١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن قوله تعالى: { أية : إِنَّهُ لَن يُؤْمِنَ قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } تفسير : [هود:36] يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة. لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر. فإن قيل: قوله تعالى: { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } أمر إيجاب أو أمر إباحة. قلنا: الأظهر أنه أمر إيجاب، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً ليسكنها ويقيم بها. أما قوله: {بِأَعْيُنِنَا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة. وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى: { أية : وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِى } تفسير : [طه:39] وثانيها: أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين، كما يقال: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل. وثالثها: أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزهاً عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وهو من وجوه: الأول: أن معنى {بِأَعْيُنِنَا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصاً عن أحواله ولا تحول عنه عينه. الثاني: أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه، فلما كان وضع العين على الشيء سبباً لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل. والثاني: أن يكون عالماً بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه، وقوله: {وَوَحْيِنَا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب. وأما قوله: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون} ففيه وجوه: الأول: يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] الثاني: {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى } في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعاً، الثالث: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان.
المحلي و السيوطي
تفسير : { وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ } السفينة {بِأَعْيُنِنَا } بمرأى منا وحفظنا {وَوَحْيِنَا } أمرنا {وَلاَ تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } كفروا بترك إهلاكهم {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِأَعْيُنِنَا} بحيث نراك فعبّر عن الرؤية بالأعين لأنها بها تكون، أو بحفظنا إياك حفظ من يراك، أو أعين أوليائنا من الملائكة. {وَوَحْيِنَا} أمْرُنا بصنعتها، أو بتعليمنا لك صنعتها.
النسفي
تفسير : {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } هو في موضع الحال أي اصنعها محفوظاً وحقيقته ملتبساً بأعيننا كأن لله معه أعينا تكلؤه من أن يزيغ في صنعته عن الصواب {وَوَحينَا} وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع. عن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطير {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } محكوم عليهم بالإغراق وقد قضى به وجف القلم فلا سبيل إلى كفه {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } حكاية حال ماضية {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } من عمله السفينة وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له يا نوح صرت بحاراً بعدما كنت نبياً {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } عند رؤية الهلاك {كَمَا تَسْخَرُونَ } منا عند رؤية الفلك. روي أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين وكان طولها ثلثمائة ذراع أو ألفاً ومائتي ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، أو ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله حاجزاً بين الرجال والنساء {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ } «من» في محل النصب بـ «تعلمون» أي فسوف تعلمون الذي يأتيه {عَذَابٌ يُخْزِيهِ } ويعني به إياهم ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } وينزل عليه {عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهو عذاب الآخرة .
الخازن
تفسير : {واصنع الفلك} يعني السفينة والفلك لفظ يطلق على الواحد والجمع {بأعيننا} قال ابن عباس بمرأى منا وقيل بعلمنا وقيل بحفظنا {ووحينا} يعني بأمرنا {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} يعني بالطوفان والمعنى ولا تخاطبني في إمهال الكفار فإني قد حكمت بإغراقهم وقيل ولا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم وقيل إن جبريل أتى نوحاً فقال له إن ربك يأمرك أن تصنع الفلك فقال كيف أصنعها ولست نجاراً فقال إن ربك يقول اصنع فإنك بأعيننا فأخذ القدوم وجعل ينجر ولا يخطئ فصنعها مثل جؤجؤ الطير وهو قوله سبحانه وتعالى: {ويصنع الفلك} يعني كما أمره الله سبحانه وتعالى قال أهل السير لما أمر الله سبحانه وتعالى نوحاً بعمل السفينة أقبل على عملها ولها عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ القار وكل ما يحتاج إليه في عمل الفلك وجعل قومه يمرون وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح قد صرت نجاراً بعد النبوة وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهم ولد قال البغوي وزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه وأن يجعل طوله ثمانين ذراعاً وعرضه خمسين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثين ذراعا والذراع إلى المنكب وأن يجعله ثلاث طباق سفلى ووسطى وعليا وأن يجعل فيه كوى فصنعه نوح كما أمره الله سبحانه وتعالى وقال ابن عباس اتخذ نوح السفينة في سنتين فكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون فجعل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام وركب هو ومن معه في البطن الأعلى وجعل معه ما يحتاج إليه من الزاد وغيره قال قتادة وكان بابها في عرضها، وروي عن الحسن: أنه كان طولها ألف ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع والقول الأول أشهر وهو أن طولها ثلثمائة ذراع وقال زيد بن أسلم: مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها ومائة سنة يصنع الفلك، وقال كعب الأحبار: عمل نوح عليه السلام السفينة في ثلاثين سنة وروي أنها ثلاثة أطباق الطبقة السفلى للدواب، والوحوش والطبقة الوسطى للإنس والطبقة العليا للطير فلما كثرت رواث الدواب أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ومسح على الخنزير فوقع منه الفأر فأقبلوا على الروث فأكلوه فلما أفسد الفأر في السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها أوحى الله سبحانه وتعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة وهي القطة والقط فأقبلا على الفأر فأكلاه. قوله سبحانه وتعالى: {وكلما مر عليه ملأ من قومه} أي جماعة من قومه {سخروا منه} يعني استهزؤوا به وذلك أنهم قالوا إن هذا الذي كان يزعم أنه نبي قد صار نجاراً وقيل قالوا يا نوح ماذا تصنع قال أصنع بيتاً يمشي على الماء فضحكوا منه {قال} يعني نوحاً لقومه {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} يعني إن تستجهلونا في صنعنا فإنا نستجهلكم لتعرضكم لما يوجب سخط الله وعذابه، فإن قلت السخرية لا تليق بمنصب النبوة فكيف قال نوح عليه السلام إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. قلت إنما سمي هذا الفعل سخرية على سبيل الازدوج في مشاكلة الكلام كما في قوله سبحانه وتعالى:{أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : [الشورىٰ: 40] والمعنى إنا نرى غب سخريتكم بنا إذا نزل بكم العذاب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [الآية: 37]. قال السقطى: عن نفسك تدبيرك، واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك ومشاهدة أحد من الخلق. قال بعضهم: اصنع الفلك ولا تعتمد عليه، فإنك بأعيننا رعاية وكلأة، فإن اعتمدت على الفلك وُكِلت إليه وسقطت عن أعيننا. قوله تعالى: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [الآية: 37]. قال ذو النون: إن كنت قد ابتدأت فى الأزل بشىءٍ من العناية فقد نجوت، وإلا فإن الدعاء لا ينفع الغرقى.
