Verse. 1517 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَقِيْلَ يٰۗاَرْضُ ابْلَعِيْ مَاۗءَكِ وَيٰسَمَاۗءُ اَقْلِـعِيْ وَغِيْضَ الْمَاۗءُ وَقُضِيَ الْاَمْرُ وَاسْـتَوَتْ عَلَي الْجُوْدِيِّ وَقِيْلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظّٰلِــمِيْنَ۝۴۴
Waqeela ya ardu iblaAAee maaki waya samao aqliAAee wagheeda almao waqudiya alamru waistawat AAala aljoodiyyi waqeela buAAdan lilqawmi alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقيل يا أرض ابلعي ماءك» الذي نبع منك فشربته دون ما نزل من السماء فصار أنهارا وبحارا «ويا سماء أقلعي» أمسكي عن المطر فأمسكت «وغيض» نقص «الماء وقضي الأمر» تم أمر هلاك قوم نوح «واستوت» وقفت السفينة «على الجودِي» جبل بالجزيرة بقرب الموصل «وقيل بُعدا» هلاكا «للقوم الظالمين» الكافرين.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذا الكلام وصف آخر لواقعة الطوفان، فكان التقدير أنه لما انتهى أمر الطوفان قيل كذا وكذا {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ } يقال بلع الماء يبلعه بلعاً إذا شربه وابتلع الطعام ابتلاعاً إذا لم يمضغه، وقال أهل اللغة: الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها {وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى } يقال أقلع الرجل عن عمله إذا كف عنه، وأقلعت السماء بعدما مطرت إذا أمسكت {وَغِيضَ ٱلْمَاء } يقال غاض الماء يغيض غيضاً ومغاضاً إذا نقص وغضته أنا وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا ومثله جبر العظم وجبرته وفغر الفم وفغرته، ودلع اللسان ودلعته، ونقص الشيء ونقصته، فقوله: {وَغِيضَ ٱلْمَاء } أي نقص وما بقي منه شيء. واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة الله تعالى وعلو كبريائه: فأولها: قوله: {وَقِيلَ } وذلك لأن هذا يدل على أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف العقل إلا إليه ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من هذا الوجه، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو. وثانيها: قوله: { يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى } فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد، صار ذلك سبباً لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلو قهره، وكمال قدرته ومشيئته. وثالثها: أن السماء والأرض من الجمادات فقوله: {يا أرض - ويا سماء } مشعر بحسب الظاهر، على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر كذلك فلأن يكون أمره نافذاً على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريراً كاملاً. وأما قوله: {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزماً حتماً فقد وقع تنبيهاً على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه. فإن قيل: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفار؟ قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن كثيراً من المفسرين يقولون إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ سنه إلى الأربعين. ولقائل أن يقول: لو كان الأمر على ما ذكرتم، لكان ذلك آية عجيبة قاهرة. ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر، وأيضاً فهب أنكم ذكرتم ما ذكرتم فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة. والجواب الثاني: وهو الحق أنه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله { أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وأما المعتزلة فهم يقولون إنه تعالى أغرق الأطفال والحيوانات، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة. وأما قوله تعالى: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ } فالمعنى واستوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي، وكان ذلك الجبل جبلاً منخفضاً، فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة ذلك الماء وكان ذلك الاستواء يوم عاشوراء. وأما قوله تعالى: {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه وجهان: الأول: أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد. والثاني: أن يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق.

البيضاوي

تفسير : {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى} نوديا بما ينادي به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به، تمثيلاً لكمال قدرته وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه، والبلع النشف والإِقلاع والإِمساك. {وَغِيضَ ٱلْمَاء} نقص. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين. {وَٱسْتَوَتْ } واستقرت السفينة. {عَلَى ٱلْجُودِىّ } جبل بالموصل وقيل بالشام وقيل بآمل. روي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة. {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } هلاكاً لهم يقال بعد بعداً وبعداً إذا أبعد بعداً بعيداً بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء، والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لما أغرق أهل الأرض كلهم، إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أي: شرع في النقص {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ} أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديار {وَٱسْتَوَتْ} السفينة بمن فيها {عَلَى ٱلْجُودِىِّ} قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق، وتطاولت وتواضع هو لله عز وجل فلم يغرق وأرسَت عليه سفينة نوح عليه السلام. وقال قتادة: استوت عليه شهراً حتى نزلوا منها، قال قتادة: قد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رماداً. وقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل. وقال بعضهم: هو الطور، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا محمد بن عبيد عن توبة بن سالم قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته: إنك لكثير الصلاة ههنا يوم الجمعة، قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من ههنا. وقال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوماً، وإن الله وجه السفينة إلى مكة، فطافت بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها الله إلى الجودي، فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف، فأبطأ عليه، فبعث الحمامة، فأتته بورق الزيتون، فلطخت رجليها بالطين، فعرف نوح عليه السلام أن الماء قد نضب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية، وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحدها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم. وقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي، وقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب، فساروا مائة وخمسين يوماً، واستقرت بهم على الجودي شهراً، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم، وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير، وأنهم صاموا يومهم ذلك، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو جعفر حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبد الله عن شبل عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال: «حديث : ما هذا الصوم؟» تفسير : قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله به موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم» تفسير : فصام، وقال لأصحابه: «حديث : من كان أصبح منكم صائماً فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله، فليتم بقية يومه» تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح، وقوله: {وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: هلاكاً وخساراً لهم، وبعداً من رحمة الله؛ فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية. وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير، والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع: أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أم الصبي» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يعني: وغرس مائة سنة الشجر، فعظمت، وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر، فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون، فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها، فغرقا، فلو رحم الله منهم أحداً، لرحم أم الصبي» تفسير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبير قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقِيلَ يـَٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ } الذي نبع منك فشربته دون ما نزل من السماء فصار أنهاراً وبحاراً { وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِى } أمسكي عن المطر فأمسكت {وَغِيضَ } نقص {ٱلْمآءُ وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } تَمَّ أمر هلاك قوم نوح {وَٱسْتَوَتْ } وقفت السفينة {عَلَى ٱلْجُودِىِّ } جبل بالجزيرة بقرب (الموصل) {وَقِيلَ بُعْدًا } هلاكاً {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقيل يا أرض ابلعي ماءَك} جعل نزول الماء فيها بمنزلة البلع، ومعناه ابلعي الماء الذي عليك، فروى الحسن والحسين عليهما السلام أن بعض البقاع امتنع أن يبلع ماءه فصار ماؤه مراً وترابه سبخا. {ويا سماء أقلعي} أي لا تمطري، من قولهم أقلع عن الشيء إذا تركه. {وغيض الماء} أي نقص حتى ذهبت زيادته عن الأرض. {وَقضي الأمر} يعني بهلاك من غرق من قوم نوح. {وَاستوت} يعني السفينة. {على الجودي} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جبل بالموصل، قاله الضحاك. الثاني: أنه جبل بالجزيرة، قاله مجاهد. قال قتادة. هو بباقردى من أرض الجزيرة. الثالث: أن الجودي اسم لكل جبل، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل. شعر : سبحـانـه ثم سُبحـانـاً يعود لـه وقبلنـا سبـح الجـوديُّ والجمـد

ابن عبد السلام

تفسير : {ابْلَعَى مَآءَكِ} بلعت ماءها وماء السماء، أو ماءها وحده وصار ماء السماء بحاراً وأنهاراً، لأنه قال: {ابْلَعِى مَآءَكِ}، {أَقْلِعِى} عن المطر، أقلع عن الشيء تركه. {وَغِيضَ الْمَآءُ} نقص فذهبت زيادته عن الأرض. {وَقُضِىَ الأَمْرُ} بإهلاكهم بالغرق. {الْجُودِىِّ} جبل بالموصل، أو الجزيرة، أو اسم لكل جبل.

النسفي

تفسير : {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ } انشفي وتشربي، والبلع: النشف {وَيٰسَمَآء أَقْلِعِى } أمسكي {وَغِيضَ ٱلْمَاء } نقص من غاضه إذا نقصه وهو لازم ومتعد {وَقُضِىَ ٱلاْمْرُ } وأنجز ما وعد الله نوحاً من إهلاك قومه {وَٱسْتَوَتْ } واستقرت السفينة بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر {عَلَى ٱلْجُودِىّ } وهو جبل بالموصل {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ لّلظَّـٰلِمِينَ } أي سحقاً لقوم نوح الذين غرقوا. يقال: بعد بعداً وبَعَداً إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ولذلك اختص بدعاء السوء والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول: إن الله تعالى لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان المساء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضي، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى، بني الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويراً لاقتداره العظيم، وأن السماوات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته فيها تغييراً وتبديلاً كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده. ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال عز وجل {وَقِيلَ } على سبيل المجاز على الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو {يا أرض} {ويا سماء} ثم قال مخاطباً لهما {يا أرض} {ويا سماء} على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء تشبيهاً له بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام، ثم قال {ماءك} بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم التأني، ثم قال {وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا} ولم يصرح بمن أغاض الماء، ولا بمن قضى الأمر، وسوى السفينة وقال بعداً، كما لم يصرح بقائل {يا أرض} {ويا سماء} سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره. ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم، إظهاراً لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا لظلمهم. ومن جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، وذلك أنه اختير «يا» دون أخواتها لكونها أكثر استعمالاً، ولدلالتها على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت وإبداء العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به، ولم يقل «يا أرضي» لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب، ولم يقل «يا أيتها الأرض» للاختصار. واختير لفظ الأرض والسماء لكونهما أخف وأدور، واختير {ابلعي} على «ابتلعي» لكونه أخصر وللتجانس بينه وبين {أقلعي} وقيل {أقلعي} ولم يقل «عن المطر»! وكذا لم يقل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ويا سماء أقلعي فأقلعت اختصاراً، واختير {غيض} على «غيّض» وقيل «الماء» دون أن يقول «ماء الطوفان» و{الأمر} ولم يقل« أمر نوح وقومه» لقصد الاختصار والاستغناء بحرف العهد عن ذلك، ولم يقل «وسويت على الجودي» أي أقرت على نحو {قيل} {وغيض} اعتباراً لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله {أية : وهي تجري بهم}تفسير : إرادة للمطابقة، ثم قيل {بعداً للقوم} ولم يقل «ليبعد القوم» طلباً للتأكيد مع الاختصار. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم، وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قدم النداء على الأمر: فـ {قيل يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي} ولم يقل «ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء» جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصداً بذلك لمعنى الترسيخ، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها، ثم اتبع {وغيض الماء} لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ثم ذكر ما هو المقصود القصة وهو قوله {وقضي الأمر} أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في الفلك وعلى هذا فاعتبر. ومن جهة الفصاحة المعنوية وهي كما ترى نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيّك الطريق إلى المرتاد ومن جهة الفصاحة اللفظية، فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة على الأسَلات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة، ومن ثم أطبق المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور .

