١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} شرط ودليل وجواب والجملة دليل جواب قوله: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} وتقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، ولذلك تقول لو قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً فدخلت ثم كلمت لم تطلق، وهو جواب لما أوهموا من جداله كلام بلا طائل. وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإِغواء وأن خلاف مراده محال. وقيل {أَن يُغْوِيَكُمْ } أن يهلككم من غوى الفصيل غوى إذا بشم فهلك. {هُوَ رَبُّكُمْ } هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أعمالكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } أي إغواءكم وجواب الشرط دل عليه و(لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى ) {هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} [الآية: 34]. قال حمدون القصار: النصيحة لمن لم ينصح نفسه قبل سماع النصيحة بدوام الاجتهاد ومجانبة الاختلاف.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يُساعده تعريفُ الحقِّ - بما له بحكم العناية - لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في النهاية. ويقال مَنْ لم يُوَصِّلْه الحقُّ للوصال في آزاله لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في حاله. ويقال مَنْ سَبَقَ الحُكْمُ له بالضلالة أَنَّى ينفعه النصحُ وبَسْطُ الدلالة؟ ويقال من لم تساعدْه قسمةُ السوابق لم ينفعه نُصْحُ الخلائق. قوله: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}: من المحال اجتماع الهداية والغواية؛ فإذا أراد اللَّهُ بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية. ثم بيَّن المعنى في ذلك بأن قال: {هُوَ رَبُّكُمْ} لِيَعْلَم العالِمون أَنَّ الربَّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} اى كيف ينفع نصيحتى لكم ولم يخلقكم الله على استعداد قبول النصيحة وذلك من شقاء الازل والنصيحة لا تنفع الا لمن كان فى قلبه زاجر من ربه يمنعه من المعصية ويحثه على استماع النصيحة قال حمدون القصار لا ينفع النصيحة لمن لم ينصح نفسه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا ينفعكم نصحى} النصح كلمة جامعة لكل ما يدور عليه الخير من فعل او قول وحقيقته الخاصة ارادة الخير والدلالة عليه ونقيضه الغش وقيل هو اعلام موضع الغى ليتقى وموضع الرشد ليقتفى {ان اردت ان انصح لكم} شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه والتقدير ان اردت ان انصح لكم ينفعكم نصحى وهذه الجملة دالة على ما حذف من جواب قوله تعالى {ان كان الله يريد ان يغويكم} والتقدير ان كان الله يريد ان يغويكم فان اردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى. وفيه اشارة الى ان نصح الانبياء ودعوتهم لا تفيد الهداية مع ارادة الله الغواية والكل بيد الله تعالى: قال الحافظ شعر : مكن بجشم حقارت نكاه برمن مست كه نيست معصيت وزهدبى مشيت او تفسير : يقول الفقير قد سبق ان نوحا عليه السلام وصفهم بالجهل والجاهل لا ينفع فيه النصح والوعظ كما فى المثنوى شعر : بند كفتن باجهول خوابناك تخم افكندن بود درشوره خاك جاك حمق وجهل نبذبرد رفو تخم حكمت كم دهش اى بندكو تفسير : {هو ربكم} خالقكم والمتصرف فيكم وفق ارادته {واليه ترجعون} فيجازيكم على اعمالكم لا محالة
