١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» {حَتَّىٰ } هي التي يبتدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ } أي فكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. المسألة الثانية: الأمر في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَمْرُنَا } يحتمل وجهين: الأول: أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال: { أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] فكان المراد هذا. والثاني: أن يكون المراد من الأمر ههنا هو العذاب الموعد به. المسألة الثالثة: في التنور قولان: أحدهما: أنه التنورالذي يخبز فيه. والثاني: أنه غيره، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه فهو قول جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد. وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: إنه تنور لنوح عليه السلام، وقيل: كان لآدم قال الحسن: كان تنوراً من حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام، واختلفوا في موضعه فقال الشعبي: إنه كان بناحية الكوفة، وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة، قال: وقد صلى فيه سبعون نبياً، وقيل بالشام بموضع يقال له: عين وردان وهو قول مقاتل وقيل: فار التنور بالهند، وقيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة. القول الثاني: ليس المراد من التنور تنور الخبز، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال: الأول: أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال: { أية : فَفَتَحْنَا أَبْوٰبَ ٱلسَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } تفسير : [القمر:11، 12] والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً. الثاني: أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له، وأيضاً المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير. الثالث: {فَارَ ٱلتَّنُّورُ } أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضي الله عنه. الرابع: {فَارَ ٱلتَّنُّورُ } يحتمل أن يكون معناه أشد الأمر كما يقال: حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السفينة. فإن قيل: فما الأصح من هذه الأقوال؟ قلنا: الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال: إن الماء نبع أولاً من موضع معين وكان ذلك الموضع تنوراً. فإن قيل: ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه، فوجب أن يحمل ذلك على أن المراد إذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك. قلنا: لا يبعد أن يقال: إن ذلك التنور كان لنوح عليه السلام بأن كان تنور آدم أو حواء أو كان تنوراً عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك إذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره. المسألة الرابعة: معنى {فار} نبع على قوة وشدة تشبيهاً بغليان القدر عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور، والذي روي أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة. المسألة الخامسة: قال الليث: التنور لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار، قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجمياً فتعربه العرب فيصير عربياً، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل هذا، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج والدينار والسندس والاستبرق فإن العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية. واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء. فالأول: قوله: { قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } قال الأخفش: تقول الاثنان هما زوجان قال تعالى: { أية : وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } تفسير : [الذاريات: 49] فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال تعالى: { أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [النساء: 1] يعني المرأة، وقال: { أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأَنثَىٰ } تفسير : [النجم: 45] فثبت أن الواحد قد يقال له: زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى: { أية : ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ مّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الأنعام: 143]. إذا عرفت هذا فنقول: الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر والآخر أنثى، ولذلك قرأ حفص {مِن كُلّ } بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } لأنا نقول هذا على مثال قوله: { أية : لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [النحل: 51] وقوله: { أية : نَفْخَةٌ وٰحِدَةٌ } تفسير : [الحاقة: 13] وأما على القراءة المشهورة، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } غير الحيوان أم لا؟ فنقول: أما الحيوان فداخل لأن قوله: {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } يدخل فيه كل الحيوانات، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال: لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحاً عليه السلام قال: يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى: «فسوف أشغله عن الطعام» فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى. الثاني: من الأشياء التي أمر الله نوحاً عليه السلام بحملها في السفينة. قوله تعالى: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } قالوا: كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث، ولكل واحد منهم زوجة، وقيل أيضاً كانوا ثمانية، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام. وأما قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك. فإن قيل: الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات؟ قلنا: الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات، فلهذا السبب وقع الابتداء به. واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب، قالوا: لأن قوله: {سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه » تفسير : . النوع الثالث: من تلك الأشياء قوله: {وَمَنْ ءامَنَ } قالوا كانوا ثمانين. قال مقاتل: في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها، فسميت بهذا الاسم وذكروا ماهو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى: {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }. فإن قيل: لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله: { أية : إِنَّ هَـؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } تفسير : [الشعراء: 54]. قلنا: كلا اللفظين جائز، والتقدير ههنا وما آمن معه إلا نفر قليل، فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه، وأيضاً كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه، فالأولى ترك الخوض فيه.
ابن كثير
تفسير : هذه موعدة من الله تعالى لنوح عليه السلام إذا جاء أمر الله؛ من الأمطار المتتابعة، والهتان الذي لا يقلع ولا يفتر، بل هو كما قال تعالى: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} تفسير : [القمر:11-15] وأما قوله: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض، أي: صارت الأرض عيوناً تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التنور: فلق الصبح، وتنوير الفجر، وهو ضياؤه وإشراقه، والأول أظهر. وقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة، وعن ابن عباس: عين بالهند، وعن قتادة: عين بالجزيرة، يقال لها: عين الوردة، وهذه أقوال غريبة، فحينئذ أمر الله نوحاً عليه السلام أن يحمل معه في السفينة من كل زوجين اثنين من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات، اثنين ذكراً وأنثى، فقيل: كان أول من أدخل من الطيور الدرة، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فتعلق إبليس بذنبه، وجعل يريد أن ينهض، فيثقله إبليس، وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح عليه السلام: مالك؟ ويحك ادخل، فينهض ولا يقدر فقال: ادخل، وإن كان إبليس معك، فدخلا في السفينة، وذكر بعض السلف أنهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، قال أصحابه: وكيف تطمئن المواشي ومعها الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، ثم شكوا الفأر، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها»تفسير : وقوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} أي: واحمل فيها أهلك، وهم أهل بيته وقرابته، إلا من سبق عليه القول منهم ممن لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده، وامرأة نوح، وكانت كافرة بالله ورسوله، وقوله: {وَمَنْ ءَامَنَ} أي: من قومك {وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي: نزر يسير، مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفساً، منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفساً. وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كان نوح وبنوه الثلاثة: سام وحام ويافث، وكنائنه الأربع: نساء هؤلاء الثلاثة، وامرأة يام، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت؛ لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم؛ كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حَتَّىٰ } غاية للصنع {إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا } بإِهلاكهم {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } للخباز بالماء، - وكان ذلك علامة لنوح - {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا } في السفينة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ } أي ذكر وأنثى: أي من كل أنواعهما {ٱثْنَيْنِ } ذكراً وأنثى وهو مفعول، وفي القصة أن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة {وَأَهْلَكَ } أي زوجته وأولاده {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } أي منهم بالإِهلاك وهو زوجته وولده (كنعان) بخلاف (سام) و(حام) و(يافث) فحملهم وزوجاتهم الثلاثة {وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قيل كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل جميع من كان في السفينة ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حَتَّى إذا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} فيه ستة أوجه: أحدها: وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تَنُّوراً، قاله ابن عباس وقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني: أن التنور العين التي بالجزيرة "عين وردة"، رواه عكرمة. الثالث: أنه مسجد بالكوفة من قبل أبواب كندة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الرابع: أن التنور ما زاد على وجه الأرض فأشرف منها، قاله قتادة. الخامس: أنه التنور الذي يخبز فيه، قيل له: إذا رأيت الماء يفور منه فاركب أنت ومن معك، قاله مجاهد. قال الحسن: كان تنوراً من حجارة وكان لحواء ثم صار لنوح، وقال مقاتل: فارَ من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام، قال أمية بن الصلت: شعر : فار تنورهم وجاش بماءٍ صار فوق الجبال حتى علاها تفسير : السادس: أن التنور هو تنوير الصبح، من قولهم: نور الصبح تنويراً، وهو مروي عن علي رضي الله عنه. {قُلْنَا احِملْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجِيْن اثْنَينِ} يعني من الآدميين والبهائم ذكراً وأنثى. {وَأهْلَكَ} أي احمل أهلك. {إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} من الله تعالى أنه يهلكهم وهو ابنه كنعان وامرأته كانا كافرين: قاله الضحاك وابن جريج. {وَمَن آمَنَ} أي احمل من آمن. {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيْلٌ} واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: ثمانون رجلاً منهم جرهم، قاله ابن عباس. الثاني: ثمانين، قاله ابن جريج. الثالث: سبعة، قاله الأعمش ومطر، وكان فيهم ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث بنات له ونوح معهم فصاروا سبعة. وعلى القول الثاني: كانت فيهم امرأة نوح فصاروا ثمانية. قال محمد بن عباد بن جعفر: فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا نوح أن يغير الله نطفته فجاء السودان.
ابن عبد السلام
تفسير : {التَّنُّورُ} وجه الأرض، تسمي العرب وجه الأرض تنوراً، أو التنور عين وردة التي بالجزيرة، أو مسجد الكوفة قبل أبواب كندة، أو التنور ما زاد على الأرض فأشرف منها، أو تنور الخبز، قال الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان من حجارة وكان لحواء وصار لنوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو التنور تنوير الصبح قالوا: نور الصبح تنويراً. {زَوْجَيْنِ} من الآدميين والبهائم ذكراً وأنثى. {مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} من الله بالهلاك ابنه كنعان وامرأته كانا كافرين {قَلِيلٌ} ثمانون رجلاً منهم جرهم، أو سبعة نوح وأولاده سام وحام ويافث [وثلاث كنات له]، أو السبعة وزوجته فصاروا ثمانية، فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يغير الله ـ تعالى ـ نطفته فجاءوا سودان، ولما نزل يوم عاشوراء من السفينة قال: من كان صائماً فليتم صومه ومن لم يكن صائماً فليصم.
