١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن قوله: {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ } مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ } متعلق بمحذوف، والتقدير: وقال اركبوا فيها، فركبوا فيها يقولون: بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال. المسألة الثانية: الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة، والمقصود منه: بيان شدة الهول والفزع. المسألة الثالثة: الجريان في الموج، هو أن تجري السفينة داخل الموج، وذلك يوجب الغرق، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج. ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنه كان ابناً له، وفيه أقوال: القول الأول: أنه ابنه في الحقيقة، والدليل عليه: أنه تعالى نص عليه فقال: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } ونوح أيضاً نص عليه فقال: {يا بَنِى } وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافراً، وهذا بعيد، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافراً، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافراً بنص القرآن، فكذلك ههنا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال: { أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } تفسير : [نوح: 26] فكيف ناداه مع كفره؟ فأجابوا عنه من وجوه: الأول: أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته. والثاني: أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله: {يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي تابعهم في الكفر واركب معنا. والثالث: أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء، والذي تقدم من قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلاً فيه. القول الثاني: أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن علياً رضي الله عنه قرأ {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير {ٱبْنَهُ } بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ابنه فقلت: إن الله حكى عنه أنه قال: { أية : إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى } تفسير : [هود:45] وأنت تقول: ما كان ابناً له، فقال: لم يقل: إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي. القول الثالث: أنه ولد على فراشه لغير رشدة، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن. أما قوله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه. قيل لابن عباس رضي الله عنهما: ما كانت تلك الخيانة، فقال: كانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به. ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى: { أية : ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ وَٱلطَّيّبَـٰتُ لِلطَّيّبِينَ وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـٰتِ } تفسير : [النور: 26] وأيضاً قوله تعالى: { أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النور: 3] وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول. وأما قوله: {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } فاعلم أن المعزل في اللغة معناه: موضع منقطع عن غيره، وأصله من العزل، وهو التنحية والإبعاد. تقول: كنت بمعزل عن كذا، أي بموضع قد عزل منه. واعلم أن قوله: {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوهاً: الأول: أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق: الثاني: أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه: الثالث: أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم. أما قوله: {يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فنقول: قرأ حفص عن عاصم {يا بَنِى } بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر. قال أبو علي: الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء التحقير، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف المد واللين إذا كانت حروف إعراب، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات. الأولى: منها للتحقير. والثانية: لام الفعل. والثالثة: التي للإضافة تقول: هذا بني فإذا ناديته صار فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ {يا بَنِى } بفتح الياء فإنه أراد الإضافة أيضاً كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال: شعر : يا ابنة عما لا تلومي واهجعي تفسير : ثم حذف الألف للتخفيف. واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب السفينة حكى عن ابنه أنه قال: {سَاوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء } وهذا يدل على أن الابن كان متمادياً في الكفر مصراً عليه مكذباً لأبيه فيما أخبر عنه فعند هذا قال نوح عليه السلام: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } وفيه سؤال، وهو أن الذي رحمه الله معصوم، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم وهو قوله: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } وذكروا في الجواب طرقاً كثيرة. الوجه الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: { أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [هود: 41] فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق. إذا عرفت هذا فنقول: إن ابن نوح عليه السلام لما قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } والمعنى: إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره: لا فرار من الله إلا إلى الله، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه: « حديث : وأعوذ بك منك » تفسير : وهذا تأويل في غاية الحسن. الوجه الثاني: في التأويل وهو الذي ذكره صاحب «حل العقد» أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه، والتقدير: لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيداً، فإن تقديره لا تضرب أحداً إلا زيداً إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا. الوجه الثالث: في التأويل أن قوله: {لاَ عَاصِمَ } أي لا ذا عصمة كما قالوا: رامح ولابن ومعناه ذو رمح، وذو لبن وقال تعالى: { أية : مِن مَّاء دَافِقٍ } تفسير : [الطارق: 6] و { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا، وعلى هذا التقدير: العاصم هو ذو العصمة، فيدخل فيه المعصوم، وحينئذ يصح استثناء قوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ } منه. الوجه الرابع: قوله: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } عنى بقوله إلا من رحم نفسه، لأن نوحاً وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته، والمراد: لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله: { أية : وأحيي الموتى } تفسير : [آل عمران: 49] لأجل أن الإحياء حصل بدعائه. الوجه الخامس: أن قوله: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ } استثناء منقطع، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى: { أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنّ } تفسير : [النساء: 157] ثم إنه تعالى بين بقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ } أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }.
البيضاوي
تفسير : {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ} متصل بمحذوف دل عليه {ٱرْكَبُواْ} فركبوا مسمين وهي تجري وهم فيها. {فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} في موج من الطوفان، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت، والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعاً وإن صح فلعل ذلك قبل التطبيق. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} كنعان، وقرىء «ابنٰها» و {ٱبْنَهُ } بحذف الألف على أن الضمير لامرأته، وكان ربيبه وقيل كان لغير رشدة لقوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} وهو خطأ إذ الأنبياء عصمن من ذلك والمراد بالخيانة الخيانة في الدين، وقرىء «ابناه» على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف الحرف. {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ} عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه مفعل للمكان من عزله عنه إذا أبعده. {يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا } في السفينة، والجمهور كسروا الياء ليدل على ياء الإِضافة المحذوفة في جميع القرآن، غير ابن كثير فإنه وقف عليها في «لقمان» في الموضع الأول باتفاق الرواة وفي الثالث في رواية قنبل وعاصم فإنه فتح ها هنا اقتصاراً على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإِضافة، واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو والكسائي وحفص لتقاربهما. {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} في الدين والانعزال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ } في الارتفاع والعظم {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } كنعان {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } عن السفينة { يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
النسفي
تفسير : {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } متصل بمحذوف دل عليه {اركبوا فيها بسم الله} كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون بسم الله وهي تجري بهم أي السفينة تجري وهم فيها {فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ } يريد موج الطوفان وهو جمع موجة كتمر وتمرة وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } كنعان. وقيل: يام. والجمهور على أنه ابنه الصلبي. وقيل: كان ابن امرأته {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } عن أبيه السفينة «مفعل» من عزله عنه إذ نجاه وأبعده أو في معزل عن دين أبيه {يَـٰبُنيَّى} بفتح الياء: عاصم، اقتصاراً عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة من قولك «يا بنيا». غيره بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة {ٱرْكَبَ مَّعَنَا } في السفينة أي أسلم واركب {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ * قَالَ سَاوِى } ألجأ {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء } يمنعني من الغرق {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } إلا الراحم وهو الله تعالى، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وذلك أنه لما جعل الجبل عاصماً من الماء قال له لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو المعصوم كقوله {أية : مالهم به من علم إلا اتباع الظن}تفسير : [النساء: 157] {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ } بين ابنه والجبل أو بين نوح وابنه {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ } فصار أو فكان في علم الله
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في قوله {ونادى نوح ابنه} قال: هي بلغة طيىء لم يكن ابنه، وكان ابن امرأته. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه أنه قرأ "ونادى نوح ابنها". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} قال: لا ناج إلا أهل السفينة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم ابن أبي بزة في قوله {وحال بينهما الموج} قال: بين ابن نوح والجبل. وأخرج الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن حميد بن هلال قال: جعل نوح لرجل من قومه جعلا على أن يعينه على عمل السفينة، فعمل معه حتى إذا فرغ قال له نوح: خير أي ذلك شئت، إما أن أوفيك أجرك وإما أن نوقيك من القوم الظالمين. قال: حتى استأمر قومي. فاستأمر قومه فقالوا له: اذهب إلى أجرك فخذه. فأتاه فقال: أجري... فوفاه أجره. قال: فما أخذ جاوز ذلك الرجل إلى حيث ينظر إليه حتى أمر الله الماء بما أمره به، فأقبل ذلك الرجل يخوض الماء فقال: خذ الذي جعلت لي. قال: لك ما رضيت به. فغرق فيمن غرق.
