١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما جاء هذا من عند الله تعالى دعا على قومه فقال: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] وقوله: {فَلاَ تَبْتَئِسْ } أي لا تحزن، قال أبو زيد: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأنشد أبو عبيدة: شعر : ما يقسم الله أقبل غير مبتئس به وأقعد كريماً ناعم البال تفسير : أي غير حزين ولا كاره. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء والقدر وقالوا: إنه تعالى أخبر عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلاب هذا العلم جهلاً والأول ظاهر البطلان لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقاً، ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمع بين النقيضين، والثاني أيضاً باطل، لأن انقلاب خبر الله كذباً وعلم الله جهلاً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بد وأن يكون على هذين القسمين وثبت أن كل واحد منهما محال كان صدور الإيمان منهم محالاً مع أنهم كانوا مأمورين به، وأيضاً القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه. ومنه قوله: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن} فيلزم أن يقال: إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة. وذلك تكليف الجمع بين النقيضين، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب مراراً وأطواراً. المسألة الثالثة: اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم من يؤمن، فقال قوم: إنه لا يجوز. واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } تفسير : [نوح: 26، 27] وهذا يدل على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم، لأجل أنه تعالى علم أنه ليس من يؤمن، ولا في أولادهم أحد يؤمن. قال القاضي وقال كثير من علمائنا: إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن. وأما قول نوح عليه السلام: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } فذلك يدل على أنه إنما سأل ذلك من حيث إنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولايلدون إلا فاجراً كفاراً وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولاً بمجموع هاتين العلتين، وأيضاً فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الإهلاك، والأقرب أن يقال: إن نوحاً عليه السلام لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل فيه من تلك المحبة، ولذلك قال تعالى من بعد: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة، فإن الدين عزيز، وإن قل عدد من يتمسك به، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} «أنه» في موضع رفع على أنه اسم ما لم يُسمَّ فاعله. ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون التقدير بـ «ـأنه». و {آمَنَ} في موضع نصب بـ {ـيؤمن} ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقاً لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26] الآيتين. وقيل: إن رجلاً من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحاً قال لأبيه: أعطني حجراً؛ فأعطاه حجراً، ورمى به نوحاً عليه السلام فأدماه؛ فأوحى الله تعالى إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}. {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي فلا تغتَمّ بهلاكهم حتى تكون بائساً؛ أي حزيناً. والبؤس الحزن؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وكم مِن خليلٍ أو حميم رُزِئته فلم أبتئسْ والرُّزءُ فيه جَلِيلُ تفسير : يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه. والابتئاس حزن في استكانة. قوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك. {بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منا وحيث نراك. وقال الرّبيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يَراك. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بحراستنا؛ والمعنى واحد؛ فعبّر عن الرؤية بالأعين؛ لأن الرؤية تكون بها. ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير؛ كما قال تعالى: {أية : فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ} تفسير : [المرسلات: 23] «فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ» {أية : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47]. وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى عين؛ كما قال: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 39] وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منّزه عن الحواسّ والتشبيه والتكييف؛ لا ربّ غيره. وقيل: المعنى «بِأَعْيُنِنَا» أي بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حِفظك ومعونتك؛ فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه. وقيل: {بِأَعْيُنِنَا} أي بعلمنا؛ قاله مقاتل: وقال الضّحاك وسفيان: {بِأَعْيُنِنَا} بأمرنا. وقيل: بوحينا. وقيل: بمعونتنا لك على صنعها. {وَوَحْيِنَا} أي على ما أوحينا إليك من صنعتها. {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح، لما استعجل قومه نقمة الله بهم، وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى مخبراً عنه: أنه قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً} تفسير : [نوح: 26]، {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } تفسير : [القمر:10] فعند ذلك أوحى الله إليه: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ} فلا تحزن عليهم، ولا يهمنك أمرهم {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} يعني: السفينة {بِأَعْيُنِنَا} أي: بمرأى منا {وَوَحْيِنَا} أي: تعليمنا لك ما تصنعه {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب، ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، والله أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعاً، وعرضها خمسين ذراعاً، وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤاً أزور يشق الماء، وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، في عرض خمسين. وعن الحسن: طولها ستمائة ذارع، وعرضها ثلثمائة، وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع، في عرض ستمائة. وقيل: طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم، قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعاً؛ ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثراً غريباً من حديث علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة، فحدثنا عنها، قال: فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب بكفه، فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب، قال له عيسى عليه السلام: أهكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني مت وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة، فمن ثم شبت، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر روث الدواب، أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر بجوف السفينة يقرضها وحبالها، أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره سنور، وسنورة، فأقبلا على الفأر، فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة، فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارها، وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، قال: فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد تراباً، وقوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} أي: يهزؤون به، ويكذبون بما يتوعدهم به من الغرق {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} الآية وعيد شديد وتهديد أكيد {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: يهينه في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم مستمر أبداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } تحزن {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } من الشرك، فدعا عليهم بقوله { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلاْرْضِ } تفسير : [26:71] فأجاب الله تعالى دعاءه وقال:
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأوحِيَ إِلَى نُوحٍ أنه لن يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} حقق الله تعالى استدامة كفرهم تحقيقاً لنزول الوعيد بهم، قال الضحاك، فدعا عليهم لما أُخبر بهذا فقال: {أية : ربِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ديَّاراً. إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 27:26]. {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَ كَانُوا يَفْعَلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: فلا تأسف ومنه قول يزيد بن عبد المدان: شعر : فارسُ الخيل إذا ما ولولت ربّهُ الخِدر بصوتٍ مبتئس تفسير : الثاني: فلا تحزن، ومنه قول الشاعر: شعر : وكم من خليلٍ او حميم رُزئته فلم أبتئس والرزءُ فيه جَليلُ تفسير : والأبتئاس: الحزن في استكانة، وأصله من البؤس، وفي ذلك وجهان: أحدهما: فلا تحزن لهلاكهم. الثاني: فلا تحزن لكفرهم المفضي إلى هلاكهم. قوله عز وجل: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: بحيث نراك، فعبر عن الرؤية بالأعين لأن بها تكون الرؤية. الثاني: بحفظنا إياك حفظ من يراك. الثالث: بأعين أوليائنا من الملائكة. ويحتمل وجهاً رابعاً: بمعونتنا لك على صنعها. {وَوَحْيِنَا} فيه وجهان: أحدهما: وأمرنا لك أن تصنعها. الثاني: تعليمنا لك كيف تصنعها. {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظلَمُواْ إِنَّهُمْ مُغْرَقونَ} نهاه الله عن المراجعة فيهم فاحتمل نهيه أمرين: أحدهما: ليصرفه عن سؤال ما لا يجاب إليه. الثاني: ليصرف عنه مأثم الممالأة للطغاة. قوله عز وجل: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} قال زيد بن أسلم: مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها، واختلف في طولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله الحسن كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت مطبقة. الثاني: ما قاله ابن عباس: كان طولها أربعمائة ذراع، وعلوها ثلاثون ذراعاً. وقال خصيف: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وكان في أعلاها الطير، وفي وسطها الناس وفي أسفلها السباع. ودفعت من عين وردة في يوم الجمعة لعشر مضين من رجب ورست بباقردي على الجودي يوم عاشوراء. قال قتادة وكان بابها في عرضها. {وكلّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِّنْ قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما: أنهم كانوا يرونه يبني في البر سفينة فيسخرون منه ويستهزئون به ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً. الثاني: أنهم لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا يا نوح: ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً يمشي علىالماء فعجبوا من قوله وسخروا منه. {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} فيه قولان: أحدهما: إن تسخروا من قولنا فسنسخر من غفلتكم. الثاني: إن تسخروا من فِعلنا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق. والمراد بالسخرية ها هنا الاستجهال. ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم. قال ابن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر فلذلك سخروا منه. قال: ومياه البحار بقية الطوفان. فإن قيل: فلم جاز أن يقول فإنا نسخر منكم مع قبح السخرية؟ قيل: لأنه ذمٌّ جعله مجازاة على السخرية فجاء به على مزاوجة الكلام، وكان الزجاج لأجل هذا الاعتراض يتأوله على معنى إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا.
