Verse. 1511 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ۝۰ۣ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْہِ مَلَاٌ مِّنْ قَوْمِہٖ سَخِرُوْا مِنْہُ۝۰ۭ قَالَ اِنْ تَسْخَرُوْا مِنَّا فَاِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَـمَا تَسْخَرُوْنَ۝۳۸ۭ
WayasnaAAu alfulka wakullama marra AAalayhi malaon min qawmihi sakhiroo minhu qala in taskharoo minna fainna naskharu minkum kama taskharoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويصنع الفلك» حكاية حال ماضية «وكلما مرَّ عليه ملاٌ» جماعة «من قومه سخروا منه» استهزءوا به «قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون» إذا نجونا وغرقتم.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } قولان: الأول: أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. الثاني: التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ }. المسألة الثانية: ذكروا في صفة السفينة أقوالاً كثيرة: فأحدها: أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام، وثانيها: قال الحسن كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلاً وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان، لأن هذا القدر مذكور في القرآن، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور. أما قوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } ففي تفسير الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما: أنهم كانوا يقولون: يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجاراً. وثانيها: أنهم كانوا يقولون له: لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. وثالثها: أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون. ورابعها: أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جداً وكانوا يقولون: ليس ههنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون. وخامسها: أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كونه كاذباً في ذلك المقال فلما اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة. ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } وفيه وجوه: الأول: التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة. الثاني: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا. الثالث: أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد، لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال. فإن قيل: السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قلنا: إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى: { أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]. أما قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة، وفي قوله: {مَن يَأْتِيهِ } وجهان: أحدهما: أن يكون استفهاماً بمعنى أي كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب،وعلى هذا الوجه فمحل «من» رفع بالابتداء. والثاني: أن يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب، وقوله تعالى: {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي يجب عليه وينزل به.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} أي وطفق يصنع. قال زيد بن أسلم: مكث نوح صلى الله عليه وسلم مائة سنة يَغرس الشّجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها. وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم نوح مَلَؤوا الأرض، حتى مَلَؤوا السّهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء؛ فمكث نوح يَغرس الشجر مائة عام لعمل السّفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون؛ وذلك لما رأوه يصنع من ذلك؛ حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان. وروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى مَن في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه. {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فٱصنع الفلك} قال: يا رب ما أنا بنجّار، قال: «بلى فإن ذلك بعيني» فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تُخطىء، فجعلوا يمرّون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبيّ صار نجّاراً؛ فعملها في أربعين سنة. وحكى الثّعلبيّ وأبو نصر القُشَيريّ عن ابن عباس قال: ٱتخذ نوح السفينة في سنتين. زاد الثّعلبيّ: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن ٱصنعها كجُؤْجُؤ الطائر. وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة، والله أعلم. المهدويّ: وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلّمه كيف يصنعها. وٱختلفوا في طولها وعرضها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما كان طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون ذراعاً؛ وكانت من خشب السّاج، وكذا قال الكَلْبيّ وقَتَادة وعِكْرمة كان طولها ثلثمائة ذراع، والذّراع إلى المَنْكِب. قاله سلمان الفارسيّ. وقال الحسن البصريّ: إن طول السّفينة ألف ذراع ومائتا ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثّعلبيّ في كتاب العرائس. وروى عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهران عن ابن عباس قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة يحدّثنا عنها، فٱنطلق بهم حتى انتهى إلى كَثِيب من تراب فأخذ كفًّا من ذلك التراب، قال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (هذا كعب حام بن نوح) قال فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب من رأسه، وقد شاب؛ فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا بل متُّ وأنا شابّ، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثَمَّ شِبت. قال: أخبرنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدوابّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطّير. وذكر باقي الخبر على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال الكَلْبيّ فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب؛ باب فيه السبّاع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء. ٱبن عباس جعلها ثلاث بطون؛ البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام والشراب، وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد آدم عليه السلام معترضاً بين الرجال والنساء، ثم دفنه بعدُ ببيت المقدس؛ وكان إبليس معهم في الكَوْثَل. وقيل: جاءت الحيّة والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا أحملكما؛ لأنكما سبب الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضرّ أحداً ذَكَرك؛ فمن قرأ حين يخاف مَضَرَّتهما {أية : سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات: 79] لم تضرّاه؛ ذكره القشيريّ وغيره. وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعاً من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة" تفسير : قوله تعالى: {وَكُلَّمَا} ظرف. {مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ}. قال الأخفش والكِسائي يقال: سَخرتُ به ومنه. وفي سخريتهم منه قولان: أحدهما ـ أنهم كانوا يرونه يبني سفينته في البر، فيسخرون به ويستهزئون ويقولون: يا نوح صرت بعد النبوّة نجاراً. الثاني ـ لما رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا: يا نوح ما تصنع؟ قال: أبني بيتاً يمشي على الماء؛ فعجبوا من قوله وسخروا منه. قال ٱبن عباس: ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر؛ فلذلك سخروا منه؛ ومياه البحار هي بقية الطوفان. {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة. {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} غداً عند الغرق. والمراد بالسخرية هنا الاستجهال؛ ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا. قوله تعالى: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} تهديد، و {مَنْ} متصلة بـ {ـسَوْفَ تَعْلَمُونَ} و {تعلمون} هنا من باب التعدية إِلى مفعول؛ أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب. ويجوز أن تكون {مَن} استفهامية؛ أي أيّنا يأتيه العذاب؟. وقيل: {مَن} في موضع رفع بالابتداء و {يَأْتِيهِ} الخبر، و {يُخْزِيهِ} صفة لـ {ـعذاب}. وحكى الكسائي: أن أناساً من أهل الحجاز يقولون: سو تعلمون؛ وقال من قال: «ستعلمون» أسقط الواو والفاء جميعاً. وحكى الكوفيون: سفْ تعلمون؛ ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} أي يجب عليه وينزل به. {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم، يريد عذاب الآخرة. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} اختلف في التنور على أقوال سبعة: الأول ـ أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً؛ قاله ابن عباس وعِكرمة والزّهري وابن عيينة؛ وذلك أنه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني ـ أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه؛ وكان تنوراً من حجارة؛ وكان لحوّاء حتى صار لنوح؛ فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به ٱمرأته فقالت: يا نوح فار الماء من التنور؛ فقال: جاء وعد ربي حقاً. هذا قول الحسن؛ وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس. الثالث ـ أنه موضع اجتماع الماء في السفينة؛ عن الحسن أيضاً. الرابع ـ أنه طلوع الفجر، ونور الصبح؛ من قولهم: نوّر الفجر تنويراً؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. الخامس ـ أنه مسجد الكوفة؛ قاله عليّ بن أبي طالب أيضاً؛ وقاله مجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الدّاخل مما يلي كندة. وكان فوران الماء منه علماً لنوح، ودليلاً على هلاك قومه. قال الشاعر وهو أمية: شعر : فار تنّورُهم وجاشَ بماءٍ صار فوق الجبالِ حتّى عَلاها تفسير : السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة منها؛ قاله قتادة. السابع: أنه العين التي بالجزيرة «عين الوردة» رواه عِكرمة. وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: «عين وَرْدَة» وقال ابن عباس أيضاً: فار تنور آدم بالهند. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض؛ قال: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً} تفسير : [القمر: 11]. فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفَوَران الغَلَيان. والتنور ٱسم أعجميّ عربته العرب، وهو على بناء فَعّل؛ لأنّ أصل بنائه تَنّر، وليس في كلام العرب نون قبل راء. وقيل: معنى «فَارَ التَّنُّورُ» التمثيل لحضور العذاب؛ كقولهم: حمِي الوطيس إذا ٱشتدت الحرب. والوطيس التنور. ويقال: فارت قِدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال شاعرهم: شعر : تركتم قِدْرَكم لا شيء فيها وقِدْرُ القوم حاميةٌ تَفُورُ تفسير : قوله تعالى: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى؛ لبقاء أصل النسل بعد الطوفان. وقرأ حفص: «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ» بتنوين «كل» أي من كل شيء زوجين. والقراءتان ترجعان إلى معنًى واحدٍ: (شيء) معه آخر لا يستغنى عنه. ويقال للاثنين: هما زوجان، في كل ٱثنين لا يَستغني أحدهما عن صاحبه؛ فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجاً. يقال: له زوجا نعلٍ إذا كان له نعلان. وكذلك عنده زوجا حمامٍ، وعليه زوجا قيود؛ قال الله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ} تفسير : [النجم: 45]. ويقال للمرأة هي زوج الرجل، وللرجل هو زوجها. وقد يقال للاثنين هما زوج، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين، والصنفين، وكل ضرب يدعى زوجاً؛ قال الله تعالى: {أية : وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] أي من كلِّ لون وصنف. وقال الأعشى: شعر : وكل زوجٍ من الدّيباجِ يَلبَسه أبو قُدامة محبوٌّ بذاك مَعَا تفسير : أراد كل ضرب ولون. و {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ} في موضع نصب بـ {ٱحمل}. {ٱثنين} تأكيد. {وَأَهْلَكَ} أي وٱحمل أهلك. {إِلاَّ مَن سَبَقَ}. «مَن» في موضع نصب بالاستثناء. {عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} منهم أي بالهلاك؛ وهو ٱبنه كنعان وٱمرأته وَاعِلَة كانا كافرين. {وَمَنْ آمَنَ} قال الضحاك وٱبن جريج: أي ٱحمل من آمن بي، أي من صدّقك؛ فـ «من» في موضع نصب بـ {ـاحمل}. {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قال ٱبن عباس رضي الله عنهما: آمن مِن قومه ثمانون إنساناً، منهم ثلاثة من بنيه؛ سام وحام ويافث، وثلاث كنائِن له. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل. وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس؛ نوح وزوجته غير التي عوقبت، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم؛ وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب؛ فأصاب حام ٱمرأته في السفينة، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان. قال عطاء: ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيداً لولد سام ويافث. وقال الأعمش: كانوا سبعة؛ نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين؛ وأسقط امرأة نوح. وقال ٱبن إسحق: كانوا عشرة سوى نسائهم؛ نوح وبنوه سام وحام ويافث، وستة أناس ممن كان آمن به، وأزواجهم جميعاً. و {قَلِيلٌ} رفع بآمن، ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأن الكلام قبله لم يتم، إلا أن الفائدة في دخول «إلا» و «ما» لأنك لو قلت: آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن؛ فإذا جئت بما وإلا، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } حكاية حال ماضية {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ } جماعة {مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } استهزأوا به {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } إذا نجونا وغرقتم.