القشيري
تفسير : وكان في معزل بظاهره، وكان في سرِّ تقديره أيضاً بمعزلٍ عما سبق لنوح وقومه من سابق فضله. فحينما نطق بِلسانِ الشفقةِ وقال: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} - لم يقل له: ولا تكن من الكافرين؛ لأن حالته كانت مُلْتَبِسةً على نوح إذ كان ابنُه ينافقه - فقيل له: يا نوح إنه مع الكافرين لأنه في سابق حُكْمِنا من الكافرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهى} اى الفلك {تجرى} حكاية حال ماضية {بهم} حال من فاعل تجرى اى وهم فيها ملتبسة بهم ولك ان تجعل الباء للتعدية يقال اجريته وجريت به كأذهبته وذهبت به فالمعنى بالفارسية [همى برد ايشانرا] والجملة عطف على محذوف دل عليه الامر بالركوب اى فركبوا فيها مسمين وهى تجرى بهم {فى} خلال {موج} يعنى موج الطوفان والطوفان من كل شيء ما كان كثيرا مطيفا بالجماعة كالمطر الغالب فى هذا المقام. والموج جمع موجة وهو ما ارتفع من الماء اذا اشتد عليه الريح {كالجبال} شبه كل موجة من ذلك بالجبل فى عظمتها وارتفاعها على الماء وتراكمها وظاهره يدل على ان السفينة تجرى داخل الموج ولكن المراد ان الامواج لما احاطت السفينة من الجوانب شبهت بالتى تجرى فى داخل الامواج. فان قلت ان الماء ملأ ما بين السماء والارض واذا كذلك لم يتصور الموج فيه فما معنى جريها فيه قلت هذا الجريان كان من قبل ان يغمر الطوفان الجبال ثم كانت السفينة تجرى فى جوف الماء كما تسبح السمكة كما قالوا ولا يلزم الغرق لان الله قادر على امساك الماء على الدخول فى السفينة الا ترى الى الحوت الذى اتخذ سبيله فى البحر سربا [يعنى هرجاكه ما هى ميرفت اب بالاى ومرتفع ايستاد] ومثله من الخوارق فلق البحر لموسى عليه السلام وقومه وجعله تعالى فى الماء كوى متعددة {ونادى} [وآوازداد] {نوح ابنه} قيل اسم ابنه كنعان وقيل يام واختلفوا ايضا فى انه كان ربيبه او ابنه لظهره فذهب اكثر علماء الرسوم الى الاول لان ولد الرسول المعصوم يستبعد ان يكون كافرا ولقراءة على رضى الله عنه ابنها على ان يكون الضمير لامرأته واعلة بالعين المهملة او والعة كما فى التبيان ولقوله {أية : ان ابنى من اهلى} تفسير : دون ان يقول منى. وذهب بعضهم وجمهور علماء الحقيقة قدس الله اسراهم الى الثانى لقوله تعالى {ابنه} وقول نوح {يا بنى} يقول الفقير اما قولهم ولد الرسول يستبعد ان يكون كافرا فمنقوض بابن آدم وهو قابيل والله تعالى يخرج من الميت ويخرج الميت من الحى وعلى هذا تدور حكمته فى مظاهر جلاله وجماله واذا ثبت ان والدى الرسول ووالد ابراهيم عليهما الصلاة والسلام كانوا كافرين فكيف يبعد ان يكون ولد نوح كافرا. واما قراءة على رضى الله عنه قال فانما اسند فيها الابن الى الام لكونها كافرة مثله عادلة عن طريقة نوح فحق ان ينسب الكافر الى الكافر لا الى المؤمن لا لانه اى عليا اعتبر قوله {أية : انه ليس من اهلك} تفسير : فانه وهم. واما قوله {أية : ان ابنى من اهلى} تفسير : فلمواقفة قوله تعالى {أية : واهلك} تفسير : كما لا يخفى. فان قيل انه عليه السلام لما قال {أية : رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا} تفسير : كيف ناداه مع كفره اجيب بان شفقة الابوة لعلها حملته على ذلك النداء والذى تقدم من قوله {أية : الا من سبق عليه القول} تفسير : كان كالمجمل فلعله جوز ان لا يكون هو داخلا فيه كذا فى حواشى ابن الشيخ {وكان} ابنه {فى معزل} مكان منقطع عن نوح وعن دينه لكونه كافرا كما فى الكواشى. وقال فى الارشاد اى فى مكان عزل فيه نفسه عن ابيه واخوته وقومه بحيث لم يتناوله الخطاب باركبوا واحتاج الى النداء المذكور وهو فى محل النصب على انه حال من ابنه والحال يأتى من المنادى لانه مفعول به. والمعزل بكسر الزاى اسم لمكان العزل وهو التنحية والابعاد يقال عزله عنه اذا ابعده [بس ازفرط شفقت كفت] {يا بنى اركب معنا} بادغام الباء فى الميم لتقاربهما فى المخرج [اى بسرك من سوار شودر كشتى باما تا ايمن شوى] ولم يقل اركب فى الفلك لتعينها مع اغناء المعية عن ذكرها {ولا تكن مع الكافرين} فتهلك مثلهم اى لا تكن معهم فى المكان وهو وجه الارض خارج الفلك لا فى الدين وان كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبه معه كونه معه فى الايمان لانه عليه السلام بصدد التحذير عن المهلكة فلا يلائمه النهى عن الكفر كذا فى الارشاد. يقول الفقير الذى يلوح ان المعنى وكان فى معزل اى بمكان عزل فيه نفسه عن ابيه بناء على ظن ان الجبل يعصمه من الغرق يا بنى اركب معنا بان تؤمن بالله ونعوت جماله وجلاله ولا تكن مع الكافرين اى منهم لانه اذا كان معهم مصاحبا لهم فقد كان منهم وبعضهم كقوله تعالى {أية : وكونوا مع الصادقين} تفسير : فان قلت قوله تعالى {أية : واوحى الى نوح انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن} تفسير : يقطع رجاء الايمان فكيف نادى نوح ابنه فى ايمانه قلت ذلك ليس بنص فى حق ابنه مثل قوله {أية : الا من سبق عليه القول} تفسير : مع ان من شان الكمل انه لا يستحيل عندهم مطلوب الى ان يخبرهمالحق بخبار مخصوص فحينئذ يصدقون ربهم ويحكمون باستحالة حصول ذلك المطلوب كحال موسى عليه السلام فى طلب الرؤية لما اخبر بتعذر ذلك تاب وآمن