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على قول نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله إن شاء ولستم تفوتونه، {ولا ينفعكم نصحي} ويحتمل قوله {يريد أن يغويكم} أمرين: احدهما - ان كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم ثوابه، ويعاقبكم لكفركم به، ولا ينفعكم نصحي يقال: غوى يغوي غياً، ومنه قوله تعالى {أية : فسوف يلقون غياً} تفسير : أي خيبة وعذاباً وقال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : فلما كان الله قد خيب قوم نوح من رحمته وثوابه وجنته أعلم نبيه نوحاً بذلك في قوله {أية : لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن }تفسير : وأنهم سيصيرون إلى خيبة وعذاب، أخبرهم الله بذلك على لسان نبيه، فقال {ولا ينفعكم نصحي} مع إتيانكم ما يوجب خيبتكم والعذاب الذي جرّه عليكم قبيح أفعالكم، ويريد الله إهلاككم وعقوبتكم على ذلك. وحكي عن طي انها تقول: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً. وحكي عن غيرهم سماعاً منهم: أغويت فلاناً أهلكته، وغوي الفصيل إذا فقد اللبن فمات: بكسر الواو في الماضي، وفتحها في المستقبل، ومنه قوله تعالى {أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : اي خاب من الثواب الذي كان يحصل له بتركه. والوجه الثاني - أن يكون جرى على عادة العرب في تسمية العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه، فيكون المعنى ان كان الله يريد عقوبتكم على اغوائكم الخلق واضلالكم اياهم، فسمى عقوبته اياهم على اغوائهم اغواء كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة} {أية : ومكروا ومكر الله }تفسير : و {أية : الله يستهزئ بهم} تفسير : ونظائر ذلك كثيرة. ومثله قوله حكاية ابليس {أية : بما أغويتني}تفسير : فانه يحتمل هذين الوجهين، الأول يحتمل أن يكون فبما خيبتني، والثاني - فبما جازيتني على اغوائي الخلق عن الهدى. ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أن يجعلهم كفاراً على ما يذهب اليه المجبرة؛ لأن الاغواء بمعنى الدعاء إلى الكفر او فعل الكفر لا يجوز عليه تعالى، لقبحه كقبح الامر بالكفر. والنصح اخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه. والنصح نقيض الغش. وكان نصح نوح لقومه اعلامهم موضع الغي ليتقوه، وموضع الرشد ليتبعوه. وانما شرط النصح بالارادة - في قوله {إن أردت أن أنصح} مع وقوع هذا النصح - استظهاراً في الحجة؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح، فقال: لو كان نصحاً ما نفع من لا يقبله. وقوله {هو ربكم وإليه ترجعون} اخبار من نوح أن الله الذي عذبكم وخيبكم من رحمته هو الذي خلقكم ويميتكم ثم يردكم بأن يحبيكم ليجازيكم على افعالكم ويعاقبكم على كفركم بنعمه حيث لا ينفعكم استدراك ما فات، ولا ينفعكم الندم على ما مضى. وقال الحسن: معنى الاية ان كان الله يريد أن يعذبكم وينزل بكم عذابه فانتم عند ذلك لا ينفعكم نصحي، لأن الله تعالى لا يقبل الايمان عند نزول العذاب. وقال بعض العلماء: ان قوم نوح كانوا يعتقدون أن ما هم عليه بارادة الله لولا ذلك لغيّره وأجبرهم على خلافه، فقال نوح على وجه الانكار عليهم والتعجب من قولهم: ان نصحي لا ينفعكم ان كان القول كما تقولون وتعتقدونه، حكى ذلك البلخي.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} هذا الكلام منه تحسّر عليهم بانصرافهم عمّا يدعوهم اليه والاتيان باداة الشّكّ وذكر الارادة مع انّه نصحهم واكثر نصحهم للاشعار بانّهم لغاية بعدهم كأنّه لم ينصح ولا ينبغى ان يريد نصحهم {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} جزاء الشّرط الاوّل محذوف بقرينة لا ينفعكم نصحى وجزاء الشّرط الثّانى محذوف بقرينة مجموع الشّرط والجزاء الاوّل {هُوَ رَبُّكُمْ} تعليل لعدم النّفع مع ارادة الله الاغواء {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تعليل للتّهديد من العذاب.