الخازن

تفسير : {وقيل} يعني بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح {يا أرض ابلعي ماءك} أي اشربيه {ويا سماء أقلعي} أي أمسكي {وغيض الماء} أي نقص ونضب يقال غاض الماء إذا نقص وذهب {وقضي الأمر} يعني وفرغ من الأمر وهو هلاك قوم نوح {واستوت} يعني واستقرت السفينة {على الجودي} وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل {وقيل بعداً} يعني هلاكاً {للقوم الظالمين} قال العلماء: بالسير لما استقرت السفينة بعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع إليه فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء قد ذهب فدعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت وطوق الحمامة بالخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان فمن ثم تألف البيوت وروي أن نوحاً عليه السلام ركب السفينة لعشر بقين من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر ومرت بالبيت الحرام وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه فطافت السفينة به سبعاً وأودع الحجر الأسود جبل أبي قبيس وهبط نوح ومن معه في السفينة يوم عاشوراء فصامه نوح عليه السلام وأمر جميع من معه بصيامه شكراً لله تعالى وبنوا قرية بقرب الجبل فسميت سوق ثمانين فهي أول قرية عمرت على وجه الأرض بعد الطوفان، وقيل: إنه لم ينج أحد من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق وكان المال يصل إلى حجزته وسبب نجاته من الهلاك أن نوحاً عليه السلام احتاج إلى خشب ساج لأجل السفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج بن عنق من الشام إلى نوح فنجاه الله من الغرق لذلك. فإن قلت: كيف اقتضت الحكمة الإلهية والكرم العظيم إغراق من لم يبلغوا الحلم من الأطفال ولم يدخلوا تحت التكليف بذنوب غيرهم. قلت: ذكر بعض المفسرين أن الله عز وجل أعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فلم يولد لهم ولد تلك المدة وهذا الجواب ليس بقوي لأنه يرد عليه إغراق جميع الدواب والهوام والطير وغير ذلك من الحيوان ويرد على ذلك أيضاً إهلاك أطفال الأمم الكافرة مع آبائهم غير قوم نوح. والجواب الشافي عن هذا كله أن الله سبحانه وتعالى متصرف في خلقه وهو المالك المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. قوله عز وجل: {ونادى نوح ربه} أي دعاه وسأله {فقال رب إن ابني من أهلي} يعني وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي {وإن وعدك الحق} يعني الصدق الذي لا خلف فيه {وأنت أحكم الحاكمين} يعني أنك حكمت لقوم بالنجاة وحكمت على قوم بالهلاك {قال} يعني قال الله تعالى: {يا نوح إنه} يعني هذا الابن الذي سألتني نجاته {ليس من أهلك} اختلف علماء التفسير: هل كان هذا الولد ابن نوح لصلبه أم لا فقال الحسن ومجاهد كان ولد حدث من غير نوح ولم يعلم به فلذلك قال إنه ليس من أهلك، وقال محمد بن جعفر الباقر: كان ابن امرأة نوح وكان يعلمه نوح ولذلك قال من أهلي ولم يقل مني. وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: إنه ابن نوح من صلبه، وهذا القول هو الصحيح والقولان الأولان ضعيفان بل باطلان ويدل على صحة هذا نقل الجمهور لما صح عن ابن عباس أنه قال: ما بغت امرأة نبي قط ولأن الله سبحانه وتعالى نص عليه بقوله سبحانه وتعالى: {أية : ونادى نوح ابنه}تفسير : [هود: 42] ونوح صلى الله عليه وسلم أيضاً نص عليه بقوله {أية : يا بني اركب معنا}تفسير : [هود: 42] وهذا نص في الدلالة وصرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة لا يجوز وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد نبي كافراً وهذا خطأ ممن قاله لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقه فريق في الجنة وهم المؤمنون وفريق في السعير وهم الكفار والله سبحانه وتعالى يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم فإن الله سبحانه وتعالى أخرج قابيل من صلب آدم عليه السلام وهو نبي وكان قابيل كافراً وأخرج إبراهيم من صلب آزر وهو نبي وكان آزر كافراً فكذلك أخرج كنعان وهو كافر من صلب نوح وهو نبي فهو المتصرف في خلقه كيف يشاء. فإن قلت: فعلى هذا كيف ناداه نوح فقال: اركب معنا وسأل له النجاة مع قوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً قلت: قد ذكر بعضهم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لم يعلم بكون ابنه كان كافراً فلذلك ناداه وعلى تقدير أنه يعلم كفره إنما حمله على أن ناداه رقة لأبوة ولعله إذا رأى تلك الأهوال أن يسلم فينجيه الله بذلك من الغرق فأجابه الله عز وجل بقوله إنه ليس من أهلك يعني أنه ليس من أهل دينك لأن أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما. ولما حكمت الشريعة برفع حكم النسب في كثير من الأحكام بين المسلم والكافر قال الله سبحانه وتعالى لنوح: إنه ليس من أهلك {إنه عمل غير صالح} قرأ الكسائي ويعقوب: عَمِلَ بكسر الميم وفتح اللام غير بفتح الراء على عود الفعل على الابن ومعناه أنه عمل الشرك والكفر والتكذيب وكل هذا غير صالح، وقرأ الباقون من القراء: عمَلٌ بفتح الميم ورفع اللام مع التنوين وغير بضم الراء ومعناه إن سؤالك إياي أن أنجيه من الغرق عمل غير صالح لأن طلب نجاة الكفار بعد ما حكم عليه بالهلاك بعيد فلهذا قال سبحانه وتعالى: {إنه عمل غير صالح} ويجوز أن يعود الضمير في إنه على ابن نوح أيضاً ويكون التقدير على هذه القراءة إن ابنك ذو عمل أو صاحب عمل غير صالح فحذف المضاف كما قالت الخنساء: فإنما هي إقبال وإدبار. قال الواحدي، وهذا قول أبي إسحاق يعني الزجاج وأبي بكر بن الأنباري وأبي علي الفارسي قال أبو علي: ويجوز أن يكون ابن نوح عمل عملاً غير صالح فجعلت نفسه ذلك العمل لكثرة ذلك منه، كما يقال الشعر زهير والعلم فلان إذا كثر منه فعلى هذا لا حذف {فلا تسألن ما ليس لك به علم} وذلك أن نوحاً عليه السلام سأل ربه إنجاء ولده من الغرق وهو من كمال شفقة الوالد على ولده وهو لا يعلم أن ذلك محظور لإصرار ولده على الكفر فنهاه الله سبحانه وتعالى عن مثل هذه المسألة وأعلمه أن ذلك لا يجوز فكان المعنى فلا تسألن ما ليس لك به علم بجواز مسألته {إني أعظك} يعني أنهاك {أن تكون من الجاهلين} يعني لمثل هذا السؤال.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقِيلَ يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَاءَكِ...} الآية: البَلْع: تجرُّع الشيء؛ وٱزْدِرَادُهُ، والإِقلاع عن الشيء: تركُه، و{غِيضَ} معناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ }: إِشارة إِلى جميع القصَّة: بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة. قال * ع *: وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا؛ قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وٱسْتَوَتْ [السفينة] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له: {ٱهْبِطْ } في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ؛ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ؛ تواضعاً للَّه؛ فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال الزَّجَّاجُ: الجُودِيُّ: هو بناحية «آمد»، وقال قوم: هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك. وقوله: {وَقِيلَ بُعْدًا }: يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ؛ عطفاً على قوله: {وَقِيلَ } الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر. وقوله: {إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي...} الآية: ٱحتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ اللَّه أمره بحَمْلِ أهله، وٱبْنُهُ من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ. وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي: الذين عَمَّهم الوعْد؛ لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ٱبْنَكَ بالولادة. وقوله: {عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ }: جعله وصفاً له بالمصدر؛ على جهة المبالغة في وصفه بذلك؛ كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها: [البسيط] شعر : تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ٱدَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ تفسير : أي: ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ؛ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلاً ماضياً، ونصب «غير» على المفعول لـــ «عَمِلَ»، وقولُ من قال: «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والجمهور؛ قالوا: وأما قوله تعالى: { أية : فَخَانَتَاهُمَا } تفسير : [التحريم:10] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس: هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا؛ ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي: إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ؛ قاله النَّخَعِيُّ وغيره. انتهى. والأولُ أبينُ؛ وعليه الجمهورُ، وبه صدَّر المهدويُّ، ومعنى قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي: إِذَا وَعَدتكَ، فٱعلم يقيناً؛ أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه. قال * ع *: ولكنَّ نوحاً عليه السلام حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ؛ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه: {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ }، ويحتمل قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي: لا تطلُبْ منِّي أمراً لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ. وقوله: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ }: إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال؛ علَى جهة ٱلاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: {ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ }، وذلك عند نزوله من السفينة، والـــ {سَلَـٰم}؛ هنا: السلامةُ والأمن، والـــ {بَرَكَـٰتٍ } الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ: {وَأُمَمٍ} عَلَى وجْه ٱلابْتِدَاء، وهؤلاء هم الكُفَّار إِلى يوم القيامة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان للملك يوم ولد نوح اثنان وثمانون سنة، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينتهي عن منكر، فبعث الله نوحاً إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسمية بام وأم هؤلاء واحدة، وبجل فود نجر نوح السفينة، ومن ثم بدا الطوفان، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء ونساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون من بني شيث ممن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه من كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح، وعرضها خمسين ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً، وخرج منها من الماء ستة أذرع وكانت مطبقة، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض، فأرسل الله المطر أربعين يوماً فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له، فحمل منها كما أمره الله من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم عليه السلام، فجعل حاجزاً بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض، فذلك قول الله ‏{أية : ‏ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر‏}‏ ‏تفسير : [القمر: 11‏]‏ يقول‏:‏ مُنْصَبٍّ ‏{أية : ‏وفجرنا الأرض عيونا‏ً}‏ ‏تفسير : [القمر: 12‏]‏ يقول‏:‏ شققنا الأرض فالتقى الماء ‏{أية : على أمر قد قدر‏} ‏تفسير : [‏القمر: 12‏]‏ وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً، فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعاً ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق، وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبي قبيس‏، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي، وهو جبل بالحضين من أرض الموصل، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة أشهر‏:‏ بعداً للقوم الظالمين، فلما استوت على الجودي قيل‏:‏ ‏ {‏يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي‏} ‏ يقول‏:‏ احبسي ماءك ‏ {‏وغيض الماء‏} ‏ نشفته الأرض فصار ما نزل من السماء هذه البخور التي ترون في الأرض، فآخر ماء بقي في الأرض من الطوفان ماء يحسى بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب فهبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإِسلام، ودعا نوح على الأسد أن يلقى عليه الحمى، ‏وللحمامة بالانس، وللغراب بشقاء المعيشة، وتزوّج نوح امرأة من بني قابيل فولدت له غلاماً سماه يوناطن، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوها وهي بين الفرات والصراة، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإِسلام، ولما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس‏. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ بعث نوح عليه السلام الحمامة فجاءت بورق الزيتون، فأعطيت الطوق الذي في عنقها وخضاب رجليها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد رضي الله عنه قال خرجت أريد أن أشرب ماء المر قال‏:‏ لا تشرب ماء المر فإنه لما كان زمن الطوفان أمر الله الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع، فاستعصى عليه بعض البقاع فلعنه فصار ماؤه مراً، وترابه سبخاً لا ينبت شيئاً‏. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال‏:‏ لما أمرت الأرض أن تغيض الماء غاضت الأرض ما خلا أرض الكوفة فلعنت، فسائر الأرض تكون على نورين وأرض الكوفة على أربع‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ‏ {‏يا أرض ابلعي‏}‏ قال‏:‏ هو بالحبشة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه ‏ {‏وقيل يا أرض ابلعي ماءك‏} ‏ بالحبشية قال‏:‏ ازرديه‏. وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله ‏ {‏يا أرض ابلعي ماءك‏} ‏ قال‏:‏ اشربي بلغة الهند‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ويا سماء أقلعي‏}‏ قال‏:‏ أمسكي ‏ {‏وغيض الماء‏} ‏ قال‏:‏ ذهب‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وغيض الماء‏}‏ قال‏:‏ نغض ‏ {‏وقضي الأمر‏} ‏ قال‏:‏ هلاك قوم نوح‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏واستوت على الجودي‏} ‏‏. أخرج أحمد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏ ‏حديث : مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال‏: ‏"ما هذا الصوم‏؟ فقالوا‏:‏ هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق وأغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم: أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فصامه وأمر أصحابه بالصوم"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه، وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكراً لله تعالى‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ يوم عاشوراء اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، واليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي، واليوم الذي فرق الله فيه البحر لبني إسرائيل، واليوم الذي ولد فيه عيسى، صيامه يعدل سنة مبرورة‏. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لما استقرت السفينة على الجودي لبث ما شاء الله، ثم إنه أذن له فهبط على الجبل، فدعا الغراب فقال‏:‏ ائتني بخبر الأرض فانحدر الغراب وفيها الغرقى من قوم نوح فابطأ عليه فلعنه، ودعا الحمامة فوقع على كف نوح فقال‏:‏ اهبطي فائتيني بخبر الأرض، فانحدر فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء ينفض ريشه في منقاره فقال‏:‏ اهبط فقد أبينت الأرض‏.‏ قال نوح‏:‏ بارك الله فيك وفي بيت يؤويك وحببك إلى الناس، لولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أن يجعل رأسك من ذهب‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق، وأرسلت عليه سفينة نوح‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء قال‏:‏ بلغني أن الجبل تشامخ في السماء إلا الجودي، فعرف أن أمر الله سيدركه فسكن‏.‏ قال‏:‏ وبلغني أن الله تعالى استخبا أبا قبيس الركن الأسود‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ الجودي جبل بالموصل‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ أبقاها الله بالجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة، كم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى} أي انشَفي، استُعير له من ازدراد الحيوان ما يأكلُه للدِلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتادِ التدريجيّ {مَاءكِ} أي ما على وجهك من ماء الطوفانِ دون المياهِ المعهودةِ فيها من العيون والأنهارِ، وعبّر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقامَ مقامُ النقص والتقليلِ لا مقامُ التفخيمِ والتهويلِ {وَيٰسَمَاء أَقْلِعِى} أي أمسِكي عن إرسال المطرِ، يقال: أقلعت السماءُ إذا انقطع مطرُها وأقلعت الحُمّى أي كفّت {وَغِيضَ ٱلْمَاء} أي نقص ما بـين السماءِ والأرضِ من الماء {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ} أي أُنجز ما وعد الله تعالى نوحاً من إهلاك قومِه وإنجائِه بأهله أو أُتِمَّ الأمر {وَٱسْتَوَتْ} أي استقرّت الفلكُ {عَلَى ٱلْجُودِىّ} هو جبلٌ بالمَوْصِل أو بالشام أو بآمل. روي أنه عليه الصلاة والسلام ركب في الفلك في عاشر رجبٍ ونزل عنها في عاشر المحرَّم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سُنّةً {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي هلاكاً لهم، والتعرضُ لوصف الظلمِ للإشعار بعليته للهلاك ولتذكيره ما سبق من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تفسير : ولقد بلغت الآيةُ الكريمةُ من مراتب الإعجازِ قاصيتَها وملكت من غُرر المزايا ناصيتَها وقد تصدّى لتفصيلها المتقنون، ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون فحريٌّ بنا أن نوجزَ الكلامَ في هذا البابِ ونفوّضَ الأمر إلى تأمل أولي الألباب، والله عنده علم الكتاب.