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن حال السفينة بعد الغرق أنها كانت تجري على الماء في أمواج كالجبال. والجري مرّ سريع كمرّ الماء على وجه الارض. والسفينة تجري بالماء والفرس يجري في عدوه، ويقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر فيها من غير مانع منها. والموج جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة الماء الكثير، ومنه أمواج البحر وأعظم ما يكون إذا اشتدت به الريح، وشبه الله تعالى الامواج بالجبال في عظمها، والجبل جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هولها كالوتد في عظمه، وجمعه اجبال وجبال. وقوله {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} فالمعزل موضع منقطع عن غيره. وكان ابن نوح في ناحية منقطعة عنه حين ناداه وقرأ عاصم {يا بني اركب} بفتح الياء. الباقون بكسرها. وفي قوله {يا بني} ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء الأصل، وياء الاضافة. وفي قوله {أية : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين}تفسير : ياآن، ياء الجمع، وياء الاضافة. قال أبو علي الفارسي: الوجه كسر الياء، لأن اللام من (ابن) ياء أو واو، وحذفت من (ابن) كما حذفت من (إسم) فاذا حقرت ألحقت ياء التحقير، لزم أن ترد اللام الذي حذفت لأنك لو لم تردها لوجب أن تحرك ياء التصغير بحركات الاعراب، وهي لا تحرك أبداً بحركات الاعراب ولا غيرها، فاذا أضفته إلى نفسك أجتمعت ثلاث ياءآت:، الأولى التي للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة هي التي للاضافة تقول: بني، فاذا ناديت جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، فمن قال يا عبادي فأثبت الياء فقياسه أن يقول يا بنيّ، ومن قال يا عباد يقول يا بنيّ حذفت التي للاضافة، وابقيت الكسرة دلالة عليها. وهذا هو الجيد عندهم. ومن فتح الياء أراد الاضافة كما أرادها في قوله يا بنيّ اذا كسر الياء التي هي آخر الفعل، كأنه قال يا بني ثم أبدل من الكسرة الفتحة، ومن الياء الالف. فصار (يا بنيّا) كما قال: شعر : يا بنت عما لا تلومي واهجعي تفسير : ثم حذفت الالف كما كانت تحذف الياء: في يا بني إنها، وقد حذفت الياء التي للاضافة إذا أبدلت الألف منها قال أبو الحسن: شعر : فلست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو أني تفسير : كذلك سمع من العرب، فقوله: بلهف إنما هو بلهفا، فحذفت الالف. قال أبو عثمان: ووضع الالف مكان الياء في الاضافة مطرد وأجاز يا زيد اقبل إذا أردت الاضافة.
الجنابذي
تفسير : وورد فى الاخبار انّه لم يكن ابنه انّما كان ابن امرأته وفى لغة طىّ يقال لابن المرأة ابنه بفتح الهاء وقد ورد قراءة علىّ (ع) والباقر (ع) والصّادق (ع) بفتح الهاء وروى ابنها والضّمير لامرأته.
الهواري
تفسير : قوله: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ. قَالَ سَئَاوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} يعني الذين كانوا في السفينة { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ} أي: بين ابن نوح وبين الجبل {فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}. { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} أي: ابلعي ما كان عليك { وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} أي: ونقص الماء. غاض فذهب، أي نَشِفَتْه الأرض، وقال بعضهم: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ}، أي: ابلعي ما كان عليك، {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} أي: أمسكي، وغيض الماء والغيضوضة: ذهابه. [ { وَقُضِيَ الأَمْرُ} أي فرغ منه، يعني هلاك قوم نوح]. قال: { وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ} أي: السفينة. والجودي جبل بالجزيرة بموضع يقال له: باقِردَى. قوله: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} قال مجاهد: وهلك قوم نوح. قال بعضهم: قال الله لآدم عليه السلام: يا آدم، أَهبِط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطافَ آدم ومن معه من المؤمنين. فلما كان زمان الطوفان، حيث أغرق الله قوم نوح، رفعه الله وطهّره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معموراً في السماء. قال: وبلغنا أن السفينة لما أرادت أن تقف تطاول لها الجبال، كل جبل منها أحب أن تقف عليه، وتواضع الجودي، فجاءت حتى وقفت عليه. وقال بعضهم: أبقاها الله بباقردي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة بعدها صارت رماداً. قوله: { وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمينَ} أي المشركين، قوم نوح.
