Verse. 1514 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَقَالَ ارْكَبُوْا فِيْہَا بِسْمِ اللہِ مَجْؔــرٖىہَا وَمُرْسٰىہَا۝۰ۭ اِنَّ رَبِّيْ لَغَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۴۱
Waqala irkaboo feeha bismi Allahi majraha wamursaha inna rabbee laghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال» نوح «اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها» بفتح الميمين وضمهما مصدران أي جريها ورسوها أي منتهى سيرها «إن ربي لغفور رحيم» حيث لم يهلكنا.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله: {وَقَالَ } يعني نوح عليه السلام لقومه: {ٱرْكَبُواْ } والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه، يقال ركبه الدين قال الليث: وتسمي العرب من يركب السفينة راكب السفينة. وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والإبل. قال الواحدي: ولفظة (في) في قوله: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا } لا يجوز أن تكون من صلة الركوب، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة، بل الوجه أن يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة، وأيضاً يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال اركبوها: لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة. أما قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم، وقال صاحب «الكشاف»: قرأ مجاهد {مجريها ومرسيها} بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله تعالى. قال الواحدي: المجرى مصدر كالإجراء، ومثله قوله: { أية : مُنزَلاً مُّبَارَكاً } تفسير : [المؤمنون: 29] و { أية : أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } تفسير : [الإسراء: 80] وأما من قرأ {مجريها} بفتح الميم، فهو أيضاً مصدر، مثل الجري. واحتج صاحب هذه القراءة بقوله: { أية : وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } تفسير : [هود: 42] ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم، وحجة من ضم الميم أن جرت بهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى، فإذا قال: {تَجْرِى بِهِمْ } فكأنه قال: تجريهم، وأما المرسي فهو أيضاً مصدر كالإرساء. يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره، قال تعالى: { أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 32] قال ابن عباس: يريد تجري بسم الله وقدرته، وترسو بسم الله وقدرته، وقيل: كان إذا أراد أن تجري بهم قال: {بِسْمِ اللَّهِ } فتجري، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله مرساها فترسو. المسألة الثانية: ذكروا في عامل الإعراب في {بِسْمِ اللَّهِ مجريها} وجوهاً: الأول: اركبوا بسم الله، والثاني: ابدؤا بسم الله، والثالث: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، وقيل: إنها سارت لأول يوم من رجب، وقيل: لعشر مضين من رجب، فصارت ستة أشهر، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودي. المسألة الثالثة: في الآية احتمالان: الاحتمال الأول: أن يكون مجموع قوله: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } كلاماً واحداً، والتقدير: وقال اركبوا فيها بسم مجريها ومرساها، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقروناً بهذا الذكر. والاحتمال الثاني: أن يكونا كلامين، والتقدير: أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره وقدرته. فالمعنى الأول: يشير إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكراً لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سبباً لتمام ذلك المقصود. والمعنى الثاني: يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سبباً لحصول النجاة بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة، فإياكم أن تعولوا على السفينة، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فإنه هو المجري والمرسي لها، فعلى التقدير الأول كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر، وعلى التقدير الثاني كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب. واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على الله تعالى وتضرعه إلى الله تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل. يقول: بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات. وأما قوله: {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟ وجوابه: لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه، وأن يكون رحيماً لعقوبته غفوراً لذنوبه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أمر بالركوب؛ ويحتمل أن يكون من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من نوح لقومه. والركوب العلوّ على ظهر الشيء. ويقال: ركبه الدّيْن. وفي الكلام حذف؛ أي ٱركبوا الماء في السفينة. وقيل: المعنى ٱركبوها. و «في» للتأكيد كقوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 43] وفائدة «في» أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها. قال عِكرمة: ركب نوح عليه السلام في الفلك لعشر خلون من رجب، وٱستوت على الجُوديّ لعشر خلون من المحرم؛ فذلك ستة أشهر؛ وقاله قَتَادة وزاد؛ وهو يوم عاشوراء؛ فقال لمن كان معه: من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليصمه. وذكر الطبريّ في هذا حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن نوحاً ركب في السفينة أوّل يوم من رجب، وصام الشهر أجمع، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء، ففيه أرست على الجوديّ، فصامه نوح ومن معه. وذكر الطبريّ عن ابن إسحق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة، ومرت بالبيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجوديّ فاستوت عليه. قوله تعالى: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها؛ فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء؛ ويجوز أن تكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت، وأقيم «مجراها» مقامه. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: «بِسمِ ٱللَّهِ مَجْرِيهَا» بفتح الميم و «مُرْسَاهَا» بضم الميم. وروى يحيـى بن عيسى عن الأعمش عن يحيـى بن وثّاب «بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا» بفتح الميم فيهما؛ على المصدر من جَرت تَجري جرياً ومجَرًى، ورَست رُسوًّا ومَرْسىً إذا ثبتت. وقرأ مجاهد وسليمان بن جُنْدُب وعاصم الجَحْدَريّ وأبو رَجاء العُطَارِدِيّ: «بِسْمِ ٱللَّهِ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيَها» نعت لله عز وجل في موضع جر. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ؛ أي هو مُجريها ومُرسيها. ويجوز النصب على الحال. وقال الضحّاك: كان نوح عليه السلام إذا قال بسم الله مَجراها جرت، وإذا قال بسم ٱلله مَرساها رست. وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز عن الحسين بن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمَانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم" {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الزمر:67] {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وفي هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ٱبتداء كل فعل؛ كما بيّناه في البسملة، وٱلحمد لله. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لأهل السفينة. وروي عن ابن عباس قال: لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح ٱغمز ذنب الفيل، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث؛ فقال نوح: لو غمزت ذنب هذا الخنزير ففعل، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة؛ فأوحى الله إلى نوح أن ٱمسح جبهة الأسد فمسحها، فخرج منها سِنّوران فأكلا الفئرة. ولما حمل الأسد في السفينة قال: يا رب من أين أطعمه؟ قال: سوف أشغله، فأخذته ٱلحُمَّى؛ فهو الدهرَ محموم. قال ابن عباس: وأوّل ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزّة، وآخر ما حمل حمل الحمار؛ قال: وتعلق إبليس بذنبه، ويداه قد دخلتا في السفينة، ورجلاه خارجة بعد، فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل، فصاح به نوح: ٱدخل ويلك فجعل يضطرب؛ فقال: ٱدخل ويلك وإن كان معك الشيطان؛ كلمة زلّت على لسانه، فدخل ووثب الشيطان فدخل. ثم إن نوحاً رآه يغنِّي في السفينة، فقال له: يا لعين ما أدخلك بيتي؟ٰ قال: أنت أذنت لي؛ فذكر له؛ فقال له: قم فاخرج. قال: ما لك بدّ في أن تحملني معك؛ فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك. وكان مع نوح عليه السلام خرزتان مضيئتان، واحدة مكان الشمس، والأخرى مكان القمر. ابن عباس: إحداهما بيضاء كبياض النهار، والأخرى سوداء كسواد الليل؛ فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة؛ فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه؛ على قدر الساعات. قوله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} الموج جمع موجة؛ وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح. والكاف للتشبيه، وهي في موضع خفض نعت للموج. وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعاً. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} قيل: كان كافراً واسمه كنعان. وقيل: يام. ويجوز على قول سيبويه: {ونادى نوح ٱبنه} بحذف الواو من {ابنه} في اللفظ، وأنشد:شعر : لَـهُ زَجَـلٌ كَأَنَّـهُ صـوتُ حـادٍ تفسير : فأما {ونَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَ وَكَانَ} فقراءة شاذّة، وهي مروية عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعروة بن الزبير. وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد «ابنها» فحذف الألف كما تقول: {ٱبنه}؛ فتحذف الواو. وقال النحاس: وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه؛ لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها، والواو ثقيلة يجوز حذفها. {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي من دين أبيه. وقيل: عن السفينة. وقيل: إن نوحاً لم يعلم أن ٱبنه كان كافراً، وأنه ظن أنه مؤمن؛ ولذلك قال له: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} وسيأتي. وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق؛ وقبل رؤية اليأس، بل كان في أوّل ما فار التنور، وظهرت العلامة لنوح. وقرأ عاصم: «يَابُنيَّ ٱرْكَبْ مَعَنَا» بفتح الياء، والباقون بكسرها. وأصل «يا بنيّ» أن تكون بثلاث ياءات؛ ياء التصغير، وياء الفعل، وياء الإضافة؛ فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة، وحذفت ياء الإِضافة لوقوعها موقع التنوين، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع؛ هذا أصل قراءة من كسر الياء، وهو أيضاً أصل قراءة من فتح؛ لأنه قلب ياء الإضافة ألفاً لخفة الألف، ثم حذف الألف لكونها عوضاً من حرف يحذف، أو لسكونها وسكون الراء. قال النحاس: أما قراءة عاصم فمشكلة؛ قال أبو حاتم: يريد يا بُنَيَّاه ثم يحذف؛ قال النحاس: رأيت عليّ بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز؛ لأن الألف خفيفة. قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أن أحداً من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحق؛ فإنه زعم أن الفتح من جهتين، والكسر من جهتين؛ فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفاً؛ قال الله عز وجل إخباراً: {أية : يَا وَيْلَتَا} تفسير : [الفرقان:28] وكما قال الشاعر:شعر : فيـا عجبَـا مِـن رَحْلهـا المتحمَّـلِ تفسير : فيريد يا بنيّا، ثم حذف الألف لالتقاء الساكنين، كما تقول: جاءني عبدا الله في التثنية. والجهة الأخرى أن تحذف الألف؛ لأن النداء موضع حذف. والكسر على أن تحذف الياء للنداء. والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين. قوله تعالى: {قَالَ سَآوِيۤ} أي أرجع وأنضم. {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} أي يمنعني {مِنَ ٱلْمَآءِ} فلا أغرق. {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي لا مانع؛ فإنه يوم حقّ فيه العذاب على الكفار. وٱنتصب «عاصم» على التبرئة. ويجوز «لا عاصم اليوم» تكون لا بمعنى ليس. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} في موضع نصب استثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه؛ قاله الزجاج. ويجوز أن يكون في موضع رفع، على أن عاصماً بمعنى معصوم؛ مثل: {أية : مَاءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق:6] أي مدفوق؛ فالاستثناء على هذا متصل؛ قال الشاعر:شعر : بطيءُ القيامِ رخيمُ الكلا مِ أَمْسَى فؤادِي بهِ فَاتِنَا تفسير : أي مفتوناً. وقال آخر:شعر : دَعِ المكارِمَ لا تَنهضْ لبغيتها وٱقعدْ فإنَّك أنتَ الطاعمُ الكَاسِي تفسير : أي المطعوم المكسوّ. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون «مَن» في موضع رفع؛ بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم؛ أي إلا الله. وهذا اختيار الطَّبَريّ. ويُحسّن هذا أنك لم تجعل عاصماً بمعنى معصوم فتخرجه من بابه، ولا «إلاَّ» بمعنى «لكن». {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} يعني بين نوح وٱبنه. {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} قيل: إنه كان راكباً على فرس قد بطر بنفسه، وأعجب بها؛ فلما رأى الماء جاء قال: يا أبت فار التنور، فقال له أبوه: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَب مَّعَنَا} فما ٱستتمّ المراجعة حتى جاءت مَوْجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق. وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتاً من زجاج يتحصّن فيه من الماء، فلما فار التّنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوّط فيه ويبول حتى غرق بذلك. وقيل: إن الجبل الذي آوى إليه «طورسيناء». قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} هذا مجاز لأنها موات. وقيل: جعل فيها ما تُميّز به. والذي قال إنه مجاز قال: لو فُتِّش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها، وبلاغة رصفِها، واشتمال المعاني فيها. وفي الأثر: إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر في عام أو عامين، وأنه ما نزل من السماء ماء قطّ إلا بحفظ مَلك موكّل به إلا ما كان من ماء الطوفان؛ فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملَك. وذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهي الأمر؛ فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك، وأمر الله الأرض بالابتلاع. يقال: بلَع الماء يبلَعه مثل منع يمنع وبَلِع يبلَع مثل حمِد يحمَد؛ لغتان حكاهما الكسائيّ والفرّاء. والبالُوعة الموضع الذي يشرب الماء. قال ابن العربي: التقى الماءان على أمر قد قدر، ما كان في الأرض وما نزل من السماء؛ فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع، فلم تمتصّ الأرض منه قطرة، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط. وذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} وقيل: ميّز الله بين الماءين، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته، وصار ماء السماء بحاراً. قوله تعالى: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي نقص؛ يقال: غاض الشيءُ وغِضته أنا؛ كما يقال: نَقَص بنفسه ونَقَصه غيره، ويجوز «غيض» بضم الغين. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أحكم وفرغ منه؛ يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام. ويقال: إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة، فلم يكن فيمن هلك صغير. والصحيح أنه أهلك الوِلدان بِالطّوفان، كما هلكت الطير والسباع، ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير، بل ماتوا بآجالهم. وحكي أنه لما كثر الماء في السّكك خشيت أمّ صبيّ عليه؛ وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت به إلى الجبل، حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ٱستوت على الجبل؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء؛ فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أمّ الصبي. قوله تعالى: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي هلاكاً لهم. الجُوديّ جبل بقرب الْمَوْصل؛ استوت عليه في العاشر من المحرّم يوم عاشوراء؛ فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه، شكراً لله تعالى؛ وقد تقدّم هذا المعنى. وقيل: كان ذلك يوم الجمعة. وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت، وبقي الجُوديّ لم يتطاول تواضعاً لله، فاستوت السّفينة عليه: وبقيت عليه أعوادها. وفي الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة».تفسير : وقال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق؛ فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً، وتطامن الجوديّ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق، ورست السفينة عليه. وقد قيل: إن الجوديّ ٱسم لكل جبل؛ ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيل:شعر : سُبحانه ثُمّ سُبحاناً يَعودُ لَه وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُوديُّ والجَمَدُ تفسير : ويقال: إن الجُوديّ من جبال الجنة؛ فلهذا ٱستوت عليه. ويقال: أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر: الجوديّ بنوح، وطورسيناء بموسى، وحِراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. مسألة: لما تواضع الجوديّ وخضع عزَّ، ولما ٱرتفع غيره واستعلى ذَلّ، وهذه سُنّة الله في خلقه، يرفع من تخشّع، ويضع من ترفّع؛ ولقد أحسن القائل:شعر : وإذا تذلّلتِ الرّقابُ تَخشُّعاً مِنّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها تفسير : وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تُسمَّى العَضْباء؛ وكانت لا تُسبق؛ فجاء أعرابيّ على قعودٍ له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين؛ وقالوا: سُبِقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن حقّا على الله ألا يَرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه».تفسير : وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما نَقَصت صدقةٌ من مالٍ وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يَبغِي أحد على أحد ولا يَفخر أحد على أحد».تفسير : خرجه البخاريّ. مسألة: نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة. ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن: أن نوحاً أوّل رسول بعثه الله إلى (أهل) الأرض؛ فذلك قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} تفسير : [العنكبوت: 14]. وكان قد: كثرت فيهم المعاصي، وكثرت الجبابرة وعَتَوْا عُتُوًّا كبيراً، وكان نوح يدعوهم ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، وكان صبوراً حليماً، ولم يلق أحد من الأنبياء أشدّ مما لقي نوح؛ فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وقيدا، ويضربونه في المجالس ويطرد؛ وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» فكان لا يزيدهم ذلك إلا فراراً منه، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلفّ رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئاً من كلامه، فذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ} تفسير : [نوح: 7]. وقال مجاهد وعُبيد بن عمير: كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفَاق قال: «رَبِّ ٱغْفِرْ لِقَوْميِ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ». وقال ٱبن عباس: إن نوحاً كان يضرب ثم يُلفّ في لِبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم؛ حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ٱبنه وهو يتوكأ على عصا؛ فقال: يا بُنيّ ٱنظر هذا الشيخ لا يغرّنك، قال: يا أبت أمكنّي من العصا، (فأمكنه) فأخذ العصا ثم قال: ضعني في الأرض فوضعه، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شجة مُوضِحة في رأسه، وسالت الدماء؛ فقال نوح: «ربّ قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين» فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن؛ قال: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}؛ أي لا تحزن عليهم. {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} تفسير : [هود: 37] قال: يا رب وأين الخشب؟ قال: ٱغرس الشجر. قال: فَغرس السّاج عشرين سنة، وكفّ عن الدعاء، وكفّوا عن الاستهزاء، وكانوا يسخرون منه؛ فلما أدرك الشجرُ أمره ربه فقطعها وجفّفها: فقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: ٱجعله على ثلاثة صور؛ رأسه كرأس الدّيك، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الديك؛ وٱجعلها مطبقة وٱجعل لها أبواباً في جنبها، وشدّها بدُسُرٍ، يعني مسامير الحديد. وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة، وجعلت يده لا تخطىء. قال ابن عباس: كانت دار نوح عليه السلام دمشق، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأوّل، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، وأطبق عليهما، وجعل أولاد آدم أربعين رجلاً وأربعين ٱمرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم، وجعل الذّر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدوابّ. قال الزُّهريّ: إن الله عز وجل بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين ٱثنين؛ من السباع والطير والوحش والبهائم. وقال جعفر بن محمد: بعث الله جبريل فحشرهم، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى، فيدخله السفينة. وقال زيد بن ثابت: استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة، فدفعها بيده في ذنبها؛ فمن ثَم انكسر ذنبها فصار مَعْقوفاً وبدا حَياؤها. ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها؛ قال إسحق: أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحاً حمل أهل السفينة، وجعل فيها من كل زوجين ٱثنين، وحمل من الهدهد زوجين، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً، فلم يجد طيناً ولا تراباً، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر؛ فلذلك نتأت أقفية الهداهد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة».تفسير : وذكر صاحب كتاب «العروس» وغيره: أن نوحاً عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الزّجاج: أنا؛ فأخذها وختم على جناحها وقال لها: أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبداً، أنت ينتفع بك أمتي؛ فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه، ولذلك يقتل في (الحل) والحَرَم ودعا عليه بالخوف؛ فلذلك لا يألف البيوت. وبعث الحمامة فلم تجد قراراً فوقعت على شجرة بأرض سيناء فحملت ورقة زيتونة، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت: بشراي منكَ أن تهب لي الطوق في عنقي، والخِضاب في رجلي، وأسكنُ الحرَمَ؛ فمسح يده على عنقها وطوقها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. وذكر الثعلبيّ أنه بعث بعد الغراب التُّدْرُج وكان من جنس الدّجاج؛ وقال: إياك أن تعتذر، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع، وأخذ أولاده عنده رهناً إلى يوم القيامة.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أي صيروا فيها وجعل ذلك ركوباً لأنها في الماء كالمركوب في الأرض. {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} متصل بـ {ٱرْكَبُواْ} حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر، والمضاف محذوف كقولهم: آتيك خفوق النجم، وانتصابهما بما قدرناه حالاً ويجوز رفعهما بـ {بِسْمِ اللَّهِ} على أن المراد بهما المصدر أو جملة من مبتدأ وخبر، أي إجراؤها {بِسْمِ اللَّهِ} على أن {بِسْمِ اللَّهِ } خبر أو صلة والخبر محذوف وهي إما جملة مقتضية لا تعلق لها بما قبلها أو حال مقدرة من الواو أو الهاء. وروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست. ويجوز أن يكون الاسم مقحماً كقوله:شعر : ثُمَّ اسْمُ السَّلاَم عَلَيْكُمَا تفسير : وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية حفص {مَجْرَاهَا } بالفتح من جرى وقرىء {مُرْسَـٰهَا} أيضاً من رسا وكلاهما يحتمل الثلاثة و «مجريها ومرسيها» بلفظ الفاعل صفتين لله. {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن نوح عليه السلام: أنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} أي: بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي: {بسم اللَّهِ مُجْرِيها ومُرْسِيها} وقال الله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } تفسير : [المؤمنون 28-29] ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور؛ عند الركوب على السفينة، وعلى الدابة؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} تفسير : [الزخرف:12-14] الآية، وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه؛ كما سيأتي في سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي، قالا: حدثنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: بسم الله الملك {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} - الآية - {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}»تفسير : وقوله: {إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين، فذكر أنه غفور رحيم؛ كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الرعد: 165] وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين رحمته وانتقامه. وقوله: {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رؤوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعاً، وقيل: بثمانين ميلاً، وهذه السفينة جارية على وجه الماء، سائرة بإذن الله، وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} تفسير : [الحاقة: 11-12] وقال تعالى: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَٰحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَّرَكْنَـٰهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } تفسير : [القمر:13-15]. وقوله: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} الآية، هذا هو الابن الرابع، واسمه يام، وكان كافراً، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون {قَالَ سَآوِىۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ} وقيل: إنه اتخذ له مركباً من زجاج، وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته، والذي نص عليه القرآن أنه قال: {سَآوِىۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ} اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل، لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح عليه السلام: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن عاصماً بمعنى معصوم؛ كما يقال: طاعم وكاس، بمعنى مطعوم ومكسو {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ } نوح {ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَٰهَا وَمُرْسـَٰهَا } بفتح الميمين وضمهما مصدران أي جريها ورسوّها أي منتهى سيرها {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث لم يهلكنا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقال اركبوا فيها بِاسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيمٌ} قال قتادة: ركب نوح عليه السلام في السفينة في اليوم العاشر من رجب، ونزل منها في اليوم العاشر من المحرم، وهو يوم عاشوراء، فقال لمن معه: من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً فليصمه. وقوله {بسم الله مجريها} أي مسيرها، {ومُرساها} أي مثبتها، فكان إذا أراد السير قال: بسم الله مجريها، فتجري، وإذا أراد الوقوف قال: بسم الله مرساها. فتثبت واقفة. قوله عز وجل: {قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} قال ذلك لبقائه على كفره تكذيباً لأبيه، وقيل إن الجبل الذي أوى إليه طور زيتا. {قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} فيه وجهان: أحدهما: إلا من رحم الله وهم أهل السفينة. الثاني: إلا من رحم نوح فحمله في سفينته وقوله {لا عاصم} يعني لا معصوم. {من أمر الله} يعني الغرق.

