Verse. 1512 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ۝۰ۙ مَنْ يَّاْتِيْہِ عَذَابٌ يُّخْزِيْہِ وَيَحِلُّ عَلَيْہِ عَذَابٌ مُّقِيْمٌ۝۳۹
Fasawfa taAAlamoona man yateehi AAathabun yukhzeehi wayahillu AAalayhi AAathabun muqeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فسوف تعلمون من» موصولة مفعول العلم «يأتيه عذاب يخزيه ويحلّ» ينزل «عليه عذاب مقيم».

39

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن } موصولة مفعول العِلْم {يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ } ينزل {عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فسوف تعلمون} يعني فسترون {من يأتيه} يعني أينا يأتيه نحن أو أنتم {عذاب يخزيه} يعني يهينه {ويحل عليه عذاب مقيم} يعني في الآخرة فالمراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا وهو الغرق والمراد بالعذاب الثاني عذاب الآخرة وعذاب النار الذي لا انقطاع له. وقوله عز وجل: {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور} يعني وغلى والفور الغليان وفارت القدر إذا غلت. والتنور: فارسي معرب لا تعرف له العرب اسماً غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون وقيل إن لفظ التنور جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي وقيل إن لفظ التنور أصله أعجمي فتكلمت به العرب فصار عربياً مثل الديباج ونحوه واختلفوا في المراد بهذا التنور، فقال عكرمة والزهري: هو وجه الأرض وذلك أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء قد فار على وجه الأرض فاركب السفينة فعلى هذا يكون قد جعل فوران التنور علامة لنوح على هذا الأمر العظيم وقال علي: فار التنور أي طلع الفجر ونور الصبح شبه نور الصبح بخروج النار من التنور، وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إن التنور هو الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر المفسرين ورواية عن ابن عباس، أيضاً وهذا القول أصح لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه. فإن قلت الألف واللام في لفظ التنور للعهد وليس هاهنا معهود سابق عند السامع فوجب حمله على غيره وهو شدة الأمر والمعنى إذا رأيت الماء يشتد نبوعه ويقوى فانج بنفسك ومن معك. قلت: لا يبعد أن يكون ذلك التنور معلوماً عند نوح عليه السلام، قال الحسن كان تنوراً من حجارة وكانت حواء تخبز فيه ثم صار إلى نوح وقيل له إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك واختلفوا في موضع التنور فقال مجاهد نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته وكان ذلك في ناحية الكوفة وكان الشعبي يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، قال الشعبي: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان فوران التنور علامة لنوح عليه السلام، وقال مقاتل: كان ذلك التنور تنور آدم وكان بالشام بموضع يقال له عين وردة وروي عن ابن عباس أنه كان بالهند قال: والفوران الغليان {قلنا احمل فيها} يعني: قلنا لنوح احمل في السفينة {من كل زوجين اثنين} الزوجان كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر كالذكر والأنثى يقال لكل واحد منهما زوج والمعنى من كل صنف زوجين ذكراً أو أنثى فحشر الله سبحانه وتعالى إليه الحيوان من الدواب والسباع والطير فجعل نوح يضرب بيديه في كل جنس منها فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى فيجعلهما في السفينة {وأهلك} أي واحمل أهلك وولدك وعيالك {إلا من سبق عليه القول} يعني بإهلاك وأراد به امرأته واعلة وولده كنعان {ومن آمن} يعني واحمل معك من آمن بك من قومك {وما آمن معه إلا قليل} اختلفوا في عدد من حمل نوح معه في السفينة فقال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي لم يكن في السفينة إلا ثمانين: نفر نوح وامرأته وثلاثة بنين له وهم سام وحام ويافث ونساؤهم؛ وقال الأعمش: كانوا سبعة نوحاً وبنيه وثلاث كنائن له. وقال محمد بن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم وهم نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة نفر آمنوا بنوح وأزواجهم جميعاً، وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفراً رجلاً وامرأة وقال ابن عباس كان في السفينة ثمانون رجلاً أحدهم جرهم، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: {وما آمن معه إلا قليل} فوصفهم الله سبحانه وتعالى بالقلة ولم يحدد عدداً بمقدار فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله سبحانه وتعالى إذ لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم عليه السلام فجعله معترضاً بين الرجال والنساء وقصد نوحاً جميع الدواب والطيور ليحملها قال ابن عباس: أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار فلما أراد أن يدخل الحمار أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه فلم تنتقل رجلاه وجعل نوح يقول له ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال له أدخل وإن كان الشيطان معك كلمة ذلت على لسانه فلما قالها نوح خلى سبيل الحمار فدخل الحمار ودخل الشيطان معه فقال له نوح ماذا أدخلك عليّ يا عدو الله قال ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك قال اخرج عني يا عدو الله. قال: لا بد من أن تحملني معك فكان فيما يزعمون على ظهر السفينة، هكذا نقله البغوي وقال الإمام فخر الدين الرازي: وأما الذي يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق وأيضاً فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح فالأولى ترك الخوض فيه، قال البغوي: وروي عن بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحاً عليه السلام فقالتا احملنا معك فقال إنكما سبب البلاء فلا أحملكما فقالتا احملنا فنحن نضمن لك أن لا نضر أحداً ذكرك فمن قرأ حين يخاف مضرتهما سلام على نوح في العالمين لم تضراه وقال الحسن لم يحمل نوح معه في السفينة إلا ما يلد ويبيض وأما ما سوى ذلك مما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئاً.