ابن عطية

تفسير : التقدير: فشرع يصنع فحكيت حال الاستقبال، إذ في خلالها وقع مرورهم، قال ابن عباس: صنع نوح الفلك ببقاع دمشق وأخذ عودها من لبنان وعودها من الشمشار وهو البقص. وروي أن عودها من الساج وأن نوحاً عليه السلام اغترسه حتى كبر في أربعين سنة؛ وروي أن طول السفينة ألف ذراع ومائتان، وعرضها ستمائة ذراع، ذكره الحسن بن أبي الحسن وقيل: طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، ذكره قتادة، وروي غير هذا مما لم يثبت، فاختصرت ذكره، وذكر الطبري حديث إحياء عيسى ابن مريم لسام بن نوح وسؤاله إياه عن أمر السفينة فذكر أنها ثلاث طبقات: طبقة للناس، وطبقة للبهائم، وطبقة للطير، إلى غير ذلك في حديث طويل. و"الملأ" هنا الجماعة، و {سخروا} معناه استجهلوه، وهذا الاستجهال إن كان الأمر كما ذكر أنهم لم يكونوا قبل رأوا سفينة ولا كانت - فوجه الاستجهال واضح. وبذلك تظاهرت التفاسير؛ وإن كانت السفائن حينئذ معروفة فاستجهلوه في أن صنعها في موضع لا قرب لها من البحر وروي أنهم كانوا يقولون له صرت نجاراً بعد النبوة؟‍‍!!. وقوله {فإنا نسخر منكم} قال الطبري: يريد في الآخرة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل الكلام، بل هو الأرجح، أن يريد: إنا نسخر منكم الآن، أي نستجهلكم لعلمنا بما أنتم عليه من الغرر مع الله تعالى والكون بمدرج عذابه، ثم جاء قوله: {فسوف تعلمون} تهديداً، والسخر: الاستجهال مع استهزاء، ومصدره: سُخرى بضم السين، والمصدر من السخرة والستخير سِخرى بكسرها. و"العذاب المخزي" هو الغرق، و"المقيم" هو عذاب الآخرة، وحكى الزهراوي أنه يقرأ "ويحُل" بضم الحاء، ويقرأ "ويحِل" بكسرها، بمعنى ويجب. و {من} في موضع نصب بـ {تعلمون}. وجاز أن يكون {تعلمون} بمثابة تعرفون في التعدي إلى مفعول واحد، وجائز أن تكون التعدية إلى مفعولين واقتصر على الواحد. وقوله تعالى: {حتى إذا جاء أمرنا} الآية، الأمر ها هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر أمر، فمعناه أمرنا للماء بالفوران، أو للسحاب بالإرسال، أو للملائكة بالتصرف في ذلك، ونحو هذا مما يقدر في النازلة و {فار} معناه انبعث بقوة؛ واختلف الناس في {التنور}، فقالت فرقة - وهي الأكثر - منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هو تنور الخبز الذي يوقد فيه، وقالت فرقة: كانت هذه أمارة جعلها الله لنوح، أي إذا فار التنور فاركب في السفينة؛ ويشبه أن يكون وجه الأمارة أن مستوقد النار إذا فار بالماء فغيره أشد فوراناً، وأحرى بذلك. وروي أنه كان تنور آدم عليه السلام خلص إلى نوح فكان يوقد فيه، وقال النقاش: اسم المستوقد التنور بكل لغة؛ وذكر نحو ذلك ابن قتيبة في الأدب عن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وقيل: إن موضع تنور نوح عليه السلام كان بالهند، وقيل: كان في موضع مسجد الكوفة، وقيل كان في ناحية الكوفة، قاله الشعبي ومجاهد، وقيل كان في الجهة الغربية من قبلة المسجد بالكوفة، وقال ابن عباس وعكرمة: التنور وجه الأرض، ويقال له: تنور الأرض، وقال قتادة: {التنور}: أعالي الأرض، وقالت فرقة: {التنور}: عين بناحية الجزيرة، وقال الحسن بن أبي الحسن: {التنور} مجتمع ماء السفينة فار منه الماء وهي بعد في اليبس، وقالت فرقة: {التنور} هو الفجر، المعنى: إذا طلع الفجر فاركب في السفينة، وهذا قول روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أن التصريف يضعفه، وكان يلزم أن يكون التنور، وقالت فرقة: الكلام مجاز وإنما إراد غلبة الماء وظهور العذاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لشدة الحرب: "حديث : حمي الوطيس" تفسير : والوطيس أيضاً مستوقد النار، فلا فرق بين حمي و {فار} إذ يستعملان في النار، قال الله تعالى: {أية : سمعوا لها شهيقاً وهي تفور} تفسير : [الملك: 7]، فلا فرق بين الوطيس والتنور. وقرأ حفص عن عاصم "من كلٍّ زوجين اثنين" بتنوين {كل} وقرأ الباقون "من كلِّ زوجين" بإضافة {كل} إلى {زوجين}. فمن قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه التقدير: من كل حيوان أو نحوه، وأعمل "الحمل" في {زوجين} وجاء قوله: {اثنين} تأكيداً - كما قال: {أية : إلهين اثنين} تفسير : [النحل: 51]. ومن قرأ بالإضافة فأعمل "الحمل" في قوله {اثنين}، وجاء قوله {زوجين} بمعنى العموم، أي من كل ما له ازدواج، هذا معنى قوله: {من كل زوجين} قاله أبو علي وغيره، ولو قدرنا المعنى: احمل من كل زوجين حاصلين اثنين لوجب أن يحمل من كل نوع أربعة، والزوج يقال في مشهور كلام العرب للواحد مما له ازدواج، فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان: وهذا هو المهيع في القرآن في قوله تعالى: {أية : ثمانية أزواج} تفسير : [الأنعام: 143، الزمر: 6] ثم فسرها، وكذلك هو في قوله تعالى: {أية : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} تفسير : [النجم: 45]. قال أبو الحسن الأخفش في كتاب الحجة: وقد يقال في كلام العرب للاثنين زوج، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل] شعر : من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها تفسير : وهكذا يأخذ العدديون: الزوج أيضاً في كلام العرب النوع كقوله: {أية : وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج} تفسير : [ق: 7] وقوله: {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها} تفسير : [يس: 36] إلى غير ذلك. وروي في قصص هذه الآية أن نوحاً عليه السلام كان يأتيه الحيوان، فيضع يمينه على الذكر ويساره على الأنثى. وروي أن أول ما أدخل في السفينة الذر، وآخر ما أدخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه، فزجره نوح عليه السلام فلم ينبعث فقال له: ادخل ولو كان معك الشيطان، قال ابن عباس: زلت هذه الكلمة من لسانه فدخل الشيطان حينئذ، وكان في كوثل السفينة، أي عند مؤخرها، وقيل كان على ظهرها. وروي أن نوحاً عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، ففعل، فخرج من الفيل - وقيل من أنفه - خنزير وخنزيرة، فكفيا نوحاً وأهله ذلك الأذى؛ وهذا يجيء منه أن نوع الخنازير لم يكن قبل ذلك. وروي أن الفأر آذى الناس في السفينة بقرض حبالها وغير ذلك، فأمر الله نوحاً أن يمسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هر وهرة، فكفياهم الفأر، وروي أيضاً أن الفار خرج من أنف الخنزير. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قصص لا يصح إلا لو استند والله أعلم كيف كان. وقوله: {وأهلك} عطف على ما عمل فيه {احمل} و"الأهل" هنا القرابة، وبشرط من آمن منهم، خصصوا تشريفاً؛ ثم ذكر {من آمن} وليس من الأهل واختلف في الذي {سبق عليه القول} فقيل: هو ابنه يام، وقال النقاش: اسمه كنعان؛ وقيل هي امرأته والعة هكذا اسمها بالعين غير منقوطة؛ وقيل: هو عموم في من لم يؤمن من أهل نوح وعشيرته. و {القول} ها هنا معناه: القول بأنه يعذب، وقوله: {ومن آمن} عطف على قوله: {وأهلك} ثم قال إخباراً عن حالهم {وما آمن معه إلا قليل} واختلف في ذلك {القليل} فقيل: كانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة وقيل كان جميعهم ثلاثة وثمانين: وقيل كانوا ثمانين في الكل، قاله السدي: وقيل: عشرة؛ وقيل: ثمانية، قاله قتادة وقيل: سبعة؛ والله أعلم. وقيل: كان في السفينة جرهم، وقيل لم ينج من الغرق أحد إلا عوج ابن أعنق، وكان في السفينة مع نوح عليه السلام ثلاثة من بنيه سام، وحام، ويافث، وغرق يام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش .

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} مكث مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها، وكان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت مطبقة، أو طولها أربعمائة ذراع، وعلوها ثلاثون ذراعاً وعرضها خمسون ذراعاً وكانت ثلاث أبيات، أو طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها مائة وخمسون ذراعاً، وعلوها ثلاثين ذراعاً في أعلاها الطير وفي أوسطها الناس وفي أسفلها السباع، ودفعت من عين ودة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب، ورست بباقردى على الجودي يوم عاشوراء، وكان بابها في عرضها. {سَخِرُواْ مِنْهُ} لما رأوه يصنعها في البر، قالوا: صِرت بعد النبوة نجاراً، أو لم يكونوا رأوا قبلها سفينة فقالوا ما تصنع قال: بيتاً يمشي على الماء فسخروا منه. {إِن تَسخَرُواْ} من قولنا فسنسخر من غفلتكم، أو إن تسخروا منا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق، سمى جزاء السخرية باسمها، أو عبّر بها عن الاستجهال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها، ثم جعل يعملها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول‏:‏ أعملها سفينة، فيسخرون منه ويقولون‏:‏ تعمل سفينة في البر وكيف تجري‏؟‏ قال‏:‏ سوف تعلمون‏.‏ فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : كانت سفينة نوح عليه السلام لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وبابها في عرضها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان طول سفينة نوح ثلثمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا‏ً. ‏وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أن نوحاً لما أمر أن يصنع الفلك قال‏:‏ يا رب وأين الخشب‏؟‏ قال‏:‏ إغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة، وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها فقال‏:‏ يا رب كيف اتخذ هذا البيت‏؟‏ قال‏:‏ اجعله على ثلاثة صور‏.‏ رأسه كرأس الديك، وجؤجؤ كجؤجؤ الطير، وذنبه كذنب الديك، واجعلها مطبقة واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر - يعني مسامير الحديد - وبعث الله جبريل عليه السلام يعلمه صنعة السفينة، فكانوا يمرون به ويسخرون منه ويقولون‏:‏ ألا ترون إلى هذا المجنون يتخذ بيتاً ليسير به على الماء‏؟‏ وأين الماء ويضحكون‏.‏ وذلك قوله ‏{‏وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه‏} ‏ فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعاً في الأرض، وعرضها ثلثمائة ذراع وثلاثة وثلاثون، وأمر أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غلياناً حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب وأطبقها، فحمل فيها السباع والدواب، فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل ولد آدم أربعين رجلاً وأربعين امرأة في الباب الأعلى ثم أطبق عليهم، وجعل الدرة معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا تطأها الدواب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً وبابها في عرضها، وذكر لنا أنها استقلت بهم في عشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، ثم استقرت بهم على الجودي، واهبطوا إلى الأرض في عشر ليال خلون من المحرم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال الحواريون لعيسى بن مريم عليهما السلام، لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك التراب قال‏:‏ أتدرون ما هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه قال‏:‏ قم بإذن الله‏.‏ فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام‏:‏ هكذا هلكت‏.‏ قال‏:‏ لا مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة قامت فمن ثم شبت قال‏:‏ حدثنا عن سفينة نوح قال‏:‏ كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات‏.‏ فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإِنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح‏:‏ أن اغمز ذنب الفيل‏.‏ فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث فلما وقع الفار يخرب السفينة بقرضه، أوحى الله إلى نوح أن أضرب بين عيني الأسد‏.‏ فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفار فقال له عيسى عليه السلام‏:‏ كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت‏؟‏ قال‏:‏ بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت‏.‏ ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت، فطوّقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت فقالوا‏:‏ يا روح الله ألا تنطلق بنا إلى أهالينا فيجلس معنا ويحدثنا‏؟‏ قال‏:‏ كيف يتبعكم من لا رزق له‏؟‏ ثم قال‏:‏ عد بإذن الله فعاد ترابا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان طول سفينة نوح عليه السلام أربعمائة ذراع، وعرضها في السماء ثلاثون ذراعاً. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ قال سليمان الفرائي‏.‏ عمل نوح عليه السلام السفينة أربعمائة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله أربعمائة ذراع، والذراع إلى المنكبين‏. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم رضي الله عنه‏.‏ أن نوحاً عليه السلام مكث يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ثم مائة سنة يعملها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه‏.‏ أن نوحاً عليه السلام لما أمر أن يصنع الفلك قال‏:‏ رب لست بنجار‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ فإن ذلك بعيني فخذ القادوم فجعلت يده لا تخطىء، فجعلوا يمرون به ويقولون‏:‏ هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجاراً، فعملها أربعين سنة‏. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن ميناء‏.‏ أن كعباً رضي الله عنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص، أخبرني عن أول شجرة نبتت على الأرض‏؟‏ قال عبد الله‏:‏ الساج وهي التي عمل منها نوح السفينة فقال كعب رضي الله عنه‏:‏ صدقت‏. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏من يأتيه عذاب يخزيه‏}‏ قال‏:‏ هو الغرق ‏ {‏ويحل عليه عذاب مقيم‏} ‏ قال‏:‏ هو الخلود في النار‏.

