Verse. 1518 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَنَادٰي نُوْحٌ رَّبَّہٗ فَقَالَ رَبِّ اِنَّ ابْنِيْ مِنْ اَہْلِيْ وَاِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَاَنْتَ اَحْكَمُ الْحٰكِمِيْنَ۝۴۵
Wanada noohun rabbahu faqala rabbi inna ibnee min ahlee wainna waAAdaka alhaqqu waanta ahkamu alhakimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني» كنعان «من أهلي» وقد وعدتني بنجاتهم «وإن وعدك الحق» الذي لا خلف فيه «وأنت أحكم الحاكمين» أعلمهم وأعدلهم.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: {رَبّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى } فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابناً له أم لا فلا نعيده، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال: {يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابناً له وجب حمل قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } على أحد وجهين: أحدهما: أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك. والثاني: المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ }. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } قرأ الكسائي: عمل على صيغة الفعل الماضي، وغير بالنصب، والمعنى: إن ابنك عمل عملاً غير صالح يعني أشرك وكذب، وكلمة {غَيْرِ } نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، وقرأ الباقون: عمل بالرفع والتنوين، وفيه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله: {إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ } غير صالح، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم، الجزم بأنه لا ينجي أحداً منهم سؤال باطل. الثاني: أن يكون هذا الضمير عائداً إلى الابن، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملاً غير صالح وجوه: الأول: أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له: إنه علم وكرم وجود، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل. الثاني: أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. الثالث: قال بعضهم معنى قوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعاً. ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام: {فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه: الوجه الأول: أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة، وهذا يقتضي عود الضمير في قوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } إما إلى ابن نوح وإما إلى ذلك السؤال، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو خلاف الظاهر. ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح، أي قولك: إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح، وذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنباً ومعصية. الوجه الثاني: أن قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنى } نهي له عن السؤال، والمذكور السابق هو قوله {إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى } فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنباً ومعصية. الوجه الثالث: أن قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى: { أية : وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 169]. الوجه الرابع: أن قوله تعالى: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } يدل على أن ذلك السؤال كان محض الجهل. وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر، وأيضاً جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن. قال تعالى: { أية : يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } تفسير : [النساء: 17] وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: { أية : أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [البقرة: 67]. الوجه الخامس: أن نوحاً عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال: {إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنباً. الوجه السادس: في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحاً نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق، والآية المتقدمة وهي قوله: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ } وقال: {يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا } تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة. فنقول: إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقاً على طلبه من الولد أو كان بالعكس، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقاً على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب، وبعد هذا كيف قال له: {يٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وأما إن قلنا: إن هذا الطلب من الابن كان متقدماً فكان قد سمع من الابن قوله: {سَاوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء } وظهر بذلك كفره، فكيف طلب من الله تخليصه، وأيضاً أنه تعالى أخبر أن نوحاً لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام. واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال: { أية : إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ } تفسير : [النصر: 1 ـ 3] ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى: { أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] وليس جميعهم مذنبين، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل. المسألة الثانية: قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات الياء {تَسْأَلْنى } وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء، وقرأ أبو عمرو بتخفيف النون وكسرها وحذف الياء {تسألن} أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات الياء فعلى الأصل، وأما ترك التشديد والحذف فللتخيف من غير إخلال. واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال: {رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } والمعنى أنه تعالى لما قال له: {فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف، ولا أعود إليه إلا أني لا أقدر على الاحتراز منه إلا بإعانتك وهدايتك، فلهذا بدأ أولاً بقوله: {إِنّى أَعُوذُ بِكَ }. واعلم أن قوله: {إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } إخبار عما في المستقبل، أي لا أعود إلى هذا العمل، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وحقيقة التوبة تقتضي أمرين: أحدهما: في المستقبل، وهو العزم على الترك وإليه الإشارة بقوله: {إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } والثاني: في الماضي وهو الندم على ما مضى وإليه الإشارة بقوله: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } ونختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام. فنقول: إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق، وكان ذلك معلوماً، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفياً وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمناً، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافراً، بل على الوجوه الصحيحة، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة فقال: {سَاوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء } وذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق، وقول نوح: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند ابنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان والعمل الصالح، وهذا أيضاً لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافراً فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن، فطلب من الله تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة، وإما أن يحفظه على قلة جبل، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره، بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه مؤمن، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد، لأنه كان كافراً فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} أي دعاه. {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} أي من أهلي الذين وعدتهم أن تنجيهم من الغرق؛ ففي الكلام حذف. {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} يعني الصدق. وقال علماؤنا: وإنما سأل نوح ربه ٱبنه لقوله: «وَأَهْلَكَ» وترك قوله: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} فلما كان عنده من أهله قال: {رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} يدلّ على ذلك قوله: {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} أي لا تكن ممن لست منهم؛ لأنه كان عنده مؤمناً في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» إلا وذلك عنده كذلك؛ إذا محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم؛ وكان ٱبنه يُسِرّ الكفر ويظهر الإيمان؛ فأخبر الله تعالى نوحاً بما هو منفرد به من علم الغيوب؛ أي علمت من حال ٱبنك ما لم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقاً؛ ولذلك ٱستحل نوح أن يناديه. وعنه أيضاً: كان ٱبن ٱمرأته؛ دليله قراءة عليّ «وَنَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَا». {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} ابتداء وخبر. أي حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق. الثانية: قوله تعالى: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} (أي ليس من أهلك) الذين وعدتهم أن أنجيهم؛ قاله سعيد بن جُبير. وقال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك؛ فهو على حذف مضاف؛ وهذا يدلّ على أن حكم الاتفاق في الدِّين أقوى من (حكم) النسب. {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} قرأ ٱبن عباس وعُروة وعِكرمة ويعقوب والكسائيّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ» أي من الكفر والتكذيب؛ وٱختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون «عَمَلٌ» أي ٱبنك ذو عمل غير صالح فحذف المضاف؛ قاله الزجاج وغيره. قال:شعر : تَرْتَعُ ما رَتَعتْ حتَّى إذا ادَّكَرتْ فَإنما هي إقبالٌ وإدبار تفسير : أي ذات إقبال وإدبار. وهذا القول والذي قبله يرجع إلى معنى واحد. ويجوز أن تكون الهاء للسؤال؛ أي إن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح. قاله قتادة. وقال الحسن: معنى عمل غير صالح أنه ولد على فراشه ولم يكن ٱبنه. وكان لغير رِشْدَة، وقاله أيضاً مجاهد. قال قتادة سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان ٱبنه؛ قلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْليِ» فقال: لم يقل مني، وهذه إشارة إلى أنه كان ٱبن ٱمرأته من زوج آخر؛ فقلت له: إن الله حكى عنه أنه قال: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» «وَنَادَى نُوحٌ ٱبْنَهُ» ولا يختلف أهل الكتابين أنه ٱبنه؛ فقال الحسن: ومن يأخذ دينه عن أهل الكتاب إنهم يكذِبون. وقرأ: «فَخَانَتَاهُمَا». وقال ٱبن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ٱبنه، وكان ولد على فراشه، وكانت ٱمرأته خانته فيه؛ ولهذا قال: {أية : فَخَانَتَاهُمَا} تفسير : [التحريم:10] وقال ٱبن عباس: ما بغت ٱمرأة نبيّ قطّ، وأنه كان ٱبنه لصُلْبه. وكذلك قال الضّحاك وعِكرمة وسعيد ابن جُبير وميمون بن مِهران وغيرهم، وأنه كان ٱبنه لصُلْبه. وقيل لسعيد بن جُبير يقول نوح: «إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي» أكان من أهله؟ أكان ٱبنه؟ فسبّح اللَّهَ طويلاً ثم قال: لا إله إلا الله يحدث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنه ٱبنه، وتقول إنه ليس ٱبنه نعم كان ٱبنه؛ ولكن كان مخالفاً في النية والعمل والدِّين، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}؛ وهذا هو الصحيح في الباب إن شاء الله تعالى لجلالة من قال به، وإن قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ليس مما ينفي عنه أنه ٱبنه. وقوله: {فَخَانَتَاهُمَا} يعني في الدِّين لا في الفِراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وذلك أنها قالت له: أما ينصرك ربك؟ فقال لها: نعم. قالت: فمتى؟ قال: إذا فار التّنور؛ فخرجت تقول لقومها: يا قوم والله إنه لمجنون، يزعم أنه لا ينصره ربه إلا أن يفور هذا التّنور، فهذه خيانتها. وخيانة الأخرى أنها كانت تدلّ على الأضياف على ما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم. وقيل: الولد قد يسمى عملاً كما يسمى كَسْباً، كما في الخبر: «حديث : أولادكم من كَسْبكم». تفسير : ذكره القشيريّ. الثالثة: في هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين. وروي أن ٱبن مالك بن أنس نزل من فوق ومعه حمام قد غطّاه، قال: فعلم مالك أنه قد فهمه الناس؛ فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وفيها أيضاً دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعاً، ومن أهل البيت؛ فمن وصّى لأهله دخل في ذلك ٱبنه، ومن تضمنه منزلُه، وهو في عياله. وقال تعالى في آية أخرى: {أية : وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الصافات:75-76] فسمى جميع من ضمه منزله من أهله. الرابعة: ودلّت الآية على قول الحسن ومجاهد وغيرهما: أن الولد للفراش؛ ولذلك قال نوح ما قال آخذاً بظاهر الفراش. وقد روى سفيان بن عُيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قضى بالولد للفراش من أجل ٱبن نوح عليه السلام؛ ذكره أبو عمر في كتاب «التمهيد». وفي الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الولدُ للفراش وللعاهِر الحَجَر» تفسير : يريد الخيبة. وقيل: الرّجم بالحجارة. وقرأ عُروة بن الزّبير. «ونَادَى نُوحٌ ٱبْنَهَا» يريد ٱبن ٱمرأته، وهي تفسير القراءة المتقدّمة عنه، وعن عليّ رضي الله عنه، وهي حجة للحسن ومجاهد؛ إلا أنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها لها. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [هود: 46] أي أنهاك عن هذا السؤال، وأحذرك لئلا تكون، أو كراهية أن تكون من الجاهلين؛ أي الآثمين. ومنه قوله تعالى:{أية : يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} تفسير : [النور: 17] أي يحذركم الله وينهاكم. وقيل: المعنى أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ٱبن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء والعارفين؛ فـ {قَالَ} نوح {رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} الآية وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله وتواضعه. {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} ما فرط من السؤال.{وَتَرْحَمْنِيۤ} أي بالتوبة. {أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي أعمالاً. فقال: {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} تفسير : [هود: 48].

البيضاوي

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} وأراد نداءه بدليل عطف قوله: {فَقَالَ رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} فإنه النداء. {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف، وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله، أو فما له لم ينج، ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه. {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} لأنك أعلمهم وأعدلهم، أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع.

ابن كثير

تفسير : هذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: {أية : وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 27] فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق؛ لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحاً عليه السلام، وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه، وإنما كان ابن امرأته، عن مجاهد والحسن وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر وابن جرير، واحتج بعضهم بقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} وبقوله: {أية : فَخَانَتَاهُمَا} تفسير : [التحريم: 10] فممن قاله الحسن البصري، احتج بهاتين الآيتين، وبعضهم يقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازاً؛ لكونه كان ربيباً عنده، فالله أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، قال: وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه؛ فإن الله سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة، ولهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [النور:11-14]. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، وغيره عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية، قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملاً غير صالح، والخيانة تكون على غير باب، وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} وسمعته يقول: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ} تفسير : [الزمر: 53] ولا يبالي {أية : إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر: 53] وقال أحمد أيضاً: حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحوي عن ثابت البناني عن شهر بن حوشب عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} أعاده أحمد أيضاً في مسنده، أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر والله أعلم أنها أسماء بنت يزيد، فإنها تكنى بذلك أيضاً. وقال عبد الرزاق أيضاً: أنبأنا الثوري عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن قبة قال: سمعت ابن عباس سئل، وهو إلى جنب الكعبة، عن قول الله: {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : [التحريم: 10] قال: أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدهني: أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فقال: كان ابنَ نوح، إن الله لا يكذب، قال تعالى: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط. وكذا روي عن مجاهد أيضاً وعكرمة والضحاك وميمون بن مهران وثابت بن الحجاج، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير، وهو الصواب الذي لا شك فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى } كنعان {مِّنْ أَهْلِى } وقد وعدتني بنجاتهم {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ } الذي لا خلف فيه {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ } أعلمهم وأعدلهم.