النسفي
تفسير : {حَتَّىٰ } هي التي يبدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء وهي غاية لقوله {ويصنع الفلك} أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد، وما بينهما من الكلام حال من {يصنع} أي يصنعها والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، وجواب {كلما} {سخروا} {وقال} استئناف على تقدير سؤال سائل، أو {قال} جواب و{سخروا} بدل من {مر} أو صفة لـ {ملأ} {إِذَا جَاء أَمْرُنَا } عذابنا {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ } هو كناية عن اشتداء الأمر وصعوبته. وقيل: معناه جاش الماء من تنور الخبز، وكان من حجر لحواء فصار إلى نوح عليه السلام. وقيل: التنور وجه الأرض {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا } في السفينة {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسيره في سورة المؤمنين {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } عطف على {اثنين} وكذا {وَمَنْ ءامَنَ } أي واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم، واستثنى من أهله من سبق عليه القول إنه من أهل النار وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر بتقديره وإرادته جل خالق العباد عن أن يقع في الكون خلاف ما أراد {وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قال عليه السلام: «حديث : كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم»تفسير : وقيل: كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة. وقيل: كانوا اثنين وسبعين ــ رجالاً ــ ونساء ــ وأولاد نوح: سام وحام ويافث ونساؤهم، فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } {بسم الله} متصل بـ {اركبوا} حالاً من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم «خفوق النجم» ويجوز أن يكون {بسم الله مجرها ومرساها} جملة برأسها غير متعلقة بما قبلها وهي مبتدأ وخبر يعني أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أي باسم الله إجراؤها وإرساؤها، وكان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست: {مجريها} بفتح الميم وكسر الراء من جرى إما مصدر أو وقت: حمزة وعلي وحفص، وبضم الله الميم وكسر الراء: أبو عمرو، والباقون: بضم الميم وفتح الراء {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ } لمن آمن منهم {رَّحِيمٌ } حيث خلصهم .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وفار التنور} نبع الماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وفار التنور} قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك. وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: كان تنوراً من حجارة، كان لحوّاء عليها السلام حتى صار إلى نوح عليه السلام، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان بين دعوة نوح عليه السلام وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة، وكان فار التنور بالهند، وطافت سفينة نوح عليه السلام بالبيت أسبوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وفار التنور} قال: العين التي بالجزيرة عين الوردة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة. وأخرج أبو الشيخ عن حبة العربي قال: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال إني قد اشتريت راحلة وفرغت من زادي أريد بيت المقدس لأصلي فيه، فإنه قد صلى فيه سبعون نبياً ومنه فار التنور، يعني مسجد الكوفة. وأخرج أبو الشيخ من طريق الشعبي رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن مسجدكم هذا لرابع أربعة من مساجد المسلمين، ولركعتان فيه أحب إليّ من عشر فيما سواه إلا المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور. وأخرج أبو الشيخ عن السدي بن إسماعيل الهمداني قال: لقد نجر نوح سفينته في وسط هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - وفار التنور من جانبه الأيمن، وإن البرية منه لعلى إثني عشر ميلاً من حيث ما جنبه، ولصلاة فيه أفضل من أربع في غيره إلا المسجدين مسجد الحرام، ومسجد الرسول بالمدينة، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التنور وجه الأرض قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه {وفار التنور} قال: وجه الأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التنور أعلى الأرض وأشرفها، وكان علماً فيما بين نوح وبين ربه عز وجل. وأخرج أبو الشيخ عن بسطام بن مسلم قال: قلت لمعاوية بن قرة أن قتادة رضي الله عنه إذا أتى على هذه الآية قال: هي أعلى الأرض وأشرفها فقال: الله أعلم، أما أنا فسمعت منه حديثين فالله أعلم. قال بعضهم: فار منه الماء. وقال بعضهم فارت من النار، وفار التنور بكل لغة التنور. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {وفار التنور} قال: طلع الفجر. قيل له: إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي {وفار التنور} قال: تنور الصبح. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} قال: في كلام العرب، يقولون للذكر والأنثى: زوجان. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين ومعه ملك فجعل يقبض زوجاً زوجاً وبقي العنب، فجاء إبليس فقال: هذا كله لي. فنظر نوح عليه السلام إلى الملك فقال: إنه لشريكك فأحسن شركته. فقال: نعم، لي الثلثان وله الثلث. قال: إنه شريكك فاحسن شركته فقال: لي النصف وله النصف. فقال إبليس: هذا كله لي. فنظر إلى الملك فقال: إنه شريكك فاحسن شركته. قال: نعم، لي الثلث وله الثلثان. قال: أحسنت وأني محسان، أنت تأكله عنباً وتأكله زبيباً وتشربه عصيراً ثلاثة أيام. قال مسلم: وكان يرون أنه إذا شربه كذلك فليس للشيطان نصيب. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: لما ركب نوح عليه السلام السفينة كتب له تسمية ما حمل معه فيها، فقال: إنكم قد كتبتم الحبلة وليست ههنا. قالوا: صدقت أخذها الشيطان، وسنرسل من يأتي بها. فجيء بها وجاء الشيطان معها، فقيل لنوح: إنه شريكك فاحسن شركته. فذكر مثله وزاد بعد قوله: تشربه عصيراً وتطبخه، فيذهب ثلثاه خبثاً وحظ الشيطان منه، ويبقى ثلثه فتشربه. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما حمل نوح عليه السلام الأسد في السفينة قال: يا رب إنه يسألني الطعام من أين أطعمه؟ قال: إني سوف أعقله عن الطعام. فسلط الله عليه الحمى، فكان نوح عليه السلام يأتيه بالكبش فيقول: ادر يأكل فيقول الأسد: آه. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر وابن النجار في تاريخهما عن مجاهد رضي الله عنه قال: مر نوح عليه السلام بالأسد وهو في السفينة فضربه برجله فخمشه الأسد فبات ساهراً، فبكى نوح من ذلك فأوحي إليه إنك ظلمته وإني لا أحب الظلم. وأخرج ابن عدي وابن عساكر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً "مر نوح بأسد رابض فضربه برجله، فرفع الأسد رأسه فخمش ساقه، فلم يبت ليلته مما جعلت تضرب عليه وهو يقول: يا رب كلبك عقرني. فأوحى الله إليه أن الله لا يرضى الظلم أنت بدأته. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإِسناد باطل، وفيه جعفر بن أحمد الغافقي يضع الحديث". وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوقاً وبدا حياها، ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياها. وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين، فحمل معه من اليمن العجوة واللوز. وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل من كل زوجين اثنين قال: كيف أصنع بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب؟ وكيف أصنع بالحمام والهر؟ قال: من ألقى بينهما العداوة؟ قال: أنت يا رب. قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون. وأخرج ابن عساكر عن خالد رضي الله عنه قال: لما حمل نوح في السفينة ما حمل، جاءت العقرب تحجل قالت: يا نبي الله أدخلني معك. قال: لا أنت تلدغين الناس وتؤذينهم قال: لا احملني معك، فلك علي أن لا ألدغ من يصلي عليك الليلة. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قال حين يمسي: صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة ". تفسير : وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عذاء والضحاك. أن إبليس جاء ليركب السفينة فدفعه نوح فقال: يا نوح إني منظر ولا سبيل لك علي. فعرف أنه صادق فأمره أن يجلس على خيزران السفينة، وكان آدم قد أوصى ولده أن يحملوا جسده، فورثهم في ذلك نوح، فتوارث الوصية ولده حتى حملها نوح، فوضع جسد آدم عليه السلام بين الرجال والنساء. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال: لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة...! فقال له نوح عليه السلام: ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك.؟! قال له إبليس: فما أصنع؟ قال: تتوب. قال: فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم. قال: قد جعلت لك توبة قال: وما هي؟ قال: تسجد لقبر آدم. قال: تركته حياً وأسجد له ميتاً؟!. وأخرج النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه. أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم قال: هذا لي. وقال: هذا لي. فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن علي رضي الله عنه مرفوعاً "أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر". وأخرج اسحق بن بشر أخبرنا رجل من أهل العلم. أن نوحاً عليه السلام حمل في السفينة من الهدهد زوجين، وجعل أم الهدهد فضلاً على زوجين فماتت في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً ليدفنها فيه فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر، فذلك ثناء اقفية الهداهد". وأخرجه ابن عساكر. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اعطى الله نوحاً عليه السلام في السفينة خرزتين أحدها بياضها كبياض النهار والأخرى سوادها كسواد الليل، فإذا أمسوا غلب مواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر الساعات الاثني عشر، فأول من قدر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضها على بعض نوح عليه السلام في السفينة ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة من مكانه حتى أخذت إلى اليمين فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخذت على الروم، ثم جاوزت الروم فأقبلت راجعة على حيال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام: أنها تستوي على رأس جبل فعلت الجبال لذلك، فتطلعت لذلك وأخرجت أصولها من الأرض وجعل جودي يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورست، فشكت الجبال إلى الله فقالت: يا رب إنا تطلعنا وأخرجنا أصولنا من الأرض لسفينة نوح، وخنس جودي فاستوت سفينة نوح عليه. فقال الله: إني كذلك من تواضع لي رفعته، ومن ترفع لي وضعته، ويقال: إن الجودي من جبال الجنة. فلما أن كان يوم عاشوراء استوت السفينة عليه وقال الله: يا أرض ابلعي ماءك بلغة الحبشة، ويا سماء أقلعي أي أمسكي بلغة الحبشة، فابتلعت الأرض ماءها وارتفع ماء السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه: أن ارجع فإنك رجس وغضب. فرجع الماء فملح وحم وتردد فأصاب الناس منه الأذى، فأرسل الله الريح فجمعه في مواضع البحار فصار زعاماً مالحاً لا ينتفع به، وتطلع نوح فنظر فإذا الشمس قد طلعت وبدا له اليد من السماء، وكان ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل أمان من الغرق، واليد القوس الذي يسمونه قوس قزح، ونهي أن يقال له قوس قزح لأن قزح شيطان وهو قوس الله، وزعموا أنه كان يمتد وتروسهم قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أماناً لأهل الأرض من الغرق نزع الله الوتر والسهم، فقال نوح عليه السلام عند ذلك: رب إنك وعدتني أن تنجي معي أهلي وغرق ابني، و {أية : إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} تفسير : [هود: 45] يقول: إنه ليس من أهل دينك إن عمله كان غير صالح. قال: اهبط بسلام منا. فبعث نوح عليه السلام من يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهلي وقال: أنا. فأخذها وختم جناحيها فقال: أنت مختومة بخاتمي لا تطير أبداً ينتفع بك ذريتي. فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها، فاحتبس فلعنه فمن ثَمَّ يقتل في الحرم، وبعث الحمامة وهي القمري فذهبت فلم تجد في الأرض قراراً، فوقعت على شجرة بأرض سبا فحملت ورقة زيتون فرجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد أيام فخرجت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب وأول ما نضب موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء فخضبت رجليها، ثم جاءت إلى نوح فقالت: البشرى استمكن الأرض فمسح يده على عنقها، وطوّقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها، وأسكنها الحرم، وبارك عليها فمن ثم شفق بها الناس، ثم خرج فنزل بأرض الموصل وهي قرية الثمانين لأنه نزل في ثمانين، فوقع فيهم الوباء فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم وطبقت الأرض منهم، وذلك قوله {وجعلنا ذريته هم الباقين}. وأخرج ابن عساكر عن خالد الزيات قال: بلغنا أن نوحاً عليه السلام ركب السفينة أول يوم من رجب وقال لمن معه من الجن والإِنس: صوموا هذا اليوم فإنه من صامه منكم بعدت عنه النار مسيرة سنة، ومن صام منكم سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم السبعة، ومن صام منكم ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منكم عشرة أيام قال الله له: سل تعطه، ومن صام منكم خمسة عشر يوماً قال الله له: استأنف العمل فقد غفرت لك ما مضى، ومن زاد زاده الله. فصام نوح عليه السلام في السفينة رجب، وشعبان، ورمضان، وشوّالاً، وذا القعدة، وذا الحجة، وعشراً من المحرم، فأرست السفينة يوم عاشوراء فقال نوح عليه السلام لمن معه من الجن والإِنس: صوموا هذا اليوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ركب نوح عليه السلام في السفينة في عشرة خلون من رجب، نزل عنها في عشر خلون من المحرم، فصام هو وأهله من الليل إلى الليل. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما حمل نوح عليه السلام في السفينة من كل شيء، حمل الأسد وكان يؤذي أهل السفينة فألقيت عليه الحمى. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين لم يستطع أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى فحمله فأدخله. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه. حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال له أصحابه: وكيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى. فكانت أول حمى نزلت الأرض. ثم شكوا الفأرة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها . تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان نوح عليه السلام في السفينة قرض الفأر حبال السفينة، فشكا إلى الله عز وجل ذلك، فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد، فخرج سنوران وكان في السفينة عذرة، فشكا نوح إلى الله فأوحى الله إليه، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكلا العذرة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تأَذى أهل السفينة بالفأر، فعطس الأسد فخرج من منخره سنوران ذكر وأنثى، فأكلا الفأر إلا ما أراد الله أن يبقى منه، وأوذوا بأذى أهل السفينة فعطس الفيل فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل السفينة قال ولما أراد أن يدخل الحمار السفينة أخذ نوح بأذني الحمار وأخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح عليه السلام يجذبه وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان فدخل الحمار ودخل إبليس معه، فلما سارت السفينة جلس في أذنابها يتغنى فقال له نوح عليه السلام: ويلك من أذن لك...؟! قال: أنت. قال: متى. قال: إن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت باذنك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه فلم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك...! ادخل يا شيطان. فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح: ويحك...! ادخل وإن كان الشيطان معك - كلمة زلت على لسانه - فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح: ما أدخلك يا عدو الله؟ قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عني. قال: ما لك بد من أن تحملني، فكان كما يزعمون في ظهر الفلك. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال: مكث نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله يسره إليهم ثم يجهر به لهم، ثم أعلن قال مجاهد رضي الله عنه: الاعلان الصياح: فجعلوا يأخذونه فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط الأرض مغشياً عليه، ثم يفيق فيقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. فيقول الرجل منهم لأبيه: يا أبت ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يفتر؟ فيقول: اخبرني أبي عن جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان، فلما دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك فصنع السفينة، فعملها في ثلاث سنين كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه يعجبون من نجارته السفينة، فلما فرغ منها جعل له ربه آية إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة من كل زوجين اثنين، وكان التنور فيما بلغني في زاوية من مسجد الكوفة، فلما فار التنور جعل فيها كل ما أمره الله قال: يا رب كيف بالأسد والفيل؟ قال: سألقي عليهم الحمى إنها ثقيلة، فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه ودعا ابنه، فلما أبى عليه وفرغ من كل شيء يدخله السفينة طبق السفينة الأخرى عليهم ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيء إلا هلك لشدة وقع الماء حين يأتي من السماء قال الله تعالى {أية : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} تفسير : [القمر: 11] فكان قدر كل قطرة مثل ما يجري من فم القربة، فلم يبق على ظهر الأرض شيء إلا هلك يومئذ إلا ما في السفينة، ولم يدخل الحرم منه شيء. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عبدالله بن زياد بن سمعان عن رجال سماهم. أن الله أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاماً، وأعقم نساءهم فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ يوم دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير وأدرك الحنث وصارت لله عليهم الحجة، ثم أرسل الله السماء عليه بالطوفان. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال: يزعم الناس أن من أغرق الله من الولدان مع آبائهم وليس كذلك، إنما الولد بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والمدركون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة لهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: لما أصاب قوم نوح الغرق قام الماء على رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً، فأصاب الغرق امرأة فيمن أصاب معها صبي لها، فوضعته على صدرها فلما بلغها الماء وضعته على منكبيها، فلما بلغها الماء وضعته على يديها. فقال الله: لو رحمت أحداً من أهل الأرض لرحمتها ولكن حق القول مني. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال: بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لجاريته: إذا فار تنورك ماء فأخبريني، فلما فرغت من آخر خبزها فار التنور، فذهبت إلى سيدها فأخبرته، فركب هو ومن بأعلى السفينة وفتح الله السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيوناً. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طريقه أنا عبدالله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نبع الماء حول سفينة نوح خرج رجل من تلك الأمة إلى فرعون من فراعنتهم فقال: هذا الذي تزعمون أنه مجنون؟ قد أتاكم بما كان يعدكم، فجاء يسير في موكب له وجماعة من أصحابه حتى وقف من نوح غير بعيد فقال لنوح: ما تقول؟ قال: قد أتاكم ما كنتم توعدون. قال: ما علامة ذلك؟ قال: اعطف برأس برذونك. فعطف برذونه فنبع الماء من تحت قوائمه، فخرج يركض إلى الجبل هارباً من الماء. وأخرج ابن اسحق وابن عساكر عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: فار الماء من التنور من دار نوح عليه السلام، من تنور تختبز فيه ابنته، وكان نوح يتوقع ذلك إذ جاءته ابنته فقالت: يا أبت قد فار الماء من التنور. فآمن بنوح النجارون إلا نجاراً واحداً فقال له: اعطني أجري قال: أعطيتك أجرك على أن تركب معنا. قال: فإن وداً وسواع ويغوث ونسراً سينجوني. فأوحى الله إليه أن احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول، وكان ممن سبق عليه القول امرأته والقة وكنعان ابنه فقال: يا رب هؤلاء قد حملتهم فكيف لي بالوحش والبهائم والسباع والطير؟ قال: أنا أحشرهم عليك: فبعث جبريل عليه السلام فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فجعل يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة، حتى أدخل عدة ما أمره الله تعالى به، فلما جمعهم في السفينة رأت البهائم والوحش والسباع العذاب، فجعلت تلحس قدم نوح عليه السلام وتقول: احملنا معك. فيقول: إنما أمرت من كل زوجين اثنين. وأخرج ابن عساكر عن الزهري قال: إن الله بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين اثنين، من الطير والسباع والوحش والبهائم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {من كل زوجين اثنين} قال: ذكر وأنثى من كل صنف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: الذكر زوج والأنثى زوج. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه {إلا من سبق عليه القول} قال: العذاب، هي امرأته كانت في الغابرين. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم {وما آمن معه إلا قليل} قال: نوح وبنوه ثلاثة وأربع كنائنه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: حدثت أن نوحاً حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه، وأصاب حام زوجته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن أبي صالح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حمل نوح عليه السلام معه في السفينة ثمانين إنساناً. أحدهم جرهم وكان لسانه عربياً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم، وكانوا في السفينة مائة وخمسين يوماً، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها إلى الجودي فاستوت عليه، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بالخبر فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين، فعرف نوح عليه السلام أن الماء نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة أحدها اللسان العربي، فكان لا يفقه بعضهم كلام بعض، وكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما ركب نوح عليه السلام في السفينة وحمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمر رأى في السفينة شيخاً لم يعرفه فقال له: من أنت؟ قال: إبليس دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، ثم قال: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاثة ولا أحدثك بالثنتين. فأوحى إلى نوح: لا حاجة لك بالثلاث مرهُ يحدثك بالثنتين. قال: الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً، والحرص أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص. وأخرج ابن المنذر عن الحكم قال: خرج القوس قزح بعد الطوفان أماناً لأهل الأرض أن يغرقوا جميعاً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}[40] قال: كان تنوراً من حجارة، وهو تنور آدم صار لنوح قد جعل الله فوران الماء منه علامة عذابه، وجعل ينبوع عيون قلب محمد صلى الله عليه وسلم بأنوار العلوم رحمة لأمته، إذ أكرمه الله تعالى بهذه الكرامة، فنور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من نوره، ونور الملكوت من نوره، ونور الدنيا والآخرة من نوره، فمن أراد المحبة حقيقة فليتبعه، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31] فجعل المحبة في اتباعه، وجعل جزاء اتباعه محبته لعباده، وهي أعلى الكرامة. وقد حكي حديث : عن أبي موسى الأشعري قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل بنا حتى نصبنا وجهه كأنه يريد أن يخبرنا، ثم سجد وسجدنا معه في أول النهار، حتى كان نحو نصف من النهار، حتى وجد بعضنا طعم التراب في أنفه، حتى قال بعضنا لبعض: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه فقال: الله أكبر. فقلنا: الله أكبر. فقال له قائل: يا رسول الله، لقد ظننا أنك مت، ولو كان ذلك ما بالينا أن تقع السماء على الأرض. فقال: أتاني حبيبي جبريل صلوات الله عليه، فقال لي: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن يدخل ثلث أمتك الجنة، وبين الشفاعة، فلما طمعت في الثلث اخترت الشفاعة، فارتفع ونصبتكم وجهي أريد أن أخبركم، فأتاني فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن يدخل ثلثي أمتك الجنة، وبين الشفاعة، فلما طمعت في الثلثين اخترت الشفاعة، فارتفع ونصبتكم وجهي أريد أن أخبركم، ثم أتاني فقال لي: يا محمد، إن ربك قد شفعك في الثلثين، ولم يجبك في الثلث، فسجدت شكراً لله تعالى فيما أعطاني تفسير : وقال سهل: انتهت همم العارفين إلى الحجب، فوقفت مطرقة، فأذن لها بالدخول، فدخلت فسلمت، فخلع عليها خلع التأييد، وكتب لها من الرقع براءات، وأن همم الأنبياء صلوات الله عليهم جالت حول العرش، فألبست الأنوار، ورفع منها الأقدار، واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها، وأسقط مرادها، وجعلها متصرفة به له. وقال: آخر درجات الصديقين أول أحوال للأنبياء صلوات الله عليهم، وإن صلى الله عليه وسلم عبد الله تعالى بجميع أحوال الأنبياء، وليس في الجنة ورقة من أوراق الأشجار إلا ومكتوب عليها محمد صلى الله عليه وسلم، به ابتدأ الأشياء وبه ختمها، فسماه خاتم النبيين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} [الآية: 40]. قال بعضهم: بالسبق قَيْدُ العواقب فمن أجرى له فى السبق السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن أجرى له فى السبق الشقاوة خُتِم له بالشقاوة. وألسنة الأولياء والأنبياء قاصرة عن سؤال مخالفة ما جرى فى الأزل؛ لأنه حكم القاهر به وسلطان الجبار به.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ}. طال انتظارُهم لِمَا كان يَتَوَعَّدُهم به نوحٌ عليه السلام على وجه الاستبعاد، ولم يَزِدْهُم تطاولُ الأيامِ إلا كفراً؛ وصَمَّمُوا على عقد تكذيبهم. ثم لمَّا أتاهم الموعودُ إياهم بغتةً، وظهر من الوضع الذي لم يُحِبُّوه فآرَ الماءُ من التنور المسجور، وجادت السماءُ بالمطر المعبور. {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}: استبقاءً للتناسل. ويقال: قد يؤْتَى الحَذِرُ من مَأْمَنِه؛ فإن إبليسَ جاء إلى نوح - عليه السلام -. وقال: احْمِلني في السفينة فأَبَى نوحٌ عليه السلام، فقال له إبليس: أَمَا عَلِمْتَ أَني من المُنْظَرين إلى يوم معلومٍ، ولا مكانَ لي اليومَ إلا في سفينتك؟ فأوحى الله إلى نوح أن يَحْمِلَه معه. ويقال لم يكن لابن نوحٍ معه مكان، وأُمِرَ بِحَمْل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفي هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجري على قياس الخَلْق؛ كأنه قيل له: يا نوح... ابنك لا تحمله، وعدوك فَأَدْخُلْه، فالله سبحانه فعَّالٌ لما يريد. قوله جلّ ذكره: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}. {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بالشقاوة. وفيه تعريف بأن حُكْمَ الأَزَل لا يُرَدُّ، والحقُّ - سبحانه - لا يُنَازَعُ، والجبَّارُ لا يُخَاصَمُ، وأن مَنْ أقصاه ربُّه لم يُدْنِه تنبيهٌ ولا بِرٌّ ولا وَعْظ. {وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} ولكن بَارَكَ الحقُّ - سبحانه - في الذين نجَّاهم من نَسْلِه، ولم يدخل خَللٌ في الكونِ بعد هلاكِ مَنْ أَهْلَك مِنْ قومه.
اسماعيل حقي