ابن عطية

تفسير : المعنى {وقال} نوح - حين أمر بالحمل في السفينة - لمن آمن معه: {اركبوا فيها}؛ فأنث الضمير، إذ هي سفينة لأن الفلك المذكور مذكر. وفي مصحف أبيّ "على اسم الله". وقوله: {بسم الله} يصح أن يكون في موضع الحال من الضمير الذي في قوله: {اركبوا} كما تقول: خرج زيد بثيابه وبسلاحه، أي اركبوا متبركين بالله تعالى، ويكون قوله: {مجراها ومرساها} ظرفين، أي وقت إجرائها وإرسائها. كما تقول العرب: الحمد لله سرارك وإهلالك وخفوق النجم ومقدم الحاج، فهذه ظرفية زمان، والعامل في هذا الظرف ما في {بسم الله} من معنى الفعل، ويصح أن يكون قوله: {بسم الله} في موضع خبر و {مجراها ومرساها} ابتداء مصدران كأنه قال: اركبوا فيها فإن ببركة الله إجراءها وإرساءها، وتكون هذه الجملة - على هذا - في موضع حال من الضمير في قوله {فيها}، ولا يصح أن يكون حالاً من الضمير في قوله: {اركبوا} لأنه لا عائد في الجملة يعود عليه: وعلى هذا التأويل قال الضحاك: إن نوحاً كان إذا أراد جري السفينة قال: {بسم الله}، فتجري وإذا أراد وقوفها قال: {بسم الله} فتقف. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم - في رواية أبي بكر وابن عامر: "مُجراها ومُرساها" بضم الميمين على معنى إجرائها وإرسائهما، وهي قراءة مجاهد وأبي رجاء والحسن والأعرج وشيبة وجمهور الناس، ومن ذلك قول لبيد: [الكامل]. شعر : وعمرت حرساً قبل مجرا داحس لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : وقرأ حمزة والكسائي وحفص بن عاصم: "مَجراها" بفتح الميم وكسر الراء، وكلهم ضم الميم من "مُرساها" وقرأ الأعمش وابن مسعود "مَجراها ومَرساها" بفتح الميمين، وذلك من الجري والرسو؛ وهذه ظرفية مكان، ومن ذلك قول عنترة: [الكامل] شعر : فصبرت نفساً عند ذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع تفسير : واختار الطبري قراءة "مَجراها" بفتح الميم الأولى وضم الثانية، ورجحها بقوله تعالى: {وهي تجري}، ولم يقرأ أحد، "تجري" وهي قراءة ابن مسعود أيضاً رواها عنه أبو وائل ومسروق. وقرأ ابن وثاب وأبو رجاء العطاري والنخعي والجحدري والكلبي والضحاك بن مزاحم ومسلم بن جندب وأهل الشام: "مجريها ومرسيها" وهما على هذه القراءة صفتان لله تعالى عائدتان على ذكره في قوله {بسم الله}. وقوله {إن ربي لغفور رحيم} تنبيه لهم على قدر نعم الله عليهم ورحمته لهم وستره عليهم وغفرانه ذنوبهم بتوبتهم وإنابتهم. وقوله تعالى: {وهي تجري بهم} الآية، روي أن السماء أمطرت بأجمعها حتى لم يكن في الهواء جانب لا مطر فيه، وتفجّرت الأرض كلها بالنبع، فهكذا كان التقاء الماء، وروي أن الماء علا على الجبال وأعلى الأرض أربعين ذراعاً وقيل خمسة عشرة ذراعاً؛ وأشار الزجاج وغيره إلى أن الماء انطبق: ماء الأرض وماء السماء فصار الكل كالبحر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأين كان الموج كالجبال على هذا؟ وكيف استقامت حياة من في السفينة على هذا؟. وقرأت فرقة: "ابنه" على إضافة الابن إلى نوح، وهذا قول من يقول: هو ابنه لصلبه، وقد قال قوم: إنه ابن قريب له ودعاه بالنبوة حناناً منه وتلطفاً، وقرأ ابن عباس "ابنهْ" بسكون الهاء، وهذا على لغة لأزد السراة ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ومطواي مشتاقان لهْ أرقانِ تفسير : وقرأ السدي "ابناه" قال أبو الفتح: ذلك على النداء وذهبت فرقة إلى أن ذلك على جهة الندبة محكية، وقرأ عروة بن الزبير أيضاً وأبو جعفر وجعفر بن محمد "ابنهَ" على تقدير ابنها، فحذف الألف تخفيفاً وهي لغة ومنها قول الشاعر: [البسيط] شعر : أما تقود به شاة فتأكلها أو أن تبيعه في نقض الأزاكيب تفسير : وأنشد ابن الأعرابي على هذا: شعر : فلست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لواني تفسير : يريد بلهفا. قال القاضي أبو محمد: وخطأ النحاس أبا حاتم في حذف هذه الألف وليس كما قال. وقرأ وكيع بن الجراح: "ونادى نوح ابنه" بضم التنوين، قال أبو حاتم: وهي لغة سوء لا تعرف. وقوله: {في معزل} أي في ناحية، فيمكن أن يريد في معزل في الدين، ويمكن أن يريد في معزل في بعده عن السفينة، واللفظ يعمهما: وقال مكي في المشكل: ومن قال: "معزِل" - بكسر الزاي - أراد الموضع، ومن قال: "معزَل" - بفتحها - أراد المصدر: فلم يصرح بأنها قراءة ولكن يقتضي ذلك لفظه. وقرأ السبعة "يابنيِّ" بكسر الياء المشددة، وهي ثلاث ياءات: أولاها ياء التصغير، وحقها السكون؛ والثانية لام الفعل، وحقها أن تكسر بحسب ياء الإضافة إذ ما قبل ياء الإضافة مكسور: والثالثة: ياء الإضافة فحذفت ياء الإضافة إما لسكونها وسكون الراء، وإما إذ هي بمثابة التنوين في الإعلام وهو يحذف في النداء فكذلك ياء الإضافة والحذف فيها كثير في كلام العرب، تقول: يا غلام، ويا عبيد، وتبقى الكسرة دالة، ثم أدغمت الياء الساكنة في الياء المكسورة، وقد روى أبو بكر وحفص عن عاصم أيضاً "يابنيَّ" بفتح الياء المشددة، وذكر أبو حاتم: أن المفضل رواها عن عاصم، ولذلك وجهان: أحدهما: أن يبدل من ياء الإضافة ألفاً وهي لغة مشهورة تقول: يا غلاما، ويا عينا، فانفتحت الياء قبل الألف ثم حذفت الألف استخفافاً ولسكونها وسكون الراء من قوله {اركب}. والوجه الثاني: أن الياءات لما اجتمعت استثقل اجتماع المماثلة فخفف ذلك الاستثقال بالفتح إذ هو أخف الحركات، هذا مذهب سيبويه، وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وحواري الزبير ". تفسير : وروي عن ابن كثير أنه قرأ في سورة لقمان: {أية : يا بني لا تشرك بالله} تفسير : [لقمان: 13] بحذف ياء الإضافة ويسكن الياء خفيفة، وقرأ الثانية {أية : يا بني إنها} تفسير : [لقمان: 16] كقراءة الجماعة وقرأ الثالثة: {أية : يا بني أقم...} تفسير : [لقمان: 17] ساكنة كالأولى. وقوله: {ولا تكن مع الكافرين} يحتمل أن يكون نهياً محضاً مع علمه أنه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره فناداه ألا يبقى - وهو مؤمن - مع الكفرة فيهلك بهلاكهم، والأول أبين.