القشيري

تفسير : فلما غَرِقَ ابنُ نوح سَكَنَ الموجُ ونضَبَ الماءُ وأقلعت السماء، وكأنه كان المقصودُ من الطوفانِ أَنْ يغرِقَ ابنُ نوحٍ - عليه السلام - وقيل: شعر : عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدهرُ بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سَكَنَ الدهرُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} لما غاصت سفينة القلوب فى بحار غيوب القدم ودارت فى لجج عظمتها كادت ان غرقت بطوفان غيرتها فسبقت لها عناية الازلية وما ابقتها فى بحار الفناء لئلا يفنى العبودية فى سطوات الربوبية فنادى السنة الوصال الى سماء كمال الذات وارض الصفات يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعى فامتنع الذات والصفات عن دركها وتلطفت الصفات والذات عليها بارجاعها الى مشاهد الافعال والايات واندرس عليها مسالك الانزال والاباد وهذا معنى قوله وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودى جرى عليها احكام معارف الذات والصفات وغرق منها ما دون الذات والصفات فى الذات والصفات من النفوس وهواجسها والشياطين ووساوسها والعقول ومراتب مقاماتها والكونين والعالمين واستواءها بنعت التمكين على جودى الطريق والحقيق ان يكون ساكنة بعد الاضطراب فى المواجيد وصاحية بعد السكر باشربة بحار المقادير وهذه برمتها مشروحة فى قول النبى صلى الله عليه وسلم حيث دنا من الوصال وتدلى الى مشاهدة الجمال وكان بين قاب موسى الازل والابد بقوله فكان قاب قوسين او ادنى واسعاد فى دنوا الدنو من الغرق فى بحار الازل والفناء فى ميادين الابد من قهر طوفان فلزم الكبرياء والعظمة بما سبق له من حسن عناية القدم بنعت الرضا بقوله اعوذ برضاك من سخطك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك واعوذ بك منك كان عليه السلام فى مدارك الصفات ومرائى انوار الذات سابحا فى بحر حقائق الازلية فخاف من فنائه فى قهر النكرات فقر تارة من الصفة الى الصفة وتارة من الفعل الى الفعل ومن الذات الى الذات تارة فقال اعوذ برضوان عنايتك من سخط غيرتك عليك ان يعرفك احد غيرك وايضا اى اعوذ برضوان جمالك من سطوات جلالك حتى لا افنى بك فيك واعوذ برضا بقائك من صولة عساكر تجلى قدسك فلما دار فى الصفة وخاف من الزوال فر منها الى انوار الافعال ليروح فواده الغائب فى الالوهية عن اثقال برجاء العزة فقال اعوذ بمعافاتك من عقوبتك بمعافاة دعائك الازلى من عقوبة هجرانك الابدى فلما استروح من اثقال السير فى الصفات بلطائف الافعال رجع الى مشاهدة الذات فقال اعوذ بك منك اعوذ بفردانيتك من حلاوة جمال مشاهدتك التى تصير العاشق بك بنعت وحدانيتك حتى يخرج بدعوى الانائية فى مشهد تنزيهك اعوذ بك من هذا المكر حتى اكون لا اكون انت يكون وازول كما لم ازل ازول وتكون كما لم تزل يكون فلما فنى عن رسوم العبودية وعن مشاهد الربوبية من الافعال والصفات وبقى بازاء انوار الالوهية بنعت استقامة التوحيد وافراد القدم عن الحدوث واستعار من الحق ليسان الازلى واثنى به عليه فقال لا احصى ثناء عليك ثم اخرج الثناء والنفس والعبودية والتكليف والكينونة والقرب والبعد والتصاريف والعلل من ساحة وجود صاحب الجود الازلى بقوله انت كما اثنيت على نفسك جئنا الى ظاهر الاية ان نبى الله نوحا عليه السلام كان فى مضيق القبض من اذية قومه فاشتهى وصلة بلا فرقة وبسطا بلا قبض وانسا بلا وحشة فدعا ربه حتى تخلصه من ذلك فاغرق قومه وناجى ربه وانفرد به عن كل فتعاضى بشريته ابنه فجاء الموج واغرق الكل حتى لا يبقى فى قلبه غير الله وقال الاستاد لما غرق ابن نوح عليه السلام سكن الموج ونصب المىء واقلع السماء فكانه كان المقصود من الطوفان ان يغرق ابن نوح فكان كما قيل شعر : عجبت لسعى الدهر بينى وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر تفسير : ثم اخبر سبحانه عن انبساط نبيه نوح عليه السلام بقوله {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} تحرك سر بشريته فى مواضع امتحان الحق حيث من حقه تقديس الاسرار عن النظر الى الاغيار وبذل الموجود والمجهود بينه وبين الخليل عليه السلام فى منزل الامتحان فرق حين القى الى النار ولم يلتفت الى اعانة المخلوق حين قال اما اليك فلا وسلم نفسه ولم يتعرض لقلبه معارضة برئ من حوله وقوله ومن نفسه والكون جميعا وههنا قد التفت الى غرق ابنه واين ذكر الابن فى منازل التوحيد والتسليم والرضا شرط المعرفة والتوحيد فنادى وقد طاب فى مناداته مع ربه سبحانه وسال ابنه وحكم بانه اهله وليس هو من اهله قال تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} وايضا تعرض داء علقة البشرية بينه وبين رؤية القدس السابق ولولا ذلك بارسال الله بالمناداة فى منازل الانبساط واسرار المناجاة لطائف الخطاب وحقائق المكاشفات وكل انبساط فى مقام الامتحان ليس على مقارنة رؤية حكم السابق فهو ساقط عن محل البلوغ وادراك المراد قال الحسين لم يوزن لاحد فى الانبساط على بساط الحق محال لان بساط الحق عزيز حواشيه قهر وجبروت فمن انبسط عليه رد كنوح عليه السلام لما قال ان ابنى من اهلى قيل انه ليس من اهلك ثم ان الله سبحانه عرف نبيه نوحا عليه السلام بعد ارتفاع الاهلية بينه وبين ابنه بارتفاع اهلته المعرفة والمحبة بين روحه فى منازل الاول عند عبد الله وذ1لك ان فى الازلية لم يوت الله ابنه اهلية عرفانه واتقانه فقال ليس من اهلك {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ليس له ما اعطاك الله من المعرفة والرسالة والقربة {فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ادبه بان لا تسال الا ما وافق القدر وكل دعاء لم يوافق مراد الله فى سابق علمه لم يوثر فى مراد الداعى وقوله انه عمل غير صالح اى ليس حمله على موافقة السنة ثم وعظ وقال {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} الجاهل من جهل قدر الله وقدر اهله اى انزهك عن سوء الادب فى السوال على غير قاعدة مرادى وفيه تهديد لخواص العارفين ليكونوا على بساط الحق مجردين بخواطرهم من الالتفات الى غير الله وان يكونوا فى محل احتشام الله مستسلمين لمراده قال القسم الاهل على الوجهين اهل قرابة واهل ملة فنفى الله عنه اهلية الملة لا اهلية القرابة وقال بعضهم فى قوله لا تسئلن بما ليس لك لك به علم اما علمت انى قد امضيت حال الشقاء والسعادة فى الازل ولا راد لحكمى وقضائى انى اعظك ان تجهل ذلك الاحكام وقال بعضهم فى قوله انى اعظك لما اشرف نوح ابنه على الغرق قال ان ابنى من اهلى قال خصصت ولدك بالدعاء دون سائر عبادى وابنك واحد منهم انى اعظك ان تكون من الجاهلين فى ان يقتضى حقك على الخصوص ويمهل حقوق عبادى باجمعهم ثم رجع عليه السلام الى ساحة الكبرياء بتنزه المتضرع للحق ورجوعه من نفسه اليه بوصف الخنوع {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} بين ان السوال لا يستحسن الا بالعلم بالمسئول ولما علم موضع الخطا تواضع بجبروته وخاضع ملكوته اى ان لم تغفر لى ترك الادب وترحمنى بتسهيل امر الربوبية فى العبودية على اكن من الذين فقدوا حقائق المعرفة فى العبودية قال ابو سعيد الحراز ان نوحا صلى الله عليه وسلم وهو من اهل الصفوة واولى العزم من الرسل نصح وكدح لربه الف سنة الا خمسين عاما ثم قال ان ابنى من اهلى فعوتب عليه فابكاه ذلك سنة حتى قال والا تغفر لى وترحمنى فكان دهره بطلب المغفرة من هذه الكلمة ونسى ما كدح وعنا واجتهد لما رجع الى الله وتواضع للكبرياء البس الله عليه لباس العافية والامن من انوار قربه وحضرته بقوله {يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} اى اهبط بوصف التخلق والاتصاف بصفتنا من سفينة الحقيقة بسلامة منا بانك بعد ذلك لا تفنى فى سطوات عظمتنا اذا اتصفت بصفتنا لان بركة وصلتنا معك تنجيك بركتى منى وبركتك مع قومك تنجيهم من عذاب فرقتى ثم هو عالى شرف نبينا صلى الله عليه وسلم بكشف انباء الغيب بقوله {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} الكشف والانباء على مرتبتين الاولى للارواح قبل الاشباح فى ديوان الغيب حتى رات بنور الغيب اسرار المكتوم والاخرى بعد كونها فى الاشباح فترى ويسمع ما رات وسمعتت فى الغيب قبل دخولها فى الاشباح تحديد المكاشفة وتذكير العقود المشاهدة وما قال سبحانه {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ} اى قبل كمون روحك واما بعد كون روحك علمت ما كان وما سيكون وههنا تسلية قلبه عليه لاسلام فى احتمال البلوى عن اهل الجفاء اقتداء باهل الوفاء من اولى العزم من الرسل وتصديقه قوله تعالى {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} اى اركب مركب الصبر معى فى ظهور حقائق وجودى ولطائف بلالى فى ميادين التقوى من غيرى من العرش الى الثرى بالهمة الرفيعة فوق العلى فان عاقبة المتقين المتبريئين من غيرى بي وصالى والنظر الى جلالى وجمالى قال الجنيد كشف الله لكل نبى طرفا من الغيب وكشف نبينا صلى الله عليه وسلم انباء الغيب وهو الغاية فى الكشف فكان مكشوفا له من الغيب ما لا يجوز ان يكون مكشوفا لاحد من المخلوقين وذلك لعظم امانته وجلال قدره اذ الاسرار لا تكشف الا للامناء فمن كان اعظم امانة كان اعظم كشفا قال النصرابادى نجاة العاقبة لمن رسم فى الازل رسم التقوى وحلى به قال الله فاصبر ان العاقبة للمتقين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقيل} بنى على المفعول كأخواته لتعين الفاعل وهو الله تعالى اذ لا يقدر احد غيره على مثل هذا القول البدايع والفعل العجيب اى قال الله تعالى بعد مدة الطوفان تنزيلا للارض والسماء منزلة من له صلاحية النداء {يا ارض} قدم امر الارض على امر السماء لابتداء الطوفان منها {ابلعى} اى انشفى فان البلع حقيقة ادخال الطعام فى الحلق بعمل الجاذبة فهو استعارة لغور الماء فى الارض ووجه الشبه الذهاب الى مقرّ خفى يقال نشف الثوب العرق بكسر الشين اى شربه. وفيه دلالة على انه ليس كالنشف المعتاد التدريجى {ماءك} اى ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والانهار وانما لم يقل ابلعى بدون المفعول لئلا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء باسرهن نظرا الى مقام ورود الامر الذى هو مقام عظمة وكبرياء كذا فى المفتاح. يقول الفقير تفسير الارشاد يدل على ان الماء المضاف الى الارض مجموع الماء الذى خرج من بطنها ونزول من السماء والظاهر الذى لا محيص عنه انه ماء الارض بخصوصه فانها لما نشفته صار ما نزل من السماء هذه البحور على ما فى تفسير التيسير ثم رأيت فى بعض الكتب المعتبرة ما يوافق هذا وان الله تعالى لما انزل الطوفان على قوم نوح عليه السلام انزل عليهم المطر من السماء اربعين يوما بمياه كثيرة وامر عيون الارض فانفجرت فكان الماء آن سواء فى اللين غير ان ماء السماء كان مثل الثلج بياضا وبردا وماء الارض مثل الحميم حرارة حتى ارتفع الماء على اعلى جبل فى الدنيا ثمانين ذراعا ثم امر الارض فابتلعت ماءها وبقى ماء السماء لم تبتلعه الارض فهذه البحور التى على وجه الارض منها واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جزر عن الارض حيث خلق الله الارض من زبده انتهى {ويا سماء اقلعى} اى امسكى عن ارسال المطر يقال اقلع الرجل عن عمله اذا كف واقلعت السماء اذا انقطع مطرها فاقلاع يشترك بين الحيوانات والجمادات. قال العلماء قيل مجاز مرسل من الارادة كأنه قيل اريد ان يرتد ما انفجر من الارض الى بطنها وان ينقطع طوفان السماء وذلك بعد اربعين يوما وليلة -روى- انه لا ينزل من السماء قطرة من ماء الا بكيل معلوم ووزن معلوم الا ما كان يوم الطوفان فانزل بغير كيل ووزن. واصل الكلام قيل يا ارض ابلعى ماءك فبلغت ماءها ويا سماء اقلعى عن ارسال الماء فاقلعت عن ارساله وغيض الماء النازل من السماء فغاض وترك ذكره لظهور انفهامه من الكلام {وغيض الماء} اى نقص ما بين السماء والارض من الماء فظهرت الجبال والارض. والغيض النقصان يقال غاض الماء قل ونضب وغاضه الله نقصه يتعدى ويلزم وهو فى الآية من المتعدى لان الفعل لا يبنى للمفعول بغير واسطة حرف الجر الا اذا كان متعديا بنفسه {وقضى الامر} اى انجز الموعود من اهلاك الكافرين وانجاء المؤمنين فالقضاء ههنا بمعنى الفراغ كأنه قيل ثم امرهم وفرغ من اهلاكهم واغراقهم. قال فىالمفتاح قيل الامر دون ان يقال امر نوح لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك. قال السيد امالان اللام بدل من المضاف اليه كما هو مذهب الكوفية واما لانها تغنى غناء الاضافة فى الاشارة الى المعهود {واستوت} واستقرت الفلك واختير استوت على سويت اى اقرت مع كونه انسب باخواته المبنية للمفعول اعتبارا لكون الفعل المقابل للاستقرار اعنى الجريان منسوبا الى السفينة على صيغة المبنى للفاعل فى قوله وهى تجرى بهم مع ان استوت اخصر من سويت {على الجودى} هو جبل بالجزيرة بقرب الموصل او بالشام اوبآمد -وروى- فى الخبر ان الله تعالى اوحى الى الجبال انى انزل السفينة على جبل فتشامخت الجبال وتواضع الجودى لله تعالى فارست عليه السفينة: قال السعدى قدس سره شعر : طريقت جزاين نيست درويش را