تفسير : {حتى اذا جاء امرنا} للتنور بالفوران او للحساب بالارسال وحتى هى التى يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الشرطية وهى مع ذلك غاية لقوله ويصنع فان كونها حرف ابتداء لا ينافى كونها ما بعدها غاية لما قبلها. والمعنى وكان يصنعها لى ان جاء وقت الطوفان {وفار التنور} [وبجوشيد آب از تنور] والتنور اسم اعجمى عربته العرب لان اصل بنائه تنر وليس فى كلام العرب نون قبل راء ذكره القرطبى اى نبع منه الماء وارتفع بشدة كما يفور القدر بغليانها. والتنور تنور الخبز لاهله وهو قول الجمهور -روى- انه قيل لنوح اذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ومن معك فى السفينة فلما نبع الماء اخبرته امرأته فركب وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصا الى نوح وانما نبع منه وهو ابعد شيئ من الماء على خرق العادة واختلفوا فى مكان التنور ايضا فقيل كان فى الكوفة فى موضع مسجدها عن يمين الداخل مما يلى باب الكنيسة وكان عمل السفينة فى ذلك الموضع وفى القاموس الغارقون مسجد الكوفة لان الغرق كان فيه وفى زاوية له فار التنور وقيل فى الهند وقيل فى موضع بالشام يقال له عين وردة وقيل التنور وجه الارض او اشرف موضع فى الارض اى اعلاه وعن على رضى الله عنه فار التنور طلع الفجر {قلنا} جواب اذا وان جعلت حتى جارة متعلقة بيصنع فاذا ليست بشرطية بل مجرورة بحتى وقلنا استئناف {احمل فيها} الضمير راجع الى الفلك والتأنيث باعتبار السفينة {من كل} اى من كل نوع من الحيوانات لا بد منه فى الارض {زوجين اثنين} فعول احمل واثنين صفة مؤكدة له وزيادة بيان كقوله تعالى {لا تتخذوا إلهين اثنين} والزوجان عبارة عن كل اثنين لا يستغنى احدهما عن الآخر ويقال لكل واحد منهما زوج يقال زوج خف وزوج نعل. قال فى الارشاد الزوج ماله مشاكل من نوعه فالذ كرزوج للانثى كما هى زوج له وقد يطلق على مجموعهما فيقابل الفرد ولازالة ذلك الاحتمال قيل اثنين كل منهما زوج الآخر وقدم ذلك على اهله وسائر المؤمنين لانه انما يحمل بماشرة البشر وهم انما يدخلونها بعد حملهم اياه -روى- ان نوحا قال يا رب كيف احمل من كل زوجين اثنين فحشر اليه السباع والطير فجعل يضرب يديه فى كل جنس فيقع الذكر فى يده اليمنى والانثى فى اليسرى فيجعلهما فى السفينة. قال الحسن لم يحمل فى السفينة الا ما يلد ويبيض واما ما يتولد من التراب كالحشرات والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئا قال الشيخ السمرقندى فى بحر الكلام واول ما حمل نوح الذرة وآخر ما حمله الحمار فلما دخل صدره تعلق ابليس بذنبه فلم يستقل رجلاه نوح يقول ويحك ادخل فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح ادخل والشيطان معك فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه فقال نوح ما ادخلك علىّ يا عدو الله ألم تقل ادخل والشيطان معك قال اخرج عنى يا عدو الله قال مالك بدّ من ان تحملنى معك وكان فيما يزعمون فى ظهر الفلك انتهى. وقال فى التبيان ابليس اراد ان يدخل السفينة فلم يكن ان يدخل من غير اذن فتعلق بذنب حمار وقت دخوله فى السفينة فلم يدخل الحمار فى السفينة فالح عليه نوح عليه السلام فقال نوح للحمار ادخل يا ملعون فدخل الحمار السفينة ودخل معه ابليس فلما كان بعد ذلك رأى نوح ابليس فى السفينة فقال له دخلت السفينة بغير امرى فقال له ابليس ما دخلت الا بأمرك فقال له فانا ما امرتك فقال امرتنى حين قلت للحمار ادخل يا ملعون ولم يكن ثمة ملعون الا انا فدخلت فتركه وفى الحديث "حديث : اذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فانها رأت شيطانا واذا سمعتم صياح الديك فاسألوا الله من فضله فانها رأت ملكا" تفسير : قالوا صوت كل حيوان تسبيح منه الا الحمار فان صوته من رؤية الشيطان وذلك يدل على ان كمال دناءته فى نفسه ولذا تعلق الشيطان بذنبه وجاء صديقا له واما الديك فهو عدو له لانه يصيح فى اوقات الصلاة عند استماع صوت ديك العرش ولا بعد فى تفاوت الحيوانات العجم كالانسان وقد صح ان البغال كانت اسرع الدواب فى نقل الحطب لنار ابراهيم عليه السلام ولذلك دعا عليها فقطع الله نسلها وان الوزغ كان ينفخ فى ناره ولذا ورد "حديث : من قتل وزغة فى اول ضربة كتبت له مائة حسنة " تفسير : قال فى حياة الحيوان اذا ذبح الديك الابيض الافرق احد لم يزل ينكب فى اهله وماله. وعن سالم بن عبد الله عن ابيه قال لما ركب نوح عليه السلام فى السفينة رأى فيها شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما ادخلك قال دخلت لاصيب قلوب اصحابك فيكون قلوبهم معى وابدانهم معك قال نوح اخرج يا عدو الله فقال ابليس خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين فاوحى الى نوح انه لا حاجة بك الى الثلاث مره يحدثك بالثنتين قال الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما والحرص ابيح لآدم الجنة فاصبت حاجتى منه بالحرص: وفى المثنوى شعر : حرص توددكار بدجون آنشست اخكر ازرنك خوش آنش خوشست آن سياهئ فحم در آتش نهان جون شد آتش آن سياهى شد عيان اخكراز حرص توشد فحم سياه حرص جون شد ماند آن فحم تباه آن زمان آن فحم احكر مينمود آن نه حسن كارنار حرص بود حرص كارت را بيارا ئيده بود حرص رفت وماند كار توكبود تفسير : وقيل ان الحية والعقرب اتيا نوحا فقالتا احملنا فقال انتما سبب الضرر والبلاء فلا احملكما قالتا احملنا فنحن نضمن لك ان لا نضر احدا فمن قرأ حين خاف مضرتهما {أية : سلام على نوح فى العالمين} تفسير : ما ضرتاه وعن وهب بن منبه امر نوح بان يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف اصنع بالاسد والبقرة وبالعناق والذئب وبالحمام والهرة قال يا نوح من القى بينهم العداوة قال انت يا رب قال فانى اؤلف بينهم حتى يتراضوا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كثر الفار فى السفينة حتى خافوا على حبال السفينة فأوحى الله تعالى الى نوح ان امسح جبهة الاسد فمسحها فعطس فخرج منها سنوران فأكلا الفار وكثرت العذرة فى السفينة فشكوا الى نوح فأوحى الله تعالى ان امسح ذنب الفيل فمسحه فخرج منه خنزيران فاكلا العذرة وفى خبر آخر خنزير واحد ودل خبر وهب على ان الهرة كانت من قبل وهذا الخبر على انها لم تكن من قبل الا ان يقال ان قصة التأليف وعت بعد خروج الهرة من انف الاسد والله اعلم {واهلك} عطف على زوجين والمراد امرأته المؤمنة فانه كان له امرأتان احدهما مؤمنة والاخرى كافرة وهى ام كنعان وبنوه ونساؤهم {الا من سبق عليه القول} بانه من المغرقين بسبب ظلمهم والمراد به ابنه كنعان وامه واعلة فانهما كانا كافرين والاستثناء منقطع ان اريد بالاهل الاهل ايمانا وهو الظاهر لقوله تعالى {انه ليس من اهلك} او متصل ان اريد به الاهل قرابة ويكفى فى صحة الاستثناء المعلومية عند المراجعة الى احوالهم والتفحص عن اعمالهم وجيء بعلى لكون السابق ضارا لهم كما جيء باللام فيما هو نافع لهم فى قوله تعالى {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} تفسير : وقوله {أية : ان الذين سبقت لهم منا الحسنى} تفسير : {ومن آمن} عطف على واهلك اى واحمل اهلك والمؤمنين من غيرهم وافراد الاهل منهم للاستثناء المذكور {وما آمن معه الا قليل} [وايمان نياورده بودند وموافقت نكرده بانوح مكراندكى ازمردمان] -روى- عن النبى عليه السلام انه قال ثمانية نوح واهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم. قال العتبى قرات فى التوراة ان الله تعالى اوحى اليه ان اصنع الفلك وادخل انت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك ومن كل شيء من الحيوان زوجان اثنان فانى منزل المطر اربعين يوما وليلة فأتلف كل شيء خلقته على وجه الارض وعن مقاتل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة واولاد نوح ونساؤهم فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان فى سفينة نوح ثمانون رجلا وامرأة احدهم جرهم يقال ان فى ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك لانهم لما خرجوا من السفينة بنوها فسميت بهم. والاشارة {حتى اذا جاء امرنا} وهو حد البلاغة التى يكون العبد مأمورا بالركوب على سفينة الشريعة {وفار التنور} اى يفور ماء الشهوة من تنور القالب {قلنا احمل فيها} فى سفينة الشريعة {من كل} صفة من صفات النفس {زوجين اثنين} اى كل صفة وزوجها كالشهوة وزوجها العفة. والحرص وزوجه القناعة. والبخل وزوجه السخاوة والغضب وزوجه الحلم. والحقد وزوجه السلامة. والعداوة وزوجها المحبة. والتكبر وزوجه التواضع والتأنى وزوجه العجلة {واهلك} اى واحمل معك اهلك صفات الروح {الا من سبق عليه القول} من النفس {ومن آمن} اى آمن معك من القلب والسر {وما آمن معه} غالبا {الا قليل} من صفات القلب فيه اشاره الى ان كل ما كان من هذه الصفات وازواجها فى معزل عن سفينة الشريعة فهو غريق فى طوفان الفتن وهذا رد علىالفلاسفة والاباحية فانهم يعتقدون ان من اصلح اخلاقها الذميمة وعالجها بضدها من الاخلاق الحميدة فلا يحتاج الى الركوب فى سفينة الشرع ولا يعلمون ان الاصلاح والعلاج اذا صدرا من طبيعة لا يفيد ان النجاة لان الطبيعة لا تعلم كيفية الاصلاح والعلاج ولا مقدار تزكية النفس وتحليتها وان كانت الطبيعة واقفة على صلاح النفس وفسادها لعالجتها فى ابتداء امرها وما كانت النفس محتاجة الى طبيب عالم بالامراض ومعالجتها وهم الانبياء عليهم السلام حيث قال تعالى {أية : هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته} تفسير : ليعلموا المرض من الصحة والداء من الدواء {أية : ويزكيهم ويعلمهم الكتاب} تفسير : والحكمة فبالتزكية عن الصفات الطبيعية يستحقون تحلية اخلاق الشريعة الربانية كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (حتى): غاية لقوله: (ويصنع الفلك)، أو ابتدائية. و(اثنين) مفعول باحمل، و(أهلك): عطف عليه. يقول الحق جل جلاله: {حتى إذا جاء أمرُنا} بغرقهم، أو أمرنا للأرض بالفوران وللسحاب بالإرسال، {وفار التنورُ}؛ نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور. والتنور: تنور الخبز، ابتدأ منه النبوع، على خرق العادة، أرادت ابنته أن تسجره ففار الماء في النار، رُوي أنه كان تنور آدم، خلص إلى نوح فكان يوقد فيه، وقيل: كان في الكوفة في موضع مسجدها. وقيل: في الهند، وقيل: التنور: وجه الأرض. قاله ابن عباس. فلما فار بالماء {قلنا احْمِلْ فيها}؛ في السفينة، {من كل زوجين اثنين}؛ من كل نوع من الحيوان؛ ذكراُ وأنثى ـ رُوي أن نوحاً عليه السلام وقف على باب السفينة، وحشر إليه الوحوش، فكان الذكر يقع في يمينه، والأنثى في شماله، وهو يُدخل في السفينة. وآخر ما دخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه؛ فزجره نوح فلم ينعق، فدخل معه، فجلس عند مؤخر السفينة. ورُوي أن نوحاً عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، فخرج من انفه خنزير وخنزيرة، فكفياه أمر ذلك الأذى. ورُوي أن الفأر آذى الناس فاوحى الله إليه: أن امسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هرٌّ وهرَّة. فكفياه أمر الفأر. انظر ابن عطية. {و} احمل أيضاً {أهْلكَ} أي: امرأتك وبنيك ونساءهم، {إلا من سبقَ عليه القولُ}: أنه من المغرقين يريد: ابنه كنعان وأمه وَاعِلة، فإنهما كانا كافرين. {و} احمل {من آمن} بك. قال تعالى: {وما آمن معه إلا قليلٌ}، قيل: كانوا تسعةَ وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة: حام وسام ويافث، ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. وفي بعض الآثار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبوالحبش". تفسير : قاله ابن عطية: وسيأتي خلافه في سورة الصافات. وهو الراجح. وقال البيضاوي: رُوي ان نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاثة بطون. فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير. هـ. والله تعالى أعلم. الإشارة: حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب، وفار تنور القلب بعلم الغيوب وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين؛ علم الشريعة والحقيقة، وعلم الحكمة القدرة، وعلم الحس والمعنى، وعلم الأشباح والأرواح، وعلم الملك والملكوت. وتحمل من تمسك بها من أهل المحبة والوداد، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد، وتحمل من آمن بخصوصيتها من العباد، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد، حين يمن الحق تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد. وبالله التوفيق. ثم أمرهم بالركوب في السفينة، فقال: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حفص {من كل زوجين} بتنوين في اللام هنا، وفي المؤمنون. وقال أبوالحسن: يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين}تفسير : يقال للمرأة زوج، وللرجل زوجها، قال الله تعالى {أية : وخلق منها زوجها}تفسير : وقال {أية : امسك عليك زوجك} تفسير : وقال بعضهم زوجة، قال الاخطل: شعر : زوجة أشمط مرهوب بوادره قد صار في رأسه التخويص والنزع تفسير : وقال ابو الحسن: يقال للاثنين هما زوج. قال أبو علي الفارسي: يدل على ان الزوج يقع للواحد، قوله {أية : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين}تفسير : إلى قوله {أية : ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين}تفسير : وقال الكسائي أكثر كلام العرب بالهاء. وقال القاسم بن معن أنه سمعها من العرب من اسد شنوءة، وليس في القرآن بالهاء، وهو أفصح من اثباتها عند البصريين. ومن قرأ بالاضافة كان قوله {اثنين} مفعول الحمل. والمعنى احمل من الأزواج اذا كانت اثنين اثنين زوجين، فالزوجان من قوله {من كل زوجين} يريد بهما الشياع، ولا يراد به الناقص من الاثنين، ومنه قول الشاعر: شعر : فمالك بالأمر الذي لا تستطيع بدارا تفسير : ومن نون حذف المضاف من (كل) والمعنى من كل شيء أو من كل زوج زوجين اثنين، فيكون انتصاب اثنين على انه صفة لزوجين، وذكر تأكيداً كما قال {أية : إلهين اثنين}. تفسير : اعلم الله نوحاً في هذه الاية ان وقت هلاك قومه الكفار فور التنور، وفي {التنور} اقوال: منها أن الماء اذا فار من التنور الذي يخبز فيه. وقيل: التنور عين ماء معروفة، وتنور الخابزة وافقت فيه لغة العرب العجم. وقيل: ان التنور وجه الأرض، ذكره ابن عباس، واختاره الزجاج. وقيل التنور تنور الصبح، وروي ذلك عن علي عليه السلام. و {حتى} متعلقة بقوله {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. حتى}. أخبر الله تعالى أنه لما جاء أمره باهلاك قوم نوح عليه السلام لاستحقاقهم ذلك بالكفر، وفار التنور يعني خروج الماء من موضع لم يعهد خروجه منه علامة لنوح عليه السلام وهو تنور الخبز - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد - وقيل: هو تنور آدم عليه السلام ويقال: فار إذا ارتفع ما فيه، كما يفور القدر بالغليان، فار يفور فوراً وفؤراً. وقال ابن عباس: فار إذا نبع. وقوله {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} إخبار منه تعالى أنه أمر نوحاً أن يحمل معه في سفينته من كل جنس زوجين: والزوج واحد له شكل إلا أنه قد كثر على الرجل الذي له امرأة: قال الحسن: في قوله {من كل شيء خلقنا زوجين} فالسماء زوج، والأرض زوج والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء قال الاعشى: شعر : وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبوّاً بذاك معا تفسير : وقوله {وأهلك} معناه واحمل معك أهلك {إلا من سبق عليه القول} بالاهلاك قال الضحاك وابن جريح: هو ابنه وامرأته. وقوله {ومن آمن} تقديره واحمل من آمن. ثم أخبر تعالى فقال {وما آمن معه إلا قليل}. قال ابن جريح: القليل الذين نجو معه كانوا ثمانية. وقال الاعمش: كانوا سبعة، وقال ابن عباس: كانوا ثمانين، وكان فيهم ثلاثة: بنيه: يافث، وسام، وحام. وثلاث كائن له ويافث جد الترك والروم والصقالبة وأصناف البيضان. وحام جد السودان، وهم الحبش والنوبة والزنج وغيرهم. وسام أبو فارس وأصناف العجم.