ابن عبد السلام

تفسير : {بْسمِ اللَّهِ مَجْراهَا} سَيْرُها {وَمُرْسَاهَا} ثبوتها ووقوفها، كان إذا أراد السير قال: بسم الله مجراها فتسير، وإذا أراد الوقوف قال: بسم الله مرساها فتقف.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وقال اركبوا فيها} يعني وقال نوح لمن حمل معه اركبوا في السفينة {بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} يعني بسم الله اجراؤها وإرساؤها قال الضحاك كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال بسم الله فتجري وكان إذا أراد أن ترسو يعني تقف قال بسم الله فترسو أي تقف وهذا تعليم من الله لعباده أنه من أراد أمراً فلا ينبغي له أن يشرع فيه حتى يذكر اسم الله عليه وقت الشروع حتى يكون ذلك سبباً للنجاح والفلاح في سائر الأمور {وهي تجري بهم في موج كالجبال} الموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهه سبحانه وتعالى بالجبال في عظمه هو ارتفاعه على الماء قال العلماء: بالسير أرسل الله المطر أربعين يوماً وليلة وخرج الماء من الأرض فذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر}تفسير : يعني: صار إناء نصفين نصفاً من السماء ونصفاً من الأرض وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعاً وقيل خمسة عشر ذراعاً حتى أغرق كل شيء. وروي أنه لما كثر الماء في الشكك خافت أم الصبي على ولدها من الغرق وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلحقها الماء فارتفعت حتى بلغت ثلثيه فلما لحقها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء إلى رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء فأغرقهما فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي {ونادى نوح ابنه} يعني كنعان وكان كافراً {وكان في معزل} يعني عن نوح لم يركب معه {يا بني اركب معنا} يعني في السفينة {ولا تكن مع الكافرين} يعني فتهلك معهم {قال} يعني قال كنعان {سآوي} يعني سألتجئ وأصير {إلى جبل يعصمني} يعني يمنعني {من الماء قال} يعني قال له نوح {لا عاصم} يعني لا مانع {اليوم من أمر الله} يعني من عذابه {إلا من رحم} يعني إلا من رحمه الله فينجيه من الغرق {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} يعني كنعان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا}: أي: وقال نوحٌ لمن معه: ٱركبوا فيها، وقوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ } يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير «ٱرْكَبُوا»، أي: اركبوا متبرِّكين بٱسْم اللَّه، أو قائلين: باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون: {بِسْمِ * ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَٰهَا } جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه. قال الضَّحَّاك: كان نوحٌ إِذا أراد جَرْيَ السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال: باسم اللَّه، فتقف، وقرأ الجمهور بضم الميم من «مُجْرَاهَا ومُرْسَاهَا» على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقر الأَخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ «مَجْريهَا» وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في «مُرْسَاهَا». * ت *: قوله: «وكسر الراء»: يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ: مُجْرَاها: مَسِيرُها، ومُرْسَاها: مَوْقِفُها، وهو مصدرُ: أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ. انتهى. قال النوويُّ: ورُوِّيَنا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: « حديث : أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَٰهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..} الآية [الأنعام:91] )تفسير : ، هكذا هو في النُّسَخ: «إِذَا رَكِبُوا»، ولم يقلْ: «في السفينة» انتهى. وقوله: {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } أي: في ناحيةٍ، أي: في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما. وقوله: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ }: يحتمل أنْ يكون نهياً محضاً مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره؛ والأول أبْيَنُ. وقوله: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ }: الظاهر أنَّ {لاَ عَاصِمَ } اسمُ فاعِلٍ على بابه، وقوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ }: يريد: إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، فـــ «مَنْ» كنايةٌ عن اللَّه، المعنى: لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رَحِمَنَا.

البقاعي

تفسير : ولما أتاه الأمر بذلك، بادر الامتثال فجمع من أمره الله به إلى السفينة بعد أن هيأها لهم {وقال} أي لمن أمر بحمله {اركبوا} ولما كانت الظرفية أغلب على السفينة قال: {فيها} أي السفينة؛ ولما أمرهم بالركوب فركبوا، استأنف قوله، أو أمرهم بالركوب قائلين: {بسم الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {مجراها ومرساها} أي إجرائها وإرساءها ومحلهما ووقتهما، وقرأ الحسن وقتادة وحميد العرج وإسماعيل بن مجالد عن عاصم بكسر الراء والسين كسراً خالصاً بعده ياءان خالصتان على أن الاسمين صفتان للجلالة؛ ثم علل نجاتهم بالإجراء والإرساء اعترافاً بأنه لا نجاة إلا بعفوه بقوله: {إن ربي} أي المحسن إلي بما دبر مني هذا الأمر وغيره، وزاد في التأكيد تطبيقاً لقلوب من معه معرفاً لهم بأن أحداً لن يقدر الله حق قدره وأن العبد لا يسعه إلا الغفران فقال: {لغفور} أي بالغ الستر للزلات والهفوات {رحيم*} أي بالغ الإكرام لم يريد، فركبوها واستمروا سائرين فيها يقولون: بسم الله {وهي} أي والحال أنها {تجري بهم}. ولما كان الماء مهيئاً للإغراق، فكان السير على ظهره من الخوارق، وأشار إلى ذلك بالظرف فقال: {في موج} ونبه على علوه بقوله: {كالجبال} أي في عظمه وتراكمه وارتفاعه، فالجملة حال من فركبوها، المقدر لأنه لظهوره في قوة الملفوظ، وكان هذه الحال مع أن استدامة الركوب ركوب إشارة إلى شرعة امتلاء الأرض من الماء وصيرورته فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم السفينة من غير كبير تراخ، قالوا: وكان أول ما ركب معه الذرة، وآخر ما ركب معه الحمار، وتعلق إبليس بذنبه فلم يستطع الدخول حتى قال له نوح عليه السلام: ادخل ولو كان الشيطان معك - كذا قالوا، وقيل: إنه منع الحية والعقرب وقال: إنكما سبب الضر، فقالا: احملنا ولك أن لا نضر أحداً ذكرك، فمن قال {أية : سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين}تفسير : [الصافات: 79-80] لم تضراه. ولما كان ابتداء الحال في تفجر الأرض كلها عيوناً وانهمار السماء انهماراً - مرشداً إلى أن الحال سيصير إلى ما أخبر الله به من كون الموج كالجبال لا ينجي منه إلا السبب الذي أقامه سبحانه، تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفاً على قوله {وقال اركبوا} {ونادى نوح ابنه} أي كنعان وهو لصلبه - نقله الرماني عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك {وكان} أي الابن {في معزل} أي عن أبيه في مكانه وفي دينه لأنه كان كافراً، وبين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله: {يا بني} صغَّره تحنناً وتعطفاً {اركب} كائناً {معنا} أي في السفينة لتكون من الناجين {ولا تكن} أي بوجه من الوجوه {مع الكافرين*} أي في دين ولا مكان إشارة إلى أن حرص الرسل عليهم السلام وشفقتهم - وإن كانت مع رؤية الآيات العظام والأمور الهائلة - ليست سبباً للين القلوب وخضوع النفوس ما لم يأذن الله، انظر إلى استعطاف نوح عليه السلام بقوله {يا بني} مذكراً له بالنبوة مع تصغير التحنن والتراؤف وفظاظة الابن مع عدم سماحه بأن يقول: يا أبت، ولم يلن مع ما رأى من الآيات العظام ولا تناهى لشيء منها عن تقحم الجهل بدلاً من العلم وتعسف الشبهة بدلاً من الحجة. ولما كان الحال حال دهش واختلال. كان السامع جديراً بأن لا يصبر بل يبادر إلى السؤال فيقول: فما قال؟ فقيل: {قال} قول من ليس له عقل تبعاً لمراد الله {سآوي إلى جبل يعصمني} أي بعلوه {من الماء} أي فلا أغرق {قال} أي نوح عليه السلام {لا عاصم} أي لا مانع من جبل ولا غير موجود {اليوم} أي لأحد {من أمر الله} أي الملك الأعظم المحيط أمره وقدرته وعلمه، وهو حكمه بالغرق على كل ذي روح لا يعيش في الماء {إلا من رحم} أي إلا مكان من رحمة الله فإنه مانع من ذلك وهو السفينة، أو لكن من رحمه الله فإن الله يعصمه. ولما ركب نوح ومن أمره الله به وأراده. ولم تبق حاجة في تدرج ارتفاع الماء، فعلاً وطماً وغلب وعتاً فهال الأمر وزاد على الحد والقدر، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فلم يسمع ابنه ذلك منه بل عصى أباه كما عصى الله فأوى إلى الجبل الذي أراده فعلاً الماء عليه ولم يمكنه بعد ذلك اللحاق بأبيه ولا الوصول إليه: {وحال بينهما} أي بين الابن والجبل أو بينه وبين أبيه {الموج} المذكور في قوله {في موج كالجبال} {فكان} أي الابن بأهون أمر {من المغرقين*} وهم كل من لم يركب مع نوح عليه السلام من جميع أهل الأرض؛ قال أبو حيان: قل كانا يتراجعان الكلام فما استتمت لمراجعة حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكباً على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمته وفرسه وحيل بينه وبين نوح عليه السلام فغرق - انتهى. والركوب: العلو على ظهر الشيء، ركب الدابة والسفينة والبر والبحر؛ والجري: مر سريع؛ يقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر من غير مانع، والموج جمع موجة - لقطعة عظيمة من الماء الكثير ترتفع عن حملته، وأعظم ما يكون ذلك إذا اشتدت الريح؛ والجبل: جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها كالوتد؛ والعصمة: المنع من الآفة {وقيل} أي بأدنى إشارة بعد هلاك أهل الأرض وخلوها من الكافرين وتدمير من في السهول والجبال من الخاسرين، وهو من إطلاق المسبب - وهو القول - على السبب - وهو لإرادة - لتصوير أمر ومأمور هو في غاية الطاعة فإنه أوقع في النفس. ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر لا يعلمه إلا الله، دل على ذلك بأداة البعد فقال {يا أرض ابلعي} أي اجذبي من غير مضغ إلى مكان خفي بالتدريج، وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع كل شيء على ظهرها من جبل وغيره، ولذلك أفرد ولم يجمع فقال: {ماءك} أي الذي تجدد على ظهرك للإغراق ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوى به على الإنبات وسائر المنافع وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك {ويا سماء أقلعي} أي أمسكي عن الإمطار، ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي لا يخرج عن مراده شيء {وغيض الماء} أي المعهود، حكم عليه بالدبوب في أعماق الأرض، من المتعدي فإنه يقال: غاض الماء وغاضه الله، كما يقال: نقض الشيء ونقضته أنا {وقضي الأمر} أي فرغ وانبتّ وانبرم في إهلاك من هلك ونجاة من نجا كما أراد الجليل على ما تقدم به وعده نوحاً عليه السلام، لم يقدر أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها. فليحمد الله من أخر عنه العذاب ولا يقل ما "يحبسه" لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو من بعدهم {واستوت} أي استقرت واعتدلت السفينة {على الجودي} إشارة باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى، وما بقي إلا الجود بالماء والخير والخصب والرحمة العامة، وهو الجبل بالموصل بعد خمسة أشهر؛ قال قتادة: استقلت بهم لعشر خلون من رجب وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت بهم على الجودي شهراً، وهبط بهم يوم عاشوراء {وقيل} أي إعلاماً بهوان المهلكين والراحة منهم {بعداً} هو من بعد - بالكسر مراداً به البعد من حيث الهلاك، فإن حقيقته بعدُ بعيد لا يرجى منه عود، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والختصاص {للقوم} أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما يحاولونه ما لا يعلمه أحد إلا الله {الظالمين*} أي العريقين في الظلم، وهذه الآية تسع عشرة لفظة فيها أحد وعشرون نوعاً من البديع - عدها أبو حيان وقال: وروي أن أعرابياً سمعها فقال: هذا كلام القادرين. وذكر الرماني عدة من معانيها، منها إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير معاناة ولا لغوب، ومنا حسن تقابل المعاني، ومنها حسن ائتلاف الألفاظ، ومنها حسن البيان في تصوير الحال، ومنها الإيجاز من غير إخلال، ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال؛ والبلع: إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف؛ والإقلاع: إذهاب الشيء من أصله حتى لا يبقى له أثر؛ والغيض: غيبة الماء في ألأرض على جهة النشف وإبراز الكلام على البناء للمفعول أدل على الكبرياء والعظمة للفاعل للإشارة إلى أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال غيره، ونقل الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاماً أغلى من الجوهر.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ لما ركب نوح عليه السلام في السفينة فجرت به فخاف، فجعل ينادي‏:‏ الاها اتقن قال يا ألله أحسن‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏ {‏بسم الله مجريها ومرساها‏}‏ قال‏:‏ حين يركبون ويجرون ويرسون‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال‏:‏ كان إذا أراد أن ترسي قال‏:‏ بسم الله‏.‏ فأرست، وإذا أراد أن تجري قال‏:‏ بسم الله‏.‏ فجرت‏. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏ {‏مجراها ومرساها‏} ‏‏. وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن الحسين بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا‏:‏ بسم الله الملك الرحمن ‏{‏بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم‏}‏ وما قدروا الله حق قدره‏"‏ تفسير : إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا‏:‏ بسم الله ‏{‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏ ‏[الأنعام: 91‏]‏ الآية ‏{‏بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه ‏"‏ما من رجل يقول إذا ركب السفينة‏:‏ بسم الله الملك الرحمن ‏ {‏بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم‏} ‏ ‏{‏أية : وما قدروا الله حق قدره} ‏تفسير : [‏الأنعام: 91‏]‏ الآية إلا أعطاه الله أماناً من الغرق حتى يخرج منها‏".