كه افكنده داردتن خويش را بلنديت بايد تواضع كزين كه آن نام را نيست راهى جزاين تفسير : والتواضع آخر مقام ينتهى اليه رجال الله تعالى وحقيقته اعلم بعبودية النفس ولا يصح مع العبودية رياسة اصلا لانها ضد لها. ولهذا قال المشايخ قدس الله اسرارهم وآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة ولا تظن ان هذا التواضع الظاهر على اكثر الناس وعلى بعض الصالحين تواضع وانما هو تملق لسبب غاب عنك وكل يتملق على قدر مطلوبه والمطلوب منه فالتواضع سر من اسرار الله تعالى لا يهبه على الكمال الا لنبى او صديق كما فى المواقع. وعن على رضى الله اشد الخلق الجبال الرواسى والحديد اشد منها اذ نيحت به الجبل والنار تغلب الحديد والماء يطفى النار والسحاب يحمل الماء والريح تحمل السحاب والانسان يغلب الريح بالبنيان والنوم يغلب الانسان والموت يغلب الكل. وذكر اهل الحكمة ان مجموع ما عرف فى الاقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وسبعون جبلا. وفى زهرة الرياض ستة آلاف وستمائة وثلاثة وسبعون جبلا سوى التلول منها ما طوله عشرون فرسخا ومنها مائة فرسخ الى الف فرسخ. وفى اسؤلة الحكم جعل الله الجبال كراسى انبيائه كاحد لنبينا والطور لموسى وسرنديب لآدم والجودى لنوح عليهم السلام وكفى بذلك شرفا وانها بمنزلة الرجال فى الاكوان يقال للرجل الكامل جبل. واختلفوا فى ان اى الجبال افضل فقيل ابو قبيس لانه اول جبل وضع على الارض وقيل عرفة وقيل جبل موسى وقيل قاف. وقال السيوطى افضل الجبال جبل احد وهو جبل من جبال المدينة وسمى بذلك لتوحده وانفراده عن غيره من الجبال التى هى هناك وهذا الجبل يقصد لزيارة سيدنا حمزة رضى الله عنه ومن فيه من الشهداء رضى الله عنهم وهوعلى نحو ميلين او على نحو ثلاثة من المدينة واستدل على افضليته بانه مذكور فى القرآن باسمه فى قراءته من قرأ {أية : اذ تصعدون ولا تلوون على احد} تفسير : اى بضم الهمزة والحاء بقوله عليه السلام "حديث : احد ركن من اركان الجنة" تفسير : اى جانب عظيم من جوانبها وقوله "حديث : الآخر ان احدا هذا جبل يحبنا ونحبه فاذا مررتم به فكلوا من شجره ولو من عضاهه" تفسير : وهى كل شجرة عظيمة لها شوك والقصد الحث على عدم اهمال الاكل من شجرة تبركابه ولا مانع ان تكون المحبة من الجبل على حقيقتها وضع الحب فيه كما وضع فى التسبيح فى الجبال مع داود عليه السلام وكما وضعت الخشية فى الحجارة قال الله تعالى {أية : وان منها لما يهبط من خشية الله} تفسير : كما فى انسان العيون يقول الفقير للجمادات حياة حقانية عند اهل الله تعالى كما قال فى المثنوى شعر : بادرا بى جشم اكر بينش نداد فرق جون ميكررد اندر قوم عاد كر نبودى نيل را آن نورديد ازجه قبطى را زسبطى ميكزيد كرنه كوه سنك باديدار شد بس جرا داور درااو يار شد اين زمين كرنبودى جشم جان ازجه قارونرا فرخوردى جنان تفسير : ومن هذا عرفت النداء فى قوله تعالى يا ارض ويا سماء حقيقة عند العلماء بالله وكذا مقاله تعالى المنفعهم من قوله وقيل. وقال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر وكما نقول تجلى الله تعالى فى صورة كما يليق بجلاله كذلك نقول تكلم بحرف وصوت كما يليق بجلاله وكلام الله تعالى عين المتكلم فى مرتبة ومعنى قائم به فى الاخرى كالكلام النفسى ومركب من الحروف ومتعين بها فى عالمى المثال والحس. بحسبهما كما فى الدرة الفاخرة للمولى الجامى رحمه الله. ثم ان نوحا هبط من السفينة الى الجودى يوم عاشوراء. وعن قتادة استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب وكانت فى الماء خمسين ومائة يوم واستقرت بهم على الجودى شهرا وذلك ستة اشهر وهبطت بهم يوم عاشوراء وسيأتى ما يتعلق بذلك {وقيل بعدا للقوم الظالمين} قولا بعدا مصدر مؤكد لفعله المقدر اى بعدوا بعدا اى هلكوا من قولهم بعدا وبعدا اذا ارادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت. والمعنى الدعاء عليهم بذلك وهو تعليم من الله تعالى لعباده ان يدعوا على الظالمين به اى ليبعد القوم بعدا وليهلكوا وهو بالفارسية [دورى وهلاكى باد مرقوم ستمكارانرا] واللام فى للقوم لبيان من دعى عليهم كاللام فى هيت لك وسقيا لك متعلق بالفعل المحذوف او بقوله قيل اى لاجلهم هذا القول والتعرض لوصف الظلم للاشعار بعليته للهلاك وفيه تعريض بان سالكى مسالكهم فى الظلم والتكذيب يستحقون مثل هذا الاهلاك والدعاء عليهم. قال فى المفتاح وختم الكلام وختم اظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم اياه لان الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم. قيل ما نجا من الكفار غير عوج بن عنق كان فى الماء الى حجزته وهو مقعد الازار وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراع وقد عاش ثلاثة آلاف سنة وقد سبق فى سورة المائدة وكان سبب نجاته ان نوحا عليه السلام احتاج الى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها فحملها عوج اليه من الشام فنجاه الله من الغرق بذلك. وقد ثبت ايضا ان واحدا من آل فرعون كان يلبس قلنسوة مثل قلنسوة موسى عليه السلام ويسخر منه وقد نجاه الله تعالى من الغرق فى بحر القلزم بمجرد تشبهه الصورى ولو تاب من جنايته لنجا من عذاب الدارين وعن ابى العالية قال لما رست سفينة نوح عليه السلام اذا هو بابليس على كوثل السفينة اى مؤخرتها فقال له نوح ويلك قد غرق اهل الارض من اجلك قد اهلكتهم قال له ابليس فما اصنع قال تتوب قال فسل ربك هل لى من توبة فدعا نوح ربه فاوحى الله تعالى اليه ان توبته ان يسجد لقبر آدم عليه السلام فقال له نوح قد جعلت لك قال وما هى قال تسجد لقبر آدم تركته حيا واسجد له ميتا. وفيه اشارة الى ان السجدة لآدم وهو مقبور كالسجدة له وهو غير مقبور اذ الانبياء عليهم السلام احياء عند ربهم وكذا كمل الاولياء قدس الله اسرارهم كما قال الصائب شعر : مشومبرك زامداد اهل دل نوميد كه خواب مردم آكاه عين بيداريست تفسير : والشيطان الرجيم غفل عن هذا فنكل عن قبول الحق الصريح ومثله من ينكر الاولياء او زيارة قبورهم والاستمداد منهم نسأل الله العصمة ونعوذ به من الخذلان. اعلم ان القرآن بجميع سوره وآياته معجز فى غاية طبقات الفصاحة والبلاغة لكن بين بعض اجزائه تفاوت بحسب الاشتمال على الخواص والمزايا فان بعض المقام لا يتحمل ما تحمله مقام كلام فوقه من اللطائف والخفايا فمن المرتفع شأنه فى الحسن والقبول هذه الاية الكريمة وهى قوله تعالى {وقيل يا ارض ابلعى} الى آخره ولذا لما سمعها من تبوأ اسرّة الفصاحة القحطانية وركب متن البلاغة فى بدوّ الخطب العدنانية من العرب العرباء ومصاقع الخطباء سجدوا لفصاحتها وتططأوا دون سرادقات احاطتها ونسوا قصائدهم المعلقة ورجعوا عن منشآتهم المقررة المحققة ولقد احسن من نبه على التفاوت المذكور وقال على ما هو المشهود شعر : دربيان ودر فصاحت كى بودى يكسان سخن كرجه كوينده بودجون جاحظ وجون اصمعى از كلام ايزد بيجون كه وحى منزلست كى بود تبت يدا جون قيل يا ارض ابلعى تفسير : ألا ترى ان الله سبحانه وتعالى جعل الانبياء عليهم السلام متساوية الاقدام فى درجة النبوة وجعل استعدادات اممهم مختلفة فاختلافهم انما هو لمعنى فى نفسهم لا لمعنى فى الذى ارسل اليهم فلما كانت هذه الآيات الآفاقية والانفسية الواقعة فى مصحف الفرقان متباينة كانت الآيات البينات المندرجة فى مصحف القرآن كذلك اذ هو جامع لحقائق جميع النسخ الوجوبية والامكانية موافق لما فصله الكتب العلمية والاعيانية والله درشأن التنزيل فى الاشارة الى المراتب والله الغالب. قال فى التأويلات النجمية {وقيل يا ارض ابلعى ماءك} اى يا ارض البشرية ماء شهواتك ويا سماء القضاء اقلعى عن انزال مطر الآفات {وغيض الماء} ماء الفتن اى نقصت ظلمتها بنور الشرع وسكنت سورتها {وقضى الامر} اى انقضى ما كان مقدرا من طوفان الفتن للابتلاء {واستوت} اى سفينة الشريعة {على الجودى} وهو مقام التمكين يعنى ايام الطوفان كانت من مقامات التلوين فى معرض الآفات والهلاك فلما مضت تلك الايام آل الامر الى مقام التمكين وفيه النجاة والثبات ونيل الدرجات {وقيل بعدا} اى غرقة وهلاكا {للقوم الظالمين} الذين ظلموا انفسهم بالتقاعد عن ركوب سفينة الشريعة انتهى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (بعداً): منصوب على المصدر، أي: أبعَدوا بعداً. يقول الحق جل جلاله: {وقيل} أي: قال الله: {يا ارضُ ابلعي ماءك} الذي خرج منك، فانفتحت أفواهاً، فرجع إليها ما خرج منها، {ويا سماءُ أَقلعي}: أمسكي عن الإمطار. رُوي أنها أمطرت من كل موضع. فبقي ما نزل منها بحاراً على وجه الأرض. قال البيضاوي: نوديا بما ينادى به أولو العلم، وأُمرا بما يؤمنون به، تمثيلاً لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالأمر المطاع، الذي يأمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه. والبلع: النشف، والإقلاع: الإمساك. هـ. {وغيض الماءُ}؛ نقص ولم ينشف ما خرج منها، {وقُضِيَ الأمرُ}: وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين، وإنجاء المؤمنين، {واستوتْ}: استقرت السفينة {على الجُودي}؛ جبل بالموصل. وقيل: بالشام. وتقدم أنه نزل يوم عاشوراء، فصامه شكراً. وبقي ستة أشهر على الماء. {وقيل بُعداً للقوم الظالمين}؛ هلاكاً لهم. يقال بعد، إذا بعد بعداً بعيداً، بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك. وخص بدعاء السوء. والآية ـ كما ترى ـ في غاية الفصاحة؛ لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وإيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه، مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره؛ للعلم به، فإن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار. قاله البيضاوي. فإن قلت: قد عم الغرق الدنيا كلها، مع أن دعوة نوح عليه السلام لم تكن عامة، وقد قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]؟ فالجواب: أن الكفر قد كان عم الموجودين في ذلك الزمان، مع تمكنهم من النظر والاستدلال على الصانع وتوحيده، ومع قدرتهم على الإتيان إلى نوح في أمر الشرائع، فقصروا في الجهتين. وأيضاً: لم تكن الأرض كلها معمورة بالناس، فكل من كان موجوداً سمع بدعوة نوح فجحدها. والله تعالى أعلم. وانظر ابن عطية عند قوله: {واصنعِ الفلك}. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا توالت على القلب الواردات الإلهية السماوية، والأحوال النفسانية المزعجة، خيف على العقل الاختطاف والاصطدام، فقيل: يا أرض النفس ابلعي ماءك واسكني، ويا سماء الواردات أقلعي، وغيض الماء، أي: نقص هيجان الحال، وقضي الأمر بالاعتدال، واستوت سفينة الفكرة على جبل العقل، فحاز الشرف والكمال؛ لكونه برزخاً بين بحرين، يعطي الحقيقة حقها والشريعة حقها، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوفى كل ذي قسط قسطه. وقيل: بُعداً لمن تخلف عن هذا المقام، وظلم نفسه بإلقائها في سجن الهوى وغيهب الظلام. والله تعالى أعلم. ولمّا غرق كنعان مع من غرق، استفهم نوح عليه السلام ربه عن الوعد الذي وعده بإنجاء أهله، كما قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى في هذه الآية قصة نوح وقومه بأوجز لفظ وأبلغه، وبلوغ الغاية التي لا تدانيها بلاغة ولا تقاربها فصاحة، لأن قوله {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} اخبار منه عن إذهاب الماء عن وجه الارض في أوجز مدة فجرى ذلك مجرى ان قال لها ابلعي فبلعت. والبلع في اللغة انتزاع الشيء من الحلق إلى الجوف، فكانت الأرض تبلع الماء هكذا حتى صار في بطنها الغراء، يقال: بلعت وبلعت بفتح اللام وكسرها. وقوله {ويا سماء اقلعي} اخبار أيضاً عن اقشاع السحاب، وقطع المطر في أسرع وقت، فكأنه قال لها اقلعي فأقلعت. والاقلاع إذهاب الشيء من اصله حتى لا يبقى منه شيء. وأقلع عن الأمر إذا تركه رأساً. وقوله {وغيض الماء} أي أذهب به عن وجه الأرض إلى باطنها، يقال: غاض الماء يغيض غيضاً إذا ذهب في الارض. وقوله {وقضي الأمر} معناه أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام والقضاء وقوع الأمر على تمام وإحكام. وقوله {واستوت على الجودي} جبل معروف. قال الزجاج بناحية أمد، وقال غيره: بقرب جزيرة الموصل، قال زيد بن عمر بن نفيل: شعر : وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : وقيل: أرست على الجودي شهراً، وقال قتادة: اهبطوا يوم عاشوراء. وقوله {وقيل بعداً للقوم الظالمين} معناه أبعدهم الله من الخير بعداً، على وجه الدعاء. ويجوز أن يكون الله تعالى قال لهم ذلك. ويجوز أن يكون المؤمنون دعوا عليهم بذلك، وهو منصوب على المصدر. وقيل في هذه الآية وجوه كثيرة من عجيب البلاغة: منها أنه خرج مخرج الأمر على وجه التعظيم من نحو { أية : كن فيكون} تفسير : لأنه من غير معاناة، ولا لغوب. ومنها حسن تقابل المعنى. ومنها حسن ائتلاف الألفاظ. ومن ذلك حسن البيان في تصوير الحال. ومنها الايجاز من غير إخلال. ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال إلى غير ذلك مما عليه هذا الكلام في الحسن العجيب واللطف البديع.