اطفيش
تفسير : {وَهى تَجْرى بِهم} كلام مستأنف فى الإخبار عنها فيما ظهر لى، وذكر القاضى تبعا لجار الله أنه متصل بمحذوف دل عليه: {اركبوا} أى فركبوا مسمين وهى تجرى وهم فيها {فى مَوْجٍ} أى وسط الموج أو تشقه أو مع الموج {كالجِبالِ} كل موجة كالجبل عظما وارتفاعا، وهى الماء المرتفع عند الاضطراب، وهذا دليل على أن الماء لم يطبق ما بين السماء والأرض، فإن الموج فوق الماء، ولما روى أنه جعل لها بابا وكوى فى وسطها، وأن أهلها أظلمت أعينهم بالنظر إلى الماء حتى نوحا، فأمروا بالاكتحال بالأثمد يوم عاشوراء الذى خرجوا فيه منها. قال ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم تمرد عيناه أبدا" تفسير : وإنما على الماء شوامخ خمسة عشر ذراعا، ذكره ابن عباس، وقيل: أربعين ذرعا. وقال جار الله: إن الماء طبق ما بين السماء والأرض، وإن الفلك تجرى جوف الماء كالحوت، وقيل: بين ماء الأرض وما السماء، فتكون غير مفتوحة الأعلى، ويكون بابها مغلقا بحيث لا ينفذه الماء، وإنما جعل ليدخلوا منه أولا، ويخرجوا منه آخرا، وكذا الكوى غلقت عند وصول الماء إليها، ويكون الموج قبل التطبيق، فيكونون يستضيئون بنحو مصباح أو جوهرة، ثم رأيت التلاتى ذكر أنهم يعرفون بعضهم بعضا، وينظرون مصالحهم بنور جوهرة فى صدرها، وإذا زال علموا بالليل، ويعرفون الصبح بصراخ الديك، سبحان الله القدوس، وروى أن نصف الماء من السماء أخضر، ونصفه من الأرض أبيض. قال فى عرائس القرآن، طافت السفينة بأهلها الأرض كلها ستة أشهر، وطافت بالحرم سبعا ولم تدخل، وقيل: دخلته، وطافت بالبيت سبعا أعنى بموضعه وهو يسمع تلبيتها، وقد رفع الله البيت، وخبأ جبريل الحجر الأسود فى أبي قبيس، ومرت قبل ذلك على بيت المقدس، فقالت له: هذا موضع بيت المقدس، ولا تمر على موضع إلا أخبرته به. قالت عائشة رضى الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبى خشيت عليه الغرق، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى أعلى الجبل فارتفعت حتى بلغت قمته، ولما بلغها الماء خرجت حتى استوت فى الجبل، وحملت الصبى، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء" تفسير : وهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى لم يعقم أرحام نسائهم، وأن فيهم من لم يبلغ، ولا مانع من إغراق من لم يبلغ، كما أهلك أنواع الحيوان كله غير ذكر وأنثى من كلٍّ، وكما أهلك من لم يبلغ من الأمم مع من بلغ كقوم هود وصالح. فلله فعل ما شاء فى ملكه وهو الحكيم، فإن الله سبحانه أغرق أهل الأرض إلا من فى السفينة وقوما سيأتى ذكرهم فى سورة نوح، قيل: وإلا عوج بن عانق، وكان يشرب من السحاب، ويتناول الحوت من قمر البحر ويشوبه لعين الشمس ويأكله، ويرد شيَّه لعين الشمس أن حرارة الشمس حيث السحاب وما فوقه لا تبلغ الشئ، وما هى إلا فوق حرارتها فينا بيسير قال لنوح: احملنى معك، فقال: لا يا عدو الله، فإنى لم أومر بذلك، وما بلغ ماء الطوفان ركبتيه، وقيل: بلغ خاصرته، وسبب نجانته فيما قالوا أنه حمل خشب الساج من الشام لنوح، وكان ولد زنى، وعناق أمه ولد فى حياة آدم عليه السلام، وعاش ثلاثة آلاف سنة وستمائة سنة، ولم يعش هذه المدة غيره، وقيل: عاش ألف سنة، وأعان نوحا على عمل الفلك، وقال له يوما: أشبعنى يا نوح، فأتاه بثلاثة أقراص من خبز شعير وغطى به رأسه وقال له: قل بسم الله الرحمن الرحيم فقالها فشبع بقرص ونصف، وقال: كنت أظن أنى لا يشبعنى طعام الدنيا كلها حكاه التلاتى. وقيل: قال لا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فأكل فشبع، وذكر ابن كثير وابن القيم أنه لم يكن عوجا، وأنه كذب من أهل الكتاب، وذكر السيوطى أنه من بقية قوم عاد، وأن طوله نحو مائة ذراع لا ما قالوا، وأن موسى قتله، وذكر بعض أنه ولد زنى لأخت نوح. {ونَادَى نوحٌ ابنَهُ} اسمه كنعان، وقيل: بام وهو كافر، وقرأ على بن أبى طالب ابنها، وقرأ ابنه محمد ابنه بفتح الهاء وإسقاط الألف اكتفاء بالفتحة، إما على أنه ابن لها دونه وهو ربيبه كما قال اللقانى، ومحمد بن جعفر الباقر، وإما على أنه ولد زنى كما قال الحسن ومجاهد، ولم يعلم به نوح، وقيل: علم ورد بأن نساء الأنبياء معصومة من ذلك، وأما: {أية : فخانتاهما} تفسير : فالمراد به الخيانة فى الدين، وأما: {أية : إن ابنى من أهلى} تفسير : فليس نصا إذ لم يقل إن ابنى منى، فقال الله: إنه ليس من أهلك الناجين، أو توهم أن الربيب كالابن فقال: إنه من أهلى، فقال الله: إنه ليس كالابن، وإنه كافر. قال الحسن: والله ما كان ابنه، فقال قتادة: إن أهل الكتاب لا يختلفون أنه ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، وقرأ السدى: ونادى نوح ابنه بألف الندبة، وهاء السكت، وإنما ساغ حذف حرف الندبة لكون ذلك حكاية ولدلالة الألف. {وكانَ} الواو للحال بلا تقدير قد، وأوجب تقديرها {فى مَعْزِلٍ} أى موضع عزل، فهو اسم مكان، وهو موضع عزل فيه نفسه عن السفينة، أو عن أبيه، أو عن دين أبيه، أو شبه دين الكفر بموضع استقر عليه، وعزل فيه نفسه عن دين أبيه. {با بُنىَّ} أصله بنيو أبدلت الواو وهى لام الكلمة ياء، وأدغمت فيها ياء للتصغير، وحذفت ياء الإضافة التى بعد الواو اكتفاء بالكسرة لا للساكن بعدها وهو الراء، وإلا كتبت فى الخط، ولو حذفت خطا، اللهم إلا أن يقال: حذفت فى الخط تبعا للفظ من شذوذ خط المصحف، وذلك قراءة الجمهور فى القرآن، إلا ابن كثير، فإنه أثبت بالإضافة فى الموضع الأول من لقمان باتفاق الرواة عنه حال الوقف، وفى الثالث فى رواية قنبل وإلا عاصما فإنه فتح الياء هنا اقتصارا على الألف المحذوفة المبدلة من ياء الإضافة، وإنما حذفت الألف تخفيفا للساكن بعدها، وإلا ثبتت فى الخط إلا أن يقال كما مر حذفت من الخط شذوذا أو اختلف الرواة عنه فى سائر المواضع، وقرأ السدى يا ابناه بألف الندبة وهاء السكت. {ارْكَبْ مَعَنا} فى السفينة، وأدغم الباء فى الميم أبو عمرو والكسائى وحفص لتقاربها {ولا تَكُن مَع الكَافِرينَ} فى دينهم، بل أسلم واركب معنا فتنجو، وذلك واضح من أنه يكون خفى عليه كفره.