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ} أي نوحٌ عليه الصلاة والسلام لمن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى: {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولو رجع الضميرُ إلى الله تعالى لناسب أن يقال: إن ربكم، ولعل ذلك بعد إدخالِ ما أُمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل: فحمَلَ الأزواجَ أو أدخلها في الفلك وقال للؤمنين: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا} كما يأتي مثلُه في قوله تعالى: {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ} والركوبُ العلوُّ على شيء متحرّكٍ، ويتعدّى بنفسه، واستعمالُه هٰهنا بكلمة في ليس لأن المأمورَ به كونُهم في جوفها لا فوقَها كما ظُن ـ فإن أظهرَ الروايات أنه عليه السلام جعل الوحوشَ ونظائرَها في البطن الأسفلِ والأنعامَ في الأوسطِ وركب هو ومن معه في الأعلىـ بل لرعاية جانبِ المحلية والمكانيةِ في الفلك، والسرُّ فيه أن معنى الركوبِ العلوُّ على شيء له حركةٌ إما إراديةٌ كالحيوان أو قسريةٌ كالسفينة والعجَلة ونحوهما، فإذا استُعمل في الأول يوفر له حظُّ الأصل فيقال: ركبتُ الفرسَ، وعليه قوله عز من قائل: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا}تفسير : [النحل: 8] وإن استُعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال: ركبت في السفينة، وعليه الآيةُ الكريمة وقولُه عز قائلاً: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ } تفسير : {العنكبوت: 65] وقوله تعالى: {أية : فَٱنْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا}تفسير : [الكهف: 71] {بِسْمِ اللَّهِ} متعلقٌ باركبوا حالٌ من فاعله أي اركبوا مسمِّين الله تعالى، أو قائلين: بسم الله {مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} نصبٌ على الظرفية أي وقتَ إجرائِها وإرسائِها على أنهما اسما زمانٍ أو مصدران كالإجراء والإرساءِ بحذف الوقتِ كقولك: آتيك خفوقَ النجمِ أو اسما مكانٍ انتصبا بما في {بِسْمِ اللَّهِ} من معنى الفعل أو إرادةِ القول، ويجوز أن يكون {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} مستقلةً من مبتدأ وخبر في موضع الحالِ من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مُجراةً ومُرساةً باسم الله بمعنى التقدير كقوله تعالى: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الزمر: 73] أو جملةٌ مقتضبةٌ على أن نوحاً أمرهم بالركوب فيها ثم أخبرهم بأن إجراءَها وإرساءَها باسم الله تعالى فيكونان كلامين له عليه الصلاة والسلام. قيل: كان عليه السلام إذا أراد أن يُجرِيَها يقول: بسم الله فتجري وإذا أراد أن يرسيَها يقول: بسم الله فترسو، ويجوز أن يكون الاسمُ مقْحماً كما في قوله: شعر : إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما [ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر] تفسير : ويراد بالله إجراؤُها وإرساؤُها أي بقدرته وأمرِه، وقرىء مُجرِيها على صيغة الفاعل مجرورَي المحلِّ صفتين لله عز وجل ومَجراها ومَرْساها بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين من جرى ورسا {إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ} للذنوب والخطايا {رَّحِيمٌ} بعباده ولذلك نجاكم من هذه الطآمّة والداهية العامّة، ولولا ذلك لما فعله وفيه دِلالةٌ على أن نجاتَهم ليست بسبب استحقاقِهم لها بل بمحض فضلِ الله سبحانه وغفرانِه ورحمتِه على ما عليه رأيُ أهل السنة. {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ} متعلقٌ بمحذوف دلّ عليه الأمرُ بالركوب أي فركِبوا فيها مُسمّين وهي تجري ملتبسةً بهم {فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} وهو ما ارتفع من الماء عند اضطرابِه، كلُّ موجةٍ من ذلك كجبل في ارتفاعها وتراكُمِها، وما قيل من أن الماءَ طبّق ما بـين السماء والأرضِ وكانت السفينةُ تجري في جوفه كالحوت فغيرُ ثابتٍ، والمشهورُ أنه علا شوامخَ الجبالِ خمسة عشرَ ذراعاً أو أربعين ذراعاً، ولئن صح ذلك فهذا الجريانُ إنما هو قبل أن يتفاقم الخطبُ كما يدل عليه قوله تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} فإن ذلك إنما يُتصوَّر قبل أن تنقطِعَ العلاقةُ بـين السفينةِ والبرِّ، إذ حينئذ يمكن جرَيانُ ما جرى بـين نوحٍ عليه الصلاة والسلام وبـين ابنِه من المفاوضة بالاستدعاء إلى السفينة والجوابِ باعتصامٍ بالجبل، وقرىء ابنَها وابنَه بحذف الألفِ على أن الضميرَ لامرأته وكان ربـيبَه وما يقال من أنه كان لغير رِشدةٍ لقوله تعالى: {أية : فَخَانَتَاهُمَا } تفسير : فارتكابُ عظيمةٍ لا يقادر قدرُها فإن جنابَ الأنبـياءِ صلواتُ الله تعالى عليهم وسلامُه أرفعُ من أن يشارَ إليه بأصبَع الطعنِ وإنما المرادُ بالخيانة الخيانةُ في الدين، وقرىء ابناهْ على الندبة ولكونها حكايةً سُوّغ حذفُ حرفها. وأنت خبـيرٌ بأنه لا يلائمه الاستدعاءُ إلى السفينة فإنه صريحٌ في أنه لم يقع في حياته يأسٌ بعْدُ {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ} أي في كان عزَل فيه نفسَه عن أبـيه وإخوتِه وقومِه بحيث لم يتناولْه الخطابُ باركبوا، واحتاج إلى النداء المذكورِ، وقيل: في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم وظن نوحٌ أنه يريد مفارقتَهم ولذلك دعاه إلى السفينة، وقيل: كان ينافق أباه فظن أنه مؤمنٌ، وقيل: كان يعلم أنه كافرٌ إلى ذلك الوقتِ لكنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه عند مشاهدةِ تلك الأهوالِ ينزجرُ عما كان عليه ويقبل الإيمانَ، وقيل: لم يكن الذي تقدّم من قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} تفسير : [هود: 40] نصاً في كون ابنِه داخلاً تحته بل كان كالمُجمل فحملتْه شفقةُ الأبوة على ذلك {أَوْ بَنِى} بفتح الياء اقتصاراً عليه من الألف المُبْدلةِ من ياء الإضافةِ في قولك: يا بنيا وقرىء بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة أو سقطت الياءُ والألفُ لالتقاء الساكنين لأن الراءَ بعدهما ساكنة {ٱرْكَبَ مَّعَنَا} قرأ أبو عمْرو، والكسائيُّ، وحفص، بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج، وإنما أطلق الركوبُ عن ذكر الفُلك لتعينها وللإيذان بضيق المقامِ حيث حال الجريضُ دون القريض مع إغناء المعيةِ عن ذلك {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي في المكان وهو وجهُ الأرض خارجَ الفلك لا في الدين وإن كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبُه معه عليه الصلاة والسلام كونَه معه في الإيمان لأنه عليه الصلاة والسلام بصدد التحذيرِ عن الهَلَكة فلا يلائمه النهيُ عن الكفر.