الجنابذي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} غاية لقوله قال ان تسخروا الآية او لقوله ويصنع الفلك {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} فى التّنّور وموضعه وفورانه وموضعه اقوال والحمل على الظّاهر اظهر، وموضع التّنور معروف فى مسجد الكوفة اليوم وتفصيل نبع الماء وقصّة نوح (ع) وقومه والاختلاف فى التّنور وموضعه ونبع الماء منه مذكورة فى المفصّلات واجمال الصّافى والمجمع يكفى للتّبصّر {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} ومن سبق عليه القول هى امرأته الخائنة امّ كنعان كما قيل {وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} قرئ كلاهما بضمّ الميم وفتح الرّاء والسّين وقرئ بفتح الميم وفتح الرّاء والسّين وقرئ الاوّل فقط بفتح الميم وكسر الرّاء وهما امّا منصوبان على الظّرفيّة سواء اريد بهما المكان او الزّمان او المعنى المصدرىّ او مرفوعان فاعلين لقوله بسم الله او مبتدئين وخبرهما بسم الله وبسم الله ظرف لغو متعلّق باركبوا ومجريها يكون منصوباً على الظّرفيّة او مستقرّ حال من الضّمير المجرور ومجريها فاعله او من فاعل اركبوا بتقدير لكم حتّى يتمّ الرّبط او مستقرّ خبر لمجريها والجملة امّا حال من الضّمير الفاعل بتقدير لكم او من الضّمير المجرور او مستأنفة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال السّفينة او عن علّة الامر بالرّكوب، وورد انّهم كلّما ارادوا جريها قالوا بسم الله مجريها وكلّما ارادوا ارساءها قالوا بسم الله مرسيها، وعلى هذا فالمناسب ان يكون جملة بسم الله مجريها محكيّاً لقول محذوف والتّقدير اركبوا قائلين بسم الله سواء قدّر مجريها مبتدء او منصوباً على الظّرفيّة {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فمن تلبّس باسمه ادركته مغفرته ورحمته.
فرات الكوفي
تفسير : {وما آمن معه إلا قليل40} فرات قال: حدثني علي بن محمد بن عمر الزهري معنعناً: عن زيد بن سلام الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: أصلحك الله إن خيثمة الجعفي حدثني عنك أنه سألك عن قول الله: {وما آمن معه إلا قليل} فأخبرته أنها جرت في شيعة آل محمد. فقال صدق والله خيثمة لها كذا حدثته.
اطفيش
تفسير : {حتَّى إذا جاءَ أمرُنا} حتى هذه ابتدائية عائدة إلى يصنع، وليست الابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية، كما قد يتوهم، بل هى بمنزلة فاء السببية، المتفرع ما بعدها على ما قبلها، ففى ذلك رائحة الغاية فافهم، وقد أوضحته فى النحو، وقيل: الداخلة على إذا جارة، وذكر القاضى أنها غاية ليصنع وما بينهما حال من ضميره، أو ابتدائية انتهى. والأمر واحد الأمور، أو مصدر أى أمرنا للماء بالفوران. {وفَارَ} أى نبع بالماء وغلى كالقدر {التَّنُّور} الذى يخبز فيه عند الحسن، ومجاهد، والشعبى، وأكثر المفسرين، وابن عباس فى الرواية الصحيحة عنه، وهو الصحيح، لأن اللفظ حقيقة فيه، جعل الله نبع الماء منه علامة لنوح يركب هو وما ومن معه عندها فى السفينة، وقال لامرأته: إذا رأيته يفور فأخبرينى فأخبرته. قال مقاتل: كان تنور لآدم فى الشام فى موضع يقال له عين ورد، من ناحية الجزيرة، وعن ابن عباس أنه بالهند، وعن مجاهد، عن الشعبى: اتخذ السفينة فى جوف مسجد الكوفة، وكان التنور مما يلى باب كندة على يمين الداخل، وكان يحلف بالله ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة، رواه السدى عنه، وهو من حجارة تخبز فيه حواء، ثم صار إلى نوح قاله الحسن، وأل للعهد، وكان فى بيت نوح معهودا عنده. ويجوز أن لا يكون المراد حقيقة نبع الماء من التنور، بل المراد الكناية عن شدة الأمر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الآن حمى الوطيس" تفسير : وهو لفظ فارسى جاء فى القرآن، وقيل: كان قبل ذلك فى لسان العرب من لغة العجم، ولا تعرف لمسماة العرب اسما غير ذلك، ولذلك جاء فى القرآن، وقيل: ذلك اسمه فى كل لغة، وقال على بن أبى طالب: فار التنور، طلع الفجر، شبه طلوع نور الصبح بفوران نار التنور، وقال ابن عباس فى رواية، وعكرمة، والزهرى: فار التنور انبجس الماء على وجه الأرض، وقيل: فار عليه، وقيل: فار على أعلى موضع فيها. {قُلْنا احْمِل فِيها مِنْ كلٍّ زوْجَيْن} أى من كل نوع ذكر ونوع أنثى {اثْنيْنِ} فردين اثنين، فرد ذكر، وفرد أنثى، وهو مفعول احمل فى الفلك، وقرأ حفص تنوين كل فيكون زوجين مفعول لاحمل، واثنين توكيد أو نعت مؤكد، فيكون الزوجان الفرد الذكر والفرد الأنثى، وكذا قرأ فى "سورة المؤمنون". قال فى عرائس القرآن وغيره: حشر الله إليه الدواب والطيور، من البر والبحر، والسهل والجبل، لئلا ينقطع نسلها، قال ابن عباس: أرسل الله المطر أربعين يوما وليلة، وأقبلت الوحوش والطير والدواب إلى نوح، حين أصابها المطر، وأول ما حمل الدرة، وآخره الحمار، وتعلق إبليس بذنبه، فيأمره نوح بالدخول فينهض فلا يستطيع، حتى قال له نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زل بها لسانه، فخلاه إبليس فدخل، ودخل إبليس فقال له: ما أدخلك يا عدو الله اخرج؟ قال: لا أخرج ألم تقل للحمار ادخل وإن كان الشيطان معك، ولا بد من حملى، فإنى من المنظرين وكان على ظهر الفلك، وقيل على ذنبها، واشترط عليه أن لا يوسوس فيها أحدا ما دام فيها. وروى أنه قال له: ادخل يا ملعون، فخلاه الشيطان فدخل ودخل بعده، فقال له: من أدخلك؟ فقال: ألم تقل ادخل يا ملعون، وذكر التلاتى أنه قال: ادخل يا شيطان فدخل بعده، فقال له: من أدخلك؟ قال: أنت حين قلت: يا شيطان، ولا بأس بقوله ذلك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعن الله العقرب" تفسير : ولو لم يجزلنا أن نقول ذلك للعقرب، ومثلها مما ورد فيه عنه لعنة، فإن العقرب والحمار سواء فى عدم التكليف، وقال له: ادع ربك أن يتوب علىَّ، فقال الله له: قل له تسجد لآدم فأتوب عليه، فقال له: فقال: لم أسجد له حيا فكيف أسجد له ميتا؟ قيل: أتت الحية والعقرب نوحا ليحملهما، فقال: إنكما سبب الضرر لا أحملكما، قالتا: احملنا نحن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما: {أية : سلام على نوح فى العالمين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين} تفسير : لم تضراه. قال وهب: لما أمر نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين، قال: كيف أصنع بالأسد والبقر؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب؟ وكيف أصنع بالحمار والهر؟ قال الله تعالى: من ألقى بينهم العداوة؟ قال: أنت يا رب، قال: فإنى مؤلف بينها حتى لا يتضاروا، وألقى على الأسد الحمَّى وأشغله، وجعل فى البطن الأول الوحوش والسباع والهوام، وفى الأسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه فى البطن الأعلى، لئلا يملهم شئ، وقيل: حمل الناس فى الأوسط، والطير فى الأعلى، وغير ذلك فى الأسفل. وقال التلاتى: حمل الرجال فى الطبقة الأولى، والنساء فى الثانية، والوحوش والطير فى الثالثة، والحية فى الرابعة، وكانت عظيمة فضربها جبريل فأسقط أنيابها، والعقرب والهوام فى الخامسة، وكانت العقرب عظيمة، فضربها وأسقط ذنبها، والسباع، وكل ذى ناب فى السادسة، وكان الأسد كالفيل فضربه بجناحه وقال: لا زلت محموما. وحمل معه ما يحتاج إليه من الزاد وغيره، وحمل معه جسد آدم معترضا بين الرجال والنساء، وروى أنه حمل معه من أولاد آدم من بقى منهم إلى ذلك الحين، وهم ثمانون بين رجل وامرأة، ولما كانوا فى السفينة نزل الماء الأكبر، أمطرت السماء كأفواه القرب، وفجرت الأرض، وكانت بين إرسال الماء واحتمال الفلك أربعون ليلة، ثم احتملها. وعن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى أتى كثيبا من رمل، فأخذ كفا من ذلك التراب وقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله أعلم، قال: هذا كعب بن حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه، قال له عيسى: هكذا هلكت، قال: لا مت وأنا شاب، ولكنى ظننت أنها الساعة، فمن أجل ذلك شبت، قال له: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائة ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة فيها الدواب والوحوش، وطبقة فيها الطير، وطبقة فيها الإنس، فلما كثرت أرواث الدواب، أوحى الله إلى نوح أن اغمر ذنب الفيل فغمره، فخرج منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. وتوالد الفأر فى السفينة، فجعل يقرضها فأوحى الله إليه أن اضرب بين عينى الأسد، فضرب فخرج منه سنور وسنورة، فأقبلا على الفأر، وقالوا: يا روح الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا يحدثنا، فقال: كيف يتبعكم من لا رزق له، ثم قال عد بإذن الله فعاد ترابا انتهى. وأمر نوحا أن لا يقرب الذكر الأنثى، وأصاب حام امرأته فى السفينة فدعا عليه أن يغير نطفته فجاء بالسودان، وقال الكلبى: وثب الكلب على الكلبة فدعا عليه وقال: اللهم اجعله عسرا، وقيل سبب تغيير نطفة حام أنه رأى عورة نوح كشفها الريح وهو نائم فضحك، فدعا عليه. وروى أنه لما حشر الله الدواب إليه، جعل يضرب بيديه فى كل جنس، فتقع اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيجعلها فى السفينة. وقيل: أمره الله أن ينادى بإتيان زوجين اثنين من كل جنس بالقرعة إليه، فأتاه من أصابته القرعة، وعن الحسن: لم يحمل معه إلا ما يبيض أو يلد، وأما ما سوى ذلك مما يتوالد من الطير من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منه شيئا. قال الفخر: وأما الذى يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد، لأنه من الجن وهو جسم نارى وهوائى، فكيف يفر من الغرق، وأيضا فإن كتاب الله لم يدل على ذلك، ولم يرد خبر صحيح، فالأولى ترك الخوض فيه، قلت: كونه مركبا من نار يناسب الفرار من الغرق. وذكر الشيخ هود أنه مسح ذنب الفيل فخرج منه خنزيران يعنى يعنى خنزير وخنزيرة، يأكلان الزبل، وعطس الأسد فخرج من منخريه سنوران يغنى سنور وسنورة يأكلان الفأر. {وأهْلَك} الواو عاطفة، وأهل معطوف على مفعول احمل، والكاف مضاف إليه، والمراد ولده وأزواجهم، وامرأته المؤمنة {إلاَّ مَنْ سَبَق عَليْه القَوْل} القضاء بالهلاك كامرأته الكافرة واعلة، وابنه كنعان وهو ابنها {ومَنْ آمَنَ} عطف على الأهل، أو مفعول حمل وهو أولى. {ومَا آمنَ مَعَه إلاَّ قَليلٌ} سام وحام ويافث ونساؤهم الثلاث، وزوجته المؤمنة، واثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، فجملتهم تسعة وسبعون إنسانا بنوح عليه السلام، وقيل: ثمانون نصفهم ذكور ونصفهم إناث، وعن ابن عباس كل [من] فيها من الرجال ثمانون، أحدهم جرهم، وذكرت خلافا غير هذه السورة، قال القرطبى: الصواب الوقف عن عددهم، إذ لم يرد فى الكتاب ولا فى خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوصف بالقلة كما وصفهم الله تعالى.