ابن عطية
تفسير : قرأ أبو البرهسم: "وأَوحى" بفتح الهمزة على إسناد الفعل إلى الله عز وجل، "إنه" بكسر الهمزة، وقيل لنوح هذا بعد أن طال عليه كفر القرن بعد القرن به، وكان يأتيه الرجل بابنه فيقول: يا بني لا تصدق هذا الشيخ فهكذا عهده أبي وجدي كذاباً مجنوناً؛ رواه عبيد بن عمير وغيره، وهذه الآية هي التي أيأست نوحاً عليه السلام من قومه، فروي أنه لما أوحي إليه ذلك دعا فقال: {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} تفسير : [نوح: 26]. و {تبتئس} من البؤس تفتعل، ومعناه: لا تحزن نفسك ومنه قول الشاعر - وهو لبيد بن ربيعة -: [مجزوء الكامل] شعر : في مأتم كنعاج حا رة تبتئس بما لقينا تفسير : حارة: موضع. قال القاضي أبو محمد: وفي أمر نوح عليه السلام تدافع في ظاهر الآيات والأحاديث ينبغي أن نخلص القول فيه، وذلك أن ظاهر أمره أنه عليه السلام دعا على الكافرين عامة من جميع الأمم ولم يخص قومه دون غيرهم، وتظاهرت الروايات وكتب التفاسير بأن الغرق نال جميع أهل الأرض وعم الماء جميعها، قال ابن عباس وغيره، ويوجب ذلك أمر نوح بحمل الأزواج من الحيوان، ولولا خوف إفناء أجناسها من جميع الأرض، ما كان ذلك، فلا يتفق لنا أن نقول إنه لم يكن في الأرض غير قوم نوح في ذلك الوقت، لأنه يجب أن يكون نوح بعث إلى جميع الناس، وقد صح أن هذه الفضيلة خاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أوتيت خمساً لم يؤتهن أحد قبلي"تفسير : . فلا بد أن نقرر كثيراً من الأمم كان في ذلك الوقت، وإذا كان ذلك، فكيف استحقوا العقوبة في جمعهم ونوح لم يبعث إلى كلهم؟ وكنا نقدر هنا أن الله تعالى بعث إليهم رسلاً قبل نوح فكفروا بهم واستمر كفرهم، لولا أنا نجد الحديث ينطق بأن نوحاً هو أول الرسل إلى أهل الأرض؛ ولا يمكن أيضاً أن نقول: عذبوا دون رسالة ونحن نجد القرآن: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. والتأويل المخلص من هذا كله هو أن نقول: إن نوحاً عليه السلام أول رسول بعث إلى كفار من أهل الأرض ليصلح الخلق ويبالغ في التبليغ ويحتمل المشقة من الناس - بحسب ما ثبت في الحديث - ثم نقول: إنه بعث إلى قومه خاصة بالتبليغ والدعاء والتنبيه، وبقي أمم في الأرض لم يكلف القول لهم، فتصح الخاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم نقول: إن الأمم التي لم يبعث ليخاطبها إذا كانت بحال كفر وعبادة أوثان، وكانت الأدلة على الله تعالى منصوبة معرضة للنظر، وكانوا متمكنين من النظر من جهة إدراكهم، وكان الشرع - ببعث نوح - موجوداً مستقراً. فقد وجب عليهم النظر، وصاروا بتركه بحال من يجب تعذيبه: فإن هذا رسول مبعوث وإن كان لم يبعث إليهم معينين ألا ترى أن لفظ الآية إنما هو {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} تفسير : [الإسراء: 15]، أي حتى نوجده، لأن بعثة الأنبياء إلى قوم مخصوصين إنما هو في معنى القتال والشدة، وأما من جهة بذل النصيحة وقبول من آمن فالناس أجمع في ذلك سواء؛ ونوح قد لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو إلى الله، فغير ممكن أن لم تبلغ نبوءته للقريب والبعيد، ويجيء تعذيب الكل بالغرق بعد بعثة رسول وهو نوح صلى الله عليه وسلم. ولا يعارضنا مع هذه التأويلات شيء من الحديث ولا الآيات، والله الموفق للصواب. وقوله تعالى: {واصنع الفلك} عطف على قوله: {فلا تبتئس} و {الفلك}: السفينة، وجمعها أيضاً فلك، وليس هو لفظاً للواحد والجمع وإنما هو فعل وجمع على فعل ومن حيث جاز أن يجمع فعل على فعل كأسد وأسد، جاز أن يجمع فعل على فعل، فظاهر لفظ الجمع فيها كظاهر لفظ واحد وليس به، تدل على ذلك درجة التثنية التي بينهما لأنك تقول: فلك وفلكان وفلك، فالحركة في الجمع نظير ضمة الصاد إذا ناديت "يا منصو"، تريد "يا منصور"، فرخمت على لغة من يقول: يا حار بالضم، فإن ضمة الصاد هي في اللفظ كضمة الأصل، وليست بها في الحكم. وقوله: {بأعيننا} يمكن - فيما يتأول - أن يريد به بمرأى منا وتحت إدراك، فتكون عبارة عن الإدراك والرعاية والحفظ، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير كما قال تعالى: {أية : فنعم القادرون} تفسير : [المرسلات: 23] فرجع معنى الأعين في هذه وفي غيرها إلى معنى عين في قوله: {أية : لتصنع على عيني} تفسير : [طه: 39]، وذلك كله عبارة عن الإدراك وإحاطته بالمدركات، وهو تعالى منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره. ويحتمل قوله {بأعيننا} أي بملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا للتكثير. وقرأ طلحة بن مصرف "بأعينا" مدغماً. وقوله {ووحينا} معناه: وتعليمنا لك صورة العمل بالوحي، وروي في ذلك أن نوحاً عليه السلام لما جهل كيفية صنع السفينة أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جؤجؤ الطير، إلى غير ذلك مما عمله نوح من عملها، فقد روي أيضاً أنها كانت مربعة الشكل طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن الغرض منها إنما كان الحفظ لا سرعة الجري، والحديث الذي تضمن أنها كجؤجؤ الطائر أصح ومعناه أظهر: لأنها لو كانت مربعة لم تكن فلكاً بل كانت وعاء فقط، وقد وصفها الله تعالى بالجري في البحر، وفي الحديث: كان راز سفينة نوح عليه السلام جبريل عليه السلام والراز: القيم بعمل السفن. ومن فسر قوله {ووحينا} أي بأمرنا لك، فذلك ضعيف لأن قوله: {واصنع الفلك} مغن عن ذلك. و {الذين ظلموا} هم قومه الذين أعرضوا عن الهداية حتى عمتهم النقمة، قال ابن جريج: وهذه الآية تقدم الله فيها إلى نوح أن لا يشفع فيهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ} لما أخبره بذلك قال: {أية : لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : الآية [نوح: 26] {تَبْتَئِسْ} تحزن، أو تأسف، والابتئاس حزن في استكانة، لا تحزن لهلاكهم، أو كفرهم المفضي إلى هلاكهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ} الجمهور على "أوحِيَ" مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ} أي: أوحِيَ إليه عدمُ إيمان بعض القوم. وقرأ أبو البرهسم "أوْحَى" مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، "إنَّهُ" بكسر الهمزة وفيها وجهان: أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول. والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول. قوله "فَلاَ تَبْتَئِسْ" هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط] شعر : 2968- مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 2969- وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ تفسير : فصل دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً. والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين. والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ {... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين. قوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}. "بأعْينِنَا" حالٌ من فاعل "اصْنَع" أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ. وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف "بأعْيُنَّا" مدغمة. فصل قوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له. وأما قوله: "بأعْيُنِنَا" فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: {أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه:39]. وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل. وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه: الأول: معنى "بِأعْيُنِنَا" أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه. والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك. وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين: أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل. والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف السَّفينة وتركيبها. وقوله: "وَوَحْيِنَا" إشارة إلى أنَّه تعالى يوحي إليه كيفية عمل السَّفينة. وقوله: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} فقيل: لا تطلب منِّي تأخير العذاب عنهم، فإنِّي قد حكمتُ عليهم بهذا الحكم، فلمَّا علمَ نوحٌ ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح:26]. وقيل: "لا تُخَاطِبْنِي" في تعجيلِ العذابِ فإنِّي لمَّا قضيتُ عليهم إنزال العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعاً. وقيل: المرادُ بـ "الذينَ ظلمُوا" ابنه وامرأته. قوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} قيل: هذا حكايةُ حال ماضيه أي: في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. وقيل: التقديرُ: وأقبل يصنع الفلك، فاقتصر على قوله: "يَصْنَع". قيل: إن جبريل أتى نُوحاً عليه السَّلام فقال: إنَّ ربَّك يأمُركُ أن تَصْنَعَ الفلك، فقال: كيف أصنع ولست بنجَّارٍ؟ فقال: إنَّ ربَّك يقولُ: اصْنَعْ فإنَّكَ بعَيْنِي، فأخذ القدوم، وجعل يصنعُ ولا يخطئ. وقيل: أوحى الله إليه يجعلها مثل جُؤجُؤ الطَّائر. روي أنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - لمَّا دَعَا على قومهِ وقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح:26] استجاب الله دعاءه وأمره أن يَغْرِسَ شجرة ليعمل منها السفينة؛ فغرسها وانتظرها مائة سنة، ثم نجَّرها في مائة سنة أخرى. وقيل: في أربعين سنة، وكانت من خشب الساج. وفي التوراة أنها من الصنوبر. قال البغويُّ - رحمه الله - أمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعاً، وعرضها خمسين ذراعاً، وأن يطلي ظاهرها وباطنها بالقارِ وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع [وعرضها خمسين ذراعاً. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان طولها ألفاً ومائتي ذراع في عرض ستمائة ذراع]. وقيل: ألف ذراعٍ في عرض مائة ذراعٍ. واتفقوا كلهم على أنَّ ارتفاعها ثلاثون ذراعاً، وكانت ثلاث طبقات كلُّ واحدة عشرة أذرع، فالسفلى للدَّواب والوحوش، والوسطى للنَّاس، والعليا للطيور، ولها غطاء من فوق يطبق عليها. قال ابنُ الخطيب - رحمه الله - والذي نعلمه أنَّ السَّفينة كانت سعتها بحيث تسعُ المؤمنين من قومه، ولما يحتاجون إليه، ولحصول زوجين لكلّ حيوان؛ لأنَّ هذا القدر مذكور في القرآن، فأما تعيينُ ذلك القدر فغير معلوم. قوله: "وَكُلَّمَا مَرَّ" العاملُ في "كُلَّمَا" "سَخِر"، و "قَالَ" مستأنف، إذ هو جوابٌ لسؤال سائل. وقيل: بل العامل في "كُلَّما" "قال"، و "سَخِرُوا" على هذا إمَّا صفة لـ "مَلأ"، وإمَّا بدلٌ مِنْ "مرَّ"، وهو بعيدٌ جدّاً، إذ ليس "سَخِرَ" نوعاً من المرور، ولا هو هو فكيف يبدل منه؟ والجملةُ من قوله "كُلَّما" إلى آخره في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: يصنع الفلك والحالُ أنَّه كُلَّما مرَّ. فصل اختلفوا فيما كانوا لأجله يسخرون، فقيل: إنهم كانوا يقولون له: كنت تدَّعي الرسالة، فصرت نجَّاراً. وقيل: كانوا يقولون: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. وقيل: إنَّهم كانُوا ما رَأوا السَّفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها، فكانوا يتعجَّبُون منه ويسخرُون - وقيل: إنَّ تلك السَّفينة كانت كبيرة، وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدّاً، وكانوا يقولون له: ليس ههنا ماء، ولا يمكنك نقلها لماءِ البحار، فكانوا يُعدُّون ذلك من باب السخرية. وقيل: إنَّه لمَّا طال مكثه فيهم، وكان ينذرهم بالغرقِ، وما شاهدُوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كذبه في ذلك النقل، فلمَّا اشتغل بعمل السفينة، سخرُوا منه، وكل هذه الوجوه محتملة. ثم إنَّه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} أي: مثل سخريتكُمْ إذا غرقتم في الدنيا ووقعتم في العذاب يوم القيامة. وقيل: إن حكمتم علينا بالجَهْلِ فيما نصنع فإنَّا نحكم عليكم بالجهلِ فيما أنتم عليه من الكفر، والتَّعرض لسخطِ الله وعذابه، فأنتم أولى بالسُّخرية مِنَّا. فإن قيل: كيف تجُوزُ السخرية من النبي؟. فالجوابُ: هذا ازدواج للكلام يعنى: إن تَسْتجْهلوني فإنِّي أستجهلكم إذا نزل بكم العذاب. وقيل: معناه: إن تَسْخَرُوا منَّا فسترون عاقبة سخريتكم. وقيل: سمى المقابلة سخرية كقوله {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]. قوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}. في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أن تكون موصولة. والثاني: أن تكون استفهاميَّة، وعلى كلا التقديرين فـ "تَعْلَمُونَ" إمَّا من باب اليقينِ، فتتعدَّى لاثنين، وإمَّا من بابِ العرفان فتتعدَّى لواحد. فإذا كانت هذه عرفانية و "مَنْ" استفهامية كانت "مَنْ"، وما بعدها سادَّة مسدَّ مفعول واحد، وإن كانت متعديةً لاثنين كانت سادَّة مسدَّ المفعولين وإذا كانت "تَعْلَمُونَ" متعديةً لاثنين، و "مَنْ" موصولة كانت في موضع المفعول الأوَّلِ، والثاني محذوفٌ قال ابن عطيَّة: "وجائزٌ أن تكون المتعدية إلى مفعولين، واقتصر على الواحدِ". وهذه العبارةُ ليست جيِّدة؛ لأنَّ الاقتصار في هذا الباب على أحد المفعولين لا يجوز، لما تقرَّر من أنَّهما مبتدأ وخبر في الأصل، وأمَّا حذف الاختصار، فهو ممتنعٌ أيضاً، إذ لا دليل على ذلك. وإن كانت متعدِّية لواحدٍ و "مَنْ" موصولةٌ فأمرها واضحٌ. قوله: "وَيَحِلُّ عليْهِ" أي: يجبُ عليه، وينزل به "عذابٌ مقيمٌ" دائم. وحكى الزهراويُّ - رضي الله عنه -: "ويَحُلُّ" بضمِّ الحاءِ، بمعنى يجبُ أيضاً. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابنا، أو وقته، أو قولنا "كن". {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} اختلفوا في التَّنور: قال عكرمةُ والزهري: هو وجه الأرض، أي نبعث الأرض من سائر أرجائها حتى نبعث التنانير التي هي محال النار وذلك أنَّه قيل لنوح: إذ رأيت الماء قدْ فَارَ على وجه الأرض، فاركب السَّفينة أنت وأصحابك. وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: التنور طلوع الفجر، ونور الصَّباح وقيل: التَّنُّور أشرف مكان في الأرض وأعلاه. وقيل: "فَارَ التَّنُّورُ" يحتمل أن يكون معناه: اشتدَّ الحر كما يقالُ: حمي الوطيسُ. ومعنى الآية: إذا رأيتَ الأمر يشتد والماء يكثر فانْجُ بنفسك ومن معك إلى السفينة. وقال الحسنُ ومجاهدٌ والشعبيُّ: إنه التنور الذي يخبز فيه. وهو قول أكثر المفسِّرين، ورواه عطيَّة عن ابن عبَّاس. قال الحسنُ: كان تَنُّوراً من حجارةٍ، كانت حواء تخبزُ فيه، فصار إلى نُوح - عليه الصلاة والسلام - واختلفوا في موضعه فقال مجاهدٌ والشعبيُّ: إنَّه بناحية الكوفة وعن علي أنَّهُ في مسجد الكوفة. وقال مقاتلٌ بموضع يقال له: عين وَرْدة بالشَّام وقيل: عين بالهند. قال الزمخشريُّ: "حتَّى" هي التي يُبْتَدَأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشَّرطِ والجزاء، ووقعت غاية لقوله {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد والألف واللاَّم في "التَّنُّور" قيل: للعهدِ. وقيل: للجنس. ووزن "تَنُّور" قيل: "تَفْعُول" من لفظ النور فقلبت الواوُ الأولى همزة لانضمامها. ثم حذفت تخفيفاً، ثم شدَّدُوا النون كالعوضِ عن المحذوف، ويعزى هذا لثعلب. وقيل: وزنه "فَعُّول" ويعزى لأبي علي الفارسيِّ. وقيل: هو أعجميٌّ، وعلى هذا فلا اشتقاقَ له. والمشهورُ أنَّه ممَّا اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصَّابون. ومعنى "فَارَ" أي: غلا قوة وشدة تشبيهاً بغليان القدر عند قوة النَّار، ولا شبهة في أنَّ نفس التَّنور لا يفورُ، فالمرادُ: فار الماءُ في التَّنور. قال اللَّيْثُ - رحمه الله -: "التَّنُّور عمَّت بكل لسان وصاحبه تنَّار قال الأزهريُّ: وهذا يدلُّ على أن الاسم يكون أعْجَميّاً فتعربه العرب، فيصير عربيّاً، والدليلُ على ذلك أنَّ الأصل "تَنَرَ"، ولا يعرفُ في كلام العرب "تنر" وهو نظير ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الدِّيباج والدِّينار، والسُّندس،والإستبرق، فإنَّ العرب تكلَّمُوا بها؛ فصارت عربيةً". قيل: إنَّ امرأته كانت تخبز في ذلك التنور، فأخبرته بخروج الماءِ من ذلك التنور فاشتغل في الحالِ بوضع هذه الأشياء في السفينة. قوله: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} قرأ العامَّة بإضافة "كُل" لـ "زَوْجَيْنِ". وقرأ حفص بتنوين "كُل"، فأمَّا العامة فقيل: إنَّ مفعول "احْمِلْ" "اثْنَيْن"، و "مِنْ" كُلِّ زَوْجَيْنِ" في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المفعول؛ لأنه كان صفة للنَّكرة، فلمَّا قُدِّم عليها نُصب حالاً وقيل: بل "مِنْ" زائدة، و "كُل" مفعول به، و "اثْنَيْن" نعت لـ "زَوْجَيْن" على التَّأكيدِ، وهذا إنَّما يتمُّ على قول من يرى زيادة "مِنْ" مطلقاً، أو في كلامٍ موجب. وقيل: قوله: "زَوْجَيْن" بمعنى العُمومِ أي: من كُل ما له ازدواجٌ، هذا معنى قوله: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ} وهو قولُ الفارسيِّ وغيره. قال ابنُ عطيَّة: ولو كان المعنى: احمل فيها من كل زوجين حاصلين اثنين، لوجب أن يحمل من كُلِّ نوع أربعة، والزوج في مشهور كلامهم للواحد ممَّا له ازدواجٌ. قال - سبحانه وتعالى -: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}تفسير : [الذاريات:49]، ويقال للمرأة زوجٌ، قال تعالى: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء:1] يعني المرأة، وهو زوجها، وقال: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [النجم:45] فالواحدُ يقال له: زوجٌ، قال تعالى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [الأنعام:143]، {أية : وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [الأنعام:144]. فالزَّوجان: عبارة عن كل اثنين لا يَسْتغني أحدهما عن الآخر، يقال لكُلِّ واحدٍ منهما زوج، يقال زوج خفٍّ، وزوج نَعْلِ، والمراد بالزَّوجين ههنا: الذَّكر والأنثى. وأمَّا قراءة حفص فمعناها: من كلِّ حيوان أو من كلِّ صنف، و "زَوْجَيْن" مفعولٌ به، و "اثْنَيْنِ" نعتٌ على التأكيد، كقوله {أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [النحل:51]، و "مِنْ كُلّ" على هذه القراءة يجوز أن يتعلق بـ "احْمِلْ" وهو الظَّاهرُ، وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من "زَوْجَيْنِ" وهذا الخلاف والتخريج جاريان أيضاً في سورة "قَدْ أفْلَحَ". فصل اختلفوا في أنه هل دخل في قوله: "زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" غير الحيوانِ أم لا؟ فنقول فالحيوانُ مرادٌ ولا بد، وأما النَّباتُ فاللفظ لا يدل عليه، إلا أنه بقرينة الحال لا يبعد دخوله لأنَّ الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه. قال ابنُ الخطيب: "وروي عن ابن مسعودٍ أنه قال: لم يستطع نوحٌ أن يحمل الأسد حتَّى ألقيت عليه الحمى، وذلك أنَّ نُوحاً - عليه الصلاة والسلام - قال: يا ربِّ فمن أين أطعم الأسد، إذا حملته؟ قال الله - تعالى -: "فسوف أشغله عن الطعام فسلَّط الله عليه الحمى" وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها، فإنَّ حاجة الفيل إلى الطَّعام أكثر، وليست به حُمَّى". حديث : وروى زيد بن أسلم عن أبيه مرسلاً أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لمَّا حمل نوح في السفينة من كُلٍّ زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف يطمئن، أو تطمئن المواشي، ومعنا الأسد، فسلَّط الله عليه الحمى، فكانت أوَّلُ حمى نزلت الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسدِ، فعطس الأسد فخرجت الهرة؛ فتخبأت الفأرة منها. تفسير : قوله: "وأهْلَك" نسقٌ على "اثْنَيْنِ" في قراءة من أضاف "كُل" لـ "زَوْجَيْنِ"، وعلى "زَوْجَيْنِ" في قراءة من نوَّن "كُل" وقوله: "إلاَّ من سبقَ" استثناءٌ متصل في موجب، فهو واجب النَّصْب على المشهُور. وقوله: "وَمَنْ آمَنَ" مفعول به نسقاً على مفعول "احْمِلْ". فصل روي أنَّ نوحاً - عليه الصلاة السلام - قال يا رب: كيف أحملُ من كلِّ زوجين اثنين؟ فحشر الله - تعالى - إليه السباع والطير، فجعل يضربُ بيده في كل جنس فيقع الذَّكرُ في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيجعلهما في السفينة. والمراد بأهله: ولده وعياله {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بالهلاك يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان. "ومَنْ آمَنَ" يعنى: واحمل من آمن بك، قال تعالى: {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. قال قتادةُ وابن جريجٍ ومحمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ: لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر نوح وامرأته وثلاثة بنين سام وحام ويافث ونساؤهم. وقال الأعمشُ: كانوا سبعة: نوحٌ وثلاثة بنين له وثلاثُ كنائن وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه: سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان به، وأزواجهم جميعاً. وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً، وبنيه الثلاث ونساءهُم. فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال، ونصف نساء. وعن ابن عباسٍ: كان في سفينة نوح عليه السلام ثمانون رجلاً، أحدهم جرهم، يقال: إنَّ في ناحية "المَوْصِل" قريةً، يقال لها: قريةُ الثَّمانين، سمِّيت بذلك؛ لأنَّهم لما خرجوا من السَّفينة بنوها، فسُمِّيت بهم. قال مقاتلٌ: حمل نوحٌ معه جسد آدم، فجعله معترضاً بين الرِّجال والنِّساء. وقال الحسنُ: لم يحمل نوحٌ في السفينة إلاَّ ما يلد ويبيض فأما ما يتولَّد من الطين؛ فالحشرات، والبقِّ، والبعوض؛ فلم يحمل منه. ثم قال تعالى {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} يعني: حكم الله عليه بالهلاك، وهو ابنه، وزوجته، وكانا كافرين، فأما ابنه فهو يام، وتسميه أهل الكتاب: كنعان، فهو الذي انعزل عنه، أما امرأةُ نوحٍ، فهي أمُّ أولاده كلهم: حام، وسام، ويافث، وهو أدرك؛ انعزل، وغرق، وعابر، وقد مات قبل الطوفان، فقيل مع من غرق وكانت خمس سبق عليها القول بكفرها، وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها ماتت بعد ذلك. فإن قيل: الإنسان أشرف من سائر الحيواناتِ، فما الفائدة من ذكر الحيوانات؟ فالجوابُ: أنَّ الإنسانَ عاقلٌ وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاكِ عن نفسه، فلا حاجة إلى المبالغة في التَّرغيب فيه، بخلاف السَّعْي في تخليص سائر الحيوانات؛ فلهذا وقع الابتداء به. فإن قيل: الذين دخلوا السَّفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}تفسير : [الشعراء:54]؟ فالجواب: كلا اللفظين جائز، والتقدير - ههنا -: وما آمن معه إلا نفر قليل. فصل احتجوا بقوله {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} في إثبات الفضاءِ السَّابق والقدر الواجب، لأنَّ قوله {سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ} يدلُّ على أنَّ من سبق عليه القول ومن آمَنَ لا يغيَّرُ عن حاله، فهو كقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقى في بطن أمه ". تفسير : قال تعالى: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا}. يجُوزُ أن يكون فاعلُ "قَالَ" ضمير نوح - عليه الصلاة والسلام -، ويجوزُ أن يكون ضمير الباري - تعالى جل ذكره - أي: وقال الله لنوح ومنه معهُ. و "فِيهَا" متعلقٌ بـ "ارْكَبُوا" وعُدِّي بـ "في" لتضَمُّنه معنى "ادخلوا فيها راكبينَ" أو سيروا فيها. وقيل: تقديره: اركبوا الماء فيها. وقيل: "في" زائدة للتَّوكيد. والركوب: العلو على ظهر الشيءِ، ومنه ركوب الدَّابة، وركوب السَّفينة، وركوب البحر، وكل شيء علا شيئاً، فقد ركبه، ويقال: ركبه الدَّين. قال الليثُ - رحمه الله -: وتسمي العربُ من يركبُ السَّفينة: رُكَّابَ السَّفينة، وأمَّا الركبانُ، والأركُوبُ، والرَّكْبُ: فركَّابُ الدَّوابِّ. قال الواحدي: ولفظة "فِي" في قوله "ارْكَبُوا فيهَا" لا يجوز أن تكون من صلة الركوب؛ لأنَّه يقال: ركبت السفينة ولا يقال: ركبت في السَّفينة، بل الوجهُ أن يقول مفعول "ارْكَبُوا" محذوف والتقدير: "اركبوا الماء في السَّفينة". وأيضاً يجوز أن تكون فائدة هذه الزيادة، أنَّه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال: اركبوها، لتوهَّمُوا أنَّه أمرهم أن يكونوا على ظهر السَّفينة. قال قتادةُ: ركبُوا السَّفينة يوم العاشر من شهر رجب؛ فسارُوا مائةً وخمسين يوماً، واستقرَّتْ على الجُودي شهراً، وكان خروجهم من السفينة يوم عاشوراء من المحرَّمِ. قوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}. يجوز أن يكون هذا الجار والمجرور حالاً من فاعل "اركبوا" أو من "ها" في "فيها" ويكونُ "مجراها"، و "مرساها" فاعلين بالاستقرار الذي تضمَّنهُ الجارُّ لوقوعه حالاً. ويجوز أن يكون "بِسْمِ اللهِ" خبراً مقدَّماً، و "مَجْراها" مبتدأ مؤخراً، والجملة أيضاً حالٌ ممَّا تقدَّم، وهي على كلا التقديرين حالٌ مقدرةٌ كذا أعربه أبو البقاء، وغيره. إلاَّ أنَّ مكيّاً منع ذلك لخلو الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا أعربنا الجملة أو الجارَّ حالاً من فاعل "ارْكبُوا" قال: ولا يَحْسُنُ أن تكون هذه الجملة حالاً من فاعل "اركبُوا"؛ لأنَّه لا عائد في الجملةِ يعودُ على الضمير في "اركبُوا" لأن المضمر في "بِسْمِ اللهِ" إنْ جعلته خبراً لـ "مَجْراهَا" فإنَّما يعودُ على المبتدأ، وهو مجراها، وإن رفعت "مَجْرَاهَا" بالظَّرفِ لم يكن فيه ضمير الهاءِ في "مَجْراهَا" وإنما تعودُ على الضمير في "فِيهَا". وإذا نصبت "مَجْرَاهَا" على الظرف عمل فيه "بِسْمِ الله" وكانت الجملةُ حالاً من فعل "ارْكَبُوا". وقيل: "بِسْمِ اللهِ" حال من فاعل "ارْكَبُوا" و "مَجْراهَا ومُرْسَاهَا" في موضع الظرف المكاني، أو الزماني. والتقدير: اركبوا فيها مُسَمِّين موضع جريانها، ورُسُوِّها، أو وقت جريانها ورسوِّها. والعامل في هذين الظرفين حينئذٍ ما تضمَّنه "بِسْمِ اللهِ" من الاستقرار، والتقدير: اركبوا فيها مُتبرِّكين باسم الله في هذين المكانين، أو الوقتين. قال مكي: ولا يجوز أن يكون العاملُ فيهما "ارْكَبُوا"؛ لأنه لم يُرِدْ: اركبُوا فيها في وقتِ الجَرْي، والرسُوِّ، إنَّما المعنى: سمُّوُا اسم الله في وقت الجَرْيِ والرُّسُوِّ. ويجُوزُ أيضاً أن يكون "مَجْرَاهَا ومُرْسَاها" مصدرين، و "بِسْمِ الله" حالٌ كما تقدَّم، رافعاً لهذين المصدرين على الفاعليَّة أي: استقرَّ بسم الله إجراؤها، وإرساؤها، ولا يكونُ الجارُّ حينئذٍ إلاَّ حالاً من "هَا" في "فيها" لوجود الرابط، ولا يكونُ حالاً من فاعل "اركبُوا" لعدم الرَّابط. وعلى هذه الأعاريب يكونُ الكلامُ جملةً واحدةً. ويجوز أن يكون {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} جملة مستأنفة لا تعلُّق لها بالأولى من حيث الإعراب، ويكون قد أمرهم في الجملة الأولى بالرُّكُوب، وأخبر أنَّ مجراها ومرساها باسم الله. فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله. قال بعضُ المفسِّرين: كان نوح عليه الصلاة والسلام إذا أراد إجراء السفينة قال: "بِسْمِ اللهِ مجرَاها" فتجري، وإذا أراد أن ترسُو قال: "بِسْمِ الله مرْساهَا" فترسو، فالجملتان محكيتان بـ "قَالَ". وقرأ الأخوان وحفص "مَجْرَاها" بفتح الميم، والباقون بضمها. واتَّفق السَّبعة على ضمِّ ميم "مُرْسَاها". وقرأ ابن مسعود، وعيسى الثقفي وزيد بن علي، والأعمش "مَرْسَاها" بفتح الميم أيضاً. فالضمُّ فيهما، لأنهما من "أجْرَى وأرْسَى"، والفتح لأنَّهُما من "جَرَتْ ورَسَتْ" وهما: إمَّا ظرفا زمان أو مكان أو مصدران على ما سبق من التقادير. وقرأ الضحاك، والنخعي، وابن وثابٍ، ومجاهدٌ، وأبو رجاء، والكلبي، والجحدري، وابن جندب مجريها ومرسيها بكسر الراء، والسين بعدهما ياء صريحة، وهما اسما فاعلين من "أجرى وأرسى"، وتخريجهما على أنهما بدلان من اسم الله. قال ابنُ عطيَّة وأبو البقاء، ومكي: إنَّهما نعتان للهِ - تعالى -، وهذا الذي ذكروه إنَّما يتمُّ على تقدير كونهما معرفتين بتمحض الإضافة، وقال الخليلُ: "إنَّ كُلَّ إضافةٍ غيرُ محضةٍ قد تُجعل محضة إلاَّ إضافة الصفةِ المشبهة، فلا تتمحَّض". وقال مكي: "ولو جعلت "مَجْراهَا"، و "مُرْسَاها" في موضع اسم الفاعل لكانت حالاً مقدرة، ولجاز ذلك وكانت في موضع نصبٍ على الحال من اسم الله تعالى". والرُّسوُّ: الثَّبات، والاستقرار، يقال: رَسَا يَرْسُو وأرْسَيْتُهُ أنَا؛ قال: [الكامل] شعر : 2970- فَصَبرْتُ نفْساً عند ذلكَ حُرَّةً تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّع تفسير : أي: تَثْبُتُ وتَسْتَقِرُّ عندما تضطربُ وتتحرك نفسُ الجبان. قوله: {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيه سؤال، وهو إن كان ذلك وقت إظهارِ الضر، فكيف يليق به هذا الذكر؟. والجوابُ: لعل القوم الذين ركبوا السَّفينة اعتقدُوا في أنفسهم أنَّا إنَّما نجونا ببركةِ علمنا فالله تعالى نبَّههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب، فإنَّ الإنسان لا ينفكُّ من أنواع الزلاتِ وظلمات الشبهات، وفي جميع الأحوال، فهو محتاجٌ إلى إعانةِ الله، وفضله، وإحسانه، وأن يكون غفوراً لذنوبه رحيماً لعقوبته. قوله: "وهِيَ تَجْرِي" في هذه الجملةِ، ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر الله تعالى عن السفينة بذلك. والثاني: أنَّها في محلِّ نصب على الحالِ من الضَّمير المستتر في "بِسْمِ اللهِ" أي: جريانها استقرَّ بسم الله حال كونها جارية. الثالث: أنَّها حالٌ من شيءٍ محذوفٍ تضَمَّنته جملةٌ دلَّ عليها سياقُ الكلامِ. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بم اتَّصل قوله: "وهِيَ تَجْرِي بهِمْ"؟ قلت: بمحذُوفٍ دلَّ عليه قوله: "اركبُوا فيها بسْمِ الله" كأنَّهُ قيل: فركبوا فيها يقولون: "بسم الله وهي تجري بهم". وقوله "بِهِمْ" يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بـ "تَجْرِي". والثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ أي: تجري ملتبسةً بهم، ولذلك فسَّرهُ الزمخشريُّ بقوله: "أي: تجْرِي وهُمْ فيها". وقوله: "كالْجِبَالِ" صفة لـ "مَوْجٍ". فصل قال ابن جريرٍ، وغيره: إنَّ الطُّوفان كان في ثالث عشر شهر آب في عادة القبطِ، وإنَّ الماء ارتفع على أعلى جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً، وهو الذي عند أهل الكتاب، وقيل: ثمانين ذراعاً وعمَّ جميع الأرض طولاً وعرْضاً. والمَوْجُ جمع "مَوْجة" والموج: ما ارتفع من الماءِ إذا اشتدَّ عليه الريح. وهذا يدلُّ على أنَّهُ حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة. فإن قيل: الجريانُ في الموج يوجب الغرقَ. فالجوابُ: أنَّ الأمواجَ لمَّا أحاطت بالسَّفينة من جوانبها أشبهت تلك السَّفينة كأنَّها جرت في داخل الأمواج. قوله تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} الجمهور على كسْرِ تنوين "نوح" لالتقاء الساكنين. وقرأ وكيع بضمِّه إتباعاً لحركةِ الإعراب، واسترذلَ أبو حاتمٍ هذه القراءة، وقال: "هي لغةُ سوءٍ لا تُعْرَفُ". وقرأ العامَّةُ: "ابنهُ" بوصل هاء الكناية بواو، وهي اللغةُ الفصيحةُ الفاشية. وقرأ ابنُ عباس بسكون الهاء. قال بعضهم: هذا مخصُوصٌ بالضَّرُورة؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 2971- وأشْرَبُ الماء ما بِي نحوهُ عطشٌ إلاَّ لأنَّ عُيُونه سَيْلُ وَادِيهَا تفسير : وبعضهم لا يخُصُّه بها، وقال ابن عطية: إنَّا لغةٌ لأزْد السَّراة؛ ومنه قوله: [الطويل] شعر : 2972-............................ ومِطْوايَ مُشْتاقَانِ لَهْ أرِقَانِ تفسير : وقال بعضهم: "هي لغة عُقَيْل، وبني كلاب". وقرأ السدي: "ابْنَاهُ" بألف وهاء السكت، قال ابنُ جنِّي: "وهو على النّداء". وقال أبو البقاء: "ابناه" على الترثِّي وليس بندبة؛ لأنَّ النُّدبة لا تكونُ بالهمزة. وهو كلامٌ مشكلٌ في نفسه، وأين الهمزةُ هنا؟ إن عنى همزة النِّداء، فلا نُسَلِّم أنَّ المقدَّر من حروفِ النِّداءِ هو الهمزةُ؛ لأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّه لا يضمر من حروف النِّداءِ إلاَّ "يَا" لأنَّها أم الباب. وقوله: "الترثِّي" هو قريبٌ في المعنى من الندبة. وقد نصوا على أنَّه لا يجوزُ حذف [حرف] النداء من المندوب، وهذا شبيهٌ به. وقرأ عليٌّ - كرم الله وجهه -: "ابنها" إضافة إلى امرأته كأنه اعتبر قوله: "ليْسَ من أهلكَ"، وقوله: "ابْنِي" و {أية : مِنْ أَهْلِي}تفسير : [هود:45] لا يدل له لاحتمالِ أن يكون ذلك لأجل الحنوّ، وهو قول الحسن، وجماعة. وقرأ محمد بن عليّ، وعروة بن الزبير: "ابْنَهَ" بهاء مفتوحة دون ألف، وهي كالقراءةِ قبلها، إلاَّ أنه حذف ألف "ها" مجتزئاً عنها بالفتحةِ، كما تحذف الياءُ مُجْتَزأ عنها بالكسرة، قال ابن عطيَّة: "هي لغةٌ"؛ وأنشد: [البسيط] شعر : 2973- إمَّا تقُودُ بِهَا شَاةً فتأكُلُهَا أو أن تَبِيعهَ في بَعْضِ الأرَاكِيبِ تفسير : يريد: تَبِيعهَا" فاجتزأ بالفتحةِ عن الألفِ، كما اجتزأ الآخر عنها في قوله: - وأنشده ابن الأعرابي على ذلك -: [الوافر] شعر : 2974- فَلَسْتُ براجعٍ ما فَاتَ مِنِّي بِلَهْفَ، ولا بِلَيْتَ، ولا لَوَ انِّي تفسير : يريد: "يَا لَهْفَا" فحذف، وهذا يخصُّه بعضهم بالضرورة، ويمنع في السَّعة: "يا غُلامَ" في: يا غُلامَا. وسيأتي في نحو {أية : يٰأَبتِ}تفسير : [يوسف:4] بالفتح: هل ثمَّ ألفٌ محذوفة أم لا؟ وتقدَّم خلاف في نحو: يا ابن أمَّ، ويا ابن عمَّ: هل ثمَّ أَلفٌ محذوفة مجتزأٌ عنها بالفتحةِ أم لا؟ فهذا أيضاً كذلك، ولكن الظَّاهر عدم اقتياسه، وقد خطَّأ النَّحَّاسُ أبا حاتم في حذف هذه الألف، وفيه نظر. قوله: {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} جملةٌ في موضع نصب على الحالِ، وصاحبها هو "ابْنَهُ" والحالُ تأتي من المنادى لأنَّه مفعولٌ به. والمَعْزِل - بكسر الزاي - اسم مكن العزلة، وكذلك اسم الزمان أيضاً، وبالفتح هو المصدر. قال أبو البقاء: "ولمْ أعلم أحداً قرأ بالفتح". قال شهابُ الدِّين: لأنَّ المصدر ليس حاوياً له ولا ظرفه؛ فكيف يقرأ به إلاَّ بمجازٍ بعيد؟. وأصله: من العَزْل، وهو التَّنحية، والإبعاد تقول: كنت بمعزلٍ عن كذا، أي: بموضع قد عُزِل منه، قيل: كان بمعزلٍ عن السفينة، لأنه كان يظنُّ أنَّ الجبل يمنعه من الغرقِ. وقيل: كان بمعزل عن أبيه وإخوته وقومه، وقيل: كان في معزل من الكفار كأنَّه انفرد عنهم فظنَّ نوحٌ أنَّ ذلك محبة لمفارقتهم. فصل اختلفوا في أنه هل كان ابناً له؟ فقيل: كان ابنه حقيقة لنصِّ القرآن، وصرفُ هذا اللفظ إلى أنَّهُ رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السَّبب، صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة، والمخالفُ لهذا الظَّاهر إنَّما خالفهُ استبعاداً لأن يكون ولد الرسول كافراً، وهذا ليس ببعيد؛ فإنَّه قد ثبت بنصِّ القرآن أنَّ والد الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان كافراً، فكذلك ههنا. فإن قيل: لمَّا دَعَا وقال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح:26] فكيف نادى ابنه مع كفره؟. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّهُ كان ينافقُ أباه؛ فظنَّ نوحٌ أنَّهُ مؤمنٌ؛ فلذلك ناداه، ولولا ذلك لما أحب نجاته. الثاني: أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يعلمُ أنه كافرٌ لكن ظنَّ أنه لمَّا شاهد الغرق، والأهوال العظيمة فإنَّهُ يقبل الإيمان، فكان قوله: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} كالدَّلائلِ على أنَّهُ طالبٌ منه الإيمان، وتأكد هذا بقوله: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} أي: تابعهم في الكفر، واركب مع المؤمنين. الثالث: أنَّ شفقة الأبوة لعلَّها حملته على ذلك النداء، والذي تقدَّم من قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} [هود:40] كان كالمجمل، فلعلَّه جوَّز ألاَّ يكون هو داخلاً فيه. وقيل: كان ابن امرأته، ويدلُّ عليه ما تقدَّم من القراءة. وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إنَّ الله - تعالى - حكى عنه أنه قال: {أية : إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي}تفسير : [هود:45] وأنت تقولُ: ما كان ابناً له، فقال: لَمْ يقل: إنَّ ابني منِّي، وإنَّما قال: من أهلي، وهذا يدلُّ على قولي. وقيل: ولد على فراشه، قالوا: لقوله تعالى في امرأة نوح، وامرأة لوط {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم:10]. قال ابن الخطيب: وهذا قول خبيثٌ يجب صون منصب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - عن هذه الفضيحةِ لا سيما وهو على خلاف نصِّ القرآن. وأمَّا قوله تعالى: {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم:10] فليس فيه أنَّ تلك الخيانة كانت بالسَّبب الذي ذكروه. قيل لابن عباس - رضي الله عنه -: كيف كانت تلك الخيانةُ، فقال: كانت امرأة نوح تقول: زَوْجي مجنونٌ، وامرأة لوط تدلُّ الناس على ضيفه، إذا نزلُوا به، ويدلُّ على فسادِ هذا القول قوله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ}تفسير : [النور:26] وقوله: {أية : وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور:3]. قوله: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} قرأ البزيُّ، وقالون، وخلاَّد بإظهار باء "ارْكَب" قبل ميم "مَعَنَا" والباقون بإدغامها في الميم، وقرأ عاصم هنا "يَا بُنَيَّ" بفتح الياء. وأمَّا في غير هذه السُّورة فإنَّ حفصاً عنه فعل ذلك. والباقون: بكسر الياء في جميع القرآن إلا ابن كثير؛ فإنَّهُ في الأول من لقمان، وهو قوله: {أية : يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ}تفسير : [لقمان:13] فإنَّه سكَّنهُ وصْلاً ووقْفاً، وفي الثاني كغيره أنَّهُ يكسر ياءه، وحفص على أصله من فتحه. وفي الثالث وهو قوله: {أية : يٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [لقمان:17] اختلف عنه فروى البزي كحفصٍ، وروى عنه قنبل السُّكون كالأول. هذا ضبط القراءة. وأمَّا تخريجها فمن فتح فقيل: أصلها: "يَا بُنَيَّا" بالألف فحذفت الألفُ تخفيفاً، اجتزأ عنها بالفتحةِ كما تقدَّم. وقيل: بل حذفت لالتقاءِ الساكنين؛ لأنَّهما وقع بعدها راءُ "ارْكَبْ" وهذا تعليلٌ فاسدٌ جدّاً، بدليل سقوطها في سورة لقمان في ثلاثة مواضع حيث لا ساكنان. وكأنَّ هذا المُعلِّل لم يعلمْ بقراءةِ عاصم في غير هذه السورة، ولا بقراءة البزِّي في "لقمان"، وقد نقل ذلك أبو البقاءِ ولمْ ينكرهُ. وكذلك قال الزمخشريُّ أيضاً. وأمَّا من كسر فحذفت الياءُ أيضاً: إمَّا تخفيفاً وهو الصحيحُ، وإما لالتقاء الساكنين، وقد تقدَّم فسادهُ. وأمَّا من سكَّن فلما رأى من الثِّقلِ مع مطلق الحركةِ، ولا شكَّ أنَّ السُّكونَ من أخفِّ الحركاتِ، ولا يقالُ: فلمَ وافق ابنُ كثير غير حفص في ثاني لقمان، ووافق حفصاً في الأخيرة في رواية البزي عنه، وسكَّن الأول؟ لأنَّ ذلك جمع بين اللغات، والمفرِّق آتٍ بمحالٍ. وأصلُ هذه اللفظة بثلاث ياءات: الأولى للتَّصغير، والثانيةُ لامُ الكلمة، وهل هي ياءٌ بطريق الأصالةِ أو مبدلةٌ من واوٍ؟ خلافٌ تقدَّم تحقيقُه أول الكتاب في لام "ابن" ما هي؟ والثالثة ياءُ المتكلِّم مضافٌ إليها، وهي التي طرأ عليها القلبُ ألفاً ثم الحذفُ، أو الحذفُ وهي ياءٌ بحالها. فصل لمَّا حكى عن نوح أنَّه دعا ابنه إلى رُكوبِ السَّفينة حكى عن ابنه أنَّهُ قال: {سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ} سأصير وألتَجِىءُ إلى جبل {يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} يمنعني من الغرقِ، وهذا يدل على أنَّ الابنَ كان مُصِرّاً على الكفر، فعند هذا قال نوحٌ: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي: من عذابِ الله {إِلاَّ مَن رَّحِمَ}. وههنا سؤال: وهو أن الذي رحمه الله معصومٌ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم؟ والجواب من وجوه: الأول: أنَّهُ استثناءٌ منقطع، وذلك أن تجعل "عَاصماً" على حقيقته، و "مَنْ رَحِمَ" هو المعصوم، وفي "رَحِمَ" ضميرٌ مرفوعٌ يعودُ على الله تعالى، ومفعولهُ ضميرُ الموصولِ وهو "مَنْ" حذف لاستكمالِ الشروطِ، والتقديرُ: لا عاصم اليوم ألبتة من أمر الله، لكن من رحمه الله فهو معصوم. الثاني: أن يكون المراد بـ "مَنْ رَحِمَ" هو الباري تعالى كأنه قيل: لا عاصم اليومَ إلاَّ الرَّاحمَ. الثالث: أنَّ عاصماً بمعنى معصُوم، وفاعل قد يجيءُ بمعنى مفعول نحو: {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق:6] أي: مَدْفُوق؛ وأنشدوا: [المتقارب] شعر : 2975- بَطِيءُ القيامِ رَخِيمُ الكَلاَ مِ أمْسَى فُؤادِي بِهِ فَاتِنَا تفسير : أي: مَفْتُوناً، و "مَنْ" مرادٌ بها المعصومُ، والتقدير: لا معصوم اليوم من أمْرِ الله إلاَّ من رحمه الله فإنَّه يُعْصَمُ. الرابع: أن يكون "عاصم" هنا بمعنى النَّسب، أي: ذا عِصْمَة نحو: لابن وتامر، وذو العصمة ينطلق على العاصم وعلى المعصوم، والمراد به هنا المعصوم. وهو على هذه التَّقادير استثناءٌ متصلٌ، وقد جعله الزمخشريُّ متصلآً لمدرك آخر، وهو حذفُ مضافٍ تقديره: لا يعصمك اليوم مُعْتَصمٌ قط من جبلٍ ونحوه سوى مُعْتَصمٍ واحدٍ، وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم، يعني في السفينة. وأمَّا خبرُ "لا" فالأحسنُ أن يجعل محذوفاً، وذلك لأنَّهُ إذا دلَّ عليه دليلٌ؛ وجب حذفه عند تميم، وكثر عند الحجاز، والتقدير: لا عاصم موجودٌ. وجوَّز الحوفيُّ وابنُ عطيَّة أن يكون خبرها هو الظرف وهو اليوم. قال الحوفيُّ: ويجوز أن يكون "اليَوْمَ" خبراً فيتعلَّق بالاستقرار، وبه يتعلق "منْ أمْرِ اللهِ". وقد ردَّ أبو البقاءِ ذلك فقال: فأمَّا خبرُ "لا" فلا يجوزُ أن يكون "اليَوْمَ"؛ لأنَّ ظرف الزَّمان لا يكون خبراً عن الجُثَّة، بل الخبرُ "مِنْ أمْرِ الله" و "اليَوْمَ" معمولُ "مِنْ أمْرِ اللهِ". وأمَّا اليَوْمَ" و "مِنْ أمْرِ الله" فقد تقدَّم أنَّ بعضهم جعل أحدهما خبراً، فيتعلقُ الآخر بالاستقرار الذي يتضمَّنه الواقعُ خبراً، ويجوزُ في "اليَوْمَ" أن يتعلق بنفس "مِنْ أمْرِ الله" لكونه بمعنى الفعل. وجوَّز الحوفيُّ أن يكون "اليَوْمَ" نعتاً لـ "عَاصِمَ" وهو فاسدٌ بما أفسدَ بوقوعه خبراً عن الجُثَّة. وقرىء "إلاَّ مَنْ رُحِمَ" مبنيّاً للمفعول، وهي مقوِّيةٌ لقول من يدعي أنَّ "مَنْ رَحمَ" في قراءةِ العامَّة المرادُ به المرحوم لا الرَّاحم، كما تقدَّم تأويلهُ. ولا يجوزُ أن يكون "اليوْمَ" ولا "مِنْ أمْرِ الله" متعلقين بـ "عَاصم" وكذلك الواحد منهما؛ لأنَّه كان يكون الاسمُ مطوَّلاً، ومتى كان مُطَوَّلاً أعرب، ومتى أعرب نُوِّن، ولا عبرة بخلاف الزجاج حيثُ زعم أنَّ اسم "لا" معربٌ حذف تنوينه تخفيفاً. ثم قال سبحانه وتعالى: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ} فصار {مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}. روي أنَّ الماءَ علا على رؤوس الجبالِ قدر أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر ذراعاً. قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} قيل: هذا مجاز، لأنَّها موات. وقيل: جعل فيها ما تُمَيِّز به. والذي قال إنَّه مجازٌ قال: لو فُتِّشَ كلام العرب والعجم ما وُجِدَ فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة وصفها، واشتمال المعاني فيها. والبلعُ معروفٌ. والفعل منه مكسُورُ العين ومفتوحها: بَلِعَ وبَلَعَ حكاهما الكسائي والفراء. قيل: والفصيحُ "بَلِعَ" بكسر اللام "يَبْلَع" بفتحها. والإقلاعُ: الإمساك، ومنه "أقْلَعَت الحُمَّى". وقيل: أقلع عن الشيء، أي: تركه وهو قريبٌ من الأول. والغَيْضُ: النقصان، يقال: غاض الماءُ يغيضُ غَيَْضاً، ومغاضاً إذا نقص، وغضته أنا. وهذا من باب فَعَلَ الشيءُ وفعلتهُ أنا. ومثله فغر الفَمُ وفغرته، ودلع اللسانُ ودلعتُه، ونَقَصَ الشَّيء ونقَصْتُه، وفعله لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى: {أية : وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ}تفسير : [الرعد:8]، أي: تَنْقُص. وقيل: بل هو هنا مُتعدٍّ وسيأتي، ومن المتعدِّي هذه الآيةُ؛ لأنَّه لا يُبْنَى للمفعول من غير واسطة حرف جر إلاَّ المتعدِّي بنفسه. والجُودِيُّ: جبلٌ بعينه بالموصل، وقيل: بل كلُّ جبلٍ يقال له جُوديٌّ، منه قول عمرو بن نفيل: [البسيط] شعر : 2976- سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ تفسير : قال شهابُ الدين: ولا أدري ما في ذلك من الدَّلالةِ على أنَّهُ عامٌّ في كلِّ جبلٍ. وقرأ الأعمش وابنُ أبي عبلة بتخفيف ياء "الجُودِيْ". قال ابنُ عطيَّة: وهما لغتان: والصَّوابُ أن يقال: خُفِّفَتْ ياءُ النَّسَب، وإن كان يجوزُ ذلك في كلامهم الفَاشِي. قوله "بُعْداً" منصوبٌ على المصدر بفعل مقدَّر، أي: وقيل: ابعدُوا بُعْداً، فهو مصدرٌ بمعنى الدعاء عليهم نحو: جَدْعاً، يقال: بَعِد يَبْعَد بَعَداً إذا هلك، قال: [الطويل] شعر : 2977- يَقُولُونَ لا تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُونَهُ ولا بُعْدَ إلاَّ ما تُوارِي الصَّفَائِحُ تفسير : واللاَّمُ إمَّا أن تتعلق بفعلٍ محذوفٍ، ويكونُ على سبيل البيانِ كما تقدَّم في نحو "سَقْياً لَكَ وَرَعْياً"، وإمَّا أن تتعلق بـ "قيل"، أي: لأجلهم هذا القول. قال الزمخشري: ومجيءُ إخباره على الفعل المبني للمفعول للدَّلالة على الجلال والكبرياء، وأنَّ تلك الأمُور العظام لا تكونُ إلاَّ بفعل فاعلٍ قادرٍ، وتكوين مكوِّنٍ قاهرٍ، وأنَّ فاعل هذه الأفعال واحد لا يشاركُ في أفعاله، فلا يذهبُ الوهمُ إلى أن يقول غيره: يا أرضُ ابلعي ماءك، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل إلاَّ هو، ولا أن تستوي السفينة على الجُوديِّ، وتستقر عليه إلاَّ بتسويته وإقرارهِ، ولما ذكرنا من المعانِي والنُّكَث استفصَح عُلماءُ البيانِ هذه الآية، ورقصُوا لها رُءوسَهُم لا لتجانس الكلمتين وهما قوله: "ابلَعِي وأقلعي"، وذلك وإن كان الكلامُ لا يخول مِنْ حُسْنٍ فهو كغير الملتفتِ إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللُّبُّ وما عداها قشورٌ. فصل في هذه الآية ألفاظٌ كل واحد منها دال على عظمةِ الله - تعالى -. فأولها: قوله: "وقِيلَ" وهذا يدلُّ على أنَّهُ سبحانه في الجلال والعظمة بحيثُ أنَّهُ متى قيل لم ينصرف الفعل إلاَّ إليه، ولم يتوجَّه الفكرُ إلاَّ إلى ذلك الأمر؛ فدلَّ هذا الوجهُ على أنَّهُ تقرر في العقول أنَّهُ لا حاكمَ في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والسفلي إلاَّ هُوَ. وثانيها: قوله: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} فإنَّ الحسَّ يدلُّ على عظمة هذه الأجسامِ، والحقُّ - تعالى - مستولٍ عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد، فصار ذلك سبباً لوقوف القوَّة العقليَّة على كمالِ جلالِ الله - تعالى - وعلوّ قدره وقدرته وهيبته. وثالثها: أَنَّ السَّماء والأرض من الجمادات، فقوله: "يَا أرضُ وَيَا سَمَاءُ" مشعرٌ بحسب الظَّاهر على أنَّ أمره وتكليفه نافِذٌ في الجمادات، وإذا كان كذلك حكم الوهم بأنَّ نفوذ أمره على العقلاء أولى، وليس المرادُ منه أَنَّهُ تعالى يأمرُ الجمادات فإنَّ ذلك باطل، بل المراد أنَّ توجيه صيغة الأمر بحسب الظَّاهر على هذه الجمادات القويَّة الشديدة يقرّر في الوهم قدر عظمته وجلاله تقريراً كاملاً. ورابعها: قوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} ومعناه: أنَّ الَّذي قضى به وقدَّره في الأزل قضاء جزماً فقد وقع، ذلك يدلُّ على أنَّ ما قضى اللهُ - تعالى - به فهو واقعٌ في وقته وأنه لا دافع لقضائه، ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه. فإن قيل: كيف يليق بحكمة الله - تعالى - أن يغرق الأطفال بسبب جُرم الكبار؟. فالجواب من