Verse. 1521 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قِيْلَ يٰنُوْحُ اہْبِطْ بِسَلٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلٰۗي اُمَمٍ مِّمَّنْ مَّعَكَ۝۰ۭ وَاُمَمٌ سَنُمَتِّعُہُمْ ثُمَّ يَمَسُّہُمْ مِّنَّا عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۴۸
Qeela ya noohu ihbit bisalamin minna wabarakatin AAalayka waAAala omamin mimman maAAaka waomamun sanumattiAAuhum thumma yamassuhum minna AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قيل يا نوح اهبط» انزل من السفينة «بسلام» بسلامة أو بتحية «منا وبركات» خيرات «عليك وعلى أمم ممن معك» في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون «وأمم» بالرفع ممن معك «سنمتعهم» في الدنيا «ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم» في الآخرة وهم الكفار.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله: {ٱهْبِطْ } يحتمل أن يكون أمراً بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمراً بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية. المسألة الثانية: أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولاً، ثم بالبركة ثانياً، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحاً عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله: { أية : وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [هود: 47] وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله: { أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23] فكان نوح عليه السلام محتاجاً إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له: {يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين. والثاني أن ذلك الغرق لما كان عاماً في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله تعالى: {ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } زال عنه ذلك الخوف، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء، والثبات، ونيل الأمل، ومنه بروك الإبل، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، ومنه تبارك وتعالى، أي ثبت تعظيمه، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء. فالقول الأول: أنه تعالى صير نوحاً أبا البشر، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل: إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته، فالخلق كلهم من نسله وذريته، وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } تفسير : [الصافات: 77] فثبت أن نوحاً عليه السلام كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها. والقول الثاني: أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات السلامة، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال: منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أمماً وجماعات، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم، فلهذا السبب جعلهم أمماً، ومنهم من قال: بل المراد ممن معك نسلاً وتولداً قالوا: ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى: { أية : وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } تفسير : [هود: 40] ومنهم من قال: المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك، والمختار هو القول الثاني: ومن في قوله: {مّمَّن مَّعَكَ } لابتداء الغاية، والمعنى: وعلى أمم ناشئة من الذين معك. واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين: أحدهما: الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان. والثاني: أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر. قال المفسرون: دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، ثم قال أهل التحقيق: إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه، لأنه قال: {بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } وهدا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة ولكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله تعالى، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير، والفرح بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير، والأول: نصيب عامة الخلق، والثاني: نصيب المقربين، ولهذا السبب قال بعضهم: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني، ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيباً من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر ألبتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا. ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} أي قالت (له) الملائكة، أو قال الله تعالى له: ٱهبط من السفينة إلى الأرض، أو من الجبل إلى الأرض؛ فقد ٱبتلعت الماء وجفّت. «بِسَلاَمٍ مِنَّا» أي بسلامة وأمن. وقيل: بتحية.{وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} أي نعم ثابتة؛ مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته وإقامته. ومنه البِركة لثبوت الماء فيها. وقال ٱبن عباس رضي الله عنهما: نوح آدم الأصغر، فجميع الخلائق الآن من نسله، ولم يكن معه في السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من ذريته؛ على قول قَتَادة وغيره، حسب ما تقدّم؛ وفي التنزيل {أية : وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ}تفسير : [الصافات: 77]. {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} قيل: دخل في هذا كل مؤمن إلى يوم القيامة. ودخل في قوله:{وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} كل كافر إلى يوم القيامة؛ رُوي ذلك عن محمد بن كعب. والتقدير على هذا: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم. وقيل: «مِن» للتبعيض، وتكون لبيان الجنس. «وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ» ارتفع «وَأُمَمٌ» على معنى وتكون أمم. قال الأخفش سعيد كما تقول: كلمت زيداً وعمرو جالس. وأجاز الفراء في غير القراءة وأمماً، وتقديره: ونمتّع أمماً. وأعيدت «على» مع «أُمَمٌ» لأنه معطوف على الكاف من «عَلَيْكَ» وهي ضمير المجرور، ولا يعطف على ضمير المجرور إلا بإعادة الجار على قول سيبويه وغيره. وقد تقدّم في «النساء» بيان هذا مستوفى في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ}تفسير : [النساء:1] بالخفض. والباء في قوله: «بِسَلاَمٍ» متعلقة بمحذوف؛ لأنها في موضع الحال؛ أي ٱهبط مسلَّماً عليك. و«مِنَّا» في موضع جر متعلق بمحذوف؛ لأنه نعت للبركات. «وَعَلَى أُمَمٍ» متعلق بما تعلق به«عَلَيْكَ»؛ لأنه أعيد من أجل المعطوف على الكاف. و«من» في قوله: «مِمَّنْ مَعَكَ» متعلق بمحذوف؛ لأنه في موضع جر نعت للأمم. و«مَعَكَ» متعلق بفعل محذوف؛ لأنه صلة «لمن» أي ممن ٱستقر معك، أو آمن معك، أو ركب معك.

البيضاوي

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا} انزل من السفينة مسلماً من المكاره من جهتنا أو مسلماً عليك. {وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ} ومباركاً عليك أو زيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً. وقرىء {ٱهْبِطْ} بالضم «وبركة» على التوحيد وهو الخير النامي. {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ} وعلى أمم هم الذين معك، سموا أمماً لتحزبهم أو لتشعب الأمم منهم، أو وعلى أمم ناشئة ممن معك والمراد بهم المؤمنون لقوله: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} أي وممن معك سنمتعهم في الدنيا. {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة والمراد بهم الكفار من ذرية من معه. وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب ما نزل بهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما قيل لنوح عليه السلام، حين أرست السفينة على الجودي؛ من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة؛ كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة؛ وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. وقال محمد بن إسحاق: لما أراد الله أن يكف الطوفان، أرسل ريحاً على وجه الأرض، فسكن الماء، وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر، وأبواب السماء، يقول الله تعالى: {وَقِيلَ يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ} الآية، فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر، وكان استواء الفلك على الجودي فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، في أول يوم من الشهر العاشر رأى رؤوس الجبال، فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً، فتح نوح كوة الفلك التي ركب فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء، فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة، فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعاً، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها، ثم مضى سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست، وفي فيها ورق زيتون، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين، برز وجه الأرض، وظهر البر، وكشف نوح غطاء الفلك وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا} الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ } انزل من السفينة {بِسَلَـٰمٍ } بسلامة أو بتحية {مِّنَّا وَبَركَٰتٍ } خيرات {عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ } في السفينة أي من أولادهم وذرّيتهم وهم المؤمنون {وَأُمَمٌ } بالرفع ممن معك {سَنُمَتِّعُهُمْ } في الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة وهم الكفار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل:{يُرْسِلِ السماء عليكم مدراراً} فيه وجهان: أحدهما: أنه المطر في إبانه، قاله هارون التيمي. الثاني: المطر المتتابع، قاله ابن عباس. ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: يُدرُّه عند الحاجة. والثاني: يُدرُّ به البركة، وهو مأخوذ من درور اللبن من الضرع. {ويزدكم قوة إلى قوتكم} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني شدة إلى شدتك، قاله مجاهد. الثاني: خصباً إلى خصبكم، قاله الضحاك. الثالث: عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم، قاله علي بن عيسى. الرابع: أنه ولد الولد، قاله عكرمة. ويحتمل خامساً يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوتكم في أبدانكم.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قيل يا نوح اهبط بسلام منا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ اهبطوا والله عنهم راض، واهبطوا بسلام من الله كانوا أهل رحمته من أهل ذلك، ثم أخرج منهم نسلاً بعد ذلك أمماً منهم من رحم، ومنهم من عذب وقرأ ‏ {‏وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم‏}‏ قال‏:‏ إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت‏. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك‏} ‏ قال‏:‏ فما زال الله يأخذ لنا بسهمنا وحظنا، وكذلك يذكرنا من حيث لا نذكر أنفسنا كلما هلكت أمة جعلنا في أصلاب من ينجو بلطفه حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن السني في الطب النبوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أوّل شجر غرس نوح عليه السلام حين خرج من السفينة الآس‏. وأخرج أبو الشيخ عن عثمان بن أبي العاتكة‏.‏ أن أوّل شيء تكلم به نوح عليه السلام حين استقرت به قدماه على الأرض حين خرج من السفينة أن قال‏:‏ يا مور اتقن، كلمة بالسريانية‏:‏ يعني يا مولاي اصلح‏. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه قال‏:‏ لما أغرق الله قوم نوح أوحى إلى نوح عليه السلام أني خلقت خلقاً بيدي وأمرتهم بطاعتي فعصوني واستأثروا غضبي، فعذبت من لم يعصني من خلفي بذنب من عصاني، فبي حلفت وأي شيء مثلي لا أعذب بالغرق العامة بعد هذا، وإني جعلت قوسي أماناً لعبادي وبلادي من الغرق إلى يوم القيامة، وكانت القوس فيها سهم ووتر، فلما فرغ الله من هذا القول إلى نوح نزع الوتر والسهم من القوس وجعلها أماناً لعباده وبلاده من الغرق‏. وأخرج ابن عساكر عن خصيف قال‏:‏ لما هبط نوح من السفينة وأشرف من جبل حسماء رأى تل حران بين نهرين فأتى حران فخطها ثم أتى دمشق فخطها، فكانت حران أول مدينة خطت بعد الطوفان ثم دمشق‏. وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال‏:‏ أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك المتاع والعذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ‏ {‏وعلى أمم ممن معك‏} ‏ يعني ممن لم يولد أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة ‏ {‏وأمم سنمتعهم‏} ‏ يعني متاع الحياة الدنيا، ثم يمسهم منا عذاب أليم لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة‏. وأخرج أحمد في الزهد عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ لم يزل بعد نوح عليه السلام في الأرض أربعة عشر يدفع بهم العذاب‏.