اطفيش
تفسير : {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} غاية ليصنع وما بينهما مستأْنف معترض، أَو حال من ضمير يصنع سواءٌ جعلنا حتى جاره لإِذا وهو مرجوح أَو ابتدائِية والابتدائِية لا تخلو من غاية كالجارة، فإِن بين المرفع وعليه تناهيا برجوع المرفع إِلى المرفع عليه، ما زال يصنع حتى حصل أَول أَمر الله أَو قرب جداً، وهو نزول العذاب وهو واحد الأُمور، وقولنا بركوب السفينة أَو بالفوران أَو بالإِرسال للسحاب أَو الملائِكة فيكون واحد الأَوامر، وليس المراد حتى حصل وقت أَمرنا لأَن الوقت فى إذا والظرف لا يكون ظرفا للظرف اللهم إِلا باعتبار وسط الظرف فيعتبر بإِذا ظرف أَوسع لما بعد المجىءِ وقبله، كالساعة من يوم الجمعة، وفار التنور نبع بالماءِ كارتفاع الماءِ فى القدر بالغليان والتنور تنور الخبز من حجارة كان لمنوح من أُمنا حواءَ فاض الماءُ من حيث تكون النار خلافا للمعتاد، وهو فى موضع الكوفة مسجد أَو على يمين داخل الكوفة مما يلى باب كندة، أَو فى الهند أَو بعين وردة من أَرض الشام أَو فى أَرض جزيرة ابن عمر، وتلك الأَقوال للجمهور، وقيل المراد الجنس، فالماءُ فاض من التنانير أَين هى لا من تنور واحد، ولا ينافى فوران الماء من التنور قوله تعالى: وفجرنا الأَرض عيونا لأَن الحاصل أَنه خرج من الأَرض ومن التنور إِلا أَنه بالفوران ومن الأَرض بالتفجير، أَو التنور وجه الأَرض أَو أَعلى موضع منها على خلاف المعتاد أَيضاً من نبع الماءِ من أَسفل لا من أَعلى، وعن الإِمام على أَن المراد تنوير الصبح ويحسن أَن يكون فار التنور كناية عن اشتد الهول كقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الآن حمى الوطيس "،تفسير : أَى اشتد الحرب، ووجهه تفعول من النور أَصله تنوور قلبت الواو الأَولى همزة فقلبت أَلفاً وحذفت تخفيفاً وشدد النون تعويضاً عما حذف قاله ثعلب. وفيه أَنه إِذا أُريد التخفيف، فكان الحذف لأَجله فلم ثقل بالشد. وقال الفارسى فعُّول وليس فى كلام العرب نون قبل راءٍ، وأَما نرجس فمعرب فتنور معرب، وقيل اتفقت فيه لغة العرب والعجم كالصابون وكان فوران التنور علامة على دخول السفينة وركوبها، وأَعلمته امرأَته به. وكان ذلك فى ثالث عشر من أَبيب فى شدة القيظ، وإِسناد الفور إِلى التنور مجاز عقلى والفائِز الماءُ منه وفيه {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا} فى السفينة {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ} شيئَين متقارنين فذلك ذكر وأُنثى من كل نوع إِلا ما يتولد من التراب أَو العفونة أَو الماءِ ويقال حمل العقرب والحية على أَن لا تضرا إِذا خرجتما من يذكر نوحاً، ويقال لم يدخل فيها ما لا يتوالد وما يضر ولم يدخل البغل والبغلة لأَنهم يتوالدان من الحمار والفرس، وأَدخل الأَسد والنمر، وعلى أَن الهر والخنزير والفأْر لم يكن قبل فالمراد من كل زوجين موجودين {اثْنَيْنِ} فردين ذكر وأُنثى مفعول به لا حمل، فالزوجان الحقيقة والاثنان شخصان منها، وقيل يشمل الزوجان ما كان من نبات كالعجوة واليمون والرمان الحلو والحامض، وكل هنا للأَفراد النوعية، قال: يا رب كيف أَحمل فيها ذلك فحشر إِليه الحيوانات فجعلت تلحس قدميه تطلب حملها، فقال: أُمرت باثنين فقط من كل زوجين، فيضرب يديه فتقع يمناه على الذكر ويسراه على الأُنثى، وأَول ما حمل الدرة وآخر ما حمل الحمار، قيل وتعاصت العنز فجذبها بذنبها فصارا أَبداً منفرجا عن مخرجيها وتساهلت النعجة فمسح على ذنبها فستر فرجها، وتعاصى الحمار بتعلق إِبليس بذنبه ونوح يجبذه من أَذنه فقال: ادخل وإِن كان الشيطان معك. فدخل إِبليس. وقيل قال للحمار: ادخل يا شيطان فدخل معه إِبليس فقال اخرج يا عدو الله ما أَدخلك فقال أَلم تقل ولو كان معك شيطان لا بد من أَن تحملنى، وقيل طلب الدخول معتذراً بأَنه من المنظرين فأَدخله على عمد. ولا نعتقد أَن نوحاً قال للحمار يا شيطان، وقيل كان على ظهر السفينة، واعترض بأَنه نارى هوائِى لا يفر من الغرق، ويجاب بأَن ما كان كذلك ليس يقبل طول المكث فى الماءِ وأَيضاً هذا ماءُ العذاب ليس كسائِرِ المياه وأَيضاً الماءُ ينافى النار فإِن كان الجن فى زمان الغرق كلهم مشركين غرقوا وإِلا نجا مؤْمنهم إِلى السفينة ولو لم يرهم نوح، وعلى فرض كفرهم كلهم ففى فخذى إِبليس ذكر وفرج يتولد منهما، وقيل لم يعم الطوفان الأَرض وإِنما حمل من كل زوجين اثنين لئَلا يحتاج الأَمر فى ذلك إِلى ما فى الأَرض البعيدة {وَأَهْلَكَ} بنيك المؤْمنين وأَزواجهم المؤْمنات وزوجتك المؤْمنة وغرقت الكافرة {إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} منهم بالإِهلاك وهم زوجه واعلة أَو والعة بالعين المهملة فيهما وهى الكافرة وابنه منهما كنعان الكافر، وحمل أَولاده ساما أَبا العرب وحاما أَبا السودان ويافثا أَبا الترك، وأَزواجهم والاستثناءُ متصل إِن أُريد بالأَهل الأَهل إِيماناً ومنقطع إِن أُريد قرابة {وَمَنْ آمَنَ} عطف على أَهلك وهم سائِر من آمن {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} جملتهم تسعة وسبعون وتم بنوح ثمانون؛ أَربعون رجلا وأَربعون امرأَة، وصحح هذا فنزلوا فى موضع بعد الخروج وبنوا فيه سفينة فسميت ثمانين وهى أَول مدينة بعد الطوفان، وقيل جملتهم ستة رجال وست نسوة نساؤُهم فهو اثنا عشر والمشهور الأَول تسعة وسبعون زوجه المسلمة وبنوه الثلاثة ونساؤُهم واثنان وسبعون رجلا وامرأَة من غيرهم، وقيل زوجه المسلمة وأَبناؤُه الثلاثة وكنائِنه الثلاث، وقيل خمسة رجال وخمس نسوة، وقيل عشرة رجال وعشر نسوة، وقيل ثمان وسبعون...
الالوسي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَآء أَمْرُنَا} غاية لقوله سبحانه: {أية : يَصْنَعُ ٱلْفُلْكِ}تفسير : [هود: 38] و {حَتَّىٰ} إما جارة متعلقة به، و {إِذَا} لمجرد الظرفية، وإما ابتدائية داخلة على الشرط وجوابه، والجملة لا محل لها من الإعراب، وحال ما وقع في البين قد مرت الإشارة إليه، والأمر إما واحد الأوامر أي الأمر بركوب السفينة أو بالفوران أو للسحاب بالارسال أو للملائكة عليهم السلام بالتصرف فيما يراد أو نحو ذلك، وإما واحد الأمور وهو الشأن أعني نزول العذاب بهم {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} أي نبع منه الماء وارتفع بشدة كما تفور القدر بغليانها وفيه من الاستعارة ما لا يخفى. والمراد من التنور تنور الخبز عند الجمهور، وكان على ما روي عن الحسن ومجاهد تنوراً لحواء تخبز فيه ثم صار لنوح عليه السلام وكان من حجارة، وقيل: هو تنور في الكوفة في موضع مسجدها عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وجاء ذلك في رواية عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقيل: تنور بالهند، وقيل: بعين وردة من أرض الجزيرة العمرية أو من أرض الشام، وقيل: ليس المراد به تنوراً معيناً بل الجنس، والمراد فار الماء من التنانير، وفي ذلك من عجيب القدرة ما لا يخفى. ولا تنافي بين هذا وقوله سبحانه: {أية : وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً }تفسير : [القمر: 12] إذ يمكن أن يكون التفجير غير الفوران فحصل الفوران للتنور والتفجير للأرض، أو يراد بالأرض أماكن التنانير، ووزنه تفعول من النور، وأصله تنوور فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها، ثم حذفت تخفيفاً، ثم شددت النون عوضاً عما حذف، ونقل هذا عن ثعلب، وقال أبو علي الفارسي: وزنه فعُّول، وقيل: على هذا أنه أعجمي ولا اشتقاق له، ومادته تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، ونرجس معرب أيضاً، والمشهور أنه مما اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصابون والسمور. وعن ابن عباس وعكرمة والزهري أن {ٱلتَّنُّورُ} وجه الأرض هنا، وعن قتادة أنه أشرف موضع منها أي أعلاه وأرفعه، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وغيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه تنوير الصبح، والظاهر أنه لم يستعمل في اللغة العجمية بهذه المعاني الأخيرة، وجوز أن يكون فوران التنور مجازاً عن ظهور العذاب وشدة الهول، وهذا كما جاء في الخبر «حمى الوطيس» مجازاً عن شدة الحرب وليس بين الجملتين كثير فرق في المعنى وهو معنى حسن لكنه بعيد عما جاءت به الأخبار. {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا} أي في الفلك، وأنث الضمير لأنه بمعنى السفينة، والجملة استئناف أو جواب {إذا} {مِن كُلّ} أي من كل نوع من الحيوانات ينتفع به الذين ينجون من الغرق وذراريهم بعد، ولم تكن العادة جارية بخلقه من غير ذكر وأنثى، / والجار والمجرور متعلق ـ باحمل ـ أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله أعني قوله سبحانه: {زَوْجَيْنِ} وهو تثنية زوج، والمراد به الواحد المزدوج بآخر من جنسه، فالذكر زوج للأنثى كما هي زوج له، وقد يطلق على مجموعهما، وليس بمراد، وإلا لزم أن يحمل من كل صنف أربعة، ولئلا يراد ذلك وصف بقوله تعالى: {ٱثْنَيْنِ} وحاصل المعنى احمل ذكراً وأنثى من كل نوع من الحيوانات. وقرأ الأكثرون {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} بالإضافة فإثنين على هذا مفعول ـ احمل ـ و {مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} حال منه، ولو أخر لكان صفة له أي احمل اثنين من كل زوجين أي صنف ذكر وصنف أنثى، وقيل: {مِنْ} زائدة وما بعدها مفعول {ٱحْمِلْ}، و {ٱثْنَيْنِ} نعت لزوجين بناءاً على جواز زيادة {مِنْ} في الموجب ثم ما ذكرناه في تفسير العموم هو الذي مال إليه البعض وأدرج فيه أناس الهوام والطير. وذكر أنه روي أنه عليه السلام جعل للسفينة ثلاثة بطون وحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضاً بين الرجال والنساء، وكان حمله بوصية منه عليه السلام توارثها ولده حتى وصلت إلى نوح عليه السلام، ويعارض هذا التقسيم ما روي أن الطبقة السفلى للوحش والوسطى للطعام والعليا له عليه السلام ولمن آمن، وتوسع بعضهم في العموم فأدرج فيه ما ليس من جنس الحيوان، وأيد بما أخرجه إسحاق بن بشر وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر، وبما أخرجه أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما قال: أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين فحمل من التمر العجوة واللون. وأخرج النسائي عن أنس بن مالك أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم، فقال: هذا لي، وقال نوح: هو لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها ولا يكاد يعول على مثل هذه الأخبار عند التنقير، ومما يحمل معها في سفينة ما أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تأذى أهل السفينة بالفأر فعطس الأسد فخرج من منخريه سنوران ذكر وأنثى فأكلا الفأر إلا ما أراد الله تعالى أن يبقى منه، وتأذوا بأذى أهل السفينة فعطس الفيل فخرج من منخريه خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل السفينة، وفي رواية الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وابن جرير وغيرهما عنه أن نوحاً عليه السلام شكا إلى الله تعالى قرض الفأر حبال السفينة فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد فخرج سنوران، وشكا عذرة في السفينة فأوحى إليه سبحانه، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكلا العذرة. وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعاً أن أهل السفينة شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله تعالى إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها، ولم يذكر فيه بحث الخنزير، ويفهم منها على ما فيها أن الهرة لم تكن عند الحمل، ومن الأولين أنها والخنزير لم يكونا، وفي بعض الآثار ما يخالفه، فقد أخرج أحمد في «الزهد» وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال لما أمر الله تعالى نوحاً عليه السلام بالحمل قال: كيف أصنع بالأسد والبقرة وكيف أصنع بالعناق والذئب، وكيف أصنع بالحمام والهر؟ فقال الله تعالى: من ألقى بينهما العداوة؟ قال: أنت يا رب قال: فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون، ولا يخفى ما بين هذا وبين التقسيم الأول أيضاً، وجاء في شأن الأسد روايات مختلفة: ففي رواية أن أصحابه عليه السلام قالوا: كيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلط الله تعالى عليه الحمى، وكانت أولى حمى نزلت الأرض. / وفي رواية أنه كان يؤذيهم في السفينة فألقيت عليه الحمى ليشتغل بنفسه، وفي أخرى أنه عليه السلام حين أمر بالحمل قال: يا رب كيف بالأسد والفيل؟ فقال له سبحانه: سألقي عليهما الحمى وهي ثقيلة؛ وفي أخرى عن أبـي عبيدة أنه عليه السلام حين أمر بالحمل لم يستطع أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى فحمله فأدخله، ولا يخفى أنها مع دلالة بعضها على أن إلقاء الحمى قبل الدخول، وبعضها على أنه بعده، وكان يغني عن إلقائها بعد دفعاً لأذاء التأليف بينه وبين الإنسان كما ألف بين ما مر بعضه مع بعض، ولعل لدفع الأذى بالحمى دون التأليف إن صح ذلك حكمة لكنها غير ظاهرة لنا، وجاء في بعض الآثار ما يفهم منه أنه كان معه عليه السلام في السفينة من الجن ما كان، وفي بعضها أن إبليس عليه اللعنة كان أيضاً. فعن ابن عباس أنه لما أراد الله تعالى أن يدخل الحمار السفينة أخذ نوح بأذني الحمار وأخذ إبليس بذنبه فجعل نوح يجذبه وجعل إبليس يجذبه فقال نوح عليه السلام: ادخل شيطان فدخل الحمار ودخل إبليس معه فلما سارت السفينة جلس في ذنبها يتغنى فقال له نوح: ويلك من أذن لك؟ قال: أنت قال: متى؟ قال: إذ قلت للحمار ادخل شيطان فدخلت بإذن منك، وفي رواية أخرى عنه أن نوحاً عليه السلام قال للحمار: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك كلمة جرت على لسانه فدخل ودخل معه الشيطان. وأخرج ابن عساكر عن عطاء أن اللعين جاء ليركب السفينة فدفعه نوح عليه السلام فقال: يا نوح إني منظور ولا سبيل لك علي فعرف أنه صادق فأمره أن يجلس على خيزران السفينة، وهو بظاهره مخالف لما روي عن ابن عباس. واختلفوا في أنه كيف جمعت الحيوانات على تفرقها في أكناف الأرض، فقيل: إنها أحست بالعذاب فاجتمعت؛ وعن الزهري أن الله تعالى بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين اثنين من الطير والسباع والوحش والبهائم. وعن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فحشرها فجعل عليه السلام يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخلهما السفينة حتى أدخل عدة ما أمر الله تعالى به، وروى إسحاق بن بشر وغيره عن زيد بن ثابت أنه استعصت عليه عليه السلام الماعزة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر وبدا حياها ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياها. وفي «كتب الأخبار» كثير من هذه الآثار التي يقضي منها العجب، وأنا لا أعتقد سوى أن الله عزت قدرته خلق الماعزة والنعجة من قبل على ما هما عليه اليوم وأنه سبحانه لم يخلق الهرة من الأسد وإن أشبهته صورة ولا الخنزير من الفيل وإن كان بينهما شبه مّا كما شاهدناه عام مجيء الفيل إلى بغداد ولو كلف الفيل أكل العذرة لكان أحب إلى أهل السفينة من زيادة خنزير فيها وأحب من ذلك كله إليهم أن لا يكون في السفينة غيرهم أو يكون حيوان واحد يخلق لهم من عطاسه ما يريدونه من الحيوانات ويحتاجون إليه بعد. والذي يميل القلب إليه أن الطوفان لم يكن عاماً ـ كما قال به البعض ـ وأنه عليه السلام لم يؤمر بحمل ما جرت العادة بتكونه من عفونة الأرض كالفأر والحشرات بل أمر بحمل ما يحتاج إليه إذا نجا ومن معه من الغرق لئلا يغتموا لفقده ويتكلفوا مشقة جلبه من الأصقاع النائية التي لم يصلها الغرق فكأنه قيل: قلنا احمل فيها من كل ما تحتاجونه إذا نجوتم زوجين اثنين، وإن قلنا بعموم الغرق نقول أيضاً: إنه عليه السلام لم يكلف بحمل شيء من المتكونات من العفونة بل كلف بالحمل مما يتناسل من الحيوانات لمصلحة بقاء النوع، وكانت السفينة بحيث / تسع ذلك عادة أو معجزة وقدرة الله تعالى أجل من أن تضيق عن ذلك، وإن قيل بالعموم على وجه يبقى معه بعض الجبال جاز أن يقال: إنه عليه السلام لم يحمل إلا مما لا مهرب له ويضر فقده بجماعته، ولو قيل: إن العموم على إطلاقه وأنه عليه السلام لم يحمل في السفينة إلا ما تتسع له عادة مما يحتاج إليه لئلا يضيق أصحابه ذرعاً بفقده بالكلية حسبما تقتضيه الطباع البشرية وغرق ما عدا ذلك لكن الله تعالى جلت قدرته خلق نظير ما غرق بعد على الوجه الذي فعل قبل لم يكن ذلك بدعاً ممن أمره بين الكاف والنون جل شأنه وعظم سلطانه. هذا وإنما قدم ذلك على أهله وسائر المؤمنين قيل: لكونه عريقاً بالحمل المأمور به لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمال منه عليه السلام في تمييز بعض عن بعض وتعيين الأزواج، وأما البشر فإنما يدخل الفلك باختياره فيخف فيه معنى الحمل، أو لأن ذلك إنما يحمل بمباشرة البشر وهم إنما يدخلونها بعد حملهم إياه، ويجوز أن يكون التقديم حفظاً للنظم الكريم عن الانتشار، وأياً مّا كان فقوله سبحانه: {وَأَهْلَكَ} عطف على {زَوْجَيْنِ} أو على {ٱثْنَيْنِ} والمراد بأهله على ما في بعض الآثار امرأته المسلمة وبنوه منها وهم سام عليه السلام وهو أبو العرب وأصله على ما قال البكري: بالشين المعجمة، وحام وهو أبو السودان قيل: إنه أصاب زوجته في السفينة فدعا نوح عليه السلام أن تغير نطفته فغيرت، وأخرجه ابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق ابن جريج عن أبـي صالح، ويافث كصاحب وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج وزوجة كل منهم. {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} بأنه من المغرقين لظلمهم، وذلك في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [هود: 37] الآية، والمراد زوجة له أخرى تسمى واعلة بالعين المهملة، وفي رواية والقة وابنه منها كنعان وكان اسمه فيما قيل: يام وهذا لقبه عند أهل الكتاب وكانا كافرين، وفي هذا دلالة على أن الأنبياء عليهم السلام يحل لهم نكاح الكافرة بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ }تفسير : [الأحزاب: 50] الآية، والاستثناء جوز أن يكون متصلاً إن أريد بالأهل الأهل إيماناً، وأن يكون منقطعاً إن أريد به الأهل قرابة، ويكفي في صحة الاستثناء المعلومية عند المراجعة إلى أحوالهم والتفحص عن أعمالهم، وجيء بعلى لكون السابق ضاراً لهم كما جيء باللام فيما هو نافع في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الصافات: 171] وقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الأنبياء: 101]. {وَمَنْ آمَنَ} عطف على الأهل أي والمؤمنين من غيرهم وإفراد أولئك منهم للاستثناء المذكور، وإيثار صيغة الإفراد في {آمَنَ} محافظة على لفظ {مِنْ} للإيذان بالقلة كما أفصح عن ذلك قوله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} قيل: كانوا سبعة زوجته وأبناؤه الثلاثة وكنائنه الثلاث، وروي هذا عن قتادة والحكم بن عقبة وابن جريج ومحمد بن كعب، ويرده عطف {وَمَنْ آمَنَ} على الأهل إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوج فإنه قد ثبت بهذا المعنى لكن قيل: إنه خلاف الظاهر، والاستثناء عليه منقطع أيضاً، وعن ابن إسحاق أنهم كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وعنه أنهم كانوا مع نوح عليه السلام عشرين نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساؤهم، وقيل: كانوا ثمانية وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم إناث، وقيل: كانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة وقيل: وقيل. والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين، زوجته وبنوه الثلاثة ونساؤهم واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم من بني شيث. واعتبار المعية في الإيمان للإيماء إلى المعية في مقر الأيمان والنجاة.
ابن عاشور
تفسير : {حتى} غاية لـ {أية : ويصنع الفلك}تفسير : [هود: 38] أي يصنعه إلى زمن مجيء أمرنا، فـ {إذا} ظرف مضمن معنى الشرط ولذلك جيء له بجواب. وهو جملة {قلنا احمل}. وجعل الشرط وجوابه غاية باعتبار ما في حرف الشرط من معنى الزمان وإضافته إلى جملة الشرط، فحصل معنى الغاية عند حصول مضمون جملة الجزاء، وهو نظم بديع بإيجازه. و{حتى} ابتدائية. والأمر هنا يحتمل أمْر التكوين بالطوفان، ويحتمل الشّأن وهو حادث الغرق، وإضافته إلى اسم الجلالة لتهويله بأنّه فوق ما يعرفون. ومَجيء الأمر: حصوله. والفوران: غليان القدر، ويطلق على نبع الماء بشدة، تشبيهاً بفوران ماء في القدر إذا غلي، وحملوه على ما جاء في آيات أخرى من قصة نوح ـ عليه السّلام ـ مثل قوله: {أية : وفجّرنا الأرض عيوناً}تفسير : [القمر: 12]. ولذلك لم يتضح لهم إسناده إلى التنور، فإن التنور هو الموقد الذي ينضج فيه الخبز، فكثرت الأقوال في تفسير التنور، بلغت نسبة أقوال منها ما لا ينبغي قبوله. ومنها ما له وجه وهو متفاوت. فمن المفسرين من أبقى التنور على حقيقته، فجعل الغوران خروج الماء من أحد التنانير وأنه علامة جعلها الله لنوح ـ عليه السّلام ـ إذ أفار الماء من تنوره علم أن ذلك مبدأ الطوفان فركِب الفلكَ وأركبَ من معه. ومنهم من حمل التنور على المَجاز المفرد ففسره بسطح الأرض، أي فار الماء من جميع الأرض حتى صار بسطح الأرض كفوهة التنور. ومنهم من فسره بأعلى الأرض. ومنهم من حمل {فار} و{التنور} على الحقيقة، وأخرج الكلام مَخرج التمثيل لاشتداد الحال، كما يقال: حمي الوطيس. وقع حكاية ذلك في تفسير ابن عطية في هذه الآية وفي الكشاف في تفسير سورة المؤمنون: وأنشد الطبرسي قول الشاعر. وهو النابغة الجعدي: شعر : تفورُ علينا قِدرهم فنديمها ونفثأها عنّا إذا قِدرها غلى تفسير : يريد بالقدر الحرب، ونفثأها، أي نسكنها، يقال: فثأ القِدر إذا سكن غليانها بصب الماء فيها. وهذا أحسن ما حكي عن المفسرين. والذي يظهر لي أن قوله: {وفارَ التنور} مثَل لبلوغ الشيء إلى أقصَى ما يتحمل مثله، كما يقال: بلغ السيل الزُبى، وامتلأ الصاع، وفاضت الكأس وتفاقم. والتنور: محفل الوادي، أي ضفته، فيكون مثل طَما الوادي من قبيل بلغ السيل الزُبى. والمعنى: بأن نفاذ أمرنا فيهم وبلغوا من طول مدة الكفر مبلغاً لا يغتفر لهم بعدُ كما قال تعالى: {أية : فلما آسفونا انتقمنا منهم}تفسير : [الزخرف: 55]. والتنور: اسم لمَوقد النار للخبز. وزعمه. الليث مما اتفقت فيه اللغات، أي كالصابون والسمور. ونسب الخفاجي في شفاء الغليل هذا إلى ابن عباس. وقال أبو منصور: كلام الليث يدل على أنه في الأصل أعجمي. والدليل على ذلك أنه فعّول من تنر ولا نعرف تنر في كلام العرب لأنه مهمل، وقال غيره: ليس في كلام العرب نون قبل رَاء فإن نرجس معرب أيضاً. وقد عدّ في الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن. ونظمها ابن السبكي في شرحه على مختصر ابن الحاجب الأصلي ونسب ذلك إلى ابن دريد. قال أبو علي الفارسي: وزنه فَعّول. وعن ثعلب أنه عربي، قال: وزنه تَفعول من النور (أي فالتاء زايدة) وأصله تنوور بواوين، فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها ثم حذفت الهمزة تخفيفاً ثم شددت النون عوضاً عما حذف أي مثل قوله: تقَضّى البَازي بمعنى تقضّض. وقرأ الجمهور {من كلّ زوجين} بإضافة {كل} إلى {زوجين}. والزوج: شيء يكون ثَانياً لآخَرَ في حالة. وأصله اسم لما ينضم إلى فرد فيصير زوجاً له، وكل منهما زوج للآخر. والمراد بـ{زوجين} هنا الذكر والأنثى من النوع، كما يدل عليه إضافة {كل} إلى {زوجين}، أي احمل فيها من أزواج جميع الأنواع. و{من} تبعيضية، و{اثنين} مفعول {احمل}، وهو بيان لئلاّ يتوهّم أن يحمل كل زوجين واحداً منهما لأن الزوج هو واحد من اثنين متصلين، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ثمانية أزواج}تفسير : في سورة [الأنعام: 143]. ولئلا يحمل أكثر من اثنين من نوع لتضيق السفينة وتثقل. وقرأه حفص {من كلَ} بتنوين {كلَ} فيكون تنوين عوض عن مضاف إليه، أي من كل المخلوقات، ويكون {زوجين} مفعول {احمل}، ويكون {اثنين} صفة لـ{زوجين} أي لا تزد على اثنين. وأهل الرجل قرابته وأهل بيته وهو اسم جمع لا واحد له. وزوجه أول من يبادر من اللفظ، ويطلق لفظ الأهل على امرأة الرجل قال تعالى: {أية : فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله}تفسير : [القصص: 29]، وقال: {أية : وإذ غدوتَ من أهلك}تفسير : [آل عمران: 121] أي من عند عائشة ـ رضي الله عنها ـ. و{من سبق عليه القول} أي من مضى قول الله عليه، أي وعيده. فالتعريف في {القول} للعهد، يعني إلاّ من كان من أهلك كافراً.، وماصدق هذا إحدى امرأتيه المذكورة في سورة التّحريم وابنه منها المذكور في آخر هذه القصة. وكان لنوح ـ عليه السّلام ـ امرأتان. وعدّي {سبَق} بحرف {على} لتضمين {سَبَق} معنى: حَكَم، كما عدّي باللام في قوله: {أية : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}تفسير : [الصافات: 171] لتضمينه معنى الالتزام النافع. و{مَن آمن} كلّ المؤمنين. وجملة {وما آمن معه إلا قليل} اعتراض لتكميل الفائدة من القصة في قلة الصالحين. قيل: كان جميع المؤمنين به من أهله وغيرهم نيفاً وسبعين بين رجال ونساء، فكان معظم حمولة السفينة من الحَيوان.