الأعقم

تفسير : {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} أي انشفي ماءك الذي نبعت به من العيون {ويا سماء اقلعي} امسكي وليس هنا قول وأمر وإنما معناه أنه أذهب ماء الأرض وأمسك ماء السماء وغيض الماء يعني وذهب {وقضي الأمر} أي فرغ من هلاكَ قوم نوح {واستوت على الجودي} هو جبلٌ بالموصل، وقيل: إنها سارت لأول يوم من رجب، وقيل: لعشر مضين من رجب فسارت ستَّة أشهر، وقيل: كانت في الماء خمسين ومئة يوم واستقرت بهم على الجودي شهراً وهبط بهم يوم عاشوراء، وروي أنها مرَّت بالبيت فطافت به سبعاً وقد أعتقه الله من الغرق، وروي أن نوحاً (عليه السلام) صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكراً لله تعالى {فقال رب إن ابني من أهلي} لأنه كان ابنه من صلبه {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وقيل: ليس من أهلك ليس من أهل دينك، وقيل: كان دعاء ابنه إلى الايمان ودعاء ربه في ابنه ولم يكن عالماً بحاله {فلا تسألن ما ليس لك به علم} أي لا تسألني شيئاً حتى تعلم أنه جائز {قيل يا نوح اهبط} من السفينة {بسلام منَّا} أي سلامة ونجاة {وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} وهم المؤمنون {وأمم} ليسوا بمؤمنين {سنمتعهم} في الدنيا {ثم يمسهم} يصيبهم في الآخرة {منا عذاب أليم} {تلك} أي القصة المتقدمة {من أنباء الغيب} من أخبار ما غاب عنك {نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} القرآن وبيان القصة فيه، وقيل: من قبل هذه الأخبار والبيان {فاصبر} على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح أن العاقبة والفوز والنصر والغلبة للمتَّقين.

