Verse. 1523 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَاِلٰي عَادٍ اَخَاہُمْ ہُوْدًا۝۰ۭ قَالَ يٰقَوْمِ اعْبُدُوا اللہَ مَا لَكُمْ مِّنْ اِلٰہٍ غَيْرُہٗ۝۰ۭ اِنْ اَنْتُمْ اِلَّا مُفْتَرُوْنَ۝۵۰
Waila AAadin akhahum hoodan qala ya qawmi oAAbudoo Allaha ma lakum min ilahin ghayruhu in antum illa muftaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» أرسلنا «إلى عاد أخاهم» من القبيلة «هودا قال يا قوم اعبدوا الله» وَحِّدوهُ «ما لكم من» زائدة «إله غيره إن» ما «أنتم» في عبادتكم الأوثان «إلا مفترون» كاذبون على الله.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، واعلم أن هذا معطوف على قوله: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا } تفسير : [الحديد: 26] والتقدير: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً وقوله: {هُودًا } عطف بيان. واعلم أنه تعالى وصف هوداً بأنه أخوهم ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين، وإنما كانت في النسب، لأن هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب وكانوا بناحية اليمن، ونظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا سليم، والمراد رجل منهم. فإن قيل: إنه تعالى، قال في ابن نوح { أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } تفسير : [هود: 46] فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين، فما الفرق بينهما؟ قلنا: المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه وسلم، لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد، مع أنه واحد من قبيلتهم، أن يكون رسولاً إليهم من عند الله، فذكر الله تعالى أن هوداً كان واحداً من عاد، وأن صالحاً كان واحداً من ثمود؛ لإزالة هذا الاستبعاد. واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف. فالنوع الأول: أنه دعاهم إلى التوحيد، فقال: {يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى؟ قلنا: دلائل وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }. قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن، دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، وأكثر بلاد الترك أيضاً كذلك، وإنما الشأن في عبادة الأوثان، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم، أعني زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام، فكان قوله: {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } معناه لا تعبدوا غير الله والدليل عليه أنه قال عقيبه: {مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام. وأما قوله: {مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } فقرىء {غَيْرُهُ } بالرفع صفة على محل الجار والمجرور، وقرىء بالجر صفة على اللفظ. ثم قال: {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها، أو في قولكم إنها تستحق العبادة، وكيف لا يكون هذا كذباً وافتراء وهي جمادات لاحس لها ولا إدراك، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيماً لها، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال: و {يٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى } وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام، وذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع، قوي تأثيرها في القلب. ثم قال {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع، كأنه مركوز في بدائه العقول.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا، فهو معطوف على {أَرْسَلْنَا نُوحاً}. وقيل له أخوهم لأنه منهم، وكانت القبيلة تجمعهم؛ كما تقول: يا أخا تميم. وقيل: إنما قيل له أخوهم لأنه من بني آدم كما أنهم من بني آدم؛ وقد تقدّم هذا في «الأعراف» وكانوا عبدة الأوثان. وقيل: هم عادان، عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم الأولى؛ وأما الأخرى فهو شدّاد ولقمان المذكوران في قوله تعالى: {أية : إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ} تفسير : [الفجر: 7]. وعاد ٱسم رجل ثم ٱستمرّ على قوم ٱنتسبو إليه.{قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} بالخفض على اللفظ، و«غيره» بالرفع على الموضع، و«غيرَه» بالنصب على الاستثناء. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي ما أنتم في اتخاذكم إلهاً غيره إلا كاذبون عليه جلّ وعزّ. قوله تعالى:{يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} تقدّم معناه. والفِطرة ٱبتداء الخلق. {أَفَلاَ تَعْقِلُون} ما جرى على قوم نوح لما كذبوا الرسل. قوله تعالى: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} تقدّم في أوّل السورة.{يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ} جزم لأنه جواب وفيه معنى المجازاة. {عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} نصب على الحال، وفيه معنى التكثير؛ أي يرسل السماء بالمطر متتابعاً يتلو بعضه بعضاً؛ والعرب تحذف الهاء في مِفعال على النسب، وأكثر ما يأتي مِفعال من أفعل، وقد جاء هاهنا من فَعل؛ لأنه من درّت السماء تَدِر وتَدُر فهي مدرار. وكان قوم هود ـ أعني عاداً ـ أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن كما تقدّم في «الأعراف».{وَيَزِدْكُمْ} عطف على يرسل. {قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} قال مجاهد: شدّة على شدّتكم. الضحاك: خصباً إلى خصبكم. علي بن عيسى: عزّاً على عزّكم. عِكرمة: ولداً إلى ولدكم. وقيل: إن الله حبس عنهم المطر (وأعقم الأرحام) ثلاث سنين فلم يولد لهم ولد؛ فقال لهم هود: إن آمنتم أحيـى الله بلادكم ورزقكم المال والولد؛ فتلك القوّة. وقال الزجاج: المعنى يزدكم قوّة في النِّعم. {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي حجة واضحة. {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إصراراً منهم على الكفر. قوله تعالى: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ} أي أصابك. {بَعْضُ آلِهَتِنَا} أي أصنامنا. {بِسُوۤءٍ} أي بجنون لسبِّك إياها، عن ٱبن عباس وغيره. يقال: عراه الأمر وٱعتراه إذا أَلَمَّ به. ومنه {أية : وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}تفسير : [الحج: 36]. {قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ} أي على نفسي. {وَٱشْهَدُوۤاْ} أي وأشهدكم؛ لا أنهم كانوا أهل شهادة، ولكنه نهاية للتقرير؛ أي لتعرفوا {أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها. {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري. {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي لا تؤخرون. وهذا القول مع كثرة الأعداء يدلّ على كمال الثقة بنصر الله تعالى. وهو من أعلام النبوّة، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه: «فَكِيدُونِي جَمِيعاً». وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش. وقال نوح صلى الله عليه وسلم: {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} تفسير : [يونس: 71] الآية. قوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي رضيت بحكمه، ووثقت بنصره. {مَّا مِن دَآبَّةٍ} أي نفس تدب على الأرض؛ وهو في موضع رفع بالابتداء. {إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} أي يصرفها كيف يشاء، ويمنعها مما يشاء؛ أي فلا تصلون إلى ضري. وكل ما فيه رُوح يقال له دابّ ودابّة؛ والهاء للمبالغة. وقال الفراء: مالكها، والقادر عليها. وقال القتبيّ: قاهرها؛ لأن من أخذتَ بناصيته فقد قهرتَه. وقال الضحّاك: يحييها ثم يميتها؛ والمعنى متقارب. والناصية قُصاص الشّعر في مقدم الرأس. ونَصوتُ الرجل أَنصوه نَصْواً أي مددت ناصيته. قال ٱبن جريج: إنما خص الناصية؛ لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنساناً بالذلّة والخضوع؛ فيقولون: ما ناصية فلان إلا بيد فلان؛ أي إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء. وكانوا إذا أسروا أسيراً وأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخراً عليه؛ فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم. وقال الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» قوله تعالى: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} وجهه عندنا أن الله تعالى قدّر مقادير أعمال العباد، ثم نظر إليها، ثم خلق خلقه، وقد نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور آخذ بنواصيهم، يجريهم إلى أعمالهم المقدّرة عليهم يوم المقادير. وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قّدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». تفسير : ولهذا قويت الرسل وصاروا من أولي العزم لأنهم لاحظوا نور النواصي، وأيقنوا أن جميع خلقه منقادون بتلك الأنوار إلى ما نفذ بصره فيهم من الأعمال، فأوفرهم حظاً من الملاحظة أقواهم في العزم، ولذلك ما قوِي هود النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}. {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ}. وإنما سمِّيت ناصية لأن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة في المقادير، قد نفذ بصر الخالق في جميع حركات الخلق بقدرة، ثم وضعت حركات كل من دبّ على الأرض حياً في جبهته بين عينيه، فسُمّي ذلك الموضع منه ناصية؛ لأنها تنص حركات العباد بما قدّر؛ فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التي نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها. ووصف ناصية أبي جهل فقال: {أية : نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} تفسير : [العلق: 16] يخبر أن النواصي فيها كاذبة خاطئة؛ فعلى سبيل ما تأوّلوه يستحيل أن تكون الناصية منسوبة إلى الكذب والخطأ. (والله أعلم). {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال النحاس: الصّراط في اللغة المنهاج الواضح؛ والمعنى أن الله جلّ ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء فإنه لا يأخذهم إلا بالحق. وقيل: معناه لا خَلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه سبحانه. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} في موضع جزم؛ فلذلك حذفت منه النون، والأصل تتولوا، فحذفت التاء لاجتماع تاءين. {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} بمعنى قد بيّنت لكم. {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي يهلككم ويخلق من هو أطوع له منكم يوحدونه ويعبدونه. «ويَسْتَخْلِفُ» مقطوع مما قبله فلذلك ارتفع؛ أو معطوف على ما يجب فيما بعد الفاء من قوله: «فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ». وروي عن حفص عن عاصم «وَيَسْتَخْلِفْ» بالجزم حملاً على موضع الفاء وما بعدها؛ مثل: {أية : وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأعراف: 186]. قوله تعالى: {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً} أي بتوليكم وإعراضكم. {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي لكل شيء حافظ. «على» بمعنى اللام؛ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا بهلاك عاد. {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأن أحداً لا ينجو إلا برحمة الله تعالى، وإن كانت له أعمال صالحة. وفي صحيح مسلم والبخاريّ وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:«حديث : لن يُنجي أحداً منكم عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يَتغمَّدني الله برحمة منه». تفسير : وقيل: معنى «بِرَحْمَةٍ مِنَّا» بأن بيّنا لهم الهدى الذي هو رحمة. وكانوا أربعة آلاف. وقيل: ثلاثة آلاف. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي عذاب يوم القيامة. وقيل: هو الريح العقيم كما ذكر الله في «الذاريات» وغيرها وسيأتي. قال القُشيريّ أبو نصر: والعذاب الذي يتوعد به النبي أمته إذا حضر ينجي الله منه النبي والمؤمنين معه؛ نعم لا يبعد أن يبتلي الله نبياً وقومه فيعمهم ببلاء فيكون ذلك عقوبة للكافرين، وتمحيصاً للمؤمنين، إذا لم يكن مما توعدهم النبي به. قوله تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ} ابتداء وخبر. وحكى الكسائيّ أن من العرب من لا يصرف «عاداً» فيجعله ٱسماً للقبيلة. {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي كذّبوا بالمعجزات وأنكروها. {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} يعني هودا وحده؛ لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سواه. ونظيره قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} تفسير : [المؤمنون: 51] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه؛ وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولاً واحداً فقد كفر بجميع الرسل. وقيل: عصوا هوداً والرسل قبله، وكانوا بحيث لو أرسل إليهم ألف رسول لجحدوا الكل. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي اتبع سقّاطُهم رؤساءهم. والجبار المتكبر. والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيد: العنِيد والعَنود والعانِد والمعاند المعارض بالخلاف، ومنه قيل للعِرق الذي ينفجر بالدم عانِد. وقال الراجز:شعر : إنِّـي كبيرٌ لا أطيـقُ العُنَّدَا تفسير : قوله تعالى: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي أُلحقوها. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي وٱتبعوا يوم القيامة مثل ذلك؛ فالتمام على قوله: «وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ». {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} قال الفرّاء: أي كفروا نعمة ربهم؛ قال: ويقال كفرته وكَفَرَت به، مثل شكرته وشكرت له. {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي لا زالوا مبعدين عن رحمة الله. والبعد الهلاك. والبُعد التّباعد من الخير. يقال: بَعُدَ يَبعُد بُعْداً إذا تأخر وتباعد. وبَعِد يبعَد بَعَداً إذا هلك؛ قال:شعر : لا يَبعَدَنْ قومي الذين هُمُ سَمُّ العُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ تفسير : وقال النابغة:شعر : فلا تَبعَدنْ إنّ المنيةَ مَنهَلٌ وكل ٱمرىء يوماً به الحالُ زائلُ

البيضاوي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} عطف على قوله {نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} و {هُودًا} عطف بيان {قَالَ يَـا قَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحده. {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} وقرىء بالجر حملاً على المجرور وحده. {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} على الله باتخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء. {يٰقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى} خاطب كل رسول به قومه إزاحة للتهمة وتمحيضاً للنصيحة فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ. {وَيَا قَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} اطلبوا مغفرة الله بالإِيمان ثم توسلوا إليها بالتوبة وأيضاً التبري من الغير إنما يكون بعد الإِيمان بالله والرغبة فيما عنده. {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً} كثير الدر. {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} ويضاعف قوتكم، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على الإِيمان والتوبة بكثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه. {مُّجْرِمِينَ} مصرين على إجرامكم. {قَالُواْ يا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ} بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا} بتاركي عبادتهم. {عَن قَوْلِكَ } صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي. {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} إقناط له من الإِجابة والتصديق. {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ} ما نقول إلا قولنا {ٱعْتَرَاكَ} أي أصابك من عراه يعروه إذا أصابه. {بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } بجنون لسبك إياها وصدك عنها ومن ذلك تهذي وتتكلم لخرافات، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ. {قَالَ إِنِى أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُواْ أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ}. {مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله تعالى على براءته من آلهتهم وفراغه عن إضرارهم تأكيداً لذلك وتثبيتاً له، وأمرهم بأن يشهدوا عليه استهانة بهم، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار حتى إذا اجتهدوا فيه ورأوا أنهم عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشداء أن يضروه لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا يضر ولا ينفع لا تتمكن من إضراره انتقاماً منه، وهذا من جملة معجزاته فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلا لثقته بالله وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه ولذلك عقبه بقوله: {إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبّي وَرَبّكُمْ} تقريراً له والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على الله واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده، ولا يقدرون على ما لم يقدره ثم برهن عليه بقوله: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي أنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَ} لقد أرسلنا {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} آمراً لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهياً لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره، أفلا تعقلون من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة؟ ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة، يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره وحفظ شأنه، ولهذا قال: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} وفي الحديث: «حديث : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب».

المحلي و السيوطي

تفسير : {و} أرسلنا {إِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ } من القبيلة {هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ } وحِّدوهُ {مَا لَكُم مِّنْ } زائدة {إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ } ما {أَنتُمْ } في عبادتكم الأوثان {إِلاَّ مُفْتَرُونَ } كاذبون على الله.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } معطوف على {ولقد وأرسلنا نوحاً}: أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم: أي: واحداً منهم، وهوداً عطف بيان، وقوم عاد كانوا عبدة أوثان، وقد تقدّم مثل هذا في الأعراف. وقيل: هم عاد الأولى وعاد الأخرى، فهؤلاء هم عاد الأولى، وعاد الأخرى هم: شداد ولقمان وقومهما المذكورون في قوله: {أية : إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ }تفسير : [الفجر: 7]، وأصل عاد، اسم رجل، ثم صار اسماً للقبيلة كتميم وبكر، ونحوهما {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ } قرىء "غيره" بالجرّ على اللفظ. وبالرفع على محل من إلٰه، وقرىء بالنصب على الاستثناء {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } أي: ما أنتم باتخاذ إلٰه غير الله إلا كاذبون على الله عزّ وجلّ، ثم خاطبهم فقال: {لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } أي: لا أطلب منكم أجراً على ما أبلغه إليكم، وأنصحكم به من الإرشاد إلى عبادة الله وحده، وأنه لا إلٰه لكم سواه، فالضمير راجع إلى مضمون هذا الكلام. وقد تقدّم معنى هذا في قصة نوح {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى } أي: ما أجري الذي أطلب إلا من الذي فطرني: أي: خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن أجر الناصحين إنما هو من ربّ العالمين. قيل: إنما قال فيما تقدّم في قصة نوح: مالاً، وهنا قال: أجراً لذكر الخزائن بعده في قصة نوح، ولفظ المال بها أليق، ثم أرشدهم إلى الاستغفار والتوبة. والمعنى: اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم، ثم توسلوا إليه بالتوبة. وقد تقدّم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح، ثم رغبهم في الإيمان بالخير العاجل، فقال: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء } أي: المطر {عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } أي: كثير الدرور، وهو منصوب على الحال، درّت السماء تدرّ، وتدرّ، فهي: مدرار، وكان قوم هود أهل بساتين، وزرع، وعمارة، وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } معطوف على يرسل: أي: شدّة مضافة إلى شدّتكم، أو خصباً إلى خصبكم، أو عزّاً إلى عزّكم. قال الزجاج: المعنى يزدكم قوّة في النعم {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } أي: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه، وتقيموا على الكفر مصرّين عليه، والإجرام: الآثام كما تقدّم. ثم أجابه قومه بما يدلّ على فرط جهالتهم، وعظيم غباوتهم، فقالوا {يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } أي: بحجة واضحة نعمل عليها، ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه، عناداً وبعداً عن الحق {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا } التي نعبدها من دون الله، ومعنى: {عَن قَوْلِكَ } صادرين عن قولك، فالظرف في محل نصب على الحال {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي: بمصدّقين في شيء مما جئت به {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } أي: ما نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا التي تعيبها، وتسفه رأينا في عبادتها بسوء بجنون، حتى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا، وتكرره علينا من التنفير عنها، يقال عراه الأمر واعتراه: إذا ألمّ به، فأجابهم بما يدلّ على عدم مبالاته بهم، وعلى وثوقه بربه وتوكله عليه، وأنهم لا يقدرون على شيء مما يريده الكفار به، بل الله سبحانه هو الضارّ النافع فقَالَ {إِنِى أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُواْ } أنتم {إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } به {مِن دُونِهِ } أي: من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطاناً {فَكِيدُونِى جَمِيعًا } أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على الإضرار بي، وأنها اعترتني بسوء {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } أي: لا تمهلوني، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم؛ وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصكّ مسامعهم، ويوضح عجزهم، وعدم قدرتهم على شيء. {إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبّى وَرَبّكُمْ } فهو: يعصمني من كيدكم، وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ، فمن توكل على الله كفاه. ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته، وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، وأنه مالك للجميع، وأن ناصية كل دابة من دوابّ الأرض بيده، وفي قبضته وتحت قهره، وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه، والمنّ عليه جزوا ناصيته، فجعلوا ذلك علامة لقهره. قال الفراء: معنى آخذ بناصيتها: مالكها والقادر عليها، وقال القتيبي: قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته. والناصية: قصاص الشعر من مقدّم الرأس؛ ثم علل ما تقدّم بقوله: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي: هو على الحق والعدل، فلا يكاد يسلطكم عليّ {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: تتولوا فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: فإن تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } ليس عليّ إلا ذلك، وقد لزمتكم الحجة {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } جملة مستأنفة لتقرير الوعيد بالهلاك، أي يستخلف في دياركم وأموالكم قوماً آخرين، ويجوز أن يكون عطفاً على {فقد أبلغتكم}. وروى حفص عن عاصم أنه قرأ {ويستخلف} بالجزم حملاً على موضع فقد أبلغتكم {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } أي: بتوليكم، ولا تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شيء، قيل: و"على" بمعنى اللام، فيكون المعنى: لكل شيء حفيظ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء. {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي: عذابنا الذي هو إهلاك عاد {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } من قومه {بِرَحْمَةٍ مّنَّا } أي: برحمة عظيمة كائنة منا؛ لأنه لا ينجو أحد إلا برحمة الله، وقيل هي الإيمان {مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي: شديد، قيل: وهو السموم التي