Verse. 1522 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

تِلْكَ مِنْ اَنْۢبَاۗءِ الْغَيْبِ نُوْحِيْہَاۗ اِلَيْكَ۝۰ۚ مَا كُنْتَ تَعْلَمُہَاۗ اَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ ھٰذَا۝۰ۭۛ فَاصْبِرْ۝۰ۭۛ اِنَّ الْعَاقِبَۃَ لِلْمُتَّقِيْنَ۝۴۹ۧ
Tilka min anbai alghaybi nooheeha ilayka ma kunta taAAlamuha anta wala qawmuka min qabli hatha faisbir inna alAAaqibata lilmuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» أي هذه الآيات المتضمنة قصة نوح «من أنباء الغيب» أخبار ما غاب عنك «نوحيها إليك» يا محمد «ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا» القرآن «فاصبر» على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح «إن العاقبة» المحمودة «للمتقين».

49

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال: {تِلْكَ } أي تلك الآيات التي ذكرناها، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله: {تِلْكَ } في محل الرفع على الابتداء، و {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ } الخبر و {نُوحِيهَا إِلَيْكَ } خبر ثان وما بعده أيضاً خبر ثالث. ثم قال تعالى: {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } والمعنى: أنك ما كنت تعرف هذه القصة، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضاً، ونظيره أن تقول لإنسان لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك. فإن قيل: أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم؟ قلنا: تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة، أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة. ثم قال: {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } والمعنى: يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه. فإن قال قائل: إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها ههنا مرة أخرى، فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه: ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال الفتح والظفر، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الفائدة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي تلك الأنباء، وفي موضع آخر «ذلك» أي ذلك النبأ والقصص من أنباء ما غاب عنك. {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} أي لتقف عليها. {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} أي كانوا غير عارفين بأمر الطوفان، والمجوس الآن ينكرونه. {مِن قَبْلِ هَـٰذَا} خبر أي مجهولة عندك وعند قومك. {فَٱصْبِرْ} على مشاق الرسالة وإذاية القوم كما صبر نوح. وقيل: أراد جهلهم بقصة ٱبن نوح وإن سمعوا أمر الطوفان (فإنه) على الجملة. «فَٱصْبِرْ» أي ٱصبر يا محمد على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته، وما تلقى من أذى العرب الكفار، كما صبر نوح على (أذى) قومه. {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} في الدنيا بالظَّفر، وفي الآخرة بالفوز.{لِلْمُتَّقِينَ} عن الشرك والمعاصي.

البيضاوي

تفسير : {تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها: {مِنْ أَنبَاء ٱلْغَيْبِ} أي بعضها. {نُوحِيهَا إِلَيْكَ} خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك، أو حال من الـ {أَنْبَاء} أو هو الخبر و {مِنْ أَنْبَاء} متعلق به أو حال من الهاء في {نُوحِيهَا}. {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا } خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك من قبل ايحائنا إليك، أو حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في {إِلَيْكَ} أي: جاهلاً أنت وقومك بها، وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوها فكيف بواحد منهم. {فَٱصْبِرْ} على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح. {إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ} في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز. {لّلْمُتَّقِينَ} عن الشرك والمعاصي.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم هذه القصة وأشباهها {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ} يعني: من أخبارالغيوب السالفة، نوحيها إليك على وجهها، كأنك شاهدها، نوحيها إليك، أي: نعلمك بها وحياً منا إليك {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يكذبك؛ إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح؛ كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك، فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك، وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة؛ كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [غافر: 51] الآية، وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } تفسير : [الصافات:171-172] الآية، وقال تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } أي هذه الآيات المتضمنة قصة نوح {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ } أخبار ما غاب عنك {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ } يا محمد {مَا كُنتَ تَعْلَمُهآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا } القرآن {فَٱصْبِرْ } على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح {إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ } المحمودة {لِّلْمُتَّقِينَ }.

النسفي

تفسير : {تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام ومحلها الرفع على الابتداء والجمل بعدها وهي {مِنْ أَنْبَاء ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } أخبار أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك مجهولة عندك وعند قومك {مّن قَبْلِ هَـٰذَا } الوقت أو من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها {فَٱصْبِرْ } على تبليغ الرسالة وأذى قومك كما صبر نوح، وتوقع في العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح وقومه {إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ } في الفوز والنصر والغلبة {لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك. {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ } واحداً منهم، وانتصابه للعطف على {أرسلنا نوحاً} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم {هُودًا } عطف بيان {قَالَ يَـا قََوْم ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحدوه {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } بالرفع: نافع صفة على محل الجار والمجرور، وبالجر: عليّ على اللفظ {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء {يٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى } ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول لأن شأنهم النصيحة والنصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها أجراً إلا من الله وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {تِلْكَ } إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيِّنٍ. وقوله عز وجل: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا...} الآية: عَطْفٌ على قوله: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [هود:25].