اطفيش

تفسير : {وقِيلَ} بعد تناهى الطوفان ومضى مدة {يا أرْضُ ابْلعِى} انشفى، استعار اللفظ الموضوع لجذب الطبيعة لمطعوم من الفم والحلق، وهو لفظ البلع لنشف الماء وتفويره، فاشتق منه ابلعى بمعنى غورى وانشفى {مَاءَكِ} أضافه إليها، لأنه على ظهرها، وليس المراد الماء الذى خرج منها فقط. {ويا سَماء أقْلِعى} أمسكى عن الإمطار، ومعنى أمرها بالإمساك بعد انقطاع نزول مائها، أمرها بالكف عن المعاودة، أو المراد أنه قيل لها حين كان الماء ينزل منها فى أواخر نزوله: أقلعى، وقيل للأرض: ابلعى بعد ذلك، فكانت تبلع شيئا فشيئا. وروى أن ماء الطوفان عذب، ولما أمر الله الأرض أن تبلع استعصى بعض البقاع فلعنه الله، وصار ماؤه مراً ونزا به سبخا لا ينبت، نادى الأرض والسماء، وأمرهما كالعقلاء، للدلالة على عظم قدرته حيث امتثلنا أمره بفور، لمعرفتهما جلاله، وعقابه. وفى نسخ المغاربة نقطة حمراء على ألف أقلعى، قلت: وجهه أن أن همزة أقلعى همزة قطع، لأن ماضيه رباعى وسهلت، فلذلك لم يكتب صفراء، وحكم تسهيلها أن تقرأ بين همزة وواو، ولوقوعها بعد ضمة، ولو سبقتها كسرة لكانت بين ياء وهمزة، وفى غير ذلك بينها وبين ما يناسب حركتها، وذلك قراءة الحرمين وأبى عمرو، حيث اجتمعت همزتان من كلمتين، واختلفت حركتهما، وغيرهم يحققونهما ولا يمكن التسهيل إذا وقف على الأولى. {وغِيضَ الماءُ} أنقص بالبناء للمفعول، وقيل: هو بمعنى المبنى للفاعل، أى غاض أى نقص بالبناء للفاعل، والتحقيق الأول، فإن غاض يستعمل متعديا ولازما، وهذا من المتعدى، والأصل غاض الله الماء كما قال الشيخ خالد، وغاضت الأرض الماء، وقرأ فى السبع: قيل وغيض بالإشمام. {وقُضِىَ الأمرُ} أنجز ما وعد به من إنجاء المؤمن، وإهلاك الكافر، والجملة معطوفة أو حال. {واسْتَوتْ عَلى الجُودِىِّ} استقرت السفينة على جبل يسمى الجودىّ، وهو بالوصل، وقيل: بالجزيرة قرب الموصل، فى موضع يقال له ياقوت، وقيل: بالشام، وقيل: ببابل، وقيل: بناحية آمد، وقيل: باقردى. قال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الماء، فعلاها الماء خمسة عشر ذراعا، وتواضع الجودى بأمر ربه فلم يغرق، ورست السفينة عليه، قلت: إذا لم يغرق كيف ترسو عليه؟. فالحق أنه غرق، وقد ذهبت هذه السفينة وتلاشت، وقيل: بقيت إلى أن أدركها أوائل هذه الأمة، وأخذوا من مساميرها. قال فى عرائس القرآن: قال أهل التاريخ، أرسل الله عز وجل الطوفان لثلاث عشرة مضت من آب، سنة تسعمائة وخمسين من عمر نوح، تتمة ألف سنة ومائتين وست وخمسين سنة، من لدن أهبط آدم من الجنة، وركب لعشر خلون من رجب، وخرجوا منها فى عاشر المحرم، وأقاموا فى الفلك ستة أشهر، وصام ذلك اليوم وهو يوم عاشوراء، وأمر بصومه كل من فى السفينة من: وحش، وطير، ودابة، وإنس، فصاموا شكراً لله تعالى، وعاش بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وعمره كان أطول الأنبياء عمراً. قيل له لما احتضر: كيف وجدت الدنيا؟ قال: كبيت له بابان، دخلت من أحدهما وخرجت [من] الآخر، ويقال له شيخ المرسلين، وكبير النبيين، وفى نفسه معجزة لطول عمره يعارض بها من جاء بعد خروجه من أعمار أهل تلك القرون، لم يقص له سن ولا قوة، ولم يبالغ رسول فى دعوة قومه مثله، ولا لقى من قومه ما لقى من قومه من الضرب والأذى والجفاء. ولما استقرت بعث الغراب ليأتيه بخير الأرض، فوقع على جيفة فاشتغل بها، فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون فى منقارها، ولطخت رجليها بالطين، فعلم أن الماء قد ذهب، فدعى على الغراب بالخوف، فلذلك كان لا يألف البيوت، وطوق الحمامة بالخضرة التى فى عنقها، ودعى لها بالأمان، فمن ثم تألف البيوت. وقيل: إن السفينة كانت فى الماء خمسين ومائة يوم، وعلى الجودى شهراً، فهبطوا. وذكر التلاتى: أنه فتح بابا من أبوابها ونظر إلى أرض فوجدها بيضاء فقال له الله: هذه عظام قومك، فحزن عليهم وناح، فسمى نوحا، قلت: لعل هذه الفاء لمجرد السببية، وإلا فقد سمى نوحاً قبل هذا لكونه يحزن وسينوح، وقيل سمى لكثرة بكائه على نفسه، وأوحى الله كيف تحزن عليهم، وقد كذبوك، وأنا أهلكت كبارهم بأعمالهم وصغارهم لعلمى فيهم ما لا علم لك به، والقوس الذى جعلته فى السماء أمان من الغرق، وأنه دعى على الغراب فاسودّ وكان أبيض قبل ذلك، وأن الحمامة لما رجعت قالت: يا نبى الله قد هلكت الأرض ومن عليها، ولم يبق فيها شئ من الشجر إلا الزيتون، فإنه على حاله، ولم يبق الماء إلا فى بلاد الهند، وآخر ماء بقى فى الأرض من الطوفان بقى أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، وعن ابن عباس: لا تقولوا قوس قزح، فإن قزح الشيطان، وكذا قال ابن مسعود، وروى أن السفينة استوت على الجودى فى ذى الحجة، وأقام فيها عليه شهرا، وأن الله سبحانه أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسو على واحد منها، فتطاولت كلها محبة أن تقف عليها إلا الجودى، فلم يتطاول تواضعا لله تعالى فأرساها عليه. {وقِيلَ} قال الله {بُعداً للقَوْم الظَّالمينَ} المشركين وهم قوم نوح، والبعد الهلاك، قيل: لم يبق كافر إلا عوج بن عناق، ويقال بعد كسر العين بُعداً بضم الباء وإسكان العين، وبعداً بفتحهما إذا هلك، وهو مأخوذ من البعد الذى هو ضد القرب، فإن من بَعُد بُعداً بعيداً حتى لا يرجى عوده كهالك، وذكر بعض أن ذلك استعارة للهلاك، ولا ينافيه قول الصحاح: البُعد الهلاك لأنه كثيراً مما يذكر المعنى المجازى، وبنيت الأفعال للمفعول فى ذلك، لأنه لا يتوهم أن فاعلها غير الله، إذ لا يقدر عليها سواه، والآية فى غاية الفصاحة مع الإيجاز الخالى عن الإخلال، وقيل: يجوز أن يكون قائل: {بُعداً للقوم الظالمين} نوحاً عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ} خاطبها أَولا لأَن الماءَ نبع منها أولا قبل نزول ماءِ السماءِ، أَى الماءُ الذى فيك منك أَو من السماءِ، والمراد بأَمر فى جاءَ أَمرنا ومن أَمر الله الإِهلاك لا الماءُ فضلا عن أَن يقال عبر بالأَمر فى ذلك للتهويل عن الماءِ وهنا بالماءِ لأَن المقام النقص {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِى} أَمر السماءَ بالإِقلاع حين علا الماءُ على الجبل الأَعلى أَربعين ذراعا، وكانت السفينة تجرى بعد ذلك وقد كفت الماءُ وبعد ذلك بمدة أَمر الأَرض بالبلع، فقدم ما أَخر وأَخر ما قدم، ويجوز أَن تكون السماءُ ما زالت تنزل فى غير السفينة مع جريان السفينة إِلى أَن أَراد الله فأَمر السماءَ بالكف والأَرض بالبلع، ولعل الأَرض أَيضا ما زالت تنبع كالسماءِ فأَمرها ببلع ما عليها من مائِها وماءِ السماءِ، وقيل ماءُ السماءِ صار بحارا، وقيل الجارى من الماءِ الذى عليه العرش والبلع وظيفتها، وليس للسماءِ بلع ولكن كف فكفت، وحذف ذكر أَن يقول للأَرض أَقلعى، والبلع إِدخال الطعام أَو الشراب فى البطن تشبيها بأَكل الحيوان ما يأْكل أَو يشرب وهو حقيقة فيهما، وقيل حقيقة فى الطعام فقط وليس كذلك، وزعم بعض أَن البلع الازدراد لغة حبشية وبعض أَنه بمعنى الشرب لغة هندية، وكل من فسر القرآن بغير لغة العرب فهو من المغرقين فى الجهل إِلا ما قام دليله، والإِقلاع الكف. وتقدير الكلام: وقال الله أَى أَمر بالبلع والإِقلاع وإِنجاءِ المؤمنين، وقيل أَتم الأَمر ومكثت السفينة على الماءِ خمسة أَشهر وعلى الجودى شهرا أَو أَربعين يوما، وقيل جرت ستة أَشهر {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ} استقرت عليه، وإِذا أُريد القصد تعدى بإِلى نحو قوله تعالى: {ثم استوى إِلى السماءِ} [البقرة: 29 ، فصلت: 11]. والجودى جبل بالموصل أَو بالشام أَو بآمد بالمد وضم الميم، ويجوز فتحها وبعض يقول آمل باللام، وقيل جبل بالعراق وخرجوا منها فى عاشر المحرم وقد ركبوها فى عاشر رجب أَو حادى عشر منه وصاموا بقية يومهم، أَو نووا الصوم من قبل فجره، وذلك شكر لله تعالى على إِنجائِهم وإِهلاك عدوهم، وقيل صام معهم الوحش والطير والدواب والأَنعام، وكانت قرية الثمانين قريبة من الجودى، أَوحى الله إِلى الجبال أَن السفينة ترسو على واحد منها فتطاولت إِلا الجودى فإِنه بقى على حاله تواضعا لله فأَرساها الله عليه، قال صلى الله عليه وسلم حديث : بقى منها شىءٌ أَدركه أَوائِل هذه الأُمةتفسير : ، وأَراد نوح عليه السلام أَن يبعث من يأْتيه بخبر الأَرض فقال الدجاج: أَنا، فأَخذه وختم على جناحه وقال أَنت بخاتمى لا تطيرى أَبداً تنتفع بك اُمتى، فبعث الغراب فأَصاب جيفة فأَكل منها فلعنه، قيل وذلك يقتل فى الحرم ودعا عليه بالخوف فلا يأْلف البيوت، وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقفت على شجرة فى سبإِ، فحملت ورقة زيتون إِليه وعلم أَنها لم تستمكن من الأَرض ثم بعثها بعد فرأَت موضع الكعبة باديا وقد هدمها الطوفان وحفظ الحجر فى أَبى قبيس، وكانت تربتها حمراءَ فخضبت رجليها بها فجاءَته فقالت: بشراى أَن تجعل الطوق فى عنقى والخضاب فى رجلى وأَن أَسكن الحرم، فمسح على عنقها فطوقها ووهب لها الحمرة فى رجليها ودعا لها ولأَولادها بالبركة وفى أَهل بيت يتخذها وبأَن تحبب إِلى الناس، وقال لولا أَن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أَن يجعل رأْسك من الذهب، واعلم أَنى أَذكر القصص فى التفسير ولو مع كثير منها عندى ليستريح إِليها القارىء والمستمع {وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} مصدر بعد بالضم والكسر بمعنى هلك أَو بعد بالضم ضد قرب، واللام متعلقة به أَو بناصبه المحذوف أَو بمحذوف خبر أَى ذلك للقوم أَو بقيل، ذكرهم بلفظ الظلم لأَنه علة هلاكهم ولاستحضار ما مر من قوله ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا، وأَما الأَطفال فأُغرقوا كما أُغرقت الدواب وكما أُهلكت أَطفال الأُمم السابقة معهم، لا عقوبة إِذ لا ذنب لهم ماتوا بالطوفان كما يموتون بالعقرب والحية والحرق وغير ذلك، عافانا الله بحق الله لا إِله إِلا هو رب العرش العظيم، ولم يصح ما قيل أُعقمت أَرحام النساءِ قبل الطوفان أَربعين عاما، وهذا كما قيل تعقم قبل الساعة بأَربعين عاما. ويروى أَن قريشا عكفوا على لباب البر ولحم الضان وسلاف الخمر أَربعين يوما لتصفوا دهانهم فيعارضوا القرآن فأَخذوا فى قصدهم فسمعوا قوله تعالى: وقيل يا أَرض. الآية فقال بعض لبعض هذا لا يشبه كلام الخلق فتفرقوا عن المعارضة.