القشيري
تفسير : أي قُمْ - بشرط العبودية - بصنع السفينة بأمرنا، وتحقق بشهودنا، وأنَّك بمرأىً منا. ومَنْ عَلِمَ اطلاَعه عليه لم يلاحِظْ نَفْسَه ولا غيرَه، لا سيما وقد تحقق بأنَّ المُجْرِي هو سبحانه. وقال له: راعِ حَدَّ الأدَبِ، فما لم يكن لك إذْنٌ منا في الشفاعة لأحدٍ فلا تُخاطِبْنا فيهم. ويقال سبق لهم الحكمُ بالغَرَقِ - وأمواج بحر التقدير تتلاطم - فكلٌّ في بحار القدرة مُغْرَقُون إلا من أهَّلَه الحقُّ بِحُكْمِه فَحَمَلَه في سفينة العناية. ويقال كان قومُ نوحٍ من الغَرْقَى في بحار القَطْرِة، ومِنْ قبلُ كانوا غرقى في بحار القدرة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} فى هذه الكلمة اشارة عين الجمع وذلك استعارة عين الربوبية من عيون الازلية ليصبر بها حقائق الصنوع فى علم الله فيصنع الفلك بمنقوشه على نقش خاتم علم ملك الازل اى اصنع الفلك بعينى كما كنت اردت وجود السفينة فى الازل وذكر الاعين وهذا اشارة الى عيون الصفات التى معادن انوارها حقائق الذات اى لتنصف عينك فى صناعة الفلك باعين الصفائية لترى بها ما اردنا من هيئتها وتركيبها وذلك موجود فى كلامه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حيث حكى عن الله سبحانه بقوله فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع وبصره الذي يبصره الحديث وايضا فيه تقاضا جريان العبودية فى مشاهدة الربوبية كقوله عليه السلام ان تعبد الله كانك تراه وايضا اى كن فى عيون رعايتنا وحفظنا ولا تكن فى رؤية عملك والاعتماد فان من نظر الى غيرى احتجب بغيرى عنى قال بعضهم اسقط عن نفسك تدبيرك واصنع ما انت صانع من افعال على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك ومشاهدة احد من الخلق وقال بعضهم اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فانك باعيننا رعاية وكلاية فان اعتمدت على الفلك وكلت اليه وسقطت عن اعيننا قوله تعالى {تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} ان الله سبحانه ادب نبيه نوحا عليه السلام ههنا عرفه سابق العلم فى غرقهم وهلاكهم ليعرف طريق الدعاء ومكانه وعرفه انه سبق بالدعاء عليهم وقيل ذلك ولم يقبل ههنا لان دعاء الاول موافق القدر والعارف المجاب اذا دعا على احد بعد ذلك الا ترى الى قول ذى النون عليه السلام حيث دعا على اهل سعايته كيف كانوا يفرقون فقال بعد ذلك الهى تبت ان لا ادعوا على احد من عبادك بعد ذلك وفيه وصف رقة قلب نبيه عليه السلام عليهم بعد احتمال جفونهم واذيتهم وهكذا يكون شان الصادقين قال ذو النون ان كنت قد ايدت فى الازل بشئ من العناية فقد نجوت والا فان النداء والدعاء لا ينقد الغر فى قوله تعالى {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} هذه الاية وافق قوله تعالى ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا انهم مغرقون لان سوابق السعادة والشقاوة لا يتغير بصنائع الحدثان ولا يزال هما على وصفهما الى الابد كما كانا فى الازل قال بعضهم بالسبق قيل العواقب فمن اجرى له فى السبق السعادة كانت عاقبته السعادة ومن اجرى له فى السبق الشقاوة كتب له بالشقاوة والسنة الانبياء والاولياء قاصرة عن سوال مخالفة ما جرى فى الازل لانه حكم القاهرية سلطان الجبارية.
اسماعيل حقي
تفسير : {واصنع الفلك} [جون فائده دعوت ازايشان منقطع كشته زمان نزول عذاب دررسيد حكم شد كه اى نوح ميان اجتهاد دربندوبساز كستى را] والامر للوجوب اذ لا سبيل الى صيانة الروح من الغرق الا به فيجب كوجوبها. واللام اما للعهد بان يحمل على ان هذا مسبوق بالوحى اليه انه سيهلككم بالغرق وينجيه ومن معه بشئ سيصنعه بامره تعالى ووحيه من شانه كيت وكيت واسمه كذا واما للجنس والصنعة بالفارسية [كاركردن] والمراد ههنا نجر الخشب اى نحته ليتحصل منه صورة السفينة {باعيننا} العين ليست من الآلات التى يستعان بها على مباشرة العمل بل هى سبب لحفظ الشيء فعبر عنه مجازا وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة والكثرة اسباب الحفظ والرعاية فالاعين فى معنى محفوظا على انه حال من فاعل اصنع اى اصنعه محفوظا من ان يمنعك احد من اعدائك عن ذلك العمل واتمامه ومن ان تزيغ فى صنعته عن الصواب. وقال الكاشفى [باعيننا بنكاه داشتن ما يا با عين ملائكة كه مدد كار وموكل تواند] يقول الفقير الاول انسب لما فى سورة الطور من قوله تعالى {أية : واصبر لحكم ربك فانك باعيننا} تفسير : اى فى حفظنا وحمايتنا بحيث نراقبك ونكلؤك واتحاد القضية ليس بشرط {ووحينا} اليك كيف نصنعها وتعليمنا والهامنا اى موحى اليك كيفية صنعتها. قال ابن عباس رضى الله عنهما لم يعلم كيف صنعة الفلك فاوحى الله اليه ان يصنعها مثل جؤجؤ الطائر بالفارسية [جون سينه مرغ وبراو] فاخذ القدوم وجعل يضرب ولا يخطئ [ود اخبار آمده كه نوح عليه السلام جوب كشتى بطلبيد فرمان برسيد تادرخت ساج بكاشت ودرمدت بيست سال كه درخت برسيد مطلقا هيج فرزند متولد نشد تا اطفال قوم بالغ شدند وايشان نيز متابعت آبا كرده از قبول دعوت نوح ابا كردند بس نوح بساختن كشتى اشتغال فرمود] ونحتها في سنتين واستأجر اجراء ينحتون معه وقيل فى اربعمائة سنة ومن الغرائب ما فى الحيوان من ان اول من اتخذ الكلب للحراسة نوح عليه السلام قال يا رب امرتنى ان اصنع الفلك وانا فى صناعته اصنع اياما فيجيئون بالليل فيفسدون كل ما عملت فمتى يلتئم لى ما امرتنى به قد طال علىّ امرى فاوحى الله تعالى اليه يا نوح اتخذ كلبا يحرسك فاتخذ نوح كلبا وكان يعمل بالنهار وينام بالليل فاذا جاء قومه ليفسدوا بالليل ينبحهم الكلب فينتبه نوح عليه السلام فيأخذ الهراوة