القشيري

تفسير : عَرَفَ أَنَّ نجاتَه من القَطْرةِ لمَّا تقَاطرَتْ ليست بالحِيَلِ - وإنْ تَنوّعَتْ وكَثُرَتْ، فباسم اللّهِ سلامتُه، وبتوكلِه على الله نجاتُه وراحتُه، وبتفضله - سبحانه - صلاحُه وعافيته.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٱهَا وَمُرْسَاهَا} البحر بحر القدم والابد والسفينة قلب العارف يجرى بشمال العناية بروح الناطقة الربانية بسم الله مجريها فى قلزم الصفات ومرسها فى قاموس الذات ثم اخبر سبحانه عن كمال كرمه حيث لم يسد عليها الجرى فى الصفات مع حدوثيتها ولم يفنها فى الذات مع ضعفها بقوله {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وايضا اى انبسط الله اياها بانوار جمال مشاهدته جريها فى الصفات ويقبض الله بسطوات العظمة سكونها وثبوتها.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال} اى نوح لمن معه من المؤمنين بعد ادخال ما امره بحمله فى الفلك من الازواج. قال الكاشفى [نوح ايشانرا بنزديك كشتى آورد وسربوشى كه ترتيب داده بود بالاى كشتى بوشيد واز زمين آب عذاب جوشيدن كرفت واز آسمان آب بلا فرود آمدن آغار كرد] -وروى- انه حمل معه تابوت آدم وجعله معترضا بين الرجال والنساء {اركبوا فيها} اى فى السفينة وهو متعلق باركبوا وعدى بفى لتضمنه معنى ادخلوا وصيروا فيها راكبين. قال فى الارشاد الركوب العلو على الشيء المتحرك ويتعدى بنفسه واستعماله هنا بكلمة فى ليس لان المأمور به كونهم فى جوفها لا فوقها كما ظن فان اظهر الروايات انه عليه السلام جعل الوحوش والسباع والهوام فى البطن الاسفل من الطبقات الثلاث للسفينة والانعام والدواب فى الاوسط وركب هو ومن معه ما يحتاجون اليه من الزاد فى الاعلى بل رعاية لجانب المحلية والمكانية فى الفلك والسر فيه ان معنى الركوب العلو على شيء له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الاصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثانى يلوح لمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة قيل انهم ركبوا السفينة يوم العاشر من رجب وكان يوم الجمعة فاتت السفينة البيت فطافت اسبوعا فسارت بهم مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا وكان خروجهم من السفينة يوم عاشوراء من محرم {بسم الله} متعلق باركبوا حال من فاعله اى اركبوا مسمين باسم الله او قائلين بسم الله. قال سعدى المفتى كان اصل التقدير ملتبسين او متبركين باسم الله وهو تأويل مسمين الله وقائلين بسم الله وعلى التقديرين فهو حال مقدرة لان وقت الجرى والارساء بعد الركوب {مجريها} بفتح الميم من جرى وبكسر الراء على الامالة نصب على الظرفية اى وقت جريها {ومرسيها} اى وقت ارسائها وحبسها وثبوتها وقال فى الكواشى بسم الله مجراها خبر ومبتدأ ومرساها عطف عليه اى بسم الله اجراؤها وارساؤها فكان عليه السلام اذا اراد ان تجرى قال بسم الله فجرت وان اراد ان ترسو قال بسم الله فرست ومجراها ضما وفتحا مصدر اجريته وجريت به لغتان بمعنى كاذبته وذهبت به ومرساها بضم الميم من ارست السفينة ترسى وقفت انتهى {ان ربى لغفور} للذنوب والخطايا {رحيم} لعباده ولهذا نجاكم من هذه الداهية ولولا ذلك لما فعله وفيه دلالة على ان نجاتهم ليست بسبب استحقاقهم لها بل بمحض فضل الله وغفرانه ورحمت على ما عليه رأى اهل السنة -حكى- ان عجوزا مرت على نوح وهو يصنع السفينة وكانت مؤمنة به فسألته عما يصنعه فقال ان الله تعالى سيهلك الكفار بالطوفان ويجيء المؤمنين بهذه السفينة فاوصت ان يخبرها نوح اذا جاء وقتها لتركب فى السفينة من المؤمنين فلما جاء ذلك الوقت اشتغل نوح بحمل الخلق فيها ونسى وصية العجوز وكانت بعيدة منه ثم لما وقع ما وقع من اهلاك الكفار ونجاة المؤمنين وخرجوا من السفينة جاءت اليه تلك العجوز فقالت يا نوح انك قلت لى سيقع الطوفان ألم يأن ان يقع قال قد وقع وكان امر الله مفعولا وتعجب من امر العجوز فان الله تعالى قد انجاها فى بيتها من غير ركوب السفينة ولم تر الطوفان قط وهكذا حماية الله تعالى لعباده المؤمنين وقد صح عن بعض اهل الكشف ان موضع الجامع الكبير فى بلدة بروسه كان بيتا للعجوز المذكورة كما فى الواقعات المحمودية: وفى المثنوى شعر : كاملان از دور نامت بشنوند تابقعر باد وبودت درروند بلكه بيش از زادن توسالها ديده باشندت ترا باحالها هركسى اندازه روشن دلى غيب را بيند بقدر صيقلى تفسير : والاشارة الى ان السفينة الشريعة معمولة للنجاة لراكبيها من طوفان فتن النفس والدنيا والامر بالركوب فى قوله تعالى {اركبوا فيها} يشير الى كشف سر من اسرار الشريعة وهو ان من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والاستاذين لم ينفعه للنجاة الحقيقية كما ركب المنافقون بالطبع لا بالامر فلم ينفعهم وكما ركب ابليس فى سفينة نوح فلم ينفعه وانما النجاة لمن ركب فيها بالامر وحفظا لادب المقام قال {بسم الله مجريها ومرسيها} اى يكون مجريها من الله ومرساها الى الله كقوله {أية : ان الى ربك المنتهى} تفسير : {ان ربى لغفور} بالنجاة لمن ركبها {رحيم} لمن ركبها بالامر لا بالطبع كذا فى التأويلات النجمية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (مَجْريها ومرساها): مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في (بسم الله) من معنى الفعل. وإعراب "بسم الله": إما حال مقدرة من الضمير في "اركبوا"، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو (مجراها ومرساها): مبتدأ، و(بسم الله): خبر: فيوقف على (فيها)؛ أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله. يقول الحق جل جلاله: وقال نوح لمن كان معه: {اركبوا} في السفينة وسيروا فيها. رُوي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، {بسم الله مَجْريها ومُرْساها} أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، رُوي: أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. {أن ربي لغفور رحيم}، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لَما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا. {وهي تجري بهم في موج كالجبال}، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعاً، وإنْ صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق. {ونادى نوحٌ ابنَه}، كان كنعمان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ؛ لأن الأنبياء عُصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم: 10]. في الدين. {وكان في معزلٍ}؛ في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: {يا بُنيَّ اركب معنا} في السفينة، {ولا تكن مع الكافرين} في الدين أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمناً، لإخفاء كفره. {قال سآوي إلى جبل يعصمُني}؛ يمنعني {من الماء}، فلا أغرق، {قال لا عاصمَ اليوم من أمر الله إلا من رحم ربي} أي: إلا الراحم، وهو الله فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: {لا عاصم}؛ لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من رحمه الله. فالاستثناء حينئذٍ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع. {وحال بينهما الموجُ}؛ بين نوح وابنه، {فكان من المغرَقين}؛ فصار من المهلكين بالماء. رُوي أنه صنع بيتاً من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله، والله تعالى أعلم بشأنه. الإشارة: إذا دخل العارف في بحر الفناء، وغاب عن حسه ورسمه، واتصل معناه ببحر معاني الأسرار، جرت سفينة فكرته في بحر الذات وأنوار الصفات، فقال لأصحابه: اركبوا فيها، بسم الله مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم، حيث غطى وصفكم بوصفه، ونعتكم بنعته. فوصلكم بما منه إليه، لا بما منكم إليه، فصارت سفن الأفكار تجري بهم في موج كالجبال، وهي تيار بحر الذات. فالخمرة الأزلية الخفية الصافية بحر لا ساحل له، وما ظهر من أنوار الصفات أمواجه. فأنوار الآثار هي أمواج البحار، وما عظم من أمواجه يسمى التيار، ولذلك قيل: العارفون يغرقون في بحر الذات، وتيار الصفات، فتراهم إذا غرقوا في بحر الأسرار وتيار الأنوار، وساروا فيها بمدد أسرارهم، تلاطمت عليهم أمواجه. وهي تجري بهم في موج كالجبال، فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فآواه إلى جبل السنة المحمدية فكان من الناجين. وآخرون حال بيهم الموج، فكانوا من المغرقين، فالتبس الأمر عليهم، فقالوا بالحلول والاتحاد، أو نفي الحكمة والأحكام. وهذا في حق من ركب بلا رئيس ماهر، وإلا رده إلى سفينة النجاة، وهي: التمسك بالشريعة المحمدية في الظاهر، والتحقق بالحقيقة الأصلية. وبالله التوفيق. ثم ذكر انتهاء الطوفان، فقال: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {مجراها} بفتح الميم. الباقون بضمها، وكلهم ضم ميم مرساها. ومن ضمها قابل بينها وبين مرسها لما بينهما من المشاكلة ومن فتح فلانه قال بعده "وهي تجري" ومن اختار الأول، قال التقدير اجري فجرت. قال أبو علي الفارسي: يجوز في {بسم الله مجراها ومرساها} أن يكون حالا من شيئين: احدهما - ان يكون من الضمير الذي في {اركبوا} او من الضمير الذي في {فيها}، فان جعلت {بسم الله مجراها} خبر مبتدأ مقدم في قول من لا يرفع بالظرف، أو جعلته مرتفعاً بالظرف، ولم يكن قوله {بسم الله مجراها} الا جملة في موضع الحال من الضمير الذي في {فيها} ولا يجوز أن يكون الضمير في قوله {اركبوا فيها}، لأنه لا ذكر فيها يرجع إلى الضمير، ألا ترى أن الظرف في قول من يرفع به ارتفع به الظاهر، وفي قول من رفع مثل هذا بالابتداء قد حصل في الظرف ضمير المبتدأ، فاذا كان كذلك خلت الجملة من ضمير يعود من الحال إلى ذي الحال. واذا كان كذلك لم يكن الا حالا من الضمير الذي في {فيها}. والثاني - يجوز أن يكون قوله {بسم الله} حالا من الضمير الذي في {اركبوا} على ان لا يكون الظرف خبراً عن الاسم الذي هو {مجراها} على ما كان في الوجه الأول، ويكون المعنى اركبوا الآن متبركين ببسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيها منهما من الارساء والاجراء، وليس يريد اركبوا في وقت الجري والرسو، فموضع {مجراها} نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه على المعنى. وفي الوجه الأول رفع بالابتداء وبالظرف. ومن فتح الميم فلأنه قال "وهي تجري". ومن ضم، فلأن جرت بهم وأجري بهم متقاربان في المعنى، ويقال: جرى الشيء وجريت به وأجريته، وإنما ضموا الميم من {مرساها} لقوله {أية : أيان مرساها }تفسير : وقوله {أية : والجبال أرساها} تفسير : ومن أمال او ترك الامالة، فكلاهما حسنان. اخبر الله تعالى عما قال نوح حين دنا ركوبهم السفينة {اركبوا فيها} يعني في السفينة، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البر وركوب البحر. والعامل في {بسم الله} يحتمل ثلاثة أشياء: احدها - {اركبوا}. والثاني - ابتدؤا ببسم الله. والثالث - أجراها وأرساها. والمجرى يحتمل ثلاثة اوجه: أحدها - أن يكون موضع الاجراء. والثاني - وقت الاجراء. والثالث - نفس الاجراء. وقيل: كان اذا اراد أن تجري قال {بسم الله} فجرت، فاذا أراد أن ترسوا قال {بسم الله} فرست ذكره الضحاك. قال لبيد: شعر : عمرت حين ثلاثاً قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلود تفسير : والارساء إمساك السفينة بما تقف عليه أرساها إرساء ورست ترسو قال عنترة: شعر : فصرت نفساً عند ذلك حرة ترسوا إذا نفس الجبان تطلع تفسير : وقوله {إن ربي لغفور رحيم} إخبار منه تعالى حكاية عما قال نوح لقومه {إن ربي لغفور رحيم} أي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم بهم منعم عليهم. ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة ليجتلب الطاعة كما اجتلب النجاة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا وَمُرْسَٰهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهو تعليم من الله علمهم إياه، ودَلَّهُم عليه. قال بعضهم: قد بيّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البر وإذا ركبتم في البحر؛ إذا ركبتم في البحر فقولوا: {بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا وَمُرْسَٰهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإذا ركبتم في البر فقولوا: (أية : سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) تفسير : [الزخرف:13-14]. وتفسير الحسن أن الله علّمهم يومئذٍ {بسم الله مَجْريهَا وَمُرْسَٰها}. يقول: بسم الله تُجرى وبسم تُرسى. وتفسير مجاهد: {بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا وَمُرْسَٰهَا}. قال: بسم الله حين يركبون وحين يجرون وحين يرسون. وقال بعضهم في مصحف أبي بن كعب: {وقال اركبوا فيها على بسم الله مُجْرٰيهَا وَمُرْسَٰيها} وبعضهم يقرأها: بسم الله مجرٰيها، أي المجرى الذي يجري، ومرسَيٰيهَا أي المرسى الذي تُرسي.