وجهين: الأول: قال أكثر المفسِّرين: إنَّ الله - تعالى - أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلمْ يغرق إلاَّ من بلغ سِنُّهُ أربعين سنة. ولقائل أن يقول: لو كان ذلك لكان آية عجيبة قاهرة ظاهرة، ويبعدُ مع ظهورها استمرارهم على الكفر، وأيضاً فهبْ أنَّ الأمر كما ذكرتم فما قولكم في إهلاكِ الطَّيْرِ والوحش مع أنَّه لا تكليف عليها ألبتَّة. الجوابُ الثاني: أنه لا اعتراض على الله - تعالى - في أفعاله: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}تفسير : [الأنبياء:23] وأجاب المعتزلةُ بأنَّ الإغراقَ في الحيوانات والأطفال كإذنه في ذبْحِ هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة. وقوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: فرغ منه، وهو هلاك القوم. وقوله: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} أي: استوت السَّفينة على جبلٍ بأرضِ الجزيرةِ بقرب الموصل يقال له الجُودي. قيل: استوت يَوْمَ عاشوراء. {وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} قيل: هذا من كلام اللهِ - تعالى - قال لهم ذلك على سبيل اللَّعْنِ والطَّرْدِ. وقيل: من كلام نوح وأصحابه؛ لأنَّ الغالب ممَّن سلم من الأمر الهائل بسبب اجتماعهم مع الظلمةِ فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام. قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: لمَّا عرف نوحٌ - عليه الصلاة والسلام - أنَّ الماءَ قد نضب هبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين بعدد من كان معه من المؤمنين؛ فأصبحوا ذات يومٍ، وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها لغة العربِ، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نُوح - عليه الصلاة والسلام - يعبر عنهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} وذلك حين دعا عليهم نوح عليه السلام {أية : وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} تفسير : [نوح: 26]. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت عليه الآية {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: لما استنقذ الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء كل مؤمن ومؤمنة قال: يا نوح {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} . وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته، يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم، حتى إذا أيس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال: يا بني أنظر هذا الشيخ لا يغرنك. قال: يا أبت أمكني من العصا، ثم أخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض. فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء، قال نوح عليه السلام: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يكن لك في عبادك حاجة فاهدهم، وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين. فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن قال {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} يعني لا تحزن عليهم {واصنع الفلك} [هود: 37] قال: يا رب وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء، فأغرق أهل معصيتي وأطهر أرضي منهم. قال: يا رب وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فلا تبتئس} قال: فلا تحزن. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {أن اصنع الفلك} قال: السفينة {بأعيننا ووحينا} قال: كما نأمرك. وأخرج ابن أَبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واصنع الفلك بأعيننا} قال: بعين الله ووحيه. وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره، ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعلم نوح عليه السلام كيف يصنع الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} يقول: لا تراجعني، تقدم إليه لا يشفع لهم عنده. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: نهى الله نوحاً عليه السلام أن يراجعه بعد ذلك في أحد.
القشيري
تفسير : عرَّفه الحقُّ أنَّه غنيٌّ عن إيمانهم، فكَشَفَ له أحكامَهم، وأَنَّ مَنْ لم يؤمن منهم قد سبق الحكمُ بشقائهم، فعند ذلك دعا عليهم نوحٌ - عليه السلام - بالإهلاك. ويقال لم يدعُ عليهم ما دام للمطمع في إيمانهم مساغٌ، فلما حََصَل العكسُ نطق بالتماس هلاكهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك} اى المصرين على الكفر وهو اقناط له عليه السلام من ايمانهم واعلام لكونه كالمحال الذى لا يصح توقعه {الا من قد آمن} الا من قد وجد منه ما كان يتوقع من ايمانه وقد للتوقع وقد اصابت محزها. وقال المولى ابو السعود رحمه الله هذا الاستثناء على طريقة قوله تعالى {أية : الا ما قد سلف} تفسير : وقد سبق فى اواخر سورة النساء. وقال سعدى المفتى ان قيل من قد آمن لا يحدث الايمان بل يستمر عليه فكيف صح اتصال الاستثناء قلنا قد تقرر ان لدوام الامور المستمرة حكم الابتداء ولهذا لو حلف لا البس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه فى الحال يحنث ومبنى الايمان على العرف. وقال القطب العلامة {الا من قد آمن} قد استعد للايمان وتوقع منه ولا يراد الايمان بالفعل والا لكان التقدير الا من قد آمن فانه يؤمن {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} هو تفتعل من البؤس ومعناه الحزن فى استكانة وهى الخضوع اى لا تحزن حزن بائس مستكين ولا تغتم بما كانوا يتعاطون من التكذيب والايذاء فى هذه المدة الطويلة فقد انتهى افعالهم وحان وقت الانتقام منهم وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : ان نوحا كان اذا جادل قومه ضربوه حتى يغشى عليه فاذا افاق قال اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون" تفسير : انتهى ولما جاء هذا الوحى من عند الله تعالى دعا عليهم فقال {أية : رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا}تفسير : : وفى المثنوى شعر : ناحمولى انبيارا از امردان ورنه حمالست بدرا حلمشان طبع را كشتند اندر حمل بد ناحمولى كركند ازحق بود تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اول ما يتخلق المتخلق بعدم التأذى باذى الانام باحتماله صبرا ووساطته ان لا يجدهم مؤذين لانه موحد فيستوى عنده المسيئ والمحسن فى حقه وخاتمته ان يرى المسيء محسنا اليه فانه عالم بالحقائق متحقق بالتجلى الالهى وهى بداية التحقيق والاشارة فى الآية ان نوح الروح لا يؤمن من قومه الا القلب والسر والبدن وجوارحه فاما النفس فانها لا تؤمن ابدا اللهم الا نفوس الانبياء وخواص الاولياء فانها تسلم احيانا دون الايمان وحال النفوس كاحوال الاعراب كقوله تعالى {أية : قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم} تفسير : فان معدن الايمان القلوب ومظهر الاسلام النفوس لان الاسلام الحقيقى الذى قال تعالى فيه {أية : أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه} تفسير : هو ضوء قد انعكس من مرآة القلب المنور بنور الايمان فاما اسلام الاعراب اذ قال تعالى لهم ولما يدخل الايمان فى قلوبكم لم يكن ضوأ منعكسا من مرآة القلب المنور ولكن هو ضوء منعكس من النور المودع فى كلمة التوحيد والاعمال الصالحة عند اتيانها بالصدق علم ان ايمان الخواص ينزل من الحق تعالى بنظر عنايته على القلوب القابلة للفيض الآلهى بلا واسطة وايمان العوام يدخل فى قلوبهم من طريق الاقرار باللسان والعمل بالاركان {فلا تبتئس} على نفوس السعداء {بما كانوا يفعلون} من اعمال الشر فانها لهم كالجسد للاكسير ينقلب ذهبا مقبولا عند طرح الروح فلذلك تنقلب اعمال الشر خيرا عند طرح التوبة عليها كما قال تعالى {أية : اولئك يبدل الله سيآتهم حسنات} تفسير : {فلا تبتئس} على نفوس الاشقياء {بما كانوا يفعلون} لانها حجة الله على شقاوتهم وبتلك السلاسل يسحبون فى النار على وجوههم كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأوحي إلى نوح انه لم يؤمن من قومك} بعد هذا {إلا من قد آمن} قبل، وكان هذا الوحي بعد ان مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله تعالى: فكان الرجل منهم يأتيه بابنه، ويقول: يا بُني لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عَهد إليَّ أبي وجَدّي. فلما نزل الوحي وأيس من إيمانهم دعا عليهم. وقال له تعالى: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26]. قال له تعالى: {فلا تبْتئسْ}: تحزن وتغتم {بما كانوا يفعلون} من التكذيب والإيذاء، أقنطه أولاً من إيمانهم، ونهاه أن يغتم لأجلهم. ثم أمره بصنع السفينة، فقال: {واصنع الفلكَ بأعيُننا}؛ بحفظنا ورعايتنا، أو بمرأى منا ومسمع غير محتاج إلى آلة حفظ وحرس، {ووحينَا} إليك، كيف تصنعها، رُوي أنه لما جهل صنعها أوحى الله إليه: أن اصنعها على مثال جُؤجؤ الطائر. وروي أيضاً: انها كانت مريعة الشكل، طويلة في السماء، ضيقة الأعلى، وأن المراد منها إنما كان الحفظ، لا سرعة المشي، والأول أرجح: أعني: على صورة ظهر الطائر. قال في الأساس: عملت سفينة نوح عليه السلام من ساج، وهو خشب أسود، رزان، لا تكاد الأرض تبليه، من الهند. هـ. وفي رواية أخرى: صنعها نوح عليه السلام، وجبريل يصف له، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف، وداخلها كالبيت، ولها أبواب في جوانبها. هـ. ثم إن نوحاً عليه السلام لما تحقق هلاك قومه، رق عليهم، فَهَمَّ ان يُراجع الله في شأنهم، فقال له تعالى: {ولا تخاطبني}؛ ولا تراجعني {في الذين ظلموا}، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم؛ {إنهم مُغرقون}: محكوم عليهم بالغرق لا محالة. فلا سبيل إلى كفه. {ويصنعُ الفلكَ}، حكي ما وقع بصيغة الحال؛ استحضاراً لتلك الحال العجيبة، {وكلمَّا مرَّ عليه ملأٌ}: جماعة {من قومه سَخرُوا منه}: استهزؤوا به: لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء. أو أن عزته تنفي صنعته، فكان يضحكون منه، ويقولون له: صرت نجاراً بعد أن كنت نبياً. {قال} لهم: {إنْ تسخروا منا فإنا نسخرُ منكم كما تسخرون}، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق، وفي الآخرة الحرق. {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يُخزيه}، وهو: الغرق، والحرق بعده. {ويَحِلُّ} أي: ينزل {عليه عذاب مقيمٌ}: دائم، وهو النار يوم القيامة. الإشارة: إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه، وأيس منهم أن يتبعوه، فلا يحزن، ولا يغتم منهم، ففي الله غنى عن كل شيء، وليس يُغني عنه شيء. وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه: إن تسخروا منا اليوم، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق، فيرتفع المقربون، وينسفل الباطلون، وكان شيخ أشياخنا سيدي علي العمراني رضي الله عنه كثيراً ما يقول: ليت القيامة قامت، حتى يظهر الرجال من غيرهم. أو ما هذا معناه. ثم ذكر مبدأ الطوفان، فقال: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية انه اوحى إلى نوح، وقال له انه لن يؤمن احد من قومك في المستقبل اكثر من الذين آمنوا، فلا تبتئس أي لا تغتم ولا يلحقك حزن لاجلهم، يقال ابتأس ابتآساً فهو مبتئس، وقد يكون البؤس الفقر والابتآس حزن في الاستكانة انشد ابو عبيدة. شعر : ما يقسم الله أقبل غير مبتئس منه وأقعد كريماً ناعم البال تفسير : واصله البؤس وهو الفقر والمسكنة. ولما اعلم الله نوحاً عليه السلام أن أحداً من قومه لا يؤمن فيما بعد، ولا من نسلهم قال {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً } تفسير : ذكره قتادة وغيره. والعقل لا يدل على أن قوماً لا يؤمنون في المستقبل وإنما طريق ذلك السمع، وقد يغلب في الظن ذلك مع قيام التجويز، ألا ترى انه يغلب في ظنوننا أن الروم مع كثرتهم لا يؤمنون جملة إلا انه ليس يمتنع مع ذلك أن يؤمنوا، لان الله كلفهم الايمان، فلو لم يكن ذلك جائزاً لما كلفهم.