ابو السعود

تفسير : {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} حكايةُ حالٍ ماضيةٍ لاستحضار صورتِها العجيبةِ، وقيل: تقديرُه وأخذ يصنع الفلكَ أو أقبل بصنعها فاقتصر على يصنع، وأياً ما كان ففيه ملاءمةٌ للاستمرار المفهومِ من الجملة الواقعةِ حالاً من ضميره، أعني قوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} استهزأوا به لعمله السفينةَ إما لأنهم ما كانوا يعرِفونها ولا كيفيةَ استعمالِها والانتفاعِ بها فتعجبوا من ذلك وسخِروا منه، وإما لأنه كان يصنعها في برّية بهماءَ في أبعد موضعٍ من الماء وفي وقت عزَّتْه عِزَةٌ شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون: يا نوحُ صرتَ نجاراً بعد ما كنت نبـياً، وقيل: لأنه عليه الصلاة والسلام كان يُنذرهم الغرقَ فلما طال مكثُه فيهم ولم يشاهِدوا منه عيناً ولا أثراً عدّوه من باب المُحال ثم لما رأوا اشتغالَه بأسباب الخلاصِ من ذلك فعلوا ما فعلوا، ومدارُ الجميعِ إنكارُ أن يكون لعمله عليه الصلاة والسلام عاقبةٌ حميدةٌ مع ما فيه من تحمل المشاقِّ العظيمة التي لا تكاد تُطاق واستجهالِه عليه السلام في ذلك {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} مستجهلين لنا فيما نحن فيه {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} أي نستجهلكم فيما أنتم عليه، وإطلاقُ السخريةِ عليه للمشاكلة، وجمعُ الضمير في منا إما لأن سخريتَهم منه عليه الصلاة والسلام سخريةٌ من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتُفيَ بذكر سُخريتِهم منه عليه الصلاة والسلام، ولذلك تعرض الجميعُ للمجازاة في قوله تعالى: {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} الخ، فتكافأ الكلامُ من الجانبـين، وتعليقُ استجهالِه عليه الصلاة والسلام إياهم بما فعلوا من السُّخرية باعتبار إظهارِه ومشافهتِه عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك وإلا فعَدُّه عليه الصلاة والسلام إياهم جاهلين فيها يأتون ويذرون أمرٌ مطّردٌ لا تعلُّق له بسخريتهم منهم لكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتصدّىٰ لإظهاره جرياً على نهج الأخلاقِ الحميدةِ، وإنما أظهره جزاءً بما صنعوا بعد اللتيا والتي، فإن سخريتَهم كانت مستمرةً ومتجدّدةً حسب تجدُّدِ مرورِهم عليه، ولم يكن يُجيبهم في كل مرة، وإلا لقيل: ويقول إن تسخروا منّا الخ، بل إنما أجابهم بعد بلوغِ أذاهم الغايةَ كما يؤذِن به الاستئنافُ، فكأن سائلاً سأل فقال: فما صنع نوحٌ عند بلوغِهم منه هذا المبلغ؟ فقيل: قال: إن تسخروا منا أي إن تنسُبونا فيما نحن بصدده من التأهب والمباشرةِ لأسباب الخلاصِ من العذاب إلى الجهل وتسخَروا منا لأجله فإنا ننسُبكم إليه فيما أنتم فيه من الإعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة، ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي والتعّرضِ لأسباب حلولِ سخطِ الله تعالى التي من جملتها استجهالُكم إيانا وسخريتُكم منا. والتشبـيهُ في قوله تعالى: {كَمَا تَسْخَرُونَ} إما في مجرد التحققِ والوقوعِ أو في التجدد والتكررِ حسبما صدر عن ملإٍ غبَّ ملإٍ لا في الكيفيات والأحوالِ التي لا تليق بشأن النبـيِّ عليه الصلاة والسلام فكلا الأمرَين واقعٌ في الحال، وقيل: نسخر منكم في المستقبل سُخريةً مثلَ سُخريتِكم إذا وقع عليكم الغرقُ في الدنيا والحرقُ في الآخرة، ولعل مرادَه نعاملُكم معاملةَ مَنْ يفعل ذلك لأن نفسَ السُّخرية مما لا يكاد يليق بمنصِب النبوةِ، ومع ذلك لا سَدادَ له لأن حالَهم إذ ذاك ليس مما يلائمه السُّخريةُ أو ما يجري مجراها فتأمّلْ.