البقاعي

تفسير : ولما تمت هذه القصة علىالنحو الوافي ببيان اجتهاد نوح علبه السلام في إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار، وكانت مع ذلك دالة على علم تام واطلاع على دقائق لا سبيل إليها إلا من جهة الملك العلام، فهي على إزالة اللبس عن أمره صلى الله عليه وسلم أوضح من الشمس، قال تعالى منبهاً على ذلك: {تلك} أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة الأمر البعيدة عن طوق المعارض، العلية الرتب عن يد المتناول {من أنباء الغيب} أي أخباره العظيمة، ثم أشار إلى أنه لا يزال يجدد له أمثالها بالمضارع في قوله: {نوحيها إليك} فكأنه قيل: إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها، فأشار إلى أن ذلك مجموعة غيب وبما يعلمونه غيب نسبي بقوله: {ما كنت تعلمها} أي على هذا التفصيل {أنت} ولما كان خفاءها عن قومه دليلاً على خفائها عنه لأنه لم يخالط غيرهم قال: {ولا قومك} أي وإن كانوا أهل قوة في القيام على ما يحاولونه وعدداً كثيراً، ومنهم من يكتب ويخالط العلماء. ولما كان زمان خفاء ذلك عنهم - وإن كان عاماً لهم - بعض الزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل هذا} أي من إيحائي إليك حتى يطرق الوهم حينئذ أنك تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم كثيراً منها أهل الكتاب كما رأيت عن نص التوراة فبان أن لا عرض لقومك إلا العناد {فاصبر} على ذلك ولا تفتر عن الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت لنوح لأجل تقواه {إن العاقبة} أي آخر الأمر من الفوز والنصر والسعادة {للمتقين*} أي العريقين في مخافة الله في كل زمن، وقد تضمنت القصة البيان عما يوجبه حال أهل الخير والإيمان وأهل الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ عن الفريقين ليجتبي حال هؤلاء ويتقي حال أولئك لسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ولما تم من ذلك ما هو كفيل بغرض السورة، وختم بأن العاقبة دائماً للمتقين، أتبع بالدليل على ذلك من قصص الأنبياء مع الوفاء بما سيقت له قصة نوح - على جميعهم السلام - من الحث على المجاهرة بالإنذار فقال تعالى: {وإلى} أي ولقد ارسلنا إلى {عاد أخاهم} وبينه فقال: {هوداً} ولما تقدم أمر نوح مع قومه، استشرف السامع إلى معرفة ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أو لا؟ فاستأنف الجواب بقوله: {قال يا قوم} الذين هم أعز الناس لدي {اعبدوا الله} أي ذا الجلال والإكرام وحده؛ ثم صرح وعلل فقال: {ما لكم} وأغرق في النفي فقال: {من إله} أي معبود بحق {غيره} فدعا إلى أصل الدين كما هو دأب سائر النبين والمرسلين؛ ثم ختم ذلك بمواجهتهم بما يسوءهم من الحق وما ثناه عن ذلك رجاء ولا خوف فقال: {إن} أي ما {أنتم إلا مفترون*} أي متعمدون الكذب على الله في إشراككم به سبحانه لأن ما على التوحيد من أدلة العقل غير خاف على عاقل فكيف مع تنبيه النقل! وذلك مكذب لمن أشرك، أي فاحذروا عقوبة المفتري؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك غرض غير نصحهم بقوله موضع "إني ناصح لكم بهذا الأمر فلا يسوءكم مواجهتي لكم فيه بما تكرهون" {يا قوم} مكرراً لاستعطاف {لا أسألكم} أي في المستقبل كما لم أسالكم في الماضي {عليه} أي على هذا الإنذار {أجراً} أي فلست موضع تهمة {إن} أي ما؛ {أجري} ثم وصف من توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعليّ وجوب شكره فقال: {إلا على الذي فطرني} أي أبتدأ خلقي ولم يشاركه فيّ أحد فهو الغني المطلق لا أوجه رغبتي إلى غيره كما يجب على كل أحد لكونه فطرة. ولما كان الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلالة على أن صاحبه ملجأ إليه من جهة الله، وأنه لا نجاة إلا به إلى غير العقل، سبب عن قوله هذا الإنكار عليهم في قوله: {أفلا تعقلون*}. ولما دعاهم مشيراً إلى ترهيبهم مستدلاً على الصدق بنفي الغرض، رغبهم في إدامة الخوف مما مضى بقوله: {ويا قوم} ومن هم أعز الناس عليّ ولهم قدرة على ما طلب منهم {استغفروا ربكم} أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم. وأشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال: {ثم توبوا إليه} أي تسموا عالي هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار {يرسل السماء} أي الماء النازل منها أو السحاب بالماء {عليكم مدراراً} أي هاطلة بمطر غزير متتابع {ويزدكم قوة} أي عظيمة مجموعة {إلى قوتكم} ثم عطف على قوله {استغفروا} قوله: {ولا تتولوا} أي تكلفوا أنفسكم غير ما جبلت عليه من سلامة الانقياد فتبالغوا في الإعراض - بما أشار إليه إثبات التاء {مجرمين*} أي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم على الظنون الفاسدة عن خيرات الدنيا والآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه ‏ {‏تلك‏} ‏ يعني هذه ‏ {‏من أنباء‏} ‏ يعني أحاديث‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك‏} ‏ يعني العرب من قبل هذا القرآن‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ‏ {‏ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا‏}‏ أي من قبل القرآن، وما علم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه بما صنع نوح وقومه، لولا ما بيَّن الله عز وجل له في كتابه‏.

ابو السعود

تفسير : {تِلكَ} إشارةٌ إلى ما قُصّ من قصة نوحٍ عليه الصلاة والسلام إما لكونها بتقضّيها في حكم البعيدِ أو للدِلالة على بُعد منزلِتها، وهي مبتدأٌ خبرُه {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ} أي من جنسها، أي ليست من قبـيل سائرِ الأنباءِ بل هي نسيجُ وحدِها منفردةٌ عما عداها أو بعضِها {نُوحِيهَا إِلَيكَ} خبرٌ ثانٍ والضمير لها أي مُوحاةٌ إليك أو هو الخبرُ، ومن أنباء متعلِّقٌ به، فالتعبـير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة أو حال من أنباء الغيب أي مُوحاةً إليك {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ} خبرٌ آخرُ أي مجهولةٌ عندك وعند قومِك {مِنْ قَبْلِ هَذَا} أي من قبل إيحائِنا إليك وإخبارِك بها أو من قبل هذا العلمِ الذي كسبْتَه بالوحي أو من قبلِ هذا الوقتِ أو حالٌ من الهاء في نُوحيها، أو الكافِ في إليك، أي جاهلاً أنت وقومُك بها، وفي ذكر جهلِهم تنبـيهٌ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلّمْه، إذا لم يخالِطْ غيرَهم وأنهم مع كثرتهم لم يعلموه فكيف بواحد منهم {فَاصْبِر} متفرِّعٌ على الإيحاء أو العلمِ المستفادِ منه المدلولِ عليه بقوله: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومُك من قبل هذا} أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمْتَها بذلك فاصبِرْ على مشاقّ تبليغِ الرسالةِ وأذيَّةِ قومِك كما صبر نوحٌ على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولةِ، وهذا ناظرٌ إلى ما سبق من قوله تعالى: {أية : فلعلك تاركٌ بعضَ مايوحىٰ إليك} تفسير : [هود: 12] الخ {إن العاقبة} بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة {للمتقين} كما شاهدْتَه في نوحٍ عليه الصلاة والسلام وقومِه ولك فيه أسوةٌ حسنةٌ فهي تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليلٌ للأمر بالصبر فإن كونَ العاقبةِ الحميدةِ للمتقين وهو في أقصى درجاتِ التقوى والمؤمنون كلُّهم مّتقون مما يسليه عليه الصلاة والسلام ويهوِّن عليه الخطوبَ ويُذهب عنه ما عسى أن يعتريَه من ضيق صدرِه، وهذا على تقدير أن يرادَ بالتقوى الدرجةُ الأولى منه أعني التوقّي من العذاب المخلدِ بالتبرؤ من الشرك، وعليه قوله تعالى: {أية : وألزمَهم كلمةَ التقوى} تفسير : [الفتح: 26] ويجوز أن يراد الدرجةُ الثالثةُ وهو أن يتنزّه عما يشغل سِرَّه عن الحق ويتبتَّلَ إليه بشراشِره وهو التقوى الحقيقيُّ المطلوبُ بقوله تعالى: {أية : اتقوا الله حقَّ تقاتِه}تفسير : [آل عمران: 102] فإن التقوى بهذا المعنى منطوٍ على الصبر المذكورِ فكأنه قيل: فاصبر فإن العاقبةَ للصابرين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} [الآية: 49]. قال الجنيد رحمة الله عليه: كشف الله لكل نبى طرفًا من الغيب وكشف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنباء الغيب، وهو الغاية من الكشف وكان مكشوفًا له من الغيب ما لا يجوز أن يكون مكشوفًا لأحدٍ من المخلوقين؛ وذلك لعظيم أمانته وجلالة قَدْرِهِ، إذ الأسرار لا تكشف إلا للأمناء، فمن كان أعظم أمانة كان أعظم كشفًا. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [الآية: 49]. قال النصرآباذى: نجاة العاقبة لمن وسم التقوى وحلى به، قال تعالى: {فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [الآية: 49].