اطفيش
تفسير : {وَهِى تَجْرِى بِهِمْ} حال حذف عامله وصاحبه، أى فركبوا وهى تجرى بهم، وهى حال مقدرة، وشهر أَن الجملة لا تكون حالا مقدرة، وإِنما قلت لأَنها وقت إِيقاع الركوب قارة {فِى مَوْجٍ} متعلق بتجرى وهو مياه مضطربة مترافعة كل موجة كالجبل كما قال {كَالْجِبَالِ} نعت موج ولا يثبت ما قيل أن الماءَ طبق بين السماءِ والأَرض وجرت فى وسطه وعلى تقدير صحته، الله قادر أَن يكون الموج داخل الماءِ وأَن يجريها فيه أَو ذلك قبل التطبق، والمشهور أَن الماءَ علا على كل جبل أَربعين ذراعا، وقيل خمسة عشر ذراعا، وروى أَن الله عز وجل أَرسل الماءَ أَربعين يوما وليلة نصف الماءِ من الأَرض ونصف من السماءِ، ففتحنا أَبواب السماءِ بماءٍ منهمر وفجرنا الأَرض عيونا، وروى أَن امرأَة أَحبت صبيا لها حبا شديدا. فارتفعت به إلى الجبل، فما زال يرتفع فترتفع هى حتى بلغ الماءُ أَعلى الجبل، فلما بلغ الماءُ رقبتها رفعته بيديها فأَغرقهما الماءُ. فلو رحم الله أَحدا منهم لرحمها وصبيها، وهذا ينافى ما شهر أَن الله أَعقم أَرحام نسائِهم أَربعين عاما، ليغرقوا على أَبلغ العقل كافرين. ولعله لم يصح هذا، أَو لم يصح شأْن الصبى أَو خصت بالولادة وأَلغز بعضهم فى السفينة: شعر : مكسحة تجرى ومكفوفة ترى وفى بطنها حمل على ظهرها يعلو فإِن عطشت عاشت وعاش جنينها وإِن شربت ماتت وفارقها الحمل تفسير : أَى إِن دخلها الماءُ غرقت ومات من فيها {وَنَادَى نُوحٌ} قبل أَن ينقطع الطريق إِلى الفلك أَو مطلقا كقدرة الله أَن يحمله على الماءِ إِليها والأَول أَولى وهذا قبل الركوب فيها {ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ} وهو ابنه كنعان ابن امرأَته الخائِنة فى دينه، وقيل ربيبه سماه ابنا وهو ضعيف، ومعزل اسم مكان ميمى، أَى فى موضع عزل عن السفينة، وذلك حقيقة، وقيل فى موضع عزل عن دين نوح، وذلك الموضع هو دين الكفر سماه موضعا مجازا أَو هو مصدر ميمى، أَى فى عزل عن دين نوح وقيل كان فى موضع عزل لم يتناوله الخطاب باركبوا على أَنه لم يكن عند أَبيهِ وإِخوته وقومه، وكان ينافق بإِظهار الإِسلام فظنه مؤمنا وإِلا فإِنه لا يجب نجاته، ومعنى لم يتناوله الخطاب أَنه لا يسمعه، وقيل كان يجانب الكفار ولا يكون معهم ليظن أَبوه أَنه مؤمن، أَو طمع أَن لا يدخل فى إِجمال من سبق عليه القول. وقد يمكن أَن يناديه لغلبة الشفقة على الولد وحبه بحيث لا يملك نفسه، أَو ظن أَنه يسلم حين رأَى الغرق والهول، أَو معنى اركب معنا اسلم لأَن الإِسلام سبب للكون وملزوم له {يَا بُنَىَّ} الأَصل بنيوى قلبت الواو وهى لام الكلمة ياءً وأُدغمت فيها ياءُ التصغير وحذفت ياءُ الإِضافة ودلت عليها الكسرة {ارْكَب مَّعَنَا} معشر المسلمين فى الفلك، ولم يذكره لحضوره ولأَنه لا مركب حينئِذ إِلا هو {وَلاَ تكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} فى الدين والانعزال عن السفينة، وكأَنه قيل فبم أَجاب فقال: {قَالَ سَآوِى} أَلتجىءُ {إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ} لعلوه فلا أَغرق وذلك إِسناد إِلى السبب، والأَصل أَعتصم به من الماءِ، ولا يدرى أَن ذلك ماءُ الغضب لا ينجو منه المغضوب عليه بالصعود فى الجبل، ولم يستحضر أَنه إِن نجا من الغرق فما يأْكل فى الجبل حتى يزول الماءُ مع أَن ذلك الماءَ ماءُ غضب لا ينجو من العطش وهو كافر إِجماعا، لكن صعوده إِلى الجبل لا يلزم أَن يكون صريع عناد لاحتمال أَنه أَراد الجبل لتوهمه أَنه أَنجى من السفينة أَو لكراهة الاحتباس فى السفينة. {قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ} بمعنى أَن اليوم يوم شدة لا تجاوز فيه، فليس قيدا يحترز به عن أَن يكون راحم غير الله فى غير اليوم، ولا أَن يرحمهم الله بعد ذلك اليوم، وأَمر الله إِهلاكه بالإِغراق وهو الأَمر فى قوله تعالى {أية : حتى إِذا جاءَ أَمرنا} تفسير : [هود: 40]، واليوم خبر وجاز ولو كان إِخبار بزمان عن جثة ولا سيما لأَنه أَفاد أَن عاصم لا نسلم أَنه جثة بل أَعم منها، ومن أَمر متعلق به أَو متعلقه، ولقد قدر الخبر محذوفا أَى موجود وعلق اليوم ومن بعاصم لنون عاصم ونصب وقيل يتعلقان به وبناؤه باق، وقيل معرب ولم ينون للتخفيف ولشبه الإِضافة والخبر مقدر، كما رأَيت وأُجيز كون اليوم نعتا لعاصم على حد ما مر فى الإِخبار به {إِلاَّ مَنْ رَّحِمَ} الله والاستثناءُ منقطع لأَن من رحم الله ليس من جنس العاصم. بل معصوم أَى لكن من رحمه الله يعصمه الله، وذلك بالإِسلام كأَنه قيل: لا عاصم إِلا مرحوم والمرحوم ليس عاصما، وكذا يكون الاستثناءُ منقطعا إِن قلنا عاصما بمعنى معصوم، فإِن من رحم هو الله ولا يتصور أَن يكون معصوما فإِنه العاصم، ويجوز أَن يكون الاستثناءُ متصلا بأَن يكون عاصم للنسب، أَى لا ذا عصمة إِلا الله الراحم، أَو على أَصله أَى لا عاصم إِلا الله الراحم، وهو أَولى، أَو لا عاصم بمعنى معصوم فكأَنه قيل لا معصوم إِلا المرحوم الذى رحمه الله، ويدل له قراءَة بتاءِ رحم للمفعول كدافق بمعنى مدفوق، أَو لا مكان عاصم إِلا مكان من رحمة الله وهو السفينة، فيكون ردا لقول ابنه لى مكانا عاصما غير السفينة وهو الجبل رد إِفراد، وحاصل ذلك أَن عاصم على أَصله أَو للنسب أَو بمعنى مفعول، ومن رحم هو الله أَى الله الراحم لغيره، أَو من رحم هو المخلوق أَى إِلا المخلوق الذى رحمه الله، وضمير رحم عائِد إِلى الله، والهاءُ المحذوفة الرابطة تعود إِلى المخلوق والحاصل والزيادة لا عاصم لكن من رحم الله معصوم بالله، ولا ذا عصمة أَى معصوم إِلا من رحمه الله أَو معصوم إِلا الراحم، أَى لكن الراحم يعصم ولا عاصم إِلا مكان من عصمه الله تعالى وهو السفينة، أَو لا معصوم إِلا مكان من رحمه الله، وهو الفلك فينجو من فيه أَو لا عاصم اليوم أَحدا أَو لأَحد إِلا من رحمه الله أَو لمن رحمه الله. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا} بين نوح وابنه، وهذا لقربه أَولى من أَن يرجح الضمير لابنه والسفينة، ووجه هذا أَنها محل الامتناع فساغ اعتبارها، وكذا يجوز أَن يراد بين ابنه وبين الجبل بأَن لم يتصل الجبل بل غرق قبل صعوده، كما روى أَنه على فرس معجبا بنفسه بطرا فجاءَته موجة فأَغرقته قبل تمام جوابه كما قال الله عز وجل، وحال بينهما {الْمَوْجُ فَكَانَ مِن الْمُغْرَقِينَ} بالماءِ.