اطفيش
تفسير : {ولا ينْفَعكُم نُصْحى} وسكن الياء غير نافع، وأبى عمرو {إنْ أردْتُ أنْ أنصَح لكُم} جواب هذا الشرط محذوف مدلول عليه بقوله: {لا ينفعكم نصحى} وجملة هذا الشرط والجواب دليل للجواب المقدر لقوله: {إنْ كانَ اللهُ يُريدُ أنْ يغْوِيكُم} فكأنه قيل: إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحى، فلو قال رجل لزوجته: أنت طالق إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا، فدخلت ثم كلمت لم تطلق، لأن مجموع ما قيل قوله: إن كلمت زيدا دليل الجواب، فكأنه مذكور بعده كذا ظهر فى بيان كلام القاضى، وإنما قال: إن أردت، ولم يقل: إن نصحت لكم إشارة إلى أنه إذا أراد الله إغواء أحد فلا ينفع فيه شئ، حتى إذا أردت نصحه ينبغى أن لا يكون، لأنها تؤثر، ولكن الله أبهم إرادة الإغواء، وإلى أن إرادة الله تغلب إرادة غيره، وخلاف إرادته محال، وإرادة الله تتعلق بالإغواء كما هنا وبالإرشاد، وإغواءه خذلانه لا جبره، وقيل: المراد [من] الإغواء هنا الإهلاك، من غوى الفصيل إذا تخم باللبن فمات، ويحتمل أن يريد صاحب هذا القول الإغواء بمعناه المذكور أولا، فإن الخذلان يؤدي إلى الهلاك. {هُو ربُّكم} مالككم يفعل ما يشاء ولا تخرجون عن سلطانه {وإلَيْه تُرجَعُون} بالبعث للحساب.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى} اجتهادى فيما يصلحكم، والنصح قصد فعل أَو قول فيه صلاح أَو إِعلام بالسوءِ ليتقى وبالخير ليقتفى، {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ} أَغنى عن جوابه قوله ولا ينفعكم نصحى ومجموع ذلك دليل جواب قوله {إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ} كأَنه قيل إِن كان الله يريد أَن يغويكم قيد لمجموع الشرط الأَول وجوابه ومجموع الأَول وجوابه جواب فى المعنى الثانى، ولو قال الرجل لعبده أَنت حر إِن دخلت الدار إِن كلمت زيداً فدخل ثم كلم لم يعتق لعدم شرط كون الدخول مستلزما للعتق لكن إِن كلم ثم دخل يعتق فلا يحكم بتحقيق الجزاءِ إِلا عند وجود الشرط الأَول بعد وجود الشرط الثانى، ففى قولك إِن كلمت زيداً إِن دخلت الدار فأَنت حر إِن كلمه ثم دخل الدار لا يعتق، والشرط لمؤَخر فى اللفظ مقدم فى الوجود مثل أَنت حر إِن دخلت فإِن المفهوم كون العتق من لوازم الدخول، لكن إِن ذكر بعده شرطاً آخر مثل إِن كلمت زيداً كان المعنى أَن تعلق ذلك الجزءِ بذلك الشرط الأَول مشروط بحصول الشرط الثانى والشرط مقدم على المشروط فى الدخول، فإِن حصل الشرط الثانى وهو تكلم زيد تعلق ذلك الجزاءُ وهو العتق بذلك الشرط الأَول وهو دخول الدار، وإِذا لم يوجد الشرط الثانى لم يتعلق ذلك الجزاءُ بذلك الشرط الأَول، والذى عندى أَنه يقع الحكم إِن اجتمع الشرطان ولو بلا ترتيب إِلا أَن شرط المتكلم الترتيب كما إِذا كان الشرط الثانى بالفاءِ، وكذلك ثلاثة شروط فأَكَثر، وذلك إِذا كان الشرط الثانى وما بعده بلا عطف وإِن كانا بأَو فالجواب لأَحدهما بلا تعيين، وإِن كان بالواو وثم أَو غيرهما فالجواب لها إِلا إِن كان بالفاءِ فالجواب الثانى والله سبحانه وتعالى يريد الكفر والإِيمان كما قال يريد أَن يغويكم إِذ لا يكون شىءٌ إِلا بقضائِه وقدرته وعلمه وخلقه {وإِليْهِ تُرْجَعُونَ} فيعاقبكم على كفركم.