الالوسي

تفسير : {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي} أي انشفي استعير من ازدراد الحيوان ما يأكله للدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد التدريجي، وتخصيص البلع بما يؤكل هو المشهور عن اللغويين، وقال الليث: يقال: بلع الماء إذا شربه وهو ظاهر في أنه غير خاص بالمأكول، وذكر السيد أن ذلك مجاز، وأخرج ابن المنذر وغيره عن وهب بن منبه أن البلع بمعنى الازدراد لغة حبشية، وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه بمعنى الشرب لغة هندية {مَآءَكِ} أي ما على وجهك من ماء الطوفان وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل {وَيٰسَمَآء أَقْلِعِي} أي أمسكي عن إرسال المطر يقال: أقلعت السماء إذا انقطع مطرها؛ وأقلعت الحمى إذا كفت، والظاهر أن المطر لم ينقطع حتى قيل للسماء ما قيل، وهل فوران الماء كان مستمراً حتى قيل للأرض ما قيل أم لا؟ لم أر فيه شيئاً، والآية ليست نصاً في أحد الأمرين {وَغِيضَ ٱلْمَآء} أي نقص يقال: غاضه إذا نقصه وجميع معانيه راجعة إليه. وقول الجوهري: غاض الماء إذا قل ونضب، وغيض الماء فعل به ذلك لا يخالفه فإن القلة عين النقصان، وتفسير ذلك بالنقص مروي عن مجاهد {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي أنجز ما وعد الله تعالى نوحاً عليه السلام من إهلاك كفار قومه وإنجائه بأهله المؤمنين، وجوز أن يكون المعنى أتم الأمر. {وَٱسْتَوَتْ} استقرت يقال: استوى على السرير إذا استقر عليه {عَلَى ٱلْجُودِيّ} بتشديد الياء، وقرأ الأعمش وابن أبـي عبلة بتخفيفها وهما لغتان كما قال ابن عطية وهو جبل بالموصل أو بالشام أو بآمل ـ بالمد وضم الميم - والمشهور الأول. / وجاء في بعض الآثار أن الجبال تشامخت إذ ذاك وتواضع هو لله تعالى شأنه فأكرمه سبحانه باستواء السفينة عليه، ومن تواضع لله سبحانه رفعه، وكان استواؤها عليه يوم عاشوراء، فقد أخرج أحمد وغيره عن أبـي هريرة قال: «مر النبـي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: حديث : ما هذا الصوم؟ تفسير : فقيل: هذا اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله تعالى، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم:«حديث : أنا أحق بموسى عليه السلام وأحق بصوم هذا اليوم فصامه وأمر أصحابه بالصوم»تفسير : وأخرج الأصبهاني في «الترغيب» عنه رضي الله تعالى عنه أنه اليوم الذي ولد فيه عيسى عليه السلام أيضاً وأن صيامه يعدل سنة مبرورة. وكان ركوبه عليه السلام فيما روي عن قتادة في عشر خلون من رجب. وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعاً أنه عليه السلام ركب في أول يوم من رجب فصام هو ومن معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح عليه السلام وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكراً لله. وفي بعض الآثار أنها طافت بهم الأرض كلها ولم تدخل الحرم لكنها طافت به أسبوعاً وأن الحجر الأسود خبىء في جبل أبـي قبيس وأن البيت رفع إلى السماء، وفي رواية ابن عساكر عن مجاهد أنه لم يدخل الحرم من الماء شيء، والظاهر على هذا أنه لا خبء كما أنه لا رفع، وعندي أن رواية ثبوتهما جميعاً مما لا تكاد تصح، وبفرض صحتها لا يظهر لي سر رفع البيت بلا حجر وخبء الحجر بلا بيت بل عندي في رفع البيت مطلقاً تردد، وإن كنت ممن لا يتردد في أن الله تعالى على كل شيء قدير. {وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي هلاكاً لهم، واللام صلة المصدر، وقيل: متعلق بقيل وأن المعنى قيل لأجلهم بعداً وهو خلاف الظاهر. والتعرض لوصف الظلم للإشعار بعليته للهلاك ولتذكير ما سبق في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [هود: 37] ولا يخفى ما في هذه الآية أيضاً من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، ويشهد لذلك آيات أخر وأخبار كثيرة بل فيها ما هو على علاته ظاهر في عموم هلاك من على الأرض ما عدا أهل السفينة فعن عبيد بن عمير أن فيمن أصاب الغرق امرأة معها صبـي لها فوضعته على صدرها فلما بلغها الماء وضعته على منكبها فلما بلغها الماء وضعته على يديها فقال الله سبحانه: لو رحمت أحداً من أهل الأرض لرحمتها ولكن حق القول مني. وزعم بعضهم أنه لم ينج أحد من الكفار سوى عوج بن عوق وكان الماء يصل إلى حجزته، وسبب نجاته أن نوحاً عليه السلام احتاج إلى خشب ساج فلم يمكنه نقله فحمله عوج من الشام إليه عليه السلام فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك، وظاهر كلام «القاموس» يقتضي نجاته. فقد ذكر فيه ((عوج بن عوق ـ بضمهما ـ رجل ولد في منزل آدم عليه السلام فعاش إلى زمن موسى عليه السلام))، والحق أنه لم ينج أحد من الكفار أصلاً، وخبر عوج يرويه هيان بن بيان فلا تعج إلى القول به ولا يشكل إغراق الأطفال الذين لا ذنب لهم لما أنه مجرد سبب للموت بالنسبة إليهم وأي محذور في إماتة من لا ذنب له وفي كل وقت يميت الله سبحانه من ذلك ما لا يحصى وهو جل شأنه المالك الحق والمتصرف المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يحتاج في الجواب إلى ما أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن رجال سماهم أن الله تعالى أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاماً وأعقم نساءهم فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير فبلغ الحنث وصارت لله تعالى / عليهم الحجة ثم أنزل السماء عليهم بالطوفان إذ يبقى عليه مع ضعفه والتعارض بينه وبين الخبر السابق آنفاً أمر إهلاك ما لم يكن في السفينة من الحيوانات وقد جاء عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن نوحاً عليه السلام لما حمل من حمل في السفينة رأت البهائم والوحش والسباع العذاب فجعلت تلحس قدمه عليه السلام وتقول: احملنا معك فيقول: إنما أمرت أن أحمل من كل زوجين اثنين ولم يحملها وكذا لا يحتاج إلى الجواب بأن الله تعالى إنما أهلك أولئك الأطفال لعلمه جل شأنه بما كانوا فاعلين وذلك كما يقال في وجه إدخال أطفال الكفار النار يوم القيامة على قول من يراه لما أن فيه ما فيه، وبالجملة إماتة الأحياء بأي سبب كان دفعة أو تدريجاً مما لا محذور فيه ولا يسئل عنه. هذا واعلم أن هذه الآية الكريمة قد بلغت من مراتب الإعجاز أقاصيها واستدلت مصاقع العرب فسفعت بنواصيها وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان وكانت من سَمْهَرِي البلاغة مكان السنان. يروى أن كفار قريش قصدوا أن يعارضوا القرآن فعكفوا على لباب البر ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوماً لتصوف أذهانهم فلما أخذوا فيما قصدوه وسمعوا هذه الآية قال بعضهم لبعض: هذا الكلام لا يشبه كلام المخلوقين فتركوا ما أخذوا فيه وتفرقوا، ويروى أيضاً أن ابن المقفع ـ وكان كما في «القاموس» فصيحاً بليغاً، بل قيل: إنه أفصح أهل وقته ـ رام أن يعارض القرآن فنظم كلاماً وجعله مفصلاً وسماه سوراً فاجتاز يوماً بصبـي يقرؤها في مكتب فرجع ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبداً وما هو من كلام البشر، ولا يخفى أن هذا لا يستدعي أن لا يكون سائر آيات القرآن العظيم معجزاً لما أن حد الإعجاز هو المرتبة التي يعجز البشر عن الإتيان بمثلها ولا تدخل على قدرته قطعاً، وهي تشتمل على شيئين: الأول: الطرف الأعلى من البلاغة أعني ما ينتهي إليه البلاغة ولا يتصور تجاوزها إياه، والثاني: ما يقرب من ذلك الطرف أعني المراتب العلية التي تتقاصر القوى البشرية عنها أيضاً؛ ومعنى إعجاز آيات الكتاب المجيد بأسرها هو كونها مما تتقاصر القوى البشرية عن الإتيان بمثلها سواء كانت من القسم الأول أو الثاني، فلا يضر تفاوتها في البلاغة وهو الذي قاله علماء هذا الشأن، وأنشد بعض الفرس في ذلك: شعر : در بيان ودر فصاحت كي بود يكسان سخن ورجه كوينده بودوجون حافظ وجون أصمعي در كلام ايزد بيجون كه وحى منزلست كي بود تيت يداجون قيل: يا أرض ابلعي تفسير : وقد فصل بعض مزايا هذه الآية المهرة المتقنون وتركوا من ذلك ما لا يكاد يصفه الواصفون، ولا بأس بذكر شيء مما ذكر إفادة لجاهل وتذكير لفاضل غافل، فنقول: ذكر العلامة السكاكي أن النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة، ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية، أما النظر فيها من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بذلك من القرينة والترشيح والتعريض فهو أنه عز سلطانه لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد وأن نقطع طوفان السماء فانقطع وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض وأن نقضي أمر نوح عليه السلام وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه فقضي وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت وأبقينا الظلمة غرقى، بنى سبحانه الكلام على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتى منه لكمال هيبته من الآمر العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويراً لاقتداره سبحانه العظيم، وأن هذه الأجرام العظيمة من السماوات والأرض تابعة لإرادته تعالى إيجاداً وإعداماً ولمشيئته فيها تغييراً وتبديلاً / كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه جل شأنه حق معرفته وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده وتصوروا مزيد اقتداره فعظمت مهابته في نفوسهم وضربت سرادقها في أفنية ضمائرهم فكما يلوح لهم إشارته سبحانه كان المشار إليه مقدماً، وكما يرد عليهم أمره تعالى شأنه كان المأمور به متمماً لا تَلَقَّيَ لإشارته بغير الإمضاء والانقياد ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال، ثم بنى على مجموع التشبيهين نظم الكلام فقال جل وعلا: {قِيلَ} على سبيل المجاز عن الإرادة من باب ذكر المسبب وإرادة السبب لأن الإرادة تكون سبباً لوقوع القول في الجملة وجعل قرينة هذا المجاز خطاب الجماد وهو {يٰأَرْضُ} {وَيٰسَمَآءُ} إذ يصح أن يراد حصول شيء متعلق بالجماد ولا يصح القول له ثم قال سبحانه كما ترى: {يٰأَرْضُ} {وَيٰسَمَآءُ} مخاطباً لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور، والظاهر أنه أراد أن هناك استعارة بالكناية حيث ذكر المشبه أعني السماء والأرض المراد منهما حصول أمر وأريد المشبه به أعني المأمور الموصوف بأنه لا يتأتى منه العصيان ادعاء بقرينة نسبة الخطاب إليه ودخول حرف النداء عليه ـ وهما من خواص المأمور المطيع ـ ويكون هذا تخييلاً. وقد يقال: أراد أن الاستعارة هٰهنا تصريحية تبعية في حرف النداء بناءً على تشبيه تعلق الإرادة بالمراد منه بتعلق النداء والخطاب بالمنادى المخاطب وليس بشيء إذ لا يحسن هذا التشبيه ابتداءاً بل تبعاً للتشبيه الأول فكيف يجعل أصلاً لمتبوعه؟! على أن قوله للشبه المذكور يدفع هذا الحمل. ثم استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي. وفي «الكشاف» جعل البلع مستعاراً لنشف الأرض الماء وهو أولى، فإن النشف دال على جذب من أجزاء الأرض لما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان، ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل الماء مع الطباق بين الفعلين تعدياً، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيهاً له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوي الآكل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة {ٱبْلَعِي} لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء. ولا يخفى عليك أنه إذا اعتبر مذهب السلف في الاستعارة يكون {ٱبْلَعِي} استعارة تصريحية ومع ذلك يكون بحسب اللفظ قرينة للاستعارة بالكناية في الماء على حد ما قالوا في {أية : يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 27] وأما إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون البلع باقياً على حقيقته كالإنبات في أنبت الربيع البقل وهو بعيد، أو يجعل مستعاراً لأمر متوهم كما في نطقت الحال، فيلزمه القول بالاستعارة التبعية كما هو المشهور، ثم إنه تعالى أمر على سبيل الاستعارة للتشبيه الثاني وخاطب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء. والحاصل أن في لفظ {ٱبْلَعِي} باعتبار جوهره استعارة لغور الماء وباعتبار صورته أعني كونه صورة أمر استعارة أخرى لتكوين المراد وباعتبار كونه أمر خطاب ترشيح للاستعارة المكنية التي في المنادى فإن قرينتها النداء وما زاد على قرينة المكنية يكون ترشيحاً لها، وأما جعل النداء استعارة تصريحية تبعية حتى يكون خطاب الآمر ترشيحاً لها فقد عرفت ما فيه، ثم قال جل وعلا: {مَآءَكِ} بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح، وحاصله أن هناك مجازاً لغوياً في الهيئة الإضافية الدالة على الاختصاص الملكي ولهذا جعل الخطاب ترشيحاً لهذه الاستعارة من حيث أن الخطاب يدل على صلوح الأرض للمالكية فما قيل: إن المجاز عقلي والعبارة مصروفة عن الظاهر ليس بشيء، ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان من المطر أو الفعل ففي {أَقْلِعِي} / استعارة باعتبار جوهره وكذا باعتبار صيغته أيضاً وهي مبنية على تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ، والخطاب فيه أيضاً ترشيح لاستعارة النداء، والحاصل أن الكلام فيه مثل ما مر في {ٱبْلَعِي} ثم قال سبحانه: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْدًا} فلم يصرح جل وعلا بمن غاض الماء ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة وقال بعداً كما لم يصرح سبحانه بقائل {يٰأَرْضُ} {وَيٰسَمَآءُ} في صدر الآية سلوكاً في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية لأن تلك الأمور العظام لا تصدر إلا من ذي قدرة لا يكتنه قهار لا يغالب فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلاً: يا أرض ويا سماء ولا غائض مثل ما غاض ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن يكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره. والحاصل أن الفعل إذا تعين لفاعل بعينه استتبع لذلك أن يترك ذكره ويبني الفعل لمفعوله، أو يذكر ما هو أثر لذلك الفعل على صيغة المبني للفاعل، ويسند إلى ذلك المفعول فيكون كناية عن تخصيص الصفة التي هي الفعل بموصوفها، وهذا أولى مما قيل في تقرير الكناية هنا: إن ترك ذكر الفاعل وبناء الفعل للمفعول من لوازم العلم بالفاعل وتعينه لفاعلية ذلك الفعل فذكر اللازم وأريد الملزوم لما أن {وَٱسْتَوَتْ} غير مبني للمفعول ـ كقيل وغيض ـ ثم إنه تعالى ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلك أولئك القوم في تكذيب الرسل عليهم السلام ظلماً لأنفسهم لا غير ختم إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامه الطوفان وتلك الصورة الهائلة ما كانت إلا لظلمهم كما يؤذن بذلك الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم والوصف بالظلم مع تعليق الحكم به، وذكر بعضهم أن البعد في الأصل ضد القرب وهو باعتبار المكان ويكون في المحسوس، وقد يقال في المعقول نحو {أية : ضَلُّواْ ضَلَـٰلاَ بَعِيداً}تفسير : [النساء: 167] واستعماله في الهلاك مجاز، قال ناصر الدين: يقال بعد بعداً بضم فسكون وبعداً بالتحريك إذا بعد بعداً بعيداً بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ولم يفرق في «القاموس» بين صيغتي الفعل في المعنيين حيث قال: ((البُعْدُ معروف والموتُ وفِعْلُهما ـ ككَرُمَ وفَرِحَ ـ بُعْداً وبَعَداً)) فافهم. وزعم بعضهم أن الأرض والسماء أعطيتا ما يعقلان به الأمر فقيل لهما حقيققة ما قيل، وأن القائل {بُعْدًا} نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر ولا أثر فيه يعول عليه، والكلام على الأول أبلغ. وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها فذلك أنه اختير {يا} دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المبادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزة والجبروت، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به ولم يقل يا أرضي بالكسر لأن الإضافة إلى نفسه جل شأنه تقتضي تشريفاً للأرض وتكريماً لها فترك إمداداً للتهاون لم يقل يا أيتها الأرض مع كثرته في نداء أسماء الأجناس قصداً إلى الاختصار والاحتراز عن تكلف التنبيه المشعر بالغفلة التي لا تناسب ذلك المقام، واختير لفظ الأرض والسماء على سائر أسمائهما كالمقلة والغبراء وكالمظلة والخضراء لكونهما أخصر وأورد في الاستعمال وأوفى بالمطابقة، فإن تقابلهما إنما اشتهر بهذين الاسمين، واختير لفظ {ٱبْلَعِي} على ابتعلي لكونه أخصر وأوفر تجانساً ـ باقلعي ـ لأن همزة الوصل إن اعتبرت تساوياً في عدد الحروف وإلا تقاربا فيه بخلاف ابتلعي، وقيل: {مآءَك} بالإفراد دون الجمع لما فيه من صورة الاستكثار المتأبى عنها مقام إظهار الكبرياء وهو الوجه في إفراد الأرض والسماء وإنما لم يقل {ٱبْلَعِي} بدون المفعول لئلا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن نظراً إلى / مقام عظمة الآمر المهيب وكمال انقياد المأمور، ولما علم أن المراد بلع الماء وحده علم أن المقصود بالاقلاع إمساك المساء عن إرسال الماء فلم يذكر متعلق {أَقْلِعِي} اختصاراً واحترازاً عن الحشو المستغنى عنه وهذا هو السبب في ترك ذكر حصول المأمور به بعد الأمر فلم يقل قيل يا أرض ابلعي فبلعت ويا سماء اقعلي فأقلعت لأن مقام الكبرياء وكمال الانقياد يغني عن ذكره الذي ربما أوهم إمكان المخالفة، واختير {غِيضَ} على غيض المشدد لكونه أخصر. وقيل: {ٱلْمَآءُ} دون ماء طوفان السماء، وكذا {ٱلأَمْرُ} دون أمر نوح وهو إنجاز ما وعد لقصد الاختصار، والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك لأنه إما بدل من المضاف إليه كما هو مذهب الكوفية، وإما لأنه يغني غناء الإضافة في الإشارة إلى المعهود، واختير {وَٱسْتَوَتْ} على سويت أي أقرت مع كونه أنسب بأخواته المبنية للمفعول اعتباراً لكون الفعل المقابل للاستقرار أعني الجريان منسوباً إلى السفينة على صيغة المبني للفاعل في قوله تعالى: {أية : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ }تفسير : [هود: 42] مع أن {وَٱسْتَوَتْ} أخصر من سويت، واختير المصدر أعني {بُعْدًا} على ليبعد القوم طلباً لتأكيد معنى الفعل بالمصدر مع الاختصار في العبارة وهو نزول {بُعْدًا} وحده منزلة ليبعدوا بعداً مع فائدة أخرى هي الدلالة على استحقاق الهلاك بذكر اللام، وإطلاق الظلم عن مقيداته في مقام المبالغة يفيد تناول كل نوع فيدخل فيه ظلمهم على أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في التكذيب من حيث أن تكذيبهم للرسل ظلم على أنفسهم لأن ضرره يعود إليهم، هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم. وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذلك أنه قدم النداء على الأمر فقيل: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي ... وَيٰسَمَاء أَقْلِعِي} دون أن يقال: ابلعي يا أرض، واقلعي يا سماء جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى قصداً بذلك لمعنى الترشيح للاستعارة المكنية في الأرض والسماء، ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء لكونها الأصل نظراً إلى كون ابتداء الطوفان منها حيث فار تنورها أولاً، ثم جعل قوله سبحانه: {وَغِيضَ ٱلْمَآء} تابعاً لأمر الأرض والسماء لاتصاله بقصة الماء وأخذه بحجزتها، ألا ترى أصل الكلام: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقعلي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله وغيض الماء النازل من السماء فغاض. وقيد الماء بالنازل وإن كان في الآية مطلقاً لأن ابتلاع الأرض ماءها فهم من قوله سبحانه: {ٱبْلَعِي مَآءكِ}. واعترض بأن الماء المخصوص بالأرض إن أريد به ما على وجهها فهو يتناول القبيلين الأرضي والسمائي وإن أريد به ما نبع منها فاللفظ لا يدل عليه بوجه، ولهذا حمل الزمخشري الماء على مطلقه، وأشعر كلامه بأن غيض الماء إخبار عن الحصول المأمور به من قوله سبحانه: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءكِ وَيٰسَمَآء أَقْلِعِي} فالتقدير قيل لهما ذلك فامتثلا الأمر ونقص الماء. ورجح الطيبـي ما ذهب إليه السكاكي زاعماً أن معنى الغيض حينئذ ما قاله الجوهري، وهو عنده مخالف للمعنى الذي ذكره الزمخشري فقال: إن إضافة الماء إلى الأرض لما كانت ترشيحاً للاستعارة تشبيهاً لاتصاله بها باتصال الملك بالمالك ولذا جيء بضمير الخطاب اقتضت إخراج سائر المياه سوى الذي بسببه صارت الأرض مهيأة للخطاب بمنزلة المأمور المطيع وهو المعهود في قوله تعالى: {أية : وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}تفسير : [هود: 40] وبهذا الاعتبار يحصل التواغل في تناسي التشبيه والترشيح، ولو أجريت الإضافة على غير هذا تكون كالتجريد وكم بينهما، هذا ولو حمل على العموم / لاستلزم تعميم ابتلاعه المياه بأسرها لورود الأمر من مقام العظمة كما علمت من كلام السكاكي، وليس بذاك، وتعقبه في «الكشف» بأنه دعوى بلا دليل ورد يمين إذ لا معهود، والظاهر ما على وجه الأرض من الماء ولا ينافي الترشيح وإضافة المالكية، ثم الظاهر من تنزيل الماء منزلة الغذاء أن تجعل الإضافة من باب إضافة الغذاء إلى المغتذي في النفع والتقوية وصيرورته جزءاً منه ولا نظر فيه إلى كونه مملوكاً أو غير ذلك، وأما التعميم فمطلوب وحاصل على التفسيرين لانحصار الماء في الأرض والسمائي، وقد قلتم بنضوبهما من قوله سبحانه فبلعت وقوله تعالى: {وَغِيضَ} ولا شك أن ما عندنا من الماء غير ماء الطوفان. هذا والمطابق تفسير الزمخشري، ألا ترى إلى قوله جل وعلا: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ }تفسير : [القمر: 12] أي الأرضي والسمائي، وهٰهنا تقدم الماءان في قوله سبحانه: {مَآءكِ وَيٰسَمَآء أَقْلِعِي} لأن تقديره عن إرسال الماء على زعمهم، فإذا قيل: وغيض الماء رجع إليهما لا محالة لتقدمهما، ثم إذا جعل من توابع {أَقْلِعِي} خاصة لم يحسن عطفه على أصل القصة أعني {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي} كيف وفي إيثار هذا التفسير الإشارة إلى أنه زال كونه طوفاناً لأن نقصان الماء غير الإذهاب بالكلية، وإلى أن الأجزاء الباطنة من الأرض لم تبق على ما كانت عليه من قوة الإنباع ورجعت إلى الاعتدال المطلوب وليس في الاختصاص بالنضوب هذا المعنى البتة انتهى. وزعم الطبرسي أن أئمة البيت رضي الله تعالى عنهم على أن الماء المضاف هو ما نبع وفار وأنه هو الذي ابتلع وغاض لا غير، وأن ماء السماء صار بحاراً وأنهاراً. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبـي عن ابن عباس ما يؤيده، وهذا مخالف لما يقتضيه كلام السكاكي مخالفة ظاهرة، وفي القلب من صحته ما فيه، ثم إنه تعالى أتبع غيض الماء ما هو المقصود الأصلي من القصة، وهو قوله جلت عظمته: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} ثم أتبع ذكر المقصود حديث السفينة لتأخره عنه في الوجود، ثم ختمت القصة بالتعريض الذي علمته، هذا كله نظر في الآية من جانبـي البلاغة. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف وتأدية لها ملخصة مبينة لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها ومعانيها تسابق ألفاظها فما من لفظة فيها تسبق إلى أذنك إلا ومعناها أسبق إلى قلبك، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة سليمة عن التنافر بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسة على الاسلات كل منها كالماء في السلالة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة، ولله تعالى در التنزيل ماذا جمعت آياته: شعر : وعلى تفنن واصفيه بحسنه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف تفسير : وما ذكر في مزايا هذه الآية بالنسبة إلى ما فيها قطرة من حياض وزهرة من رياض، وقد ذكر ابن أبـي الإصبع أن فيها عشرين ضرباً من البديع من أنها سبع عشرة لفظة وذلك المناسبة التامة في {ٱبْلَعِي} و {أَقْلِعِي} والاستعارة فيهما والطباق بين الأرض والسماء والمجاز في {يٰسَمَآء} فإن الحقيقة يا مطر السماء، والإشارة في {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} فإنه عبر به عن معان كثيرة لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها فينقص ما على وجه الأرض، والإرداف في {وَٱسْتَوَتْ} والتمثيل في {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} والتعليل فإن غيض الماء علة للاستواء وصحة التقسيم فإنه استوعب أقسام الماء حال نقصه والاحتراس في الدعاء لئلا يتوهم أن الغرق / لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق، وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى والإيجاز فإنه سبحانه قص القصة مستوعبة بأخصر عبارة، والتسهيم لأن أول الآية يدل على آخرها، والتهذيب لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن، وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه، والتمكين لأن الفاصلة مستقرة من محلها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وزاد الجلال السيوطي بعد أن نقل هذا عن ابن أبـي الأصبع الاعتراض، وزاد آخرون أشياء كثيرة إلا أنها ككلام ابن أبـي الأصبع قد أشير إليها بأصبع الاعتراض، وقد ألف شيخنا علاء الدين ـ أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين ـ «رسالة» في هذه الآية الكريمة جمع فيها ما ظهر له ووقف عليه من مزاياها فبلغ ذلك مائة وخمسين مزية، وقد تطلبت هذه الرسالة لأذكر شيئاً من لطائفها فلم أظفر بها وكأن طوفان الحوادث أغرقها، ولعل فيما نقلناه سداداً من عوز، والله تعالى الموفق للصواب وعنده علم الكتاب.