الشوكاني

تفسير : معنى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ } دعاه، والمراد: أراد دعاءه، بدليل الفاء في: {فَقَالَ رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى } وعطف الشيء على نفسه غير سائغ، فلا بدّ من التقدير المذكور، ومعنى قوله: {إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى } أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك: وأهلك. فإن قيل: كيف طلب نوح عليه السلام إنجاز ما وعده الله بقوله: {وَأَهْلَكَ } وهو المستثنى منه، وترك ما يفيده الاستثناء، وهو: {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ }؟ فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه القول، فإنه كان يظنه من المؤمنين {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ } الذي لا خلف فيه، وهذا منه {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } أي: أتقن المتقنين لما يكون به الحكم، فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل: أراد بـ {أحكم الحاكمين} أعلمهم وأعدلهم: أي: أنت أكثر علماً وعدلاً من ذوي الحكم. وقيل: إن الحاكم بمعنى: ذي الحكمة كدارع. ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل، وأنه خارج بقيد الاستثناء فقال: { يا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } الذين آمنوا بك، وتابعوك، وإن كان من أهلك باعتبار القرابة؛ ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من عموم الأهل المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين، لا قرابة النسب، وحده، فقال: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } قرأ الجمهور: {عمل} على لفظ المصدر. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والكسائي، ويعقوب، {عمل} على لفظ الفعل؛ ومعنى القراءة الأولى المبالغة في ذمه، كأنه جعل نفس العمل، وأصله ذو عمل غير صالح ثم حذف المضاف وجعل نفس العمل، كذا قال الزجاج وغيره. ومعنى القراءة الثانية ظاهر: أي إنه عمل عملاً غير صالح، وهو: كفره وتركه لمتابعة أبيه؛ ثم نهاه عن مثل هذا السؤال، فقال: {فَلا تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } لما بين له بطلان ما اعتقده من كونه من أهله، فرّع على ذلك النهي عن السؤال، وهو وإن كان نهياً عاماً بحيث يشمل كل سؤال، لا يعلم صاحبه أن حصول مطلوبه منه صواب، فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولاً أوّلياً، وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع، وسمى دعاءه سؤالاً لتضمنه معنى السؤال {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } أي: أحذرك أن تكون من الجاهلين، كقوله: {أية : يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً }تفسير : [النور: 17] وقيل: المعنى: أرفعك أن تكون من الجاهلين. قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين. ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع، وأن دعاءه ناشىء عن وهم كان يتوهمه، بادر إلى الاعتراف بالخطأ، وطلب المغفرة والرحمة، فقال: {رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي: أعوذ بك أن أطلب منك ما لا علم لي بصحته وجوازه، {وإلا تَغْفِرْ لِى } ذنب ما دعوت به على غير علم مني {وَتَرْحَمْنِى } برحمتك التي وسعت كل شيء، فتقبل توبتي {أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } في أعمالي، فلا أربح فيها. القائل: هو الله، أو الملائكة {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ } أي: انزل من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى المنخفض من الأرض، فقد بلعت الأرض ماءها، وجفت {بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } أي: بسلامة وأمن، وقيل: بتحية {وَبَركَـٰتٍ } أي: نعم ثابتة، مشتق من بروك الجمل، وهو ثبوته، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، وفي هذا الخطاب له دليل على قبول توبته ومغفرة زلته {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } أي: ناشئة ممن معك، وهم المتشعبون من ذرية من كان معه في السفينة. وقيل: أراد من في السفينة، فإنهم أمم مختلفة، وأنواع من الحيوانات متباينة. قيل: أراد الله سبحانه بهؤلاء الأمم الذين كانوا معه من صار مؤمناً من ذريتهم، وأراد بقوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } من صار كافراً من ذريتهم إلى يوم القيامة، وارتفاع أمم في قوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي: ومنهم أمم. وقيل: على تقدير: ويكون أمم. وقال الأخفش: هو كما تقول: كلمت زيداً وعمرو جالس، وأجاز الفراء في غير القراءة "وأمماً سنمتعهم": أي: ونمتع أمماً، ومعنى الآية: وأمم سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع، ونعطيهم منها ما يعيشون به، ثم يمسهم منا في الآخرة عذاب أليم. وقيل: يمسهم إما في الدنيا أو في الآخرة. والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى قصة نوح، وهي مبتدأ والجمل بعده أخبار {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ } من جنس أنباء الغيب، والأنباء جمع نبأ وهو الخبر، أي من أخبار الغيب التي مرّت بك في هذه السورة، والضمير في {نُوحِيهَا إِلَيْكَ } راجع إلى القصة، والمجيء بالمضارع لاستحضار الصورة {مَا كُنتُ } يا محمد {تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ } يعلمها {قَوْمِكَ } بل هي مجهولة عندكم من قبل الوحي، أو من قبل هذا الوقت {فَٱصْبِرْ } على ما تلاقيه من كفار زمانك، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها {إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ } المحمودة في الدنيا والآخرة {لّلْمُتَّقِينَ } لله المؤمنين بما جاءت به رسله، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر، ولا اعتبار بمباديه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال: نادى نوح ربه فقال: ربّ إن ابني من أهلي، وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي، وإن ابني من أهلي. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال: ما بغت امرأة نبيّ قط. وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } يقول: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال: إن نساء الأنبياء لا يزنين، وكان يقرؤها {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } يقول: مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنِـى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } قال: بين الله لنوح أنه ليس بابنه. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله: {يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } قال: أهبطوا والله عنهم راض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال: دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. ودخل في ذلك العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } يعني: ممن لم يولد، أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } يعني: متاع الحياة الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة. وأخرج أبو الشيخ قال: ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } يعني: العرب {مّن قَبْلِ هَـٰذَا } القرآن.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ونادى نوحٌ ربه فقال رَبِّ إنَّ ابني من أهلي} وإنما قال {من أهلي} لأن الله تعالى وعده أن ينجي أهله معه. {وإن وعدك الحق} يحتمل وجهين: أحدهما الذي يحق فلا يخلف. الثاني: الذي يلزم كلزوم الحق. {وأنت أحكم الحاكمين} يعني بالحق: فاحتمل هذا من نوح أحد أمرين: إما أن يكون قبل علمه بغرق ابنه فسأل الله تعالى له النجاة، وإما أن يكون بعد علمه بغرقه فسأل الله تعالى له الرحمة. قوله عز وجل: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه ولد على فراشه ولم يكن ابنه وكان لغيره رشدة، قاله الحسن ومجاهد. الثاني: أنه ابن امرأته. الثالث: أنه كان ابنه، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وقيل إن اسمه كان كنعان، وقيل بل كان اسمه يام. قال الحسن: وكان منافقاً ولذلك استعجل نوح أن يناديه فعلى هذا يكون في تأويل قوله تعالى {إنه ليس من أهلك} وجهان: أحدهما: ليس من أهل دينك وولايتك، وهو قول الجمهور. الثاني: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، قاله سعيد بن جبير. {إنه عملٌ غير صالحٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن مسألتك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، قاله قتادة وإبراهيم وهو تأويل من قرأ عملٌ غير صالح بالتنوين. والثاني: معناه أن ابنك الذي سألتني أن أنجيه هو عملٌ غير صالحٍ، أي أنه لغير رشدة، قاله الحسن. والثالث: أنه عملٌ غير صالحٍ، قاله ابن عباس، وهو تأويل من لمن ينون. {فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: فيما نسبته إلى نفسك وليس منك. الثاني: في دخوله في جملة من وعدتك بإنجائهم من أهلك وليس منهم. {إني أعظُك أن تكون من الجاهلين} يحتمل وجهين: أحدهما: من الجاهلين بنسبك. الثاني: من الجاهلين بوعدي لك. وفي قوله {إني أعظك} تأويلان: أحدهما: معناه إني رافعك أن تكون من الجاهلين. الثاني: معناه أني أحذرك ومنه قوله تعالى {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً} أي يحذرّكم.

ابن عطية

تفسير : هذه جملة معطوفة على التي قبلها دون ترتيب، وذلك أن هذه القصة كانت في أول ما ركب نوح في السفينة؛ ويظهر من كلام الطبري أن ذلك كان بعد غرق الابن، وهو محتمل، والأول أليق. وهذه الآية احتجاج من نوح عليه السلام، وذلك أن الله أمره بحمل أهله وابنه من أهله فينبغي أن يحمل، فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل، ثم حسن المخاطبة بقوله: {وإن وعدك الحق}، وبقوله: {وأنت أحكم الحاكمين}، فإن هذه الأقوال معينة في حجته، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظن أن ابنه مؤمن، وذلك أشد الاحتمالين. وقوله تعالى: {قال يا نوح} الآية، المعنى قال الله تعالى: يا نوح، وقالت فرقة: المراد أنه ليس بولد لك، وزعمت أنه كان لغية وأن امرأته الكافرة خانته فيه، هذا قول الحسن وابن سيرين وعبيد بن عمير: وقال بزي إنما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش من أجل ابن نوح، وحلف الحسن أنه ليس بابنه، وحلف عكرمة والضحاك أنه ابنه. قال القاضي أبو محمد: عول الحسن على قوله تعالى: {إنه ليس من أهلك}، وعول الضحاك وعكرمة على قوله تعالى: {أية : ونادى نوح ابنه} تفسير : [هود: 42]. وقرأ الحسن ومن تأول تأويله: {إنه عمل غير صالح} على هذا المعنى، وهي قراءة السبعة سوى الكسائي: وقراءة جمهور الناس، وقال من خالف الحسن بن أبي الحسن: المعنى: ليس من أهلك الذين عمهم الوعد لأنه ليس على دينك وإن كان ابنك بالولاء. فمن قرأ من هذه الفرقة {إنه عمل غير صالح} جعله وصفاً له بالمصدر على جهة المبالغة، فوصفه بذلك كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها: [البسيط] شعر : ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : أي ذات إقبال وإدبار. وقرأ بعض هذه الفرقة "إنه عمل غير صالح" وهي قراءة الكسائي، وروت هذه القراءة أم سلمة وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكره أبو حاتم، وضعف الطبري هذه القراءة وطعن في الحديث بأنه من طريق شهر بن حوشب، وهي قراءة علي وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، ورجحها أبو حاتم وقرأ بعضها: "إنه عمل عملاً غير صالح". وقالت فرقة: الضمير في قوله: "إنه عمل غير صالح" على قراءة جمهور السبعة على سؤال الذي يتضمنه الكلام وقد فسره آخر الآية؛ ويقوي هذا التأويل أن في مصحف ابن مسعود "إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم". وقالت فرقة: الضمير عائد على ركوب ولد نوح معهم الذي يتضمنه سؤال نوح، المعنى: أن ركوب الكافر مع المؤمنين عمل غير صالح، وقال أبو علي: ويحتمل أن يكون التقدير أن كونك مع الكافرين وتركك الركوب معنا عمل غير صالح. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل لا يتجه من جهة المعنى، وكل هذه الفرق قال: إن القول بأن الولد كان لغية وولد فراش خطأ محض وقالوا: إنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : أنه ما زنت امرأة نبي قط ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث ليس بالمعروف، وإنما هو من كلام ابن عباس رضي الله عنه ويعضده شرف النبوة. وقالوا في قوله عز وجل: {فخانتاهما} إن الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون؛ والأخرى كانت تنبه على الأضياف، وأما غير هذا فلا، وهذه منازع ابن عباس وحججه؛ وهو قوله وقول الجمهور من الناس. وقرأ ابن أبي مليكة: "فلا تسلْني" بتخفيف النون وإثبات الياء وسكون اللام دون همز. وقرأت فرقة بتخفيف النون وإسقاط الياء وبالهمز "فلا تسألن"، وقرأ أبو جعفر وشيبة بكسر النون وشدها والهمز وإثبات الياء" فلا تسألنِّي"، وقرأ نافع ذلك دون ياء "فلا تسألن" وقرأ ابن كثير وابن عامر "فلا تسألنَّ" بفتح النون المشددة، وهي قراءة ابن عباس، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "فلا تسلْن" خفيفة النون ساكنة اللام، وكان أبو عمرو يثبت الياء في الوصل، وحذفها عاصم وحمزة في الوصل والوقف. ومعنى قوله: {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي إذ وعدتك فاعلم يقيناً أنه لا خلف في الوعد فإذ رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أن ذلك هو بحق واجب واجب عند الله. قال القاضي أبو محمد: ولكن نوحاً عليه السلام حملته شفقة النبوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة والتذكير، وعلى هذا القدر وقع عتابه، ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين}، وقد قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فلا تكونن} تفسير : [البقرة: 147، الأنعام: 34-114، يونس: 94]، وذلك هنا بحسب الأمر الذي عوتب فيه وعظمته، فإنه لضيق صدره بتكاليف النبوة، وإلا فمتقرر أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وأولاهم بلين المخاطبة؛ ولكن هذا بحسب الأمرين لا بحسب النبيين. وقال قوم: إنما وقر نوح لسنه. وقال قوم: إنما حمل اللفظ على محمد صلى الله عليه وسلم كما يحمل الإنسان على المختص به الحبيب إليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، ويحتمل قوله: {فلا تسألني ما ليس لك به علم}، أي لا تطلب مني أمراً لا تعلم المصلحة فيه علم يقين، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي، وقال: إن {به} يجوز أن يتعلق بلفظة {علم} كما قال الشاعر: [الرجز]. شعر : كان جزائي بالعصا أن أجلدا تفسير : ويجوز أن يكون {به} بمنزلة فيه، فتتعلق الباء بالمستقر. قال القاضي أبو محمد: واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى في الآية واحد، وروي أن هذا الابن إنما كان ربيبه وهذا ضعيف؛ وحكى الطبري عن ابن زيد أن معنى قوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} في أن تعتقد أني لا أفي لك بوعد وعدتك به. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أن نوحاً اعتقد هذا وعياذاً بالله، وغاية ما وقع لنوح عليه السلام أن رأى ترك ابنه معارضاً للوعد فذكر به، ودعا بحسب الشفقة ليكشف له الوجه الذي استوجب به ابنه الترك في الغرقى.