اطفيش
تفسير : {وأوحِىَ إلى نُوحٍ أنَّه لَنْ يُؤمِنَ مِنْ قَومِك إلاَّ مَنْ قَدْ آمنَ} فحينئذ دعا عليهم: {أية : ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً}. تفسير : {فَلا تَبتْئِسْ} الذى يظهر لى أنه تفتعل من البؤس، أى فلا يتأثر فيك بؤسهم فتحزن به، وتتضرر {بمَا كانُوا يفْعلُونَ} من أضرار وكفر، فإنى مهلكهم، وكانوا يضربونه حتى يلقوه فى ثوب، ويلقوه فى بيت أو مزبلة، يظنونه ميتا فيفيق ويخرج من الغد، يدعوهم ويخنقونه، فإذا أفاق قال: "رب اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون" ومضت عنه قرون، كل أنجس مما قبله، يتواصون بتكذيبه [فيقولون]: قد كان مع آبائنا، هذا الشيخ مجنون لا يقبلون منه، وجاء شيخ متكئ على عصاه معه ابنه، فحذر به ابنه، فقال: ناولنيها فناوله فشجه بها شجةٍ منكرة، فأوحى الله إليه {أنه لن يؤمن} الآية.
اطفيش
تفسير : {وَأُوحِىَ إِلىَ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} الإِيمان يتعدد من المؤمن فإِنه كلما فعل أَو قال ما يسمى إِيمانا صح الإِخبار عنه أَنه آمن. فالمعنى أَنه لا يصدر إِيمان من قومك إِلا ممن آمن قبل فإِنه يتجدد إِيمانه، وأَما غيرهم فلا يصدر منه إِيمان ولا يتكرر، وأَما قولك إِلا من استمر أَو استعد على الإِيمان ففيه تأْويل لامن فقط دون قوله لن نؤْمن وأَما جعل الاستثناءِ منقطعاً فلا وجه له أَلبتة، لأَن معناه لكن من آمن فيبقى يؤمن بلا فاعل، وقد صح أَيضاً أَن التفريغ لا يقع فى الانقطاع والداعى إِلى التأْويل أَن من آمن لا يتصور إِيمانه لاستحالة تحصيل الحاصل {فَلاَ تَبْتَئِسْ} لا تكن بائِساً متغيراً بالبأْس، نهاه عن أَن يتأَثر بالبأْس وأَمره بالفاءِ وعدم الاكتراث، وكأَنه قيل لا تحزن بلقاءِ هذا المكروه {بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} من التكذيب والإِيذاء، أَو من فعلهم وهو التكذيب والإِيذاءُ والمضارع للاستمرار، أَو بمعنى الماضى، كانوا يضربونه حتى يشرف على الموت أَو يظنوه ميتا فيلقوه فى المزبلة ويضربونه كذلك ويلقونه فى ثوب ويلقونه فى بيته ويرجع يدعوهم، وبلغوا من الكفر به أَنهم يوصون بالكفر به حتى أَنه يجىءُ الرجل بولده فيقول لا يغرقك هذا فيقول يا أَبى ناولنى العصا فيضربه بها فيشجه وقد يسيل دمه، وقد يضربه ضربة يظهر بها عظم رأَسه كان ذلك فقال يا رب قد ترى ما فعلوا فاهدهم أَو صبرنى إِلى أَن تحكم فيهم، فأَوحى الله تعالى إِليه: لم يبق فى صلب ولا رحم من يؤْمن بك، وأَقنطه من إِيمان من لم يؤْمن وسلاه وبشره بقوله: {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} إِلخ، والأَمر للوجوب على ظاهره وحفظه لنفسه ولمن آمن معه واجب، والقول بأَنه للإِباحة وأَنه لو شاءَ لم يصنعه فينجيه الله ومن معه بما شاءَ كجود الماءِ لهم فى حقهم خاصة، وكجعل سفينة من ماءٍ تجرى فى الماءِ، خطأٌ لا دليل له مع أَن الله تعالى قادر على ذلك كما جعل الماءَ دائِراً كالحائِط بمن آمن ولم يحظر هناك، والفلك السفينة، وأَعيننا بحفظنا عن إِفساد قومه لها وعن الزيغ فى صنعها، أَو بمر أَى منا أَى بعلم منا لا تخفى عنى مصالحك، وذلك أَن العين يكون بها الحفظ والعلم تعالى الله عن صفات الخلق، وعرف الفلك مع أَنه لم يتعارف عندهم لكونه معروفاً عنده بالوحى قبل، كما يناسبه قول بأَعيننا ووحينا، فأَل للعهد فإِنه أَوحى إِليه أَن ينجيه فى شىءٍ بتعليم الله يسميه فلكا، وقيل للجنس إِذ لم يعرف الفلك، ولم يأْمره الله إِلا بصنعه هكذا علمه كيف يصنع، وروى الطبرى والحاكم عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم أَن نوحاً غرس فى آخر عمره شجرة بأَمر الله تعالى فذهبت كل مذهب وقطعها وجعل يعملها سفينة فقالوا له إِنها سفينة فى أَرض بعيدة عن الماءِ، وهذا نص فى أَنهم عرفوا السفينة وأَنها كانت قبل نوح، وقيل أَول من عملها نوح ولا تعرف قبله وعليه الجمهور والله أَعلم بذلك، والباءُ للملابسة، وجمع العين مبالغة فى العلم والحفظ، لأَن الحفظ والمراقبة بلا عين أَبلغ منهما بعين أَو عينين، وفى ذلك استعارة تمثيلية شبه حفظه أَو مراقبته بحراسة الحراس بإِمعان العيون وكمال التيقظ فى حفظ الشىءِ المحروس بحيث لا يظفر قاصده ولا يرام طالبه لكمال بأْسه عن تناول حراسه، وقيل أَعيننا ملائِكتنا تشبيها لهم بالأَعين للحفظ، وقيل أَعيننا رقباؤُنا على سبيل التجريد بأَن جرد من نفسه تعالى رقباءَ، وهو أَن ينزع من الشىءِ آخر مثله فى صفته مبالغة فى كمالها، والصواب منع ذلك فى حق الله سبحانه لخروجه عن الأَدب فى حقه، وإِنما يقتصر على ما ورد مما يجوز ظاهره كعين الله ودمه وليس هذا الوارد تجريدا، وأَما التجريد فى حقه تعالى بقوله: شعر : أَفات بنو مروان ظلما دماؤنا وفى الله إِن لم يعدلوا حكم عدل تفسير : فلعدم فقه قائله أَو يقدر مضاف أَى بدل حكم عدل {ووَحْيِنَا} إِليك كيف تصنعها؟ عن ابن عباس: لم يدر كيف يصنعها، فأَوحى الله إِليه عز وجل أَن يصنعها مثل جؤْجؤَة الطائِر أَى صدره، أَى اصنعه حال كونك أَو كونه محفوظا عن إِفساده أَو عن الزيغ فى عمله وعدم إِتمامه ومتعلماً عمله من وحينا. أَتاه جبريل بعد مقاساة الشدائِد منهم يضربونه حتى يكسر ويلقونه ويأْتيهم من الغد يعظهم ويقول: اللهم اهدهم فإِنهم لا يعلمون، وكانوا يوصون أَولادهم قرنا بعد قرن على مخالفته فكل قرن أَشد عليه من قرن قبله حتى شكا إِلى الله"أية : إِنى دعوت قومى ليلا ونهاراً"تفسير : [نوح: 5] إِلى قوله "أية : رب لا تذر"تفسير : [نوح: 26] إِلخ فقال له إِن ربك يأْمرك أَن تصنع الفلك. فقال: كيف أَصنع ولست نجاراً، فقال: إِن ربك يأْمرك أَن تصنع الفلك بأَعيننا، فأَخذ القدوم وأَخذَ ينجر ولا يخطىءُ، ويروى أَن جبريل يعلمه، ويروى أَن الملائِكة تعلمه وأَن الله عز وجل أَمره أَن يطليها بالقار ولا قار فى الأَرض ففجر الله له عين القار. {وَلاَ تُخَاطِبْنَى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا} من قومك، ظلموا أَنفسهم والمؤمنين وإِياك بالإِشراك وغيره من المعاصى لا تدعنى باستدفاع العذاب عنهم، بالغ فى إِثبات إِهلاكهم كأَنه قيل: لو دعوتنى مع منزلتك عندى فى دفع العذاب لم أَستجب لك كقوله تعالى: "أية : ذرنى ومن خلقت وحيداً"تفسير : [المدثر: 11] إِلخ، وإِلا فهو داع عليهم بالهلاك، وقد يقال لهم علم الله منه رقة البشر تدركه حين يدركهم الهلاك، فيدعو لهم فنهاه عن الدعاءِ كقوله تعالى "أية : ولا تأُخذكم بهما رأْفة"تفسير : [النور: 2] نهاه الله تعالى أَن يخاطبه فيهم ولو لم يتكلم له فى إِنجائِهم بعد إِقناطه من إِيمانهم كما تقول: دعونى أَضربه ولو لم يمنعوك قبل. وقيل المراد بالذين ظلموا زوجه واعلة وابنه كنعان يدعو لهما فنهاه الله عز وجل، وهو قول ضعيف، ووجهه أَن الدعاءَ لهما أَنسب به مع تبادر أَنه دعا لهما أَو أَراد أَن يدعو من قوله تعالى: {ولا تخاطبنى} إِلخ. وظاهر هذا جواز أن يقال خاطبت الله فإِنه إِذا قيل لا تضرب عمرا جاز أَن يقال ضربت عمرا، وكذا فى كل نهى، ونص أَصحابنا على عدم جوازه {إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} اسم مفعول الاستقبال أَو للحال تنزيلا للمستقبل منزلة الحاضر المشاهد أَو الماضى لتحقق الوقوع أَو مضيه بمعنى محكوم عليهم فى الأَزل أَو فى اللوح بالإِغراق ولا يرد قضائِى، وروى أَنه لما قال له اصنع الفلك إِلخ قال يا رب، أَين الماءُ؟ فقال إِنى قادر.
