١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن معنى افتراه اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم، وقوله: {فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } الإجرام اقتراح المحظورات واكتسابها، وهذا من باب حذف المضاف، لأن المعنى: فعليَّ عقاب إجرامي، وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى: إن كنت افتريته فعليَّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه، كقوله: { أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء ٱلَّيْلِ } تفسير : [الزمر: 9] ولم يذكر البقية، وقوله: {وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي أنا بريء من عقاب جرمكم، وأكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام، وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء حكاية نوح، وقولهم بعيد جداً، وأيضاً قوله: {قُلْ إِنْ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } لا يدل على أنه كان شاكاً، إلا أنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول.
البيضاوي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} وباله وقرىء «أَجْرامي»على الجمع. {وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي. {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن ولا تتأسف. {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أقنطه الله تعالى من إيمانهم ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإِيذاء. {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} ملتبساً بأعيننا، عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل. {وَوَحْيِنَا} إليك كيف تصنعها. {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم. {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} محكوم عليهم بالإِغراق فلا سبيل إلى كفه. {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} حكاية حال ماضية. {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} استهزؤوا به لعمله السفينة فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته، وكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجاراً بعدما كنت نبياً. {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل المراد بالسخرية الاستجهال. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني به إياهم وبالعذاب الغرق. {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} وينزل عليه، أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه. {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دائم وهو عذاب النار. {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا} غاية لقوله {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام. {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور، و {ٱلتَّنُّورُ} تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها. {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا } في السفينة. {مِن كُلّ} من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها. {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } ذكراً وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف أنثى. {وَأَهْلَكَ} عطف على {زَوْجَيْنِ} أو {ٱثْنَيْنِ}، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم. {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين. {وَمَنْ ءامَنَ} والمؤمنين من غيرهم. {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم وثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. روي أنه عليه الصلاة والسلام اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الإِنس وفي أعلاها الطير.
ابن كثير
تفسير : هذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها، مقرر لها، يقول تعالى لمحمد: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا وافتعله من عنده، {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى} أي: فإثم ذلك علي {وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} أي: ليس ذلك مفتعلاً ولا مفترى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى {أَمْ } بل أ {يَقُولُونَ } أي كفار مكة {ٱفْتَرَٰهُ } اختلق محمد القرآن {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } إثمي، أي عقوبته {وَأَنَاْ بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ } من إجرامكم في نسبة الافتراء.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } أنكر سبحانه عليهم قولهم: إن ما أوحى إلى نوح مفترى، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } ثم أمره أن يجيب بكلام متصف، فقال: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } بكسر الهمزة على قراءة الجمهور، مصدر أجرم: أي فعل ما يوجب الإثم، وجرم وأجرم بمعنى قاله النحاس، والمعنى: فعليّ إثمي، أو جزاء كسبي. ومن قرأ بفتح الهمزة، قال: هو جمع جرم ذكره النحاس أيضاً {وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي: من إجرامكم بسبب ما تنسبونه إليّ من الافتراء، قيل: وفي الكلام حذف والتقدير: لكن ما افتريته، فالإجرام وعقابه ليس إلا عليكم، وأنا بريء منه. وقد اختلف المفسرون في هذه الآية، فقيل: إنها حكاية عن نوح، وما قاله لقومه، وقيل: هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكفار مكة. والأوّل: أولى؛ لأن الكلام قبلها وبعدها مع نوح عليه السلام. قوله: {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمن} {أنه لن يؤمن} في محل رفع على أنه نائب الفاعل الذي لم يسمّ. ويجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير الباء: أي بأنه، وفي الكلام تأييس له من إيمانهم، وأنهم مستمرّون على كفرهم، مصممون عليه، لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } البؤس: الحزن، أي فلا تحزن، والبائس: المستكين، فنهاه الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين؛ لأن الابتئاس حزن في استكانة. ومنه قول الشاعر:شعر : وكم من خليل أو حميم رُزِئته فلم أبتئس والرزءُ فيه جليلُ تفسير : ثم إن الله سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون ألبتة عرفه وجه إهلاكهم، وألهمه الأمر الذي يكون به خلاصه، وخلاص من آمن معه، فقال: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } أي: اعمل السفينة متلبساً بأعيننا: أي بمرأى منا، والمراد بحراستنا لك وحفظنا لك، وعبر عن ذلك بالأعين لأنها آلهة الرؤية، والرؤية هي: التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب، وجمع الأعين للتعظيم لا للتكثير. وقيل المعنى: {بِأَعْيُنِنَا } أي: بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك. وقيل: {بِأَعْيُنِنَا } بعلمنا. وقيل: بأمرنا. ومعنى بوحينا: بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } أي: لا تطلب إمهالهم، فقد حان وقت الانتقام منهم، وجملة {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } للتعليل: أي: لا تطلب منا إمهالهم، فإنه محكوم منا عليهم بالغرق، وقد مضى به القضاء فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره. وقيل: المعنى: ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم، فإنهم مغرقون في الوقت المضروب لذلك، لا يتأخر إغراقهم عنه. وقيل المراد بالذين ظلموا: امرأته وابنه. {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } أي: وطفق يصنع الفلك، أو وأخذ يصنع الفلك. وقيل: هو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة، وجملة: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } في محل نصب على الحال: أي استهزءوا به لعمله السفينة. قال الأخفش والكسائي: يقال سخرت به ومنه. وفي وجه سخريتهم منه قولان: أحدهما: أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة، فيقولون يا نوح صرت بعد النبوّة نجاراً. والثاني: أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة، وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك، قالوا: يا نوح ما تصنع بها؟ قال: أمشي بها على الماء فعجبوا من قوله، وسخروا به. ثم أجاب عليهم بقوله: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ والمعنى: إن تسخروا منا بسبب عملنا للسفينة اليوم، فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق. ومعنى السخرية هنا: الاستجهال، أي: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون، واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم، وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده، والتشبيه في قوله: {كَمَا تَسْخَرُونَ } لمجرد التحقق والوقوع، أو التجدّد والتكرّر، والمعنى: إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك، أو متجدّدة متكرّرة كما تسخرون منا كذلك. وقيل معناه: نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق، وفيه نظر، فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية، إذ هم في شغل شاغل عنها. ثم هدّدهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } وهو عذاب الغرق في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهو عذاب النار الدائم، ومعنى يحلّ: يجعل المؤجل حالاً، مأخوذ من حلول الدين المؤجل، و"من" موصولة في محل نصب، ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع: أي أينا يأتيه عذاب يخزيه. وقيل: في موضع رفع بالابتداء، و{يأتيه} الخبر، و{يخزيه} صفة لعذاب. قال الكسائي: إن ناساً من أهل الحجاز يقولون: "سوف تعلمون"؛ قال: ومن قال "ستعلمون" أسقط الواو والفاء جميعاً، وجوّز الكوفيون «سف تعلمون» ومنعه البصريون، والمراد بعذاب الخزي: العذاب الذي يخزي صاحبه، ويحل عليه العار. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } "حتى" هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية، وجعلت غاية لقوله: {واصنع الفلك بأعيننا}. والتنور: اختلف في تفسيرها على أقوال: الأوّل: أنها وجه الأرض، والعرب تسمى وجه الأرض تنوراً، روي ذلك عن ابن عباس، وعكرمة، والزهري، وابن عيينة. الثاني: أنه تنور الخبز الذي يخبزونه فيه، وبه قال مجاهد وعطية والحسن، وروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أنه موضع اجتماع الماء في السفينة، روي عن الحسن. الرابع: أنه طلوع الفجر، من قولهم تنّور الفجر، روي عن عليّ بن أبي طالب. الخامس: أنه مسجد الكوفة، روي عن عليّ أيضاً ومجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنّور بالكوفة. السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة، قاله قتادة. السابع: أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة، روي ذلك عن عكرمة. الثامن: أنه موضع بالهند. قال ابن عباس: كان تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض، قال: {أية : فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً } تفسير : [القمر: 11، 12] فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. هكذا قال، وفيه نظر، فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع، ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء. إلا إذا كان المراد مجرد العلامة، كما ذكره آخراً. وقد ذكر أهل اللغة أن الفور: الغليان، والتنور: اسم عجمي عرّبته العرب. وقيل: معنى فار التنور: التمثيل بحضور العذاب كقولهم: حَمي الوطيس: إذا اشتدّ الحرب، ومنه قول الشاعر:شعر : تركتم قدركم لا شيء فيها وقِدرُ القوم حامية تفورُ تفسير : يريد: الحرب. قوله: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } أي: قلنا: يا نوح، احمل في السفينة من كل زوجين مما في الأرض من الحيوانات اثنين ذكراً وأثنى. وقرأ حفص: {من كلّ} بتنوين كل: أي: من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغنى أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج، كما يقال للرجال زوج، وللمرأة زوج، ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف، ومثله قوله تعالى: {أية : وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }تفسير : [الحج: 5]، ومثله قول الأعشى:شعر : وكل ضرب من الديباج يلبسه أبو حذافة مخبوّ بذاك معا تفسير : أراد كل صنف من الديباج {وَأَهْلَكَ } عطف على {زوجين}، أو على اثنين على قراءة حفص، وعلى محل كل زوجين، فإنه في محلّ نصب بـ {احمل}، أو على {اثنين} على قراءة الجمهور، والمراد: امرأته وبنوه ونساؤهم {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } أي: من تقدّم الحكم عليه بأنه من المغرقين، في قوله: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } على الاختلاف السابق فيهم، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة {ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ } ومن قال: المراد بهم ولده كنعان وامرأته واعلة أمّ كنعان جعل الاستثناء من أهلك، ويكون متصلاً إن أريد بالأهل ما هو أعمّ من المسلم والكافر منهم، ومنقطعاً إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط، قوله: {وَمَنْ ءامَنَ } معطوف على {أهلك}: أي: واحمل في السفينة من آمن من قومك، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية بهم، أو للاستثناء منهم على القول الآخر. ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به، فقال: {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قيل: هم ثمانون إنساناً: منهم ثلاثة من بنيه، وهو سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم، ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين، وهي موجودة بناحية الموصل. وقيل: كانوا عشرة. وقيل: سبعة، وقيل: كانوا اثنين وسبعين. وقيل: غير ذلك. قوله: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا } القائل: نوح، وقيل: الله سبحانه. والأوّل: أولى، لقوله: {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } والركوب: العلوّ على ظهر الشيء حقيقة نحو ركب الدابة، أو مجازاً نحو ركبه الدين، وفي الكلام حذف: أي: اركبوا الماء في السفينة، فلا يرد أن ركب يتعدّى بنفسه؛ وقيل إن الفائدة في زيادة "في" أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها. وقيل: إنها زيدت لرعاية جانب المحلية في السفينة كما في قوله: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ }تفسير : [العنكبوت: 65]، وقوله: {أية : حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ } تفسير : [الكهف: 71] قيل: ولعلّ نوحاً قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله من الأزواج، كأنه قيل: فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك، وقال للمؤمنين، ويمكن أن يقال إنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل والمؤمنين، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو يكون هذا على طريقة التغليب. قوله: {بِسْمِ اللَّهِ } متعلق بـ {اركبوا}، أو حال من فاعله: أي مسمين الله، أو قائلين: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } قرأ أهل الحرمين وأهل البصرة بضمّ الميم فيهما إلا من شدّ منهم على أنهما اسما زمان، وهما: في موضع نصب على الظرفية: أي وقت مجراها ومرساها، ويجوز أن يكونا مصدرين: أي: وقت إجرائها وإرسائها. وقرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص {مجراها} بفتح الميم، و{مرساها} بضمها، وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها فيهما. وقرأ مجاهد، وسليمان بن جندب، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء العطاردي {مجريها ومرسيها} على أنهما وصفان لله، ويجوز أن يكونا في موضع رفع باضمار مبتدأ: أي هو مجريها ومرسيها {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ } للذنوب {رَّحِيمٌ } بعباده، ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلاً منه لبقاء هذا الجنس الحيواني، وعدم استئصاله بالغرق. قوله: {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ } هذه الجملة متصلة بجملة محذوفة دلّ عليها الأمر بالركوب، والتقدير: فركبوا مسمين، وهي تجرى بهم، والموج: جمع موجة، وهي: ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح، وشبهها بالجبال المرتفعة على الأرض. قوله: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } هو: كنعان، قيل: وكان كافراً، واستبعد كون نوح ينادي من كان كافراً مع قوله: {أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26]، وأجيب بأنه كان منافقاً، فظن نوح أنه مؤمن. وقيل: حملته شفقة الأبوّة على ذلك. وقيل: إنه كان ابن امرأته، ولم يكن بابنه، ويؤيده ما روي أن علياً قرأ "ونادى نوح ابنها". وقيل: إنه كان لغير رشدة، وولد على فراش نوح. وردّ بأن قوله: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ }، وقوله: {إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى } يدفع ذلك على ما فيه من عدم صيانة منصب النبوّة {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } أي: في مكان عزل فيه نفسه عن قومه، وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح: اركبوا فيها، وقيل: في معزل من دين أبيه، وقيل: من السفينة. قيل: وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق، بل كان في أوّل فور التنور. قوله: {مَعْزِلٍ يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا } قرأ عاصم بفتح الياء، والباقون بكسرها، فأما الكسر فلجعله بدلاً من ياء الإضافة، لأن الأصل يا بنيّ، وأما الفتح فلقلب ياء الإضافة ألفاً لخفة الألف، ثم حذف الألف وبقيت الفتحة لتدلّ عليه. قال النحاس: وقراءة عاصم مشكلة. وقال أبو حاتم: أصله يا بنياه ثم تحذف، وقد جعل الزجاج للفتح وجهين، وللكسر وجهين. أما الفتح بالوجه الأوّل ما ذكرناه، والوجه الثاني: أن تحذف الألف لالتقاء الساكنين. وأما الكسر، فالوجه الأوّل ما ذكرناه، والثاني: أن تحذف لالتقاء الساكنين، كذا حكى عنه النحاس. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وحفص {ٱرْكَبَ مَّعَنَا } بادغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج. وقرأ الباقون بعدم الإدغام {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } نهاه عن الكون مع الكافرين: أي خارج السفينة، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم. ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه، فقال: {قَالَ سَآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء } أي: يمنعني بارتفاعه من وصول الماء إليّ، فأجاب عنه نوح بقوله: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } أي: لا مانع، فإنه يوم قد حقّ فيه العذاب وجفّ القلم بما هو كائن فيه، نفى جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجاً أوّلياً، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره. والاستثناء قال الزجاج: هو منقطع: أي: لكن من رحمه الله فهو يعصمه، فيكون: {مَن رَّحِمَ } في موضع نصب، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً على أن يكون عاصم بمعنى معصوم: أي: لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله: مثل: {أية : مَّاء دَافِقٍ } تفسير : [الطارق: 6] {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ }تفسير : [الحاقة: 21] ومنه قول الشاعر:شعر : دع المكارم لا تنهض لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي تفسير : أي: المطعم المكسوّ، واختار هذا الوجه ابن جرير؛ وقيل: العاصم بمعنى ذي العصمة، كلابن وتامر، والتقدير: لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله، وهو السفينة، وحينئذ فلا يرد ما يقال: إن معنى من رحم من رحمه الله، ومن رحمه الله هو معصوم، فكيف يصحّ استثناؤه عن العاصم؟ لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعاً للإشكال. وقرىء "إلا من رحم" على البناء للمفعول {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ } أي: حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق. وقيل: بين ابن نوح، وبين الجبل، والأوّل: أولى، لأن تفرّع {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ } عليه يدل على الأوّل لا على الثاني، لأن الجبل ليس بعاصم. قوله: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ } يقال: بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع، وبلع يبلع، مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع: الشرب، ومنه البالوعة، وهي: الموضع الذي يشرب الماء، والازدراد، يقال: بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج {وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى } الإقلاع: الإمساك، يقال: أقلع المطر: إذا انقطع. والمعنى: أمر السماء بامساك الماء عن الإرسال، وقدّم نداء الأرض على السماء لكون ابتداء الطوفان منها {وَغِيضَ ٱلْمَاء } أي: نقص، يقال: غاض الماء وغضته أنا {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } أي: أحكم وفرغ منه: يعني: أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ } أي: استقرّت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، وهو جبل بقرب الموصل؛ وقيل: إن الجودي: اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : سبحانه ثم سبحانا نعوذ به وقبلنا سبح الجوديّ والجمد تفسير : ويقال: إنه من جبال الجنة، فلذا استوت عليه {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } القائل: هو الله سبحانه، ليناسب صدر الآية. وقيل: هو نوح وأصحابه. والمعنى: وقيل هلاكاً للقوم الظالمين، وهو من الكلمات التي تختص بدعاء السوء ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك، وللإيماء إلى قوله: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}. وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغة من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عنه الوصف، وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة، الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في علم اللغة، المطلعين على ما هو مدوّن من خطب مصاقع خطباء العرب، وأشعار بواقع شعرائهم، المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها. وقد تعرّض لبيان بعض ما اشتملت عليه من ذلك جماعة منهم، فأطالوا وأطابوا، رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } قال عملي {وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي: مما تعملون. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } وذلك حين دعا عليهم نوح قال: {حديث : لا تَذَكَّرَ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26]. وأخرج أحمد في الزهد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه، فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم، فدعا عليهم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ } قال: فلا تحزن. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عنه، في قوله: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } قال: بعين الله ووحيه. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، أيضاً قال: لم يعلم نوح كيف يصنع الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة، ويمرّون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: يعمل سفينة في البرّ، وكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور، وكثر الماء في السكك خشيته أمّ الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبيّ»تفسير : . وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم. وقد روي في صفة السفينة وقدرها أحاديث، وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } قال: هو: الغرق {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } قال: هو الخلود في النار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عنه، قال: كان بين دعوة نوح وبين هلاك قومه ثلثمائة سنة، وكان فار التنور بالهند، وطافت سفينة نوح بالبيت أسبوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً قال: التنور: العين التي بالجزيرة عين الوردة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال: فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة. وقد روي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: التنور: وجه الأرض، قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك. والعرب تسمى وجه الأرض تنور الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عليّ {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } قال: طلع الفجر، قيل له: إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك. وقد روي في تفسير التنور غير هذا، وقد قدّمنا الإشارة إلى ذلك. وروي في صفة القصة، وما حمله نوح في السفينة، وكيف كان الغرق، وكم بقيت السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة، لا مدخل لها في تفسير كلام الله سبحانه. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } قال حين يركبون ويجرون ويرسون. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله، فأرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت. وأخرج أبو يعلى، والطبراني، وابن السني، وابن عديّ، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن الحسن بن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا: بسم الله الملك الرحمن، بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، {وما قدروا الله حق قدره} إلى آخر الآية [الزمر: 67]» تفسير : .وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، عن النبيّ. وأخرجه أيضاً أبو الشيخ، عنه، مرفوعاً من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة، في قوله: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إلا مَن رَّحِمَ } قال: لا ناج إلا أهل السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن القاسم بن أبي برّة، في قوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ } قال: بين ابن نوح والجبل. وأخرج ابن المنذر، وعن عكرمة في قوله: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى } قال: هو بالحبشية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه، في {ابلعي} قال بالحبشية: أي ازدرديه. وأخرج أبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: معناه: اشربي، بلغة الهند. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. أقول: وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب: ظاهر مكشوف، فما لنا وللحبشة والهند.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم، افترى افتعل من قبل نفسه ما أخبر به عن نوح وقومه. {قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَليَّ إجرامي} وفي الإجرام وجهان: أحدهما: أنه الذنوب المكتسبة. حكاه ابن عيسى. الثاني: أنها الجنايات المقصودة، قاله ابن عباس ومنه قول الشاعر: شعر : طريد عشيرةٍ ورهين جرم بما جرمت يدي وجنى لساني. تفسير : ومعناه: فعلىّ عقاب إجرامي. {وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} أي وعليكم من عقاب جرمكم في تكذيبي ما أنا بريء منه.
ابن عبد السلام
تفسير : {افْتَرَاهُ} أي النبي صلى الله عليه وسلم اختلق ما أخبر به عن نوح وقومه. {إِجْرَامِى} عقاب إجرامي وهي الذنوب المكتسبة أو الجنايات المقصودة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ...} الآية: قال الطبريُّ وغيرُه: هذه الآيةُ ٱعترضَتْ في قِصَّة نوحٍ، وهي في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قُرَيْشٍ. قال * ع *: ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أَنْ يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و "أم" بمعنى «بل». وقوله سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ...} الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بٱبْنِهِ، فيقول: يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ: { أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح:26]، و{تَبْتَئِسْ } من البُؤْس، ومعناه: لا تَحْزَنْ. وقوله: {بِأَعْيُنِنَا }: يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير؛ كما قال عزَّ مِنْ قائل: { أية : فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ } تفسير : [المرسلات:23]، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله: {بِأَعْيُنِنَا } أيُّ: بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ: للتكْثير. وقوله: {وَوَحْيِنَا } معناه: وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك: « أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن ٱصنعها على مثال جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ » إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها. وقوله: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...} الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية: تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم. وقوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ }: التقديرُ: فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ ٱلاستقبال، والـــ {مَلأٌ} هنا: الجماعة. وقوله: {سَخِرُواْ مِنْهُ...} الآية: السُّخْر: ٱلاستجهال مع ٱستهزاءٍ، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ. وقوله: {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } قال الطبريُّ: يريد في الآخرة. قال * ع *: ويحتمل الكلام - وهو الأرجح - أن يريد: إِنا نسخر منكم الآن، والعذابُ المُخْزِي: هو الغَرَق، والـــ {مُّقِيمٌ }: هو عذاب الآخرة، والــ«الأمر»: واحد الأمور، ويحتملُ أن يكون مصدر «أمَرَ»، فمعناه: أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، {وَفَارَ } معناه: ٱنبعَثَ بقُوَّة، وٱختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره: أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه، وقالوا: كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي: إِذا فار التنُّور، فٱرْكَبْ في السفينة. وقوله سبحانه: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ...} الآية، الزَّوْج: يقال في مشهورِ كلامِ العرب: للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال: هذا زَوْجُ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب: النَّوْع، وقوله: {وَأَهْلَكَ }: عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه {ٱحْمِلْ} والأهل، هنا: القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر {مَنْ آمَنَ }، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل: ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل: امرأته وَالِعَةُ - بالعين المهملة -، وقيل: هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }.