ابو السعود

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} أي انزل من الفُلك وقرىء بضم الباء {بِسَلامٍ} ملتبساً بسلامة من المكاره كائنةٍ {مِنَّا} أو بسلام وتحيةٍ منا عليك كما قال: سلامٌ على نوح في العالمين {وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ} أي خيراتٍ ناميةٍ في نسلك وما يقوم به معاشُك ومعاشُهم من أنواع الأرزاق، وقرىء بركةٍ، وهذا إعلامٌ وبشارةٌ من الله تعالى بقَبول توبتِه وخلاصِه من الخسران بفيضان أنواعِ الخيراتِ عليه في كل ما يأتي وما يذر {وَعَلَىٰ أُمَمٍ} ناشئةٍ {مّمَّن مَّعَكَ} إلى يوم القيامة متشبعةٍ منهم، فمن ابتدائيةٌ، والمرادُ الأممُ المؤمنةُ المتناسلةُ ممن معه إلى يوم القيامة {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} أي ومنهم على أنه خبرٌ حذف لِدلالة ما سبق عليه، فإن إيرادَ الأممِ المبارَكِ عليهم المتشعبةِ منهم نكرةٌ يدل على أن بعضَ مَنْ يتشعّب منهم ليسوا على صفتهم يعني ليس جميعُ من تشعّب منهم مسلماً ومباركاً عليه بل منهم أممٌ ممتّعون في الدنيا معذّبون في الآخرة، وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح عليه السلام مسلماً ومبارَكاً عليهم صريحاً وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة والسلام ومن كون ذريّاتِهم كذلك بدلالة النصِّ، ويجوز أن تكون (من) بـيانيةً أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سُمّوا أمماً لأنهم أممٌ متحزِّبةٌ وجماعاتٌ متفرِّقةٌ، أو لأن جميعَ الأممِ إنما تشعّبت منهم فحينئذ يكون المرادُ بالأمم المشارِ إليهم في قوله تعالى: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} بعضَ الأممِ المتشعبةِ منهم وهي الأممُ الكافرةُ المتناسلةُ منهم إلى يوم القيامة، ويبقى أمرُ الأممِ المؤمنةِ الناشئةِ منهم مبهماً غيرَ متعرّضٍ له ولا مدلولٍ عليه، ومع ذلك ففي دِلالة المذكورِ على خبره المحذوفِ خفاءٌ لأن (من) المذكورةَ بـيانيةٌ والمحذوفةَ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ فتأمل {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ} إما في الأخرة أو في الدنيا أيضاً {مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. عن محمد بن كعب القرظي دخل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذابِ كلُّ كافر، وعن ابن زيد هبطوا والله عنهم راضٍ ثم أَخرج منهم نسلاً منهم من رَحِم ومنهم من عذّب. وقيل: المرادُ بالأمم الممتَّعةِ قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ عليهم السلام وبالعذاب ما نزل بهم.