ابو السعود

تفسير : {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} وهو عذابُ الغَرَقِ {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} حلولَ الدَّيْن المؤجل {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} هو عذابُ النارِ الدائمُ وهو تهديدٌ بليغٌ، و(مَنْ) عبارةٌ عنهم، وهي إما استفهاميةٌ في حيز الرفعِ أو موصولةٌ في محل النصبِ بتعلمون وما في حيِّزها سادٌّ مسدَّ مفعولين أو مفعولٍ واحدٍ إن جُعل العلمُ بمعنى المعرفةِ، ولما كان مدارُ سخريتِهم استجهالَهم إياه عليه الصلاة والسلام في مكابدة المشاقِّ الفادحةِ لدفع ما لا يكاد يدخُل تحت الصِّحةِ على زعمهم من الطوفان ومقاساةِ الشدائِد في بناء السفينةِ وكانوا يعدّونه عذاباً قيل بعد استجهالِهم فسوف تعلمون مَنْ يأتيه العذابُ يعني أن أُباشرُه ليس فيه عذابٌ لاحقٌ بـي فسوف تعلمون مَنِ المعذَّبُ، ولقد أصاب العلمُ بعد استجهالِهم محزّه، ووصفُ العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخريةِ من لُحوق الخِزْي والعارِ عادة، والتعرُّضُ لحلول العذاب المقيمِ للمبالغة في التهديد، وتخصّصُه بالمؤجل وإيرادُ الأول بالإتيان في غاية الجزالة. {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا} حتى هي التي يُبتدأ بها الكلامُ دخلت على الجملة الشرطيةِ وهي مع ذلك غايةٌ لقوله: {أية : وَيَصْنَعُ} تفسير : وما بـينهما حالٌ من الضمير فيه، وسخِروا منه جوابٌ لكلما، وقال استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ كما ذكرناه وقيل: هو الجوابُ وسِخروا منه بدلٌ من مرّ أو صفةٌ لملأ وقد عرفت أن الحقَّ هو الأولُ لأن المقصودَ بـيانُ تناهيهم في إيذائه عليه الصلاة والسلام وتحمُّلِه لأذيَّتهم لا مسارعتُه عليه الصلاة والسلام إلى جوابهم كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} نبعَ منه الماءُ وارتفع بشدة كما تفور القِدْرُ بغَليانها، والتنّورُ تنّورُ الخبز، وهو قول الجمهور. روي أنه قيل لنوح عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتَ الماءَ يفورُ من التنور فاركبْ ومن معك في السفينة فلما نبع الماءُ أخبرتْه امرأتُه فركب، وقيل: كان تنورَ آدمَ عليه الصلاة والسلام وكان من حجارة فصار إلى نوح، وإنما نبع منه وهو أبعدُ شيء من الماء على خرق العادةِ وكان في الكوفة في موضع مسجدها عن يمين الداخلِ مما يلي باب كِنْدة، وكان عملُ السفينةِ في ذلك الموضع، أو في الهند أو في موضع بالشام يقال له عين وردة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما وعِكرمةَ والزُّهري أن التنورَ وجهُ الأرض، وعن قتادةَ أشرفُ موضع في الأرض أي أعلاه، وعن علي رضى الله تعالى عنه فار التنور طلع الفجرُ {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا} أي في السفينة وهو جوابُ إذا {مِن كُلّ} أي من كل نوعٍ لا بد منه في الأرض {زَوْجَيْنِ} الزوجُ ما له مشاكلٌ من نوعه فالذكرُ زوجٌ للأنثى كما هي زوجٌ له وقد يُطلق على مجموعهما فيقابل الفرد، ولإزالة ذلك الاحتمالِ قيل: {ٱثْنَيْنِ} كلٌّ منهما زوجٌ للآخر وقرىء على الإضافة، وإنما قُدم ذلك على أهله وسائرِ المؤمنين لكونه عريقاً فيما أُمر به من الحمل لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمالِ منه عليه الصلاة والسلام في تميـيز بعضِه من بعض وتعيـينِ الأزواج، فإنه رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أحْمل من كلَ زوجين اثنين فحشر الله تعالى إليه السباعَ والطيرَ وغيرَهما فجعل يضرِب بـيديه في كل جنس فيقع الذكرُ في يده اليمنى والأنثى في اليسرى فيجعلهما في السفينة، وأما البشرُ فإنما يدخلُ الفُلكَ باختياره فيخِفّ فيه معنى الحَمْل، أو لأنها إنما تحمِلُ بمباشرة البشر وهم إنما يدخُلونها بعد حلمهم إياها. {وَأَهْلَكَ} عطفٌ على زوجين أو على اثنين والمرادُ امرأتُه وبنوه ونساؤهم {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بأنه من المغرَقين بسبب ظلمِهم في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : الآية، والمرادُ به ابنُه كنعان وأمُّه واعلةُ فإنهما كانا كافرين والاستثناءُ منقطِعٌ إن أريد بالأهل الأهلُ إيماناً وهو الظاهرُ كما ستعرفه أو متصلٌ إن أريد به الأهلُ قرابة ويكفي في صحة الاستثناءِ المعلوميةُ عند المراجعةِ إلى أحوالهم والتفحّصُ عن أعمالهم، وجيء بعلى لكون السابقِ ضارًّا لهم كما جيء باللام فيما هو نافعٌ لهم من قوله عز وجل: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الصافات: 171] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الأنبياء: 101] {وَمَنْ ءامَنَ} من غيرهم، وإفرادُ الأهلِ منهم للاستثناءِ المذكورِ، وإيثارُ صيغةِ الإفراد في آمن محافظةً على لفظ مَنْ للإيذان بقلتهم كما أعرب عنه قولُه عز قائلاً: {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قيل: كانوا ثمانيةً، نوحٌ عليه الصلاة والسلام وأهلُه وبنوه الثلاثةُ ونساؤُهم. وعن ابن إسحاقَ كانوا عشرةً، خمسةَ رجالٍ وخمسَ نسوةٍ، وعنه أيضاً أنهم كانوا عشرةً سوى نسائِهم وقيل: كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً، وأولادُ نوحٍ سامٌ وحامٌ ويافث ونساؤُهم فالجميع ثمانيةٌ وسبعون نصفُهم رجالٌ ونصفُهم نساء، واعتبارُ المعيةِ في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقرّ الأمانِ والنجاة.

القشيري

تفسير : لا طاعةَ لمخلوقٍ في مقاساة تقديره - سبحانه - إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحُكْمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فسوف تعلمون من} عبارة عنهم وعى اما استفهامية فى حيز الرفع او موصولة فى محل النصب يتعلمون وما فى حيزها ساد مسد المفعولين. قال سعدى المفتى من موصولة ويعدى تعلمون الى واحد استعمالا لها استعمال عرف فى التعدية الى واحد {يأتيه عذاب} وهو عذاب الغرق {يخزيه} يهنيه ويذله وصف العذاب بالاخزاء لما فى الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزى والعار عادة {ويحل عليه} حلول الدين الذى لا انفكاك عنه ففى الكلام استعارة مكنية حيث شبه العذاب الاخروى الذي قضى الله تعالى به حقهم بالدين المؤجل الواجب الحلول واثبت له الحلول الذى هو من لوازمه {عذاب مقيم} دائم هو عذاب النار

الجنابذي

تفسير : {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} من استفهاميّة مفعول تعلمون والفعل معلّق عنها ويخزيه صفة عذاب {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} عطف على يأتيه او موصولة مفعولاً لتعلمون بمعنى تعرفون وباقى اجزاء الجملة كما ذكر او موصولة مفعولاً اوّلا لتعلمون ويخزيه مفعول ثان ويحلّ عطف على يخزيه او موصولة مبتدأ ويخزيه خبرها ويحلّ عطف عليه والجملة مستأنفة وتعلمون مطلق عن المفعول.