القشيري

تفسير : لما تَحقَّقَ بما أمر اللَّهُ به لم يأْبَه عند إمضاءِ ما كُلِّفَ به بما سَمِعَ من القيل، ونظر إلى الموعود بطَرْفِ التصديق فكان كالمُشاهِد له قبلَ الوجود.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويصنع الفلك} ينجرها وهى حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة {وكلما} اى يصنعها والحال انه كلما {مر عليه ملأ} اشراف ورؤساء {من قومه سخروا منه} استهزؤا به لعمله السفينة اما لانهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فقالوا يا نوح ما تصنع قال اصنع بيتا يمشى على الماء لتعجبوا من قوله وسخروا منه واما لانه كان يصنعها فى برية بهماء فى ابعد موضع من الماء فى وقت عزته عزة شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون يا نوح صرت نجارا بعدما كنت نبيا ويقولون أتجعل للماء اكافا فاين الماء او لانه كان ينذرهم الغرق فلما طال مكثه فيهم ولم يشاهدوا منه عينا ولا اثرا عدوه من باب المحال ثم لما رأوا اشتغاله باسباب الخلاص من ذلك فعلوا ما فعلوا ومدار الجميع انكار ان يكون لعمله عاقبة حميدة مع ما فيه من تحمل المشاق العظيمة شعر : من اكرنيكم وبدتو برو وخودرا باش هر كسى ىن درود عاقبت كاركه كشت تفسير : قوله كلما ظرف وما مصدرية ظرفية تقديره وفى كل وقت مرور سخروا منه والعامل سخروا منه {قال} استئناف كأن سائلا سال فقال فما صنع نوح عند بلوغ اذاهم الغاية فقيل قال {ان تسخروا منا} [اكر سخريه وافسوس ميكنيد باما] {فانا نسخر منكم كما تسخرون} سخرية مثل سخريتكم اذا وقع عليكم الغرق فى الدنيا والحرق فى الآخرة. قال المولى ابو السعود رحمه الله اى نعاملكم معاملة من يفعل ذلك لان نفس السخرية مما لا يكاد يليق بمنصب النبوة انتهى. يقول الفقير المقصود من هذه السخرية اصابة جزاء السخرية وكل احد انما يجازى من جنس عمله لا من خلاف جنسه الا ترى الى قوله تعالى فى حق الصائمين {أية : كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم فى الايام الخالية} تفسير : فانه يقال لهم يوم القيامة كلوا يا من جوعوا بطونهم واشربوا يا من عطشوا اكبادهم ولا يقال كلوا يا من قطعوا الليل واشربوا يا من ثبتوا يوم الزحف اذ ليس فيه المناسبة بين العمل وجزائه فالآية نظير قوله تعالى {أية : ان الذين اجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون} تفسير : الا ترى الى ما قال فى الجزاء {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} تفسير : ثم تمم بقوله {أية : هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } تفسير : وفى الآية اشارة الى ان اهل النفس وتابعى هواها يستهزئون بمن يستعمل اركان الشريعة الظاهرة ويضحكون منهم فى اتعابهم بها نفوسهم اذهم بمعزل عن اسرارها وانوارها فان سخروا منهم بجهلهم لفائدة هذه السفينة فسوف يسخر بهم من ركبها اذ نجوا وهلكوا. قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فكما ان العالم الغير العامل والجاهل الغير العامل سواء فى كونهما مطروحين عن باب الله تعالى فكذلك العارف الغير العامل والغافل الغير العامل سواء فى كونهما مردودين عن باب الله تعالى لان مجرد العلم والمعرفة ليس سبب القبول والفلاح ما لم يقارن العمل بالكتاب والسنة بل كون مجردهما سبب الفلاح مذهب الحكماء الغير الاسلامية فلا بد معهما من العمل حتى يكونا سببا للنجاة كما هو مذهب اهل السنة والحكماء الاسلامية انتهى كلامه المقبول المفيد شعر : كارى كنيم ورنه حجالت برآود روزى كه رخت جان بجهان دكركثيم تفسير : قال السعدى قدس سره شعر : كنون كوش كآب از كمر دركذشت در وقت سيلابت از سر كذشت

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الاية عن نوح أنه أخذ في عمل السفينة، قال الحسن: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. وقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعاً، وارتفاعها ثلاثين ذراعاً، وبابها في عرضها وقال ابن عباس: كانت ثلاث طبقات طبقة للناس، وطبقة للطير وطبقة للدواب والوحش. وقوله {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} اخبار من الله عن أشراف قومه ورؤسائهم أنهم كلما اجتازوا به وهو يعمل السفينة هزئوا من فعله. وقيل: إنهم كانوا يقولون: يا نوح صرت نجاراً بعد النبوة على طريق الاستهزاء. وقال الرماني: السخرية إظهار خلاف الباطن على جهة يفهم منها استضعاف العقل ومنه التسخير: التذليل استضعافاً بالقهر. والفرق بين السخرية واللعب أن في السخرية خديعة واستنقاصاً، ولا يكون إلا الحيوان، وقد يكون اللعب بجماد لأنه طلب الفرجة من غير مراعاة لما يعقب، كفعل الصبي. وانما كانوا يسخرون من عمل السفينة، لأنه كان يعملها في البر على صفة من الهول، ولا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله. وقوله {إنا نسخر منكم كما تسخرون} جواب من نوح لهم بأنا نسخر منكم يعني نذمكم على سخريتكم، وسماه سخرية، كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها } تفسير : وقوله {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : وأطلق عليه إسم السخرية على وجه الازدواج. وقال قوم: معناه إن تستجهلونا في هذا الفعل فانا نستجهلكم، كما تستجهلون، ذكره الزجاج. وقوله {فسوف تعلمون} (سوف) ينقل الفعل عن الحال إلى الاستقبال مثل السين سواء إلا أن فيه معنى التسويف وهو تعليق النفس بما يكون من الامور. وقوله {من يأتيه عذاب} قيل في معنى {من} قولان: أحدهما - أن يكون بمعنى (أي) كأنه قال فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه. الثاني - أن يكون بمعنى الذي، والمعنى واحد، و {من} إذا كانت استفهاماً استغنت عن الصلة، وإذا كانت الذي فلا بدّ لها من الصلة، كما استغنت (كم. وكيف) لأن البيان مطلوب من المسؤل دون السائل. والخزي العيب الذي تظهر فضيحته والعار به، ومنه الذل والهوان. وقوله {ويحل عليه} معناه ينزل عليه. وقال الرماني: الحلول النزول للمقام وهو من الحل خلاف الارتحال. وحلول العرض وجوده في الجوهر من غير شغل حيز. وقوله {عذاب مقيم} أي دائم لا يزول.

الجنابذي

تفسير : {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} روى عن الباقر (ع) انّ نوحاً (ع) لمّا غرس النّوى مرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون قد قعد غرّاساً، حتّى اذا طال النّخل وكان طوالاً قطعه ثمّ نحته فقالوا قد قعد نجّاراً، ثمّ الّفه فجعله سفينة فمرّوا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون قد قعد مّلاحا فى فلاة من الارض، حتّى فرغ منها، وكأنّه اشار الى اجمال سخريّتهم والاّ فانّهم سخروا منه بانواع ما يسخر به كما نقل {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} وهكذا كان شأن كلّ محقٍّ ومبطلٍ لانّ كلّ من رأى غيره خارجاً من طريقته يسخر منه لكن سخريّة المحقّ عقليّة وسخريّة المبطل خياليّة نفسيّة.

اطفيش

تفسير : {ويَصْنعُ} حكاية حال ماضية، بأن نزل حالهم كأنها حاضرة فى وقت نزول هذه الآية على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو جعله كأنه حاضر لها، وأن زمانه زمانها {الفُلْك وكُلَّما} كل ظرف زمان متعلق بسخروا، ويكون قوله: {قال} استئنافا بيانيا متعلق بقال، فيكون سخروا بدلا من بدل اشتمال، أو يعتا للا، وما مصدرية، والفعل مما بعدها مضاف إليه، وإنما صح أن يكون كل ظرف زمان لإضافته إلى المصدر النائب عن اسم الزمان {مَرَّ عليْهِ} وهو فى عملها فى تهيئة آلات عملها {مَلأ مِنْ قَومهِ} الملأ هنا الجماعة. {سَخِرُوا منْهُ} لعمله، وكان يعملها فى أرض بعيدة من الماء فى وقت عز الماء فيه عزة شديدة، وكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح بينما تزعم أنك رسول رب العالمين، إذ صرت نجارا، ويقولون: ألا ترون هذا المجنون يتخذ بيتا من خشب يسيره على الماء، وقيل: يقولون: يا نوح ما تصنع؟ قال: أصنع بيتا يمشى على الماء فيضحكون منه. {قالَ إنْ تَسْخرُوا} الآن {منَّا فإنَّا نسْخَر} بعد {مِنْكم} إذا غرقتم فى الدنيا، وأحْرقتم فى الآخرة {كَما تسْخَرونَ} ومعنى سخرية الأنبياء والمؤمنين ظهور بطلان كيد أعدائهم، وظهور هلاكهم، وإلا فمنصبهم بعيد عن السخرية، وذكرت فى المشاكلة، أو لأن المراد ترى جزاء سخريتكم، وقيل: المعنى إن تستجهلونا فى عملنا، فإنا نستجهلكم فى استجهالكم، لأنكم لا تستجهلوننا إلا عن جهل بحقيقة الأمر.

اطفيش

تفسير : {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} عطف على محذوف مستأْنف أَى يتهيأْ للصنع بعد أَمرنا له به ويصنع وهو لحكاية الحال الماضية كأَنها حاضرة يشاهدها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره، أَو بمعنى الماضى أَو المضارع بمعنى الماضى، اشتغل بعمل السفينة وكف عن دعاءِ قومه بأَمر الله له عن الكف، يغرس الشجر ويغرس الخشب ويجففه ويهيىءُ القار، وفى رواية أَنه تعالى أَنبع له عين قار، وكل ما تحتاج إِليه السفينة من المسامير وآلات العمل، أَمره الله أَن يعملها من الساج بغرسه ولم يقطعه حتى طال أَربعمائَة ذراع، والذراع إِلى المنكب فى أَربعين سنة، قيل فى التوراة من الصنوبر ويقال بقى مائَة سنة يغرس ويقطع وييبس، ويقال عمل معه فى صنعها سام وحام ويافث بالمنحت وإِجراء على النحت، وأَمره الله عز وجل أَن يطليها بالقار خارجاً وداخلا ويجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين وإِلى السماء ثلاثين بذراع أَهل ذلك الزمان مقدار قامتنا بعدهم إِلى المنكب أَو طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون، وإِلى السماءِ ثلاثون، أَو طولها أَلف ذراع ومائَتا ذراع وعرضها سبعمائَة ذراع، وروى ستمائَة وجعلها ثلاثة بطون وفيها كوى وبابها من عرضها، وفى البطن الأَول الوحوش والسباع والهوام وفى الأَوسط الدواب والأَنعام وفى الأَعلى الناس وما يحتاجون إِليه من طعام وغيره، وقيل الطبقة الأُولى للناس والعليا للطير، وكثر روث الدواب فأَوحى الله عز وجل إِليه أَن اغمز ذنب الفيل فوقع منه خنزير وخنزيرة ومسح على الخنزير فخرج الفأْر فأْقبلت تأْكل وأَفسدت الفأَرة وأَقبلت تأْكل الحبال فأْوحى الله عز وجل إِليه أَن اضرب بين عينى الأَسد فخرج من منخره سنور وسنورة وبين الأَسد والسنور شبه وكذا بين الفيل والخنزير فأَقبل السنور والسنورة على الفأْر، وهذا على أَن فى السفينة نوح حبالا، وكأَنها تجرى بالقلوع والريح وعلى أَنها مفتوحة إِلى السماءِ، وقيل تجرى بين ماءِ السماءِ وماءِ الأَرض وأَن الخنزير والفأْر والسنور غير موجودة، والأَكثرون على خلاف ذلك، ولعلها وجدت ولم يحملها لأَمر الله أَو لعدم إِتيانها بأَمره تعالى، وروى أَنه قال عليه السلام يا رب كيف يجتمع الهر والحمام والأَسد والبقرة والعناق والذئْب؟ فقال الله عز وجل: أَنا أَلقيت بينهن العداوة وأَنا أُلقى بينهن الصلح. فقال يا ربى الأَسد والفيل فأَلقى عليهما الحمى فلا يضران، وأَمكنه حملها، ويقال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا يصف السفينة لنا فانطلق بهم إِلى كثيب فأَخذ كفا، فقال أَتدرون من هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: هذا كعب بن حام فضرب بعصاه فقال قم بإِذن الله، فإِذا هو حى ينفض التراب عن رأْسه وقد شاب. فقال له: أَهكذا هلكت؟ قال: لا... مت شابا ولكن ظننت الساعة قامت فشبت. فقال: حدثنا عن سفينة نوح. فقال طولها أَلف ومائتا ذراع وعرضها ستمائَة وفيها طبقة للدواب، والوحوش وطبقة للناس وطبقة للطير. ثم قال له: عد بإِذن الله تراباً، فعاد. وأَين طبقة الجن ولعلهم إِن كانوا فيها مسلمين يكونوا حيث شاءُوا وشرع فى حدمتها، وكانت فى سنتين وعن كعب فى ثلاثين سنة وقيل فى أَربعمائَة سنة وقيل فى أَربعين سنة وقيل ستين، وقيل ثلاث سنين، وكانوا يفسدونها فأَمره الله أَن يتخذ لها كلباً، وعملها فى هند أَو الكوفة أَو الشام أَو الجزيرة روايات لا ندرى صحتها ولا دليل فيها ولا حديث، وكذا روايات طولها وعرضها وموضع صنعها ومدة المكث فيه، ولا يقبل العقل كثيراً منها ونؤْمن بنفسها، كانوا يمرون عليه ويقولون صرت نجاراً بعد النبوة كما قال عز وجل {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأَ مِّنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} استهزءُوا به فيقولون متضاحكين أَنجارة بعد نبوة؟ وما هذا البناءُ الذى تبنى لا عاقبة له محمودة إِلا التعب فإِن كان للماءِ كما تزعم أَن الغرق يأْتينا فكيف تبنيه فى موضع بعيد من الماءِ، وفى وقت عزة الماءِ عزة شديدة، كما قيل سخروا منه واستجهلوه لذلك، ولقوله إِذا قالوا ما لهذه الأَلواح، إِنى أَبنى بها بيتاً يمشى على الماءِ، والملأُ الجماعة مطلقاً أَو ترفع ولعل غيرهم كالفرد لا يجترىءُ على ذلك، وكل ظرف لإِضافته إِلى مصدر مؤَول من مؤَول الفعل نائِب عن الزمان متعلق بسخروا {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا} فى الدنيا {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُم} فيها عند الغرق وفى الآخرة عند الحرق {كَمَا تَسْخَرُونَ} إِذا أَخذكم الغرق وأُحرقتم فيه وفى الآخرة ونجونا دنيا وأُخرى، وهذا مستأْنف جواب كأَنه قيل: فماذا يقول لهم إِذا سخروا منه؟ فقال الله عز وجل: {إِن تسخروا} إِلخ، وهذا أَولى من تعليق كما يقال وجعل سخروا نعت الملأ أَو حالا أَو بدلا من مر إِلخ اشتماليا لأَنه لم يجر ذكر لسخر الملإِ منه إِلا فى قوله وكلما مر عليه إِلخ، وسخرية نوح منهم استجهالهم فى كفرهم أَو فرحه بهلاكهم إِذا هلكوا وإِلا فالأَنبياءُ لا يسخرون، وقد قيل إِطلاق السخرية على الاستجهال إِطلاق للمسبب على السبب، أَو ذلك للمشاكلة، وأَجاز بعض أَن يكون حقيقة وأَنها تجوز فى حق النبى انتقاماً من فاعلها، قلت: لا يصح هذا والأَنبياءُ لا تنتقم، اللهم إِلا إِن أَمره الله عز وجل بها انتقاماً لدينه، ويجوز أَن يراد بسخريائِه الجزاء على سخريائهم، قيل أَو الشمت بهم عند الغرق ولما يئِس من إِيمانهم لم يبال بإِغضابهم وكف عن دعائِهم إِلى الإِيمان.