القشيري

تفسير : طَهَّرَ وجهَ الأرضِ من أعدائه، وحفظ نوحاً عليه السلام من بلائه، هو ومن معه من أصدقائه وأقربائه. والأممُ التي أخبر أنه سَيُمَتِّعُهم ثم يَمَسُّهم العذابُ هم الذين ليسوا من أهل السعادة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قيل} القائل هو الله تعالى {يا نوح اهبط} هبط لازم ومتعد الا ان مصدر اللازم الهبوط ومصدر المتعدى الهبط كالرجوع والرجع والمراد هنا الاول والهبوط بالفارسية [فرود آمدن] اى انزل من الفلك الى جبل الجودى الذى استقرت السفينة عليه شهرا او من الجودى الى الارض المستوية {بسلام} ملتبسا بسلامة من المكاره كائنة {منا} فسلام بمعنى السلامة حال من فاعل اهبط ومناصفة له دالة على تعظيمه وكماله لان ما كان من الله العظيم عظيم او بسلام وتحية منا عليك كما قال {أية : سلام على نوح فى العالمين} تفسير : فالسلام بمعنى التسليم والاول اوجه لان المقام مقام النجاة من الغرق {وبركات عليك} اى خيرات نامية فى نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من انواع الارزاق {وعلى امم} ناشئة {ممن معك} متشعبة منهم فمن ابتدائية. والمراد الامم المؤمنة المتناسلة ممن معه من اولاده الى يوم القيامة فهو من اطلاق العام وارادة الخاص هذا على رواية من قال كان معه فى السفينة اولاده وغيرهم مع الاختلاف فى العدد فمات غير الاولاد اى بعد الهبوط ولم ينسل وهو الارجح. واما على وراية من قال ما كان معه فى السفينة الا اولاده وغيرهم مع الاختلاف فى العدد فمات غير الاولاد اى بعد الهبوط ولم ينسل وهو الارجح. واما على رواية من قال ما كان معه فى السفينة الا اولاده ونساؤهم على ان يكون المجموع ثمانية فلا يحتاج الى التأويل وايا ما كان فنوح ابو الخلق كلهم ولذا سمى آدم الثانى وآدم الاصغر لانه لم يحصل النسل الا من ذريته وقد اخرج الله الكثير من القليل بقدرته كما اخرج من صلب زين العابدين الكثير الطيب وذلك انه قتل مع سلطان الشهداء الحسين رضى الله عنه عامة اهل بيته ولم ينج الا ابنه زين العابدين على انه رضى الله عنه اصغرهم فانمى الله تعالى ذريته السادة. قال فى نفائس المجالس لما ارتفع الطوفان قسم نوح الارض بين اولاده الثلاثة فاما سام فاعطاه بلاد الحجاز واليمن والشام فهو ابو العرب واما حام فاعطاه بلاد السودان فهو ابو السودان واما يافث فاعطاه بلاد المشرق فهو ابو الترك. قال فى اسولة الحكم اما ممالك الاقاليم السبعة التى ضبط عددها فى زمن المأمون فثلاثمائة وثلاث واربعون مملكة منها ثلاثة ايام وهى اضيقها وثلاثة اشهر وهى اوسعها ووجدت مملكة فى خط الاستواء لها ربيعان وصيفان وخريفان وشتاآن فى سنة واحدة وفى بعضها ستة اشهر ليل وستة اشهر نهار وبعضها حر وبعضها برد واما جميع مدائن الاقاليم فهو اربعة آلاف مدينة وخمسمائة وست وخمسون وقيل غير ذلك وما العمران فى الخراب الا كخردلة فى كف احدكم وفى الخبر "حديث : ان لله دابة فى مرج من مروجه رزقها كل يوم بقدر رزق العالم باسره" تفسير : فانظر الى سعة رحمة الله وبركاته و لاتغتم لاجل الرزق: وفى المثنوى شعر : جمله را رزاق روزى ميدهد قسمت هركس كه بيشش مينهد سالها خوردى وكم نامد زخور ترك مستقبل كن وماضى نكر تفسير : {وامم} مبتدأ {سنمتعهم} صفة والخبر محذوف وهم منهم اى ليس جميع من تشعب منهم مسلما ومباركا عليهم بل منهم امم سنمتعهم فى الدنيا معناه بالفارسية [زود باشدكه برخوردارى دهيم ايشانرا دردنيا بفراخئ عيش وسعت رزق] {ثم يمسهم منا} [بس برسد ايشانرا ازما] {عذاب اليم} [عذابى دردناك] اما فى الآخرة وفى الدنيا ايضا وهم الكفار واهل الشقاوة يشير سبحانه وتعالى لى ان اكون كل الناس سعداء او اشقياء مخالف لحكمته فانه اودع فيهم جماله وجلاله على مقتضى تدبيره فلا بد من ظهور آثار كل منهما كما قال الحافظ شعر : دركار خانه عشق ازكفرنا كزيرست آتش كرابسوزد بولهب نباشد تفسير : -حكى- فى التفاسير انه لما رست السفينة على الجودى كشف نوح الطبق الذى فيه الطير فبعث الغراب لينظر هل غرقت البلاد كما فى حياة الحيوان او كم بقى من الماء فيأتيه بخبر الارض كما فى تفسير ابى الليث فابصر جيفة فوقع عليها واشتغل بها فلم يرجع ولذا قالوا فى المثل ابطأ من غراب نوح ثم ارسل الحمامة فلم تجد موضعا فى الارض فجاءت بورق لزيتون فى منقارها فتعرف نوح ان الماء قد نقص وظهرت الاشجار ثم ارسلها فوقعت على الارض فغابت رجلاها فى الطين قدر حمرتهما فجاءت الى نوح وارته فعرف ان الارض قد ظهرت فبارك على الحمامة وطوقها الخضرة التى فى عنقها ودعا لهما بالامان فمن ثم تألف البيوت ودعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يالف البيوت وتشاءم العرب بالغراب واستخرجوا من اسمه الغربة قالوا غراب البين لانه بان عن نوح. واعلم ان نوحا عليه السلام هبط بمن معه فى السفينة يوم عاشوراء فصام وامر من معه بصيامه شكرا لله تعالى وقد فرغت ازوادهم فجاء هذا بكف حنطة وهذا بكف عدس وهذا بكف حمص الى ان بلغت سبعة حبوب فطبخها نوح عليه السلام لهم فافطروا عليها وشبعوا جميعا ببركات نوح وكان اول طعام طبخ على وجه الارض بعد الطوفان هذا فاتخذه الناس سنة يوم عاشوراء وفيه اجر عظيم لمن يفعل ذلك ويطعم الفقراء والمساكين. وذكر ان الله عز وجل يخرق ليلة عاشوراء زمزم الى سائر المياه فمن اغتسل يومئذ أمن من المرض فى جميع السنة كما فى الروض الفائق ومن وسع فيه على عياله فى النفقة وسع الله له سائر سنته. قال ابن سيرين جربناه ووجدناه كذلك كما فى الاسرار المحمدية. قل فى عقد الدرر واللآلئ المستحب فى ذلك يوم فعل الخيرات من الصدقة الصوم والذكر وغيرها ولا ينبغى للمؤمن ان يتشبه بيزيد الملعون فى بعض الافعال وبالشيعة والروافض والخوارج ايضا يعنى لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد او يوم مأتم فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه وان كان للاكتحال فى ذلك اليوم اصل صحيح فان ترك السنة سنة اذا كانت شعارا لاهل البدعة كالتختم باليمين فانه فى الاصل سنة لكنه لما كان شعار اهل البدعة والظلمة صارت السنة ان يجعل الخاتم فى خنصر اليد اليسرى فى زماننا كما فى شرح القهستانى ومثله تقصير الثياب وتطويلها اللهم الا ان يفعل بعض الافعال كالاغتسال وزيارة الاخوان وتوسيع النفقة ونحوها من غير ان يطر بباله التشبيه وعدمه كما اذا خرج بطريق الاتفاق او بمصلحة داعية اليه من غير ان يخطر بقلبه الموافقة فانه لا بأس به. ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسين رضى الله عنه فقد تشبه بالروافض خصوصا اذا كان بالفاظ مخلة بالتعظيم لاجل تحزين السامعين. وفى كراهية القهستانى لو اراد ذكر مقتل الحسين ينبغى ان يذكر اولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض انتهى. قال حجة الاسلام الغزالى يحرم على الواعظ وغيره راوية مقتل الحسين وحكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم اعلام الدين وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة ولعل ذلك لخطأ فى الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى. وقال عز الدين بن عبد السلام فى فصل آفات اللسان الخوض فى الباطل هو الكلام فى المعاصى كحكاية احول الوقاع ومجالس الخمور وتجبر الظلمة وكحكاية مذاهب اهل الاهواء وكذا حكاية ما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم انتهى. قال فى عقد الدرر ويح قاتل الحسين كيف حاله مع ابويه وجده وانشدوا شعر : لا بد ان ترد القيامة فاطم وقميصها بدم الحسين ملطخ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه والصور فى يوم القيامة ينفخ تفسير : وفى الحديث "حديث : قاتل الحسين فى تابوت من نار عيله نصف عذاب اهل الدنيا " تفسير : قال فى انسان العيون ارسل اهل الكوفة الى الحسين ان ياتيهم ليبايعوه