Verse. 1519 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قَالَ يٰنُوْحُ اِنَّہٗ لَيْسَ مِنْ اَہْلِكَ۝۰ۚ اِنَّہٗ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ۝۰ۡۤۖ فَلَا تَسْـــَٔـلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِہٖ عِلْمٌ۝۰ۭ اِنِّىْۗ اَعِظُكَ اَنْ تَكُوْنَ مِنَ الْجٰہِلِيْنَ۝۴۶
Qala ya noohu innahu laysa min ahlika innahu AAamalun ghayru salihin fala tasalni ma laysa laka bihi AAilmun innee aAAithuka an takoona mina aljahileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى «يا نوح إنه ليس من أهلك» الناجين أو من أهل دينك «إنه» أي سؤالك إياي بنجاته «عمل غير صالح» فإنه كافر ولا نجاة للكافرين وفي قراءة بكسر ميم عمل فعل ونصب غير فالضمير لابنه «فلا تسألنّ» بالتشديد والتخفيف «وما ليس لك به علم» من إنجاء ابنك «إني أعظك أن تكون من الجاهلين» بسؤالك ما لم تعلم.

46

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَـا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} لقطع الولاية بين المؤمن والكافر وأشار إليه بقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } فإنه تعليل لنفي كونه من أهله، وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة:شعر : ترتع مَا رتعت حَتى إِذَا ادْكَّرَت فإِنَّمَا هي إقبالٌ وإِدْبَارٌ تفسير : ثم بدل الفاسد بغير الصالح تصريحاً بالمناقضة بين وصفيهما وانتفاء ما أوجب النجاة لمن نجا من أهله عنه. وقرأ الكسائي ويعقوب {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ } أي عمل عملاً غير صالح. {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك، وإنما سمي نداءه سؤالاً لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده أو استفسار المانع للانجاز في حقه، وإنما سماه جهلاً وزجر عنه بقوله: {إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال وأغناه عن السؤال، لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر. وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى { يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } الناجين أو من أهل دينك {إِنَّهُ } أي سؤالك إِياي بنجاته {عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ } فإِنه كافر ولا نجاة للكافرين، وفي قراءة بكسر ميم «عَمِل» فعل، ونصب «غَيْر» فالضمير لابنه {فَلاَ تَسئَلْنِ } بالتشديد والتخفيف {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } من إنجاء ابنك {إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ } بسؤالك ما لم تعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} ولد على فراشه لغير رشدة، أو كان ابن امرأته، أو كان ابنه وما بغت امرأة نبي قط "ع" فقوله: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي أهل دينك وولايتك عند الجمهور، أو من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم. {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} سؤالك أياي أن أنجيه، أو إن ابنك عمل غير صالح لغير رشدة، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو إن ابنك عَمِل عملاً غيرَ صالح "ع". {أَعِظُكَ} أحذرك أو أرفعك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن نساء الأنبياء لا يزنين، وكان يقرؤها ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏} ‏ يقول‏:‏ مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك‏. وأخرج أبو الشيخ من طريق سعيد عن قتادة في الآية قال‏:‏ إنه لما نهاه أن يرجعه في أحد كان العمل غير صالح مراجعة ربه في قراءة عبدالله ‏ {‏فلا تسألن ما ليس لك به علم‏} ‏ وعن غير قتادة‏:‏ كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان، وقال قتادة‏:‏ خالف نوحاً في النية والعمل‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي جعفر الرازي قال‏:‏ سألت زيد بن أسلم قلت‏:‏ كيف تقرأ هذا الحرف‏؟‏ قال‏:‏ ‏ {‏عمل غير صالح‏}‏‏ . وأخرج ابن المنذر عن علقمة قال‏:‏ في قراءة عبدالله ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏}‏‏ . وأخرج ابن جرير ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏}‏ يقال‏:‏ سؤالك عما ليس لك به علم‏. وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏} ‏‏. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي الله عنه قالت‏‏ ‏"‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏} ‏ قال عبد بن حميد‏:‏ أم سلمة رضي الله عنها هي أسماء بنت يزيد كلا الحديثين عندي واحد‏"‏‏. وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه والخطيب من طرق عن عائشة رضي الله عنها ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏}‏ ‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه قرأ ‏{‏إنه عمل غير صالح‏}‏ ‏"‏‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ في بعض الحروف ‏"‏إنه عمل عملاً غير صالح‏"‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏إنه عمل غير صالح‏} ‏ قال‏:‏ كان عمله كفراً بالله‏. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه‏.‏ أنه قرأ‏ "‏عمل غير صالح‏"‏ قال‏:‏ معصية نبي الله‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فلا تسألن ما ليس لك به علم‏} ‏ قال‏:‏ بين الله لنوح عليه السلام أنه ليس بابنه‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ‏ {‏إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏}‏ قال‏:‏ أن تبلغ بك الجهالة أني لا أفي بوعد وعدتك حتى تسألني‏.‏ قال‏:‏ فإنها خطيئة رب إني أعوذ بك أن أسألك الآية‏. وأخرخ أبو الشيخ عن ابن المبارك رضي الله عنه قال‏:‏ لو أن رجلاً اتقى مائة شيء ولم يتق شيئاً واحداً لم يكن من المتقين، ولو تورع من مائة شيء ولم يتورع من شيء واحد لم يكن ورعاً، ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين، أما سمعت إلى ما قال نوح عليه السلام ‏ {‏إن ابني من أهلي‏} ‏ قال الله ‏ {‏إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن نوحاً عليه السلام لما سأل ربه فقال‏:‏ يا رب إن ابني من أهلي‏.‏ فأوحى الله إليه‏.‏ يا نوح ان سؤالك إياي أن ابني من أهلي عمل غير صالح ‏ {‏فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏}‏ قال‏:‏ فبلغني أن نوحاً عليه السلام بكى على قول الله ‏ {‏إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏} ‏ أربعين عاماً‏. وأخرج أحمد في الزهد عن وهيب بن الورد الحضرمي قال‏:‏ لما عاتب الله نوحاً عليه السلام في ابنه، وأنزل عليه ‏ {‏إني أعظك أن تكون من الجاهلين‏} ‏ بكى ثلاثمائة حتى صارت تحت عينيه مثل الجدول من البكاء‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [الآية: 46]. قال القاسم: الأهل على وجهين: أهل قرابة، وأهل ملة. فنفى الله عنه أهلية الملة [الأهلية والقرابة]. قوله تعالى: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الآية: 46]. قال بعضهم: أما علمت أنى قد أمضيت حال الشقاوة والسعادة فى الأزل، فلا رادَّ لحلمى وقضائى إنى أعظك أن تجهل تلك الأحكام. وقال بعضهم: أما علمت أنى كافيت الخلق قبل الخلق فالاختبار على من منه الاختبار محال. قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [الآية: 46]. قال بعضهم: إن نوحًا لما أشرف ابنه على الغرق قال: إن ابنى من أهلى. قال: خصصت ولدك بالدعاء دون سائر عبادى، وابنك واحد منهم. إنى أعظك أن تكون من الجاهلين فى أن تقتضى حقك على الخصوص، وتهمل حقوق عبادى بأجمعهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى {يا نوح انه} اى ابنك {ليس من اهلك} الذين غمهم الوعد بالانجاء لخروجه منهم بالاستثناء فان مدار الاهلية هو القرابة الدينية ولا علاقة بين المؤمن والكافر. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة انه ابنه غير انه خالفه فى العمل. قال بعض الحكماء الابن اذا لم يفعل ما فعل الاب انقطع عنه والامة اذا لم يفعلوا ما فعل نبيهم اخاف ان ينقطعوا عنه فظهر ان لا فائدة فى نسب من غير علم وعمل وفى فخر بمجرد الآباء: قال السعدى قدس سره شعر : جو كنعانرا طبيعت بى هنر بود بميبر زاده كى قدرش نيفزود هنر بنماى اكر دارى نه كوهر كل از خارست وابراهيم از آزر تفسير : وفى الحديث "حديث : يا بنى هاشم لا يأتينى الناس باعمالهم وتأتونى بانسابكم" تفسير : والغرض تقبيح الافتخار لديه عليه السلام بالانساب حيث يأتى الناس بالاعمال شعر : وما ينفع الاصل من هاشم اذا كانت النفس من باهله تفسير : وهي قبيلة معروفة بالدناءة لانهم كانوا يأكلون نقى العظام الميتة {انه عمل غير صالح} اصله انهما متلازمان للايذان بان النجاة انما كانت بسبب الصلاح يقول الفقير لاح لى حين المطالعة معنى آخر وهو ان العمل بمعنى الكشب والفعل ولا يبعد ان يكون المعنى انه كسب غير صالح من غير احتياج الى تقدير مضاف وقد ورد فى الحديث تسمية الولد كسبا فى قوله "حديث : ان اطيب ما يأكل الرجل من كسبه وان ولده من كسبه" تفسير : وفى قوله "حديث : انت ومالك لابيك " تفسير : قيل لحكيم وهو يواقع زوجته ما تعمل قال ان تم فانسانا {فلا تسألن} سمى نداؤه سؤالا لما فيه من السؤال والطلب اى اذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب منى {ما ليس لك به علم} اى مطلبا لا تعلم يقينا ان حصوله صواب وموافق للحكمة {انى اعظك} [بندميدهم ترا] {ان تكون} اى كراهة ان تكون {من الجاهلين} عبر عن ترك الاولى بالجهل لان استثناء من سبق عليه القول قد دله على الحال واغناءه عن السؤال اشغله حب الولد عنه حتى اشتبه الامر عليه فعوتب على ان اشتبه عليه ما يجب ان لا يشتبه