الالوسي

تفسير : {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة. وقيل: تقديره وأخذ أو أقبل يصنع الفلك. وكانت على ما روي عن قتادة وعكرمة والكلبـي من خشب الساج وقد غرسه بنفسه ولم يقطعه حتى صار طوله أربعمائة ذراع والذراع إلى المنكب في أربعين سنة على ما روي عن سلمان الفارسي، وقيل: أبقاه عشرين سنة، وقيل: مكث مائة سنة يغرس ويقطع وييبس، وقال عمرو بن الحرث: لم يغرسه بل قطعه من جبل لبنان. وعن ابن عباس أنها كانت من خشب الشمشاد وقطعه من جبل لبنان، وقيل: إنه ورد في التوراة أنها كانت من الصنوبر، وروي أنه كان سام وحام ويافث ينحتون معه، وفي رواية أنه عليه السلام كان معه أيضاً أناس استأجرهم ينحتون، وذكر أن طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون وارتفاعها في السماء ثلاثون. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي وعرضها ستمائة ذراع وصنع لها باباً في وسطها، وأتم صنعها على ما روي عن مجاهد في ثلاث سنين. وعن كعب الأحبار في أربعين سنة، وقيل: في ستين، وقيل: في مائة سنة، وقيل: في أربعمائة سنة. واختلف في أنه في أي موضع صنعها، فقيل: في الكوفة، وقيل: في الهند، وقيل: في أرض الجزيرة، وقيل: فى أرض الشام، وسفينة الأخبار في تحقيق الحال فيما أرى لا تصلح للركوب فيها إذ هي غير سالمة عن عيب، فالحرى بحال من لا يميل إلى الفضول أن يؤمن بأنه عليه السلام صنع الفلك حسبما قص الله تعالى في كتابه ولا يخوض في مقدار طولها وعرضها وارتفاعها ومن أي خشب صنعها وبكم مدة أتم علمها إلى غير ذلك مما لم يشرحه الكتاب ولم تبينه السنة الصحيحة. وهذا وفي التعبير ـ بيصنع ـ على ما قيل: ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الواقعة حالاً من ضميره أعني قوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} أي استهزأوا به لعمله السفينة إما لأنهم ما كانوا يعرفونها ولا كيفية استعمالها فتعجبوا من ذلك وسخروا منه، ويشهد لعدم معرفتهم ما روي عن ابن عباس أنه عليه السلام حين قال الله تعالى له: {أية : ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ }تفسير : [هود: 37] قال: يا رب وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء قال يا رب: وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاء قدير، وإما لأنه عليه السلام كان يصنعها في برية بعيدة عن الماء وكانوا يتضاحكون، ويقولون: يا نوح صرت نجاراً بعد ما كنت نبياً، وهذا مبني على أن السفينة كانت معروفة بينهم، ويشهد له ما أخرجه ابن جرير والحاكم وصححه ـ وضعفه الذهبـي ـ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كان نوح قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعل يعملها سفينة فيرونه ويسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر وكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون تفسير : الحديث والأكثرون ـ كما قال ابن عطية ـ على أنهم لم يكونوا رأوا سفينة قط ولا كانت إذ ذاك، وقد ذكر في «كتب / الأوليات» أن نوحاً عليه السلام أو من عمل السفينة، والحق أنه لا قطع بذلك، و ـ كل ـ منصوب على الظرفية و {مَا} مصدرية وقتية أي كل وقت مرور، والعامل فيه جوابه وهو {سَخِرُواْ}. وقوله سبحانه: {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} استئناف بياني كأن سائلاً سأل فقال: فما صنع نوح عليه السلام عند بلوغهم منه هذا المبلغ؟ فقيل: قال: إن تسخروا منا لهذا العمل ومباشرة أسباب الخلاص من العذاب فإنا نسخر منكم لما أنتم فيه من الإعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي، والتعرض لأسباب حلول سخط الله تعالى التي من جملتها سخريتكم منا واستهزاؤكم بنا، وإطلاق السخرية عليهم حقيقة، وعليه عليه السلام للمشاكلة لأنها لا تليق بالأنبياء عليهم السلام، وفسرها بعضهم بالاستجهال؛ وهو مجاز لأنه سبب للسخرية، فأطلقت السخرية وأريد سببها. وقيل: إنها منه عليه السلام لما كانت لجزائهم من جنس صنيعهم لم تقبح فلا حاجة لارتكاب خلاف الظاهر، وجمع الضمير في {مِنَّا} إما لأن سخريتهم منه عليه السلام سخرية من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتفى بذكر سخريتهم منه عليه السلام ولذلك تعرض الجميع للمجازاة في قوله: {نَسْخَرُ مِنكُمْ} فتكافأ الكلام من الجانبين. والتشبيه في قوله سبحانه: {كَمَا تَسْخَرُونَ} إما في مجرد التحقق والوقوع، وإما في التجدد والتكرر حسبما صدر عن ملأ بعد ملأ، وقيل: لا مانع من أن يراد الظاهر ولا ضرر في ذلك لحديث الجزاء، ومن هنا قال بعضهم: إن في الآية دليلاً على جواز مقابلة نحو الجاهل والأحمق بمثل فعله ويشهد له قوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ }تفسير : [البقرة: 194] {أية : وَجَزَآء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } تفسير : [النحل: 126] إلى غير ذلك، والظاهر أن كلا الفعلين واقع في الحال. وقال ابن جريج: المعنى إن تسخروا منا في الدنيا فإنا نسخر منكم في الآخرة، وقيل: في الدنيا عند الغرق وفي الآخرة عند الحرق، قال الطبرسي: إن المراد من {نَسْخَرُ مِنكُمْ} على هذا نجازيكم على سخريتكم أو نشمت بكم عند غرقكم وحرقكم، وفيه خفاء. هذا وجوز أن يكون عامل {كُلَّمَا} {قَالَ}، وهو الجواب، وجملة {سَخِرُواْ} صفة لملأ أو بدل من {مَرَّ} بدل اشتمال ون مرورهم للسخرية فلا يضر كون السخرية ليست بمعنى المرور ولا نوعاً منه، وأبو حيان جعل ذلك مبعداً للبدلية وليس بذلك، ويلزم على هذا التجويز استمرار هذا القول منه عليه السلام وهو ظاهر، وعلى الإعراب قيل: لا استمرار وإنما أجابهم به في بعض المرات، ورجح بأن المقصود بيان تناهيهم في إيذائه عليه السلام وتحمله لأذيتهم لا مسارعته عليه السلام إلى الجواب كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام، وقد يقال: إن في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام بعد أن يئس من إيمانهم لم يبال بإغضابهم ولذا هددهم التهديد البليغ بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : واصنع الفلك}تفسير : [هود: 37]، أي أوحي إليه {اصنع الفلك}، وصَنَع الفلك. وإنما عبر عن صنعه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة لتخييل السامع أن نوحاً ـ عليه السلام ـ بصدد العمل، كقوله: {أية : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً}تفسير : [فاطر: 9] وقوله: {أية : يجادلنا في قوم لوطٍ}تفسير : [هود: 74]. وجملة {وكلما مر عليه ملأ} في موضع الحال من ضمير {يصنع}. و{كلّما} كلمة مركبة من (كل) و(ما) الظرفية المصدرية، وانتصبت (كل) على الظرفية لأنها اكتسبت الظرفية بالإضافة إلى الظرف، وهو متعلّق {سخروا}، وهو جوابه من جهة أخرى. والمعنى: وسَخر منه ملأ من قومه في كل زمن مرورهم عليه. و(لما) في (كلما) من العموم مع الظرفية أشربت معنى الشرط مثل (إذا) فاحتاجت إلى جواب وهو {سَخروا منه}. وجملة {قال إن تسخروا منا} حكاية لما يجيب به سخريتهم، أجريت على طريقة فعل القول إذا وقع في سياق المحاورة، لأن جملة {سخروا} تتضمن أقوالاً تنبني عن سخريتهم أو تبين عن كلام في نفوسهم. وجمع الضمير في قوله: {مِنّا} يشير إلى أنهم يسخرون منه في عمل السفينة ومن الذين آمنوا به إذْ كانوا حَوله واثقين بأنه يعمل عَملاً عظيماً، وكذلك جمعه في قوله: {فإنّا نسخر منكم}. والسخرية: الاستهزاء، وهو تعجب باحتقار واستحماق. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فحَاق بالذين سَخروا منهم}تفسير : في أول سورة [الأنعام: 10]، وفعلها يتعدى بـ(من). وسخريتهم منه حمل فعله على العبث بناء على اعتقادهم أن ما يصنعه لا يأتي بتصديق مدعاه. وسخرية نوح ـ عليه السلام ـ والمؤمنين، من الكافرين من سفه عقولهم وجهلهم بالله وصفاته. فالسخريتان مقترنتان في الزمن. وبذلك يتضح وجه التشبيه في قوله: {كما تسخرون} فهو تشبيه في السبب الباعث على السخرية، وإن كان بين السببيْن بَون. ويجوز أن تجعل كاف التشبيه مفيدة معنى التعليل كالتي في قوله تعالى: {أية : واذكروه كما هداكم}تفسير : [البقرة: 198] فيفيد التفاوت بين السخريتين، لأن السخرية المعللة أحق من الأخرى، فالكفار سخروا من نوح ـ عليه السلام ـ لعمل يجهلون غايته، ونوح ـ عليه السّلام ـ وأتباعه سخروا من الكفار لعلمهم بأنهم جاهلون في غرور، كما دل عليه قوله: {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} فهو تفريع على جملة {فإنّا نسخر منكم} أي سيظهر مَن هو الأحق بأن يسخر منه. وفي إسناد (العلم) إلى ضمير المخاطبين دون الضمير المشارك بأن يقال: فسوف نعلم، إيماء إلى أن المخاطبين هم الأحق بعلم ذلك. وهذا يفيد أدباً شريفاً بأن الواثق بأنه على الحق لا يزعزع ثقته مقابلة السفهاء أعماله النافعة بالسخرية، وأن عليه وعلى أتباعه أن يسخروا من الساخرين. والخزي: الإهانة، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ربنا إنك مَن تدخل النار فقد أخزيته}تفسير : في آخر سورة [آل عمران: 192]. والعذاب المقيم: عذاب الآخرة، أي من يأتيه عذاب الخزي في الحياة الدنيا، والعذاب الخالد في الآخرة. و{مَن} استفهامية معلّقة لفعل العِلم عن العمل، وحلول العذاب: حصوله؛ شبه الحصول بحلول القادم إلى المكان وهو إطلاق شائع حتى ساوى الحقيقة.