اطفيش

تفسير : {فسَوفَ تعْلَمونَ مَن يأتيهِ} مفعول تعملون ومعناه تعرفون {عَذابٌ يُخْزِيه} يهينه وهم قومه، والعذاب الغرق. {ويَحلُّ} ينزل {عَليْه عَذابٌ مُقيمٌ} دائم وهو النار، ويجوز أن يكون على طريق الاستعارة بالكناية، بأن مشبه العذاب المقيم بالدين المؤجل الذى لا انفكاك عنه، ورمز إلى ذلك بذكر الحلول الملائم للدين المؤجل.

اطفيش

تفسير : من استفهامية علقت التعلم عن نصب مفردين إِلى نصب محل جملة قامت مقامهم، وهى من يأْتيه من المبتدإِ أَو الخبر، أَو علقت التعلم بمعنى تعرف عن نصب مفرد إِلى نصب جملة قائِمة مقامه، أَو من موصولة، وتعلم بمعنى تعرف وإِن كان على بابه قدر مفعول ثان بعد مقيم معلوم من المقام أَى فسوف تعلمون من يأْتيه عذاب يخزيه إِلخ من هو، والعذاب المخزى الغرق والمقيم عذاب الآخرة، ويحل ينزل أَو يحل حلول أَجل الدين على الاستعارة المكنية شبه عذاب الآخرة المؤَجل بالدين، ورمز لذلك بلزم الدين المؤَجل وهو الحلول، ويجوز حمل ذلك على الاستعارة التمثيلية، ويجوز حمل العذاب المخزى على العموم والمقيم على عذاب الآخرة تخصيصاً بعد تعميم وتهويلا لعذاب الآخرة لشدته ودوامه، وهذا أَبلغ والأَول أَظهر لتبادر أَن الأَصل عدم العموم ثم التخصيص، وفى الآية رد عليهم إِذا زعموا أَن اشتغاله بغرس الأَشجار وقطعها وعمل السفينة عذاب عظيم بلا فائِدة، لأَن العذاب هو عذابهم المخزى والمقيم لا ما هو فيه فإِنه لنجاة الدنيا وفوز الآخرة الدائِم.