النسفي

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ } نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله {رب} مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله {إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى } أي بعض أهلي لأنه كان ابنه من صلبه أو كان ربيباً له فهو بعض أهله {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ } وإن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ } أي أعلم الحكام وأعدلهم إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل. ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر {قَالَ يَـا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } ثم علل لانتفاء كونه من أهله بقوله {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب وأن نسيبك في دينك وإن كان حبشياً وكنت قرشياً لصيقك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمسّ أقاربك رحماً فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملاً غير صالح مبالغة في ذمه كقولها: فإنما هي إقبال وإدبار أو التقدير: إنه ذو عمل، وفيه إشعار بأنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهله، وهذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوته. {عمِل غير صالح} علي قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: كان عند نوح عليه السلام أن ابنه كان على دينه لأنه كان ينافق وإلا لا يحتمل أن يقول {ابني من أهلي} ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله بقوله {أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}تفسير : فكان يسأله على الظاهر الذي عنده كما كان أهل النفاق يظهرون الموافقة لنبينا عليه السلام ويضمرون الخلاف له ولم يعلم بذلك حتى أطلعه الله عليه، وقوله{ ليس من أهلك} أي من الذين وعدت النجاة لهم وهم المؤمنون حقيقة في السر والظاهر {فَلاَ تَسْأَلْنى } اجتزاء بالكسر عن الياء: كوفي {تسألْني} بصري {تسألّني} مدني {تسألَن}ِّ شامي فحذف الياء واجتزأ بالكسرة والنون نون التأكيد {تسألن}َّ مكي {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } بجواز مسألته {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } هو كما نهى رسولنا بقوله {أية : فلا تكونن من الجاهلين} تفسير : { [الأنعام: 35] قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي من أن أطلب منك من المستقبل ما لا علم لي بصحته تأدباً بأدبك واتعاظاً بموعظتك {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى } ما فرط مني {وَتَرْحَمْنِى } بالعصمة عن العود إلى مثله {أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } بتحية منا أو بسلامة من الغرق {وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ } هي الخيرات النامية وهي في حقه بكثرة ذريته وأتباعه، فقد جعل أكثر الأنبياء من ذريته وأئمة الدين في القرون الباقية من نسله {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } «من» للبيان، فتراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات أو قيل لهم أمم لأن الأمم تتشعب منهم، أو لابتداء الغاية أي على أمم ناشئة ممن معك وهي الأمم إلى آخر الدهر وهو الوجه {وَأُمَمٌ } رفع بالابتداء {سَنُمَتّعُهُمْ } في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش صفة والخبر محذوف تقديره، وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأن ممن معك يدل عليه {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي في الآخرة، والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك. وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة، وعن محمد بن كعب: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إِلى يوم القيامة وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} الآية. قوله: "فَقَالَ" عطفٌ على "نَادَى". قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله "رَبّ" فكيف عطف "فقال رَبّ" على "نَادَى" بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}تفسير : [مريم:3] - {أية : قَالَ رَبِّ}تفسير : [مريم:4] بغير فاء. فصل تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: {رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} لا خلف فيه {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: {يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. قوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: قرأ الكسائيُّ "عَمِلَ" فعلاً ماضياً، و "غيرَ" نَصْباً. والباقون: "عَمَلٌ" بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و "غَيْرُ" بالرَّفع. فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل "عَمِلَ" ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و "غَيْرَ" مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله {أية : وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}تفسير : [المؤمنون:51]. وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ: أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوحٍ، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في "رجل عدل"، و "زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ". والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم من قوله: "ونَادَى" أي: نداؤك وسؤالك. وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: "ليسَ بذاك" ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد. الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: "اركب مَعَنَا". الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُوب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عليه الصلاة والسلام -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالحٍ، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك. قوله: {فَلاَ تَسْأَلْنِـي} قرأ نافع وابن عامرٍ "فلا تَسْألنِّ" بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف {أية : فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ}تفسير : [الكهف:70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء في الكهفِ. فمن خفَّف النون، فهي نونُ الوقاية وحدها، ومن شدَّدها فهي نون التوكيد. وابنُ كثير لم يجعل في هود الفعل متصلاً بياء المُتكلم، والباقون جعلوه. فلزمهم الكسرُ. وقد تقدَّم أنَّ "سَأَلَ" يتعدَّى لاثنين أوَّلهما ياء المتكلم، والثاني {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قوله: "أن تكون" على حذف حرف الجر، أي: مِنْ أن تكون أو لأجْلِ أن، وقوله: {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} يجوزُ في "بِهِ" أن يتعلَّق بـ "عِلْم". قال الفارسيُّ: ويكون مثل قوله: [الرجز] شعر : 2978- كَانَ جَزائِي بالعَصَا أنْ أجْلَدَا تفسير : ويجوز أن يتعلَّق بالاستقرار الذي تعلَّق به "لَكَ"، والباء بمعنى "في"، أي ما ليس لك به علمٌ. وفيه نظرٌ. ثم قال: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} يعني أن تدعو بهلاك الكفار، ثم تسأل نجاة كافر {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} وهذا إخبار بما في المستقبل وهو العزم على الترك. قوله: {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} لم تمنع "لا" من عمل الجازم كما لم تمنعْ من عمل الجارِّ في نحو: "جِئْتُ بلا زادٍ" قال أبو البقاء: "لأنَّها كالجزء من الفعل وهي غيرُ عاملةٍ في النَّفْي، وهي تنفي ما في المستقبل، وليس كذلك "مَا" فإنَّها تنفي ما في الحالِ؛ فلذلك لمْ يَجُزْ أن تدخُل "إنْ" عليها". قوله: {قِيلَ يٰنُوحُ} الخلافُ المتقدم في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ}تفسير : [البقرة:13] وشبهه عائدٌ هنا، أي: في كونِ القائم مقام الفاعلِ الجملة المحكيةَ أو ضمير مصدرِ الفعل. قوله: "بِسَلاَمٍ" حالٌ من فاعل "اهْبِطْ" أي: مُلْتَبساً بسلامٍ. و "مِنا" صفةٌ لـ: "سَلام" فيتعلق بمحذوفٍ أو هو متعلقٌ بنفس "سلام"، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، وكذلك "عَلَيْكَ" يجوز أن يكون صفة لـ "بَركات" أو متعلقاً بها. ومعنى "اهْبِطْ" انزل من السفينة، وعدهُ عند الخروج بالسَّلامة أولاً، ثم بالبركةِ ثانياً. والبركة: ثبوت الخير ومنه بروك البعير، ومنه البركةُ لثبوت الماء فيها، ومنه {أية : تَبَارَكَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعراف:54] أي: ثبت تعظيمه وقيل: البركةُ ههنا هي أنَّ الله - تعالى - جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، ثم لمَّا بشَّرهُ بالسَّلامة والبركةِ شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} قيل: المرادُ الذين معه، وذرياتهم، وقيل: ذرّية من معهُ. قوله {مِّمَّن مَّعَكَ} يجوز في "مَنْ" أن تكون لابتداء الغاية، أي: ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدَّهْر، ويجوز أن تكون "مِنْ" لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانُوا معه في السفينة؛ لأنَّهم كانوا جماعاتٍ. وقُرِىء "اهْبُط" بضمِّ الباءِ، وقد تقدَّم أول البقرة، وقرأ الكسائيُّ - فيما نُقِل عنه - "وبركة" بالتوحيد. قوله: "وأمم" يجوزُ أن يكون مبتدأ، و "سَنُمَتِّعُهُمْ" خبره، وفي مسوغ الابتداء وجهان: أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي: ممَّن معك كقولهم: "السَّمْن منوان بدرهم" فـ "مَنَوان" مبتدأٌ وصفَ بـ "منه" تقديراً. والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: "النَّاسُ رجلان: رجلٌ أهَنْتُ، وآخرُ أكْرَمْتُ" ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2979- إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفهَا انحَرفَتْ لهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عندنَا لَمْ يُحَوَّلِ تفسير : ويجوز أن يكون مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضَّمير المستتر في "اهْبِطْ" وأغنى الفصل عن التأكيد بالضَّمير المنفصل، قاله أبو البقاء. قال أبو حيَّان: وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأنَّ الذين كانُوا مع نوح في السَّفينةِ إنَّما كانُوا مُؤمنين؛ لقوله: {وَمَنْ آمَنَ} ولم يكُونُوا كُفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورين بالهبوطِ، إلاَّ إنْ قُدِّرَ أنَّ من المؤمنين من يكفر بعد الهبوطِ، وأخبر عنهم بالحال التي يؤولُون إليها فيمكن على بُعْدٍ. وقد تقدَّم أنَّ مثل ذلك لا يجُوزُ، في قوله {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ}تفسير : [البقرة:35] لأمرٍ صناعي، و "سَنُمَتِّعُهُمْ" على هذا صفةٌ لـ "أمم"، والواوُ يجوز أن تكون للحال قال الأخفشُ: كما تقولُ: كلَّمْتُ زيداً وعمرٌو جالس" ويجُوزُ أن تكون لمجرَّدِ النَّسَق. واعلم أنَّهُ سبحانه أخبر بأنَّ الأمم النَّاشئة الذين كانوا مع نوحٍ لا بدَّ وأن ينقسمُوا إلى مؤمنٍ وكافرٍ. ثم قال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} وقد تقدَّم الكلامُ فيها عند قوله {أية : ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ}تفسير : [آل عمران:44] في آل عمران. و "تلك" في محلِّ رفع على الابتداء، و {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} الخبر، و "نُوحِيهَا إليْكَ" خبر ثان. قوله: {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ} يجوزُ في هذه الجملةِ أن تكون حالاً من الكاف في "إليك" وأن تكون حالاً من المفعول في "نُوحيهَا" وأن تكون خبراً بعد خبر. والمعنى: ما كنت تعلمُها أنت يا محمدُ ولا قومك، أي: إنَّك ما كنت تعرفُ هذه القصة وقومك أيضاً ما كانوا يعرفونها، كقول الإنسان لآخر: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. فإن قيل: أليس قد كانت قصة الطوفان مشهورة عند أهل العلم؟. فالجواب: أنها كانت مشهورة بحسب الإجمال، أمَّا التَّفاصيلُ المذكورة فما كانت معلومة. ثم قال تعالى: "فاصْبِرْ" يا محمد أنت وقومك على أولئك الكفار "إنَّ العاقِبَةَ" آخر الأمر والنّصر والظّفر "لِلْمُتَّقين". فإن قيل: إنَّه ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم أعادها، فما فائدة هذا التكرار؟. فالجوابُ: أنَّ القصة الواحدة قد ينتفعُ بها من وجوه، ففي السورةِ الأولى كان الكفار يستعجلُون نزول العذاب، فذكر - تعالى - قصة نوح وبيَّن أنَّ قومه كانُوا يكذبُونه بسبب أنَّ العذابَ ما كان يظهر ثُمَّ في العاقبةِ ظهر، فكذا في واقعة محمد - صلوات الله البر الرحيم وسلامه عليه -، وفي هذه السورة ذكر القصة لبيان أنَّ إقدامَ الكُفَّار على الإيذاء، والإيحاش كان حاصلاً في زمن نُوح، فلمَّا صبر نال الفتح والظفر، فكن، يا مُحمَّدُ، كذلك لتنال المقصود، فلمَّا كان الانتفاعُ بالقصة في كُلِّ سُورة من وجهٍ لم يكن تكريرها خالياً عن الفائدةِ.