البقاعي
تفسير : ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله: {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} فإن النذير من ينصح المنذر، والوكيل هو المرجوع إليه في أمر الشيء الموكول إليه، وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليه السلام إلى الافتراء، تلاه بما تلا به ذاك من النسبة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه القصص كلها للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل: أيقولون لك مثل هذه الأقوال فقد قالوها لنوح كما ترى، ثم والى عليهم من الإنذار ما لم يطعموا معه في ترك شيء مما أمرناه به أعجبهم أو أغضبهم، فلك به أسوة وحسبك به قدوة في أن تعد كلامهم عدماً وتقبل على ما أرسلناك به من بذل النصيحة بالنذارة: {أم يقولون} في ا لقرآن {افتراه} إصراراً على ما تقولوه فدمغه الدليل وأدحضته الحجة فكأنه قيل: نعم، إنهم يقولون ذلك، فقيل: لا عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما قام عليهم من الحجج التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا، فإنهم يجعلونه وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل، بل {قل} في جواب قولهم هذا {إن افتريته} أي قطعت كذبه {فعليَّ} أي خاصاً بي {إجرامي} أي وباله وعقابه دونكم وإذا استعلى عليَّ الإجرام عرف ذلك لأرباب العقول وظهر ظهوراً أفتضح به وأنتم أعرف الناس بأني أبعد من ذلك مما بين اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين لما تعلمون مني من طهارة الشيم وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر وكريم الأمر، هذا لو كنت قادراً على ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء {وأنا بريء} أي غاية البراءة {مما تجرمون*} أي توجدون إجرامه، ليس عليَّ من إجرامكم عائد ضرر بعد أن أوضحته لكم وكشقت عنكم غطاء الشبه، إنما ضرره عليكم فاعملوا على تذكر هذا المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم من إقامة حجة أخرى لأنهم يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى من له وعي، ويمكن أن يكون التقدير: هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل هذه الحال وأنها حال المعاندين، فرجعوا تكرماً عن ركوب مثلها واستحياء {أم يقولون افتراه} أي كذبه متعمداً استمراراً على العناد وتمادياً في البعاد كما تمادى قوم نوح فيحل بهم ما حل بهم، أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم هم مستمرون على ما نسبوك إليه في أوائل السورة من افترائه فيحتاجون إلى تكميل القصة بما وقع من عذابهم ليخافوا مثل مصابهم؛ وافتراء الكذب: افتعاله من قبل النفس فهو أخص من مطلق الكذب لأنه قد يكون تقليداً للغير. ولما فرغ من هذه الجملة التي هي المقصود بهذا السياق كله وإن كانت اعتراضية في هذه القصة، رجع إلى إكمالها بياناً لأن نوحاً عليه السلام كان يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم بحيث لم يكن قط موضع رجاء لهم في أن يترك شيئاً منه وتحذيراً لكل من سمع قصتهم من أن يحل به ما حل بهم فقال: {وأوحي} أي من الذي لاموحي إلا هو وهو ملك الملوك {إلى نوح} بعد تلك الخطوب {أنه لن يؤمن} بما جئت به {من قومك إلا من} ولما كان الذي يجيب الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح عليه مخايل قبل الإجابة يتوقع السائل بها الإجابة، قال: {قد آمن فلا} أي فتسبب عن علمك بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول لك: لا {تبتئس} أي يحصل لك بؤس، أي شدة يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في عواقبها {بما كانوا} أي بما جبلوا عليه {يفعلون*} فإنا نأخذ لك بحقك منهم قريباً، وكأنه كان أعلمه أنهم إن لم يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك يحملهم فيه على متن الماء فقال: {واصنع الفلك} حال كونك محفوظاً {بأعيننا} نحفظك أن تزيغ في عملها، وجمع مبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل {ووحينا} فنحن نلهمك أصلح ما يكون من عملها وأنت تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ولا يتعاظمها شيء، فلا تهتم بكونك لا تعرف صنعتها؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله أوحى إليه أن يصنعه مثل جؤجؤ الطائر - أي صدره. وأشار إلى شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال: {ولا تخاطبني} أي بنوع مخاطبة وإن قلت {في الذين ظلموا} أي أوجدوا الظلم واستمروا عليه في أن أنجيهم؛ ثم علل النهي بأن الحكم فيهم قد انبرم فقال: {إنهم مغرقون*} قد انبرم الأمر بذلك؛ والابتئاس: حزن في استكانة، لأن أصل البؤس الفقر والمسكنة؛ والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء، وقد يكون إفهاماً من غير كلام بإشارة ونحوها، وقد يكون بكلام خفي؛ والفلك: السفينة، يؤنث ويذكر، واحده وجمعه سواء، وأصله الإدارة من الفلكة. ولما أمره تعالى ونهاه، أخبر أنه امتثل ذلك بقوله عاطفاً على ما تقديره: فأيس من إيمان أحد منهم فترك دعاءهم وشرع يسلي نفسه: {ويصنع} أي صنعة ماهر جداً، له ملكة عظيمة بذلك الصنع {الفلك} فحلى فعله حالُ علمه بأنه سبحانه بت الأمر بأنه كان يعمل ما أمره به سبحانه ولم يخاطبه فيهم ولا أسف عليهم، وأشار إلى أنهم ازدادوا بغياً بقوله: {وكلما} أي والحال أنه كلما {مرَّ عليه ملأ} أي أشراف {من قومه} وأجاب "كلما" بقوله: {سخروا منه} أي ولم يمنعهم شرفهم من ذلك، وذلك أنهم رأوه يعاني ما لم يروا قبله مثله ليجري على الماء وهو في البر وهو على صفة من الهول عظيمة فعن الحسن أن طوالها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة، فقالوا: يانوح! ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً على الماء، ويجوز أن يكون {سخروا}: صفة لملإ، وجواب {كلما} {قال}، ولما أيأسه الله من خيرهم، ترك ما كان من لينه لهم واستعطافهم فعلم أن ذلك ما كان إلا له سبحانه، فقال حاكياً عنه استئنافاً: {قال إن تسخروا منا} ولما كانوا يظنون أنه غائب في عمله كان عندهم موضعاً لخزي والسخرية، وكان هو صلى الله عليه وسلم عالماً بأن عملهم سبب لخزيهم بالعذاب المستأصل، فكان المعنى: إن تسخروا منا - أي مني وممن يساعدني - لظن أن عملنا غير مثمر {فإنا نسخر} أي نوجد السخرية {منكم} جزاء لكم {كما تسخرون} منا الآن لأن عملنا منج وعملكم ليس مقتصراً على الضياع بل هو موجب لما توعدون من العذاب فأنتم المخزيون دوني. ولما كان قوله {نسخر منكم} واقعاً موقع هذا الإخبار، حسن الإتيان بالفاء المؤذنة بتسبب العلم المذكور عنه في قوله: {فسوف تعلمون} أي بوعد لا خلف فيه {من يأتيه عذاب يخزيه} أي يفضحه فيذله، وكأن المراد به عذاب الدنيا {ويحل عليه} أي حلول الدين الذي لا محيد عنه {عذاب مقيم*} وهو عذاب الآخرة، وقد مضى نحوه في الأنعام عند قوله {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار}؛ والسخرية: إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم استضعاف العقل، من التسخير وهو التذليل استضعافاً بالقهر، وهي تفارق اللعب بأن فيها خدعة استنفاض، فلا تكون إلا بحيوان، واللعب قد يكون بجماد لأنه مطلق طلب الفرح؛ والخزي: العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ونظيره الذل والهوان؛ واستمر ذلك دأبه ودأبهم {حتى إذا جاء أمرنا} أي وقت إرادتنا لإهلاكم {وفار} أي غلا وطفح {التنور} وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد أنه الحقيقي الذي يخبز فيه، وهذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل، لأن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل الأصول {قلنا} بعظمتنا {احمل} ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء - كما قاله أهل التفسير - لئلا تمتلىء من شدة الأمطار، كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من السفن واضحة فلذلك قال: {فيها} أي السفينة {من كل زوجين} من الحيوانات، والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به {اثنين} ذكراً وأنثى {وأهلك} أي احملهم، والأهل: العيال {إلا من سبق} غالباً {عليه القول} بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان {ومن} أي واحمل فيها من {آمن} قال أبو حيان: وكانت السفينة ثلاث طبقات: السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه؛ ثم سلى المخاطب بهذه القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال: {وما} أي والحال أنه ما {آمن} كائناً {معه} أي بإنذاره {إلا قليل*} بسبب تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار؛ والتنور - قال أبو حيان: وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي، وقال ثعلب: وزنه تفعول من النور، وأصله تنوور، همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلها، والزوج قد كثر على الرجل الذي له امرأة؛ قال الرماني: وقال الحسن في {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين}تفسير : [الذاريات: 49]: السماء زوج والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء، ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن كان في السفينة ثمانية: نوح وامرأة له، وثلالة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ابو السعود
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني نوحاً عليه الصلاة والسلام، ومعناه بل أيقولُ قومُ نوحٍ إن نوحاً افترى ما جاء به مسنِداً إياه إلى الله عز وجل {قُلْ} يا نوح {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} بالفرض البحْت {فَعَلَىَّ إِجْرَامِى} إثمي ووبالُ إجرامي وهو كسبُ الذنب وقرىء بلفظ الجمع، وينصُره أن فسّره الأولون بآثامي {وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ} من إجرامكم في إسناد الافتراءِ إليّ، فلا وجهَ لإعراضكم عني ومعاداتِكم لي. وقال مقاتلٌ: يعني محمداً عليه الصلاة والسلام ومعناه بل أيقولُ مشركو مكةَ افترى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خبرَ نوحٍ فكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصةِ عند سَوْق طرفٍ منها تحقيقاً لحقيتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها، لا سيما وقد قُصَّ منها طائفةٌ متعلقةٌ بما جرى بـينه عليه السلام وبـين قومِه من المُحاجَّة وبقِيَتْ طائفةٌ مستقلّةٌ متعلقةٌ بعذابهم. {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ} أي المُصِرِّين على الكفر وهو إقناطٌ له عليه السلام من إيمانهم وإعلامٌ لكونه كالمُحال الذي لا يصِحّ توقّعُه {إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} إلا من قد وُجد منه ما كان يُتوقَّع من إيمانه، وهذا الاستثناءُ على طريقة قولِه تعالى: {أية : إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 23] {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي لا تحزَنْ حزْنَ بائسٍ مستكينٍ ولا تغتمَّ بما كانوا يتعاطَوْنه من التكذيب والاستهزاء والإيذاءِ في هذه المدة الطويلةِ فقد انتهى أفعالُهم وحان وقتُ الانتقامِ منهم {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} ملتبساً {بِأَعْيُنِنَا} أي بحفظنا وكلاءتِنا كأن معه من الله عز وجل حُفّاظاً وحرّاساً يكلؤنه بأعينهم من التعدّي من الكفرة ومن الزيغ في الصنعة {وَوَحْيِنَا} إليك كيف تصنعُها وتعليمِنا وإلهامِنا. عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يعلمْ كيف صنعةُ الفُلك، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعَها مثلَ جُؤجُؤ الطائر، والأمرُ للوجوب إذ لا سبـيل إلى صيانة الروحِ من الغرق إلا به فيجب كوجوبها، واللامُ إما للعهد بأن يُحملَ على أن هذا مسبوقٌ بوحي الله تعالى إليه عليه السلام أنه سيهلكهم بالغرق وينجّيه ومَنْ معه بشيء سيصنعه بأمره تعالى ووحيِه، مِنْ شأنه كيتَ وكيت واسمُه كذا، وإما للجنس. قيل: صنعها عليه الصلاة والسلام في سنتين، وقيل: في أربعمائة سنة، وكانت من خشب الساج وجُعلت ثلاثةَ بطونٍ حُمل في البطن الأول الوحوشُ والسباعُ والهوامُّ، وفي البطن الأوسطِ الدوابُّ والأنعام، وفي البطن الأعلى جنسُ البشر هو ومَنْ معه مع ما يحتاجون إليه من الزاد، وحَمل معه جسدَ آدمَ عليه الصلاة والسلام، وقيل: جَعل في الأول الدوابَّ والوحوشَ وفي الثاني الإنسَ وفي الأعلى الطيرَ، قيل: كان طولُها ثلاثمائة ذراعٍ وعَرْضُها خمسين ذراعاً وسَمْكُها ثلاثين ذراعاً. وقال الحسنُ: كان طولُها ألفاً ومائتي ذراعٍ وعَرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ. وقيل: إن الحَواريـين قالوا لعيسى عليه الصلاة والسلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينةَ يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك الترابِ فقال: أتدرون مَنْ هذا؟ قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال هذا كعبُ بنُ حام قال: فضرب بعصاه فقال: قم بإذن الله فإذا هو قائمٌ ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام: أهكذا هلكْتَ؟ قال: لا، متُّ وأنا شابٌّ ولكني ظننتُ أنها الساعة فمِنْ ثَمَّةَ شِبْتُ، فقال: حدثنا عن سفينة نوحٍ، قال: كان طولُها ألفاً ومائتي ذراعٍ وعَرضُها ستمائة ذراع، وكانت ثلاثَ طبقاتٍ طبقةٌ للدواب والوحش وطبقةٌ للإنس وطبقةٌ للطير، ثم قال: عُدْ بإذن الله تعالى كما كنت فعاد تراباً. {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لا تراجِعْني فيهم ولا تدعُني باستدفاع العذابِ عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل: ولا تدعُني فيهم، وحيث كان فيه ما يلوح بالسبـيبة أُكّد التعليلُ فقيل: {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي محكومٌ عليهم بالإغراق قد مضى به القضاءُ وجفّ القلمُ فلا سبـيل إلى كفه ولزِمتْهم الحُجةُ فلم يبقَ إلا أن يُجعلوا عِبرةً للمعتبرين ومثلاً للآخرين.
القشيري
تفسير : ومهما وصفتموني فإني أُجِيبُ اللّهَ.. وكُلٌّ مُطَالَبٌ بفعله دون فِعْلِ صاحبِه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ام يقولون} قوم نوح {افتراه} الضمير المستتر المرفوع لنوح عليه السلام والبارز للوحى الذى بلغه اليهم {قل} يا نوح {ان افتريته} بالفرض البحث فهو لا يدل على انه كان شاكا بل هو قول يقال على وجه الانكار عند اليأس من القبول {فعلىّ اجرامى} اى وبال اجرامى وهو كسب الذنب فالمضاف محذوف وان كنت صادقا فكذبتمونى فعليكم عقاب ذلك التكذيب فحذف لدلالة قوله تعالى {وانا بريئ مما تجرمون} عليه اى من اجرامكم فى اسناد الافتراء الىّ فلا وجه لاعراضكم عنى ومعاداتكم لى. وفيه اشارة الى ان ذنوب النفس لا تنافى صفاء الروح ولا يتدكر الروح بها ما دام متبرئا منها لكن كل من القوى يتكدر بما قارفه من ذنوب نفسه فالجهل يكدر الروح والميل الى ما سوى الله تعالى يكدر القلب والهوى يكدر النفس والشهوة تكدر الطبيعة. فعلى العاقل تجلية هذه المرائى وتصقيلها له تعالى والتوجه الى الحضرة العلياء والعمل على وفق الهدى وترك المشتهيات. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة الانسان. اما حيوانى وهم الذين غلب عليهم اوصاف الطبيعة واحوال الشهوة واما شيطانى وهم الذين غلب عليهم اوصاف النفس واحوال الشيطنة. واما ملكى وهم الذين غلب عليهم اوصاف الروح الملكية. واما صاحب الجانبين وهم الذين استوى واشترك فيهم وصف الطبيعة والنفس ووصف الملكية والروح. واما رحمانى وهم الذين غلب عليهم وصف السر وحاله ثم الثلاثة الاول من يخرج منهم بالايمان من الدنيا فهم يدخلون الجنة بالفضل او بعد اقامة العدل وهم اصحاب اليمين وارباب الجمال ومن يخرج من الدنيا بلا ايمان فيدخلون الجحيم بالعدل وهم اصحاب الشمال وارباب الجلال والرابع من يخرج منهم بالايمان فهم اهل الاعراف والخامس هم ارباب الكمال السابقون المقربون وما منا الا له مقام معلوم ورزق مقسوم ثم الحيوانيون بعدما خرجوا من الدنيا يحشرون مع الشياطين والملكيون يحشرون مع الملائكة واصحاب الجانبين يحشرون بين الطرفين والرحمانيون يحشرون مع قرب الرحمن قال عليه السلام "حديث : تموتون كما تعيشون وتحشرون كما تموتون" تفسير : انتهى كلامه قال يحيى بن معاذ الرازى الناس ثلاثة اصناف. رجل شغله معاده عن معاشه. ورجل شغله معاشه عن معاده. ورجل مشتغل بهما جميعا فالاول درجة الفائزين والثانى درجة الهالكين والثالث درجة المخاطرين وفى الحديث "حديث : ان خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا اعقل الناس" قالوا يا رسول الله كيف كانوا اعقل الناس قال "كان نهمتهم المسابقة الى ربهم والمسارعة الى ما يرضيه وزهدوا فى الدنيا وفى رياستها وفى فضولها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا" شعر : ناكى غم دنياى جنى اى دل دانا حيفست زخزبى كه شود عاشق زشتى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {أمْ يقولون}؛ أي: كفار قريش: هذا الذي يقرؤه محمد علينا، ويقصه من خبر مَن قبلنا {افتراه} من عنده. {قل} لهم: {إن افتريتُه}؛ تقديراً {فعليَّ إجرامي}؛ اي: وباله عليَّ دونكم، {وأنا بريء مما تُجرمون}؛ مما ترتكبون من الإجرام بتكذيبكم وكفركم. الإشارة: ينبغي لمن قوبل بالتكذيب والإنكار أن يكتفي بعلم الله، ويقول لمن كذبه ما قال نبيه صلى الله عليه وسلم لمن كذبه: {إن افتريته فعلي إجرامي...} الآية. وفي الحِكَم: "متى آلمك عدم إقبال الناس عليك، أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد من مصيبتك بوجود الأذى منهم". قال الشيخ زروق رضي الله عنه: وذلك لأن عدم قناعتك بعلمه يُصيبك في قلبك ودينك، وأذاهم يُصيبك في عرضك وبدنك ودنياك، وأيضاً: أذاهم يردك إليه، فهو فائدتك، وعدم القناعة بعلمه يردك إليهم، فهو مصيبة توجب ثلاثاً، هي علامة عدم القناعة بعلمه: أولها: التصنع والمراءاة، والثاني: طلب رضاهم بما أمكن في جميع الحالات. الثالث: إظهار علمه وعمله وحاله، ليعلموا برتبته. والقناعة بعلمه علامتها ثلاث: أولها قصد الإخلاص في كلٍّ، بحيث لا يبالي أين رآه الخلق، وكيف رأوه. الثاني: طلب رضاه بالعمل بطاعته، وترك ما لا يرضيه، رضوا بذلك أو سخطوا. الثالث: الاكتفاء بعلمه فيما يجري عليه من حكمه وحكمته، قال إبراهيم التيمي رضي الله عنه لبعض أصحابه: ما يقول الناس فِيّ؟ فقال: يقولون إنه مرائي، فقال: الآن طاب العمل. قال بشر الحافي: اكتفى ـ والله ـ بعلم الله. فلم يحب أن يدخل مع علم الله غيره، وقال أيضاً: سكون النفس لقبول المدح لها أشد عليها من المعاصي. وقال أحمد بن أبي الحواري رضي الله عنه: من أحب أن يعرف بشيء من الخير، أو يُذكر به، فقد أشرك مع الله في عبادته؛ لأن من عمل على المحبة لا يحب أن يرى عمله غير محبوبه. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: لا تنشر علمك، ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله. وإن كان لام العلة موجوداً، فَعِلَّةٌ تكون بينك وبين الله من حيث أمرك، خير لك من عِلَّة تكون بينك وبين الناس، من حيث نهاك. ولعِلَّةٌ تردك إلى الله خير لك من علة تقطعك عن الله. هـ. المراد منه. ثم تمم قصة نوح عليه السلام، فقال: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ}.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {أم يقولون} اخبار من الله تعالى بأن هؤلاء الكفار الذين ليس يقبلون ما أتاهم به من عند الله يقولون: ليس هذا القرآن من عند الله بل افتراه وتخرصه وكذبه على الله، فمعنى {أم} في الاية (بل)، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم: إن افتريته، فعلي اجرامي. وقيل في معناه قولان: احدهما - انه وعيد، بأني ان كنت افتريته فيما اخبرتكم به من الخبر عن نوح فعلي عقاب جرمي، وان كانت الاخرى فعليكم عقاب تكذيبي، وستعلمون صدق قولي وأينا الاحق. والثاني - انه قال ذلك على وجه الاحتجاج بصحة امره بأن لا يتقول مثل هذا مع ما فيه من العذاب في الاخرة والعار في الدنيا مع انه ذو امانة وصيانة. وهو في خطاب محمّد صلى الله عليه وآله. وقوله {وأنا بريء مما تجرمون} معناه ليس علي من اجرامكم ضرر وانما ضرر ذلك عليكم فاعملوا بحسب ما يقتضيه العقل من التفكر في هذا المعنى. والفرق بين افتراء الكذب وبين قول الكذب: ان قول الكذب قد يكون على وجه تقليد من الانسان لغيره، واما افتراؤه فهو افتعاله من قبل نفسه. ومعنى اجرم اذنب ومثله جرم قال النميري حار الزبرقان: شعر : طريد عشيرة، ورهين ذنب بما جرمت يدي وجنى لساني تفسير : ومعنى أجرم اقترف السيئة بفعلها لأنه من القطع، وأذنب اي تشبه بالذنب في السقوط، وجرم وأجرم في المأثم أكثر، قال الشاعر: شعر : كذا الناس مجروم عليه وجارم
الجنابذي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} اى قال الله لنوح (ع) ام يقولون افتراه فهو حكاية قوله تعالى لنوح (ع) وضمير يقولون راجع الى قوم نوح او قال الله لمحمّد (ص) فهو اعتراض من الله خطاباً لمحمّد (ص) كأنّه بعد ما ذكر قصّة نوح (ع) مع قومه زعم بعض انّه افتراء من محمّدٍ (ص) من غير وقوعه ومن غير وحىٍ فأتى الله بتلك الجملة المعترضة بين قصّة نوح (ع) {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} بعد ما دعى نوح (ع) بأنّى مغلوب فانتصر {فَلاَ تَبْتَئِسْ} لا توقع نفسك فى شدّة الحزن وضيق الغمّ {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} لمّا كان لغاية رحمته عليهم مغتمّاً بصنائعهم القبيحة نهاه الله تعالى عن ذلك.
اطفيش
تفسير : قال الله سبحانه: {أمْ يقُولونَ} أى بل يقول كفار مكة افتراه، أى افترى محمد القرآن قاله الطبرى، وهو قول مقابل وهو معترض فى قصة نوح، قلت: الذى عندى أنه فى قصة نوح خارج عنها، يقول قومه: إنه افترى من عنده ما يقول لهم، كما يدل له سكوت جار الله، والقاضى، ثم رأيت الخازن خرج به ونسبه لأكثر المفسرين. {قُلْ} يا محمد أو يا نوح {إنِ افْتريْتُه فَعلىَّ} لا عليكم {إجْرامِى} أى عقوبته، وهو مصدر، وقرئ بفتح الهمزة جمع جُرم، أى ذنوبى، أى إن كنت مجرما كفانى عقوبة الإجرام. {وأنا بَرِئٌ ممَّا تُجرِمُون} أى من إجرامكم، أو من الإجرام الذى تجرمونه، أى برئ من عقوبة إجرامكم علىَّ بنسبتى إلى الافتراء، إن لم أكن مفتريا، ولا وجه لإعراضكم ومعاداتكم، ويجوز أن يكون هذا كلاما منقطعا مستقلا تبرئة نفسه مما أدعو عليه.
اطفيش
تفسير : {أَمْ يقُولُونَ} أَى بل أَيقولون كفار مكة أَو بل يقولون {افْتَرَاهُ} أَى القرآن، وذلك أَن قصة نوح كلها معترضة تقوية فى شأْن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه كما اعترض بين قصة إِبراهيم فى سورة العنكبوت بقوله عز وجل: "أية : وإِن تكذبوا فقد كذب أُمم من قبلكم"تفسير : [العنكبوت: 18] ثم رجع الكلام بعد هذا إِلى نوح إِذ قال، وأُوحى إِلى نوح فيجوز أَن يعود ضمير افترى لنوح والهاءُ لما يقوله من الوحى {قُلْ إِنِ افْتَريْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى} كسبى أَى جزاءُ كسبى، وإِجرامى جزائِى تسمية اللازم المسبب وهو الجزاءُ باسم المسبب الملزوم، وكسبه هو افتراؤُه حاشاه أَن يفترى، والمعنى إِن يحقق أَنى افتريته فيما مضى فعلى إِجرامى لا عليكم {وَأَنَا بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} مما تجرمونه أَى تكسبونه أَو من إِجرامكم أَى من جزاءِ إِجرامكم أَو جزاءِ ما تجرمون، أَو مما ترتبونه على أَنفسكم من العذاب، والمعنى، وإِن كنت صادقاً فكذبتمونى فأَنا برىءٌ مما تجرمون على، وأَراد بإِجرام نوح جميع ذنوبه فيدخل فيها أَولا وبالذات ما ادعوه عليه من الكذب على الله بالرسالة على زعمهم حاشاه وبإِجرامهم ذنوبهم كلها فيدخل فيها أَولا وبالذات ذنوبهم بتكذيب نوح، ويجوز أَن يراد بإِجرام نوح ذنبه بالكذب على الله بالرسالة على زعمهم حاشاه وبإِجرامهم ذنبهم بتكذيب نوح.
