاسم مرفوعاً، لأن (ما) كافة للعامل، ولولا ذلك لما دخلت على الفعل، والاعجاز هو الفوت بالهرب. وفي الاية دلالة على أن المجادلة تقوم بها الحجة على مخالف الحق، لأنه لو لم تقم بها الحجة ما جادلهم نوح ولما قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن}.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} لست بقادر على اتيان العذاب ووعده وانّما نسبتموه الىّ بجلهكم {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} لا غيره {إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} فلا تجترئوا على التّحدّى.
اطفيش
تفسير : {قَالَ إنَّما يأتيكُم بهِ اللهُ} لا أنا، فإنه فى حكمه ومقدور له لا فى حكمى وقدرتى، وهو المكفور به، والمعصى فى رسالته، وأما أنا فرسول فقط، والانتقام إليه لا إلى غيره {إنْ شَاءَ} تعجيله وإلا أخره كما تقتضيه الحكمة. {وما أنتُم بمعْجِزِينَ} له بدفع عذابه، أو الهرب منه، وأجاب قولهم: إن جداله لا يؤثر فيهم بقوله: {ولا ينْفَعكُم نُصْحى إنْ أردْتُ أنْ أنصَح لكُم}.
اطفيش
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ} بما أَعدكم {اللهُ} عاجلا أَو آجلا وليس بمقدور لى {إِنْ شَاءَ} وهذا قبل أَن يعلم أَن الله سبحانه قد شاءَ، والخوف فى كلامه على هذا عدم اليقين بوقوعه فى الدنيا وإلا فقد شاءَ، ولا يصح الشك، أَو أَن بمعنى قد، أَو المعنى إِن شاءَ أَن يعجله {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} بغالبين الله بالهروب عن عذابه أَو بعالبين إِياه بدفع عذابه عنكم.
الالوسي
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآء} أي إن ذلك ليس إليَّ ولا مما هو داخل تحت قدرتي وإنما هو لله عز وجل الذي كفرتم به وعصيتم أمره يأتيكم به عاجلاً أو آجلاً إن تعلقت به مشيئته التابعة للحكمة، وفيه كما قيل: ما لا يخفى من تهويل الموعود، فكأنه، قيل: الإتيان به أمر خارج عن دائرة القوى البشرية وإنما يفعله الله تعالى وفي الإتيان بالاسم الجليل الجامع تأكيد لذلك التهويل {وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بمصيريه سبحانه وتعالى عاجزاً بدفع العذاب أو الهرب منه، والباء زائدة للتأكيد، والجملة الاسمية للاستمرار، والمراد استمرار النفي وتأكيده لا نفي الاستمرار والتأكيد وله نظائر.
د. أسعد حومد
تفسير : (33) - قَالَ لَهُمْ نُوحٌ: أَنَا لاَ أَمْلِكُ العَذَابَ الذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، إِنَّمَا الذِي سَيَأْتِيكُمْ بِهِ، وَيُعَجِّلُ العِقَابَ لَكُمْ، هُوَ اللهُ الذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. مَا أَنْتُمْ بِمُعِجزِينَ - بِفَائِتِينَ مِنْ عَذَابِ اللهِ بِالهَرَبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأن الحق سبحانه هو الذي يقدِّر للعذاب أواناً، ويقدِّر لكل تعذيب ميلاداً، ولا يَعْجَلُ الله بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وهم لن يعجزوا الله تعالى ولن يفلتوا منه؛ لأنه لا توجد قوة في الكون يمكن أن تمنع مشيئة الله تعالى، أو أن تتأبَّى عليه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمَْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {قَالَ} نوح متأسفاً متحزناً، آيساً من إيمانهم: يا قوم لست بآتٍ بموعدٍ حتى تعجزوني وتضطروني وتستهزئوا بي، بل {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي: بالعذاب الموعود {ٱللَّهُ} المنتقم منكم {إِن شَآءَ} انتقامكم وتعلق إرادته لهلاككم {وَمَآ أَنتُمْ} حين غضبه سبحانه عليكم {بِمُعْجِزِينَ} [هود: 33] الله في فعله وأخذه؛ إذ هو القاهر فوق عباده، بل أنتم حينئذٍ عاجزون ومضطرون مقهورون. {وَلاَ يَنفَعُكُمْ} اليوم {نُصْحِيۤ} لئلا يلحقكم ما سيلحقكم حين حلول العذاب {إِنْ أَرَدْتُّ} وأحببت {أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} لأحفظكم {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي: لا ينفعكم نصحي اليوم إن تعلق إرادة الله ومشيئته في سابق علمه لإغوائكم، بل {هُوَ رَبُّكُمْ} ومولي أموركم {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره من الأظلال {تُرْجَعُونَ} [هود: 34] في جميع أموركم وحلااتكم. أتريد يا نوح نصحهم وإشفاقهم، وهم لا يقبلون منك {أَمْ} بل {يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي: اختلقه من عنده ونسبه إلى الوحي ترويجاً {قُلْ} لهم حين قالوا لك هذه مجاراة عليهم ومماراة: {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} واختلفت ما جئت به {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي: وبال أمري ونكاله {وَ} الحال أنه {أَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] وتنسبون إلي من الجرائم. {وَ} بعدما بالغوا في العتو والفساد والإصرار على ماهم عليه من الجور والفساد {أُوحِيَ} وألهم {إِلَىٰ نُوحٍ} حين ظهر عليهم أمارات الإنكار، ولاح علامات الاستخفاف والاستكبار {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ} لك أبداً بعد هذا {مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} لك قبل هذا، فاقنط عن إيمانهم، ولا تجتهد في نصحهم وإهدائهم {فَلاَ تَبْتَئِسْ} ولا تغتم من إهلاكهم ونزول العذاب عليهم إنهم مهلكون {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [هود: 36] من الإعراض والإنكار والعتو والاستكبار. {وَ} بعدما حصل لك اليأس والقنوط من إيمانهم {ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} لحفظك ولمن آمن معك من الغرق {بِأَعْيُنِنَا} أي: بكنفنا وجوارنا وحفظنا وحصاننا {وَوَحْيِنَا} لك