البقاعي

تفسير : ولما كان الاستثناء من أهله في قوله: {إلا من سبق عليه القول} يجوز أن يراد به امرأته فقط، فتكون نجاة ابنه جائزة، وكان ما عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من فرط الشفقة على الخلق لا سيما الأقارب يحملهم على السعي في صلاحهم ما كان لذلك وجه كما تقدم مثل ذلك في قوله تعالى {أية : إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} تفسير : [التوبة: 80] لأن أجنحة الخلق كسيرة وأيديهم قصيرة وأمرهم ضعيف وحالهم رث، فأدنى هوان يورثهم الخسران، وأما جناب الحق ففسيح وشأنه عظيم وأمره عليّ، فلا يلحقه نقص بوجه ولا يدانيه ضرر ولا يعتري أمره وهن، لما كان ذلك كذلك، سأل نوح عليه السلام نجاة ولده كما أخبر عنه تعالى في قوله: {ونادى نوح ربه} أي الذي عوده بالإحسان الجزيل، ودل سبحانه بالعطف بالفاء دون أن يأتي بالاستئناف المفسر للنداء على أن ما ذكر هنا من نداء نوح عليه السلام بعض ندائه وأن هذا المذكور مرتب معقب على شيء منه سابق عليه أقربه أن يكون ما أرشده إليه سبحانه في سورة المؤمنين ويشعر به قوله تعالى بعد هذا جواباً له {يا نوح اهبط بسلام منا} فيكون تقدير الكلام قال: رب أنزلني منزلاً مباركاً - وما قدر له من الكلام {فقال} أي عقبة لما حمله على ذلك من رحمة النبوة وشفقة الأبوة وسجية البشر متعرضاً لنفحات الرحمة وعواطف العفو؛ أو الفاء تفصيل لمجمل "نادى" مثل ما في: توضأ فغسل {رب إن ابني} أي الذي غرق {من أهلي} أي وقد أمرتني بحمل أهلي، وذلك الأمر محتمل للإشارة إلى إرادة نجاتهم {وإن وعدك الحق} أي الكامل في نجاتهم إلا من سبق عليه القول، وقد علمت ذلك في المرأة الكافرة {وأنت أحكم الحاكمين*} لأنك أعلمهم، ومن كان أعلم كان أحكم فتعلم أن قولك {إلا من سبق عليه القول} يصح باستثنائها وحدها، فإن كان ابني ممن نجا فأتني به؛ وإن كان هذا الدعاء عند حيلولة الموج بينهما فالمعنى: فلا تهلكه {قال يا نوح} وأكد في نفي ما تقدم منه إثباته فقال: {إنه ليس من أهلك} أي المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره، ولهذا علل بقوله: {إنه عمل} أي ذو عمل، ولكنه جعله نفس العمل في قراءة الجماعة مبالغة في ذمه، وذلك لأن الجواهر متساوية الأقدام في نفس الوجود لا تشرف إلا بآثارها، فبين أنه ليس فيه أثر صالح أصلاً، ويثبت قراءة يعقوب والكسائي بالفعل أن من باشر السوء مطلق مباشرة وجبت البراءة منه، ولا سيما للأمر فلا يواصل إلا بإذن، وعبر بالعمل دون الفعل لزعمه أن أعماله مبنية على العلم، وأكده لما لا يخص من سؤال نوح عليه السلام هذا {غير صالح} بعلمي، وقد حكمت في هذا الأمر أني لا أنجي منه إلا من اتصف بالصلاح وأنا عليم بذات الصدور، وأنت يخفي عليك كثير من الأمور فربما ظننت الإيمان بمن ليس بؤمن لبنائك الأمر على ما نراه من ظاهره؛ وقد نقل الرماني عن الحسن أنه كان ينافق بإظهار الإيمان، وهذا يدل على أن الموافق في الدين ألصق ما يكون وإن كان في غاية البعد في النسب، والمخالف فيه أبعد ما يكون وإن كان في غاية القرب في النسب. ولما تسبب عن هذا الجواب أن ترك السؤال كان أولى، ذكر أمراً كلياً يندرج فيه فقال: {فلا تسألن} أي بنوع من أنواع السؤال {ما ليس لك به علم} فلا تعلم أصواب السؤال فيه أم لا، لأن اللائق بأمثالك من أولى القرب بناء أمورهم على التحقيق وانتظار الإعلام منا، انظر إلى قول موسى عليه السلام في حديث الشفاعة في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: حديث : وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلهاتفسير : . ومن المعلوم أن تلك النفس كانت كافرة من آل فرعون {إني أعظك} بمواعظي كراهية {أن تكون} أي كوناً تتخلق به {من الجاهلين*} أي في عداد الذين يعملون بالظن لأنهم لا سبيل لهم إلى الوقوف على حقائق الأمور من قبلنا فتسأل مثل ما يسألون. ولما انجلى للسامع ما هو فيه صلى الله عليه وسلم من علو المقام وعظيم الشأن الموجب للعقاب على كثير من الصواب فتشوف للجواب، استأنف بيانه بقوله: {قال} أي مبادراً على ما يقتضيه له من كمال الصفات {رب} أي أيها المحسن إليّ، وأكد دلالة للسامعين على عظيم رغبته فقال: {إني أعوذ بك أن} أي من أن {أسألك} أي في شيء من الأشياء {ما ليس لي به علم} تأدباً بإذنك واتعاظاً بموعظتك وارتقاء لما رقيتني إليه من علو الدرجة ورفيع المنزلة {وإلا تغفر لي} أي الآن وفي المستقبل {وترحمني} أي تستر زلاتي وتمحها وتكرمني {أكن من الخاسرين*} أي العريقين في الخسارة فكأنه قيل: ماذا أجيب عن ذلك؟ فقيل: {قيل} بالبناء للمفعول دلالة على العظمة والجلال الذي تكون الأمور العظيمة لأجله بأدنى إشارة {يا نوح اهبط} أي من السفينة {بسلام} أي عظيم {منا} أي ومن سلمنا عليه فلا هلك يلحقه {وبركات} أي خيرات نامية عظيمة صالحة {عليك} أي خاصة بك {وعلى أمم} ناشئة {ممن معك} لكونهم على ما يرضينا ولا نمتعهم بالدنيا إلا قليلاً، ولهم إذا رجعوا إلينا نعيم مقيم، وقد دخل في هذا الكلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة {وأمم} أي منهم {سنمتعهم} في الدنيا بالسعة في الرزق والخفض في العيش على وفق علمنا وإرادتنا ولا بركات عليهم منا ولا سلام، فالآية من الاحتباك: ذكر البركات والسلام أولاً دليلاً على نفيهما ثانياً، والمتاع ثانياً، دليلاً على حذفه أولاً {ثم يمسهم منا} أي في الدارين أو في الآخرة أو فيهما {عذاب أليم*} لجريهم على غير هدينا وجرأتهم على ما يسخطنا، ويجوز أن يكون {وأمم} مبتدأ من غير تقدير صفة محذوفة، فيكون المسوغ للابتداء كون المقام مقام التفضيل؛ والعياذ: طلب النجاة بما يمنع من الشر؛ والبركة: ثبوت الخير بنمائه حالاً بعد حال، وأصله الثبوت، ومنه البروك والبركة لثبوت الماء فيها. ذكر قصة نوح عليه السلام من التوراة وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن خنوخ بن يارد بن مهلاليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وذلك لأنه في أوائل السفر الأول منها: وإن آدم طاف نحو حليلته فحبلت وولدت ابناً فسماه شيث وقال: الآن أخلف الله عليّ نسلاً آخر بدل هابيل الذي قتله قابيل، وذلك بعد أن عاش آدم مائة وثلاثين سنة، وكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة، وعاش شيث مائة وخمس سنين فولد له أنوش، وكان جميع حياة شيث تسعمائة واثنتي عشرة سنة، فعاش أتوش تسعين سنة فولد له قينان وكان جيمع حياة أنوش تسعمائة وخمس سنة، وعاش قينان سبعين سنة فولد له مهلاليل وكان جميع حياة قينان تسعمائة وعشرين سنة، وعاش مهلاليل خمساً وستين سنة فولد له يارد وكانت مائة واثنتين وستين سنة فولد به خنوخ فكانت جميع حياة يارد تسعمائة واثنتين وستين سنة، وعاش خنوخ خمساً وستين سنة فولد له متوشلح وكانت جميع حياة خنوخ ثلاثمائة وخمساً وستين سنة، وعاش متوشلح مائة وسبعاً وثمانين سنة فولد له لمك وكانت جميع حياة متوشلح تسعمائة وتسعاً وستين سنة، وعاش لمك مائة واثنتين وثمانين سنة فولد له ابن فسماه نوحاً، ثم قال: هذا يريحنا من أعمالنا، وكد أيدينا في الأرض التي قد لعنها الله، وكانت جميع أيام حياة لمك سبعمائة وسبعاً وسبعين سنة، وتوفي ونوح ابن خمسمائة سنة. فولد لنوح بنون: سام وحام ويافث، فلما بدأ الناس أن يكثروا على وجه الأرض وولد لهم البنات نظر بنو الأشارف منهم بنات العامة حساناً جداً فأخذوا منهم النساء على ما اختاروا وأحبوا، فقال الله عند ذلك: لا تحل عنايتي وشفتي على هؤلاء الناس لأنهم يتبعون أهواء الجسد واللحم وكانت على الأرض جبابرة في تلك الأيام ومن بعدها، لأن بني الأشراف دخلوا على بنات العامة فولد لهم جبابرة مذكورون، فرأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض هوىء فكرهم وحقدهم ردىء في جميع الأيام، فقال الرب: أمحق الذين خلقت وأبيدهم عن جديد الأرض من الناس والبهائم حتى الهوام وطير السماء؛ وظفر نوح من الله برحمة ورأفة، وكان نوح رجلاً باراً تقياً في حقبه فأرضى الله، وفسدت الأرض بين يدي الله وامتلأت إثماً وفجوراً، فرأى الرب الإله أن الأرض قد فسدت وقال الله لنوح: قد وصل إلى أمر جميع الناس وسوء أعمالهم لأن الأرض قد امتلأت إثماً وفجوراً بسوء سيرتهم. فهأنذا مفسدهم مع الأرض فاتخذ لك أنت تابوتاً مربعاً من خشب الساج - وفي نسخة: الشمشار - وأجعل في التابوت علالي. واطلها بالقار من داخلها وخارجها، وليكن طول الفلك ثلاثمائة ذراع. وعرضه خمسين ذراعاً، وسمكه ثلاثين ذراعاً، واجعل في التابوت كوى وليكن عرضها من أعلاها ذراعاً واحداً، واجعل باب الفلك في جانبه، واجعل فيه منازل أسفل وأوساط وعلالي. وها أنذا محدر ماء الطوفان على الأرض لأفسد به كل ذي لحم فيه نسمة الحياة من تحت السماء، ويبيد كل ما على الأرض، وأثبت عهدي بيني وبينك. وتدخل التابوت أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك، ومن كل حي من ذوي اللحوم من كل صنف اثنان لتحيى معك، ولتكن ذكوراً وإناثاً، من كل الطيور كأجناسها. ومن الأنعام لأصنافها، ومن كل الهوام التي تدب على الأرض لجواهرها، اثنين اثنين أدخل معك من كلها لتستحييها ذكراً وانثى، واجعل من كل ما يؤكل فاخزنه معك، وليكن مأكلك ومأكلها؛ فصنع نوح كل شيء كما أمر الله ثم قال الله لنوح: ادخل أنت وكل أهل بيتك إلى التابوت لأني إياك وجدت باراً تقياً في هذا الحقب، ومن كل الأنعام الزكية أدخل معك سبعة سبعة من الذكور والإناث، ومن الأنعام التي ليست بزكية أدخل معك اثنين ذكوراً وإناثاً. ومن الطير الزكي سبعة سبعة ذكوراً وإناثاً، ومن الطير الذي ليس بزكي اثنين اثنين ذكوراً وإناثاً، ليحي منها نسل على وجه الأرض، لأني من الآن إلى سبعة أيام أهبط القطر على وجه الأرض أربعين يوماً ولياليها، وأبيد كل ما خلقت على وجه الأرض؛ فصنع نوح كما أمره الرب الإله. فلما كان بعد بعد ذلك بسبعة ايام نزلت مياه الطوفان، تفجرت مياه الغمر وتفتحت مثاعب السماء. وأقبلت الأمطار على وجه الأرض أربعين نهاراً وأربعين ليلة، وفي هذا اليوم دخل نوح وسام وحام ويافث بنو نوح وامرأة نوح ونساء بنيه الثلاث معه الفلك هم وجميع السباع لأجناسها وجميع الدواب لأصنافها وكل حشرة تدب على الأرض بجواهرها وجميع الطيور لأجناسها، ودخل مع نوح التابوت منكل عصفور ومن كل ذي جناحين اثنان اثنان، ومن كل ذي لحم فيه روح الحياة وكل شيء دخل من ذوي اللحوم دخلوا ذكوراً وإناثاً كما أمر الله نوحاً، ثم أغلق الله الرب الباب عليه، وكان الطوفان على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، وكثرت المياه حتى احتملت التابوت فارتفع عن الأرض، وعزرت المياه وكثرت على الأرض جداً وجعل التابوت يسير على وجه الماء واشتدت المياه على وجه الأرض جداً جداً. وتوارت جميع الجبال العالية الشاهقة التي تحت السماء، وارتفعت المياة من فوق كل جبل خمسة عشر ذراعاً، وباد كل ذي لحم على الأرض من الطيور أجمع والسباع والدواب وجميع الحشرة التي تدب على الأرض وجميع الناس والبهائم، ومات كل شيء كان فيه نسمة الحياة مما في اليبس. وبقي نوح ومن معه في الفلك، واشتدت المياه على الأرض مائة وخمسين يوماً؛ وإن الله ذكر نوحاً وكل السباع والدواب وجميع الطيور التي معه في التابوت. فأهاج الله ريحاً على وجه الأرض فسكنت المياه والأمطار. واشتدت ينابيع الغمر وميازيب وغاضت المياه بعد مائة وخمسين يوماً، وسكن التابوت ووقف في الشهر السابع لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر على جبال قودي وجعلت المياه تنصرف وتنتقص إلى الشهر العاشر، وظهرت رؤوس الجبال في أول يوم الشهر العاشر، فلما كان بعد ذلك بأربعين يوماً فتح نوح الكوة التي عملها في التابوت فأرسل الغراب، فخرج الغراب من عنده فلم يعد إليه حتى يبست المياه عن وجه الأرض، ثم أرسل الحمامة من بعده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة موضعاً لموطىء رجليها فرجعت إلى التابوت لأن المياه كانت بعد على وجه الأرض، فمد يده فأخذها وأدخلها إليه وانتظر سبعة أيام أخرى، ثم عاد فأرسل الحمامة فعادت عند المساء وفي منقارها ورقة زيتون، فعلم أن الماء قد غاض عن وجه الأرض فصبر أيضاً سبعة أيام أخر، ثم أرسل الحمامة فلم تعد إليه أيضاً، ففتح نوح باب الفلك فرأى فإذا وجه الأرض قد ظهر وجفت الأرض. فكلم الرب الإله نوحاً وقال له: اخرج من التابوت أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وكل السباع التي معك من كل ذي لحم والطيور والدواب، وأخرج كل الهوام التي تدب على الأرض معك، ولتتولد وتنمو في الأرض وتكثر وتزداد على الأرض. فخرج نوح ومن ذكر وبنى للرب مذبحاً وأخذ من جميع الدواب والطيور الزكية فأصعد منها على المذبح قرباناً للرب الإله، فقال الرب الإله: لا أعود ألعن الأرض أبداً من أجل أعمال الناس لأن هوى قلب الإنسان وحقده رديء منذ صباه ولا أعود أيضاً أبيد كل حي كما فعلت، ومن الآن جميع أيام الأرض يكون فيها الزرع والحصاد والبرد والحر والقيظ والشتاء، فبارك الله على نوح وبنيه وقال لهم: انموا واكثروا واملؤوا الأرض، وليغش رعبكم وخوفكم جميع السباع وبهائم الأرض وكل طيور السماء وكل دابة تدب على الأرض، وجميع حيتان البحور تكون تحت أيديكم، وكل الدواب الطاهرة الحية تكون لأكلكم، وقد جعلت الأشياء كلها حلالاً لكم مثل عشب البرية خضرها، وأما المخنوق الذي دمه فيه فلا تأكلوه فإن دمع نفسه، وأما دماؤكم من أنفسكم فأطلبها بالنهي من يد جميع الحيوان ومن يد جميع الناس، أي إنسان قتل أخاه طالبته بدمه، ومن سفك دم الإنسان سفك دمه لأن الله خلق آدم بصورته، وأنتم فانموا واكثروا وولدوا في الأرض وأكثروا فيها؛ وقال الله لنوح ولبنيه معه: هأنذا مثبت عهدي بيني وبينكم ومع أنسالكم من بعدهم ومع كل نفس حية منكم، ومع الطيور والدواب ومع كل سباع الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك. وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ذي لحم أيضاً بماء الطوفان ولا يهبط الطوفان أيضاً ليفسد جميع الأرض، قال الله لنوح: هذه علامة لعهدي الذي أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم في جميع أحقاب العالم، قد أظهرت قوسي في السحاب فهي أمارة ذكر العهد الذي بيني وبينك وبين أهل الأرض، فإذا أنشأت السحاب في الأرض وأظهرت قوس السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينكم، وكان بنو نوح الذين خرجوا معه من التابوت سام وحام ويافث، وحاتم يكنى أبا كنعان، هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح، وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها؛ ثم ذكر أن نوحاً عليه السلام نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك لأخويه، فتناول سام ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عرى أبيهما، فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا عليه أن يكون عبداً لأخويه، وكانت جميع أيام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة، ثم توفي عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ ثم ذكر أن الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحاً لاحقاً بالسماء، واجتمع جميعهم على ذلك لأن لغتهم كانت واحدة ورأيهم واحد ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه الأرض ولم يبنوا القرية التي هموا بها، ولذلك سميت بابل وبوبال معناه بالعبراني: الشتات، وما في تفسير البغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - بضمهما كما في القاموس - كان في زمن نوح وسلم من الطوفان، وأن الماء لم يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ لقوله تعالى: {أية : ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} تفسير : [هود: 37] وقوله: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} وقوله: {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}تفسير : [نوح: 26] ونحوها، فإن كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليه السلام قتله كافراً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال ‏ {‏ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي‏} ‏ وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي وان ابني من أهلي‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ما بغت امرأة نبي قط، وقوله ‏ {‏إنه ليس من أهلك‏}‏ يقول‏:‏ إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك‏.