د. أسعد حومد

تفسير : (38) وَأَخَذَ نُوحٌ يَصْنَعُ السَّفِينَةَ، فَكَانَ كُبَرَاءُ قَوْمِهِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ، وَيَرَوْنَ مَا يَصْنَعُ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيُكَذِِّبُونَهُ فِيمَا يَتَوَعَّدُهُمْ بِهِ مِنَ الغَرَقِ، فَكَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا لِرُؤْيَتِكُمْ مَا لاَ تَتَصَوَّرُونَهُ مُفِيداً اليَوْمَ، فَإِنَّنَا سَنَسْخَرُ مِنْكُمْ غَداً، حِينَمَا يَأْتِي وَعْدُ اللهِ، وَيَحِلَّ بِكُمْ مَا أَنْذَرَكُمْ بِهِ مِنْ عَذَابِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان السادة والكبراء من ملأ نوح يمرون عليه وهو يصنع السفينة يسخرون منه، بما يعني: ها هو بعد أن ادَّعى النبوة يتحوَّل إلى نجَّار، ثم يتساءلون: كيف تصل هذه السفينة من "الموصل" إلى البحر؟ ولم يكونوا قد علموا ما علمه نوح عليه السلام من أن الماء هو الذي سوف يأتي ليحمل السفينة. ونحن نلحظ في قول الحق سبحانه: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ ..} [هود: 38]. تنفيذ الأمر الذي صدر من الله سبحانه وتعالى إلى نوح عليه السلام حين قال سبحانه: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ}تفسير : [هود: 37]. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بدما أوصاه الحق وأمره، شرع {يَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} بتعليم جبرائيل عليه السلام إياه بإذن الله {وَ} كان {كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ} طائف {مِّن قَوْمِهِ} حين اشتغل بالفلك {سَخِرُواْ مِنْهُ} واسهزءوا به؛ لكونه في باديةٍ لا ماء فيها، وقالوا على سبيل التهكم: صرت نجاراً بعدما كنت نبياً {قَالَ} لهم نوح المكشوف عنده مآل ما أمر الحق له: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} الآن لجهلكم بسر صنيعنا {}فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ حين كنا على الفكل وأنتم غرقى {كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] اليوم منا. {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود: 39] وتدركون وبال ما أنتم عليه من الاستهزاء والسخرية. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} وجان أجلنا الذي أجلنا لمقتهم وهلاكهم {وَفَارَ} أي: نبع حينئذٍ {ٱلتَّنُّورُ} المعهود في حضرة علمنا، نبع ماء الطوفان، وبعد فوران التنور وغليانه وأطلعت عليه امرأته فأخبرته إياه {قُلْنَا} له تفضيلاً عليه وامتناناً: {ٱحْمِلْ فِيهَا} أي: في السفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ} أي: من جنس ما يعيش في الهواء {ٱثْنَيْنِ} ذكراً وأنثى {وَ} احمل أيضاً عليها {أَهْلَكَ} أي: جميع أهل بيتك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} منا في سابق قضائنا بأنه كان من الكفارين المغرقين {وَ} احمل أيضاً عليها {مَنْ آمَنَ} لك من قومك {وَ} الحال أنه {مَآ آمَنَ مَعَهُ} من قومه {إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40] قيل: كانوا تسعة وسبعين وزوجته السملمة وبنوه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلاً من غيرهم. روي أنه عليه لسلام أتم السفينة وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في أسفلها الدواب والوحوش، وفي أوسطها الإنس، وفي أعلاها الطير. {وَ} بعدما نبع التنور وانتشر الماء وانبسط على الأرض {قَالَ} نوح بوحي الله إياه: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أي: صيروا في جوفها متمكنين، واستقروا عليها قائلين متيمنين: { بِسْمِ ٱللَّهِ} إذ هو سبحانه بحوله وقوته {مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} حيث أراد إجراءها وإرساءها {إِنَّ رَبِّي} الذي رباني بلطفه وأوصاني بصنعها {لَغَفُورٌ} لمن استغفر له {رَّحِيمٌ} [هود: 41] يقبل توبته ويمحو زلته ومنجو عن عذابه، فركبوا مسمين متيمنين. {وَهِيَ} أي: السفينة {تَجْرِي بِهِمْ فِي} خلال {مَوْجٍ} وهو ما ارتفع من الماء من شدة الريح عالٍ {كَٱلْجِبَالِ} الشامخ {وَ} حينئذ {نَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} المسمى بكنعان {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} من آبيه؛ أي: اعتزل عنه وانصرف عن دينه، فرآه بين الماء، فتحرك عطف الأبوة فصاح عليه: {يٰبُنَيَّ} صغره للشفقة والترحم {ٱرْكَبَ مَّعَنَا} لتنجو من الغرق {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} [هود: 42] حتلا لا نغرق. {قَالَ} ابنه مستنكراً عليه: {سَآوِيۤ} والتجئ {إِلَىٰ جَبَلٍ} عالٍ {يَعْصِمُنِي مِنَ} إغراق {ٱلْمَآءِ} بشموخه وعلوه {قَالَ}: يا بني {لاَ عَاصِمَ} ولا ينجي {ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} المبرم وحكمه المحكم {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} الله وأنجاه؛ إذ لا عاصم غيره {وَ} حينئذٍ {حَالَ بَيْنَهُمَا} أي: بين نوح وابنه {ٱلْمَوْجُ} العظيم {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] أي: صار ابنه من الغرقى الهالكين.