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَهِىَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} جوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون مستأنفاً، الثاني: أن يكون حالاً من الضمير المستتر في {أية : بِسْمِ اللَّهِ }تفسير : [هود:41] أي جريانها استقر بسم الله حال كونها جارية، الثالث: أنه حال من شيء محذوف دل عليه السياق أي فركبوا فيها جارية، والفاء المقدرة للعطف، و {بِهِمُ} متعلق ـ بتجري ـ أو بمحذوف أي ملتبسة والمضارع لحكاية الحال الماضية ولا معنى للحالية من الضمير المستتر في الحال الأولى كما لا يخفى، والموج ما ارتفع من الماء عند اضطرابه، واحده موجة و {كَٱلْجِبَالِ} في موضع الصفة لموج أي في موج مرتفع متفاوت في الارتفاع متراكم، قيل: إنها جرت بهم في موج كذلك وقد بقي منها فوق الماء ستة أذرع، واستشكل هذا الجريان مع ما روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وأن السفينة كانت تجري في داخله كالسمك، وأجيب بأن الرواية مما لا صحة لها ويكاد العقل يأبـى ذلك، نعم أخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن عساكر وعبد بن حميد من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن الماء علا رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً على أنه لو سلم صحة ما ذكر فهذا الجريان كان في ابتداء الأمر قبل أن يتفاقم الخطب كما يدل عليه قوله سبحانه: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} الخ فإن ذلك إنما يتصور قبل أن تنقطع العلاقة بين السفينة والبر إذ حينئذٍ يمكن جريان ما جرى بين نوح عليه السلام وبين ابنه من المفاوضة والاستدعاء إلى السفينة، والجواب بالاعتصام بالجبل. وقال بعض المحققين: إن هذا النداء إنما كان قبل الركوب في السفينة والواو لا تدل على الترتيب. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ (ابنها) على أن ضمير التأنيث لامرأته، وفي إضافته إليها إشعار بأنه ربيبه لأن الإضافة إلى الأم مع ذكر الأب خلاف الظاهر وإن جوزوه، ووجه بأنه نسب إليها لكونه كافراً مثلها. وما يقال من أنه كان لغير رشدة لقوله سبحانه: {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم:10] فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن الله تعالى قد طهر الأنبياء عليهم السلام عما هو دون ذلك من النقص بمراحل فحاشاهم ثم حاشاهم أن يشار إليهم بأصبع الطعن وإنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين، ونسبة هذا القول إلى الحسن ومجاهد ـ كما زعم الطبرسي ـ كذب صريح. وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم {ابنه} بهاء مفتوحة دون ألف اكتفاءاً بالألف عنها وهو لغة ـ كما قال ابن عطية ـ ومن ذلك قوله:شعر : أما تقود بها شاة فتأكلها أو أن تبيعه في بعض الأراكيبتفسير : قيل: وهو ضعيف في العربية حتى خصه بعضهم بالضرورة والضمير للأم أيضاً، وقرأ ابن عباس (ابنه) بسكون الهاء، وهي على ما قال ابن عطية وأبو الفضل الرازي لغة أزد فإنهم يسكنون هاء الكناية من المذكر، ومنه قوله: شعر : ونضواي مشتاقان له أرقان تفسير : وقيل: إنها لغة لبني كلاب وعقيل، ومن النحويين من يخص هذا السكون بالضرورة وينشد:شعر : / وأشرب الماء ما بـي نحوه عطش إلا لأن عيونه سيل واديها تفسير : وقرأ السدي ـ ابناه ـ بألف وهاء سكت، وخرج ذلك على الندبة، واستشكل بأن النحاة صرحوا بأن حرف النداء لا يحذف في الندبة، وأجيب بأن هذا حكاية، والذي منعوه في الندبة نفسها لا في حكايتها، وعن ابن عطية ـ أبناه ـ بفتح همزة القطع التي للنداء، وفيه أنه لا ينادي المندوب بالهمزة، وأن الرواية بالوصل فيها والنداء بالهمزة لم يقع في القرآن، ويبعد القول بالندبة أنها لا تلائم الاستدعاء إلى السفينة بعد كما لا يخفى ولو قيل: إن ابناه على هذه القراءة مفعول ـ نادى ـ أيضاً كما في غيرها من القراءات، والألف للإشباع والهاء الساكنة هاء الضمير في بعض اللغات لم يكن هناك محذور من جهة المعنى وهو ظاهر، نعم يتوقف القول بذلك على السماع في مثله؛ ومتى ثبت تعين عندي تخريج القراءة إن صحت عليه، وقرأ الجمهور {ٱبْنَهُ} بالإضافة إلى ضمير {نوح} ووصلوا بالهاء واواً وتوصل في الفصيح، وتنوين {نوح} مكسور عند الجمهور دفعاً لالتقاء الساكنين، وقرأ وكيع بضمه اتباعاً لحركة الإعراب. وقال أبو حاتم: هي لغة سوء لا تعرف. {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته ومن آمن من قومه، والمراد بعده عنهم إما حساً أو معنى، وحاصله المخالفة لهم في الدين فمعزل بالكسر اسم مكان العزلة، وهي إما حقيقية أو مجازية، وقد يكون اسم زمان، وإذا فتح كان مصدراً، وقيل: المراد كان في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم، وظن نوح عليه السلام أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى السفينة، وقيل: إنما ناداه لأنه كان ينافقه فظن أنه مؤمن، واختاره كثير من المحققين كالماتريدي وغيره، وقيل: كان يعلم أنه كافر إلى ذلك الوقت لكنه عليه السلام ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال وبلوغ السيل الزبـى ينزجر عما كان عليه ويقبل الإيمان، وقيل: لم يجزم بدخوله في الاستثناء لما أنه كان كالمجمل فحملته شفقة الأبوة على أن ناداه: {يٰبُنَيَّ} بفتح الياء التي هي لام الكلمة اجتزاءاً بالفتحة عن الألف المبدلة من ياء الإضافة في قوله يا بنيا، وقيل: إنها سقطت لالتقائها ساكنة مع الراء الساكنة بعدها، ويؤيد الأول أنه قرىء كذلك حيث لا ساكن بعد. ومن الناس من قال: فيه ضعف على ما حكاه يونس من ضعف يا أب ويا أم بحذف الألف والاجتزاء عنها بالفتحة. وقرأ الجمهور بالكسر اقتصاراً عليه من ياء الإضافة، وقيل: إنها حذفت لالتقاء الساكنين كما قيل ذلك في الألف، ونداؤه بالتصغير من باب التحنن والرأفة، وكثيراً ما ينادي الوالد ولده كذلك {ٱرْكَبَ مَّعَنَا} أي في السفينة ولتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع إغناء المعية عن ذكرها لم تذكر، وأطلق الركوب وتخفيف الباء وإدغامها في الميم قراءتان سبعيتان ووجه الإدغام التقارب في المخرج {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تأكيد للأمر وهو نهي عن مشايعة الكفرة والدخول في غمارهم، وقطع بأن الدخول فيه يوجب الغرق على الطريق البرهاني.