ويثب اليهم فينهزمون منه فالتأم ما اراد وفعل السفينة برشاد: وفى المثنوى شعر : قابل تعليم وفهمست اين خرد ليك صاحب وحى تعليمش دهد جملة حرفتها يقين از وحى بود اول او ليك عقل آنرا فزود هيج حرفت را ببين كين عقل ما ماند او آموختن بى اوستا كرجه اندر فكرموى اشكاف بد هيج بيشه رام بى اوستا نشد تفسير : وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع والذراع الى المنكب وعرضها خمسين ذراعا وسمكها اى رتفاعها فى الهواء ثلاثين ذراعا وبابها فى عرضها او كان طولها الفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع كما قيل ان الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها فانطلق بهم حتى انتهى الى كثيب من تراب فاخذ كفا من ذلك التراب فقال أتدرون من هذا قالوا الله ورسوله اعلم قال هذا كعب بن حام فضرب بعصاه وقال قم باذن الله فاذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى أهكذا هلكت قال لا مت وانا شاب ولكنى ظننت انها الساعة ضمن ثم شبت فقال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها الفا ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات طبقة للدواب والوحش وطبقة للاتس وطبقة للطير ثم قال عد باذن الله تعالى كما كنت فعاد ترابا. قال فى الكواشى وطلاها بالقار فلما اتمها انطقها الله فقالت لا اله الا الله فى الاولين والآخرين انا السفينة التى من ركبنى نجا ومن تخلف عنى هلك ولا يدخلنى الا اهل الايمان والاخلاص فقال قومه يا نوح هذا قليل من سحرك {ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا} اى لا تراجعنى فيهم ولا تدعنى فى استدفاع العذاب عنهم. وفى وضع المظهر موضع المضمر تسجيل عليهم بالظلم ودلالة على انه انما نهى عن الدعاء لهم بالنجاة لتصميمهم على الظلم وان العذاب انما لحقهم لذلك {انهم مغرقون} محكوم عليهم بالاغراق قد مضى به القضاء وجف القلم فلا سبيل الى كفه ولزمتهم الحجة فلا يبق الا ان يجعلوا عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين. ويقال للذين ظلموا يعنى ابنه كنعان كما فى تفسير ابى الليث وزاد فى التبيان امرأته والعة او واعلة بالعين المهملة وهى ام كنعان. يقول الفقير لعله هو الاصوب لانه روى ان الارض صاحت وقالت يا رب ما احلمك على هؤلاء الكفرة يمشون على ظهرى ويأكلون رزقك ويعبدون غيرك ثم نطقت السباع كذلك فلما اشتد الامر وعلم نوح انه لا يؤمن من قومه احد بعد دعا عليهم بالهلاك فكيف يخاطب الله فيهم وفى نجاتهم. واما كنعان وامه فهما وان كانا كافرين لكن لا يسوى بينهما وبينهم من حيث ان الشفقة على الاهل والاولاد اشد وكان من شأنه المخاطبة فى حقهم ولذلك نهى عنها وسيجيء زيادة البيان فى ذلك. قال فى التأويلات النجمية {ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا} اى النفوس فان الظلم من شيمتها انه كان ظلوما جهولا لانها تضع الاشياء فى غير موضعها تضع عبادة الحق فى هواها والدنيا وشهواتها وفى هذا الخطاب حسم مادة الطمع عن ايمان النفوس وفيه حكم يطول شرحها منها ترقى اهل الكمالات لى الابد فافهم جدا وان النفس مكمن مكر الحق حتى لا تأمن منها ومن صفاتها انهم مغرقون فى طوفان الفتن الا من سلمه الله منه والسلامة فى ركوب سفينة الشريعة فان نوح الروح ان لم يركبها كان من المغرقين انتهى. وفى الحديث "حديث : مثلى ومثل امتى كمثل سفينة نوح من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها غرق"تفسير : : وفى المثنوى شعر : بهر اين فرمود بيغمبر كه من همجو كشتى ام بطوفان زمن ماواصحابيم جون كشتئ نوح هركه دست اندر زند يابد فتوح جونكه باشيخى تودور از زشتئ روز وشب سيارى ودر كشتئ مكسل از بيغمبر ايام خويش تكيه كم كن برفن وبركام خويش كرجه شيرى جون روى ره بى دليل خويش روبه در ضلالى وذليل
الطوسي
تفسير : في هذه الآية اخبار من الله تعالى عما أمر به - عزّ وجلّ - نوحاً عليه السلام حين أيأسه من ايمان قومه فيما بعد، وأنه مهلكهم بالطوفان. بأن يتخذ الفلك ويصنعها، والصنع جعل الشيء موجوداً بعد أن كان معدوماً، ومثله الفعل، وينفصلان من الحدوث من حيث أن الصنعة تقتضي صانعاً، والفعل يقتضي فاعلا من حيث اللفظ، وليس كذلك الحدوث؛ لأنه يفيد تجدد الوجود لا غير. والصناعة الحرفة التي يكتسب بها، والفلك السفينة، ويكون ذلك واحداً وجمعاً، كما قيل في أُسد وأَسد قالوا: في فلك وفلك، لأن (فعلا وفعلا) جمعهما واحد، ويأتيان بمعنى واحد كثيراً يقال عجم وعجم، وعرب وعرب، ومثله فلك وفلك. والفلك والفلكة يقال لكل شيء مستدير أو شيء فيه استدارة، وتفلك ثدي المرأة إذا استدار، ومنه الفلك. وقوله {بأعيننا} معناه بحيث نراها وكأنها ترى بأعين على طريق المبالغة، والمعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك. وقال الجبائي بأعين أوليائنا من الملائكة الذين يعلمونك كيفية عملها، والموكلين بك. وقيل: معناه بعلمنا. وقوله {ووحينا} اي على ما أوحينا اليك من صفتها وحالها. قال ابن عباس: امره الله تعالى ان يبنيها على هيئة جؤجؤ الطائر. ويجوز أن يكون المراد بوحينا اليك أن اصنعها. وقوله {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} نهي لنوح عليه السلام أن يراجع الله تعالى ويخاطبه ويسأله في امرهم بأن يمهلهم، ويؤخر إهلاكهم، لانه حكم بأهلاكهم وأخبر بأنه سيغرقهم، فلا يكون الأمر بخلاف ما أخبر به. ويجوز الامر بما علم أنه لا يكون، ولا يجوز أن يدعو بما يعلم أنه لا يكون، لأن في ذلك إيهاماً بأنه لا يرضى باختياره، وليس كذلك الأمر، لانه يتناول من يجوز عليه هذا المعنى. وكسر {إنهم} على الابتداء.