ابو السعود

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} أي أراد ذلك بدليل الفاء في قوله تعالى: {فَقَالَ رَبّ إِنَّ ٱبُنِى مِنْ أَهْلِى} وقد وعدتني إنجاءَهم في ضمن الأمرِ بحملهم في الفلك أو النداءُ على الحقيقة والفاءُ لتفصيل ما فيه من الإجمال، {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أي وعدَك ذلك، أو إنّ كلَّ وعدِه حقٌّ لا يتطرق إليه خُلْفٌ فيدخل فيه الوعدُ المعهُود دخولاً أولياً {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} لأنك أعلمُهم وأعدلُهم أو أنت أكثرُ حكمةً من ذوي الحِكَم على أن الحاكمَ من الحِكمة كالدارع من الدِرْع، وهذا الدعاءُ منه عليه الصلاة والسلام على طريقة دعاءِ أيوبَ عليه الصلاة والسلام: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 83] {قَالَ يَـا نُوحٌ} لما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بتذكير وعدِه جل ذكرُه مبنياً على كون كنعانَ من أهله نُفيَ أولاً كونُه منهم بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي ليس منهم أصلاً لأن مدار الأهليةِ هو القرابةُ الدينية ولا علاقةَ بـين المؤمن والكافرِ أو ليس من أهلك الذين أمرتُك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم بالاستثناء، وعلى التقديرين ليس هو من الذين وُعد بإنجائهم ثم علل عدمُ كونِه منهم على طريقة الاستئنافِ التحقيقي بقوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} أصله إنه ذو عملٍ غيرِ صالح فجُعل نفسَ العملِ مبالغةً كما في قول الخنساء: شعر : [تَرْتَعُ ما رتعتْ حتَّى ادَّكرتْ] فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ تفسير : وإيثارٌ غيرُ صالحٍ على فاسد إما لأن الفاسدَ ربما يطلق على ما فسد ومن شأنُه الصلاحُ فلا يكون نصاً فيما هو من قبـيل الفاسدِ المحضِ كالقتل والمظالم، وإما للتلويح بأن نجاةَ من نجا إنما هي لصلاحه، وقرأ الكسائي، ويعقوب، إنه عمِلَ غيرَ صالحٍ أي عملاً غيرَ صالح، ولما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام مبنياً على ما ذكر من اعتقاد كونِ كنعانَ من أهله ـ وقد نُفيَ ذلك وحُقّق ببـيان عِلّته ـ فُرّع على ذلك النهيُ عن سؤال إنجائِه، إلا أنه جيء بالنهي على وجه عامٍ يندرجُ فيه ذلك اندراجاً أولياً فقيل: {فَلاَ تَسْأَلْنى} أي إذا وقفتَ على جلية الحالِ فلا تطلُب مني {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي مطلباً لا تعلم يقيناً أن حصولَه صوابٌ وموافقٌ للحكمة على تقدير كونِ (ما) عبارةً عن المسؤول الذي هو مفعولٌ للسؤال أو طلباً لا تعلم أنه صوابٌ على تقدير كونِه عبارةً عن المصدر الذي هو مفعولٌ مطلقٌ فيكون النهيُ وارداً بصريحه في كلَ من معلوم الفسادِ ومشتبِهِ الحالِ ويُفهم، ويجوز أن يكون المعنى ما ليس لك علمٌ بأنه صوابٌ أو غيرُ صوابٍ فيكون النهيُ وارداً في مشتبِهِ الحالِ ويُفهمُ منه حالُ معلوم الفساد بالطريق الأولى، وعلى التقديرين فهو عامٌ يندرج تحته ما نحن فيه كما ذكرناه، وهذا كما ترى صريحٌ في أن نداءَه عليه الصلاة والسلام ربَّه عز وعلا ليس استفساراً عن سبب عدمِ إنجاءِ ابنِه مع سبق وعدِه بإنجاء أهلِه وهو منهم كما قيل، فإن النهيَ عن استفسار ما لم يُعلم غيرُ موافقٍ للحكمة، إذا عدمُ العلمِ بالشيء داعٍ إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه بل هو دعاءٌ منه لإنجاء ابنِه حين حال الموجُ بـينهما ولم يَعلم بهلاكه بعدُ، إما بتقريبه إلى الفُلك بتلاطم الأمواجِ أو بتقريبها إليه، وقيل: أو بإنجائه في قُلّة الجبل، ويأباه تذكيرُ الوعدِ في الدعاء فإنه مخصوصٌ بالإنجاء في الفلك وقوله تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : ومجرّدُ حيلولةِ الموجِ بـينهما لا يستوجب هلاكَه فضلاً عن العلم به لظهور إمكانِ عصمةِ الله تعالى إياه برحمته وقد وعد بإنجاء أهلِه ولم يكن ابنُه مجاهراً بالكفر كما ذكرناه حتى لا يجوز عليه السلام أن يدعوَه إلى الفُلك أو يدعوَ ربّه لإنجائه، واعتزالُه عنه عليه الصلاة والسلام وقصدُه الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جوازِ أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفُلك وزعمِه أن الجبلَ أيضاً يجري مجراه أو لكراهة الاحتباسِ في الفلك بل قوله: {أية : سَآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَاء} تفسير : [هود: 43] بعد ما قال نوحٌ عليه الصلاة والسلام: {أية : وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [هود: 42] ربما يُطمعه عليه السلام في إيمانه حيث لم يقل: أكونُ معهم أو سنأوي أو يعصمنا، فإن إفرادَ نفسه بنسبة الفعلين المذكورَيْن بما يشعر بانفراده من الكافرين واعتزالِه عنهم وامتثالِه ببعض ما أمره به نوحٌ عليه الصلاة والسلام، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لو تأمل في شأنه حقَّ التأملِ وتفحّص عن أحواله في كل ما يأتي ويذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه المستثنى من أهله، ولذك قيل: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ} فعبّر عن ترك الأولى بذلك، وقرىء فلا تسألنِ بغير ياءِ الإضافةِ وبالنون الثقيلة بـياء وبغير ياء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي} [الآية: 45]. قال الحسين: لم يؤذن لأحد فى الانبساط على بساط الحق بحال؛ لأن بساط الحق عزيز وحواشيه قهر وجبروت، فمن انبسط عليه رد عليه كما رد على نوح - عليه السلام - لما قال: {إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}. قيل له: إن ابنك ليس هو من أهلك.

القشيري

تفسير : خَاطَبَ الحقَّ - سبحانه - في باب ابنْهِ، واستعطفَ في السؤال فقال: و{إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}: فقال له: إنَّه ليست مِنْ أهل الوصلة قِسْمَتُه - وإنْ كان من أَهْلِكَ نَسَباً ولُحْمَةً، وإنَّ خطابَك في بابه عملٌ غيرُ صالح، أو إنه أيضاً عَمِلَ غيرَ صالح. {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: أي سَتَرْتُ غيبي في حال أوليائي وأعدائي، فلا يُعلَمُ سِرُّ تقديري. قوله: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ}: وذلك لحُرْمِة شيخوخته وكِبَرِه، ولأنه لم يَسْتَجِبْ له في وَلَدِه، فتَدارَكَ بِحُسْنِ الخطابِ قَلْبَه. وقيل إن ابنَ نوح بَنَي من الزجاجِ بيتاً وقتَ اشتغال أبيه باتخاذ السفينة، فلما ركب نوحٌ السفينةَ دَخَلَ ابنُه في البيتِ الذي اتخذه من الزجاج، ثم إن الله تعالى سلَّطَ عليه البوْلَ حتى امتلأ بيْتُ الزجاج من بَوْلِه؛ فَغَرِق الكلُّ في ماء البحر،وغرق ابنُ نوحٍ في بَوْلِه! ليُعلَمَ أنه لا مفرَّ مِنَ القَدَر.