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي} النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح وهو كلمة جامعة، وقيل: هو إعلام مواقع الغي ليتقى ومواضع الرشد ليقتفى، وهو من قولهم: نصحت له الود أي أخلصته، / وناصح العسل خالصه، أو من قولهم نصحت الجلد خطته، والناصح الخياط، والنصاح الخيط، وقرأ عيسى ابن عمر الثقفي {نصحي} بفتح النون وهو مصدر، وعلى قراءة الجماعة ـ على ما قال أبو حيان ـ يحتمل أن يكون مصدراً كالشكر، وأن يكون اسماً {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه وليس جواباً له لامتناع تقدم الجواب على الشرط على الأصح الذي ذهب إليه البصريون أي إن أردتم أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، والجملة كلها دليل جواب قوله سبحانه: {إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} والتقدير إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي، وجعلوا الآية من باب اعتراض الشرط على الشرط، وفي «شرح التسهيل» لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان مثلاً كقولك: إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك، فالجواب للأول، واستغنى به عن جواب الثاني، وزعم ابن مالك أن الشرط للثاني مقيد للأول بمنزلة الحال، فكأنه قيل في المثال: إني جئتني في حال وعدي لك أحسنت إليك، والصحيح في المسألة أن الجواب للأول، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه، فإذا قلت: إن دخلت الدار إن كلمت زيداً إن جاء إليك فأنت حر، فأنت حر جواب إن دخلت وهو وجوابه دليل جواب إن كلمت وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء، والدليل على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر، فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني، فكأنه قيل إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقع هكذا مجىء ثم كلام ثم دخول، وهو مذهب الشافعي عليه الرحمة، وذكر الجصاص أن فيها خلافاً بين محمد وأبـي يوسف رحمهما الله تعالى، وليس مذهب الإمام الشافعي فقط. وقال بعض الفقهاء: إن الجواب للأخير. والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجىء. وقال بعضهم: إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عطف بأو فالجواب لهما وإن كان بالفاء فالجواب للثاني وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف. وادعى ابن هشام أن في كون الآية من ذلك الباب نظراً قال: إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما فيما سمعت من الأمثلة، وكما في قول الشاعرشعر : إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقل عز زانها كرم تفسير : إذ لم يذكر فيها جواب وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للأول فينبغي أن يقدر إلى جانبه ويكون الأصل إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدماً إلى جانب الشرط الأول فلا وجه له انتهى. وقد ألف في المسألة «رسالة» كما قال الجلال السيوطي وأوردها في «حاشيته على المغني» حسنة، ولا يخفى عليك أن المقدر في قوة المذكور، والكثير في توالي شرطين بدون عاطف تأخره سماعاً فيقدر كذلك ويجري عليه حكمه. والكلام على ما تقدم متضمن لشرطين مختلفين: أحدهما جواب للآخر وقد جعل المتأخر في الذكر متقدماً في المعنى على ما هو المعهود في المسألة، وهو عند الزمخشري على ما قيل شرطية واحدة مقيدة حيث جعل {لاَ يَنفَعُكُمْ} دليل الجواب لأن كان، وجعل {إِنْ أَرَدْتُّ} قيداً لذلك نظير إن أحسنت إليَّ أحسنت إليك إن أمكنني فتأمل ((والكلام متعلق بقولهم: {أية : قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا }تفسير : [هود: 32] صدر عنه عليه السلام إظهاراً للعجز عن ردهم / عما هم عليه من الضلال بالحجج والبينات لفرط تماديهم في العناد وإيذاناً