الجنابذي
تفسير : {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} اى بمحضرنا وفى مرآنا يقال: افعله فى محضرى لامرٍ يكون به اهتمام، وجمع الاعين لكون المضاف اليه متكلّماً مع الغير او الاعين جمع العين بمعنى الدّيد بان والباء بمعنى فى او للسّببيّة، ولمّا كان النّبىّ (ص) ذا شأنين وحين الاشتغال بالشّأن الخلقىّ لا يبقى له الحضور التّامّ كما انّه حين الاشتغال بالشّأن الآلهىّ لا يبقى له الالتفات الى الكثرات لطروّ الغشى او شبه الغشى عليه ويكون موصوفاً بالحضور حينئذٍ امره بالقيام فى مقام الحضور وعدم الاشتغال بالكثرات حين نجرّ السّفينة {وَوَحْيِنَا} تعليمنا بواسطة الملك او من لدنّا {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ} كأنّه (ع) من غاية رحمته كان يراجع الله تعالى فى دفع العذاب عن قومه بعد ما اخبره بنزول العذاب وهكذا كان شأن اكثر الانبياء (ع) خصوصاً او لو العزم منهم {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} محكوم عليهم بالاغراق حتماً.
الأعقم
تفسير : {واصنع الفلك بأعيننا} أي بعلمنا، وقيل: بحفظنا، وروي أن نوحاً (عليه السلام) اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم وجعله مفترضاً بين الرجال والنساء، وعن الحسن: كان طولها ألفا ومئتي ذراع وعرضها ستمئة ذراع، وروي أن الحواريين قالوا لعيسى (عليه السلام): لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب بن حام، فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا متُّ وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف وعرضها ستمئة ذراع وكانت ثلاث طبقات فقال له: عد بإذن الله كما كنت، فعاد تراباً روى ذلك جار الله (رضي الله عنه) {حتى إذا جاء أمرنا}، قيل: عذابنا، وقيل: أمرنا بإهلاك قومه {وفار التنور} نبع الماء منه، قيل: نبع الماء من موضع لا يعهد خروجه منه علامة لنوح وهو تنور الخبز عن ابن عباس، وقيل: انفجر الماء من وجه الأرض، وقيل: فار التنور طلع الفجر ونور الصبح عن علي (عليه السلام)، وروي أن التنور كان لآدم (عليه السلام)، وقيل: تنور لنوح (عليه السلام) وهو تنور الخبز، لأن عليه أكثر أهل التفسير فاسلك فيها {من كل زوجين اثنين} يعني ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوان {وأهلك} أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم واستثنى من أهله {من سبق عليه القول} إنه من أهل النار قال الضحاك: أراد ابنه وإمرأته {وما آمن معه إلاَّ قليل} روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال "حديث : كانوا ثمانية نوح وأهله امرأته المسلمة وبنوه الثلاثة ونساؤهم"تفسير : ، وقيل: كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نساء، وقيل: كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأة وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} والباء في بسم الله باء الحال كما تقول خرج بسلاحه أي متسلحاً ومثله دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به فيصير تقديره اركبوا متبركين باسم الله، وقيل: إنه كان اذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت، وإذا أراد أن يرسي قال: بسم الله فرست، وإن نوحاً أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها باسم الله وبأمره وقدرته {وهي تجري بهم} أي تجري وهم فيها {في موج كالجبال} يريد موج الطوفان فإن شبه كل موجة منه كالجبل في تراكمها وارتفاعها {ونادى نوح ابنه}، قيل: كان اسمه كنعان بن نوح، وقيل: يام {وكان في معزل}، والمعزل: مفعول من عزله عنه إذا نحّاه وأبعده يعني وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه، وقيل: كان في معزل عن دين أبيه {يا بني اركب معنا} ومتى قيل: كيف دعاه وهو كافر وقد نهى عن ركوب الكفار، قيل: كان ينافق أباه، وقيل: دعاه بشرط الايمان {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} أي يمنعني {قال لا عاصم اليوم من أمر الله} أي لا مانع من أمر الله وهو الغرق {إلاَّ من رحم} ورحمة الله تعالى يوجبها للمؤمنين.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي: بأمرنا { وَوَحْيِنَا} أي: وبوحينا فعملها على مثل جؤجؤ الطير. قال بعضهم: رأسها مثل رأس الحمامة، وذنبها مثل ذنب الديك. قوله: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ}، أي: ولا تراجعني في الذين ظلموا أنفسهم بشركهم { إِنَّهُم مَّغْرَقُونَ}. قال: { وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} أي: إن نوحاً عمل الفلك بيده، فكان يمر عليه الملأ من قومه، فيقولون له استهزاءً به: يا نوح، بينما تزعم أنك رسول رب العالمين إذ صرت نجّاراً. { قَالَ} لهم: { إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}. وكان الرجل من قومه يأخذ بيد ابنه فيذهب به إلى نوح فيقول: يا بُنَيّ، لا تطع هذا، فإن أبى قد ذهب بي إليه، وأنا مثلك، فقال لي: لا تطع هذا. قوله: {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يعني عذاب الدنيا، أي: الغرق. قال: { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي: دائم في الآخرة. وهي تقرأ على وجهين: يحِل ويحُل؛ فمن قرأها: ويحل، أي: يجب. ومن قرأها: ويحُل: أي وينزل