ابن عاشور
تفسير : {وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ}. جملة معترضة دعا إلى اعتراضها هنا ذكر (مجراها) إتماماً للفائدة وصفاً لعظم اليوم وعجيب صنع الله تعالى في تيْسير نجاتهم. وقدم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوّي الحكم وتحقيقه. وعدل عن الفعل الماضي إلى المضارع لاستحضار الحالة مثل قوله تعالى: {أية : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً}تفسير : [فاطر: 9]. والموج: ما يرتفع من الماء على سطحه عند اضطرابه، وتشبيهه بالجبال في ضخامته. وذلك إما لكثرة الرياح التي تعلو الماء وإما لدفع دفقات الماء الواردة من السيول والتقاء الأودية الماءَ السابقَ لها، فإن حادث الطوفان ما كان إلاّ عن مثل زلازل تفجرت بها مياه الأرض وأمطار جمّة تلتقي سيولها مع مياه العيون فتختلط وتجتمع وتصب في الماء الذي كان قبلها حتى عم الماء جميع الأرض التي أراد الله إغراق أهلها، كما سيأتي. عطفت جملة {ونادى} على أعلق الجمل بها اتّصالاً وهي {أية : وقال اركبوا فيها}تفسير : [هود: 41] لأن نداءه ابنه كان قبل جريان السفينة في موج كالجبال، إذ يتعذر إيقافها بعد جريها لأن الراكبين كلّهم كانوا مستقرين في جوف السفينة. وابن نوح هذا هو ابن رابع في أبنائه من زَوج ثانية لنوح كان اسمها (وَاعلة) غرقت، وأنّها المذكورة في آخر سورة التحريم. قيل كان اسم ابنه (ياماً) وقيل اسمه (كنعان) وهو غير كنعان بن حام جد الكنعانيين. وقد أهملت التوراة الموجودة الآن ذكر هذا الابن وقضية غرقه وهل كان ذا زوجة أو كان عزباً. وجملة {وكان في معزل} حال من {ابنه}. والمعْزل: مكان العزلة أي الانفراد، أي في معزل عن المؤمنين إمّا لأنه كان لم يؤمن بنوح ـ عليه السلام ـ فلم يصدق بوقوع الطوفان، وإما لأنّه ارتد فأنكر وقوع الطوفان فكفر بذلك لتكذيبه الرسول. وجملة {يا بنيّ اركب معنَا} بيان لجملة {نادى} وهي إرشاد له ورفق به. وأما جملة {ولا تكن مع الكافرين} فهي معطوفة على جملة {اركب معنا} لإعلامه بأنّ إعراضه عن الركوب يجعله في صف الكفار إذ لا يكون إعراضه عن الركوب إلاّ أثراً لتكذيبه بوقوع الطوفان. فقول نوح ـ عليه السّلام ـ له {اركب معنا} كناية عن دعوته إلى الإيمان بطريقة العرض والتحذير. وقد زاد ابنَه دلالة على عدم تصديقه بالطوفان قولُه متهكماً {سَآوي إلى جبل يعصمني من الماء}. و(بنيّ) تصغير (ابن) مضافاً إلى ياء المتكلم. وتصغيره هنا تصغير شفقة بحيث يجعل كالصغير في كونه محل الرحمة والشفقة. فأصله بُنَيْو، لأنّ أصل ابن بَنْو، فلما حذفوا منه الواو لثقلها في آخر كلمة ثلاثية نقصَ عن ثلاثة أحرف فعوّضوه همزة وصل في أوله، ومهما عادتْ له الواو المحذوفة لزوال داعي الحذف طرحت همزة الوصل، ثم لمّا أريد إضافة المصغّر إلى ياء المتكلم لزم كسر الواو ليصير بُنَيْوِيّ، فلما وقعت الواو بين عدوتيها الياءين قلبت ياء وأدغمت في ياء التصغير فصار بنَيّي بياءين في آخره أولاهما مشدّدة، ولما كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم يجوز حذف ياء المتكلم منه وإبْقاء الكسرة صار {بنَيّ} ـ بكسر الياء مشدّدة ـ في قراءة الجمهور. وقرأه عاصم {بنيّ} بفتح ياء المتكلم المضاف إليها لأنها يجوز فتحها في النداء، أصله يَا بنَيّيَ بياءين أولاهما مكسورة مشدّدة وهي ياء التصغير مع لام الكلمة التي أصلها الواو ثم اتصلت بها ياء المتكلم وحذفت الياء الأصلية. وفصلت جملة {قال سآوي} وجملة {قال لا عاصم} لوقوعهما في سياق المحاورة. وقوله: {سآوي إلى جبل} قد كان قبل أن يبلغ الماء أعالي الجبال. و(آوي): أنزل، ومصدره: الأوِيّ ـ بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء ـ. وجملة {يعصمني من الماء} إمّا صفة لـ(جبل) أي جبل عال، وإمّا استيناف بياني، لأنّه استشعر أن نوحاً ـ عليه السّلام ـ يسأل لماذا يأوي إلى جبل إذ ابنه قد سمعه حين ينذر الناس بطوفان عظيم فظن الابن أن أرفع الجبال لا يَبلغه الماء، وأنّ أباه ما أراد إلا بلوغ الماء إلى غالب المرتفعات دون الجبال الشامخات. ولذلك أجابه نوح ـ عليه السّلام ـ بأنّه {لا عاصم اليوم من أمر الله}، أي مأموره وهو الطوفان {إلاّ مَن رحم}. واستثناء {مَن رحم} من مفعول يتضمنه (عَاصم) إذ العاصم يَقتضي معصوماً وهو المستثنى منه. وأراد بـ{من رحم} من قدّر الله له النجاة من الغرق برحمته. وهذا التقدير مظهره الوحي بصنع الفلك والإرشاد إلى كيفية ركوبه. والموج: اسم جمع مَوجة، وهي: مقادير من مَاء البحر أو النهر تتصاعد على سطح الماء من اضطراب الماء بسبب شدة رياح، أو تزايد مياه تنصبُّ فيه، ويقال: مَاجَ البحر إذا اضطرب ماؤه. وقالوا: مَاجَ القوم، تشبيهاً لاختلاط النّاس واضطرابهم باضطراب البحر. وحيلولة الموج بينهما في آخر المحاورة يشير إلى سرعة فيضان الماء في حين المحاولة. وأفاد قوله: {فكان من المغرقين} أنه غرق وغرق معه من توعّده بالغرق، فهو إيجاز بديع.