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي ويعقوب {إنه عمل غير صالح} على الفعل، ونصب {غير} الكسائي. الباقون {عمل} اسم مرفوع منون {غير} رفع. وقرأ ابن كثير {تسألنّ} بالتشديد، وفتح النون، وافقه نافع في التشديد الا انه كسر النون. الباقون بالتخفيف وكسر النون الا أن أبا عمرو يثبت الياء في الاصل. قال أبو علي النحوي (سألت) فعل يتعدى إلى مفعولين وليس مما يدخل على المبتدأ وخبره، ويمتنع ان يتعدى إلى مفعول واحد. فمن قرأ بفتح اللام، ولم يكسر النون عداه إلى مفعول واحد في اللفظ. والمعنى على التعدي إلى ثان ومن كسر النون دل على انه عداه إلى مفعولين، احدهما: اسم المتكلم. والآخر - الاسم الموصول، وحذف النون المتصلة بياء المتكلم، كما حذفت من قولهم {إني} كراهة اجتماع النونات. ومن اثبت الياء فهو الاصل، ومن حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. في هذه الآية حكاية عما أجاب الله به نوحاً حين سأله نجاة ابنه بأن قال له {يا نوح انه ليس من أهلك...} وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك واكثر المفسرين: انه ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم معك، وانه كان ابنه لصلبه، بدلالة قوله {ونادى نوح ابنه} فأضافه اليه اضافة مطلقة. والثاني - انه اراد بذلك أنه ليس من أهل دينك، كما قال النبي صلى الله عليه وآله "حديث : سلمان منا أهل البيت"تفسير : وإنما اراد على ديننا. وثالثها - قال الحسن ومجاهد: انه كان لغيره، وولد على فراشه، فسأل نوح على الظاهر فأعلمه الله باطن الأمر، فنفاه منه على ما علمه، فيكون على هذا هو نفسه عمل غير صالح، كما يقولون: الشعر زهير. وهذا الوجه ضعيف، لأن في ذلك طعناً على نبي وإضافة ما لا يليق به اليه. والمعتمد الأول. وقال ابن عباس: ما زنت امرأة نبي قط، وكانت الخيانة من امرأة نوح انها كانت تنسبه إلى الجنون والخيانة من امرأة لوط انها كانت تدل على أضيافه. وروي عن علي عليه السلام أنه قرأ ونادى نوح ابنها فنسبه إلى المرأة، وأنه كان يربيه. وروي عن محمّد بن علي بن الحسين عليهم السلام وعروة بن الزبير أنهما قرءا {ونادى نوح ابنه} بفتح الهاء وترك الالف كراهة ما يخالف المصحف، وأرادا أن ينسباه إلى المرأة، وأنه لم يكن ابنه لصلبه. وقال الحسن: كان منافقاً يظهر الايمان ويستر الكفر. وقوله {إنه عمل غير صالح} فمن قرأ على الفعل، فمعناه انه ليس من اهلك لانه عمل غير صالح، وتقديره انه عمل عملا غير صالح، وحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، وذلك يستعمل كثيراً، وهذه القراءة تقوي قول من قال: إن ابنه لم يكن على دينه، لأن الله تعالى علل كونه ليس من أهله بأنه عمل عملا غير صالح. وأما من قرأ على الرفع والتنوين على الاسم فتقديره إنه ذو عمل غير صالح فجاء على المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء: شعر : ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت فانما هي إقبال وإدبار تفسير : قال الزجاج: تقديره فانما هي ذات إقبال وادبار، تصف الناقة في حنينها إلى ولدها. وقيل: ان المعنى ان سؤالك اياي هذا عمل غير صالح، ذكره ابن عباس ومجاهد وابراهيم. وهذا وضعيف؛ لأن فيه اضافة القبيح إلى الأنبياء عليهم السلام وذلك لا يجوز عندنا على حال. فالأول هو الجيد. ويحتمل ان يكون المراد ان كونه مع الكافرين وانحيازه اليهم وتركه الركوب مع نوح عمل غير صالح. وقوله {فلا تسألني ما ليس لك به علم} معناه لا تسألني ما لا تعلم أنه جائز في حكمي لأن هذا من سؤال الجاهلين، نهاه عن ذلك؛ ولا يدل على أن ما نهاه عنه قد وقع كما أن قوله {لئن أشركت ليحبطن عملك} لا يدل على وقوع الشرك. وقوله {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فالوعظ الزجر عن القبيح بما يدعوا إلى الجهل على وجه الترغيب والترهيب. والصحيح أن الجهل قبيح على كل حال. وقال الرماني: انما يكون قبيحاً اذا وقع عن تعمد، فاما اذا وقع غلطاً او سهواً لم يكن قبيحاً ولا حسناً. وهذا ليس بصحيح، لأن استحقاق الذم عليه يشرط بالعمد فاما قبحه فلا كما نقوله في الظلم سواء.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} وذلك لآنّه على فرض صحّة ما اشتهر انّه كان ابنه كان نسبته جمسانيّة ونوح (ع) صار متحقّقاً فى الدّنيا بالرّوحانيّة والنّسب الجمسانيّة منقطعة فى العالم الرّوحانىّ والنّسب الرّوحانيّة معتبرة هناك كالقيامة ولمّا لم يكن له نسبة روحانيّة واتّصال ملكوتّى لم يكن من اهل نوح (ع) {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} حمل المصدر للمبالغة وهو تعليل للنّفى ومن قرأ انّه عمل غير صالح بالاضافة كما فى بعض الاخبار نفياً لنسبته الجسمانيّة بجعله لغيّة العياذ بالله فقد أخطأ وقرئ انّه عَمِلَ غيرَ صالح فعلاً ماضياً وغير مفتوح الرّاء {فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ما لم تعرف حقيقة مسؤلك حتّى تعرف صحّة سؤالك {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} حيث يسألون ما لا يعلمون.