القشيري

تفسير : أعلمناكَ بهذه الجملة، وأنبأناك بهذه القصص لما خصصناك من غير أن تتعلَمه من شخص، أو من قراءةِ كتاب؛ فإِنْ قابَلَكَ قومك بالتكذيب فاصبِرْ، فَعَنْ قريبٍ تنقلب هذه الأمور.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} اشارة الى قصة نوح عليه السلام ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها قوله {من انباء الغيب} اى بعض اخباره فانه لتقادم عهده لم يبق علمه الا عند الله تعالى {نوحيها} اى تلك القصة بواسطة جبريل خبر ثان {اليك} ليكون لك هداية واسوة فيما لقيه غيرك من الانبياء عليهم السلام {ما كنت تعلمها انت ولا قومك} خبر آخر اى مجهولة عندك وعند قومك {من قبل هذا} اى من قبل ايحائنا اليك واخبارنا بها. وفى ذكر جهلهم تنبيه على انه عليه السلام لم يتعلمه اذ لم يخالط غيرهم وانهم مع كثرتهم لم يسمعوه فكيف يؤخذ منهم. قال سعدى المفتى اعلمناهم بها ليكون لهم مثالا وتحذيرا ان يصيبهم اذا كذبوك ما اصاب اولئك {فاصبر} متفرع على الايحاء اى واذ قد اوحيناها. وفى تفسير ابى الليث يعنى ان لم يصدقوك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة واذية قومك وتكذيبهم كما صبر نوح فى هذه المدة المتطاولة {ان العاقبة} اى آخر الامر بالظفر فى الدنيا وبالفوز فى الآخرة {للمتقين} اى المؤمنين الموحدين الصابرين كما شاهدته فى نوح وقومه ولك فيه اسوة حسنة. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: قال الحافظ شعر : سروش عالم غيبم بشارتى خوش داد كه كس هميشة كرفتار غم نخواهد ماند تفسير : قال الكاشفى [بير طريقت فرمودكه صبر كليد همه بستكيها است وشكيبايى علاج همه خستكيها است نتيجه شكيبايى ظفراست وكار بى صبر ازهر روز بترست شعر : صبراست كليد كنج مقصود بى صبر درمراد نكشود كر صبر كنى مراد يابى وزباى در افتى از شتابى حديث : -روى- عن خباب بن الارت قال اتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو متوسد بردائه فى ظل الكعبة فشكونا اليه فقلنا يا رسول الله ألا تدعو الله لنا وتستنصرنا فجلس محمارا لونه ثم قال "ان من كان قبلكم ليؤتى بالرجل فيحفر له فى الارض حفرة فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه" تفسير : وفى الحديث "حديث : يؤتى يوم القيامة بانعم اهل الارض فيغمس فى النار غمسة فيخرج اسود محترقا فيقال له هل مر بك نعيم قط او كنت فيه فيقول لا لم ازل فى هذا البلاء منذ خلقنى الله تعالى ويؤتى باشد اهل الدنيا بلاء فينغمس فى الجنة غمسة" تفسير : يعنى يدخل فيها ساعة "حديث : فيخرج كأنه القمر ليلة البدر فيقال له هل مر بك شدة قط فيقول لا لم ازل فى هذا النعيم منذ خلقنى الله تعالى " تفسير : يقول الفقير هذا اذا صبر ولم يظفر ببغيته فى الدنيا مع ان من الظفر والنصر الموت على ما قاله بعض العلماء فى قوله تعالى {أية : ألا ان نصر الله قريب} تفسير : فان الميت اما مستريح او مستراح منه ولكن غالب العادة الالهية انزال النصر للعاجز ولقد شاهدت فى عصرى كثيرا من مواد هذا الباب. منها انى كنت فى الاسكوب من الديار الرومية انهى عن المنكر فلقبنى من القوم فى مدة ست سنين ما يضيق نطاق البيان عنه حتى آل الامر الى الهجرة من تلك البلدة فاخرجونى من بينهم فانقلب الابتلاء الى مقاساة شدائد الهجرة مع الاهل والاولاد حتى اذا دخلت مدينة بروسة باشارة حضرة الشيخ قدس سره ووجدت فيها الراحة العظمى استولى الكفار على البلاد الرومية واحرقوا الاسكوب وجعل الله من فيها من المستكبرين كأن لم يكن شيئا مذكورا. ومنها ان ابراهيم الوزير فى اواخر دولة السلطان محمد الرابع نفى حضرة شيخنا الاجل الذى جعله الله آية من آيات الدولة القمرية الى بلدة المعروفة بشمنى وكان حين النفى متمكنا فى القسطنطينية فلم يلبث حتى نفاه الله اى الوزير ثم قتل ثم لما آلت الوزارة الى مصطفى المعروف بابن كوبريلى فى دولة السلطان سليمان الثانى اخرج حضرة الشيخ ايضا لغرض فاسد الى جزيرة قبرص فما مضى سنة الا قتل الوزير وجعل عبرة للمعتبرين ومثلا للآخرين وكنت اتحزن فى امر حضرة الشيخ حين كان فى الجزيرة المذكورة فبينما انا فى تفكره يوما اذوردلى كتاب من جنابه مندرج فيه قوله تعالى {أية : ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون} تفسير : فصادف قتل الوزير وهو من كراماته العجيبة حفظه الله سبحانه ومتعنا بعلومه الالهية ووارداته الربانية

الطوسي

تفسير : الاشارة بقوله {تلك} إلى ما تقدم ذكره من اخبار نوح وقومه وما احل الله بهم من الاهلاك، والتقدير تلك الانباء من أنباء الغيب، ولو قال ذلك كان جائزاً، لأن المصادر يكنى عنها بالتأنيث تارة وبالتذكير أخرى يقولون: قدم فلان ففرحت بها وفرحت به أي بقدومه أو بقدمته. والغيب ما غاب عن النفس معرفته بطريق الستر له بخلاف السهو لأنه ذهاب المعنى عن النفس بحال ينافي الذكر. وقوله {نوحيها إليك} أي نوحي اليك تلك الاخبار. وقوله {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك} معناه إن هذه الاخبار التي أعلمناك اياها لم تكن تعلمها قبل وحينا اليك ولا قومك من العرب يعرفونها قبل إيحائنا اليك. وقوله {فاصبر إن العاقبة للمتقين} أمر للنبي صلى الله عليه وآله بأن يصبر على أذى قومه وجهلهم بموضعه كما صبر نوح مثل ذلك على قومه؛ وهو أحد الوجوه التي لأجلها كرر الله تعالى قصص الانبياء: في الاعراف، وهود، والشعراء، ليصبر النبي صلى الله عليه وآله على أذى قومه حالا بعد حال. وقوله {إن العاقبة للمتقين} اخبار منه تعالى بأن العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله وتحرز من عقابه.