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} الآية. ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ماء عظيم، أمواجه كالجبال. وبين جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في مواضع أخر. كقوله: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}تفسير : [الحاقة: 11 - 12] وقوله: {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}تفسير : [القمر: 11 - 15]. وبين في موضع آخر: أن أمواج البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه كالجبال أيضاً بقوله: {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63] والطود: الجبل العظيم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 42- ونزلوا فى السفينة، فصارت تجرى بهم سائرة فى موج يعلو ويرتفع، حتى يصير كالجبال فى علوها، وفى ابتداء سيرها تذكر نوح ابنه بعاطفة الأبوة، وقد كان فى معزل عن دعوة أبيه فناداه: اركب معنا يا بُنى ولا تكن مع الجاحدين بدين الله تعالى. 43- لم يطع الولد أباه الشفيق، وقال: سأتخذ مأوى لى مكاناً يمنعنى من الماء، فقال الأب العالم بقضاء الله فى شأن العصاة: يا بُنى لا يوجد ما يمنع من حكم الله تعالى بالإغراق للظالمين، وغاب الولد عن أبيه الناصح بالموج المرتفع؛ فكان مع المغرقين الهالكين الجاحدين. 44- وبعد أن هلك الجاحدون بالإغراق، جاء أمر الله التكوينى، فقيل بحكم التكوين: ابْلَعى ماءك أيتها الأرض، وامتنعى عن إنزال الماء أيتها السماء، فذهب الماء من الأرض، ولم تمد بشئ من السماء، وانتهى حكم الله بالإهلاك واستوت الفلك، ووقفت عند الجبل المسمى بالجودى، وقضى الله بإبعاد الظالمين عن رحمته، فقيل: هلاكاً للقوم الظالمين بسبب ظلمهم. 45- ثارت الشفقة فى قلب نوح على ابنه، فنادى رَبَّه ضارعاً مشفقاً فقال: يا خالقى ومنشئى، إن ابنى قطعة منى، وهو من أهلى. وقد وعدت أن تنجى أهلى، وإن وعدك حق ثابت واقع، وأنت أعدل الحاكمين، لأنك أعلمهم، ولأنك أكثر حكمة من كل ذوى الحكم. 46- قال الله سبحانه: إن ابنك ليس من أهلك، إذ أنه بكفره وسيره مع الكافرين قد انقطعت الولاية بينك وبينه، وقد عمل أعمالا غير صالحة، فلم يصر منك، فلا تطلب ما لا تعلم: أهو صواب أم خطأ؟ ولا تَسِرْ وراء شفقتك وإنى أرشدك إلى الحق لكيلا تكون من الجاهلين الذين تنسيهم الشفقة الحقائق الثابتة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰبُنَيَّ} {ٱلْكَافِرِينَ} (42) - وَكَانَتِ السَّفِينَةُ تَجْرِي بِرَاكِبِيهَا عَلَى وَجْهِ المَاءِ فِي أَمْوَاجٍ كَالجِبالِ بَعْدَ أَنْ غَطّى المَاءُ الأَرْضَ، وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ، وَكَانَ كَافِراً، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُؤْمِنَ وَيَرْكَبَ مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ، لِكَيْلاَ يَغْرَقَ كَمَا سَيَغْرَقُ الآخَرُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، وَكَانَ الابْنُ يَقِفُ فِي مَكَانٍ مُنْعَزِلٍ عَزَلَهُ المَاءُ وَأَحَاطَ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. مَعْزِلٍ - مَكَانٍ مُنْعَزِلٍ عَزَلَهُ المَاءُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وجرت بهم السفينة، لا بين موج هائج فحسب، ولكن كان الموج كالجبال، وهذا يدل على أنها مُسيَّرة بقوة عالية لا تؤثر فيها الأمواج، ثم يجيء الحديث عن عاطفة الأبوة حين ينادي نوح ابنه: {.. وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} [نوح: 42]. ورفض الابن مطلب أبيه معتمداً على أن الجبل يحميه. وفي هذا يقول الحق سبحانه مبيناً مُراد الابن في مُخالفة مراد أبيه: {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 354 : 5 : 15 - سفين عن أبي عامر عن الضحاك عن بن عباس في قوله {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} قال، هو ابنه. ما بغت امرأة نبي قط. [الآية 42].
همام الصنعاني
تفسير : 1215- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، قال: كنت عند الحسن فقال: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ}: [الآية: 42]، لَعْمرُ اللهِ ما هو ابْنُه. قال: قُلْتُ: يا أبا سعيد يقول الله تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ}، وتقول: ليْسَ بابْنِه؟ قالأ: أفرأيت قوله {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : : [الآية: 46]، قال: قلت إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أنْ أُنَجيَهُمْ مَعَكَ، وَلاَ يَخْتَلِفُ أهْلُ الكتابِ أنه ابْنُه قال: إن أهل الكتاب يكذبون. 1216- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة، وغيره عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. 1217- وقال عكرمة في بَعْضِ الحروف: إنَّهُ عمل عَمَلاً غَيْرَ صالِح. فالخيانة تكون عَلى غير باب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):