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا نُوحُ إنَّه لَيسَ من أهْلكَ} الناجين محذوف النعت، أو من أهل دينك، فحذف المضاف، وذلك أنه ابنه، ولا مانع من كون ولد نبى كافرا كقابيل ولد آدم، ولأن من كون نبى وآله كافر كإبراهيم، فإن أباه آزر كافر، فإن الصحيح وهو مذهب الجمهور أنه ابن نوح، وعليه ابن عباس، والضحاك: وابن جبير، وعكرمة، وهو الموافق لقوله: {أية : يا بنى} تفسير : فإن الأصل الحقيقة لا ينصرف عنها إلا لدليل، ولكن قطعت الولاية بينهما لكفره، وقد قال الحسن: إنه مؤمن الظاهر مشرك الباطن، فأخبره الله أنه ليس من أهلك، ويدل لذلك تعليله بقوله: {إنَّه عَملٌ غيرُ صَالحٍ} إن عمله غير صالح فحذف المضاف من أول، أو أنه ذو عمل غير صالح فحذفه من الأخير، فذلك من مجاز الحذف، ووجه الأول أن يبنى الكلام من أوله على ما هو المراد، ووجه الثانى أن التغيير أليق بالأخير، أو أنه عامل غير صالح بتنوين عامل ورفعه ورفع غير، كما تقول: فلان عامل فاسد بتنوينهما، فذلك مجاز مرسل لعلاقة التعلق أو الاشتقاق إذا أطلق المصدر وأراد اسم فاعل، أو أنه نفسه عامل غير صالح، فيكون مبالغة فى فساده، حتى كأنه نفس العمل الفاسد، كما تقول: إن زيدا عمل، وإنه صوم إذا كثر عمله وصومه، وكقول الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ولدها: شعر : ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت فإنما هى إقبال وادبار تفسير : أو الهاء للنداء والسؤال كما قال النخعى، وذكره المهدوى، أى إن نداءك عمل غير صالح وهو حسن، وقال جار الله: وليس بذلك والجمهور على غيره، ولو كان لا مجاز فيه ولا مبالغة وقرأ الكسائى ويعقوب: إنه عمل بكسر الميم وفتح اللام، وهو فعل ماض غير بالنصب على المفعولية، وكذا روت أسماء بنت يزيد الأنصارية عنه صلى الله عليه وسلم، أى عملا غير صالح، فحذف المنعوت والهاء على هذا لابنه أو للشأن، وضمير عمل لابنه، ولم يستغن بفساد عن قوله: {غير صالح} ليشير إلى أن نجاة من نجا بالصلاة وإلى مغايرة عمله لعمل من نجا بأن عمل من نجا صالح، وعمل لبنه غير صالح، والنجاة إنما هى بالصلاح لا بالقرابة. {فَلاَ تَسْألنى} بإثبات الباء فى الوصل كالوقف فى رواية ورش، عن نافع، وبذلك نقرؤه، وروى غير ورش عنه حذفها فى الوصل، وأما كسر النون مشددة وفتح اللام فمتفق عليه عن نافع، وكذا قرأ ابن عامر، وأثبت الياء فى الوصل، والنون نون التوكيد الشديدة كسرت للياء، وحذفت نون الوقاية تخفيفا عن اجتماع ثلاث نونات. قلت: أو النون المدغمة نون التوكيد الخفية والمتحركة بكسر نون الوقاية، وقرأ ابن كثير بفتح النون مشددة، وهى نون التوكيد الشديدة، والياء محذوفة مع نون الوقاية وهو أنسب بما ذكرته أولا، وقرأ الباقون بنقل فتح الهمزة للسين، وحذفت الهمزة وإسكان اللام وكسر النون مخففا، وهو نون الوقاية، وحذف الياء. {مَا ليسَ لَكَ بهِ عِلمٌ} أصواب هو أم خطأ، قال جار الله: وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه انتهى. وليس له علم بأنه صواب أم خطأ، فكان ينبغى أن لا يسألها حتى يعلمها صوابا. وقيل: ذلك النداء بعد الغرق استكشافا عن وجه غرقه، مع أنه من أهله، والنهى إنما هو تأديب لما بعد، وروى أنه كان يعلمه كافرا، وسأل له النجاة من الغرق لكمال الشفقة، وعدم العلم بمنع ذلك السؤال، وإنما سمى نداءه سؤالا لاشتماله على ذكر الوعد بنجاة أهله، وذكر الوعد لواعده طلب منه لقضائه، فكأنه قال: ربى نج ابنى، فإنه من أهلى، وقد وعدتنى نجاتهم، وهذا على أن النداء قبل الغرق، وأما على أنه بعده فذكر الوعد طلب التفسير وجه عدم نجاته، مع أنه من أهله وسمى الله سؤاله جهلا حتى نهاه عنه بقوله: {أعظُكَ أن تَكونَ مِن الجاهِلينَ} لأن رؤيته غريقا أو قريبا من الغرق دليل على كره السابق القضاء عليه به، الشامل له دعاءه: {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّاراً} تفسير : الدال على أنه ممن شمله الاستثناء فى قوله: {أية : إلا من سبق عليه القول} تفسير : فذلك مغن له عن السؤال، ولكن الهول الذى هو فيه مع حب الولد بالطبيعة أنساه، وسكن ياء إنى غير نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، وكذا الياء فى قوله: {قالَ ربِّ إنِّى أعوذُ}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ} إِن ابنك {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} الناجين أَو من أَهلك الذين أَمرت بحملهم أَو من أَهل دينك أَو أَهلك المؤمنين وأَما الكفار فقد قطع الكفر بينه وبينهم، وابنه ذلك ليس مؤمنا وذلك فضل عظيم حتى أَنه لا يتوارث أَهل ملتين ولو كافرتين، قال أَبو فراس: شعر : كانت مودة سلمان له نسبا ولم يكن