فاراد الذهاب فنهاه ابن عباس وبين له غدرهم وقتلهم لابيه وخذلانهم لاخيه الحسن فأبى الا ان يذهب فبكى ابن عباس رضى الله عنهما وقال واحسيناه ولم يبق بمكة الا من حزن على مسيره وقدم امامه الى الكوفة مسلم بن عقيل فبايعه من اهل الكوفة للحسين اثنا عشر الفا وقيل اكثر من ذلك ولما شارف الكوفة جهز اليه اميرها من جانب يزيد وهو عبد الله بن زياد عشرين الف مقاتل وكان اكثرهم ممن بايع لاجل السحت العاجل على الخير الآجل فلما وصلوا اليه ورأى كثرة الجيوش طلب منهم احدى ثلاث اما ان يرجع من حيث جاء او يذهب الى بعض الثغور او يذهب الى يزيد يفعل فيه ما اراد فابوا وطلبوا منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فابى فقاتلوه الى ان اثخنته الجراحة فسقط الى الارض فخروا رأسه وذلك يوم عاشوراء عام احدى وستين ووضع ذلك الرأس بين يدى عبد الله بن زياد. قال فى روضة الاخيار قبر الحسين رضى الله عنه بكربلاء وهى من ارض العراق ورأسه بالشام فى مسجد دمشق على رأس اسطوانة وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم بعض الصالحين فى النوم فقال يا رسول الله بابى انت وامى ما ترى فتن امتك فقال زادهم الله فتنة قتلوا الحسين ولم يحفظونى ولم يراعوا حقى فيه وعن الشعبى حديث : مر على ر ضى الله عنه بكربلاء عند مسيره الى صفين فوقف وسأل عن اسم هذه الارض فقيل كربلاء فبكى حتى بل الارض من دموعه ثم قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكى فقال "كان عندى جبريل آنفا واخبرنى ان ولدى الحسين يقتل بشاطئ الفرات بموضع يقال له كربلاء ثم قبض جبريل قبضة من تراب اشمنى اياها فلم املك عينى ان فاضتا" -روى- ان تلك التربة جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قارورة وقال لام سلمة رضى الله عنها "ان هذا من تربة الارض التى يقتل بها الحسين فمتى صار دما فاعلمى انه قد قتل" قالت ام سلمة فلما كان ليلة قتل الحسين سمعت قائلا يقول شعر : ايها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داو دو موسى وحامل الانجيل حديث : قال فبكيت وفتحت القارورة فاذا التربة قد جرت دما. تفسير : حكى ان السماء احمرت لقتله قال ابن سيرين والحمرة التى مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين وحكمته على ما قال ابن الجوزى ان غضبنا يؤثر حمرة الوجه والحق منزه عن الجسمية فاظهر تاثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الافق اظهارا لعظيم الجناية ولم يرفع حجر فى الدنيا يوم قتله الا وجد تحته دم عبيط. واخرج ابو الشيخ ان جمعا تذاكروا انه ما من اعان على قتل الحسين الا اصابه بلاء قبل ان يموت فقال شيخ انا اعنت وما اصابنى شيء فقام ليصلح السراج فاخذته النار فجعل ينادى النار النار وانغمس فى الفرات ومع ذلك لم يزل ذلك به حتى مات. وبعضهم ابتلى بالعطش فكان يشرب راوية ولا يروى. وبعضهم عوقب بالقتل او العمى او سواد الوجه او زوال الملك فى مدة يسيرة وغير ذلك فاذا عرفت فكن على جانب ممن يعادى اهل البيت ومن صحبتهم فان موالاتهم معاداة لاهل البيت وبغض لهم واحفظ الحرمة يحفظك الله وفى الحديث "حديث : ان لله تعالى ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله دينه ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله تعالى دينه ولا دنياه حرمة الاسلام وحرمتى وحرمة رحمى ومن لم يعرف حتى عترتى والانصار والعرب فهو لاحدى ثلاث اما منافق واما لزنية واما حملت به امه فى غير طهر" شعر : دركار دين زمردم بى دين مدد مخواه ازماه منخسف مطلب صبحكاه تفسير : اللهم احفظنا من الانقطاع عن الوسائل الحقة والحقنا فى الدنيا والآخرة بالطائفة المحقة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "تلك": مبتدأ. و"من أنباء": خبر. و"نُوحيها": خبر ثان، و"ما كنت تعلمها": خبر ثالث، أو حال من الهاء، أي: حال كونها مجهولة عندك وعند قومك. يقول الحق جل جلاله: {قيل يا نوحُ اهبط} من السفينة إلى عمارة الأرض {بسلامٍ منّا}، أي: متلبساً بسلامة من المكاره، من جهة حفظنا ورعايتنا. أو مسلماً عليك. {وبركات عليك}؛ وزيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً، فالبركة هي: الخير النامي. أو: مباركاً عليك، {وعلى أمم ممن معكَ} أي: هم الذين معك، أو ناشئة ممن معك، فقد تشعبت الأمم ممن معه من ذريته. والمراد: المؤمنون، بدليل قوله: {وأمم سنُمتعهم} في الدنيا، ونوسع عليهم فيها، {ثم يمسُّهُم منا عذابٌ أليم} في الآخرة، وهم الكفار ممن نشأ من ذريته. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: ما نزل بهم في الدنيا. {تلك} القصة، أو خبر نوح عليه السلام، هي: {من أنباءِ الغيب} أي: بعض أخبار الغيب {نُوحيها إليك}؛ لا طريق إلى معرفتها إلا الوحي، {ما كنتَ تعلمها أنتَ ولا قومُكَ من قبل هذا} الوقت لولا إيحاؤنا إليك بها، فهي من دلائل نبوتك؛ لأنك لم تغب عنهم، ولم تخالط غيرهم، فتعين أنه من عند الله. فإن كذبوك {فاصبرْ إن العاقبة للمتقين} وأنت أعظمهم. فالعاقبة لك في الدنيا بالنصر والعز، وفي الآخرة بالرفيق الأعلى. أو فاصبر على مشاق التبليغ مع إذاية قومك، كما صبر نوح عليه السلام. إن العاقبة للمتقين بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. الإشارة: يقال للمريد إذا تمكن من الفناء، وارتفعت فكرته عن عالم الأكوان: اهبط إلى مقام البقاء؛ لتقوم بآداب العبودية بعد مشاهدة عظمة الربوبية، انزل إلى سماء الحقوق، أو أرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا بقصد متابعة الشهوة والمتعة. اهبط بسلام منا؛ أي: بسلامة من الرجوع أو الشقاء. وبركات عليك وعلى من تبعك. ولذلك قيل: من رجع إلى البقاء أمن من الشقاء. وأمم قد ضلوا عن متابعتك، سنمتعهم في الدنيا بمتابعة الهوى، ثم يمسهم منا عذاب الحجاب وسوء الحساب. تلك الواردات الإلهيةُ نُوحيها إليك، ما كنت تعلمها أيها العارف من قبل هذا، أنت ولا من تبعك، فاصبر؛ فإن الجمال مقرون بالجلال، والعاقبة للمتقين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر قصة هود عليه السلام، فقال: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية ما أمر الله تعالى به نوحاً حين استوت السفينة على الجبل، وأنه قال له {اهبط} أي انزل من الجبل، فالهبوط نزول من أعلى مكان في الارض إلى ما دونه ومن السماء. وقوله {بسلام منا} قيل في معناه وجهان: احدهما - بسلامة منا وتحية منا، قال لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر تفسير : قيل: انه بمعنى السلام عليكما. وقيل: معناه بتسليم منا عليك وقوله {وبركات عليك} معناه ونعم دائمة وخير ثابت حالا بعد حال، وأصله الثبوت، فمنه البروك، والبركة لثبوت النماء فيها قال الشاعر: شعر : ولا ينجـي مـن الغـمــــرات إلا بــراكــاء القتــال أو الفــرار تفسير : أي الثبوت للقتال. ومعنى تبارك الله ثبت تعظيم ما لم يزل ولا يزال. وقوله {وعلى أمم ممن معك} فالأمة الجماعة الكثيرة على ملة واحدة متفقة، لأنه من (أمه يؤمه أماً) إذا قصده، أو الاتفاق في المنطق على نحو منطق الطير والمأكل والمشرب والمنكح، حتى قيل: إن الكلاب أمة. وقيل في معناه - هنا - قولان: أحدهما - أنه أراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، فأخرج الله أمماً من نسلهم وجعل فيهم البركة. وقال قوم: يعني بذلك الأمم من سائر الحيوان الذين كانوا معه، لان الله تعالى جعل فيها البركة، وتفضل عليها بالسلامة حتى كان منها نسل العالم. وقوله {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} معناه إنه يكون من نسلهم أمم سيمتعهم الله في الدنيا بضروب من النعم، فيكفرون نعمه ويجحدون ربوبيته، فيهلكهم الله. ثم يمسهم بعد ذلك عذاب مؤلم موجع. وانما رفع {أمم} لأنه استأنف الاخبار عنهم.