ابن عاشور

تفسير : لما أفاد قوله: {أية : فكان من المغرقين}تفسير : [هود: 43] وقوعَ الغرق الموعود به على وجه الإيجاز كما علمتَ انتقل الكلام إلى انتهاء الطوفان. وبناء فعل {قيل} للمفعول هنا اختصار لظهور فاعل القول، لأن مثله لا يصدر إلاّ من الله. والقول هنا أمر التكوين. وخطاب الأرض والسماء بطريقة النداء وبالأمر استعارة لتعلّق أمر التكوين بكيفيات أفعال في ذاتيهما وانفعالهما بذلك كما يخاطَب العاقل بعمل يعمله فيقبله امتثالاً وخشية. فالاستعارة هنا في حرف النداء وهي تبعيّة. والبلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم. وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة، ومعنى بلع الأرض ماءها: دُخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل. وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفاً انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح الأرض. وإضافة {الماء} إلى (الأرض) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها. وإقلاع السماء مستعار لكفّ نزول المطر منها لأنه إذا كَفّ نزولُ المطر لم يُخلف الماء الذي غار في الأرض، ولذلك قدّم الأمر بالبلْع لأنّه السبب الأعظم لغيض الماء. وفي قران الأرض والسماء محسّن الطباق، وفي مقابلة (ابلعي) بـ{أقلعي} محسّن الجناس. و{غيض الماء} مغن عن التعرُّض إلى كون السماء أقلعت والأرض بَلعت، وبنيَ فعل {غيض الماء} للنائب لمثل ما بني فعل {وقِيل} باعتبار سبب الغيض، أو لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغَيْض: نضوبه في الأرض. والمراد: الماء الذي نشأ بالطوفان زائداً على بحار الأرض وأوديتها. وقضاء الأمر: إتمامه. وبناء الفعل للنائب للعلم بأنّ فاعله ليس غير الله تعالى. والاستواء: الاستقرار. والجوديّ: اسم جبل بين العراق وأرمينا، يقال له اليوم (أرَارَاط). وحكمة إرسائها على جبل أنّ جانب الجبل أمكَن لاستقرار السفينة عند نزول الرّاكبين لأنّها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى حانب الجبل. و{بعداً} مصدر (بعدَ) على مثال كَرُم وفَرح، منصوب على المفعولية المطلقة. وهو نائب عن الفعل كما هو الاستعمال في مقام الدعاء ونحوه، كالمدح والذم مثل: تَبّاً له، وسحقاً، وسَقْياً، ورَعْياً، وشكْراً. والبعد كناية عن التحقير بلازم كراهية الشيء، فلذلك يقال: بَعِد أو نحوه لمن فُقِدَ، إذا كان مكروهاً كما هنا. ويقال: نفي البعد للمرغوب فيه وإن كان قد بعد، فَيقَالُ للميّت العزيز كما قال مالك بن الرّيْب: شعر : يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفِنوني وأيْنَ مكانُ البعد إلاّ مَكانِيا تفسير : وقالت فاطمة بنت الأَحْجَم: شعر : إخْوَتِي لا تَبْعَدُوا أبداً وبَلى والله قد بَعِدوا تفسير : والأكثر أن يقال (بعِد) بكسر العين في البعد المجازي بمعنى الهلاك والموت، و(بعُد) المضموم العين في البعد الحقيقي. والقوم الظالمون هم الذين كفروا فغرقوا. والقائل (بعداً) قد يكون من قول الله جرياً على طريقة قوله: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك} ويجوز أن يقوله المؤمنون تحقيراً للكفّار وتشفّياً منهم واستراحة، فبنِيَ فعل {وقيل} إلى المجهول لعدم الحاجة إلى معرفة قائله. قال في «الكشاف» بعد أن ذكر نكتاً ممّا أتينا على أكثره «ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم لا لتجانس الكلمتين {ابلَعي} و{أقلعي} وإن كان لا يُخلِي الكلامَ من حسن فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللّب وما عداها قشور» اهـ. وقد تصدّى السكاكي في «المفتاح» في بحث البلاغة والفصاحة لبيان بعض خصائص البلاغة في هذه الآية، تقفية على كلام «الكشاف» فيما نرى فقال: «والنّظر في هذه الآية من أربع جهات، من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني... ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية. أما النظر فيها من جهة علم البيان... فنقول: إنه عزّ وجلّ لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نَرُدّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها.. وأن نقطع طوفان السماء.. وأن نغيض الماءَ.. وأن نقضيَ أمر نوح ـ عليه السّلام ـ وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه.. وأن نسوي السّفينة على الجوديّ.. وأبقينا الظّلَمةَ غَرْقى بُنِيَ الكلام على تشبيه المراد بالمأمور... وتشبيه تكوين المراد بالأمر.. وأن السماوات والأرض... تابعة لإرادته... كأنها عقلاء مميّزون... ثم بنى على تشبيهه هذا نَظْمَ الكلام فقال جلّ وعلا: {قيل} على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجَعل قرينة المجاز الخطاب للجماد... فقال: {يا أرض ويا سماء}... ثم استعار لغور الماء في الأرض البلعَ.. للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيهاً له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات... تقويَ الآكِل بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي)... ثم أمَرَ على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره، وخاطَب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء، ثم قال {ماءك} بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتصال المِلْك بالمالك واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح. ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان، ثم أمَر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً {أقلعي} لمثل ما تقدم في {ابلعي}، ثم قال: {وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ}. {وقيل بعداً} فلم يصرح بمن غَاض الماءَ، ولا بمن قَضَى الأمر وسوّى السفينة وقال {بعداً}، كما لم يصرح بقائل {يا أرض} و{يا سماء} في صدر الآية، سلوكاً في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة لا يُكتنه قهار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلاً {يا أرض} و{يا سماء}، ولا غائضاً ما غاض، ولا قاضياً مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره. ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم لا غير خَتْمَ إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة إنّما كانت لظلمهم. وأما النظر فيها من حيث علم المعاني، وهو النّظر في إفادة كل كلمة فيها، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، لذلك أنه اختير {يا} دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادَى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة.. وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به... واختير {ابلعي} على ابتلعي لكونه أخصر، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين {أقلعي} أوْفَر. وقيل {ماءَك} بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأتي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت.. وإنما لم يقل {ابلعي} بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهنّ نظراً إلى مقام ولأرود أمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء. ثم إذ بَيّن المرادَ اختصر الكلام مع {أقلعي} احترازاً عن الحشْو المستغنى عنه، وهو الوجه في أن لم يقل: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلَعَت، ويا سماء أقلعي فأقلعت.. وكذا الأمر دون أن يقال: أمرُ نوح ـ عليه السّلام ـ وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً ـ عليه السّلام ـ من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك. ثم قيل: {بعداً للقوم الظالمين} دون أن يقال: ليبعَد القومُ، طلباً للتأكيد مع الاختصار وهو نزول {بعداً} منزلة ليبعَدُوا بعداً، مع فائدة أخرى وهي استعمال اللاّم مع (بعداً) الدّال على معنى أن البعد يحقّ لهم. ثم أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل. وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل: {يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي} دون أن يقال: ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء، جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادَى قصداً بذلك لمعنى الترشيح. ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدىء به لابتداء الطوفان منها، ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أوْلى، ثم أتْبَعَهَا قوله: {وغيض الماء} لاتّصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها، ألاَ ترى أصل الكلام: قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله، وغيض الماء النازل من السماء فغاض، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله تعالى: {وقضي الأمر} أي أنجز الموعود.. ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله: {واستوت على الجوديّ}، ثم ختمت القصة بما ختمت... وأمّا النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظمٌ للمعاني لطيفٌ وتأديةٌ لها ملخّصةٌ مبيّنة، لا تعقيد يعثّر الفكر في طلب المراد. ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التّنَافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات...». هذه نهاية كلام المفتاح.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَرْضُ} {وَيٰسَمَآءُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (44) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا غَرِقَ قَوْمُ نُوحٍ كُلُّهُمْ، إِلاَّ أَصْحَابَ السَّفِينَةِ، أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأَرْضَ بِأَنْ تَبْتَلِعَ مَاءَهَا الذِي نَبَعَ مِنْهَا، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا، وَأَمَرَ السَّمَاءَ بِأَنْ تَكُفَّ عَنِ المَطَرِ (تُقْلِعَ) وَغِيضَ المَاءُ، وَأَخَذَ فِي التَّنَاقُصِ، وَقُضِيَ أَمْرُ اللهِ فَهَلَكَ قَوْمُ نُوحٍ قَاطِبَةً مِمَّنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَاسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلَى جَبَلِ الجُودِيِّ (وَقِيلَ إِنَّهُ جَبَلٌ قُرْبَ المُوصل)، وَقِيل: هَلاَكاً وَخَسَاراً وَبُعْداً لِلظَّالِمِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. أَقْلِعِي - كُفِّي عَنْ المَطَرِ وَأَمْسِكِي. غِيضَ المَاءُ - نَقَصَ وَذَهَبَ فِي الأَرْضِ. اسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ - اسْتَقَرَّتْ فَوْقَ جَبَلِ الجُودِيِّ. بُعْداً - هلاكاً وخسَاراً وَسُحْقاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والبلع هو مرور الشيء من الحَلْق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في القرآن أمر من الله تعالى مثل: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ ..} [هود: 44]. فافهم أن القائل هو من تَنْصَاع له الأرض. ولم يَقُل الله سبحانه: "قال الله يا أرض ابلعي ماءك"؛ لأن هناك أصلاً متعيّناً وإنْ لم يقُله، والحق سبحانه يريد أن ينمِّي فينا غريزة وفطنة الإيمان؛ لأن أحداً غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء. ويكون أمره سبحانه للسماء: {وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} أي: أن توقف المطر. وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصبَّ، وأعطى الأمر للمصرف أن يسحب الماء. ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحيِّ تطفح إن كان هناك ما يسدُّ تصريف الماء؛ لأن أرض المدن حالياً صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه؛ ولذلك نجد الجهات المختصة تجنِّد طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة الحياة. وأقول هنا: إن حُسن استخدام الماء من حُسن الإيمان؛ لأني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيراً عن حاجتهم للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقيِّ ليضيع دون جدوى. وعلى الناس أن يدَّخروا الماء، ولا يُسيئوا استغلاله؛ لأن الماء حين يتوفَّر فهو يُحيي الأموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحيِّ. باختصار؛ نحن نحتاج إلى حُسن استقبال نِعَمِ الله تعالى وحُسن التصرُّف فيها؛ لننعم بها، ونسعد بخيرها. وقول الحق سبحانه: {وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ..} [هود: 44]. أي: اتركي المطر.. ومن ذلك أخذنا كلمة "قِلْع" الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة، وهو الشِّراع. ويُقال: "أقلعت المركب" أي: تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء. ويقول الحق سبحانه: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ..} [هود: 44]. وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول؛ لنعلم أن الله تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض. ومادة "غاض" تُستعمل لازمةً، وتُستعمل متعديةً. ثم يقول سبحانه: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ..} [هود: 44]. أي: استقرت السفينة على جبل الجودي. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 44]. وهو بعدٌ نهائيٌّ إلى يوم القيامة. وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح عليه السلام، ويظهرها قول الحق سبحانه: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} معناهُ نَقَصَ وَقَلَّ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} وهو جبلٌ بَقُربِ المَوصِلِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما انبسط الماء على وجه الأرض، وعلا على أعالي الجبال وأقلال الرواسي وهلك من عليها {قِيلَ} من وراء سرادقات العز والجلال منادياً آمراً على الأرض والسماء مثل النداء على ذوي العقول المكلفين المبادرين إلى امتثال الأوامر: {يٰأَرْضُ} النابعة للماء المخرجة له {ٱبْلَعِي مَآءَكِ} أي: انشقي ما نبع عنك من الماء {وَيٰسَمَآءُ} الماطرة الهامرة {أَقْلِعِي} وأمسكي ماءكم ولا تمطري؛ إذ يمطر لماء مثلما نبع من الأرض {وَ} بعد ورود الأمر الإلهي {غِيضَ ٱلْمَآءُ} ونقص بنشف الأرض وإمساك السماء {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} الموعود الذي هو إهلاك الكفار وإنجاء المؤمنين {وَ} بعد انقضاء المأمور وإنجاز الموعود {ٱسْتَوَتْ} السفينة واستقرت {عَلَى ٱلْجُودِيِّ} جبل بالموصل، وقيل: بالشام، وقيل: أو آمل. روي أنه عليه السلام ركب السفينة عاشر رجب، ونزل عليها عاشر المحرم، فصام ذلك اليوم، فصار سنة له على من بعده، وهو يوم عاشوراء {وَ} بعد إهلاك ألئك العصاة الغواة الكفرة {قِيلَ} من قبل الحق: {بُعْداً} أي: مقتاً وهلاكاً {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [هود: 44] الخارجين عن مقتضى الوحي الإلهي، المكذبين لرسله، وطرداً لهم عن ساحة الحضور بحيث لا يرجى قربهم أصلاً. {وَ} بعدما وقع ما وقع {نَادَى} وناجى {نُوحٌ رَّبَّهُ} باثاً له شكواه في حق ابنه {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي} أيضاً {مِنْ أَهْلِي} وأنتم بفضلك وعدتني بإنجاء أهلي {وَإِنَّ وَعْدَكَ} الذي به {ٱلْحَقُّ} الصدق لا خلف فيه {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} [هود: 45] أي: أقسطهم وأعدلهم بأحكام جميع الحكام راجع إليك. {قَالَ} سبحانه مجيباً له مزيلاً لشكواه: {يٰنُوحُ إِنَّهُ} بسبب اعتزاله عنك ون دينك {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} إذ لا قرابة ولا ألفة بين المؤمن والكافر، وكيف يكون من أهلك {إِنَّهُ} من غابة فسقه وفساده {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} كأنه مغمور فيه مجسم منه لا يرجى صلاحه أصلاً {فَلاَ تَسْئَلْنِ} متعرضاً معترضاً على {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لوروده علي {إِنِّيۤ أَعِظُكَ} وأذكر لك {أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [هود: 46] أي: كونك بذهولك عما نبهت عليك بالاستثناء السابق؛ يعني {أية : إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ}تفسير : [هود: 40]. {قَالَ} نوح معتذراً إلى ربه، مستحيياً منه: {رَبِّ إِنِّيۤ} بعد ظهور خطئي وذلتي {أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ} بعد هذا {مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أي: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} زلتي وسوء أدبي {وَ} لم {تَرْحَمْنِيۤ} بفضلك وجودك {أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [هود: 47] خسراناً مبيناً. {قِيلَ} من بل الله بعدما غاض الماء واستوت السفينة وانكشفت الأرض ويبست: {يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} انزل من السفينة أنت ومن معك وما معك مقروناً {بِسَلاَمٍ} أي: سلامة ونجاة وأمن ناشئ {مِّنَّا} عليك تفضلاً وامتناناً {وَبَركَاتٍ} أي: خيرات ومبرات كثيرة نازلةٍ منا {عَلَيْكَ} أصالة {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} تبعاً، سماهم أمماً باعتبار المآل {وَ} من ذرية من معك {أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} ونربيهم في النشأة الأولى بأنواع النعم {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا} في النشأة الأخرى بسبب كفرهم وفسقهم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] مؤلم بدل ما يتلذذون بنعم الدنيا، ويكفرون بها. {تِلْكَ} أي: قصة نوح عليه السلام {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي: بعض أخباره {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل؛ تعليماً لك وتذكيراً لأمتك {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} بالدراسة والتعليم {مِن قَبْلِ هَـٰذَا} الوحي والإنزال، وإن طعن المشركون لك ونسبوك إلى الكذب والافتراء {فَٱصْبِرْ} على أذياتهم، وكن في تبليغك على عزيمة صحيحة {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} الحميدة والآخر الجزيل في النشأة الأخرى {لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] الذين يحفظون نفوسهم عن الميل إلى البدع والأهواء، ويصبرون على المكاره والأذى، حتى يتحققوا بمقام الرضا ويفوزوا بشرف اللقاء.