اسماعيل حقي

تفسير : {ونادى نوح ربه} [وبخواند بروردكارمن] {ان ابنى} كنعان وسمى الابن ابنا لكونه بناء ابيه اى مبنى ابيه {من اهلى} وقد وعدتنى نجاءهم فى ضمن الامر بحملهم فى الفلك ومن تبعيضية لانه كان ابنه من صلبه على ما هو الارجح او كان ربيبا له فهو بعض اهله والاهل يفسر بالازواج والاولاد وبالعبيد والاماء وبالاقارب وبالاصحاب وبالمجموع كما فى شرح المشارق لابن ملك. قال ابن الكمال الكمال الاهل خاصة الشيء وما ينسب اليه ومنه قوله تعالى {ان ابنى من اهلى} {وان وعدك} ذلك والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها {الحق} الثابت الذى لا يتطرق اليه الخلف ولا يشك فى انجازه والوفاء به والظاهر ان هذا النداء كان قبل غرق ابنه فان الواو لا تدل على الترتيب والمقصود منه طلب نجاته لا طلب الحكمة فى عدم نجاته حين حال الموج بينهما ولم يعلم بهلاكه اما بتقريبه الى الفلك بتلاطم الامواج او بتقريبها اليه ومجرد حيلولة الموج بينهما لا يستوجب هلاكه فضلا عن العلم به لظهور امكان عصمة الله اياه برحمته والله تعالى على كل شيء قدير ويؤيده ما فى بحر الكلام ان ذكر المسألة اى فى قوله تعالى {أية : فلا تسألن} تفسير : كما يستاتى دليل على ان النداء كان قبل ان يغرق حتى يخاف عليه {وانت احكم الحاكمين} اى اعلم الحكام واعدلهم اذ لا فضل لحاكم على غيره الا بالعلم والعدل ورب جاهل ظالم من متقلدى الحكومة فى زمانك لقد لقب اقضى القضاة ومعناه احكم الحاكمين فاعتبر واستعبر قال جار الله شعر : قضاة زماننا صاروا لصوصا عموما فى القضايا لا خصوصا خشينا منهمو لو صافحونا للصوا من خواتمنا فصوصا تفسير : وفى الحديث "حديث : القضاة ثلاثة واحد فى الجنة واثنان فى النار فاما الذى فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى به واما الآخران فرجل عرف الحق فجار فى الحكم فهو فى النار ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار" تفسير : اى لا يعرف الحق فيخلط الحلال بالحرام: قال الشيخ السعدى شعر : مها زورمندى مكن بركهان كه بريك نمط نماند جهان لب خشك مظلوم را كوبخند كه دندان ظالم بخواند كند

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (وإنَّ وعدك): عطف على (إن ابني). و(أنت أحكم): حال من الكاف. و(إني أعظك): مفعول من أجله، أي: كراهية أن تكون من الجاهلين. يقول الحق جل جلاله: {ونادى نوحٌ ربَّه} بعد تعميم الغرق، أي: أراد النداء بدليل عطف قوله: {فقال ربِّ إنَّ ابني من أهلي}، فإنه هو النداء، أو تكون فصيحة، جواباً عن مقدر، كأن قائلاً قال: ماذا في ندائه؟ فقال: إن ابني من أهلي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي، {وإن وعَدَكَ الحقُّ} لا يتطرقه الخلف، فما باله غرِق؟ {وأنت أحكمُ الحاكمين}؛ لأنك أعلمهم وأعدلهم، فلم أعرف وجه حكمك عليه بالغرق. أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم، فلم أفهم حكمة غرقه. {قال} تعالى: {يا نوح إنه ليس من أهلك}؛ لأنه خالفك في الدين، ولا ولاية بين الكافر والمؤمن، {إنه عملٌ غير صالح} أي: ذو عمل فاسد. جعل ذاته نفس العمل؛ مبالغةً. وقرأ الكسائي ويعقوب: (عَمِلَ) بلفظ الماضي. أي: عمل عملاً فاسداً. استحق به البعد عنك. أو: إنه ـ أي سؤالك ـ عملٌ غير صالح. ويقوي هذا قراءة ابن مسعود: "إنه عمل غير صالح أن تسألني ما ليس لك به علم، وقراءة الجماعة: {فلا تسألن ما ليس لك به علمٌ} أصواب هو أم لا، حتى تقف على كنهه. وإنما سمي نداءه سؤالاً؛ لتضمنه معنى السؤال، بذكر الوعد واستنجازه واستفسار المانع. ثم وعظه بقوله: {إني أعظُكَ أن تكون من الجاهلين} أي: إني أعظك؛ كراهة أن تكون من الجاهلين الذين يسألون ما لا يوافق القدر. وقد استثنيته بقولي: {إلا من سبق عليه القول}. وليس فيه وصفه بالجهل، بل وعظه لئلا يقع فيه، والحامل له على السؤال، مع أنه استثنى له؛ غلبة الشفقة على الولد؛ مع كونه لم يتحقق أنه ممن سبق عليه القول. {قال} نوح: يا {رب إني أعوذُ بك أن أسألكَ} في المستقبل {ما ليس لي به علمٌ}؛ ما لا علم لي بصحته. {وإلا تغفرْ لي} ما فرط مني من السؤال، {وترحمني} بالتوبة، تفضلاً وإحساناً، وبالتوفيق والعصمة في المستقبل، {أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} بسوء أدبي معك. الإشارة: قال الورتجبي: أدَّب نبيه نوحاً عليه السلام بأن لا يسأل إلا ما وافق القدر. كل دعاء لم يوافق مراده تعالى في سابق علمه لم يؤثر في مراد الداعي. وقوله: {إنه عمل غير صالح} أي: ليس عمله على موافقة السنة، ثم وعظه، وقال: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين}، الجاهل: من جهل قدر الله، أي: أنزهك عن سوء الأدب في السؤال، على غير قاعدة مرادك. هـ. وقال في الحكم: "ليس الشأن وجوب الطلب، وإنما الشأن أن ترزق حسن الأدب". ثم أمره بالنزول إلى الأرض من السفينة، فقال: {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا}.

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن نوح أنه حين رأى قومه قد أهلكهم الله تعالى "فقال يا رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق" لأنه تعالى كان وعده بأنه ينجيه وأهله، وأمره بأن يحملهم معه في الفلك في قوله {وقلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} فسأل نوح ربه أن ابنه إن كان ممن وعده بنجاته أن ينجيه، فسأله بهذا الشرط لأنه لا يجوز أن يسأل نبي من أنبياء الله أمراً لا يجاب اليه، وخاصة على رؤس الملأ لأن ذلك ينفر عنهم. وانما يجوز أن يسأل بما يظهر له بشرط مقترن بالكلام وحال يدل عليه، فيعرف أنه لم يحصل الشرط. والرب والمالك واحد. وقيل: ان الرب المالك للشيء من كل وجه يصح أن يملك به، وهو أتم الملك، ولا تصح الصفه به على الاطلاق الا الله تعالى. والانسان قد يكون مالكاً بالاطلاق. وقوله {وأنت أحكم الحاكمين} يعني في قولك وفعلك؛ لأنه حق تدعو اليه الحكمة، فقال نوح ذلك على وجه الاعتراف تعظيماً لله تعالى.

الهواري

تفسير : قوله: { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} الذين وعدتك أن أنجيهم لك. وهو قوله: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ}. وكان ابنه منافقاً، ونوح لا يعلم في تفسير الحسن. فناداه، وكان عنده مؤمناً، ولولا ذلك لما يناده، وهو يعلم أن الله مغرق المشركين الكفار. وقد قضى أنه إذا نزل العذاب على قوم كذبوا رسلهم ثم آمنوا لم يقبل منهم. قوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ذكروا عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف: {إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ}. ذكرو عن ابن عباس أنه قال: هو ابنه ولكنه عمل غير صالح. وكان الحسن يقرأها: {عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. وكان عنده ليس بابنه. وهي قراءة عروة بن الزبير. وبعضهم يقرأها على مقرأ الحسن وعروة ويقول: إن سؤالك إياي يا نوح ما ليس لك به علم عملٌ غير صالح. وقال بعضهم: كان يقال: ما بغت امرأة نبيّ قط. قوله: { فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قال الحسن: إنك لم تكن تعلم ما كان يُسِرّ من النفاق. {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ}.

اطفيش

تفسير : {ونَادَى} دعا {نوحٌ ربَّهُ} وذلك محل فصَّله بقوله: {فقَالَ ربِّ إنَّ ابْنِى مِنْ أهْلى} وقد وعدتنى أن تنجينى وأهلى {وإنَّ وَعْدك الحقُّ} لا يتطرق إليه الخلف، فما حاله أو هو حى أو فما باله؟ قال القاضى: ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرق ابنه. {وأنتَ أحْكَم الحَاكمينَ} أعلم وأعد لهم، وهو من الحكومة بين الخصمين، أو أكثر حكمة من ذوى الحكم بكسر الحاء وفتح الكاف، فيكون الحاكم للنسبة كذراع بمعنى ذى ذراع، ولابن بمعنى ذا لبن.

اطفيش

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} عطف على نادى نوح ابنه، وذلك وقت إِمكان النجاة قبل السير وعطف عليه عطف تفصيل أَو تفسير قوله {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ} اسم تفضيل من حكم الثلاثى بمعنى كان ذا صواب وعدل {الْحَاكِمِينَ} أَو يقدر أراد نوح نداءَ ربه فقال رب إِن ابنى من أَهلى إِلخ. والمراد أَن ابنى من أَهلى وأَنت وعدتنى أَن تنجى أَهلى ولا أَدرى لِمَ لَمْ ينج، أَو فنجه الآن ووعدك لا يتخلف وأَنت أَعدل الحاكمين لأَنك أَعلمهم وأَحكمهم، ويجوز أَن يكون حاكم من الحكمة للنسب كلابن ورامح ودارع أَى ذى رمح وذى درع، وقد يمكن أَن يكون نوح عليه السلام ظن فى ابنه الإِسلام على ما مر، وتوهم أَنه يأْوى إِلى جبل، ظَنًّا أَن الجبل ينجيه وأَنه إِنما اختار النجاة بالجبل عن النجاة بالسفينة لكراهة أَن يحتبس فيها وأَن الجبل أَقوى فى النجاة منها فلوح إِلى الله أَن ينجيه فى الجبل أَو يمكنه من دخول السفينة، وهذا النداءُ توسل واستعطاف كقوله تعالى: "أية : إِذ نادى ربه أَنى مسنى الضر وأَنت أَرحم الراحمين"تفسير : [الأنبياء: 83] ويجوز أَن يكون هذا القول من نوح تفويضاً إِلى الله تعالى، والمعنى إِن لم تنجه فلا اعتراض ولا عجب لأَنك أَحكم الحاكمين، ففى عدم تنجيته حكمة خفية ويبحث بأَنه يعارضه: "أية : إِنى أَعظك"تفسير : [هود: 46] إِلخ، إِلا أَن يكون كما شكا نبى العراق القمل فأَوحى إِليه إِن عدت إِلى هذا محوتك من الأَنبياءِ، وهذا على أَن ذلك التضرع تلويح بالدعاءِ.

الالوسي

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} أي أراد ذلك بدليل تفريع قوله سبحانه: {فَقَالَ رَبّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} عليه، وقيل: النداء على حقيقته والعطف بالفاء لكون حق التفصيل يعقب الإجمال {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أي وإن وعدك ذلك أو كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه خلف فيدخل فيه الوعد المعهود دخولاً أولياً. {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ} لأنك أعلمهم وأعدلهم، وقد ذكر أنه إذا بني أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع. وقال العز بن عبد السلام في «أماليه»: إن هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل لأن أفعل لا يضاف إلا إلى جنسه، وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله سبحانه بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان - يعني على المشهور من مذهب الأشاعرة - والرحمة من الله تعالى إن حملت على الإرادة أو جعلت من مجاز التشبيه صح وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلاً أيضاً إذ لا موجد سواه سبحانه. وأجاب الآمدي بأنه بمعنى أعظم من يدعى بهذا الاسم، واستشكل بأن فيه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهو يناسب مذهب المعتزلة فافهم. وقيل: المعنى هنا أنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكم كالدارع من الدرع، واعترض عليه بأن الباب ليس بقياسي وأنه لم يسمع حاكم بمعنى حكيم وأنه لا يبنى منه أفعل إذاً لأنه ليس جارياً على الفعل لا يقال: ألبن وأتمر من فلان إذ لا فعل بذلك المعنى، والجواب بأنه قد كثر في كلامهم فجوز على أن يكون وجهاً مرجوحاً وبأنه من قبيل أحنك الشاتين لا يخلو عن تعسف كما في «الكشف»، وتعقب بأن للحكمة فعلاً ثلاثياً وهو حكم، وأفعل من الثلاثي مقيس، وأيضاً سمع احتنك الجراد وألبن وأتمر فغايته أن يكون من غير الثلاثي ولا يخفى ما فيه، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم بالحكمة كقولهم؛ آبل من أبل بمعنى أعلم وأحذق بأمر الإبل. وأياً مّا كان فهذا النداء منه عليه السلام يقطر منه الاستعطاف، وجميل التوسل إلى من عهده منعاً مفضلاً في شأنه أولاً وآخراً وهو على طريقة دعاء أيوب عليه السلام {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِين} تفسير : [الأنبياء: 83] فيكون ذلك قبل الغرق، والواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: إن النداء إنما كان بعده والمقصود منه الاستفسار عن سبب عدم إنجائه مع سبق وعده تعالى بإنجاء أهله وهو منهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك.