كيف تصنعها وتشيدها {وَ} بعدما صنعت {لاَ تُخَاطِبْنِي} ولا تناجِ معي {فِي} إنجاء القوم {ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أنفسهم بالمكابرة والعناد ونبذوا وراء ظهورهم ما جئت به من الهداية والرشاد {إِنَّهُمْ} بسبب انهماكهم في الغفلة والغرور {مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] مهلكون حتماً، لانجاة لهم أصلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ} [هود: 33] فيه إشارة بهم إلى أن وقوع العذاب بمشيئة الله لا بالأعمال الموجبة للوقوع، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} [هود: 33] أي: بمعجزي الله أن يأتيكم العذاب في الدنيا والآخرة، {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ}[هود: 34] في الأزل، {أَن يُغْوِيَكُمْ} [هود: 34] إشارة إلى أن نصح الأنبياء ودعوتهم لا يفيد الهداية مع إرادة الله الغواية. {هُوَ رَبُّكُمْ} [هود: 34] أي: استعداد، {أية : مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}تفسير : [الانفطار: 8] أي: صفة من السعادة التي أراد بكم ربكم، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] على طريق السعادة والشقاوة كما شاء في الأزل، {أَمْ يَقُولُونَ} [هود: 35] النفس والهوى والطبيعة، {ٱفْتَرَاهُ} [هود: 35] الروح هذه المعاني من عنده. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: 35] أي: إجرام افترائي، {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35] من التكذيب، وفيه إشارة إلى أن ذنوب النفس لا تنافي صفاء الروح ولا يكدرها ما كان الروح متبرئاً من ذنوب النفس متأسفاً على معاملات النفس وتتبع هواها. ثم أخبر عن أهل الإيمان وأهل الخذلان بقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ} [هود: 36] أي: نوح الروح، {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ} [هود: 36] وهم القلب وصفاته، والسر والنفس وصفاتها، والبدن وجوارحه، {إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود: 36] من خواص العباد وهم: القلب وصفاته، والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه، فأمَّا النفس فإنها لا تؤمن أبداً اللهم إلا نفوس الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء، فإنها تسلم أحياناً دون الإيمان وحال النفوس كأحوال الأعراب كقوله تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14] فإن معدن الإيمان القلوب ومظهر الإسلام النفوس؛ لأن الإسلام الحقيقي الذي قال تعالى فيه:{أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22] وهو ضوء قد انعكس من مرآة القلب المنور بنور الإيمان، وأمَّا إسلام الأعراب إذ قال تعالى لهم: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14] لم يكن ضوء منعكساً من مرآة القلب المنور، ولكن هو ضوء منعكس من النور المودع في كلمة التوحيد والشهادتين والأعمال الصالحة المشروعة عند إتيانها بالصدق. فاعلم أن إيمان الخواص ينزل من الحق تعالى بنظر عناية القلوب القابلة للفيض الإلهي بلا واسطة، وإيمان العوام يدخل في قلوبهم من طريق الإقرار باللسان والعمل بالأركان، {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [هود: 36] نفوس السعداء من أعمال الشر، فإنها لهم كالجسد للأكسير ينقلب ذهباً مقبولاً عند طرح الروح عليها، كذلك تنقلب أعمال الشر خيراً عند طرح التوبة عليها. كما قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] ولا تبتئس على نفوس الأشقياء بما كانوا يفعلون؛ لأنها حجة الله على شقاوتهم وبتلك السلاسل يسبحون في النار على وجوههم. {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37] أي: اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا بنظرك، فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها، ويفعل عن حقائقها وأسرارها وحكمها ومعانيها، فتجرد عن آفات الحواس والوهم والخيال والنفس وصفاتها والعقل المنسوب بها؛ لتستحق تزكية النفس تحليها الإلهامات الربانية بفجور النفس وتقواها؛ لتكون سفينة الشريعة معمولة لنجاة راكبها من طوفان النفس والدنيا؛ {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} [هود: 37] أي: النفوس فإن الظالم شيمتها، {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]؛ لأنها تضع الأشياء في غير موضعها تضع عبادة الحق في هواها والدنيا وشهواتها، وهذا الخطاب يحسم مادة الطمع من إيمان النفوس، وفيها حكمة يطول شرحها، ومنها ترقي أهل الكمالات إلى الأبد فافهم جدّاً. وإن النفس ممكر مكر الحق حتى لا يأمن منها وصفاتها، {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [هود: 37] في طوفان الفتن إلا من سلمه الله منه، والسلامة في ركوب سفينة الشريعة فإن نوح الروح إن لم يركبها كان من المغرقين. {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} [هود: 38] أي: عند تركيب أركان سفينة الشريعة واستعمالها، {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ} [هود: 38] وهم النفس وهواها وصفاتها، {سَخِرُواْ مِنْهُ} [هود: 38] أي: استعمال أركان الشريعة الظاهرة، فإنها بمعزل عن أسرارها وأنوارها، {قَالَ} [هود: 38] يعني: نوح الروح، {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} [هود: 38] بجهلكم عن فائدة هذه السفينة، {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} [هود: 38] إذ نجونا وهلتكم لعلمنا بها وجهلكم بها، {كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] منا بجهلكم بها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):