الالوسي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني نوحاً عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحاً افترى ما جاء به مسنداً إلى الله تعالى عز وجل {قُلْ} يا نوح {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} بالفرض البحت. / {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي وباله فهو على تقدير مضاف، أو على التجوز بالسبب عن المسبب، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم، وجاء على قلة جرم، ومن ذلك قوله: شعر : طريد عشيرة ورهين ذنب بما (جرمت) يدي وجنى لساني تفسير : وقرىء {أجرامي} بفتح الهمزة على أنه كما قال النحاس: جمع جرم، واستشكل العز بن عبد السلام الشرطية بأن الافتراء المفروض هنا ماض والشرط يخلص للاستقبال بإجمال أئمة العربية، وأجاب أن المراد ـ كما قال ابن السراج ـ إن ثبت أني افتريته فعلي إجرامي على ما قيل في قوله تعالى: {أية : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}تفسير : [المائدة: 116]. {وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مّمَّا تُجْرَمُونَ} أي من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي، قيل: والأصل إن افتريته فعليَّ عقوبة افترائي ولكنه فرض محال وأنا برىء من افترائكم أي نسبتكم إياي إلى الافتراء، وعدل عنه إدماجاً لكونهم مجرمين، وأن المسألة معكوسة، وحملت (ما) على المصدرية لما في الموصولية من تكلف حذف العائد مع أن ذلك هو المناسب لقوله: {إِجْرَامِي} فيما قبل، وما يقتضيه كلام ابن عباس من أن الآية من تتمة قصة نوح عليه السلام وفي شأنه هو الظاهر، وعليه الجمهور. وعن مقاتل أنها في شأن النبـي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة أي بل أيقول مشركو مكة افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح، قيل: وكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقاً لحقيقتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه السلام وبين قومه من المحاجة، وبقيت طائفة مستقلة متعلقة بعذابهم، ولا يخفى أن القول بذلك بعيد وإن وجه بما وجه. وقال في «الكشف»: إن كونها في شأن النبـي صلى الله عليه وسلم أظهر وأنسب من كونها من تتمة قصة نوح عليه السلام لأن {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} كالتكرير لقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} دلالة على كمال العناد وأن مثله بعد الإتيان بالقصة على هذا الأسلوب المعجز مما لا ينبغي أن ينسب إلى افتراء فجاء زيادة إنكار على إنكار كأنه قيل: بل أمع هذا البيان أيضاً يقولون افتراه وهو نظير اعتراض قوله سبحانه في سورة العنكبوت [18] {وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ} بين قصة إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين انتهى، ولا أراه معولاً عليه.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين جملة أجزاء القصة وليست من القصة، ومن جعلها منها فقد أبعد، وهي تأكيد لنظيرها السابق في أول السورة. ومناسبة هذا الاعتراض أن تفاصيل القصة التي لا يعلمها المخاطبون تفاصيل عجيبة تدعو المنكرين إلى أن يتذكروا إنكارهم ويعيدوا ذكره. وكون ذلك مطابقاً لما حصل في زمن نوح ـ عليه السلام ـ وشاهدة بكتب بني إسرائيل يدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأن علمه بذلك مع أميته وبعد قومه عن أهل الكتاب آية على أنه وحي من الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالاستفهام الذي يؤذن به حرف {أم} المختصّ بعطف الاستفهام استفهام إنكاري. وموقع الإنكار بديع لتضمنه الحجّة عليهم. و{أم} هنا للإضراب للانتقال من غرض لغرض. وضمير النصب عائد إلى القرآن المفهوم من السياق. وجملة {قل} مفصولة عن التي قبلها لوقوعها في سياق المحاورة كما تقدم غير مرة. وأمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عن مجادلتهم بالدليل لأنهم ليسوا بأهل لذلك إذ قد أقيمت عليهم الحجة غير مرة فلم تغن فيهم شيئاً، فلذلك أجيبوا بأنه لو فرض ذلك لكانت تبعة افترائه على نفسه لا ينالهم منها شيء. وتقديم (عليّ) مؤذن بالقصر، أي إجرامي عليّ لا عَليكم فلماذا تكثرون ادّعاء الافتراء كأنكم ستؤاخَذُون بتبعته. وهذا جار على طريقة الاستدراج لهم والكلام المنصف. ومعنى جعل الافتراء فعلاً للشرط: أنه إن كان وقع الافتراء كقوله: {أية : إن كنت قلته فقد علِمْته}تفسير : [المائدة: 116]. ولما كان الافتراء على الله إجراماً عدل في الجواب عن التعبير بالافتراء مع أنهُ المدعى إلى التعبير بالإجرام فلا حاجة إلى تقدير: فعليّ إجرام افترائي. وذكر حرف (على) مع الإجرام مؤذن بأن الإجرام مؤاخذ به كما تَقتضيه مادة الإجرام. والإجرام: اكتساب الجرم وهو الذنب، فهو يقتضي المؤاخذة لا محالة. وجملة {وأنا بريء مما تجرمون} معطوفة على جملة الشرط والجزاء، فهي ابتدائية. وظاهرها أنها تذييل للكلام وتأييده بمقابله، أي فإجرامِي عليّ لا عليكم كما أن إجرامكم لا تنالني منه تَبعة. ولا حاجة إلى تقدير المضاف في قوله: {مما تجرمون} أي تبعته وإنما هو تقدير معنى لا تقدير إعراب، والشيءُ يؤكد بضدّه كقوله: {أية : لاَ أعبد ما تَبعدُون ولا أنتم عابدون ما أعبد}تفسير : [الكافرون: 2، 3]. وفي هذه الجملة توجيه بديع وهو إفادة تبرئة نفسه من أن يفتريَ القرآن فإنّ افتراء القرآن دعوى باطلة ادعَوها عليه فهي إجرام منهم عليه، فيكون المعنى وأنا بريء من قولكم الذي تجرمونه عليّ باطلاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أم يقولون: أي بل يقولون افتراه. افتراه: أي اختلقه وقال من نفسه ولم يوح به إليه. فعلي إجرامي: أي عاقبة الكذب الذي هو الإِجرام تعود عليَّ لا على غيري. وأنا بريء: أي أتبرأ وأتنصل من إجرامكم فلا أتحمل مسؤوليته. مما تجرمون: أي على أنفسكم بإِفسادها بالشرك والكفر والعصيان. معنى الآية: هذه الآية الكريمة أوقعها الله مُنَزِلُها سبحانه وتعالى بين أجزاء الحديث عن نوح وقومه، وحسن موقعها هنا لأن الحديث عن نوح وقومه لا يتأتى لأحد إلا لنبي يوحى إليه، وذلك لبعده في التاريخ فَقَصُّ النبيّ له اليوم دليل على أنه نبي يُوحى إليه، فلذا قال أم يقولون افتراه أي يقولون افترى القرآن وكذبه ولم يوح إليه قل إن افتريته كما زعمتم فعليّ إجرامي أي أثم كذبي وأنا بريء مما تجرمون أنتم بتكذيبكم إياي وكفركم بربكم ورسوله ووعده ووعيده. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز الاعتراض في الكلام إذا حسن موقعه لإِقامته حجة أو إبطال باطل أو تنبيه على أمر مهم. 2- قص القصص أكبر دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة ودعوته إلى الله تعالى. 3- تقرير مبدأ تحمل كل إنسان مسؤولية عمله وأن لا تزر وازرة وزر أخرى.