الجنابذي

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا} بسلامة {وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} من الامم الّتى فى السّفينة فانّهم كانوا جماعات مختلفة من انواع الحيوان او من اصناف الانسان {وَأُمَمٌ} ممّن معك او ممّن يولدون ممّن معك {سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} عن الصّادق (ع) فنرل نوحٌ (ع) من السّفينة مع الثّمانين وبنوا مدينة الثّمانين وكانت لنوح ابنة ركبت معه فى السّفينة فتناسل النّاس منها وذلك قول النّبىّ (ص) "حديث : نوح (ع) احد الابوين ".

اطفيش

تفسير : {قِيلَ يا نُوحُ اهْبطْ} من السفينة أو من الجودى إلى الأرض، وقرئ بضم الياء {بَسلامٍ منَّا} أى بسلامة ثابتة منَّا لك من المكاره أو بتسليمنا إياك من المكاره، فمنا نعت لسلام، أو بسلامه من مكارهنا، أو بتسليمنا إياك من مكارهنا، فمنا متعلق بسلام على حذف مضاف كما رأيت، وسلام مصدر أو اسمه كما رأيت أيضا أو بالتحقيقية منا، فمنا نعت والباء بمعنى مع. {وبَرَكاتٍ عَليْكَ} الخيرات النامية، وعن بعضهم أراد البركة فى النسل، فإن الناس كلهم من أولاده الثلاثة، ولم يلد سواهم، فمن كان فى السفينة ولد، فلذلك يسمى آدم الأصغر، وآدم الثانى والجد. {وعَلى أممٍ ممَّن مَعَك} وعن محمد بن كعب القرظى هذا الوعد يعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة، أى وعلى أمم ناشئة ممن معك، فمن للابتداء، ولكن النشأة من أولاده الثلاثة فقط، ويجوز أن يكون المراد بالأمم من معه، فتكون من للبيان، سماهم أمما لأنهم جماعات، أو لأن الأمم تتشعب منهم، وذلك أنها تتشعب من أولادى الثلاثة، وهم فيهم، وقيل: أعقبت الثلاثة وغيرهم، اجتمعت ثمانى ميمات فى قوله: {أمم ممن معك} بإبدال التنوين والنون ميما، ولم تثقل فى اللسان، من معجزات القرآن. ولما نزل نوح إلى الأرض ممن معه، بنوا قرية تحت ذلك الجبل، وتسمى: سوق الثمانين، لأن فيها ثمانين إنسانا، وهى أول قرية بعد الطوفان. قال التلاتى: خرجوا من السفينة، ورجع كل من الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، يريد أن ذلك ظهر على الأرض ولأعينهم، وقد كانوا فى السفينة مطبقة عليهم عند بعض، وأمر قومه بتحريم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وتحريم قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وقسم الأرض بين أولاده أعطى الحجاز والشام واليمن لولده سام الذى هو أبو أب العرب، وأعطى المغرب لولده حام وهو أبو أب السودان، والمشرق ليافث أى الترك والزنج، ويأجوج ومأجوج وقيل: بعثه الله ابن ثلاثمائة سنة وخمسين، ولبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان مائة سنة، وجاءهم يوم عيد فطر، ورفع رأسه وسأل النصر من الله، فقال: أدعوكم إلى توحيد الله وطاعته، وأنهاكم عن معصيته وعبادة الأصنام، فاتقوا الله وأطيعونى. فسقطت الأصنام من الكراسى إلى الأرض، وحاربوه محاربة قوية متصلة قرن بعد قرن، أدت إلى دعائه عليهم {أية : ربى لا تذر} تفسير : الخ، ولم يفرخ لهم حمام، ولم تلد لهم امرأة، ولم تنزل عليهم قطرة من السماء، ولم تنبت لهم نبتة بدعائه، فتيقن قومه العظام الهلاك. وفى عرائس القرآن، عن سمرة بنت جندب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سام أبو العرب، وفارس، والروم" تفسير : قيل: وأهل الشام واليمن، وحام أبو السودان، وقيل: الهند، والسند، والحبشة، والنوبة، والقوط، وكل أسود، ويافث أبو الترك، ويأجوج ومأجوج، وقيل: والبربر والصين والصقالبة. قال عطاء: دعا نوح على حام أن لا يعدو شعر ولده آذانهم، وأنهم حيث ما كانوا يكونوا عبيدا لولد سام ويافث قال التلاتى [:قال] لولده حام، لما هبط من السفينة: إنى لم أشبع النوم منذ ركبت السفينة وأريد أن أنام يوما لأشبعه، فوضع رأسه على حجره ونام، فهبت الريح وكشفت سوأته، فلما رآها حام ضحك، فوثب أخوه سام وسترها، ولما انتبه من نومه قال: لأى شئ ضحك حام؟ فأخبره سام بفعله، فقال له نوح عليه السلام: أتضحك من سوأة أبيك، غيَّر الله خلقتك، وسوَّد وجهك، فاسودَّ فى الحال، وقال لولده سام، سترت عورتى ستر الله عورتك فى الدنيا، وغفر لك فى الآخرة، وجعل نسلك الأنبياء والأشراف، وجعل نسل أخيك حام العبيد والإماء، وجعل نسل أخيك يافث الجبابرة والملوك العاتية، ويدل على أن المراد بقوله: {أمم ممن معك} المؤمنون قوله: {وأممٌ سَنمتِّعهمْ} بالرفع، وهو كلام مستأنف، وأى أمم ناشئة ممن معك سنمتعهم فى الدنيا {ثمَّ يمسُّهم مِنَّا عَذابٌ أليمٌ} فى الآخرة لكفرهم وهو عام، وقيل: المراد قوم هود، وصالح، ونحوهم ممن أهلكه الله بعذاب الاسئتصال وهو العذاب الأليم فى الدنيا، وأمم مبتدأ خبره {سنمتعهم} وقدرت الصفة، أى أمم ممن معك كما ذكر ذكر قبل، والمبتدأ والجملة صفة، والخبر محذوف أى أمم سنمتعهم ناشئون ممن معك.

اطفيش

تفسير : {قِيلَ} قال الله بخلق الكلام فى السفينة، أَو حيث ما شاءَ الله قال جبريل أَو الملائِكة عن الله {يَا نُوح اهْبِطْ} من السفينة على الجبل الجودى لأَنها رست عليه، وقيل: اهبط من الجبل إِلى الأَرض على أَنه استوت على الجودى فى عاشر ذى الحجة وأَقام بمن معه شهراً عليه، ثم قيل له اهبط إِلى الأَرض، وخطابه دليل له على أَن الله قد غفر له إِذ خاطبه بما ليس عقاباً ولا سوءًا ولا سيما الخطاب بسلام وبركات، فإِن السلطان إِذا غضب على إِنسان لا يكلمه. وإِن كلمه فبسوءٍ {بِسَلاَمٍ مِّنَّا} مصاحبا لسلام منا عليكم. وهو التحية كما قال الله عز وجل "أية : سلام على نوح فى العالمين"تفسير : [الصافات: 79] أَو بسلامة جاءَتكم منا إِذ سلمتم من الغرق ومن أَن تغرقوا فى الأَرض ومن أَن تموتوا فيها جوعاً أَو عطشاً أَو بغير ذلك كالعراءِ والبرد والحر، ومنا نعت سلام أَو متعلق به على معنى سلامة من ضرنا {وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّنْ مَعَكَ} على متعلق ببركات أَو بمحذوف نعت لبركات، وهى الحياة فى الإِسلام، والرزق وانتشار ذريته، أَو المراد أَنه يدعو عليك بالبركات بأَن يقال: بارك الله فيك. وهو مناسب للسلام بمعنى التسليم كقول الله تعالى: السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، قال كعب القرظى: دخل فى ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما بعد ذلك من المتاع والعقاب كل كافر، والمراد بأمم من يتولد من المؤْمنين من سام وحام ويافث، والمراد بمن معك أَولاده الثلاثة لأَن غيرهم لم يكونوا معه فمن معك المجموع لا الجميع والبركات والسلام فى ظاهر الآية على نوح ومن يتولد من أَولاده مؤمنا، وَأَما أَولاده ومن معهم فى السفينة فبالبركات والسلام لهم ضمنا إِذ كانوا مع نوح فى الإِسلام والسفينة ومن متعلق بمحذوف أَى متولدة ممن معك، فمن للابتداءِ أَو المراد أُمم من ذرية معك أَو للبيان أَى أُمم هم من معك فتكون البركات والسلام على من معه فى السفينة من بنى آدم، وسماهم أُمماً لأنهم من قبائِل أَو لتشعب الأُمم من مجموعه، وروى أَن جميع من فى السفينة من بنى آدم هم من صلبه ومن صلب ذريته وأَنه لا يختص النسل بعد بأَولاده الثلاثة، وهو غير مشهور مع أَنه نسب لأَكثر المفسرين فيتحصل أَن من معه ولدوا وتناسلوا، وكذا من لم ينله الغرق فى أَى موضع، وعلى كل حال جميع من فى الدنيا من نسل نوح أَو من نسله ونسل غيره على ما مر، وقد سمى آدم الأَصغر وآدم الثانى لذلك، وبينه وبين آدم ألف سنة وثمانية أَجداد {وَأُمَمٌ} كثيرة عظيمة {سَنُمَتِّعُهُمْ} خبر أُمم أَو نعته على أَن يكون أُمم خبرا لمحذوف تقديره ومن معك أُمم نمتعهم فى الدنيا، وقدر بعض ومنهم أُمم بمعنى أَنه يتشعب منهم من يكفر، وقدر بعض وأُمم منهم سنمتعهم على أَن الخبر سنمتعهم ومنهم نعت، وعطف بعضهم أُمم على ضمير اهبط ويرده أَن من فى الفلك مؤْمنون، اللهم إِلا أَن يقال يكفر بعض بعد الهبوط وهو بعيد، وخلاف الظاهر وهو عام للأُمم الأَشقياءِ. وقيل: المراد قوم هود وقوم صالح وقوم شعيب، والعموم أَولى لعدم داع إِلى التخصيص، ثم إِذا صير إِلى التخصيص فلم لا يذكر فرعون ومن معه مع أَنه فى القرآن صريح، وأَما قوم نمرود معه فلم يذكر هلاكهم فى القرآن، وعمم بعض حتى قال شمول الآية أُمم من الحيوانات التى معكم {ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى الآخرة لكفرهم أَو فى الدنيا، قيل الآخرة، كما ذكر الله هلاك تلك الأُمم بالعذاب الدنيوى. {تِلْكَ} القصة، وهى قصة نوح المشتملة عليها هذه الآيات، وقيل الإِشارة إِلى آيات القرآن المخبرة بالغيوب أَو غيب قصة نوح وهو مبتدأٌ خبره قوله {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} أَخبار الخفاءِ أَو أَخبار الأُمور الغائِبة، ومن للتبعيض، وقيل غيب من غير أَهل الكتاب، كما قال {ما كنت تعلمها} {نُوحِيها إِلَيْكَ} خبر ثان وضمير النصب لتلك فالموحى هنا قصة نوح أَو حال من الأَنباءِ فضمير النصب للأَنباءِ، فالموحى هنا مطلق الأَنباءِ لا خصوص قصة نوح أَو هو الخبر، ومن أَنباء حال من ضمير النصب أَو متعلق بنوحى ومن للابتداءِ أَى نوردها من أَخبار الغيب وقوله {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} خبر ثالث أَو ثان، الضمير لقصة نوح أَو حال من ضمير النصب أَو من كاف إِليك، وهذا إِشارة إِلى الإِيمان أَو إِلى المنزل فى شأْنها. والمعنى واحد، لا علم لك ولقومك، ولست ممن يخالط من يعلمها وهم مع كثرتهم لم يعلموها فكيف أَنت لولا الوحى، وقيل الإِشارة إِلى العلم، وقيل إِلى القرآن، وقيل إِلى العلم بالوحى {فَاصْبِرْ} على أَذى قومك فى التبليغ كما صبر نوح على أذى قومه على التبليغ {إِنَّ الْعَاقِبَةَ} المحمودة وهى الظفر فى الدنيا والفوز فى الآخرة {لِلْمُتَّقِينَ} للشرك والكبائِر، فالمراد الدرجة الأُولى من التقوى فيدخل ما بعدها بالأَولى، وقيل الدرجة الثالثة على أَن المراد عدم الحصر فيها والجملة تعليل لا صبر.