الالوسي

تفسير : {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي يفضحه أو يذله أو يهلكه، وهي أقوال متقاربة، والمراد بذلك العذاب الغرق {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} حلول الدين المؤجل {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائم وهو عذاب النار، و {مِنْ} عبارة عنهم، وهي موصولة في محل نصب مفعول للعلم، وهو بمعنى المعرفة فيتعدى إلى واحد. وجوز ابن عطية أن يراد العلم المتعدي إلى مفعولين لكنه اقتصر على واحد، وتعقبه في «البحر» ((بأنه لا يجوز حذف الثاني اقتصاراً لأن أصله خبر مبتدأ، ولا اختصاراً هنا لأنه لا دليل على حذفه)). / وقيل: إن {مِنْ} استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها خبر، وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها سادة مسد المفعول أو المفعولين. قيل: ولما كان مدار سخريتهم استجهالهم إياه عليه السلام في مكابدة المشاق الفادحة لدفع ما لا يكاد يدخل تحت الصحة على زعمهم من الطوفان ومقاساة الشدائد في عمل السفينة وكانوا يعدونه عذاباً قيل: بعد استجهالهم {فَسَوْفَ} الخ يعني أن ما أباشره ليس فيه عذاب لاحق بـي فسوف تعلمون من يعذب، ولقد أصاب العلم بعد استجهالهم محزه انتهى وهو ظاهر على تقدير حمل السخرية المنسوبة إليه عليه السلام على الاستجهال. ولعله يمكن إجراؤه على تقدير حملها على ظاهرها أيضاً بأدنى عناية فافهم، ووصف العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخرية من لحوق الخزي والعار عادة والتعرض لحلول العذاب المقيم للمبالغة في التهديد، وفيه من المجاز ما لا يخفى، وتخصيصه بالمؤجل وإيراد الأول بالإتيان غاية الجزالة. وحكى الزهراوي أنه قرىء (يحل) بضم الحاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (39) - وَحِينَ يَجِيءُ أَمْرُ اللهِ حَامِلاً إِلَيْكُمْ عَذَابَهُ المَوْعُودَ، فَفِي ذلِكَ اليَوْمِ فَقَطْ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ الذِي سَيَحِلُّ بِهِ عَذَابُ اللهِ الذِي سَيُخْزِيهِ، وَيُذِلُّهُ، بِالغَرَقِ فِي الدُنيا، وَيَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَذَابٌ دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ (مُقِيمٌ). يُخْزِيهِ - يُذِلُّهُ وَيُهِينُهُ. يَحِلُّ عَلَيْهِ - يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ في قول الحق سبحانه: {فَسَوْفَ} {تَعْلَمُونَ} أن الفعل الذي يعلمه نوح عليه السلام وهو أمر الإغراق سيحدث مستقبلاً؛ لأن أي حدث - كما نعلم - له أكثر من صورة، فإن جاء الكلام عن الحدث بعد وقوعه؛ كان الفعل ماضياً، وإن جاء الكلام وقت وقوع الحدث كان الفعل مضارعاً. وإن جاء الكلام عن حدث لم يأت زمنه فالأمر يقتضي أن نسبق الكلام عن الحدث بحرف "السين" كأن نقول: "سيعلمون" وهذا عن الاستقبال القريب، أما عن الاستقبال البعيد فتأتي كلمة "سوف". ونحن نعلم أن نوحاً عليه السلام قضى العديد من السنين وهو يصنع السفينة؛ ولذلك جاء بـ "سوف" لتدل على أوسع مَدًى زمنيٍّ. وما الذي سوف يعلمونه؟ إنه العذاب، أيأتي لنوح ومن معه أم يأتي للذين كفروا من ملأ نوح. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلام: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ..} [هود: 39]. وفي هذا القول ما يؤكِّد أن نوحاً عليه السلام يعلم أن العذاب سوف يأتيهم؛ لأنهم كفروا وسَخِروا وقالوا: {أية : .. فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [هود: 32]. وقول الحق سبحانه: {.. وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود: 39]. نجد فيه كلمة {يَحِلُّ} وهي ضِدُّ الرحيل، وتفيد النزول من أعلى إلى مكان الإقامة، فَحَلَّ بالمكان، أي: نزلَ ليقيم به، والضِّدُّ هو الرحيل أو الترحال. وقول الحق سبحانه: {مُّقِيمٌ} يعني أن العذاب الذي سيحِلُّ بهم عذاب دائم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} [هود: 39] أي: عذاب القطعية أن يبعده عن الحق، {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود: 39] أي: عذاب الفرقة الأبدية. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} [هود: 40] وهو حد البلاغة التي يكون العبد مأموراً بالركوب على سفينة الشريعة، {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} [هود: 40] أ ي: يفور ماء الشهوة من تنور القالب {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ} [هود: 40] في سفينة الشريعة، {مِن كُلٍّ} صفة من صفات النفس، {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} [هود: 40] أي: كل صفة وزوجها كالشهوة وزوجها العفة، والحرص وزوجه القناعة، والبخل وزوجه السخاوة، والغضب وزوجه الحلم، والحقد وزوجه السلامة، والعداوة وزوجها المحبة، والتكبر وزوجه التواضع، والتأني وزوجه العجلة. {وَأَهْلَكَ} [هود: 40] أي: واحمل معك أهلك صفات الروح {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} [هود: 40] من النفس، {وَمَنْ آمَنَ} [هود: 40] أي: آمن معك من القلب والسر {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ} [هود: 40] غالباً، {إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40] من صفات القلب فيه إشارة إلى أن كل ما كان من هذه الصفات وأزواجها في معزل عن سفينة الشريعة فهو غريق في طوفان الفتن، وهذا رد على الفلاسفة والإباحية فإنهم يعتقدون أن من أصلح أخلاقها الذميمة وعالجها بضدها من الأخلاق الحميدة فلا يحتاج إلى الركوب في سفينة الشرع ولا يعلمون أن الإصلاح والعلاج إذا صدرا من طبيعة لا يفيد أن النجاة؛ لأن الطبيعة لا تعلم كيفية الإصلاح والعلاج ولا مقدار تزكية النفس وتحليتها، وإن كانت الطبيعة واقفة على صلاح النفس وفسادها لعالجها في ابتداء أمرها وما كانت النفس محتاجة إلى طبيب عالم بالأمراض ومعالجتها وهم الأنبياء - عليهم السلام - حيث قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}تفسير : [الجمعة: 2] ليعلموا المرض من الصحة والداء من الدواء. {أية : وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [الجمعة: 2] فالتزكية عن الصفات الطبيعية يستحقون تحلية أخلاق الشريعة الربانية. {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} [هود: 41] وهذا الأمر بالركوب يشير إلى كتف سر من أسرار الشريعة وهو أن من ركب سفينة الشرع لا بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم تنفعه النجاة بالحقيقة، كما ركب المنافقون بالطبع بالأمر فلم ينفعهم، وكما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح فلم ينفعه، وإنما النجاة لمن ركب فيها بالأمر وتحفظ أدب المقام بقوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] أي: يكون مجراها من الله ومرساها إلى الله، كقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم: 42]، {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ} [هود: 41] بالنجاة لمن ركبها بالأمر لا بالطبع: {رَّحِيمٌ} [هود: 41]. {وَهِيَ تَجْرِي} [هود: 42] يعني: سفينة الشريعة، {بِهِمْ} [هود: 42] بمن ركبها بالأمر، {فِي مَوْجٍ} [هود: 42] أي: موج الفتن، {كَٱلْجِبَالِ} [هود: 42] من عظمتها، {وَنَادَىٰ نُوحٌ} [هود: 42] الروح، {ٱبْنَهُ} [هود: 42] كنعان النفس المتولدة بينه وبين القلب، {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} [هود: 42] من معرفة الله وطلبه، {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} [هود: 42] سفينة الشريعة {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} [هود: 42] من الشياطين المتمردة والأبالسة الملعونة المطرودة، {قَالَ} [هود: 43] يعني: كنعان النفس، {سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ} [هود: 43] أي: جبل العقل، {يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} [هود: 43] من ماء الفتن. قوله: {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} [هود: 43] يعني: إذا نبع ماء الشهوات من أرض البشرية ونزول ماء ملاذ الدنيا وفتنها من سماء القضاء لا يتخلص منه بسفينة الشريعة فلا عاصم منه غيرها، وذلك قوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} [هود: 43] أي: رحمه الله بالتوفيق للاعتصام بسفينة الشريعة، {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} [هود: 43] أي: بين كنعان النفس المعتصم بجبل العقل وبين العقل موج الشهوات النفسانية الحيوانية وفتن زخارف الدنيا، {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] يعني: كل نفس لا تعتصم بسفينة الشريعة وتريد أن تعتصم بجبل العقب لتتخلص به من طوفان الفتن المهلكة كما هو حال الفلاسفة لا يتهيأ له متمناه وهو من الهالكين. ثم أخبر عن حالة من ركب سفينة الشريعة بقوله: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} [هود: 44] ماء شهواتها، {وَيٰسَمَآءُ} [هود: 44] الفضاء، {أَقْلِعِي} [هود: 44] عن إنزال مطر الآفات، {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} [هود: 44] أي: ماء الفتن أي: نقض ظلمتها بنور الشرع وسكنت سورتها، {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} [هود: 44] أي: انقضى ما كان مقدار من طوفان الفتن للابتلاء والتربية، {وَٱسْتَوَتْ} [هود: 44] أي: سفينة الشريعة، {عَلَى ٱلْجُودِيِّ} [هود: 44] وهو مقام التمكين يعني: أيام الطوفان كانت مقام التكوين في معرض الآفات والهلاك، فلما مضت تلك الأيام إلى الأمر إلى مقام التمكن وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات، {وَقِيلَ بُعْداً} [هود: 44] أي: فرقة وهلاكاً، {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 44] الذين ظلموا أنفسهم بالتقاعد عن ركوب الشريعة.