بأن ما سبق منه إنما كان بطريق النصيحة لهم والشفقة عليهم وأنه لم يأل جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتهم إلى سبيله المستبين ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادته سبحانه لإغوائهم، وتقييد عدم نفع النصح بإرادته مع أنه محقق لا محالة للإيذان بأن ذلك النصح مقارن للإرادة والاهتمام به، ولتحقيق المقابلة بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم، وإنما تقصر في ذلك على مجرد إرادة الإغواء دون نفسه حيث لم يقل إن كان الله يغويكم مبالغة في بيان غلبة جنابه جل جلاله حيث دل ذلك على أن نصحه المقارن للاهتمام به لا يجديهم نفعاً عند مجرد إرادة الله تعالى إغواءهم فكيف عند تحققه وخلقه فيهم، وزيادة {كَانَ} للإشعار بتقدم إرادته تعالى زماناً كتقدمه رتبة، وللدلالة على تجددها واستمرارها، وقدم على هذا الكلام ما يتعلق بقولهم: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا }تفسير : [هود: 32] من قوله: {أية : إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ }تفسير : [هود: 33] رداً عليهم من أول الأمر وتسجيلاً عليهم بحلول العذاب مع ما فيه من اتصال الجواب بالسؤال)) قال ذلك مولانا شيخ الإسلام. ثم إن {إِنْ أَرَدْتُّ} إن أبقى على الاستقبال لا ينافي كونه نصحهم في الزمن الماضي، وقيل: إنه مجاراة لهم لاستظهار الحجة لأنهم زعموا أن ما فعله ليس بنصح إذ لو كان نصحاً قبل منه، واللام في {لَكُمْ} ليست للتقوية كما قد يتوهم لتعدي الفعل بنفسه كما في قوله: شعر : نصحت بني عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي تفسير : لما في «الصحاح» أنه باللام أفصح. وفي الآية دليل على أن إرادة الله تعالى مما يصح تعلقها بالإغواء وأن خلاف مراده سبحانه محال، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط، والمعتزلة وقعوا في حيص بيص منها واختلفوا في تأويلها، فقيل: إن {يُغْوِيَكُمْ} بمعنى يهلككم من غوى الفصيل إذا بشم من كثرة شرب اللبن فهلك، وقد روى مجىء الغوى بمعنى الهلاك الفراء. وغيره، وأنكره مكي. وقيل: إن الإغواء مجاز عن عقوبته أي إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم. وقيل: إن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد إغوائهم فأخرج عليه السلام ذلك مخرج التعجب والإنكار أي إن نصحي لا ينفعكم إن كان الأمر كما تزعمون، وقيل: سمي ترك إلجائهم وتخليتهم وشأنهم إغواء مجازاً، وقيل: {إِن} نافية أي ما كان الله يريد أن يغويكم، ونفى ذلك دليل على نفي الإغواء، ويكون {لاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي} الخ إخباراً منه عليه السلام لهم وتعزية لنفسه عنهم لما رأى من إصرارهم وتماديهم على الكفر، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة الظاهر المعروف في الاستعمال وارتكاب ما لا ينبغي ارتكاب مثله في كلام الملك المتعال. ومن الناس من اعترض الاستدلال بأن الشرطية لا تدل على وقوع الشرط ولا جوازه فلا يتم ولا يحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل، ودفع بأن المقام ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك فإن أرادوا إرجاعه إلى قياس استثنائي فإما أن يستثنى عين المقدم فهو المطلوب أو نقيض التالي فخلاف الواقع لعدم حصول النفع. وبالجملة الآية ظاهرة جداً فيما ذهب إليه أهل السنة، والله سبحانه الموفق. {هُوَ رَبُّكُمْ} أي خالقكم ومالك أمركم {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على أفعالكم لا محالة.