الجنابذي

تفسير : {تِلْكَ} القصص {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} الحسنى فانّها غلبت فيها {لِلْمُتَّقِينَ} عن الجزع والتّسرّع الى الدّعاء.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ} أى قصة نوح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون الإشارة إلى هذه الآية المتضمنة قصة نوح {مِنْ} للتبعيض {أنْباءِ الغَيْب} أى من أخبار الغيب وهو خبر المبتدأ الذى هو تلك. {نوُحِيها إليْكَ} خبر ثان أو حال من أنباء، وها عائد إلى تلك، أو الخبر ومن أنباء حال من ها فى نوحيها، أو متعلق بنوحى فتكون للابتداء. {ما كُنتَ تَعْلمها أنتَ ولا قَومُك مِنْ قَبلِ هَذا} أى هذا الزمان، أو هذا القرآن، فإن كانوا علموها فما علموها بتفصيلها الذى فى الآية، وعلى كل حال ففى ذكر القوم إشارة إلى أنه إذا لم يعلموها، مع كثرتهم، وكثرة سفرهم، والتقائهم بأهل الكتاب والعجم، فكيف يعلمها محمد؟ فما علمها إلا بوحى من الله، والجملة خبر ثالث، أو ثان، أو حال من هاء فى نوحيها، أو من الكاف فى إليك. {فاصْبِرْ} على التبليغ وإذاء قومك كما صبر نوح {إنَّ العَاقِبةَ} الكاملة وهى فوز الدنيا والآخرة {للمتَّقينَ} عن الشرك والمعاصى، والجملة تعليل.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ} إشارة إلى قصة نوح عليه السلام وهي لتقضيها في حكم البعيد، ويحتمل أنه أشير بأداة البعد إلى بعد منزلتها، وقيل: إن الإشارة إلى آيات القرآن وليس بذاك؛ وهي في محل الرفع على الابتداء، وقوله سبحانه: {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ} أي بعض أخباره التي لها شأن وكونها بعض ذلك باعتبار أنها على التفصيل لم تبق لطول العهد معلومة لغيره تعالى حتى إن المجوس على ما قيل: ينكرونها رأساً، وقيل: إن كونها من الغيب لغير أهل الكتاب، وقد ذكر غير واحد أن الغيب قسمان: ما لا يتعلق به علم مخلوق أصلاً وهو الغيب المطلق، وما لا يتعلق به علم مخلوق معين وهو الغيب المضاف بالنسبة إلى ذلك المخلوق، وهو مراد الفقهاء في تكفير الحاكم على الغيب، وقوله سبحانه: {نُوحِيهَا} خبر ثان ـ لتلك ـ والضمير لها أي موحاة {إِلَيْكَ} أو هو الخبر، و {مِنْ أَنْبَآء} متعلق به، وفائدة تقديمه نفى أن يكون علم ذلك بكهانة أو تعلم من الغير، والتعبير بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية، أو {مِنْ أَنْبَآء} هو الخبر، و{هَـٰذَا} في موضع الحال من {أَنْبَآءِ} والمقصود من ذكر كونها موحاة إلجاء قومه صلى الله عليه وسلم للتصديق بنبوته عليه الصلاة والسلام وتحذيرهم مما نزل بالمكذبين. وقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك {مّن قَبْلِ هَـٰذَا} أي الإيحاء إليك المعلوم مما مر، وقيل: أي الوقت، وقيل: أي العلم المكتسب بالوحي. وفي مصحف ابن مسعود ـ من قبل هذا القرآن ـ ويحتمل أن يكون حالاً من الهاء في {نُوحِيهَا} أو الكاف من {إِلَيْكَ} أي غير عالم أنت ولا قومك بها، وذكر القوم معه صلى الله عليه وسلم من باب الترقي كما تقول: هذا الأمر لا يعلمه زيد ولا أهل بلده لأنهم مع كثرتهم إذا لم يعلموا ذلك فكيف يعلمه واحد منهم، وقد علم أنه لم يخالط غيرهم. {فَٱصْبِرْ} متفرع على الإيحاء أو على العلم المستفاد منه المدلول عليه بما تقدم {مّن قَبْلِ هَـٰذَا} أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمتها بذلك فاصبر على مشاق تبليغ الرسالة وأذية قومك كما صبر نوح عليه السلام على ما سمعته من أنواع / البلايا في هذه المدة المتطاولة، قيل: وهذا ناظر إلى ما سبق من قوله سبحانه: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ }تفسير : [هود: 12] الخ {إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ} بالظفر في الدنيا وبالفوز بالآخرة {لّلْمُتَّقِينَ} كما سمعت ذلك في نوح عليه السلام وقومه، قيل: وهو تعليل للأمر بالصبر وتسلية له صلى الله عليه وسلم، والمراد بالتقوى الدرجة الأولى منها، وجوز أن يراد بها الدرجة الثالثة وهي بذلك المعنى منطوية على الصبر فكأنه قيل: فاصبر فإن العاقبة للصابرين، وقيل: الآية فذلكة لما تقدم وبيان للحكمة في إيحاء ذلك من إرشاده صلى الله عليه وسلم وتهديد قومه المكذبين له والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} الخ لما كان مقتضى الطباع البشرية عدم نشاط المتكلم إذا لم يجد محلاً قابلاً لكلامه وضيق صدره من ذلك هيج جل شأنه نشاط نبيه صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه من هذه الآية الكريمة، وقال سبحانه: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} ولا يخلو الإنذار عن إحدى فائدتين: رفع الحجاب عمن وفق وإلزام الحجة لمن خذل {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء وَكِيلٌ }تفسير : [هود: 12] فكل الهداية إليه {مَن كَانَ يُرِيدُ} بعمله الذي هو بظاهره من أعمال الآخرة {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} كالجاه والمدح {نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} أي جزاءها {فِيْهَا} إن شئنا {أية : وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ }تفسير : [هود: 15] أي لا ينقصون شيئاً منها {أُوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} لتعذب قلوبهم بالحجب الدنيوية {أية : وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا }تفسير : [هود: 16] من أعمال البر فلم ينتفعوا بها، وجاء «حديث : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى»تفسير : الحديث {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} أي يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ} وهو القرآن المصدق لذلك، ومن هنا تؤيد الأدلة العقلية بالآيات النقلية القرآنية ويحكم بكون الكشف صحيحاً إذا شهدت له ووافقته، ولذا قالوا: كل كشف خالف ما جاء عن الله تعالى ليس بمعتبر {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} أي يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى عليه السلام في حالة كونه {إِمَاماً} يؤتم به في تحقيق المطالب {أية : وَرَحْمَةً }تفسير : [هود: 17] لمن يهتدي به، وهذا وجه في الآية ذكره بعضهم، وقد قدمنا ما فيها من الاحتمالات؛ وقد ذكروا أن المراد بيان بعدما بين مرتبتي من يريد الحياة الدنيا ومن هو على بينة من ربه. وللصوفية قدست أسرارهم عبارات شتى في البينة فقال رويم: هي الإشراف عن القلوب والحكم على الغيوب، وقال سيد الطائفة: هي حقيقة يؤيدها ظاهر العلم، وقيل: غير ذلك، وعن أبـي بكر بن طاهر أن من كان على بينة من ربه كانت جوارحه وقفاً على الطاعات والموافقات ولسانه مشغولاً بالذكر ونشر الآلاء والنعماء وقلبه منوراً بأنوار التوفيق وضياء التحقيق وسره وروحه مشاهدين للحق في جميع الأوقات وكان عالماً بما يبدو من مكنون الغيوب ورؤيته يقين لا شك فيه وحكمه على الخلق كحكم الحق لا ينطق إلا بالحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق به فأنى يرى سواه {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} تفسير : [هود: 18] الخ جعله بعضهم إشارة إلى المثبتين لغيره سبحانه وجوداً وهم أهل الكثرة والحجاب، وفسر الإشهاد بالموحدين الذين لا يشهدون في الدار غيره سبحانه دياراً. ومن الناس من عكس الأمر وجعلها رداً على أهل الوحدة القائلين: إن كل ما شاهدته بعينك أو تصورته بفكرك فهو الله سبحانه بمعنى كفر النصارى إيمان بالنسبة إليه وحاشا أهل الله تعالى من القول به على ما يشعر به ظاهره، ومنهم من جعلها مشيرة إلى حال من يزعم أنه ولي الله ويتزيا بزي السادات ويتكلم بكلماتهم وهو في الباطن أفسق من فرد وأجهل من حمار تومه {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلاْصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ} قيل: البصير من عاين ما يراد به وما يجري له وعليه في جميع أوقاته والسميع من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب في حال من الأحوال، وقيل: البصير الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئاً ولا يتعجب / من شيء والسميع من يسمع من الحق فيميز الإلهام من الوسواس، وقيل: البصير هو الذي يشهد أفعاله بعلم اليقين وصفاته بعين اليقين وذاته بحق اليقين فالغائبات له حضور والمستورات له كشف والسميع من يسمع من دواعي العلم شرعاً، ثم من خواطر التعريف قدراً، ثم يكاشف بخطاب من الحق سراً، وقيل السميع من لا يسمع إلا كلام حبيبه، والبصير من لا يشاهد إلا أنواره فهو في ضيائها ليلاً ونهاراً، وإلى هذا يشير قول قائلهم: شعر : ليلي من وجهك شمس الضحى وإنما السدفة في الجو الناس في الظلمة من ليلهم ونحن من وجهك في الضو تفسير : وفسر كل من ـ الأعمى والأصم ـ بضد ما فسر به البصير والسميع والمراد من قوله سبحانه: {أية : هَلْ يَسْتَوِيَانِ } تفسير : [هود: 24] أنهما لا يستويان لما بينهما من التقابل والتباعد إلى حيث لا تتراءى ناراهما، ثم إنه تعالى ذكر من قصة نوح عليه السلام مع قومه ما فيه إرشاد وتهديد وعظة ما عليها مزيد {فَقَالَ ٱلْمَلأ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} أي الأشراف المليؤون بأمور الدنيا الذين حجبوا بما هم فيه عن الحق {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} لكونهم واقفين عند حد العقل المشوب بالوهم فلا يرون لأحد طوراً وراء ما بلغوا إليه ولم يشعروا بمقام النبوة ومعناها {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْي} وصفوهم بذلك لفقرهم حيث كانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا ولم يعلموا أن الشرف بالكمال لا بالمال. {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} وتقدم يؤهلكم لما تدعونه {أية : بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ }تفسير : [هود: 27] فلا نبوة لك ولا علم لهم {قَالَ يَـاقَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّي} يجب عليكم الإذعان بها {وَآتَانِي رَحْمَةً} هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان {مّنْ عِندِهِ} فوق طور عقولكم من العلوم اللدنية ومقام النبوة {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ} لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن وبالخليقة عن الحقيقة {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} ونجبركم عليها {أية : وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ }تفسير : [هود: 28] لا تلتفتون إليها كأنه عليه السلام أراد أنه لا يكون إلزام ذلك مع الكراهة لكن إن شئتم تلقيه فزكوا أنفسكم واتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوا ذلك، وفيه إشارة إلى أن المنكر لا يمكن له الاستفاضة من أهل الله تعالى ولا يكاد ينتفع بهم ما دام منكراً ومن لم يعتقد لم ينتفع {وَيٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} أي ليس لي مطمح في شيء من أموالكم التي ظننتم أن الشرف بها {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} فهو يثيبني بما هو خير وأبقى {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ} أي إنهم أهل الزلفى عنده تعالى وهم حمائم أبراج الملكوت وبزاة معارج الجبروت {أية : وَلَـٰكِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ }تفسير : [هود: 29] تسفهون عليهم وتؤذونهم {وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} كما تريدون وهم بتلك المثابة {أية : أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [هود: 30] لتعرفوا التماس طردهم ضلال، وفيه إشارة إلى أن الإعراض عن فقراء المؤمنين مؤد إلى سخط رب العالمين. قال أبو عثمان في الآية: ما أنا بمعرض عمن أقبل على الله تعالى، فإن من أقبل على الله تعالى بالحقيقة أقبل الله تعالى عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله تعالى عليه فقد أعرض عن الله سبحانه {وَلآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} الخ أي أنا لا أدعي الفضل بكثرة المال ولا بالاطلاع على الغيب ولا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك وبمنافاة البشرية لما أنا عليه {وَلآ أَقُولُ لِلَّذِينَ} تنظرون إليهم بعين الحقارة {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا} كما تقولون أنتم إذ الخير عندي ما عند الله تعالى لا المال {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنفُسِهِمْ} من الخير مني ومنكم وهو أعلم بقدرهم / وخطرهم {إِنّيۤ إِذاً} أي إذ نفيت {أية : لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}تفسير : [هود: 31] مثلكم {وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} قيل: فيه إشارة إلى عين الجمع المشار إليه بخبر «حديث : لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»تفسير : الحديث. وقيل: أي كن في أعين رعايتنا وحفظنا ولا تكن في رؤية عملك والاعتماد عليه، فإن من نظر إلى غيري احتجب به عني، وقال بعضهم: أي أسقط عن نفسك تدبيرك واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك أو أحد من خلقي، وقيل: أي اصنع الفلك ولا تعتمد عليه فإنك بأعيننا رعاية وكلاءة فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت من أعيننا {أية : وَلاَ تُخَـٰطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ }تفسير : [هود: 37] فيه إشارة إلى رقة قلبه عليه السلام بعد احتمال جفوتهم وأذيتهم، وهكذا شأن الصديقين، والكلام في باقي الآية ظاهر، ولا يخفى أنه يجب الإيمان بظاهرها والتصديق بوقوع الطوفان حسبما قص الله سبحانه وإنكار ذلك كفر صريح، لكن ذكر بعض السادة أنه بعد الإيمان بذلك يمكن احتمال التأويل على أنه حظ الصوفي من الآية وذلك بأن يؤول الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو ومن آمن معه، والطوفان باستيلاء بحر الهيولى وإهلاك من لم يتجرد عنها بمتابعة نبـي وتزكية نفس كما جاء في مخاطبات إدريس عليه السلام لنفسه ما معناه إن هذه الدنيا بحر مملوء ماءاً فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك وإلا غرقت فيها وهلكت، وعلى هذا يقال: معنى {يَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} يتخذ شريعة من ألواح الأعمال الصالحة ودسر العلوم تنتظم بها الأعمال وتحكم {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ} كما هو المشاهد في أرباب الخلاعة الممطتين غارب الهوى يسخرون من المتشرعين المتقيدين بقيود الطاعة {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا} بجهلكم {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ} عند ظهور وخامة عاقبتكم {أية : كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود: 38] {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عند ذلك {مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} في الدنيا من حلول ما لا يلائم غرضه وشهوته {أية : وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}تفسير : [هود: 39] في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان وظهور هيئات الرذائل المظلمة {حَتَّىٰ إِذَا جَآء أَمْرُنَا} بإهلاك أمته {وَفَارَ ٱلنُّورُ} باستيلاء الأخلاط الفاسدة والرطوبات الفضلية على الحرارة الغريزية وقوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية، أو {أَمْرُنَا} بإهلاكهم المعنوي {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} باستيلاء ماء هوى الطبيعة على القلب وإغراقه في بحر الهيولى الجسماني {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ} أي من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما النوعية والصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص. ومعنى حملهما فيها علمه ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية فإن علمه جزء من السفينة المتركبة من العلم والعمل فمعلوميتهما محموليتهما وعالميته بهما حامليته إياهما فيها {وَأَهْلَكَ} ومن يتصل بك في سيرتك من أقاربك {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} أي الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره {أية : وَمَنْ آمَنَ }تفسير : [هود: 40] من أمتك {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} أي بسم الله تعالى الأعظم الذي هو وجود كل عارف كامل من أفراد نوع الإنسان إجراء أحكامها وترويجها في بحر العالم الجسماني وإثباتها وأحكامها كما ترى من إجراء كل شريعة وأحكامها بوجود الكامل ممن ينسب إليها {إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ} لهيآت نفوسكم البدنية المظلمة وذنوب ملابس الطبيعة المهلكة إياكم المغرقة في بحرها وذلك بمتابعة الشريعة {أية : رَّحِيمٌ} تفسير : [هود: 41] بإفاضة المواهب العلمية والكشفية والهيآت النورانية التي ينجيكم بها {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ} من بحر الطبيعة الجسمانية {كَٱلْجِبَالِ} الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج، وهذا الجريان يعرض للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك. / ولعل في الآية على هذا تغليباً {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ} المحجوب بالعقل المشوب بالوهم {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} لذلك الحجاب عن الدين والشريعة {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا} أي ادخل في ديننا {أية : وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [هود: 42] المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآء} أي سألتجىء إلى الدماغ وأستعصم بالعقل المشرق هناك ليحفظني من استيلاء بحر الهيولى فلا أغرق فيه {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} وهو الله الذي رحم أهل التوحيد وأفاض عليهم من شآبيب لطفه ما عرفوا به دينه الحق {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ} أي موج هوى النفس واستيلاء ماء بحر الطبيعة وحجب عن الحق {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }تفسير : [هود: 43] في بحر الهيولى الجسمانية، وقيل: من جهة الحق على لسان الشرع لأرض الطبيعة {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءكِ} وقفي على حد الاعتدال، ولسماء العقل المحجوبة بالعادة والحس المشوبة بالوهم المغيمة بغيم الهوى {وَيٰسَمَآء أَقْلِعِي} عن إمداد الأرض {وَغِيضَ ٱلْمَآء} أي ماء قوة الطبيعة الجسمانية ومدد الرطوبة الحاجبة لنور الحق المانعة للحياة الحقيقية {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} بإنجاء من نجا وإهلاك من هلك {وَٱسْتَوَتْ} أي سفينة شريعته {عَلَىٰ} وهو جبل وجود نوح {أية : ٱلْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [هود: 44] الذين عبدوا الهوى دون الحق ووضعوا الطبيعة مكان الشريعة {أية : وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ}تفسير : [هود: 45] الخ الكلام على هذا الطرز فيه ظاهر {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ} من محل الجمع وذروة مقام الولاية والاستغراق في التوحيد إلى مقام التفصيل وتشريع النبوة بالرجوع إلى الخلق ومشاهدة الكثرة في عين الوحدة غير معطل للمراتب {بِسَلَـٰمٍ مّنَّا} أي سلامة عن الاحتجاب بالكثرة {وَبَركَـٰتٍ} من تقنين قوانين الشرع {عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ} ناشئة {مّمَّن مَّعَكَ} على دينك إلى آخر الزمان {وَأُمَمٌ} أي وينشأ ممن معك أمم {سَنُمَتّعُهُمْ} في الدنيا {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا} في العقبـى {أية : عَذَابٌ أَلِيمٌ }تفسير : [هود: 48] بإحراقهم بنار الآثار وتعذيبهم بالهيآت المظلمة. هذا ثم ذكر أنه إذا شئت التطبيق على ما في الأنفس أولت نوحاً بروحك والفلك بكمالك العلمي والعملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى والتنور بتنور البدن وفورانه استيلاء الرطوبة الغريبة والأخلاط الفاسدة، وما أشار إليه {أية : مِن كُلّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [هود: 40] بجيوش القوى الحيوانية والطبيعية وطيور القوى الروحانية، وأولت ما جاء في القصة من البنين الثلاثة والزوجة بحام القلب وسام العقل النظري ويافث العقل العملي وزوجة النفس المطمئنة والابن الآخر الوهم والزوجة الأخرى الطبيعة الجسمانية التي يتولد منها الوهم والجبل بالدماغ واستواءها على الجودي وهبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان انتهى، ومن نظر بعين الإنصاف لم يعول إلا على ظاهر القصة وكان له به غنى عن هذا التأويل، واكتفى بما أشار إليه من أن النسب إذا لم يحط بالصلاح كان غريقاً في بحر العدم. شعر : فما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من بأهله تفسير : ومن أنه ينبغي للإنسان التحري بالدعاء وأن لا تشغله الشفقة عن ذلك إلى غير ما ذكر، والآية نص في كفر قوم نوح عليه السلام الذين أغرقهم الله تعالى، وفي «فصوص الحكم» للشيخ الأكبر قدس سره ما هو نص في إيمانهم ونجاتهم من العذاب يوم القيامة وذلك أمر لا نفهمه من كتاب ولا سنة وفوق كل ذي علم عليم والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : استئناف أريد منه الامتنان على النبي - صلى الله عليه وسلم - والموعظة والتسلية. فالامتنان من قوله: {ما كنت تعلمها}. والموعظة من قوله: {فاصبر} إلخ. والتّسلية من قوله: {إن العاقبة للمتقين}. والإشارة بـ{تلك} إلى ما تقدم من خبر نوح - عليه السّلام -، وتأنيث اسم الإشارة بتأويل أن المشار إليه القصة. والأنباء: جمع نَبأ، وهو الخبر. وأنباء الغيب الأخبار المغيبة عن الناس أو عن فريق منهم. فهذه الأنباء مغيبة بالنسبة إلى العرب كلهم لعدم علمهم بأكثر من مجملاتها، وهي أنه قد كان في الزمن الغابر نبيء يقال له: نوح - عليه السلام - أصاب قومَه طوفان، وما عدا ذلك فهو غيب كما أشار إليه قوله: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا}، فإنهم لم ينكروا ذلك ولم يدّعوا علمه. على أن فيها ما هو غيب بالنسبة إلى جميع الأمم مثل قصة ابن نوح الرابع وعصيانه أبَاه وإصابته بالغرق، ومثل كلام الرّب مع نوح - عليه السّلام - عند هبوطه من السفينة، ومثل سخرية قومه به وهو يصنع الفلك، وما دار بين نوح - عليه السّلام - وقومه من المحاورة، فإن ذلك كله مما لم يذكر في كتب أهل الكتاب. وجمل {من أنبَاء الغيب، ونوحيها، وما كنتَ تعلمها} أخبار عن اسم الإشارة، أو بعضها خبر وبعضها حال. وضمير {أنت} تصريح بالضمير المستتر في قوله: {تَعلمها} لتصحيح العطف عليه. وعطف {ولا قومك} من الترقي، لأن في قومه من خالط أهل الكتاب ومن كان يقرأ ويكتب ولا يعلم أحد منهم كثيراً مما أوحي إليه من هذه القصة. والإشارة بقوله: {مِن قبل هذا} إما إلى القرآن، وإما إلى الوقت باعتبار ما في هذه القصة من الزيادة على ما ذكر في أمثالها مما تقدم نزوله عليها، وإما إلى {تلك} بتأويل النبأ، فيكون التذكير بعد التأنيث شبيهاً بالالتفات. ووجه تفريع أمر الرسول بالصبر على هذه القصة أن فيها قياس حاله مع قومه على حال نوح - عليه السّلام - مع قومه، فكما صبر نوح - عليه السّلام - فكانت العاقبة له كذلك تكون العاقبة لك على قومك. وخبر نوح - عليه السّلام - مستفاد مما حكي من مقاومة قومه ومن ثباته على دعوتهم، لأن ذلك الثبات مع تلك المقاومة من مسمى الصبر. وجملة {إن العاقبة للمتقين} علة للصبر المأمور به، أي اصبر لأن داعي الصبر قائم وهو أن العاقبة الحسنة تكون للمتقين، فستكون لك وللمؤمنين معك. والعاقبة: الحالة التي تَعقب حالةً أخرى. وقد شاعت عند الإطلاق في حالة الخير كقوله: {أية : والعاقبة للتّقوى}تفسير : [طه: 132]. والتعريف في {العاقبة} للجنس. واللام في {للمتقين} للاختصاص والملك، فيقتضي ملك المتقين لجنس العاقبة الحسنة، فهي ثابتة لهم لا تفوتهم وهي منتفية عن أضدادهم.