ابن عاشور

تفسير : موقع الآية يقتضي أنّ نداء نوح - عليه السّلام - هذا كان بعد استواء السفينة على الجوديّ نداءً دَعاه إليه داعي الشفقة فأراد به نفع ابنه في الآخرة بعد اليأس من نجاته في الدّنيا، لأنّ الله أعلمه أنّه لا نجاة إلاّ للّذين يركبون السّفينة، ولأنّ نوحاً - عليه السّلام - لمّا دعا ابنه إلى ركوب السّفينة فأبى وجرت السفينة قد علم أنّه لا وسيلة إلى نجاته فكيف يسألها من الله فتعيّن أنّه سأل له المغفرة، ويدلّ لذلك قوله تعالى: {فلا تسألنّي ما ليس لك به علم} كما سيأتي. ويجوز أن يكون دعاء نوح - عليه السّلام - هذا وقع قبل غرق النّاس، أي نادى ربّه أن ينجي ابنه من الغرق. ويجوز أن يكون بعد غرق من غرقوا، أي نادى ربّه أن يغفر لابنه وأن لا يعامله معاملة الكافرين في الآخرة. والنّداء هنا نداء دعاء فكأنّه قيل: ودعا نوح ربّه، لأنّ الدعاء يصدّر بالنّداء غالباً، والتّعبير عن الجلالة بوصف الربّ مضافاً إلى نوح - عليه السلام - تشريف لنوح وإيماء إلى رأفة الله به وأن نهيه الوارد بعده نهيُ عتاب. وجملة {فقال ربّ إنّ ابني من أهلي} بيان للنّداء، ومقتضى الظّاهر أنْ لا تعطف بفاء التفريع كما لم يعطف البيان في قوله تعالى: {أية : إذْ نادى ربّه نداءً خفيّاً قال ربّ إنّي وهن العظم مني}تفسير : [مريم: 3، 4]، وخولف ذلك هنا. ووجّه في «الكشاف» اقترانه بالفاء بأنّ فعل {نادى} مستعمل في إرادة النداء، أي مثل فعل (قمتم) في قوله تعالى: {أية : يا أيهَا الّذينَ آمنوا إذَا قمْتم إلى الصّلاة فَاغْسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] الآية، يريد أن ذلك إخراج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنّ وجود الفاء في الجملة التي هي بيان للنداء قرينة على أن فعل {نادى} مستعار لمعنى إرادة النداء، أي أراد نداءَ ربه فأعقب إرادته بإصدار النداء، وهذا إشارة إلى أنه أراد النداء فتردّد في الإقدام عليه لِما علم من قوله تعالى: {أية : إلا من سبق عليه القول}تفسير : [هود: 40] فلم يطل تردّده لمّا غلبته الشفقة على ابنه فأقدم على نداء ربه، ولذلك قدم الاعتذار بقوله: {إنّ ابني من أهلي}. فقوله: {إن ابني من أهلي} خبر مستعمل في الاعتذار والتمهيد لأنّه يريد أن يسأل سؤالاً لا يدري قبوله ولكنّه اقتحمه لأن المسؤول له من أهله فله عذر الشفقة عليه. وتأكيد الخبر بـ{إنّ} للاهتمام به. وكذلك جملة {وإنّ وعدك الحق} خبر مستعمل في لازم الفائدة. وهو أنّه يعلم أن وعد الله حق. والمراد بالوعد ما في قوله تعالى: {أية : إلاّ من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}تفسير : [المؤمنون: 27] إذ أفاد ذلك أن بعض أهله قد سبق من الله تقدير بأنّه لا يركب السفينة. وهذا الموصول متعيّن لكونه صادقاً على ابنه إذ ليس غيره من أهله طَلب منه ركوب السفينة وأبى، وأنّ من سبق علم الله بأنه لا يركب السفينة من الناس فهو ظالم، أي كافر، وأنه مغرق، فكان عدم ركوبه السفينة وغرقه أمارة أنه كافر. فالمعنى: أن نوحاً - عليه السّلام - لا يجهل أنّ ابنه كافر، ولذلك فسؤال المغفرة له عن علم بأنه كافر، ولكنّه يطمع لعل الله أن يعفو عنه لأجل قرابته به، فسؤاله له المغفرة بمنزلة الشفاعة له عند الله تعالى، وذلك أخذ بأقصى دواعي الشفقة والرحمة بابنه. وقرينة ذلك كله قوله: {وأنت أحكم الحاكمين} المفيد أنه لا رادّ لما حكم به وقضاه، وأنه لا دالة عليه لأحد من خلقه، ولكنه مقام تضرّع وسؤال ما ليس بمحال. وقد كان نوح - عليه السّلام - غيرَ منهيّ عن ذلك، ولم يكن تقرر في شرعه العلم بعدم المغفرة للكافرين، حديث : فكان حال نوح - عليه السّلام - كحال النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي طالب «لأستغفرنّ لك ما لم أُنْهَ عنك» تفسير : قَبل أن ينزل قوله تعالى: {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يسْتغَفروا للمشركين}تفسير : [التوبة: 113] الآية. والاقتصار على هذه الجمل الثلاث في مقام الدعاء تعريض بالمطلوب لأنه لم يذكره، وذلك ضرب من ضروب التأدب والتردد في الإقدام على المسؤول استغناء بعلم المسؤول كأنّه يقول: أسألك أم أترك، كقول أميّة بن أبي الصلت: شعر : أأذكر حَاجتي أم قد كفاني حَياؤك أن شيمتك الحياء تفسير : ومعنى {أحكم الحاكمين} أشدهم حكْماً. واسم التفضيل يتعلق بماهية الفعل، فيفيد أن حكمه لا يجورُ وأنّه لا يبطله أحد. ومعنى قوله تعالى: {إنّه ليس من أهلك} نفي أن يكون من أهل دينه واعتقاده، فليس ذلك إبطالاً لقول نوح - عليه السّلام -: {إن ابني من أهلي} ولكنّه إعلام بأنّ قرابة الدين بالنسبة لأهل الإيمان هي القرابة، وهذا المعنى شائع في الاستعمال. قال النابغة يخاطب عيينة بن حصن: شعر : إذا حاولت في أسد فجوراً فإني لست منك ولست منّي تفسير : وقال تعالى: {أية : ويحلفون بالله إنّهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون}تفسير : [التوبة: 56]. وتأكيد الخبر لتحقيقه لِغرابته. وجملة {إنّه عَمل غير صالح} تعليل لمضمون جملة {إنه ليس من أهلك} فـ(إنّ) فيه لمجرد الاهتمام. و{عَمَلٌ} في قراءة الجمهور - بفتح الميم وتنوين اللام - مصدر أخبر به للمبالغة وبرفع {غيرُ} على أنه صفة (عمل). وقرأه الكسائي، ويعقوب {عَمِلَ} - بكسر الميم - بصيغة الماضي وبنصب {غيرَ} على المفعولية لفعل (عمل). ومعنى العمل غير الصالح الكفر، وأطلق على الكفر (عمل) لأنه عمل القلب، ولأنّه يظهر أثره في عمل صاحبه كامتناع ابن نوح من الركوب الدال على تكذيبه بوعيد الطوفان. وتفرع على ذلك نهيه أن يَسأل ما ليس له به علم نهيَ عتاب، لأنّه لما قيل له {إنّه ليس من أهلك} بسبب تعليله بأنه عمل غير صالح، سقط ما مهد به لإجابة سؤاله، فكان حقيقاً بأن لا يسأله وأن يتدبّر ما أرَاد أن يسأله من الله. وقرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر «فلا تسألنّي» - بتشديد النون - وهي نون التوكيد الخفيفة ونون الوقاية أدغمتا. وأثبتَ ياء المتكلم من عدا ابنَ كثير من هؤلاء. أما ابن كثير فقرأ «فلا تسألنّ» - بنون مشددة مفتوحة -. وقرأه أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف «فلا تسألْنِ» - بسكون اللام وكسر النون مخففة - على أنّه غير مؤكد بنون التوكيد ومعدى إلى ياء المتكلم. وأكثرهم حذف الياء في حالة الوصل، وأثبتها في الوصل ورش عن نافع وأبو عمرو. ثم إن كان نوح - عليه السّلام - لم يسبق له وحي من الله بأن الله لا يغفر للمشركين في الآخرة كان نهيه عن أن يسأل ما ليس له به علم، نهيَ تنزيه لأمثاله لأن درجة النبوءة تقتضي أن لا يقدم على سؤال ربه سؤْلاً لا يعلم إجابته. وهذا كقوله تعالى: {أية : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}تفسير : [سبأ: 23] وقوله: {أية : لا يتكلمون إلا من أذن له الرّحمٰن وقال صواباً}تفسير : [النبإ: 38]، وإن كان قد أوحي إليه بذلك من قبل، كما دل عليه قوله: {وإنّ وعدكَ الحقُ}، وكان سؤاله المغفرة لابنه طلباً تخصيصَه من العموم. وكان نهيه نهيَ لَوم وعتاب حيث لم يتبيّن من ربه جواز ذلك. وكان قوله: {ما ليس لك به علم} محتملاً لظاهره، ومحتملاً لأن يكون كناية عن العلم بضده، أي فلا تسألني ما علمت أنه لا يقع. ثم إن كان قول نوح - عليه السّلام - {إنّ ابني من أهلي} إلى آخره تعريضاً بالمسؤول كان النّهي في قوله: {فلا تسألنّي ما ليس لك به علم} نهياً عن الإلحاح أو العود إلى سؤاله؛ وإن كان قول نوح - عليه السّلام - مجرد تمهيد للسؤال لاختبار حال إقبال الله على سؤاله كان قوله تعالى: {فلا تسألنّي} نهياً عن الإفضاء بالسؤال الذي مَهّد له بكلامه. والمقصود من النهي تنزيهه عن تَعريض سؤاله للردّ. وعلى كل الوجوه فقوله: {إني أعظك أن تكون من الجاهلية} موعظة على ترك التثبّت قبل الإقدام. والجهل فيه ضد العلم، وهو المناسب لمقابلته بقوله: {ما ليس لك به علم}. فأجاب نوح - عليه السّلام - كلام ربّه بما يدل على التنصّل ممّا سأل فاستعاذ أن يسأل ما ليس له به علم، فإن كان نوح - عليه السّلام - أراد بكلامه الأول التعريض بالسؤال فهو أمر قد وقع فالاستعاذة تتعلق بتبعة ذلك أو بالعود إلى مثله في المستقبل؛ وإن كان إنّما أراد التمهيد للسؤال فالاستعاذة ظاهرة، أي الانكفاف عن الإفضاء بالسؤال. وقوله: {وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} طلب المغفرة ابتداء لأن التخلية مقدمة على التحلية ثم أعقبها بطلب الرحمة لأنّه إذا كان بمحل الرضى من الله كان أهلاً للرحمة. وقد سلك المفسرون في تفسيرهم هذه الآيات مسلك كون سؤال نوح - عليه السّلام - سؤالاً لإنجاء ابنه من الغرق فاعترضتهم سبل وَعْرة متنائية، ولقوا عناء في الاتصال بينها، والآية بمعزل عنها، ولعلنا سلكنا الجادة في تفسيرها.

الواحدي

تفسير : {ونادى نوح ربَّه فقال ربِّ إنَّ ابني} كنعان {من أهلي وإنَّ وعدك الحق} وعدتني أن تنجيني وأهلي، أَيْ: فأنجه من الغرق {وأنت أحكم الحاكمين} أعدل العادلين. {قال يا نوح إنه ليس من أهلك} الذين وعدتك أن أُنجيهم {إنه عمل غير صالح} أيْ: سؤالك إيَّاي أن أنجي كافراً عملٌ غير صالح، وقيل: معناه: إنَّ ابنك ذو عملٍ غير صالحٍ {فلا تسألني ما ليس لك به علم} وذلك أنَّ نوحاً لم يعلم أنَّ سؤاله ربَّه نجاةَ ولدِه محظورٌ عليه مع إصراره على الكفر، حتى أعلمه الله سبحانه ذلك، والمعنى: فلا تسألني ما ليس لك به علمٌ بجواز مسألته {إني أعظك} أنهاك {أن تكون من الجاهلين} من الآثمين، فاعتذر نوحٌ عليه السَّلام لمَّا أعلمه الله سبحانه أنَّه لا يجوز له أن يسأل ذلك وقال: {ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلاَّ تغفر لي} جهلي {وترحمني أكن من الخاسرين}. {قيل يا نوح اهبط} من السَّفينة إلى الأرض {بسلامٍ} بسلامةٍ. وقيل: بتحيَّةٍ {منا وبركات عليك} وذلك أنَّه صار أبا البشر؛ لأنَّ جميع مَن بقي كانوا من نسله {وعلى أمم ممن معك} أَيْ: من أولادهم وذراريهم، وهم المؤمنون وأهل السَّعادة إلى يوم القيامة {وأمم سنمتعهم} في الدُّنيا. يعني: الأمم الكافرة من ذريَّته لى يوم القيامة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من أهلي: أي من جملة أهلي من أزواج وأولاد. وإن وعدك الحق: أي الثابت الذي لا يخلف. إنه عمل غير صالح: أي إن سؤالك هذا إياي عمل غير صالح. أعظك: أي أنهاك وأخوفك من أن تكون من الجاهلين. من الجاهلين: أي من الذين لا يعرفون جلالي وصدق وعدي ووفائي فتسألني ما ليس لك به علم. سنمتعهم: أي بالأرزاق والمُتع إلى نهاية آجالهم ثم يحل بهم عذابي وهم الكفرة. للمتقين: أي الذين يتقون الله فيعبدونه ولا يشركون به شيئا. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن نوح وقومه قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ} أي دعاه سائلا {رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}، وهذا كان منه حال الإِركاب في الفلك، وامتناع ولده كنعان من الركوب أي رب إن ولدي كنعان من زوجتي ومن جملة أولادي، وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ومن معي من المؤمنين، {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أي الذي لا خلف فيه أبداً، {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} أعلمهم وأعدلهم، وهذا ابني قد استعصى عنّي ولم يركب معي وسيهلك مع الهالكين إن لم ترحمه يارب العالمين فأجابه الرب تبارك وتعالى بقوله الحق: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي الذين وعدتك بإِنجائهم لأنه على غير دينك وعلى خلاف منهجك، {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} أي إن سؤالك هذا إليّ بإِنجاء ولدك وهو كافر على غير ملتك، وقد أعلمتك إني مغرق الكافرين. سؤالك هذا عمل غير صالح يصدر عنك: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ} أي أنهاك وأخوفك {أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} فتسألني ما ليس لك به علم. قال نوح {رَبِّ} أي يا رب إنّي أعوذ بك أي استجير وأتحصن بك أن أسألك بعد الآن ما ليس لي به علم. وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين أي الذين غبنوا أنفسهم حظوظها فهلكوا، فأجابه الرب تعالى {يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} من السفينة أنت ومن معك من المؤمنين بسلام منا أي بأمن منا وتحيات، وبركات عليك وعلى أمم ممن معك أي من ذريّة من معك، فلا تخافوا جوعاً ولا شقاء، وأمم من ذريّة من معك سنمتعهم متاع الحياة الدنيا بالأرزاق ثم يمسهم منا عذاب أليم، يوم القيامة لأنهم ينحرفون عن الإِسلام ويعيشون على الشرك والكفر. وهذا من علم الغيب الذي أخبر الله تعالى به فكان كما أخبر فقد نشأت أجيال وأجيال من ذريّة نوح منهم الكافر ومنهم المؤمن وفي الجميع ينفذ حكم الله ويتم فيهم وعده ووعيده. وقوله تعالى في الآية [49] وهي الأخيرة في هذا السياق يقول تعالى {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ} أي هذه القصة التي قصصناها عليك من أنباء الغيب الذي لا يعلم تفصيله إلا الله نوحيها إليك ضمن آيات القرآن ما كنت تعلمها أنت ولا قومك على وجه التفصيل من قبل هذا القرآن إذاً فاصبر يا رسولنا على أذى قومك مبلغاً دعوة ربك حتى يأتيك نصرنا فإن العاقبة الحسنى الحميدة دائما للمتقين ربهم بطاعته والصبر عليها حتى يَلْقوهُ مؤمنين صابرين محتسبين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- رابطة الإِيمان والتقوى أعظم من رابطة النسب. 2- حرمة العمل بغير علم فلا يحل القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. 3- ذم الجهل وأهله. 4- شرف نوح عليه السلام وأنه أحد أولي العزم من الرسل. 5- بيان العبرة من القصص القرآني وهي تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. 6- تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وإثباتها ببرهان عقلي وهو الإِخبار بالغيب الذي لا يعلم إلا من طريق الوحي. 7- بيان فضل الصبر، وأن العاقبة الحميدة للمتقين وهم أهل التوحيد والعمل الصالح.