ابن عاشور
تفسير : عَطَف على وعظهم بحلول العذاب وتوقعه بيانَ حال مجادلته إيّاهم التي امتعضوا منها بأنها مجادلة لنفعهم وصلاحهم، وفي ذلك تعريض بتحميقهم وتسفيه آرائهم حيث كرهوا ما هو نفع لهم. والنصح: قول أو عمل يريد صاحبه صلاح المعمول لأجله. وأكثر ما يطلق على الأقوال النافعة المنقذة من الأضرار. ويكون بالعمل كقوله تعالى: {أية : إذا نصحوا لله ورسوله}تفسير : في سورة [التوبة: 91]. وفي الحديث: «حديث : الدين النصيحة لله ولرسوله» تفسير : أي الإخلاص في العمل لهما لأنّ الله لا ينبّأ بشيء لا يعلمه. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ونصحتُ لكم ولكن لا تحبون النّاصحين}تفسير : في سورة [الأعراف: 79]. فالمراد بالنصح هنا هو ما سمّاه قومه بالجدال، أي هو أولى بأن يسمّى نصحاً، لأن الجدال يكون للخير والشر كما تقدم. وجملة الشرط في قوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} هي المقصود من الكلام، فجوابها في معنى قوله: {لا ينفعكم نصحي} ولكن نظم الكلام بني على الإخبار بعدم نفع النصح اهتماماً بذلك فجعل معطوفاً على ما قبله وأتي بالشرط قيداً له. وأمّا قوله: {إن أردت أن أنصح لكم} فهو شرط معترض بين الشرط وبين دليل جوابه لأنه ليس هو المقصود من التعليق ولكنه تعليق على تعليق، وغير مقصود به التقييد أصلاً، فليس هذا من الشرط في الشروط المفروضة في مسائل الفقه وأصوله في نحو قول القائل: إن أكلت، إن شربت فأنت طالق، لأنها مفروضة في شرط مقيّد لشرط آخر. على أن المقصود إذا اجتمع فعلا الشرطين حصل مضمون جوابهما. ومثلوه بقول الشاعر: شعر : إن تستغيثوا بنا إن تُذْعَروا تَجدوا مِنّا مَعاقِل عزّ زانها كرم تفسير : فأما قوله: {إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} فكل من الشرطين مقصود التعليق به. وقد حذف جواب أحدهما لدلالة جواب الآخر عليه. والتعليق بالشرط في قوله: {إن أردت أن أنصح لكم} مؤذن بعزمه على تجديد النصح في المستقبل لأن واجبه هو البلاغ وإن كرهوا ذلك. وأشار بقوله: {إن كان الله يريد أن يغويكم} إلى ما هم فيه من كراهية دعوة نوح ـ عليه السلام ـ سببه خذلان الله إيّاهم ولولاه لنفعهم نصحه، ولكن نوحاً ـ عليه السلام ـ لا يعلم مراد الله من إغوائهم ولا مدى استمرار غوايتهم فلذلك كان عليه أن ينصح لهم إلى نهاية الأمر. وتقدم الكلام على دخول اللام على مفعول (نصح) عند قوله تعالى: {أية : إذا نصحوا لله ورسوله}تفسير : في [براءة: 91]. والإغواء: جعل الشخص ذا غَواية، وهي الضلال عن الحق والرشد. وجملة {هو ربكم} ابتدائية لتعليمهم أن الله ربهم إن كانوا لا يؤمنون بوجود الله، أو لتذكيرهم بذلك إن كانوا يؤمنون بوجوده ويشركون معه وُدّاً، وسوَاعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً. والتقديم في {وإليه ترجعون} للاهتمام ولرعاية الفاصلة وليس للقصر، لأنهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً بله أن يزعموا أنهم يُحْضرون إلى الله وإلى غيره. وتمثلتْ فيما قصه الله من قصة نوح ـ عليه السلام ـ مع قومه صورة واضحة من تفكير أهل العقول السخيفة التي ران عليها الضلال فقلبَ أفكارها إلى اعوجاج فظيع، وهي الصورة التي تتمثل في الأمم التي لم يثقّف عقولها الإرشاد الديني فغلب عليها الانسياق وراء داعي الهوى، وامتلكها الغرور بظن الخطأ صواباً، ومصانعة مَن تصأصىءُ عين بصيرته بلائح من النور، من يدعوه إلى إغماضها وعدمت الوازع النفساني فلم تعبأ إلاّ بالصور المحوسة ولم تهتمّ إلا باللذات وحب الذات ولا تزن بمعيار النقد الصحيح خلوص النفوس من دَخَل النقائص.