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} الآية. ذكر الله جل وعلا في الآية هذه الكريمة أنه أمر نبيه نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين. وبين في سورة {قد أفلح المؤمنون} أنه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها. فدل ذلك على أن فيها بيوتاً يدخل فيه الراكبون. وذلك في قوله {أية : فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [المؤمنون: 27] ومعنى "ٱسْلُكْ" أدخل فيها من كل زوجين اثنين. تقول العرب: سلكت الشيء في الشيء: أدخلته فيه. وفيه لغة أخرى وهي: أسلكته فيه، رباعياً بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن. كقوله: {أية : فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}تفسير : [المؤمنون: 27] الآية. وقوله {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ}تفسير : [القصص: 32] الآية. وقوله {أية : كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الشعراء: 200] الآية. وقوله {أية : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [الحجر: 12] وقوله {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}تفسير : [المدثر: 42] الآية. ومنه قول الشاعر: شعر : وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب تفسير : ومن الرباعية قول عبد مناف بن ربع الهذلي: شعر : حتى إذا أسلكوهم في قتائده شلا كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : قال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر أن أصل السلك الذي هو الخيط فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول. لأن الخيط يسلك أي يدخل في الخرز لينظمه. كما قال العباس بن مرداس السلمي: شعر : عين تأوبها من شجوها أرق فالماء يغمرها طورا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمة تقطع السلك منه فهو منتثر تفسير : والله تعالى أعلم. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أمر نوحاً أن يحمل في السفينة أهله إلا من قد سبق عليه القول، أي سبق عليه من القول بأنه شقى، وأنه هالك مع الكافرين. ولم يبين هنا من سبق عليه القول منهم، ولكنه بين بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته. قال في ابنه الذي سبق عليه القول: {أية : وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [هود: 42] - إلى قوله - {أية : وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : [هود: 43] وقال فيه أيضاً: {أية : قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}تفسير : [هود: 46] الآية وقال في امرأته: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَةَ نُوحٍ}تفسير : [التحريم: 10] - إلى قوله {أية : مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ}تفسير : [التحريم: 10].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فار التنور: أي خرج الماء وارتفع من التنور وهو مكان طبخ الخبز. زوجين اثنين: أي من كل ذكر وأنثى من سائر أنواع المخلوقات اثنين. وأهلك: أي زوجتك وأولادك. مجريها ومرساها: أي اجراؤها وإرساؤها. في موج كالجبال: الموج ارتفاع ماء البحر وكونه كالجبال أي في الارتفاع. يعصمني من الماء: يمنعني من الماء أن يغرقني. وغيض الماء: أي نقص بنضوبه في الأرض. على الجودي: أي فوق جبل الجودي وهو جبل بالجزيرة غرب الموصل. بعدا للقوم الظالمين: أي هلاكا لهم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} أي واصل صنع السفينة حتى إذا جاء أمرنا أي بإِهلاك المشركين، وفار التنور أي خرج الماء من داخل التنور وفار وتلك علامة بداية الطوفان فاحمل فيها أي في السفينة التي صنعت من كل زوجين اثنين أي من كل نوع من أنواع الحيوانات زوجين أي ذكراً وأنثى. وأهلك أي واحمل أهلك من زوجة وولد كسام وحام ويافث إلا من سبق عليه القول أي بالإِهلاك كامرأته واعلة وولده كنعان. ومن آمن أي واحمل من آمن من سائر الناس، {وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي نحو من ثمانين رجلاً وامرأة هذا ما دلت عليه الآية الأولى [40] أما الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن نوحاً قال لجماعة المؤمنين {ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أي في السفينة {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} أي باسم الله تجري وباسم الله ترسوا أي تقف {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فهو لا يهلكنا بما قد يكون لنا من ذنب ويرحمنا فينجينا ويكرمنا. وقوله تعالى في الآية الثالثة [42] {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} وصف للسفينة وهي تغالب الماء وتمخر عبابه وأمواج الماء ترتفع حتى تكون كالجبال في ارتفاعها وقبلها نادى نوح ابنه كنعان، وهو في هذه الساعة في معزل أي من السفينة حيث رفض الركوب فيها لعقوقه وكفره فقال له {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} فتغرق كما يغرقون فأجاب الولد قائلا {سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} أي يمنعني منه حتى لا إغرق، فأجابه نوح قائلا {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي بعذاب الكافرين {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} أي الله فهو المعصوم. قال تعالى {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} أي بين الولد العاق والوالد الرحيم {فَكَانَ} أي الولد {مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}. وقوله تعالى {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} أي اشربيه وابتلعيه، ويا سماء أقلعي أي من الصب والإِمطار. والآمر للأرض والسماء هو الله تعالى. {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي نقص ونضب. {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} أي ورست السفينة بركابها على الجودي وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل {وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً لهم فلم يبق منهم أحدا إذ أخذهم الطوفان وهم ظالمون بدأ الطوفان أول يوم من رجب واستمر ستة أشهر حيث رست السفينة في أول محرم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الإِيمان ينجي، والكفر يهلك ويردي. 2- مشرعية التسمية عند الركوب في سفينة أو غيرها. 3- عقوق الوالدين كثيراً ما يسبب الهلاك في الدنيا، أما عذاب الآخرة فهو لازم له. 4- مظهر من مظاهر رحمة الوالد بولده. 5- مظاهر عظمه الرب تعالى وإطاعة الخلق أمره حتى الأرض والسماء.
القطان
تفسير : فار التنور: نبع منه الماء بقوة. التنور: فرن له شكل خاص للخبز. مجراها ومرساها: اجراؤها وارساؤها. ومجراها بفتح الميم ومرساها بضم الميم. معزل: مكان بعيد عن ابيه. سآوي الى جبل: سألتجئ الى جبل. يعصمني: يحميني. اقلعي: أمسِكي. وغيض الماء: نضب. الجوديّ: اسم جبل يقال انه في الموصل. حتى اذا جاء وقتُ أمرِنا بإهلاكهم نبع الماء بشدة من التنُّور. وحينئذٍ قلنا لنوح: إحملْ معكم في السفينة من كل نوعٍ زوجَين ذكراً وأنثى، واحمِل اهلَكَ جيمعاً الا من سبق عليه حُكْمنا بإهلاكه. كذلك واحمِل معك من آمن بك من قومك، وهم نفر قليل. وقال نوح: اركبوا في السفينة باسم الله جريانُها ورسوُّها، ان ربّي لواسع المغفرة لعباده. وركبوا في السفنية وهم يذكُرون الله، وجرتْ بهم في أمواجٍ هائجة عالية كالجبال، ثم ان نوحاً دعتْه الشفقة على ابنه الذي تخلّف ولم يرافق أباه. فناداه قائلاً: تعال اركب معنا يا بنّي، ولا تكن من الجاحدين. فكان جواب ذلك الوالد العاصي: يا أبتِ، سألجأ الى جبلٍ يحميني من طغيان الماء. فقال نوح: لا شيء يعصِم أحداً من عذاب الله في هذا اليوم العصيب، الا من رحمه الله. ثم إن الموج حال بينهما وغاب الولد في اللجة وكان من الهالكين. ثم ذكر الله ما حدثَ بعد هلاكهم، فأُمرت الأرضُ أن تبتلعَ ماءَها، والسماءُ أن تكفَّ عن المطر. وغاضَ الماء، وانتهى حكمُ الله بالإهلاك، ورست السفينةُ عند الجبل المسمَّى بالجُودِيّ عند المَوْصِل بالعراق. "وقيِلَ بُعداً للقومِ الظالمين". قراءات: قرأ حفص: "من كل زوجين اثنين" بتنوين كل والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين. والباقون: "من كلّ زوجين اثنين" وقرأ حمزة والكسائي: "مجراها" بفتح الميم والباقون بضم الميم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَ} (40) - وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِنُوحٍ عَلاَمَةً عَلَى حُلُولِ العَذابِ بِقَوْمِهِ، وَهِيَ أَنْ يَهْطِلَ المَطَرُ بِصُورَةٍ مُتَوَاصِلَةٍ لاَ يُقْلِعُ وَلاَ يَفْتُرُ، وَيَتَفَجَّرُ وَجْهُ الأَرْضِ عُيُوناً تَنْبُعُ وَتَفُورُ حَتَّى يَفُورَ المَاءُ مِنَ التَّنَانِيرِ التِي هِيَ أَمَاكِنُ النِّيرانِ، فَحِينَمَا يَرَى نُوحٌ ذَلِكَ فَعَلَيهِ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ وَالنَّبَاتَاتِ، زَوْجِينِ اثْنَيْنِ ذَكَراً وَأُنْثَى، وَأَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِيهَا أَهْلَهُ (أَهْلَ بَيْتِهِ وَأَقْرِبَاءَهُ)، وَاسْتَثْنَى تَعَالَى مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْمِنُ بِرِسَالَةِ نُوحٍ، وَبِرَبِّ نُوحٍ، وَكَانَ مِنْهُمُ امْرَأَتُهُ وَابْنُهُ. وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مَنْ آمَنَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا كَثِيرِينَ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى. فَارَ التَّنُّورُ - نَبَعَ المَاءُ وَجَاشَ بِشِدَّةٍ مِنْ تَنُّورِ الخُبْزِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {حَتَّىٰ} تدل على الغاية وكلمة {أَمْرُنَا} تدل على الطوفان، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومَنْ آمن معه وكانوا قِلَّة قليلة. إذن: ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة، أمر من الله تعالى بقوله: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ ..}تفسير : [هود: 37]. وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل وقتاً طويلاً من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ..} [هود: 40]. ومعنى كلمة {فَارَ} أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان. فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء منثوراً خارج إناء الغليان. و"التنور" هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله. وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مَظَانِّه وهو التنور. واختلف العلماء في تفسير كلمة "التنور" فمنهم من قال: إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه السلام يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، أو هو بيت سيدة عجوز. وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضرُّ، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه، وأنه إذا ما فار التنور فعَلَى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين. وقول الحق سبحانه: {ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [هود: 40]. تعني: أن يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة {كُلٍّ} المنونة - وتفيد التعميم - أي: احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلام. والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء؛ لأن نوحاً عليه السلام لم يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها؛ لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان. وكلمة: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ..} [هود: 40]. تدل على أن كلمة "زَوْجٍ" هي مفرد؛ بدليل قول الحق سبحانه: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..}تفسير : [النساء: 1]. إذن: كلمة "زَوْجٍ" تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية مثلاً. أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة "الزوج" على أنها اثنان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ..}تفسير : [الأنعام: 143-144]. وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة "زوج" تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر. ويوضِّح القرآن الكريم أن كلمة "زوج" مفرد في قول الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ * فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [القيامة: 37-39]. إذن: فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضاً. وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه: {.. ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود: 40]. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال: إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):