الالوسي

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} الخ وهو من الحسن بمكان، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لظهور أن القائل هو الله تعالى، وقيل: القائل الملائكة عليهم السلام والهبوط النزول قيل: أي انزل من الفلك، وقيل: من الجبل إلى الأرض وذلك أنه روي أن السفينة استوت على الجودي في عاشر ذي الحجة فأقام بمن معه هناك / شهراً، ثم قيل له: اهبط فهبط بأرض الموصل وبنى قرب الجبل قرية يقال لها: قرية الثمانين عدد من في السفينة، وفي رواية عن ابن عباس أنه بنى كل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين. وأخرج ابن مردويه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لما استقرت السفينة على الجودي لبث نوح عليه السلام ما شاء الله تعالى، ثم إنه أذن له بالهبوط فهبط على الجبل فدعا الغراب فقال: ائتني بخبر الأرض، فانحدر إلى الأرض وفيها الغرقى من قوم نوح فوقع على جيفة منهم فأبطأ عليه فلعنه، ودعا الحمامة فوقفت على كفه فقال: اهبطي فأتني بخبر الأرض فانحدرت فلم تلبث قليلاً حتى جاءت تنفض ريشها بمنقارها فقالت: اهبط فقد أنبتت الأرض فقال نوح: بارك الله تعالى فيك وفي بيت يأويك وحببك إلى الناس ولولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله سبحانه أن يجعل رأسك من الذهب، والظاهر عندي أن الهبوط من الجودي الذي استقرت عليه السفينة إلى الأرض، وليس في الكلام ما يستدعي أن يكون بعد الاستقرار بلا مهلة ليقال: إن ما تحت الجبل مغمور إذ ذاك بالماء، والتعبير بالهبوط على هذا في غاية الظهور، ولعل ذلك على أن يكون المراد من السفينة لمكان الركوب، وخبر الحمامة. والغراب قد طار في الآفاق وأولع به القصاصون، والله تعالى أعلم بصحته، وغالب الظن أنه لم يصح، وكذا اشتهر خبر قرية الثمانين في أرض الموصل وأنها لما ضاقت عليهم تحولوا إلى باب فبنوها. وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار أنه قال: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل. وقرىء {ٱهْبِطْ} بضم الباء. {بِسَلَـٰمٍ} أي ملتبساً بسلامة مما تكره كائنة {مِنَّا} أي من جهتنا، ويجوز أن يكون السلام بمعنى التسليم والتحية أي مسلماً عليك من جهتنا {وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ} أي خيرات نامية في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق، أو مباركاً عليك أي مدعواً لك بالبركة بأن يقال: بارك الله تعالى فيك وهو مناسب لكون السلام بمعنى التسليم فيكون كقوله: السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، ((وأصل البَرْكِ ـ كما قال الراغب ـ صدرُ البعير يقال: برك البعير إذا ألقى ركبه، واعتبر منه [معنى] اللزوم ولذا سمي محبس الماء بركة، والبركة ثبوت الخير الإلۤهي في الشيء سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة. ولما كان الخير الإلۤهي يصدر على وجه لا يحس ولا يحصى قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة، ولما في ذلك من الإشعار باللزوم وكونه غير محسوس اختص تبارك بالاستعمال في الله تبارك وتعالى)) كما قيل، وفي «الكشف» كل شيء ثبت وأقام فقد برك وأخذ بروك البعير منه، ثم البرك بمعنى الصدر من الثاني لأنه آلة بروكه أظهر، وحكى عبد العزيز بن يحيى عن الكسائي أنه قرأ ـ وبركة ـ بالتوحيد، وفي الآية على القراءتين صنعة الاحتباك لأنه حذف من الثاني ما ذكر في الأول، وذكر فيه ما حذف من الأول، والتقدير سلام منا عليك وبركات، أو وبركة منا عليك، وهذا منه تعالى إعلام وبشارة بقبول توبته عليه السلام وخلاصة من الخسران مع الإشارة إلى عود الأرض إلى حالها من الإنبات وغيره. {وَعَلَىٰ أُمَمٍ} ناشئة {مّمَّن مَّعَكَ} متشعبة منهم ـ فمن ـ ابتدائية، والمراد الأمم المؤمنة المتناسلة ممن معه إلى يوم القيامة، والمراد ممن معه أولاده من إطلاق العام وإرادة الخاص بناءً على ما قيل: إنه لم يعقب غيرهم، فالناس كلهم على هذا من نسل نوح عليه السلام؛ ومن هنا سمي عليه السلام آدم الثاني وآدم الأصغر، واستدل لذلك بقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ / هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ }تفسير : [الصافات: 77] وقد يقال ببقاء ـ من ـ على عمومه بناءاً على ما عليه أكثر المفسرين من عدم اختصاص النسل بأولاده عليه السلام بل لمن معه نسل باق أيضاً، والكلام في استدلال الأولين سيأتي إن شاء الله تعالى. وقوله سبحانه: {وَأُمَمٌ} بالرفع وهو على ما ذهب إليه الزمخشري مبتدأ، وجملة قوله تعالى: {سَنُمَتّعُهُمْ} صفته، والخبر محذوف أي ومنهم أمم، وساغ ذلك لدلالة ما سبق عليه فإن إيراد الأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم نكرة يدل على أن بعض من يتشعب منهم ليسوا على صفتهم، والمعنى ليس جميع من يتشعب منهم مشاركاً له في السلام والبركات بل منهم أمم يمتعون في الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ} فيها أو في الآخرة أو فيهما {مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجوز أبو حيان أن يكون {أُمَمٌ} مبتدأ محذوف الصفة وهي المسوغة للابتداء بالنكرة، والتقدير وأمم منهم، وجملة {سَنُمَتّعُهُمْ} هو الخبر كما قالوا: السمن منوان بدرهم، وأن يكون مبتدأ ولا يقدر له صفة والخبر أيضاً {سَنُمَتّعُهُمْ} ومسوغ الابتداء كون المكان مكان تفصيل فكان مثل قول الشاعر:شعر : إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحول تفسير : وقول القرطبـي: ((إنه ارتفع {أُمَمٌ} على معنى ويكون أمم)) إن أراد به تفسير معنى فحسن وإن أراد الإعراب فليس بجيد لأن هذا ليس من مواضع إضمار يكون، وقال الأخفش: هذا كما تقول: كلمت زيداً وعمرو جالس يحتمل أن يكون من باب العطف، ويحتمل أن يكون الواو للحال وتكون الجملة هنا حالاً مقدرة لأن وقت الأمر بالهبوط لم تكن تلك الأمم موجودة. وقال أبو البقاء: إن {أُمَمٌ} معطوف على الضمير في {ٱهْبِطْ} والتقدير اهبط أنت وأمم وكان الفصل بينهما مغنياً عن التأكيد، و {سَنُمَتّعُهُمْ} نعت لأمم، وفيه إن الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة كلهم مؤمنون لقوله تعالى: {أية : وَمَنْ آمَنَ }تفسير : [هود: 40] ولم يكونوا قسمين كفاراً ومؤمنين ليؤمر الكفار بالهبوط معه اللهم إلا أن يلتزم أن من أولئك المؤمنين من علم الله سبحانه أنه يكفر بعد الهبوط فأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها وفيه بعد. وجوز أن تكون ـ من ـ في {مّمَّن مَّعَكَ} بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك، وسموا أمماً لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم فهم أمم مجازاً فحينئذٍ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله سبحانه: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة. وفي «الكشاف» إن الوجه هو الأول قيل: ليقابل قوله تعالى: {وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ} ولأنه أشمل ولأن ـ من ـ الابتدائية لا سيما في المنكر أكثر وللنكتة في إدخال الناشئين في المسلم عليهم، وقطع الممتعين عنهم من الدلالة على ما صرح به في قوله سبحانه: {أية : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ} تفسير : [هود: 46] ولهذه النكتة حذف منهم في الثاني، واكتفى بسلام نوح عليه السلام عن سلام مؤمني قومه لأن النبـي زعيم أمته وكفاهم هذا التعظيم والاتحاد معه عليه السلام، فلا يرد أن الحمل على البيانية أرجح لئلا يلزم أن لا يكون مسلماً عليهم على أن لفظ الأمم في الإطلاق على من معه بأحد الاعتبارين لا فخامة فيه لأن تسمية الجماعة القليلة بالأمة لا يناسب فكيف بالأمم، ولا مبالغة في هذا المقام فيه فلا يعدل عن الحقيقة، وإن جعل من باب {أية : إِنَّ إِبْرٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً }تفسير : [النحل: 120] لم يلائم تفخيم نوح عليه السلام، وقد ذكر أنه يبقى على البيانية أمر الأمم المؤمنة الناشئة من الذين معه عليه السلام مبهماً غير متعرض له ولا مدلول عليه إلا أن يقال: حيث كان المراد بمن معك المؤمنين يعلم أن المشاركين لهم في وصف الإيمان مثلهم / فيما تقدم، نعم قيل: إن في دلالة المذكور على الخبر المحذوف على ذلك الوجه خفاءاً لأن (مَن) المذكورة بيانية، والمحذوفة تبعيضية أو ابتدائية، وربما يجاب عنه أيضاً بإلزام أن لا حذف أصلاً كما هو أحد الأوجه التي ذكرناها آنفاً فتدبر جميع ما ذكر. والمأثور عدم تخصيص الأمم في الموضعين بمؤمنين معينين وكافرين كذلك، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد القرظي قال: دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ودخل في ذلك المتاع والعذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أنه قال في الآية ما زال الله تعالى يأخذ لنا بسهمنا وحظنا ويذكرنا من حيث لا نذكر أنفسنا كلما هلكت أمة خلقنا في أصلاب من ينجو بلطفه حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس، وقيل: المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام، وبالعذاب ما نزل بهم، وبالغ بعضهم في عموم الأمم في الأول فجعلها شاملة لسائر الحيوانات التي كانت معه عليه السلام فإن الله تعالى جعل فيها البركة وليس بشيء كما لا يخفى. وهٰهنا لطيفة وهي أنه قد تكرر في هذه الآية حرف واحد مرات مع غاية الخفة ولم تتكرر الراء مثله في قوله: شعر : وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر تفسير : ومع ما ترى فيه من غاية الثقل وعسر النطق، ولله تعالى شأن التنزيل ما أكثر لطائفه.