بين نوح وابنه رحم تفسير : أَى كأَنه لم يكن بينهما رحم، وذلك كما قال {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} الهاء للعمل أَو يقدر مضاف أَى إِن عمله أَو جعله نفس العمل الفاسد لأَنه بالغ فى الفساد كما يقال زيد صوم إِذا بالغ فى الصوم وكما قالت الخنساءُ فى وصف ناقة تتردد فى ولد فقدته أَو ذبح أَو ند فإِنما هى إِقبال وإِدبار، أَو يقدر أَنه ذو عمل غير صالح أَو عمل بمعنى عامل غير صالح، وقيل: المراد أَن ترك ركوبه عمل غير صالح، وقيل إِن نداءَك لتنجية ابنك عمل غير صالح، ونسب هذا لابن عباس ولا يصح عنه لكن يناسبه ما فى مصحف ابن مسعود إِنه عمل غير صالح أَن تسأَلنى {فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أَنه صواب أَو خطأُ، فقف عن السؤَال فيه ونجاة ابنك من ذلك فقف فى شأْنها وسلم لإِهلاكه فإِنه أَهل للإِهلاك، أَو لا تسأَلنى ما لم تعلم أَنه صواب أَو غير صواب، وليس نداؤه استفساراً عن سبب عدم إِنجائِه مع تحقق سبب الإِنجاءِ فيما عنده، كما قال به بعض على بناءِ أَنه كان بعد الغرق بل دعاء بإِنجائه حين حال الموج بينهما بتقريبه إِلى الفلك بالموج أَو بتقريب الفلك إِليه أَو بسبب آخر لكن ذكر الوعد فى الدعاءِ يتبادر يناسب النجاة فى الفلك، وقيل النهى عن سؤَال ما لا حاجة إِليه لأَنه لايهم، أَو لأَنه قامت القرائن على حاله من أَنه لا ينجو وأَنه مات كما هو المتبادر من إِحاطة الموج به، وليس النهى عن السؤَال للاسترشاد وإِما أَن يقال سؤال نوح كان بعد علمه بموت ابنه عتابا لله سبحانه لا استرشاداً فمحرم إِجماعاً، ومن قال به أَخطأَ أَو تأَول {إِنِّى أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} بسؤال ما لم تعلم، وإِنما سمى الله قول نوح رب إِن ابنى من أَهلى إِلخ سؤَالا لتضمن ذكر الوعد بنجاة أَهله، طلب الإِنجاز للوعد فى شأْن ابنه بالإِنجاءِ والسؤَال طلب الاستفهام أَو لتضمن ذكر الوعد السؤَال عن المنافع لإِنجاز الوعد لابنه، فيكون السؤَال استفهاماً وإِنما سمى سؤَاله جهلا وزجره عنه بالوعظ لأَن قوله: إِلا من سبق عليه القول وعدم حضوره السفينة صريح فى هلاكه، لكن حب الولد بالطبع، ومع ظن الإِيمان بما ينافقه وحضور ما يسلم به من كفر جره إِلى ذلك، وقد قيل إِنه ولد زنى من امرأَته الكافرة فى فراشه، وهو فعل باطل. قال ابن عباس ما بغت امرأَة نبى قط، بل هو ابن امرأَته من رجل آخر تزوجته قبله فكان عنده يعلمه. والصحيح أَنه ابنه من صلبه لأَنه سماه ابنه وأَقره الله على تسميته وسماه الله ابنه وقال: "أية : ونادى نوح ابنه"تفسير : [هود: 45] وحمل الكلام على حقيقته واجب الدلائِل. وأَما أَن يلد المؤمن ولو نبياً الكافر فواقع، وبالعكس كقابيل من آدم وإِبراهيم من آزر، يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل، ما قال له ربه سبحانه حين ناداه بذلك؟ فقيل: قال: {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي ليس منهم / أصلا لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية وقد انقطعت بالكفر فلا علاقة بين مسلم وكافر ولذا لم يتوارثا، وقد ذكروا أن قرابة الدين أقرب من قرابة النسب كما أشار إلى ذلك أبو فراس بقوله: شعر : كانت مودة سلمان له نسباً ولم يكن بين نوح وابنه رحم تفسير : أو {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} الذين أمرتك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم بالاستثناء، وحكى هذا عن ابن جرير وعكرمة والأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ وعلى القولين ليس هو من الذين وعد بإنجائهم، وكأنه لما كان دعاؤه عليه السلام بتذكير وعده جل ذكره مبنياً على كون كنعان من أهله نفى أولاً كونه منهم، ثم علل عدم كونه منهم على طريقة الاستئناف التحقيقي بقوله سبحانه: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} وأصله إنه ذو عمل فاسد فحذف ذو للمبالغة بجعله عين عمله لمداومته عليه، ولا يقدر المضاف لأنه حينئذ تفوت المبالغة المقصودة منه، ونظير ذلك ما في قول الخنساء ترثي أخاها صخراً: شعر : ما أم سقب على بو تحن له قد ساعدتها على التحنان آظار ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت فإنما هي إقبال وإدبار يوماً بأوجع مني حين فارقني صخر وللعيش إحلاء وإمرار تفسير : وأبدل فاسد بغير ـ صالح ـ إما لأن الفاسد ربما يطلق على ما فسد ومن شأنه الصلاح فلا يكون نصاً فيما هو من قبيل الفاسد المحض كالمظالم، وإما للتلويح بأن نجاة من نجا إنما هو لصلاحه. وقرأ الكسائي ويعقوب {إنه عمل غير صالح} على صيغة الفعل الماضي، ونصب {غير} وهي قراءة علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأنس وعائشة وقد روتها هي وأم سلمة عن النبـي صلى الله عليه وسلم، والأصل (عمل عملاً غير صالح) وبه قرىء أيضاً كما روي عن عكرمة فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وذلك