اطفيش

تفسير : {وقالَ ارْكَبُوا فيها} قال الله ذلك، وقيل قال نوح {بِسْمِ اللهِ مَجْريها ومُرْسَاها} الباء متعلق باركبوا، أو بمحذوف حالا أى ملتبسين باسم الله، أو مفعول الحال محذوف، أى قائلين باسم الله، ومجرى ومرسى ظرفان ميميان زمانيان، أو مصدران ميميان نائبان عن ظرفى زمان، ويتعلقان بالحال المقدر، وهى ملتبسين أو قائلين كذا قيل. قلت: إنما يصح ذلك على أن المراد بالركوب فيها دخولها والاستمرار فيها، لا مجرد الدخول مع قطع النظر عن الاستمرار، لأن إجراءها وإرساءها لم يوجد وقت الدخول، إلا إن حملت الحال على الحال المقدر، وأيضا فى جعل مجرى ومرسى ظرفين حمل على الشذوذ، لأنه لم يعمل فيها ما هو من لفظهما ومعناهما، أو معناهما. ويجوز كون بسم الله خبرا ومجراها بمعنى إجراءها مبتدأ، والجملة مستأنفة، أو مفعول لحال محذوفة، أى قائلين: بسم الله ومرساها، وحال من مجرور فى، أو بسم متعلق بمجرى، ومجرى مبتدأ بمعنى الإجراء، والخبر محذوف من الواو، والجملة كذلك حال من مجرور فى، أو مستأنفة، أو مفعول لحال محذوفة يجوز أن يكون الاسم مفخما، وقرأ الأخوان وهما: حمزة، والكسائى بفتح الميمين، فيكون ذلك اسمى مكان أو زمان أو مصدرى ميمى من جر، أو رسا الثلاثيين، وكذا قرأ حفص عن عاصم، وقرأ الحرميان نافع، وابن كثير وغيرهما بضم الميم من أجرى وأرسى الرباعيين والرسو الثبوت، والإرساء الإثبات. وقرأ مجاهد مجريها ومرسيها بضم الميمين وكسر الراء والسين، وهما اسما فاعل أجرى وأرسى نعتان لله، وأما ما روى ان حفصا قرأ بضم الميم وكسر الراء فالمراد بالكسر فيه الإمالة، ويتعين فى قراءة مجاهد تعليق الباء باركبوا أو بمحذوف حال، وأسلم الأوجه على قراءة غيره جعل المجرى والمرسى مبتدأ وبسم خبر، والجملة مستأنفة أو حال من مجرور فى، أو مفعول لقول محذوف يقدر حالا. وروى أنه استوى نوح على صدرها وقال: بسم الله مجراها ومرساها، وقال كل من فيها: بسم الله، وعلى ملة نوح رسول الله، وروى أنه إذا أراد أن تجرى قال: بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست، وذكره الضحاك، وقال: إن ذلك تعليم من الله لعباده، كيف يبدءون أمرهم باسم الله لينجح، وفى الحديث: "حديث : أمان لأمتى من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا بسم الله مجراها ومرساها" تفسير : {إنَّ ربِّى لغفُورٌ رَحيمٌ} {أية : وما قدروا الله حق قدره} تفسير : والمراد إذا ركبوا فى السفينة كما فى حديث آخر:" حديث : قد تبيَّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم فى البحر فقولوا: {باسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم} وإذا اركبتم فى البر قلتم: {سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون} ". تفسير : وفى مصحف أبى: وقال اركبوا فيها على بسم الله مجراها ومرساها، قالوا: من نقش الآية فى مقدم السفينة أو مؤخرها، بل فى عود ساج ورسمه فى ذلك نجت من الغرق، وعن ابن عباس: فمن قال إذا أراد ركوب دابة أو غيرها: بسم الله الملك لله {وما قدروا الله حق قدره} إلى {عما يشركون} و{قال اركبوا فيها} الآية فعطب أو غرق فعلىَّ ديته. وعنه: من قال حين يركب البحر: بسم الله الملك لله، يا من له السماوات السبع طائعة، والأرضون السبع طائعة، والجبال الشامخة خاشعة، والبحور الزاخرة خاضعة، احفظنى فأنت خير حافظا وأنت أرحم الراحمين {وما قدروا الله حق قدره} إلى {عما يشركون} وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه، وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة المقربين {وقال اركبوا فيها} الآية فغرق أو عطب فعلىَّ ديته. قال ابن شبل: وصلت ساحل تونس فوجدت فيه اثنين وعشرين سفينة موسعة بالعظام، فدخلت فى إحداهن فقلت: بسم الله الملك لله، {وما قدروا الله} إلى {عما يشركون} و{قال اركبوا} الآية فخرجت السفن، وما وصل ساحل الأندلس غير التى أنا فيها. وعن ابن عمر: أمان من الغرق أن يقول راكب البحر: بسم الله الملك الرحمن {وما قدروا الله حق قدره} الآية {وقال اركبوا فيها} {فإذا استويت أنت} إلى {المنزلين} {إن الله يمسك السماوات} الآية {إنى توكلت على} الآية {والله من ورائهم} إلى {محفوظ} وأشار بذكر كونه غفورا رحيما إلى أنه لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته لكم لما نجاكم.

اطفيش

تفسير : {وَقَالَ} الله لنوح ومن معه، أَو قال نوح لمن معه، ويدل له إِن ربى لغفور رحيم، ولو كان الضمير لله عز وجل لقال إِنه لغفور رحيم {ارْكَبُوا فِيهَا} تغليباً للذكور العقلاءِ على غيرهم بأَن وجه الخطاب إِلى الكل لأَن الكل فى معرض الركوب وعند السفينة أَو الخطاب لنوح والمؤمنين من الله أَو المؤْمنين من نوح، ولما ركبوا أَدخلوا الحيوانات، وقد لا تدخل الحيوانات فى الخطاب باركبوا بل شأْنها فى قوله احمل فيها، فحملها قبل ركوبهم أَو بعده، وتعدى اركبوا بفى لأَنه فى معنى كونوا أَو ادخلوا والركوب العلو على شىءِ، وغلبته فيتعدى بنفسه كقوله تعالى: لتركبوها. ولما أُريد المحلية والمكانية تعدى، هى استعارة كقوله تعالى: فإِذا ركبوا فى الفلك، وقوله عز وجل: حتى إِذا ركبا فى السفينة، ركبوا فى السفينة، وركبوا فى يوم الجمعة العاشر من رجب وطافت بالبيت أُسبوعاً وسارت مائَة وخمسين يوماً واستقرت على الجودى شهراً، وخرجوا يوم عاشوراءَ، وليس فى الدنيا سواهم وسوى ما معهم وسوى قوم مؤْمنين لم يغرقوا لما كان الطوفان أَحاط بهم الماءُ كالجدران، ولم يدر بهم نوح حتى خرج من السفينة، وقيل أَمره الله بحمل جسد آدم فحمله معترضا بين الرجال والنساءِ بوصية منه عليه السلام، والماءُ دخل الحرم ورفع البيت أَو هدم، وقيل خبىءُ الحجر فى أبى قبيس، واستشكل الرفع والخبء، وعن مجاهد لم يدخل الماءُ الحرم فلا رفع ولا خبءَ، ويقال إِنها طافت الأَرض كلها ولم تدخل الحرم وطافت به أُسبوعا، ويقال نجا عوج لأَنه حمل حشب الساج من اليمن إِلى نوح عليه السلام وهو كافر وصل الماءُ إِلى حجرته {بِسْمِ اللهِ} متعلق بحال محذوفة مقارنة وصاحبها واو اركبوا أَى مصاحبين لاسم الله وقت إِرسائها ووقت إِجرائِها كما قال {مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} مصدران ميميان منصوبان على الظرفية متعلقان بمصاحبين أَى إِرساؤُها وإِجراؤها كقولك: جئْت طلوع الشمس، وإِما أَن يكونا ظرفين ميميين زمانيين أَو مكانيين فلا، لأَن عاملها ليس من معناها كقولك رميت مرمى زيد، أَو بسم الله متعلق بقائلين حالا محذوفة، أَى اركبوا فيها قائلين بسم الله مرساها ومجراها، فهما أَيضا مصدران نابا عن الزمان متعلقان بقائلين أو قائلين بسم الله نستجلب النجاة والخير وقت إِجرائِها وإِرسائِها، ويجوز أَن يكون صاحب الحال هاءُ من فيها. فيقدر اركبوا فيها كائنا بسم الله إِجراؤُها وإِرساؤُها، فيكون مجراها ومرساها فاعلا لكائِنا أَو لِبسم، أَو بسم خبر لمرساها والجملة مستأْنفة، أَو حال من هاءِ فى فيها، والحال مقدرة لأَن إِجراءَها وإِرساءَها لم يكن عند الركوب بل بعد الاستقرار فيها. روى أَنه إِذا أَراد أَن تجرى قال بسم الله وإِذا أَراد أَن ترسو قال بسم الله {إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قاله نوح للمؤمنين معه إِذ نجاهم الله من الغرق مع فرطاتهم لكثرة مغفرته ورحمته وحكمته لا لاستحقاقهم النجاة بإِيمانهم، إِذ لا واجب على الله أَو لا تخافوا الغرق لأَن الله غفور رحيم، أَو اركبوا فيها لأَن الله غفور رحيم، ولولا غفرانه ورحمته لم تركبوا فتغرقوا.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ} أي نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى: {إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} / وقيل: الضمير لله تعالى، وفيه أنه لو كان كذلك لكان المناسب إن ربكم الخ، ولعل هذا القول بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل: فحمل الأزواج حسبما أمر أو أدخلها في الفلك، وقال للمؤمنين {ٱرْكَبُواْ فِيهَا} أي صيروا فيها، وجعل ذلك ركوباً لأنها في الماء كالمركوب في الأرض ففيه استعارة تبعية من حيث تشبيه الصيرورة فيها بالركوب، وقيل: استعارة مكنية والتعدية بفي لاعتبار الصيرورة وإلا فالفعل يتعدى بنفسه، وإلى هذا ذهب القاضي البيضاوي، وقيل: التعدية بذلك لأنه ضمن معنى ادخلوا، وقيل: تقديره اركبوا الماء فيها، وقيل: في زائدة للتوكيد، وكأن الأول أولى. وقال بعض المحققين: الركوب العلو على شيء متحرك ويتعدى بنفسه واستعماله هٰهنا بفي ليس لأن المأمور به كونهم في جوفها لا فوقها كما ظن فإن أظهر الروايات أنه عليه السلام ركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانب المحلية والمكانية في الفلك والسر فيه أن معنى الركوب العلو على شيء له حركة إما إرادية كالحيوان أو قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فإذا استعمل في الأول توفر له حظ الأصل فيقال: ركبت الفرس، وعليه قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } تفسير : [النحل: 8] وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال: ركبت في السفينة، وعليه الآية الكريمة، وقوله سبحانه: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ }تفسير : [العنكبوت: 65] و {أية : حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا }تفسير : [الكهف: 71] انتهى، وظاهره أن الركوب هٰهنا حقيقي، وصرح بعضهم أنه ليس به. وقال الراغب: ((الركوب في الأصل كون الإنسان على ظهر حيوان، وقد يستعمل في السفينة))، وفيه تأكيد لما صرح به البعض. {بِسْمِ اللَّهِ} حال من فاعل {ٱرْكَبُواْ} والباء للملابسة ولما كانت ملابسة اسم الله عز اسمه بذكره قالوا: المعنى اركبوا مسمين الله، وجوزوا أن تكون الحال محذوفة وهذا معمول لها سادّ مسدّها ولذلك سموه حالا، والأصل: اركبوا قائلين بسم الله {مَجْرٰهَا وَمُرْسَـٰهَا} نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها على أنهما اسما زمان أو مصدران ميميان بمعنى الإجراء والإرساء، ويقدر مضاف محذوف وهو وقت كما في قولك: أتيتك خفوق النجم فإن التقدير وقت خفوقه إلا أنه لما حذف المضاف سدّ المضاف إليه مسده وانتصب انتصابه وهو كثير في المصادر، ويجوز أن يكونا اسمي مكان وانتصابهما بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور أو بقائلين، ولا يجوز أن يكون ـ باركبوا ـ إذ ليس المعنى على {ٱرْكَبُواْ} في وقت الإجراء والإرساء، أو في مكانهما وإنما المعنى متبركين أو قائلين فيهما، وتعقب القول بانتصابهما مطلقاً بأنهما محدودان ومحدود المكان لا بد له من في، وبعضهم يجوز النصب في مثل ذلك بما فيه من الإبهام، وجوز رفعهما فاعلين بالظرف لاعتماده على ذي الحال أو على أنهما مبتدأ ومعطوف عليه؛ و {بِسْمِ اللَّهِ} خبراً والخبر محذوف تقديره متحققان ونحوه وهو صلة لهما، والجملة إما مقتضية منقطعة عما قبلها لاختلافهما خبراً وطلبا على أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب في السفينة ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها بسم الله تعالى أو بأن إجراءها وإرساءها باسمه تعالى متحققان لا يشك فيهما، وفي ذلك حث على الركوب وإزالة لما عسى يختلج في قلوبهم من خوف الغرق ونحوه، ويروى عن الضحاك أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجريها، يقول بسم الله فتجري، وإذا أراد / أن يرسيها قال: بسم الله فترسو، وإما في موضع الحال من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مجراة ومرساة باسم الله وهي حال مقدرة إذ لا إجراء ولا إرساء وقت الركوب كذا قيل، وتعقبه في «التقريب» بأن الحال إنما تكون مقدرة إذا كانت مفردة كمجراة أما إذا كانت جملة فلا لأن معنى الجملة اركبوا وإجراؤها بسم الله وهذا واقع حال الركوب انتهى. وأجاب عنه في «الكشف» بأنه لا فرق بين قوله تعالى: {أية : فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر: 73] وقول القائل: ادخلوها وأنتم مخلدون في عدم المقارنة والرجوع إلى الحال المقدرة فكذلك ما نحن فيه، واعترض على المجيب بأن مراد ذلك القائل إجراؤها مجرى المفرد على نحو كلمته فوه إلى في بأنه تكلف لا حاجة إليه، وهو غير مسلم في المستشهد به أيضاً، وإنما ذلك في قول القائل كلمته فاه إلى في انتهى، وكأنه لم ينكشف له مراد صاحب «التقريب» فإنهم ذكروا أن الفرق بين الحال إذا كانت مفردة وإذا كانت جملة أن الثانية تقتضي التحقق في نفسها والتلبس بها، وربما أشعرت بوقوعها قبل العامل واستمرارها معه كما إذا قلت: جاءني وهو راكب فإنه يقتضي تلبسه بالركوب واستمراره عليه، وهذا ينافي كونها منتظرة ولا أقل من أن لا يحسن الحمل عليه حيث تيسر الإفراد فافهم، وجوز أن تكون حالاً مقدرة أيضاً من فاعل {ٱرْكَبُواْ}، واعترض بأنه لا عائد على ذي الحال، وضمير {بِسْمِ اللَّهِ} للمبتدأ وتقديره أي فإجراؤها معكم أو بكم كائن بسم الله تكلف، والقول بأن الرضي قد ذكر أن الجملة الحالية إذا كانت اسمية قد تخلو من الرابطين عند ظهور الملابسة نحو خرجت زيد على الباب ليس بشيء لضعف ما ذكر في العربية فلا ينبغي التخريج عليه نعم كون الاسمية لا بد فيها من الواو والقول بأن الحال المقدرة لا تكون جملة مطلقاً كل منهما في حيز المنع كما لا يخفى. وجوز أن يكون الاسم مقحماً كما في قول لبيد:شعر : فقوما وقولا بالذي قد عرفتما ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا الشعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها أي بقدرته أو بأمره أو بإذنه، ويقدر ذلك أو يراد معنى، وخص بعضهم هذا الجواز بما إذا لم يقدر مسمين أو قائلين إذ لا يظهر المعنى حينئذٍ، ويجري على تقديري الكلام الواحد والكلامين، وكذا على تقدير الزمان والمكان في رأي، ويعتبر الإسناد مجازياً من قبيل نهاره صائم وطريق بر. وقرىء ـ مجراها ومرساها ـ بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين على أنهما من جرى ورسا الثلاثيين، وقرأ مجاهد ـ مجريها ومرسيها ـ بصيغة اسم الفاعل، وخرج ذلك أبو البقاء على أنهما صفتان للاسم الجليل، وقيل عليه: إن إضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى المستقبل لفظية فهو نكرة لا يصح توصيف المعرفة به فالحق البدلية، والقول بأن مراد المعرب الصفة المعنوية لا النعت النحوي فلا ينافي البدلية بعيد لكن عن الخليل إن ما كانت إضافته غير محضة قد يصح أن تجعل محضة فتعرف إلا ما كان من الصفة المشبهة فلا تتمحض إضافتها فلا تعرف، والرسو الثبوت والاستقرار، ومنه قول الشاعر: شعر : فصبرت نفساً عند ذلك حرة (ترسو) إذا نفس الجبان تطلع تفسير : {إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قيل: الجملة مستأنفة لبيان الموجب أي لولا مغفرته لفرطانكم ورحمته إياكم لما أنجاكم من هذه الطامة إيمانكم، وفيه دلالة على أن نجاتهم لم تكن عن استحقاق بسبب أنهم كانوا مؤمنين بل بمحض رحمة الله تعالى وغفرانه على ما عليه أهل السنة، ومنع صلاحية كونها علة ـ لاركبوا ـ لعدم المناسبة / فيقدر ما يصح به الكلام بأن يقال: امتثلوا هذا الحكم لينجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا} ذاكرين الله تعالى ولا تخافوا الغرق لما عسى فرط منكم من التقصير لأن الله تعالى شأنه غفور للخطايا والذنوب رحيم بعباده، وجعلها بعضهم تعليلاً بالنظر إلى ما فيها من الإشارة إلى النجاة فكأنه قيل: اركبوا لينجيكم الله سبحانه.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : قلنا احمل فيها}تفسير : [هود: 40] أي قلنا له ذلك. وقال نوح ـ عليه السّلام ـ لمن أمر بحمله {اركبوا}. وضمير {فيها} لمفهوم من المقام، أي السفينة كقوله: {أية : وحملناه على ذَات ألواحٍ ودُسرٍ}تفسير : [القمر: 13] أي سفينة. وعدّي فعل {اركبوا} بـ(فيّ) جرياً على الفصيح فإنه يقال: رَكب الدابة إذا علاها. وأما ركوب الفلك فيعدّى بـ(في) لأن إطلاق الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار فلا يقال: ركب السفينةَ، فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقي والركوب المشابه له، وهي تفرقة حسنة. والباء في {باسم الله} للملابسة مثل ما تقدم في تفسير البسملة، وهي في موضع الحال من ضمير {اركبوا} أي ملابسين لاسم الله، وهي ملابسة القول لقائله، أي قائلين: باسم الله. و{مجراها ومرساها} ـ بضم الميمين فيهما ـ في قراءة الجمهور. وهما مصدرا أجرى السفينة إذا جعلها جارية، أي سيّرها بسرعة، وأرساها إذا جعلها راسية، أي واقفة على الشاطىء. يقال: رَما إذا ثَبت في المكان. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلَفٌ «مَجراها» فقط ـ بفتح الميم ـ على أنه مَفعل للمصدر أو الزمان أو المكان. وأما {مُرساها} ـ فبضم الميم ـ مثل الجمهور، لأنه لا يقال: مَرساها ـ بفتح الميم ـ. والعدول عن الفتح في {مرساها} في كلام العرب مع أنه في القياس مماثل (مَجراها) وجهه دفع اللبس لئلا يلتبس باسم المَرسى الذي هو المكان المعدّ لرسوّ السفن. ويَجوز أن يكون {مجراها ومرساها} في محل نصب بالنيابة عن ظرف الزمان، أي وقت إجرائها ووقت إرسائها. ويجوز أن يكون في محل رفع على الفاعلية بالجار والمجرور لما فيه من معنى الفعل، وهو رأي نحاة الكوفة، وما هو ببعيد. وجملة {إن ربي لغفور رحيم} تعليل للأمر بالركوب المقيد بالملابسة لذكر اسم الله تعالى، ففي التعليل بالمغفرة والرحمة رمز إلى أن الله وعَده بنجاتهم، وذلك من غفرانه ورحمته. وأكّد بـ{إنّ} ولام الابتداء تحقيقاً لأتباعه بأن الله رحمهم بالإنجاء من الغرق.