ابن عاشور

تفسير : فصلت الجملة ولم تعطف لوقوعها في سياق المحاورة بين نوح - عليه السّلام - وربّه، فإنّ نوحاً - عليه السّلام - لما أجاب بقوله: {أية : ربّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم}تفسير : [هود: 47] إلى آخره خاطبه ربه إتماماً للمحاورة بما يسكّن جأشهُ. وكان مقتضى الظاهر أن يقول: قال يا نوح اهبط، ولكنه عدل عنه إلى بناء الفعل للنائب ليجيء على وتيرة حكاية أجزاء القصة المتقدمة من قوله: {أية : وقيل يا أرض ابلعي... وقيل بعداً للقوم الظالمين}تفسير : [هود: 44] فحصل بذلك البناء قضاء حق الإشارة إلى جزء القصة، كما حصل بالفصل قضاء حق الإشارة إلى أن ذلك القول جزء المحاورة. ونداء نوح - عليه السّلام - للتنويه به بين الملأ. والهبوط: النزول. وتقدم في قوله: {أية : اهبطوا مصراً}تفسير : في سورة [البقرة: 61]. والمراد: النزول من السفينة لأنّها كانت أعلى من الأرض. والسّلام: التحيّة، وهو مما يخاطب بها عند الوداع أيضاً، يقولون: اذهب بسلام، ومنه قول لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسْم السلام عليكما تفسير : وخطابه بالسلام حينئذٍ إيماء إلى أنه كان في ضيافة الله تعالى لأنه كان كافلاً له النجاة، كما قال تعالى: {أية : وحملناه على ذَات ألواحٍ ودُسرٍ تجري بأعيننا}تفسير : [القمر: 13، 14]. وأصْل السّلام: السّلامة، فاستعمل عند اللقاء إيذاناً بتأمين المرء ملاقيه وأنّه لا يضمر له سوءاً، ثم شاع فصار قولاً عند اللقاء للإكرام. وبذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الذين قالوا: السّلام على الله، فقوله هنا: {اهبط بسلام} نظير قوله: {أية : ادخلوها بسلام آمنين}تفسير : [الحجر: 46] فإن السلام ظاهر في التحية لتقييده بـ(آمنين). ولو كان السّلام مراداً به السلامة لكان التقييد ب-(آمنين) توكيداً وهو خلاف الأصل. و{منا} تأكيد لتوجيه السّلام إليه لأنّ (من) ابتدائية، فالمعنى: بسلام ناشىء من عندنا، كقوله: {أية : سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ}تفسير : [يس: 58]. وذلك كثير في كلامهم. وهذا التأكيد يراد به زيادة الصلة والإكرام فهو أشدُّ مبالغة من الذي لا تذكر معه (من). والباء للمصاحبة، أي اهبط مصحوباً بسلام منّا. ومصاحبة السّلام الذي هو التّحية مصاحبة مجازية. والبركات: الخيرات النامية، واحدتها بركة، وهي من كلمات التحية مستعملة في الدعاء. ولما كان الداعون بلفظ التحيّة إنما يسألون الله بدعاء بعضهم لبعض فصدور هذا الدعاء من لدنه قائم مقام إجابة الدعاء فهو إفاضة بركات على نوح - عليه السّلام - ومن معه، فحصل بذلك تكريمهم وتأمينهم والإنعام عليهم. و(عليك) يتعلق (بسلام) و(بركات) وكذلك {وعلى أُمم ممن معك}. والأمم: جمع أمة. والأمة: الجماعة الكثيرة من الناس التي يَجمعها نسب إلى جدّ واحد. يقال: أمّة العرب، أو لغةٌ مثل أمة الترك، أو موطن مثل أمة أمريكا، أو دين مثل الأمة الإسلامية، فـ{أمم} دال على عدد كثير من الأمم يكون بعد نوح - عليه السّلام -. وليس الذين ركبوا في السفينة أمماً لقلة عددهم لقوله: {أية : وما آمن معه إلاّ قليل}تفسير : [هود: 40]. وتنكير {أمم} لأنّه لم يقصد به التعميم تمهيداً لقوله: {وأمم سنمتعهم}. و(مِن) في {ممّن معك} ابتدائية، و(مَن) الموصولة صادقة على الذين ركبوا مع نوح - عليه السّلام - في السفينة. ومنهم ابناؤه الثلاثة. فالكلام بشارة لنوح - عليه السّلام - ومن معه بأن الله يجعل منهم أمماً كثيرة يكونون محلّ كرامته وبركاته. وفيه إيذان بأن يجعل منهم أمماً بخلاف ذلك، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله: {وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم}. وهذا النظم يقتضي أن الله بدأ نوحاً بالسلام والبركات وشرّك معه فيهما أمماً ناشئين ممن هم معه، وفيهم الناشئون من نوح - عليه السلام - لأن في جملة من معه أبناءه الثلاثة الذين انحصر فيهم نسله من بعده. فتعين أن الذين معه يشملهم السلام والبركات بادىء بدء قبل نسلهم إذ عُنون عنهم بوصف معية نوح - عليه السّلام - تنبيهاً على سبب كرامتهم. وإذ كان التنويه بالناشئين عنهم إيماء إلى أن اختصاصهم بالكرامة لأجل كونهم ناشئين عن فئة مكرمة بمصاحبة نوح - عليه السّلام -، فحصل تنويه نوح - عليه السّلام - وصحبته ونسلهم بطريق إيجاز بديع. وجملة {وأمم سنمتعهم} إلخ، عطف على جملة {اهبط بسلام منا} إلى آخرها، وهي استئناف بياني لأنّها تبيين لما أفاده التنكير في قوله: {وعلى أمم ممن معك} من الاحتراز عن أمم آخرين. وهذه الواو تسمى استينافية وأصلها الواو العاطفة وبعضهم يرجعها إلى الواو الزائدة، ويجوز أن تكون الواو للتقسيم، والمقصود: تحذير قوم نوح من اتباع سبيل الذين أغرقوا، والمقصود من حكاية ذلك في القرآن التعريض بالمشركين من العرب فإنهم من ذريّة نوح ولم يتبعوا سبيل جدّهم، فأشعروا بأنّهم من الأمم التي أنبأ الله نوحاً بأنه سيمتعهم ثم يمسهم عذاب أليم. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً}تفسير : [الإسراء: 3] أي وكان المتحدث عنهم غير شاكرين للنعمة. وإطلاق المس على الإصابة القوية تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وإن يمسسك الله بضرّ فلا كاشف له إلاّ هو}تفسير : في [الأنعام: 17]. وذكر {منا} مع {يمسهم} لمقابلة قوله في ضدّه {بسلام منا} ليعلموا أنّ ما يصيب الأمة من الأحوال الزائدة على المعتاد في الخير والشر هو إعلام من الله بالرضى أو الغضب لئلا يحسبوا ذلك من سنة ترتب المسببّات العادية على أسبابها، إذ من حق الناس أن يتبصروا في الحوادث ويتوسّموا في جريان أحوالهم على مراد الله تعالى منهم ويعلموا أن الله يخاطبهم بدلالة الكائنات عند انقطاع خطابه إياهم على ألْسنة الرسل، فإنّ الرسل يبينون لهم طرق الدلالة ويكلون إليهم النظر في وضع المدلولات عند دلالاتها. ومثاله ما هنا فقد بيّن لهم على لسان نوح - عليه السّلام - أنّه يمتع أمماً ثم يمسهم عذاب أليم بما يصنعون.