القطان

تفسير : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ}. وبعد ان هدأت العاصفة، وسَكَن الهَول، ثارت الشفقةُ في قلب نوحٍ على ابنه، فنادى ربَّه ضارعاً مشفقا: يا ربّ، إن ابني منّي وهو من أهلي، وقد وعدتَ أن تنجّي أهْلي، ووعدْك هو الحقّ، وأنت أعدلُ الحاكمين. {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ}. قال الله تعالى: يا نوح، إن ابنك هذا ليسَ من أهلِك، بكفْره قد انقطعت الصِلةُ بينك وبينه، فهو عملٌ غير صالح. واحذر ان تطلبَ ما ليس لك به علم، فأنا أرشِدك الى الحقّ لكيلا تكونَ من الجاهلين الّذين تُنسِيهم الشفقةُ الحقائقَ الثابتة. قراءات: قرأ الكسائي ويعقوب: "انه عَملَ غيرَ صالح" والباقون "عملٌ غيرُ صالحٍ" وقرأ ابن كثير: "لا تسألن" بتشديد النون وفتحها. وقرأ نافع وابن عامر: فلا تسألَنِيّ. {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ}. قال نوح: يا ربّ، إني ألجأ إليك فلا أسألُك بعدَ هذا ما لاعِلمَ لي بحقيقته، وإن لم تتفضَّلْ عليَّ بمغفرتِك، وترحمني برحمتك أكُنْ في عِداد الخاسرين. وفي هذه الآية دليل على ان الله تعالى يجازي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، لا بأنسابهم. انه لا يحابي أحدا لأجل الآباء والاجداد ولو كانوا من الأنبياء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يا فاطمة بنت محمد، واللهِ لا أُغني عنك من الله شيئا". تفسير : فأساس الدين عندنا انه لا علاقة للصلاح بالوراثة والأنساب. وانما بالايمان والعمل الصالح. {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال تعالى: يا نوح، انزِل من السّفينة بسلامٍ منا، وأمْنٍ وبركاتٍ عليك. ويسأل أناس كثيرون: هل كان الطوفان عاماً في الأرض جميعا، ام حدث في المنطقة التي كان يسكنها نوح وقومه، وأين كانت هذه الأرض؟ لم يرد نص صريح بذلك، وقد ودت رواياتٌ واسرائيليات كثيرة واخبار غير مقطوع بصحتها، ولذلك نضرب عنها صفحا. ثم ذكر الله تعالى لنبيّه الكريم أن هذا قصصٌ من عالَم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل، قال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}. ان هذه القصة عن نوح وقومه من أخبارِ الغيب التي لا يَعلمها الا الله، ما كنتَ تعلمُها يا محمد ولا قومُك من قبل هذا. فاصبِر على إيذاء قومك كما صَبَرَ الأنبياءُ قبلك، فان عاقبة الفوز للّذين يتّقون اللهَ بالإيمان والعمل الصالح.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَاكِمِينَ} (45) - هذَا سُؤَالُ اسْتِعْلامٍ مِنْ نُوحٍ عَلَيهِ السَّلاَمُ، عَنْ حَالِ وَلَدِهِ الذِي غَرِقَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ ابْنِي هُوَ مِنْ أَهْلِي، وَقَدْ وَعَدْتَنِي بِنَجَاةِ أَهْلِي، وَوَعْدُكَ حَقٌّ لاَ يُخْلَفُ، فَكَيْفَ غَرِقَ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ، وَحُكْمُكَ يَصْدُرُ عَنْ كَمَالِ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، وَلا يَعْرِضُ لَهُ الخَطَاُ وَالظُّلْمُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعاطفة الأبوة عاطفة محمودة، والحق سبحانه يشحن بها قلب الأب على قَدْر حاجة البنوة، ولو لم تكن تلك العاطفة موجودة، لما تحمَّل أيُّ أبٍ أو أيُّ أمٍّ متاعب تربية الأبناء. وحتى نعلم أن الأنبياء لا بنوة لهم إلا بنوة الاتِّباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين قال فيه الحق سبحانه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ..}تفسير : [البقرة: 124]. أي: أن أداء إبراهيم عليه السلام للتكاليف كان على وجه التمام، مثلما أراد أن يرفع القواعد من البيت، فرفعها فوق قامته بالاحتيال، فأحضر حجراً ووقف عليه ليُعلي جدار الكعبة. وقال له الله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..}تفسير : [البقرة: 124]. لأنك مأمون على منهج الله وقادر على أن تنفِّذه بدقة، فقال إبراهيم عليه السلام: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِي ..}تفسير : [البقرة: 124]. فقال الحق سبحانه: {أية : .. لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. من هذا نعلم أن النبوَّة ليس لها بنوَّة، بل النبوَّة لها أتباع. ويتضح ذلك أيضاً في قول إبراهيم عليه السلام بعد أن استقرَّ في ذهنه قول الحق سبحانه: {أية : .. لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 124]. قال إبراهيم لربه سبحانه طلباً للرزق لمكة وأهلها: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..}تفسير : [البقرة: 126]. هكذا طلب إبراهيم عليه السلام الرزق للمؤمنين، لكن الحق سبحانه يبيِّن له أنه نقل المسألة إلى غير مكانها؛ فالرزق عطاء ربوبية للمؤمن والكافر، لكن تكليفات الألوهية هي للمؤمن فقط؛ لذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَمَن كَفَرَ ..}تفسير : [البقرة: 126]. أي: أن الرزق يشمل المؤمن والكافر، عطاء من الربوبية. ونريد أن نقول إنَّ عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن تناسباً عكسيّا، فإن كان الابن قوّياً فعاطفة الأبوة والأمومة تقلُّ. ومثال ذلك: أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفَّل بهما، بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين. وسنلحظ أن قلب الأب والأم يكون مع الفقير، لا مع الغَنيِّ، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع الضعيف والمريض والغائب، وكلما كان الابن في حاجة؛ كانت العاطفة معه. وفي نداء نوح عليه السلام لربه سبحانه نلحظ أن نوحاً كان يملك المبرِّر طلباً لنجاة الابن؛ لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين وكذلك أهله، فأراد نوح عليه السلام أن يطلب النجاة لابنه لأنه من أهله، فقال: {.. رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} [هود: 45]. إذن: فنوح عليه السلام يملك حق الدعاء؛ لأنه يطلب تحقق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه للنجاة. وحين يقول نوح: {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} هو إقرار بأن الله سبحانه لا يخطىء؛ لأن الابن قد غرق، بل لا بد أن ذلك الغرق كان لحكمة. ويقول الحق سبحانه: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن آفة الطبيعة مع أهل الشريعة بقوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ} [هود: 45] أي: نوح الروح، {رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي} [هود: 45] أي: النفس المتولدة من أزدواج الروح والقالب، {مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} [هود: 45] وذلك أن الله تعالى لمَّا أراد بحكمته أن ينزل الأرواح المقدسة العلوية من أعلى عليين جواره، وقربه إلى أسفل سافلين القلب قالت أرواح الأنبياء والأولياء وخواص المؤمنين: يا ربنا وإلهنا تنزلنا من أعلى مقامات قربك إلى أسفل دركات بعدك، ومن عالم البقاء إلى عالم الفناء، ومن دار السرور واللقاء إلى دار الحزن والبلاء، ومن منزل التجرد والتواصل إلى منزل التوالد والتناسل، ومن رتبة الاصطفاء والاجتباء إلى مرتبة الاجتهاد والابتلاء، فوهبهم الله من عواطف إحسانه بأن ينجيهم وأهليهم من ورطات الهلاك، فكان من قضية حكمته أن يكون لنوح عليه السلام أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وواحد كافر، فكذلك حكم أن يكون للروح أربعة بنين: ثلاثة منهم مؤمنون وهم: القلب والسر والعقل، وواحد كافر وهو النفس، فكما كان ثلاثة من بني نوح معه في السفينة، وكان واحد في معزل منه، فكذلك ثلاثة من بني الروح معه كانوا معه في سفينة الشريعة وكان واحد وهوكافر النفس في معزل منه من الدين والشريعة، فلما أشرف ولده الكافر على الغرق في بحر الدنيا وطوفان الآخرة. {رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} [هود: 45] يعني: فإن أنجيته أو أغرفته أنت أعدل العادلين فيما تفعل؛ لأنك حكيم وأحكم الحكماء لا تخلو أفعالك من حكمة وعدل أنت أعلم بها. {قَالَ} [هود: 46] أي: الرب تعالى للروح، {يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] أي: من أهل دينك وملتك والأهلية على نوعين، أهلية القرابة والدين وما نفى أهلية القرابة لتولدها من الروح ثم أظهر علة نفي الأهلية الدينية فقال: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] أي: خُلق الأمارية بالسوء وهذه سيرتها أبداً، ثم أدب الروح آداب أهل القُربة فقال: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] أي: علم حقيقي بأن يجوز أهل القربة على بساط القرب هذا الانبساط {إِنِّيۤ أَعِظُكَ} [هود: 46] يا روح القدس {أَن تَكُونَ} [هود: 46] أي: على البساط بهذا الانبساط. {مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي: من النفوس الجاهلة الظالمة، وفيه إشارة إلى أن الروح العالم العلوي يصير بمتابعة النفس وهواها جاهلاً سفلي الطبع دنيء الهمة، {قَالَ} [هود: 47] أي: الروح: {رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47] من التماس نجاة النفس الممتحنة بآفات الدنيا وشهواتها من طوفان الفتن، {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} [هود: 47] تؤديني بأنوار المغفرة {وَتَرْحَمْنِيۤ} [هود: 47] على عجزي عن الاهتداء بغير هداك {أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [هود: 47] يشير إلى الرحمة وهي المانعة للروح من الخسران. {قِيلَ يٰنُوحُ} [هود: 48] أي: نوح الروح، {ٱهْبِطْ} [هود: 48] إنزل من سفينة الشريعة وتحمل تكاليفها عند مفارقة الجسد وخلاص طوفان النفس، {بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} [هود: 48] السلام: هو النجاة، والبركات: هي الدرجات، {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} [هود: 48] في سفينة الشريعة من القلب والسر والنفس والعقل، {وَأُمَمٌ} [هود: 48] أي: النفوس التي لم تكن مع الروح في سفينة الشريعة، {سَنُمَتِّعُهُمْ} [هود: 48] من الحظوظ النفسانية الدنيوية، {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا} [هود: 48] من بعدنا، {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48] تمنعها من الحظوظ، وتمرنها على الانقياد. ثم أخبر أن هذه الإشارات في تربية الروح والنفس في بيان حالها وفساد أمرها أمور غيبية فقال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} [هود: 49] يا محمد، {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} [هود: 49] أي: من قبل أن أشرنا بها إليك وعلمناكها، {فَٱصْبِرْ} [هود: 49] على تربية الروح والنفس على ما أشرنا به إليك، {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} [هود: 49] أي: الخاتمة الحسنة، {لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] لمن اتقى عن طوفان فتن الدنيا والنفس والهوى بسفينة الشريعة عن تشييد هذه القاعدة.