الالوسي
تفسير : {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} إقناط له عليه السلام من إيمانهم وإعلام بأنه لم يبق فيهم من يتوقع إيمانه. أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم، واتفق أن جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال: يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك قال: يا أبت أمكني من العصا فأخذ العصا ثم قال: ضعني على الأرض فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء فقال نوح عليه السلام: رب قد ترى ما يفعل بـي عبادك فإن يك لك في عبادك حاجة فاهدهم وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين فأوحى الله تعالى إليه وآيسه من إيمان قومه وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن وقال سبحانه يا نوح إنه لن يؤمن الخ. والمراد بمن آمن قيل: من استمر على الإيمان وللدوام حكم الحدوث، ولذا لو حلف لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه فلم ينزعه في الحال حنث، وقيل: المراد إلا من قد استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن، وأورد عليه أنه مع بعده / يقتضي أن من القوم من آمن بعد ذلك، وهو ينافي تقنيطه من إيمانهم، وقد يقال: المراد ما هو الظاهر، والاستثناء على حد الاستثناء في قوله تعالى: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 23] على ما قاله غير واحد، فيفيد الكلام الإقناط على أتم وجه وأبلغه أي لن يحدث من قومك إيماناً ويحصله بعد إلا من قد أحدثه وحصله قبل، وذلك مما لا يمكن لما فيه من تحصيل الحاصل وإحداث المحدث، فإحداث الإيمان وتحصيل بعد مما لا يكون أصلاً، وفي «الحواشي الشهابية» لو قيل: إن الاستثناء منقطع وأن المعنى لا يؤمن أحد بعد ذلك غير هؤلاء لكان معنى بليغاً فتدبر، وقرأ أبو البرهسم {وأوحى} مبنياً للفاعل و (إنه) بكسر الهمزة على إضمار القول على مذهب البصريين وعلى إجراء {أوحى} مجرى قال على مذهب الكوفيين، واستدل بالآية من أجاز التكليف بما لا يطاق. {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي لا تلتزم البؤس ولا تحزن بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد حان وقت الانتقام منهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : قالوا يا نوح قد جادلتنا}تفسير : [هود: 32] أي بعد ذلك أوحي إلى نوح ـ عليه السّلام ـ {أنّه لن يؤمن من قومك إلاّ من قد آمن}. واسم (أن) ضمير الشأن دال على أن الجملة بعده أمرهم خطير لأنها تأييس له من إيمان بقية قومه كما دل حرف {لن} المفيد تأبيد النفي في المستقبل، وذلك شديد عليه ولذلك عقب بتسليته بجملة {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} فالفاء لتفريع التسلية على الخبر المحزن. والابتئاس افتعال من البؤس وهو الهم والحزن، أي لا تحزن. ومعنى الافتعال هنا التأثر بالبؤس الذي أحدثه الخبر المذكور. {بما كانوا يفعلون} هو إصرارهم على الكفر واعتراضهم عن النظر في الدعوة إلى وقت أن أوحي إليه هذا. قال الله تعالى حكاية عنه: {أية : فلم يزدهم دعائي إلاّ فِراراً وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً}تفسير : [نوح: 6، 7]. وتأكيد الفعل بـ{قَد} في قوله: {من قَد آمن} للتنصيص على أن المراد من حصل منهم الإيمان يقيناً دون الذين ترددوا.
الواحدي
تفسير : {فلا تبتئس} أَيْ: لا تحزن ولا تغتم. {واصنع الفلك بأعيننا} بمرأى منا، وتأويله: بحفظنا إيَّاك حفظ مَنْ يراك، ويملك دفع السُّوء عنك {ووحينا} وذلك أنَّه لم يعلم صنعة الفلك حتى أوحى الله إليه كيف يصنعها {ولا تخاطبني} لا تراجعني ولا تحاورني {في الذين ظلموا} في إمهالهم وتأخير العذاب عنهم، وقوله: {إن تسخروا منا} أَيْ: لما يرون من صنعه الفلك {فإنا نسخر منكم} ونعجب من غفلتكم عمَّا قد أظلَّكم من العذاب. {فسوف تعلمون مَنْ يأتيه عذابٌ يخزيه} أَيْ: فسوف تعلمون مَنْ أخسر عاقبةً. {حتى إذا جاء أمرنا} بعذابهم وهلاكهم {وفار التنور} بالماء، يعني: تنُّور الخابز، وكان ذلك علامةً لنوح عليه السَّلام، فركب السَّفينة {قلنا احمل فيها} في الفلك {من كلّ زوجين} من كلِّ شيءٍ له زوج {اثنين} ذكراً وأنثى {وأهلك} واحمل أهلك يعني: ولده وعياله {إلاَّ مَنْ سبق عليه القول} يعني: مَنْ كان في علم الله أنَّه يغرق بكفره، وهو امرأته واغلة، وابنه كنعان، {ومَنْ آمن} واحمل مَنْ صدَّقك {وما آمن معه إلاَّ قليل} ثمانون إنساناً. {وقال} نوحٌ لقومه الذين أُمر بحملهم: {اركبوا} يعني: الماء {فيها} في الفلك {بسم الله مجريٰها ومرساها} يريد: تجري باسم الله، وترسي باسم الله، فكان إذا أراد أن تجري السفينة قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسي قال: بسم الله، فَرَسَتْ، أَيْ: ثبتت {إن ربي لغفور} لأصحاب السَّفينة {رحيم} بهم. {وهي تجري بهم في موج} جمع موجةٍ، وهي ما يرتفع من الماء {كالجبال} في العِظَم {ونادى نوح ابنه} كنعان، وكان كافراً {وكان في معزل} من السَّفينة، أَيْ: في ناحيةٍ بعيدة عنها. {قال سآوي إلى جبل} أنضمُّ إلى جبلٍ {يعصمني} يمنعني {من الماء} فلا أغرق، {قال} نوح: {لا عاصم اليوم من أمر الله} لا مانع اليوم من عذاب الله {إلاَّ مَنْ رحم} لكن مَنْ رحم الله فإنَّه معصوم {وحال بينهما} بين ابن نوحٍ وبين الجبل {الموج} ما ارتفع من الماء. {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} اشربي ماءك {ويا سماء أقلعي} أمسكي عن إنزال الماء {وغيض الماء} نقص {وقضي الأمر} أُهلك قوم نوحٍ، وفُرِغ من ذلك {واستوت} السَّفينة {على الجودي} وهو جبل بالجزيرة {وقيل: بعداً} من رحمة الله {للقوم الظالمين} المتَّخذين من دون الله آلهاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وأوحى إلى نوح: أي اعلم بطريق الوحي الذي هو الاعلام السريع الخفي. فلا تبتئس: لا تحزن ولا يشتد بك الحزن فإني منجيك ومهلكهم. الفلك: أي السفينة التي أمرناك بصنعها لحمل المؤمنين عليها. سخروا منه: أي استهزئوا به كقولهم: تحمل هذا الفلك إلى البحر أو تحمل البحر إليه. يخزيه: أي يذله ويهينه. ويحل عليه عذاب مقيم: أي وينزل به عذاب النار يوم القيامة فلا يفارقه. معنى الآيات: عاد السياق بعد الاعتراض بالآية [35] إلى الحديث عن نوح وقومه فقال تعالى {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}. وهذا بعد دعوة دامت قرابة ألف سنة إلا خمسين عاما أي فلم يؤمن بعد اليوم أحد من قومك وعليه فلا تبتئس أي لا تغتم ولا تحزن بسبب ما كانوا يفعلون من الشر والفساد والكفر والمعاصي فإِني منجيك ومن معك من المؤمنين ومهلكهم بالغرق. وقوله تعالى في الآية الثانية [37] {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي وأمرناه أن يصنع الفلك أي السفينة تحت بصرنا وبتوجيهنا وتعليمنا. إذ لم يكن يعرف السفن ولا كيفية صنعها وقوله {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} أي لا تسألني لهم صرف العذاب ولا تشفع لهم في تخفيفه عليهم، لأنا قضينا بإِهلاكهم بالطوفان فهم لا محالة مغرقون قوله تعالى {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} يخبر تعالى عن حال نوح وهو يصنع الفلك بقطع الخشب ونجره وتركيبه وقومه يمرون عليه وكلما مرّ عليه أشراف القوم وعليتهم يسخرون منه كقولهم يا نوح أصبحت نجاراً أو وهل تنقل البحر إليها، أو تنقلها إلى البحر فيرد عليهم نوح عيله السلام بقوله {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} أي منا. فسوف تعلمون أي مستقبلاً من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله ويهينه ويكسر أنف كبريائه، ويحل عليه عذاب مقيم وهو عذاب النار يوم القيامة وهو عذاب دائم لا ينتهي أبداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كراهية الحزن والأسى والأسف على ما يقوم به أهل الباطل والشر والفساد. 2- بيان تاريخ صنع السفن وانها بتعليم الله لنوح عليه السلام. 3- بيان سنة البشر في الاستهزاء والسخرية بأهل الحق ودعاته لظلمة نفوسهم بالكفر والمعاصي. 4- بيان صدق وعد الله رسله.
القطان
تفسير : فلا تبئس: فلا تحزن. الفلك: السفينة. مفرد وجمع. بأعيننا: تحت رعايتنا. وحينا: بارشاد وحينا. في تلك الحال أوحى الله الى نوح أنه لم يؤمن من قومك غير الذين سبق وآمنوا، فلا تحزَنْ على ما كانوا يعملون.. ابنِ السفينةَ تحت رعايتنا وبإرشادِ وحْينا، ولا تشفعْ في الّذين ظلموا.. فهم محكومٌ عليهم بالغرق. وشرع نوح في صنع الفُلك، فكان كلّما مر عليه نفر من قادة الكفر من قومه استهزأوا به، لجَهْلِهم الغرضَ من بناء السفينة، فيقول لهم: ان تهزأوا منا فنحن ايضاً نهزأ منكم، لكنكم سوف تعلمون من منا الّذي سيأتيه عذابٌ يذلّه في الدنيا، ثم يحلّ عليه في الآخرة عذاب دائم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} {تَبْتَئِسْ} (36) - لَمَّا اسْتَعْجَلَ قَوْمُ نُوحٍ عَذَابَ رَبِّهِمْ، وَنَقْمَتَهُ، وَقَالُوا لَهُ ائْتِنا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، دَعَا نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دِيَّاراً. فَأَوْحَى تَعَالَى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ كَانَ آمَنَ مِنْ قَبْلُ، فَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ لِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي السِّنِينَ الخَوَالِي، مِنَ التَّكْذِيبِ وَالعِنَادِ وَالايذاءِ، وَلاَ يَهُمُّكَ أَمْرُهُمْ. فَلاَ تَبْتِئِسْ - فَلاَ تَحْزَنْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومجيء "إلا" هنا ليس للاستثناء، ولكنها اسم بمعنى "غير" أي: لن يؤمن من قومك غير الذي آمن. ولهذا نظير في قمة العقائد حين قال الحق سبحانه: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ..}تفسير : [الأنبياء: 22]. و"إلا" هنا أيضاً بمعنى "غير"، ولو كانت "إلا" بمعنى الاستثناء لعنى ذلك أن الله سبحانه - معاذ الله - سيكون ضمن آلهة آخرين، لذلك لا يصلح هنا أن تكون "إلا" للاستثناء، بل هي بمعنى "غير"، وتفيد معنى الوحدانية لله عَزَّ وجَلَّ وتَفرُّده بالألوهية. والآية التي نتناولها بخواطرنا تؤكد أنه لا يوجد غير من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه، سوف يؤمن؛ فقد ختم الله المسألة. وهذا يعطينا تبريراً لاجتراء نوح - عليه السلام - على الدعاء على الذين لم يؤمنوا من قومه بقوله: {أية : .. رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً}تفسير : [نوح: 26-27]. وكان تبرير ذلك أنه عليه السلام قد دعاهم إلى الإيمان زماناً طويلاً فلم يستجيبوا، وأوحى له الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، وقال له سبحانه: {.. فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [هود: 36]. والابتئاس هو الحزن المحبط، وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1195- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}: [الآية: 36]، قال: لا تبتئس ولاَ تَحْزَن. 1197- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ}تفسير : : [غافر: 51]، قال: {ٱلأَشْهَادُ}: الخلائق أو قال: الملائكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):