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰنُوحُ} {بِسَلاَمٍ} {وَبَركَاتٍ} (48) - وَلَمَّا غِيضَ المَاءُ، وَاسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلَى جَبَلِ الجُودِيِّ، أَمَرَ اللهُ تَعَالَى نُوحاً بِأَنْ يَهْبِطَ مِنَ السَفِينَةِ، مُمَتّعاً بِسَلامٍ وَتَحِيَّةٍ وَبَرَكَاتٍ عَلَى نُوحٍ، وَعَلَى الذِينَ مَعَهُ، فِي المَعَاشِ وَالأَرْزَاقِ، تَفِيضُ عَلَيْهِمْ، وَسَيَكُونُونَ أُمَماً مُخْتَلِفَةً مِنْ بَعْدِهِ، وَسَيَنَالُ بَرَكَةَ الإِيمَانِ بَعْضُهُمْ، وَسَيَكُونُ مِنْهُمْ آخَرُونَ سَيُمَتَّعُونَ فِي الدُّنيا بِالبَرَكَاتِ وَالأَرْزَاقِ لاَ يُصِيبُهُمْ لُطْفٌ مِنَ اللهِ وَلا رَحْمَةٌ، كَمَا يُصِيبُ المُؤْمِنينَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ سَيُضِلُّهُمْ، وَيُزَيِّنُ لَهُمْ الشِّرْكَ وَالظُّلْمَ وَالبَغْيَ، ثُمَّ يَمسُّهُمُ العَذَابُ الأَلِيمُ يَوْمَ القِيَامَةِ. بَرَكَاتٍ - خَيْرَاتٍ ثَابِتَةٍ وَنَامِيَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله الحق سبحانه: {ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ..} [يونس: 48]. يدل على أن نوحاً عليه السلام قد تلقَّى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كلٍّ زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل. وقول الحق سبحانه: {أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ..} [هود: 48]. تضمَّن أهل نوح عليه السلام ومَنْ آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب. أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرَّغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض. وقول الحق سبحانه: {ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ..} [هود: 48]. والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يَعُدْ هناك من الكافرين ما ينغِّص على نوح - عليه السلام - أمره، ولن يجد من يكدِّر عليه بالقول: {أية : جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ..}تفسير : [هود: 32]. ولن يجد مَنْ يتهمه بالافتراء. ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلَّغهم به نوح عن الله تعالى. وقول الحق سبحانه: {وَبَركَاتٍ ..} [هود: 48]. يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيراً. ويقال: "إن هذا الشيء مبارك" كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الطعام الجميع. إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدِّي ما يؤدِّيه الكثير، مع مظنَّة أنه لا يفي. وكان يجب أن تأتي هنا كلمة {وَبَركَاتٍ} لأن ما يحمله نوح - عليه السلام - من كلٍّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي. وقول الحق سبحانه: {.. وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48]. هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح - عليه السلام - هم الصفوة، وبمضيِّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماماً عن المنهج. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان ". تفسير : وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : تُعرض الفِتَن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواه ". تفسير : وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب. والحق سبحانه يتحدث في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلام وهم صفوة من المؤمنين، لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتِّعهم الله سبحانه وتعالى أيضاً بمتاع الدنيا، ولن يضنَّ عليهم، ولكن سَيَلحقُهم العذاب. فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثِّرين اثنين: المؤثر الأول: غفلته هو. المؤثر الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه. ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح عليه السلام "قوم عادٍ" الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هوداً عليه السلام، وكذلك "قوم ثمود" الذين أرسل إليهم أخاهم صالحاً عليه السلام، وقوم لوطٍ، وهؤلاء جميعاً رَانَتِ الغفلة على قلوبهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ} الآية، القائل هو الله تعالى لقوله: {مِّنَّا}. وسنمتعهم أمر عند نزوله بالهبوط من السفينة أو من الجبل مع أصحابه للانتشار في الأرض. والباء للحال أي مصحوباً بسلامة وأمن. {وَبَركَاتٍ} وهي الخيرات النامية في كل الجهات. والظاهر أن من لابتداء الغاية أي ناشئة من الذين معك وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر. ويجوز أن يكون وأمم مبتدأ محذوف الصفة وهي المسوغة لجواز الابتداء بالنكرة. والتقدير وأمم منهم، أي ممن معك، أي ناشئة معك. ويجوز أن يكون مبتدأ ولا تقدّر صفة والخبر سنمتعهم في التقديرين ومسوغ الابتداء كون المكان مكان تفصيل، ويدل على ان الممتعين تقع منهم معاصي فلذلك قال: ثم يمسهم منا عذاب أليم. {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} تلك: الإشارة إلى قصة نوح. وتلك: إشارة للبعيد لأن بين هذه القصة والرسول عليه السلام مُدَداً لا تحصى. ومن أنباء الغيب من: للتبعيض، وهو الذي تقادم عهده ولم يبق علمه إلا عند الله تعالى. و{نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} لتكون لك هداية وأسوة فيما لقيه غيرك من الأنبياء ولم يكن علمها عندك ولا عند قومك، وأعلمناهم بها لتكون لهم مثالاً وتحذيراً ان يجيئهم ويصيبهم إذا كذبوك ما أصاب أولئك ولِلَحْظِ هذا المعنى ظهرت فصاحة. قوله: فاصبر، أي فاصبر على أذاهم مجتهداً في التبليغ عن الله تعالى فالعاقبة لك كما كانت لنوح عليه السلام في هذه القصة. ومعنى ما كنت تعلمها أي مفصلة كما سردناها عليك وعلم الطوفان كان معلوماً عند العالم على سبيل الإِجمال. والجملة من قوله: ما كنت تعلمها في موضع الحال من مفعول نوحيها أو من مجرور إليك. {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} الآية، وإلى عاد معطوف على قوله: أرسلنا نوحاً، عطفت الواو المجرور على المجرور والمنصوب على المنصوب. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} قال الحسن: في جعلهم الإِلهية لغير الله تعالى.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 347 : 8 : 10 - سفين عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب في قوله {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} قال، دخل فيها كل مؤمن ومؤمنة الى يوم القيامة [الآية 48]. 358 : 9 : 11 - سفين عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال، دخل فيها كل كافر وكافرة وفاجر وفاجرة الى يوم القيامة. [الآية 48].