الواحدي
تفسير : {إن كان الله يريد أن يغويكم} أَيْ: يُضِلَّكم ويوقع الغيَّ في قلوبكم لما سبق لكم من الشَّقاء {هو ربكم} خالقكم وسيِّدكم، وله أن يتصرَّف فيكم كما شاء. {أم يقولون} بل أيقولون {افتراه} اختلف ما أتى به من الوحي {قل إن افتريته فعليَّ إجرامي} عقوبة جرمي {وأنا بريء مما تجرمون} من الكفر والتَّكذيب.
د. أسعد حومد
تفسير : (34) - وَأَيُّ شَيءٍ يُفِيدُكُمْ نُصْحِي وَإِبْلاَغِي إِيَّاكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي إِنْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُضِلَّكُمْ وَيُغْوِيَكُمْ؟ فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَالِكُ أَزِمَّةِ الأُمُورِ، المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ، العَادِلُ الذِي لاَ يَجُورُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ النَّاسُ، يَوْمَ الحِسَابِ، لِيَجْزِيَ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ أَنَّ النُّصْحَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُهُ المُسْتَعِدُّ لِلرَّشَادِ، وَيَرْفُضُهُ مَنْ غَلَبَ عَلَيهِ الغَيُّ وَالفَسَادُ. أَنْ يُغْوِيَكُمْ - أَنْ يُضِلَّكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمعنى هنا: إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم؛ لأن الآية بها تعدُّد الشرطين. ومثال ذلك من حياتنا: حين يطرد ناظر المدرسة طالباً، عقاباً له على خطأ معين، فالطالب قد يستعطف الناظر، فيقول الناظر: "إن جئتني غداً أقبل اعتذارك إنْ كان معك والدك". وقول الناظر: "إن كان معك والدك" هو شرط متأخِّر، ولكنه كان يجب أن يتقدَّم. وفي الآية الكريمة - التي نحن بصددها - جاء الشرط الأول متأخِّراً، ولكن هل يغوي الله سبحانه عِبادَه؟ لا، إنه سبحانه يهديهم، والغواية هي الضلال والبعد عن الطريق المستقيم. والحق سبحانه يقول عن محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}تفسير : [النجم: 2]. وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة: {أية : .. وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]. ونحن يجب ألاَّ نقع في الآفة التي يخطىء البعض بها، حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى؛ فالألفاظ لها معانٍ متعددة. لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسِّياق. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}تفسير : [مريم: 59]. وقوله سبحانه هنا: {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}. أي: سوف يلقون عذاباً، لأن غَيَّهم كان سبباً في تعذيبهم، فسمَّى العذاب باسم مُسبِّبه. ومثل قول الحق سبحانه: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..}تفسير : [الشورى: 40]. والحق سبحانه لا يُسيء لعباده، ولكنهم هم الذين يُسيئون لأنفسهم، فسمَّى ما يلقاهم من العذاب سيئةً. وكذلك "الغَيُّ" يرد بمعنى "الإغواء"، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب. وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صوراً متعددة للإغواء، فآدم عليه السلام حين تَنكَّبَ عن الطريق، وأكل من الشجرة المحرَّمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألاّ يقربها، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف: {أية : .. وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]. وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية، فأراد الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في "افعل" و"لا تفعل" ستظهر عورته وتبدو له سوءاته. وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون مُستعِداً لاستقبال المنهج والوَحْي. وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 39]. ولكن هل أغوى الله - سبحانه - الشيطان؟ إن الحق سبحانه لا يُغْوِي، ولكنه يترك الخيار للمكلَّف إن شاء أطاع، وإن شاء عَصَى. ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار، فإن أطاع الإنسان نال عطاء الله، وإن ضَلَّ، فقد جعل الله له الاختيار، ووَجَّهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد. إذن: فالاختيار ليس مقصوراً على الإغواء بل فيه الهداية أيضاً، والإنسان قادر على أن يهتدي، وقادر على أن يضلَّ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):