القطان
تفسير : في هذه الآية الكريمة دَفْعُ شبهةٍ من شُبَهِ المشركين من قريشِ الّذين ادَّعوا أن محمَّداً يفتري هذا القَصص، فيردُّ الله عليهم بأن هذا القَصص صادقٌ، وقل لهم أيها الرسول: إن كنت افتريتُه على الله كما تزعمون، فهو جُرمٌ عظيمٌ عليَّ وحدي إثمهُ، وإذا كنت صادقاً، فانتم المجرمون، وانا بريء من جرمكم هذا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱفْتَرَاهُ} (35) - أَمْ يَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ: إِنَّ مُحَمَّداً افْتَرَى خَبْرَ نُوحٍ، وَجَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ؟ فَقُلْ لَهُمْ: إِنْ أَنَا افْتَرَيْتُهُ عَلَى اللهِ فَإِنَّ إِثْمَ ذَلِكَ وَعِقَابَهُ عَلَيَّ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يَغْفُلُ عَنْ عُقُوبَةِ مَنْ يَفْتَرِي عَلَيْهِ الكَذِبَ، وَأَنْتُمْ لاَ تَتَحَمَّلُونَ مَعِي شَيْئاً مِنْ ذَنْبِي هذا، كَمَا أَنَّنِي بَرِيءٌ مِنَ الإِجْرَامِ المُتَمَثِّلِ بِكُفْرِكُمْ، وَتَجَاوُزِكُمُ الحَقَّ. فَعَلَيَّ إِجْرَامِي - فَعَلَيَّ عِقَابُ مَا اكْتَسَبْتُهُ مِنْ ذَنْبٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاء هذا القول في صُلْب قصة نوح - عليه السلام - وقد يكون مما أوحى به الله سبحانه لنوح عليه السلام، أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكلام. والافتراء - كما نعلم - هو الكذب المتعمَّد الذي يناقض واقعاً. وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به الفرد، ستجدون أنه مُلْزِمٌ للجميع، وستكون الفائدة التي تعود عليك بالتزام الجميع - بما فيهم أنت - فائدة كبيرة، فإن قال لك المنهج: لا تسرقْ؛ فهذا أمانٌ لك من أن يسرقك الناس. ولذلك فساعة تسمع للمنهج، لا تنظرْ إلى المأخوذ منك، بل التفتْ إلى المأخوذ لك. وعلى ذلك لا يمكن أن يكون المنهج افتراء. ونحن نعلم أن المنهج يؤسِّس في المجتمعات مقاييس عادلة للاستقامة، وحين يُشَرِّع الحق سبحانه تشريعاً، قد يبدو لك أنه يُحِدُّ من حريتك، ولكنه في الواقع يُحقِّق لك منافع متعدِّدة، ويحميك من أن يعتدي الآخرون عليك. وكان الردُّ على الاتهام بالافتراء يتمثَّل في أمرين: إما أن يفتروا مثله، أو أن يتحمَّل هو وِزْرُ إجرام الافتراء. وإن لم يكن قد افتراه، فعليهم يقع وِزْرُ إجرامهم باتِّهامه أنه قد افترى. وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها، ولو جاء بالقول دون احتباك، لقال سبحانه: قل إن افتريته فعليَّ إجرامي وأنتم برءاء منه، وإنْ لم أفْتَرِ فعليكم إجرامكم وأنا بريء. وجاء الحذف من شِقِّ المقابل من شِقٍّ آخر، وهذا ما يسمَّى في اللغة "الاحتباك". والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 249]. والفئة القليلة تكون قلَّتُها في الأفراد والعَتَاد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرَتها في العُدَّة والعَدَد وكلِّ لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تَغْلِب بإذن الله تعالى. وهكذا يوضِّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى. ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ ..}تفسير : [آل عمران: 13]. وحذف سبحانه صفة الإيمان عن الفئة الأولى، كما حذف عن الفئة الثانية صفة أنها تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان، وهذا يسمَّى "الاحتباك". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 35]. ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يبين لنا قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين خاطب قومه، فقال سبحانه: {أية : .. قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [سبأ: 25]. فلم يَقُلْ: "عَمَّا تُجرمون". فلم يقابل إيذاءهم القوليَّ والمادِّيَّ له بإيذاء قوليٍّ. وكذلك ذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : .. وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 24]. وهذا ارتقاء في الجدل يناسب رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أنزلها الله على العالم كله. وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال نوح عليه السلام لقومه، قال له الحق سبحانه وتعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} معناهُ جِنَايَتِي.
الأندلسي
تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الآية، الظاهر أن الضمير في يقولون عائد على قوم نوح، أي بل أيقولون افتراه فيما أخبرهم به من دين الله وعقاب من أعرض عنه. فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : ان افتريته فعلي إجراميتفسير : ، أي إثم إجرامي. والإِجرام مصدر أجرم. {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ} الآية، {فَلاَ تَبْتَئِسْ} نهاه تعالى عن ابتئاسه وهو حزنه عليهم في استكانة. وابتئس: افتعل من البؤس. ويقال: ابتأس الرجل، إذا أبلغه شىء يكرهه. قال الشاعر: شعر : وكم من خليل أو حميم رزئته فلم تبتئس والرزء فيه جليل تفسير : {وَٱصْنَعِ} عطف على فلا تبتئس. {بِأَعْيُنِنَا} بمرأى منا وكلاءة وحفظ. {وَوَحْيِنَا} نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع. وعن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعه الفلك فأوحى الله تعالى أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} الآية، هي حكاية حال ماضية. والفلك: السفينة. قال ابن عباس: الخشب من خشب السمسار وهو البقص قطعة من جبل لبنان وسخريتهم منه لكونهم رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت. قالوا: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً يمشي على الماء. فتعجبوا من قوله وسخروا منه وقالوا: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً. وكلما: ظرف. وما: مصدرية ظرفية تقديره وكل وقت مرور سخروا منه. والناصب لكل سخروا. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد بالغ. والعذاب المخزي: الغرق، والعذاب المقيم: عذاب الآخرة، لأنه دائم عليهم سرمد. و{مَن يَأْتِيهِ} مفعول بتعلمون. ومن موصولة. وتعدي تعلمون إلى واحد استعمالاً لها استعمال عرف في التعدية إلى واحد. قال ابن عطية: وجائز أن تكون التعدية إلى مفعولين واقتصر على واحد. "انتهى". ولا يجوز حذف الثاني اقتصاراً لأن أصله خبر مبتدأ ولا اختصاراً هنا لأنه لا دليل على حذفه. وحتى هنا: غاية لقوله: ويصنع الفلك ويصنع كما قلنا حكاية حال ماضية، أي وكان يصنع الفلك إلى أن جاء الوعد الموعود به. والجملة من قوله: وكلما مر عليه حال كأنه قيل: ويصنعها. والحال أنه كلما مروا وأمرنا واحد الأمور أو مصدر، أي أمرنا بالفوران أو للسحاب بالإِرسال والملائكة بالتصرف في ذلك وفار معناه انبعث بقوة والتنور وجه الأرض والعرب تسميه تنوراً، قاله ابن عباس. والتنور: مستوقد النار، وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي وليس بمشتق. وقال ثعلب: وزنه مفعول من النور. وأصله تنووُر، فهمزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبله. وقرىء: من كل بالتنوين. فيكون زوجين مفعولاً بقوله: احمل. وقرىء: بغير تنوين على الإِضافة، فيكون اثنين مفعول احمل وأهلك ومن معطوفان على المفعول قبله ولما كان المطر ينزل كأفواه القرب، جعلت الوحوش تطلب وسط الأرض هرباً من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فأمر الله تعالى أن يجعل فيها من الزوجين اثنين يعني ذكراً وأنثى ليبقى أصل النسل بعد الطوفان. فروي أنه كان يأتيه أنواع الحيوان فيضع يمينه على الذكر ويساره على الأنثى. وكانت السفينة ثلاث طبقات السفلى للوحوش، والوسطى للطعام والشراب، والعليا له ولمن آمن معه. {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال ابن عباس: ثمانون رجلاً، وعنه ثمانون إنساناً ثلاثة من بنيه سام وحام ويافث، وثلاثة كنائن له ولما خرجوا من السفينة بنو قرية تدعى اليوم قرية الثمانين بناحية الموصل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):