الشنقيطي

تفسير : ذكر الله تعالى في هذا الآية الكريمة: أن نبيه نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أمر أصحابه الذين قيل لهم احملهم فيها أن يركبوا فيها قائلاً: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها. وبين في سورة الفلاح: أنه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله الذي نجاهم من الكفرة الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلاً مباركاً. وذلك في قوله: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ}تفسير : [المؤمنون: 28 - 29]. وبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن وغيرها بقوله {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُون}تفسير : [الزخرف: 12 -14]. ومعنى قوله {مُقْرِنِينَ} أي مطيقين، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: شعر : لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا تفسير : وقول الآخر: شعر : ركبتم صعبتي أشر وجبن ولستم للصعاب بمقرنينا تفسير : وقول ابن هرمة: شعر : وأقرنت ما حملتني ولقلما يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر

د. أسعد حومد

تفسير : {مَجْريٰهَا} {وَمُرْسَاهَا} (41) - فَحَمَلَهُمْ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ وَقَالَ لَهُمْ: ارْكَبُوا فِيهَا بِاسْمِ اللهِ جَرْيُهَا عَلَى وَجْهِ المَاءِ، وَبِاسْمِ اللهِ مُنْتَهَى سَيرِهَا وَرُسُوُّها، فَهُوَ الذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِحَوْلِهِ وَقُوِّتِهِ، وَحِفْظِهِ وَعِنَايَتِهِ، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ لِمَنْ تَابَ إِليهِ مِنْ ذَنْبِهِ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ. مَجْرَاهَا - وَقْتُ إِجْرَائِهَا. مُرْسَاهَا - وَقْتُ إِرْسَائِهَا.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالَ} نوح لهم: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا} قرأ أبو رجاء العطاردي: مُجرِاها ومُرسِاها بضم الميمين وكسر الراء والسين وهي قراءة عبدالله. قال ابن عباس: مجريها حيث تجري ومرساها حيث ترسو، أي تحسر في الماء. وقرأ محمد بن محيصن بفتح الميمين وهما مصدران، يعني أن الله تعالى بيده جريها ورسوّها أي ثبوتها، جرى يجري جرياً ومجرى، ورسا يرسو رسوّاً ومُرسى، مثل ذهب مذهباً وضرب مضرباً. قال امرؤ القيس: شعر : تجاوزت أحراساً وأهوال معشر عليَّ حرامٌ لو يسرّون مقتلي تفسير : أي: قتلي. وقرأ الباقون بضم الميمين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، ومعناه: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، كقوله تعالى {أية : أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً}تفسير : [المؤمنون:29] {أية : أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}تفسير : [الإسراء: 80] بمعنى الإنزال والإدخال والإخراج. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن يرسو قال: بسم الله، فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت. {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} كنعان وكان عنيداً وقيل وكان كافراً. {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} عنه لم يركب معه الفلك. {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} فتهلك، قال له ابنه: {سَآوِيۤ} سأصير وأرجع {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي} يمنعني {مِنَ ٱلْمَآءِ} ومنه عصام القربة الذي [يربط] رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها. {قَالَ} نوح {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} عذاب الله إلاّ من رحمناه، وأنقذناه منه، ومن في محل رفع، وقيل: في محل النصب ومعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلاّ من رحمه الله، كقوله تعالى {أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 21] [القارعة: 7] و {أية : مَّآءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق: 6] قال الشاعر: شعر : بطيء القيام رخيم الكلام أمسى فؤادي به فاتنا تفسير : أي مفتوناً. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ} فصار {مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ} بعدما تناهى أمر الطوفان {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي} أي اشربي {مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} امسكي {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} فذهب ونقص ومصدره الغيض والغيوض. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي وفرغ من العذاب {وَٱسْتَوَتْ} يعني السفينة استقرّت ورست وحلّت {عَلَى ٱلْجُودِيِّ} وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل، قال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلاّ ينالها الماء فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعاً وتواضع الجودي وتطامن لأمر ربّه فلم يغرق، فأرسيت السفينة عليه. {وَقِيلَ بُعْداً} هلاكاً {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} الكافرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : في أوّل يوم من رجب وفي بعض الأخبار: لعشر مضت من رجب ركب نوح في السفينة فصام هو ومن معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومرّت بالبيت فطاف به سبعاً وقد رفعه الله من الغرق، وأرسيت السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحوش والدواب فصاموا شكراً لله عزّ وجلّ ". تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي} وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أي الصدق {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} أي تحكم على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك. {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} وقرأ أهل الكوفة [عَمِلَ] بكسر الميم وفتح اللام، غير بنصب الراء على الفعل ومعناه: إنه عمل الشرك والكفر، وقرأ الباقون عَملٌ بفتح الميم وضمّ اللام وتنوين غير بالرفع ومعناه: إنّ سؤالك إياي أن أنجيه عملٌ غيرُ صالح. {فَلاَ تَسْئَلْنِ} يا نوح {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بما لا تعلم وقرأ ابن كثير بتشديد النون وفتحه، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسره. {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} واختلفوا في هذا الابن فقال بعضهم: إنه لم يكن ابن نوح، ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كان ولد خبث من غيره، ولم يعلم بذلك نوح، فقال الله تعالى: إنه ليس من أهلك أي من ولدك، وهو قول مجاهد والحسن، وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان بابنه، وقرأ {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم: 10] فقال: إن الله حكى عنه إنه قال: إن ابني من أهلي، وقال: ونادى نوح ابنه وأنت تقول: لم يكن ابنه، وإن أهل الكتابين لا يختلفون في انه كان ابنه. فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، إنهم يكذبون. وقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولدَ على فراشه، وقال عبيد بن عمير، نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قضى أن الولد للفراش من أجل ابن نوح، وقال بعضهم: إنه كان ابن امرأته واستدلّوا بقول نوح: إن ابني من أهلي ولم يقل: منّي، وهو قول أبي جعفر الباقر. وقال الآخرون: كان ابنه ومن فصيلته، ومعنى قوله: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، وقالوا: ما بغت امرأته ولا امرأة لوط وإنما كانت خيانتهما في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وهذه كانت تدلّ على الأضياف، وهو قول ابن عباس وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران. قال أبو معاوية البجلي: قال رجل لسعيد بن جبير: قال نوح إن ابني من أهلي، أكان ابن نوح؟ فسبّح طويلا، وقال: لا إله إلاّ الله يحدث الله محمداً صلى الله عليه وسلم انه ابنه وتقول ليس ابنه، كان ابنه ولكنه كان مخالفاً في النية والعمل والدين، فمن ثم قال تعالى: انه ليس من أهلك، وهذا القول أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب. فقال نوح (عليه السلام) عند ذلك {رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ * قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} انزل من السفينة إلى الأرض {بِسَلاَمٍ} بأمن وسلامة {مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} وهم الذين كانوا معه في السفينة. وقال أكثر المفسّرين: معناه وعلى قرون تجيء من ذريّة من معك من الذين آمنوا معك من ولدك، وهم المؤمنون وأهل السعادة من ذريته {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} في الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا} في الآخرة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهم الكافرون وأهل الشقاوة. وقال محمد بن كعب القرضي: داخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك داخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. قال الضحاك: زعم أُناس إن من غرق من الولدان مع آبائهمن وإنّما ليس كذلك وإنّما الولدان بمنزلة الطير،وسائر من أغرق الله يعود لابنه ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم والمذكورين من الرجال والنساء ممّن كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا ثم مصيرهم إلى النار.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه هي المرحلة الأخيرة في قصة السفينة، وبدأت القصة بأمر من الله سبحانه لنوح عليه السلام أن اصنع الفلك، ثم تمهيد من نوح لقومه، ثم ظل يصنع الفلك حتى جاءت إشارة البدء بعلامة: {أية : وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ..}تفسير : [هود: 40] وحَمَلَ نوح عليه السلام في الفُلْك - بأمر من الله تعالى - من كل شيء زوجين اثنين، وأهله ومَنْ آمن معه. وقال نوح عليه السلام لمن آمن: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} [هود: 41]. وهذا القول منسوب لنوح عليه السلام؛ لأنه أضاف: {.. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 41]. والركوب يقتضي أن يكون الراكب على المركوب، ومستعلٍ عليه. والاستعلاء يقتضي أن يكون الشيء المُستعلَى عليه في خدمة المُستعلِي، فكأن تسخير الله سبحانه للسفينة إنما جاء ليخدم المستعلِي. ولكن الله تعالى يقول هنا: {ٱرْكَبُواْ فِيهَا ..} [هود: 41]. ولم يقل: "اركبوا عليها". قال الحق سبحانه وتعالى ذلك؛ ليعطينا لقطة عن طريقة صنع السفينة، فقد صنعها نوح عليه السلام بوحي من الله تعالى على أفضل نظام في البواخر، ولم يصنعها بطريقة بدائية، فهم - إذن - لم يركبوها على سطحها، بل تم بناؤها بما يتيح لهم السكن فيها، خصوصاً وأن تلك السفينة تحمل وحوشاً وهواماً وحيوانات بجانب البشر، لذلك كان لا بد من بنائها على هيئة طبقات وأدوار. وقول الحق سبحانه: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} [هود: 41]. يُبيِّن لنا أنها قد صُنعت لتُنجي من الغرق؛ لذلك لا بد أن تسير بالراكبين فيها إلى مكان لا يصله الماء، ولا بد أن يكون هذا المكان عالياً؛ ليتيح الرُّسُوَّ، كما أتاح الفيضان عملية الجريان. وهكذا كان جريانها باسم الله، ورُسُوُّها بإذنه سبحانه. وقول نوح عليه السلام: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} [هود: 41]. يعلِّمنا أن جريانها إنما يتمُّ بمشيئة الله تعالى وأنهم يركبون فيها، لا لمكانتهم الشخصية، ولكن لإيمانهم بالله تعالى. ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى -: نجد القاضي يقول مفتتحاً الحكم: "باسم الدستور والقانون" أي: أنه لا يحكم بذاته كقاضٍ، لكنه يحكم باسم الدستور والقانون. ونوح عليه السلام يقول: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} [هود: 41], لأن السفينة لله أمر، ولرسوله صناعة. ولذلك يقال: "كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبْتر". لأنك حين تُقبل على فعل شيء، فالأفعال أو الأحداث تحتاج إلى طاقات متعددة، فإن كان الفعل عضليّا، فهو يحتاج لقوة، وإن كان الفعل عقليّا فهو يحتاج لفكر ورويَّة وأناة، وإن كان فعلاً فيه مواجهة لأهل الجاه فهو يحتاج إلى شجاعة، وإن كان من أجل تصفية نفوس فهو يحتاج إلى الحِلْم؟ إذن: فاحتياجات الأحداث كثيرة ومختلفة، ومن أجل أن تحصل على القوة فقد تقول: "باسم القوي القادر" ولكي تحصل على علم؛ تقول: "باسم العليم"، وتريد الغني؛ فتقول: "باسم الغنيِّ" وحين تحتاج إلى الحلم تقول: "باسم الحليم"، وعندما تحتاج إلى الشجاعة؛ تقول: "باسم القهار". وقد يحتاج الفعل الواحد لأشياء كثيرة، والذي يُغْنِي عن كل ذلك أن تنادي ربك وتتبرَّك باسم واجد الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، ففيه تنطوي كل صفات الكمال والجلال. وإياك أن تتهيَّب أو تستحي، بل ادخل على كل أمر باسم الله، حتى لو كنت عاصياً؛ لأن الحق سبحانه رحمن رحيم. وقول الحق سبحانه على لسان نوح عليه السلام: {.. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 41]. إنما يقصد أن هؤلاء المؤمنين برسالة نوح كانوا من البشر، ولم يطبِّقوا - كغالبية البشر - كل التكاليف؛ لأنهم ليسوا ملائكة. لذلك قَدَّر الحق سبحانه وتعالى إيمانهم وعفا عن بعض الذنوب التي ارتكبوها ولم يؤاخذهم بها. هذه هي الميزة في قول: "بسم الله الرحمن الرحيم". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك يَصفُ السفينة ورُكَّابها: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} [الآية: 41]. يعني: سموا الله حين تركبون، وحين تجرون، وحين ترسون. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} [الآية: 44]. يعني نقص الماءُ. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} [الآية: 44]. يقول: قضي هلاك قوم نوح. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلْجُودِيِّ} [الآية: 44]: جبل في الجزيرة، تشامخت الجبال منه يومئذ من الغرق وتواضع الجودي لله، فلم يغرق وأَرست عليه سفينة نوح عليه السلام.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا} معناهُ مَسيرُها. ومن قرأ مُجْراها معناه أجريتُهَا أنا. {وَمُرْسَاهَا} معناهُ وَقْفتُها

الأندلسي

تفسير : {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} الآية، الضمير في وقال عائد على نوح عليه السلام، أي وقال نوح حين أمر بالحمل في السفينة لمن آمن معه ومن أُمر بحمله اركبوا فيها. والظاهر أنه خطاب لمن يعقل خاصة لأنه لا يليق بمن لا يعقل. وعدي اركبوا بفي لتضمنه معنى صيروا فيها أو ادخلوا فيها، والتقدير اركبوا الماء فيها. والباء في {بِسْمِ ٱللَّهِ} في موضع الحال أي متبركين باسم الله. ومجراها ومرساها منصوبان اما على أنهما ظرفا زمان أو مكان لأنهما يجيئان لذلك، أو ظرفا زمان على جهة الحذف كما حذف من جئتك مَقْدَم الحاج. ويجوز أن يكون مجراها ومرساها مرفوعين على الابتداء. وبسم الله الخبر. {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} إخبار من الله تعالى بما جرى للسفينة. وبهم حال، أي ملتبسة بهم. والمعنى تجري وهم فيها. {فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} أي في موج الطوفان شبه كل موجة منه بجبل في تراكمها وارتفاعها. وقوله: في موج، يدل على أن الموج كان ظرفاً لهم، وهم مظروفون فيه وكانت السفينة تسبح بهم في الماء كالسمكة. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} الآية، الواو لا ترتب وهذا النداء كان قبل جري السفينة في قوله: وهي تجري بهم، وفي إضافته إليه هنا. وفي قوله: ان ابني من أهلي، وندائه دليل على أنه ابنه لصلبه، قاله ابن عباس: والضمير في كان عائد على ابنه. وأدغم بعض القراء الباء في الميم في اركب معنا، لاشتراكهما في أنهما من حروف الشفة، ولذلك أبدلت في قول بعضهم باسمك، يريدون ما اسمك، ونداؤه بالتصغير خطاب تحنن ورأفة. والمعنى اركب معنا في السفينة فتنجو. {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} فتهلك. وظن ابن نوح أن ذلك المطر والتفجر على العادة ولذلك: {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ} أي من وصول الماء إليّ فلا أغرق. وهذا يدل على تماديه في الكفر وعدم وثوقه بأبيه فيما أخبر. وقيل: والجبل الذي عناه طور زيتا فلم يمنعه. والظاهر إبقاء عاصم على حقيقته وانه نفي كل عاصم من أمر الله في ذلك الوقت وان من رحم يقع فيه من على المعصوم. والضمير الفاعل يعود على الله تعالى. وضمير الموصول محذوف ويكون الاستثناء منقطعاً، أي لكن من رحمه الله معصوم. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} أي بينه وبين نوح عليه السلام. قيل: كانا يتراجعان الكلام فما استتمت المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة وكان راكباً على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمته وفرسه. وحيل بينه وبين نوح فغرق. {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ} الآية، في هذه الآية أحد وعشرون نوعاً من البديع المناسبة في قوله: اقلعي وابلعي والمطابقة بذكر الأرض والسماء. والمجاز في قوله: يا سماء والمراد مطر السماء. والاستعارة في قوله: اقلعي. والإِشارة في قوله: وغيض الماء فإِنها إشارة إلى معان كثيرة، والتمثيل في قوله: وقضي الأمر عبر بإِهلاك الهالكين ونجاة الناجين بلفظة فيها بعد عن لفظة الموضوع له، والارداف في قوله: واستوت على الجودي، فقوله: استوت، كلام تام وعلى الجودي مردف قصداً للمبالغة في التمكن بهذا المكان. والتعليل في قوله: وغيض الماء، فإِن ذلك علة الاستواء وصحة التقسيم باستيعاب اقسام الماء في حالة نقصه إذ ليس إلا احتباس ماء السماء واحتقان ماء الأرض، وغيض الماء حاصل على ظهرها، والاحتراس في قوله: وبعداً للقوم الظالمين وهو أيضاً ذم لهم ودعاء عليهم والإِيضاح بقوله: الظالمين بين أنهم هم القوم الذين سبق ذكرهم في قوله: {أية : وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} تفسير : [هود: 38]. فالألف واللام في القوم للعهد لو سقط لفظة القوم هنا لحصل لبس في المعنى والمساواة فلفظها مساوٍ لمعناها وحسن النسق لعطف قضايا بعضها على بعض، والإِيجاز لذكر القصة باللفظ القصير مستوعباً للمعاني الجمة والتسهيم، لأن أول الآية يا أرض ابلعي، فاقتضى آخرها ويا سماء اقلعي. والتهذيب لأن مفردات الألفاظ موصوفة بكمال الحسن كل لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة وحسن البيان والتمكين لأن الفاصلة مستقرة في قرارها. والتجنيس في قوله: اقلعي وابلعي. والمقابلة في قوله: يا أرض ابلعي ويا سماء اقلعي. والذم في قوله: بعداً للقوم الظالمين. والوصف قصة القصة ووصفها بأحسن وصف بحيث استعمل نعوت ألفاظها وصفات معانيها، فما أعظم إعجازها من آية عدة ألفاظها تسع عشرة لفظة فيها أحد وعشرون نوعاً من البديع. والجودي اسم جبل. وهذا النداء والخطاب بالأمر هو استعارة مجازية، وعلى هذا جمهور الحذاق، وقيل: إن الله تعالى أحدث فيهما إدراكاً وفهماً لمعاني الخطاب. وروي ان إعرابياً سمع هذه الآية فقال هذا كلام القادرين. ومعنى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} الآية، أراد أن يناديه ولذلك أدخل الفاء إذ لو أراد حقيقة النداء والاخبار عن وقوعه منه لم تدخل الفاء في فقال وإلا لسقطت، والواو في هذه الجملة لا ترتب أيضاً وذلك أن هذه القصة كانت أولى ما ركب نوح السفينة. ومعنى من أهلي أي الذي أمرت أن أحملهم في السفينة بقوله تعالى: {أية : ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ}تفسير : [هود: 40] ولم يظن أنه داخل فيمن استثناه الله تعالى بقوله: {أية : إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ}تفسير : [هود: 40] لظنه أنه مؤمن. وعموم قوله: ومن آمن، يشمل المؤمن من أهله ومن غيرهم. وحسَّن الخطاب بقوله: وان وعدك الحق. ومعنى ليس من أهلك على قول من قال انه ابنه لصلبه، أي الناجين، أو الذين عمّهم الوعد ومن زعم أنه ربيبه فهو ليس من أهله حقيقة إذ لا نسبة بينه وبينه بولادة فعلى هذا نفى ما قدر أنه داخل في قوله: وأهلك ثم علل انتفاء كونه ليس من أهله. بـ {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} والضمير في أنه عائد على ابن نوح. وقرىء: عمل غير صالح منوناً غير رفعاً صفة له فاحتمل قوله: انه أن يكون على حذف مضاف تقديره أيْ انّ عمله عمل غير صالح أو يكون الحذف في عمل تقديره انه ذو عمل غير صالح، أو جعله نفس العمل مبالغة في ذمه. وقرىء: وعمل فعلاً ماضياً وغير منصوب به. ومعنى قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد فإِذا رأيت ولدك لم يحمل فكان عليك أن تقف وتعلم أن ذلك لحق واجب عند الله تعالى. وعلى هذا القدر وقع عتابه ولذلك جاء بترفق وتلطف في قوله: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} وان أسألك في المستقبل ما لا علم لي بصحته تأديباً واتعاظاً بموعظتك.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 353 : 4 : 28 - سفين عن الأعمش عن أبي وايل عن مسروق ان عبد الله كان يقرؤها {مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا}. [الآية 41].