به. قوله: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ } والتنور في تفسير الحسن: الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ ففار منه الماء، والسفينة على الأرض. [فكان ذلك علامة لإِهلاك القوم]. وقال بعضهم: التنور عين ماء كانت بالجزيرة يقال لها التنور. وبعضهم يقول: كان التنور في أقصى داره. وقال بعضهم: كان التنور أعلى الأرض وأشرفها. وقال مجاهد: {وَفَارَ التَّنُّورُ} حين ينبجس الماء منه. فأوحى الله إليه إذا فار التنور أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، وهو قوله: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل صنف اثنين. والزوج هو الواحد، والزوجان اثنان. وقال مجاهد: ذكر وأنثى من كل صنف. فحمل فيها من جميع ما خلق الله من البهائم والهوام والسباع والدواب، دوابّ البر والبحر والطير والشجر. وشكوا إلى نوح في السفينة الزبل، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى نوح أن يمسح بيده على ذنب الفيل، ففعل؛ فخرج منه خنزيران كانا يأكلان الزبل. وشكوا إليه الفار، فأوحى الله إلى الأسد، أي ألقى في قلبه، مثل قوله تعالى: (أية : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) تفسير : [النحل:68]، فعطس الأسد فخرج من منخريه سنّوْران فكانا يأكلان الفار. وشكوا إلى نوح عرامة الأسد، فدعا عليه نوح فسلط الله عليه الحمى، فقال له نوح: "إزناتاعت لسري" وهي بالسريانية. فقال له نوح: أيها الأسد: أتريد لحماً؟ فأومأ الأسد: لا. قوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ} أي: الغضب، وهو ابنه الذي غرق، وقال الحسن: {مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ} أي: كل من غرق يومئذٍ. وقال الحسن: وأهلك إلا من سبق عليه القول: {وَمَنْ ءَامَنَ} يقول: احمل أهلك ومن آمن. وهم الذين كانوا في السفينة، هم أهله، وهم الذين آمنوا إلا من سبق عليه القول. قال: { وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. قال بعضهم: لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنين له: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. ذكروا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : سام أبو العرب، وحام أبو الروم، ويافث أبو الحبش تفسير : قال الحسن: وكان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، مطبِّقَة تسير ما بين الماءين، بين ماء السماء وماء الأرض. وقال بعضهم: كان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً، وبابها في عرضها. وإنما استقلَّت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت بهم في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهراً، وأهبطوا إلى الأرض في عشر خلون من المحرم. قال: وذكر لنا أن نوحاً عليه السلام بعث الغراب لينظر إلى الماء، فوجد جيفة، فوقع عليها، فبعث الحمامة فأتته بورقة زيتون، فأعطيت الطوق الذي في عنقها، وخضاب رجليها. وأن السفينة لما مرّت بالبيت طافت به أسبوعاً. قال: وكان للسفينة ثلاثة أبواب، باب للسباع والطير، وباب للبهائم، وباب للناس. وفصل بين الرجال والنساء بجسد آدم عليه السلام، حمله معه نوح. وكان إبليس على الكوثل، وهو ذنب السفينة. فعرض عليه نوح التوبة، فقال إبليس: كيف أصنع؟ قال تسجد لجسد آدم، أي: بالوحي قال: ما سجدت له حياً فكيف أسجد له ميتاً.
اطفيش
تفسير : {واصْنَع الفُلْك بأعْيُننا} بمرأى وحضرة وعلم منا، وذلك كناية عن الحفظ العظيم على طريق التمثيل، فإن مراعاة الشئ عن الاختلال وحفظه عمن أراده بسوء إما يكونان فى الجملة بعين الوجه، تعالى الله عن ذلك، ولو كان ذلك ليس على حقيقة جمع العين، وهو مبالغة، ويصح أن يكون المراد بالأعين الملائكة الذين جعلهم الله رقباء على حفظه، وعلى كل حال، فإن الله حفظه عن أن يزيغ فى صنعته، وأن يمنعه أحد عنها. {وَوَحْيِنَا} أى أمرنا ووحْينا إليك بكيفية صنعها، قال ابن عباس: لم يعلم كيف صنعتها، فأوحى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر، وعن بعض أن رأسها مثل رأس الحمامة، وذنبها مثل ذنب الديك. قال فى عرائس القرآن: أقنطه الله من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق فى أصلاب الرجال، ولا فى أرحام النساء مؤمن، وأمره [أن] يصنع الفلك. قال: رب وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجرى على الماء، حتى أغرق أهل معصيتى، وأريح أرضى منهم. قال: يا رب أين الماء؟ قال: يا نوح إنى على ما أشاء قدير. قال: رب أين الشجر؟ فأمره بغرس الشجر فغرسه، فأتى على ذلك أربعين عاما، فكف فى تلك المدة عن الدعوة، وأعقم الله تعالى أرحام نسائهم، ولما أدرك الشجر أمره بقطعه فقطعه وجففه ولفقه. فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاث صور: رأسه كرأس الديك، وجوفه كجوف الطير، وذنبه كذنب الديك مائلا، واجعله ثلاث طبقات، واجعل له أبوابا فى عرضه، واجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه خمسين، وطولها فى السماء ثلاثين، والذراع إلى المنكب، هذا قول أهل الكتاب ثم بعث الله جبريل يعلمه ا هـ. وكتب على كل مسمار اسم نبى، فعدد مساميرها كعدد الأنبياء، وقيل: إنه أمر عوجا أن يأتيه بالخشب، فأتاه بها من الشام. وقال زيد بن أسلم: مكث نوح مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة سنة يصنع الفلك. وقال كعب: عمله فى ثلاثين سنة، وعن الحسن طولها ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وعن ابن عباس: اتخذها فى سنتين، وطولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها فى السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج. وروى أنه عملها فى دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان، زعم أهل الكتاب أن الله أمره أن يصنعها منه. وقيل: قال لجبريل: كيف أصنعها ولست نجارا؟ قال: فإن ربك يأمرك بصنعها، فأخذ القادوم فجعل ينجر فلا يخطئ، وعن الضحاك، عن ابن عباس: طولها ستمائة وستون ذراعا، وعرضها ثلاثمائة وثلاثون ذراعا، وطولها فى السماء ثلاثة وثلاثون ذراعا، وطلاها بالقار ظاهرا وباطنا، قيل: فجَّر الله عين القار حيث يضعها، فغلى غليانا حتى طلاها. وروى أن نوحا أبطأ فى عملها رجاء إيمانهم، فكان يعمل فى مهلة، وإنما يقم هذا لو كان إيحاء الله إليه بأنه لن يؤمن إلا من قد آمن، بعد أمره بصنع السفينة. وروى أن الله سبحانه أوحى إليه أن عجل فى صنع السفينة، فقد اشتد غضبى على من عصانى، فاستأجر نجارين يعملون معه، ومع أولاده سام ويافث وحام، ينحتون الخشب، ولما كملت قالت: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ونوح نبى الله، أنا السفينة التى من ركبنى نجا، ومن تخلف غرق، ولا يدخلنى إلا أهل الإخلاص، فقالوا: هذا من سحرك. فسار نوح إلى الحج والعمرة، فأذن الله له، فهم قومه بإحراقها بعده، فرفعتها الملائكة، وهم ينظرون، ولما رجع أتوا بها. {ولا تُخاطِبْنى} لا تدعنى بدفع العذاب {فى الَّذينَ} أى فى شأن الذين، أو لا فلا تراجعنى فى استدفاع العذاب عن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصى {إنَّهم مُغْرقونَ} بالطوفان، لا سبيل لنجاتهم، وروى أنه دعاه فى ابنه كنعان، وامرأته واعلة، فنزل عليه ذلك قبل مقتضى الظاهر أن لا يقال: إنهم مغرقون بالتأكيد، لكن لما لوح إلى نوح عليه السلام ما يشعر إشعارا ما بأنه قد حق عليهم العذاب، صار المقام مقام ترد المخاطب، هل صاروا محكوما عليهم بالإغراق أم لا، والمتردد يحسن التأكيد له فأكد.
الالوسي
تفسير : {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} عطف على {أية : فَلاَ تَبْتَئِسْ}تفسير : [هود: 36] والأمر قيل: للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروح من الغرق إلا به فيجب كوجوبها، وقيل: للإباحة وليس بشيء. وأل في {ٱلْفُلْكِ} إما للجنس أو للعهد بناءاً على أنه أوحي إليه عليه السلام من قبل أن الله سبحانه سيهلكهم بالغرق وينجيه ومن معه بشيء يصنعه بأمره تعالى من شأنه كيت وكيت واسمه كذا. والباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل، والأعين حقيقة في الجارحة وهي جارية مجرى التمثيل كأن لله سبحانه أعيناً تكلؤه من تعدى الكفرة ومن الزيغ في الصنعة، والجمع للمبالغة، وقد انسلخ عنه لإضافته على ما قيل معنى القلة وأريد به الكثرة، وحينئذ يقوى أمر المبالغة، وزعم بعضهم أن الأعين بمعنى الرقباء وأن في ذلك ما هو من أبلغ أنواع التجريد، وذلك أنهم ينتزعون من نفس الشيء آخر مثله في صفته مبالغة بكمالها كما أنشد أبو علي: شعر : أفات بنو مروان ظلماً دماءنا وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل تفسير : وقد جرد هٰهنا من ذات المهيمن جماعة الرقباء وهو سبحانه الرقيب نفسه، وقيل: إن ملابسة العين كناية عن الحفظ وملابسة الأعين لمكان الجمع كناية عن كمال الحفظ والبمالغة فيه، ونظير ذلك بسط اليد وبسط اليدين، فإن الأول كناية عن الجود والثاني عن المبالغة فيه، وجوز أن يكون المراد الحفظ الكامل على طريقة المجاز المرسل لما أن الحفظ من لوازم الجارحة، وقيل: المراد من أعيننا ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك ومعونتك، والجمع حينئذ على حقيقته لا للمبالغة، ويفهم من صنيع بعضهم أن هذا من المتشابه، والكلام فيه شهير، ففي «الدر المنثور» عند الكلام على هذه الآية. ((أخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال: ما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية)). وقرأ أبو طلحة بن مصرف (بأعينا) بالادغام. {وَوَحْيِنَا} إليك كيف تصنعها وتعليمنا، أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله تعالى إليه أن اجعل رأسها كرأس الديك. وجؤجؤها كجؤجؤ الطير وذنبها كذنب الديك، واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر وأمره أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله تعالى له عين القار حيث ينحتها يغلي غلياناً حتى طلاها الخبر، وفيه أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فعلمه صنعتها، وقيل: كانت الملائكة عليهم السلام تعلمه. / {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل: ولا تدعني فيهم، وحيث كان فيه ما يلوح بما يستتبعه أكد التعليل فقيل: {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} أي محكوم عليهم بالإغراق؛ وقد جرى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه، والظاهر أن المراد من الموصول من لم يؤمن من قومه مطلقاً، قيل: المراد واعلة زوجته وكنعان ابنه وليس بشيء.