شائع مطرد عند انكشاف المعنى وزوال اللبس، وضعفه بعضهم هنا بأن العرب لا تكاد تقول: عمل غير صالح وإنما تقول عمل عملاً غير صالح، وليس بشيء، وأيد بهذه القراءة كون ضمير (إنه) في القراءة الأولى لابن نوح لأنه فيها له قطعاً فيضعف ما قيل: (إنه) في الأولى لترك الركوب معهم والتخلف عنهم أي إن ذلك الترك عمل غير صالح على أنه خلاف الظاهر في نفسه كما لا يخفى. ومثله في ذلك ما قيل: (إنه) لنداء نوح عليه السلام أي: إن نداءك هذا عمل غير صالح وتخرج بذلك الجملة عن أن تكون تعليلاً لما تقدم ويفوتما في ذاك من الفائدة ولا يكون الكلام على مساق واحد، نعم روي عن ابن عباس ما يقتضيه فقد أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عنه أنه قال: إن نساء الأنبياء عليهم السلام لا يزنين، ومعنى الآية مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك. وفي رواية ابن جرير عنه سؤالك ما ليس لك به علم عمل غير صالح، ولعل ذلك لم يثبت عن هذا الحبر لأن الظاهر من الرواية الأولى أنه إنما جعل الضمير للمسألة دون ابن نوح لما في ذلك من نسبة الزنا إلى من لا ينسب إليه وهو رضي الله تعالى عنه أجل قدراً من أن يخفى عليه أنه لا يلزم من ذلك هذا المحذور. ((ثم إنه لما كان دعاؤه عليه السلام مبنياً على كون كنعان من أهله وقد نفى ذلك وحقق ببيان علته فرع على ذلك النهي عن سؤال إنجائه إلا أنه جيء بالنهي على وجه عام يندرج فيها ما ذكر اندراجاً أولياً فقال سبحانه: {فَلاَ تَسْئَلْنِ} / أي إذا وقفت على جلية الحال فلا تطلب مني {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي مطلباً لا تعلم يقيناً أن حصوله صواب وموافق للحكمة على تقدير كون {مَا} عبارة عن المسؤول الذي هو مفعول للسؤال أو طلباً لا تعلم أنه صواب على تقدير كونه عبارة عن المصدر الذي هو مفعول مطلق فيكون النهي وارداً بصريحه في كل من معلوم الفساد ومشتبه الحال)) قاله شيخ الإسلام، وجوز أن يكون ما ليس لك علم بأنه صواب أو غير صواب وهو الذي ذهب إليه القاضي فيكون النهي وارداً في مشتبه الحال ويفهم منه حال معلوم الفساد بالطريق الأولى، وأياً مّا كان فهو عام يندرج تحته ما نحن فيه كما ذكرنا. وسمي النداء سؤال لتضمنه إياه وإن لم يصرح به كما لا يخفى، و(به) على ما نقل عن أبـي علي إما متعلق بما يدل عليه العلم المذكور وإن لم يتسلط عليه كقوله: شعر : ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلداتفسير : وإما أن يتعلق بالمستقر في ذلك وكذا الكلام فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. والآية ظاهرة في أن نداءه عليه السلام لم يكن استفساراً عن سبب عدم إنجائه مع تحقق سبب الإنجاء فيما عنده كما جوزه القاضي بناءاً على أنه كان بعد الغرق بل هو دعاء منه عليه السلام لإنجاء ابنه حين حال الموج بينهما ولم يعلم بهلاكه بعد إما بتقريبه إلى الفلك بتلاطم الأمواج مثلاً أو بتقريبها إليه، وقيل: أو بإنجائه بسبب آخر ويأباه تذكير الوعد في الدعاء فإنه مخصوص بالإنجاء في الفلك، ومجرد حيلولة الموج لا يستوجب الهلاك فضلاً عن العلم به لظهور إمكان عصمة الله تعالى عليه إياه برحمته، وقد وعده بإنجاء أهله ولم يعتقد أن فيه مانعاً من الانتظام في سلكهم لمكان النفاق وعدم المجاهرة بالكفر لما في ذلك لفظاً من الاحتياج إلى القول بالحذف والإيصال، ومعنى من أن النهي عن الاستفسار عما لا يعلم غير موافق للحكمة إذ عدم العلم بالشيء داع إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه. وقيل: إن السؤال عن موجب عدم النجاة مع ما فيه من الجرأة، وشبه الاعتراض فيه أنه تعين له عليه السلام أنه من المستثنين بهلاكه فهو غير سديد كيف ونداؤه ذاك مما يقطر منه الاستعطاف. وقيل: إن النهي إنما هو عن سؤال ما لا حاجة إليه إما لأنه لا يهمّ أو لأنه قامت القرائن على حاله لا عن السؤال للاسترشاد فلا ضير إذن في كلام القاضي وهو كما ترى. شعر : ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر تفسير : فالحق أن ذلك مسألة الإنجاء، وكان قبل تحقق الغرق عند رؤية المشارفة عليها ولم يكن عالماً بكفره إذ ذاك لأنه لم يكن مجاهراً به وإلا لم يدع له بل لم يدعه أيضاً {أية : وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [هود: 42] لا يدل على أنه كافر عنده بل هو نهي عن الدخول في غمارهم، وقطع بأن ذلك يوجب الغرق على الطريق البرهاني كما قدمنا، وكأنه عليه السلام حمل مقاولته على غير المكابرة والتعنت لغلبة المحبة وذهوله عن إعطاء التأمل حقه فلذلك طلب ما طلب، فعوتب بأن مثله في معرض الإرشاد والقيام بأعباء الدعوة تلك المدة المتطاولة لا ينبغي أن يشتبه عليه كلام المسترشد والمعاند، ويرجع هذا إلى ترك الأولى، وهو المراد بقوله سبحانه: {إِنّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}. وذكر شيخ الإسلام ((أن