الواحدي

تفسير : {تلك} القصَّة التي أخبرتك بها {من أنباء الغيب} أخبار ما غاب عنك وعن قومك {فاصبر} كما صبر نوح على أذى قومه {إنَّ العاقبة للمتقين} آخر الأمر بالظَّفر لك ولقومك، كما كان [لمؤمني] قوم نوحٍ، وقوله: {إن أنتم إلاَّ مفترون} ما أنتم إلاَّ كاذبون في إشراككم الأوثان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْعَاقِبَةَ} (49) - هذَا القَصَصُ الذِي قَصَصْنَاهُ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِ نُوحٍ وَقَومِهِ هُوَ مِنْ أَخْبَارِ الغَيْبِ السَّالِفَةِ، نُعْلِمُكَ بِهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَحْياً مِنَّا إِلَيكَ كَمَا وَقَعَتْ، وَكَأَنَّكَ شَاهِدُهَا، وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ، وَلَمْ يَكُنْ قَوْمُكَ يَعْلَمُونَهَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ يُكَذِّبُكَ مِنْهُمْ إِنَّكَ تَعَلَّمْتَها مِنْهُ، بَلْ أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا مُطَابِقَةً لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مُجْرَيَاتُها، كَمَا تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ السَّالِفِينَ قَبْلَكَ، فَاصْبِرْ عَلَى تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْ قَوْمِكَ، وَاصْبِرْ عَلى أَذَاهُمْ لَكَ، كَمَا صَبَرَ الرُّسُلُ قَبْلَكَ عَلَى أَذَى أَقْوَامِهِمْ، فَإِنَّنَا سَنَنْصُرُكَ، وَنَحُوطُكَ بِعِنَايَتِنَا، وَنَجْعَلُ العَاقِبَةَ لَكَ، بِالفَوْزِ وَالنَّجَاةِ لَكَ وَلأَتْبَاعِكَ المُتَّقِينَ، فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، كَمَا فَعَلْنَا بِالمُرْسَلِينَ السَّابِقِينَ إِذْ نَصَرْنَاهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {تِلْكَ} الذي ذكرت {مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} يا محمد {وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا} من قبل إخباري إياك {فَٱصْبِرْ} على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ} آخر الأمر بالسعادة والظفر والمغفرة {لِلْمُتَّقِينَ} كما كان لمؤمني قوم نوح وسائر الأمم. {وَإِلَىٰ عَادٍ} أي فأرسلنا إلى عاد {أَخَاهُمْ هُوداً} في النسب لا في الدين {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحّدوا الله وأكثروا العبادة في القرآن بمعنى التوحيد {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} ما أنتم في إشراككم معه الأوثان إلاّ كاذبون. {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على تبليغ الرسالة ولا أبتغي جعلا {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} والفطرة ابتداء الخلقة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وذلك أن الأمم قالت للرسل: ما تريدون إلاّ أن تأخذوا أموالنا فقالت الرسل لهم هذا. { وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي آمنوا به يغفر لكم، والإستغفار هنا بمعنى الإيمان {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} من عبادتكم غيره وسالف ذنوبكم، وقال الفرّاء: معناه وتوبوا إليه لأن التوبة استغفار والاستغفار توبة. {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} متتابعاً، وقال مقاتل بن حيان وخزيمة بن كيسان: غزيراً كثيراً. {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} شدّة مع شدّتكم، وذلك أن الله حبس عنهم القطر في سنين وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد. {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} ولا تدبروا مشركين {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} بيان وبرهان على ما تقول فنقر ونسلّم لك {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} أي بقولك، والعرب تضع الباء موضع عن، وعن موضع الباء. {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدّقين {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} يعني لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسبّ آلهتنا إلاّ أن بعض آلهتنا اعتراك وأصابك بسوء، بل جنون، وهذيان، هو الذي يحملك على ما تقول وتفعل، ولا نقول فيك إلاّ هذا ولا نحمل أمرك إلاّ على هذا، فقال لهم هود: {إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ} على نفسي {وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} فاحتالوا جميعاً في ضرّي ومكري أنتم وأوثانكم {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ}. قال الضحاك: يحييها ويميتها، قال الفرّاء: مالكها والقادر عليها، قال القتيبي: يقهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، قال ابن جرير: إنما خصّ الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنساناً بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلاّ بيد فلان أي إنه مطيع له يصرفه كيف شاء،وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا اطلاقه والمنّ عليه جزوا (ناصيته) ليغتروا بذلك فخراً عليه،فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم. {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يقول: إنّ ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بمعصيته ولا يظلم أحداً غيّاً ولا يقبل إلاّ الإسلام، والقول فيه إضمار أنيّ: إنّ ربي يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} أي قل يا محمد: فقد أبلغتكم {مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ} يوحّدونه ويعبدونه {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً} بتولّيكم وإعراضكم وإنما تضرون أنفسكم، وقيل: معناها لا تقدرون له على خير إن أراد أن يضلكم، وقرأ عبدالله: ولا يضره هلاككم إذا أهلككم ولا تنقصونه شيئاً، لأنه سواء عنده كنتم أو لم تكونوا. {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي لكل شيء حافظ، على بمعنى اللام، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابنا {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} وكانوا أربعة آلاف {بِرَحْمَةٍ} بنعمة {مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} وقيل: الريح، قيل: أراد بالعذاب الغليظ عذاب القيامة أي كما نجّيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجّيناهم في الآخرة من العذاب. {وَتِلْكَ عَادٌ} رده إلى القبيلة {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} يعني هوداً وحده لأنه لم يُرسل إليهم من الرسل سوى هود، ونظيره قوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}تفسير : [المؤمنون: 51] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولا واحداً فقد كذّب جميع الرسل. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} متكبّر لا يقبل الحق ولا يذعن له، قال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند والمعاند: المعارض لك بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي يفجر دماً فلا يرقى: عاند قال الراجز: شعر : إنّي كبيرٌ لا أطيقُ العندا تفسير : {وَأُتْبِعُواْ} ألحقوا وأردفوا {فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} يعني بعداً وعذاباً وهلاكاً {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وفي يوم القيامة أيضاً كذلك لعنوا في الدنيا والآخرة {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} أي بربهم، كما يقال: شكرته وشكرت له، وكفرته وكفرت به ونصحته ونصحت له، قيل بمعنى: كفروا نعمة ربهم. {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} البُعد بعدان: أحدهما البُعد ضد القرب، يقال: بعد يبعد بُعداً، والآخر بمعنى الهلاك ويقال منه: بَعد يَبعد بَعداً وبُعْداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة "تلك" إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، و"التاء" إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم معاصراً لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من قومه. وأنت يا رسول الله لم يُعلَم عنك أنك جلستَ إلى معلِّم، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب؛ ولذلك يأتي في القرآن: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ..}تفسير : [القصص: 44]. وجاء: {أية : .. وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 44]. إذن: فما دمتَ يا محمد لم تقرأ ولم تتعلَّم عن معلِّم فمَن علَّمك؟ إنما عَلَّمك الله سبحانه. وكأن الله سبحانه وتعالى علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح عليه السلام وأراد بها إلقاء الأسوة وإلقاء العبرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثق بأن كل رسول إنما يصنع حركته الإيمانية المنهجية بعين من الله، وأنه سبحانه لن يسلِّمه إلى خصومه ولا أعدائه. ولذلك يأتي القول الكريم: {فَٱصْبِرْ}؛ لأنك قد عرفت الآن نتيجة صبر نوح عليه السلام الذي استمر ألف سنة إلا خمسين، ويأتي بعدها قوله سبحانه: {.. إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]. تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح، ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يُرسل رسولاً إلا إذا عَمَّ الفساد. إذن: فقد حصلت الغفلة من بعد نوح، وانضمَّت لها أسوة الأبناء بالآباء فانطمس المنهج، وعزَّ على الموجودين أن يقيموه. والله سبحانه وتعالى لا يبعث برسلٍ جُدد إلا إذا لم يوجد في الأمة من يرفع كلمة الله؛ لأننا نعلم أن المناعة الإيمانية في النفس الإنسانية قد تكون مناعة ذاتية، بمعنى أن الإنسان قد تُحدِّثه نفسه بالانحراف عن منهج الله، لكن النفس اللوَّامة تردعه وتردُّه إلى الإيمان. أما إذا تصلَّبتْ ذاتُه، ولم توجد لديه نفس لوَّامة، فالمناعة الذاتية تختفي، ولكن قد يقوم المجتمع المحيط بِلَوْمِهِ. ولكن إذا اختفت المناعة الذاتية، والمناعة من المجتمع فلا بد أن يبعث ربُّ العزة سبحانه برسولٍ جديدٍ، وبيِّنة جديدة، وبرهان جديد. هكذا حدث من بعد نوح عليه السلام. ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن عطاءِ ابن السائب عن أَبي عبد الرحمن السلمي: {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ} [الآية: 49]. يقول: ما كنت تعلم هذا الذي قصصنا عليك من قبل هذا القرآن. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [الآية: 52] قال: شدة إِلى شدتكم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} [الآية: 54]. قال: أَصابتك الأَوثان بجنون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 56]. يعني: على الحق.