ابن عاشور
تفسير : لما كان نهيه عن الابتئاس بفعلهم مع شدة جرمهم مؤذناً بأن الله ينتصر له، أعقبه بالأمر بصنع الفلك لتهيئة نجاته ونجاة من قد آمن به من العذاب الذي قدره الله لقومه، كما حكى الله عنه {أية : فدعا ربّه أني مغلوبٌ فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ}تفسير : [القمر: 10، 11] الآية، فجملة {واصنع الفلك} عطف على جملة {أية : فلا تبتئس}تفسير : [هود: 36] وهي بذلك داخلة في الموحى به فتدل على أن الله أوحى إليه كيفية صنع الفلك كما دل عليه قوله: {ووَحينا}، ولذلك فنوح ـ عليه السّلام ـ أول من صنع الفلك ولم يكن ذلك معروفاً للبشر، وكان ذلك منذ قرون لا يحصيها إلاّ الله تعالى، ولا يعتد بما يوجد في الإسرائيليات من إحصاء قرونها. والفلك اسم يستوي فيه المفرد والجمع. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس }تفسير : في سورة البقرة (164). والباء في {بأعيننا} للملابسة وهي في موضع الحال من ضمير (اصنع). والأعين استعارة للمراقبة والملاحظة. وصيغة الجمع في {أعيننا} بمعنى المثنى، أي بعينينا، كما في قوله: {أية : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. والمراد الكناية بالمعنى المجازي عن لازمه وهو الحفظ من الخلل والخَطأ في الصنع. والمراد بالوحي هنا الوحي الذي به وصف كيفية صنع الفلك كما دل عليه عطفه على المجرور بباء الملابسة المتعلقة بالأمر بالصنع. ودل النهي في قوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا}، على أن كفار قومه سينزل بهم عقاب عظيم لأن المراد بالمخاطبة المنهي عنها المخاطبة التي ترفع عقابهم فتكون لنفعهم كالشفاعة، وطلب تخفيف العقاب لا مطلق المخاطبة. ولعل هذا توطئة لنهيه عن مخاطبته في شأن ابنه الكافر قبل أن يخطر ببال نوح ـ عليه السلام ـ سؤال نجاته حتى يكون الرد عليه حين السؤال ألَطَف. وجملة {إنهم مغرقون} إخبار بما سيقع وبيان لسبب الأمر بصنع الفلك. وتأكيد الخبر بحرف التوكيد في هذه الآية مثال لتخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل غير السائل المتردد منزلة السائل إذا قدم إليه من الكلام ما يلوّح إلى جنس الخبر فيستشرفه لتعيينه استشرافاً يشبه استشراف السائل عن عين الخبر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 37- وقلنا له: اصنع الفلك لننجيك عليها بعنايتنا، وتحت رعايتنا، ولا تخاطبنى فى شأن هؤلاء الظالمين لأننى استجبت دعاءك، وأمرت بإهلاكهم غرقاً. 38- وشرع نوح فى عمل الفلك، وكلما مرَّ عليه قادة الكفر من قومه استهزأوا به، لجهلهم ولعدم معرفة الغرض الذى يقصده، قال نوح: إن تسخروا منا لجهلكم بصدق وعد الله، فإنا أيضاً سنسخر منكم كما تسخرون منا. 39- فسوف تعلمون من منا الذى سيأتيه عذاب يُذله فى الدنيا، ويحل عليه فى الآخرة عذاب دائم خالد. 40- حتى إذا جاء وقت أمرنا بإهلاكهم، جاء الماء بقوة فائراً ذا رغوة، كالماء الذى يغلى فوق النار، قلنا لنوح: احْمل معك فى السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكراً وأنثى، واحْمل فيها أيضاً أهل بيتك جميعاً، إلا من سبق عليه حكمنا بإهلاكه، واحْمل فيها أيضاً من آمن من قومك، ولم يكونوا إلا عدداً قليلاً. 41- وقال نوح للذين آمنوا من قومه - بعد أن أعدّ الفلك -: اركبوا فيها متيمنين بذكر اسم الله تعالى، وقت إجرائها، وفى وقت رسوها، وعند النزول فيها والخروج منها، وارجو مغفرة الله على ما فرط منكم، ورحمته بكم، فإن المغفرة والرحمة من شأنه سبحانه وتعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {تُخَاطِبْنِي} (37) - وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى عَبْدَهُ نُوحاً أَنْ يَصْنَعَ سَفِينَةً (فُلْكاً) حَسَبَ التَّعْلِيمَاتِ التِي يَتَلَقَّاهَا، وَحْياً مِنْ رَبِّهِ لِيُنْجِيَهُ هُوَ وَالمُؤْمِنِينَ بِهَا. وَيُخْبِرُ اللهُ رَسُولَهُ أَنَّهُ مَشْمُولٌ بِالعِنَايَةِ الإِلهِيَّةِ وَالرِّعَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَنَّهُ سَيُغْرِقُ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ. بِأَعْيُنِنا - بِحِفْظِنَا وَرِعَايَتِنا الكَامِلَتَيْنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة. ومعنى "اصنع" أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أنْ تُوجِدَ معدوماً، كصانع الأكواب، أو صانع الأحذية، أو صانع النَّجَفَ، أو صانع الكراسي، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفيُّ. وهناك عملية أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحَبَّ ويرويها ليستنبط منها النباتات، ويسمَّى صاحب هذه المهنة "زارع" أو "فلاَّح"؛ لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة. أما الصانع فيأتي بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلةً أو يصنع جهازاً لم يكن موجوداً، والحرفيُّ هو الذي يصون تلك الآلة، أما التاجر فهو الذي يقوم بعمليةٍ تجمع كل ذلك، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك، فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السلام: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ ..} [هود: 37]. أي: أوجد شيئاً من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحاً عليه السلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخَّمت في الجذع والفروع. وبدأ نوح عليه السلام في عملية شقِّ الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها - كما قيل - ثلاثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ذراعاً، وبلغ ارتفاعها ثلاثين ذراعاً ومكوَّنة من ثلاثة أدوار لتسع المؤمنين، وزوجين من كل نوع من حيوانات الأرض ودوابِّها وهوامها وسباعها ووحوشها. ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح عليه السلام قد تضخَّمت جداً لطول المدَّة التي قضاها نوح في دعوته لقومه؛ ونعلم أيضاً أن جذع الشجرة ينمو دائرياً بمقدار دائرة كل عام. وحين نقطع جذع الشجرة نجد أن قطر الجذع مكوَّن من دوائر، وكل دائرة تمثِّل عاماً من عمرها. وهكذا بلغ حجم الشجرة ما يساعد نوحاً عليه السلام على أن يصنع السفينة. وقد علَّمه الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة، ألمْ يُلهِم الله سبحانه نبيَّه داود عليه السلام في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه - جلَّ وعَلا - قد أمر الجبال أن تُؤَوِّب معه، وكذلك الطير، فألان له الحديد دون نار: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ..}تفسير : [سبأ: 10-11]. هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار ليِّنًا دون نار - بإذنه سبحانه - ليصنع منه داود دروعاً كبير مستوفية للظهور والصدر، لتحمي معاطب الإنسان. وقد أوحى الحق سبحانه لداود عليه السلام أن يصنع تلك الدروع بطريقة عجيبة، بأن يجعلها سابغات. والسابغة هي المسرودة، مثل الحصير، حيث يُوضع العُود بجانب العود، ويربط الأعواد كلها بطريقة تسهل من فَرْد الحصير أو لَفِّه. وفي نفس الآية يبيِّن لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود عليه السلام بتلك الصناعة الدقيقة، فيقول سبحانه: {أية : وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..}تفسير : [سبأ: 11]. أي: أنك يا داود حين تنسج الحديد الليِّن - بإذن الله تعالى - لتجعله دروعاً عليك أن تصنع تلك الدروع بتقدير دقيق كي لا تكون الدِّرع ضيِّقة على صدر المقاتل فتضيق حركته، وتقلِّل من قدرته على التنفس، فيلهث بسرعة، ولا يستطيع مواصلة القتال. وكذلك يجب ألاَّ تكون الدِّرع واسعة على صدر المقاتل؛ حتى لا تساعد سعة الدِّرع سيف الخصم، فيضرب الدِّرع نفسه صدر المقاتل، وتكون قوة الدِّرع مضافة إلى قوة سيف الخصم، ولكن حين تكون الدِّرع قادرة على الإحاطة بالجسم دون أن يُكبِّل الحركة، فهذه الدِّرع المناسبة للقتال. وقد أتقن داود عليه السلام صناعة تلك الدُّروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه، فقد صنعها بأمر الحق الأعلى سبحانه حين قال له: {أية : وَقَدِّرْ ..}تفسير : [سبأ: 11] وكلمة قدر تعطي معنى التقدير والإتقان. فعلى الذين يصنعون الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجِّه إلى الإتقان في الأداء والعمل، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في العمل والإبداع فيه، لنتخذ من هذا التوجيه نبراساً نسير عليه؛ ليكون العمل صالحاً، وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول: "الله"، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يَهَبَ الإنسانَ طاقة الإتقان والإبداع. ويقول الحق سبحانه أيضاً في تعليمه لداود عليه السلام: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ..}تفسير : [الأنبياء: 80]. وهكذا يلقي الله تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن "افعل كذا"؛ فيفعل. وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة، نجد كلَّ علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنَّحت، كانت من اختصاص الكهنة الذين يُمثِّلون السلطة الدينية، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك العلوم، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها. وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله؛ مصدره السماء. وفي قصة نوح عليه السلام نجد الحق سبحانه يقول: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [هود: 37]. ومعنى "بأعيننا" هو بحفظنا وبرعايتنا. وكلمة "بأعيننا" تفيد شمول الحفظ وكمال الرعاية. ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخصُّ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ..}تفسير : [الطور: 48]. وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى عليه السلام: {أية : .. وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ}تفسير : [طه: 39]. وأنقذ الحق سبحانه موسى عليه السلام من الفرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل، وألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون، وقال سبحانه: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ..}تفسير : [طه: 39]. لأن موسى عليه السلام حين كان طفلاً رضيعاً قد ألقيَ في اليَمِّ، والتقطه رجال الفرعون، لكن زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة لموسى الحياة: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9]. ونحن نجد أن عَدُوَّ موسى وقومه، يلتقط موسى ليعيش في كنفه ورعايته، وكأن الله سبحانه يقول لهم: سأجعلكم تُربُّون مَنْ يتولّى قهركم. وقول الحق سبحانه: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ..} [هود: 37]. أي: إنك إن توقَّفتَ لأية عقبة، فسوف نُلهمك بما تُواجه به تلك العقبة. وحين صنع نوح عليه السلام الفُلْك احتاج لألواح خشبية، ولا بد أن تتماسك تلك الألواح، ولم تكن المسامير قد اختُرعتْ بَعْدُ، فأوحى له الله تعالى أن يربط الألواح بالحبال المجدولة، وقد فعل هذا أحد مكتشفي أمريكا في العصر الحديث، حين صنع سفينة من نبات البَرْدِى وربطها بالحبال المجدولة القوية. وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح عليه السلام: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}تفسير : [القمر: 13]. أي: أن نوحاً عليه السلام قد أحضر ألواحاً من الخشب وربطها بحبال مجدولة، وأحْكَمَ الرَّبط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة. مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا، حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة، ويرتّبها ثم يُحْكم رَبْطَها بإطار قويٍّ، وحين يوضع فيها أي سائل، فالخشب يتشرَّب من هذا السائل ويتمدَّد ليسدَّ المسَام، فلا ينضح السائل من البرميل؛ لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدّد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدّد بالحرارة. ولذلك نجد النَّجَّار الحاذق في صنعته هو مَنْ يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك في الفصول الرتيبة؛ لأنه إن صنعها في الصيف، سنجد الخشب وهو منكمش؛ فإذا ما جاء الشتاء تمدَّد ذلك الخشب وسبَّب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ، وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدِّد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب، وتكون لها متاعبها، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو شبَّاك بإحكام. ثم يقول الحق سبحانه: {.. وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} [هود: 37]. أي: لا تحدِّثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر، وهم مَن ارتكبوا الظلم العظيم، وهو الكفر في القمة العقدية، وهي الإيمان بالله تعالى واحداً أحداً لا شريك له؛ لذلك استحقوا العقاب، وهو الإغراق. وهكذا عَلِمَ نوح عليه السلام أنَّ صُنْعِ السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على مَنْ كفروا برسالته، فهو ومَنْ آمنوا معه سوف ينجون، أما مَنْ كفر فلسوف يغرق. ويبيِّن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ} معناهُ السَّفينةُ وهو واحدٌ من جَمعٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 1199- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}: [الآية: 37]، قال: بعين الله تعالى وَوَحْيِه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):