اعتزاله وقصده الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جواز أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفلك، وزعمه أن الجبل أيضاً يجري مجراه أو لكراهة الاحتباس في الفلك بل قوله: {أية : سَأوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود: 43] بعد ما قال له نوح {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} ربما يطمعه عليه السلام في إيمانه حيث لم يقل أكون معهم أو سنأوي أو يعصمنا فإن إفراد نفسه بنسبة الفعلين المذكورين / ربما يشعر بانفراده من الكافرين واعتزاله عنهم وامتثاله ببعض ما أمره به نوح عليه السلام إلا أنه عليه السلام لو تأمل في شأنه حق التأمل وتفحص عن أحواله في كل ما يأتي وما يذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه مستثنى من أهله ولذلك قيل له: {إِنّي} الخ))، وهو ظاهر في أن مدار العتاب الاشتباه كما ذكرنا، وإليه ذهب الزمخشري قال: ((إن الله تعالى قدم إليه عليه السلام الوعد بانجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم فكان عليه أن يعتقد أن في الجملة من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح وأن كلهم ليسوا بناجين وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا يشتبه))، وكأنه أراد أن الاستثناء دل على أن المعنى المعتبر الصلاح لا القرابة فكان ينبغي أن يجعله الأصل ويتفحص في الأهل عن وجوده، وأن يجعل كلهم سواسية في استحقاق العذاب إلا من علم صلاحه وإيمانه لا أن يجعل كونه من الأهل أصلاً فيسأل إنجاءه مع الشك في إيمانه فقد قصر فيما كان عليه بعض التقصير وأولى العزم مؤاخذون بالنقير والقطمير وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وابن المنير لم يرض كون ذلك عتاباً قال: ((وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه يعتقد أن نوحاً عليه السلام صدر منه ما أوجب نسبة الجهل إليه ومعاتبته على ذلك وليس الأمر كما تخيله، ثم قال: ونحن نوضح أن الحق في الآية منزلاً على نصها مع تبرئة نوح عليه السلام مما توهم الزمخشري نسبته إليه فنقول: لما وعد عليه السلام [أولاً] بتنجية أهله إلا من سبق عليه القول منهم ولم يكن كاشفاً لحال ابنه ولا مطلعاً على باطن أمره بل كان معتقداً بظاهر الحال أنه مؤمن بقي على التمسك بصيغة العموم للأهلية الثابتة ولم يعارضها يقين في كفر ابنه حتى يخرج من الأهل ويدخل في المستثنين فسأل الله تعالى فيه بناءاً على ذلك فبين له أنه في علمه من المستثنين وأنه هو لا علم له بذلك فلذلك سأل فيه، وهذا بأن يكون إقامة عذر أولى منه من أن يكون عتباً فإن نوحاً عليه السلام لا يكلفه الله تعالى علم ما استأثر به غيباً؛ وأما قوله سبحانه: {إِنِّيۤ أَعِظُكَ} الخ فالمراد النهي عن وقوع السؤال في المستقبل بعد أن أعلمه سبحانه باطن أمره وأنه إن وقع في المستقبل في السؤال كان من الجاهلين، والغرض من ذلك تقديم ما يبقيه عليه السلام على سمت العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع ذنب بل المقصد منها أن لا يقع الذنب في الاستقبال ولذلك امتثل عليه السلام ذلك واستعاذ بالله سبحانه أن يقع منه ما نهى عنه)) كما يدل عليه قوله سبحانه: {قَالَ رَبّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰنُوحُ} {صَالِحٍ} {فَلاَ تَسْئَلْنِ} {ٱلْجَاهِلِينَ} (46) - فَرَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ قَائِلاً: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذِينَ وَعَدْتُكَ بِإِنْجَائِهِمْ مَعَكَ فِي السَّفِينَةِ، لأَِنِّي وَعَدْتُكَ بِنَجَاةِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِكَ. وَابْنُكَ هذا لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِذْ إِنَّهُ بِكُفْرِهِ قَدِ انْقَطَعَتِ المُوَالاَةُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَقَدْ عَمِلَ أَعْمَالاً غَيْرَ صَالِحَةٍ، فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ لاَ عِلْمَ ثَابِتٌ لَكَ بِهِ، وَإِنِّي أَنْهَاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ زُمْرَةِ مَنْ يَجْهَلُونَ، فَيَسْأَلُونَ اللهَ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ، وَتَقْدِيرَهُ فِي خَلْقِهِ، اسْتِجَابَةً لِشَهَوَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويريد الحق سبحانه هنا أن يُلفتَ نبيَّه نوحاً إلى أن أهليَّة الأنبياء ليست أهلية الدم واللحم، ولكنها أهلية المنهج والاتِّباع، وإذا قاس نوح - عليه السلام - ابنه على هذا القانون، فلن يجده ابناً له. ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم عن سلمان الفارسي: "حديث : سلمان منَّا آل البيت ". تفسير : إذن: فالبنوة بالنسبة للأنبياء هي بنوة اتِّباع، لا بنوة نَسَب. وانظر إلى دقة الأداء في قول الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ..} [هود: 46]. ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..} [هود: 46]. فكأن البنوة هنا عمل، وليست ذاتاً، فالذات منكورة هنا، والمذكور هو العمل، فعمل ابن نوح جعله غير صالح أن يكون ابناً لنوح. وهكذا نجد أن المحكوم عليه في البنوة للأنبياء ليس الدم، وليس الشحم، وليس اللحم، إنما هو الاتِّباع بدليل أن الحق سبحانه وصف ابن نوح بقوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ولو كان عملاً صالحاً لكان ابنه. ويقول الحق سبحانه: {.. فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [هود: 46]. والحق سبحانه يطلب من نوح هنا أن يفكِّر جيِّداً قبل أن يسأل، فلا غبار على الأنبياء حين يربيِّهم ربُّهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 355 : 6 : 23 - سفين عن موسى بن أبي عايشة عن سليمن بن قتة عن بن عباس انه كان يقرؤها {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. [الآية 46]. 356 : 7 : 24 - سفين عن الأعمش وغيره ان أصحاب عبد الله كانوا يقرؤنها {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} قال، سئلك ما ليس لك به علم عمل غير صالح.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [46] 263- أنا أبو الأشعث، نا خالد بن الحارث، قال: نا سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم - عليه السلام - فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته فاشفع لنا عند ربك/ ، فيقول: لست هُنَاكُم - ويذكر لهم ويشكو إليهم ذنبه الذي أصاب فيستحيي الله من ذلك - ولكن ائتوا نُوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فينادونه فيقول: لست هُناكم - ويذكر سؤاله ربَّه ما ليس له به علم ويستحيي من ذلك - ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتونه، فيقول: لست هُناكم، ولكن ائتوا موسى عبداً كلم الله وأعطاه التَّوراة، فيأتونه، فيقول: لست هُناكم - ويذكر قتله النَّفس بغير النَّفس - ولكن ائتوا عيسى: عبد الله ورسوله وكلمة الله ورُوحه. فيأتونه فيقول: لست هُناكَ، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أنبياء الله، عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال: "فيأتونني فأنطلق" تفسير : - (قال سعيد: فذكر هذا الحرف عن الحسن - فأمشي بين سِمَاطَين من المؤمنين - ثم عادي إلى حديث أنس قال:) حديث : فأستأذن على ربي فيأذن لي. فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدَعُني ما شاء الله أن يدَعَني، ثم يُقال: ارفع يا محمد، قُل تُسْمع، سَلْ تُعْطَه، اشْفَه تُشفَّع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعلِّمنيه ثم أشفع فيحُدُّ لي حدّا فيُدخليهم الجنة، ثم أعود الثانية، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدَعُني ما شاء الله أن يدَعَني، ثم يُقال: ارفع يا محمد، قُل تُسْمع، سَلْ تُعْطَه، اشْفَه تُشفَّع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعلِّمنيه ثم أشفع فيحُدُّ لي حدّا فيُدخليهم الجنة، ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً فيدَعُني ما شاء الله أن يدَعَني، ثم يُقال: ارفع يا محمد، قُل تُسْمع، سَلْ تُعْطَه، اشْفَه تُشفَّع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يُعلِّمنيه ثم أشفع فيحُدُّ لي حدّا فيُدخليهم الجنة، ثم أعود الرابعة، فأقول: "يا ربِّ ما بقي إلا من حَبَسه القرآن ". تفسير : قال: ويقول قتادة على / أثر هذا الحديث: حدَّثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يخرُج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الإيمان مثقال شعيرة من خَير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه مثقال بُرَّة من خير، ويخرج من النار في قلبه مثقال ذرَّة من خير ".

همام الصنعاني

تفسير : 1233- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي عامر الهمذاني، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس، قال: ما بغتِ امرأة نبيٍّ قَطُّ، وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: [الآية: 46]، الذين وعدتك أن أنجيهم معك. 1234- عبد الرزاق، عن الثوري، وابنُ عُيَيْنَةَ، عن مُوسَى بن أبي عائِشَةَ، عن [سُلَيْمَانَ بنِ قَتَّة]، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاس يُسْاَلُ وَهُوَ إلى جَنْبِ الكَعْبَةِ، عَنْ قَوْل الله تَعَالى: {أية : فَخَانَتَاهُمَا}تفسير : : [التحريم: 10] أما أنه ليس بالزِّنا، ولكنْ كانَتْ هذه تخبر النّاس أنه مجنون، وكانت هذه تدلّ عَلى الأضياف، قال: ثم قرأ {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}: [الآية: 46]. عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، قال: مسألتك إيايّ: عَمَلٌ غير صالح.