كانت تدخل أنوفهم {وَتِلْكَ عَاد} مبتدأ وخبر، وأنث الإشارة اعتباراً بالقبيلة. قال الكسائي: إن من العرب من لا يصرف عاد ويجعله أسماء للقبيلة {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ } أي: كفروا بها، وكذبوها وأنكروا المعجزات {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } أي: هوداً وحده؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هنا؛ لأنّ من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل. وقيل: إنهم عصوا هوداً ومن كان قبله من الرسل، أو كانوا بحيث لو بعث الله إليهم رسلاً متعدّدين لكذبوهم {وَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } الجبار: المتكبر، والعنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له. قال أبو عبيدة: العنيد العنود والعاند والمعاند، وهو المعارض بالخلاف منه، ومنه قيل للعرق الذي يتفجر بالدم، عاند. قال الراجز:شعر : إني كبير لا أطيق العندا تفسير : {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً } أي: ألحقوها، وهي: الإبعاد من الرحمة والطرد من الخير، والمعنى: أنها لازمة لهم لا تفارقهم ما داموا في الدنيا وأتبعوها {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فلعنوا هنالك كما لعنوا في الدنيا {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } أي: بربهم. وقال الفراء: كفروا نعمة ربهم، يقال: كفرته وكفرت به: مثل: شكرته وشكرت له {أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } أي: لا زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد: الهلاك، والبعد: التباعد من الخير، يقال: بعد يبعد بعداً: إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعداً: إذا هلك، ومنه قول الشاعر:شعر : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفـة الجزر تفسير : وقال النابغة:شعر : فلا تبعدن إنّ المنية منهل وكل امرىء يوماً به الحال زائل تفسير : ومنه قول الشاعر:شعر : ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت دون رجالهم لا تبعد تفسير : وقد تقدّم أن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِى } أي: خلقني. وأخرج ابن عساكر، عن الضحاك، قال: أمسك الله عن عاد القطر ثلاث سنين، فقال لهم هود {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً } فأبوا إلا تمادياً. وأخرج أبو الشيخ، عن هارون التيمي، في قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } قال: المطر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } قال: شدّة إلى شدّتكم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، في قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } قال: ولد الولد. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } قال: أصابتك بالجنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيـى بن سعيد قال: ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سبعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً فيتلو هذه الآية إلا صرفه الله عنه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } قال: الحق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله: {عَذَابٍ غَلِيظٍ } قال: شديد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } قال: المشرك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، قال: العنيد المشاقّ. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً } قال: لم يبعث نبيّ بعد عاد إلا لعنت على لسانه. وأخرج ابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال: تتابعت عليهم لعنتان من الله: لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.

ابن عطية

تفسير : {وإلى عاد} عطف على قوله {أية : إلى قومه} تفسير : [هود: 25] في قصة نوح، و {عاد} قبيلة وكانت عرباً - فيما ذكر - و "هود" عليه السلام منهم، وجعله {أخاهم} بحسب النسب والقرابة؛ فإن فرضناه ليس منهم فالأخوة بحسب المنشأ واللسان والجيرة. وأما قول من قال هي أخوة بحسب النسب الآدمي فضعيف. وقرأ جمهور الناس: "يا قومِ" بكسر الميم، وقرأ ابن محيصن: "يا قومُ" برفع الميم، وهي لغة حكاها سيبويه، وقرأ جمهور الناس: "غيرهُ" بالرفع على النعت أو البدل من موضع قوله: {من إله}. وقرأ الكسائي وحده بكسر الراء، حملاً على لفظ: {إله} وذلك أيضاً على النعت أو البدل ويجوز "غيرَه" نصباً على الاستثناء. و {مفترون} معناه كاذبون أفحش كذب في جعلكم الألوهية لغير الله تعالى، والضمير في قوله: {عليه} عائد على الدعاء إلى الله تعالى، والمعنى: ما أجري وجزائي إلا من عند الله، ثم وصفه بقوله {الذي فطرني} فجعلها صفة رادة عليهم في عبادتهم الأصنام واعتقادهم أنها تفعل، فجعل الوصف بذلك في درج كلامه، منبهاً على أفعال الله تعالى، وأنه هو الذي يستحق العبادة، و"فطر" معناه اخترع وأنشأ، وقوله: {أفلا تعقلون} توقيف على مجال القول بأن غير الفاطر إلاه، ويحتمل أن يريد: {أفلا تعقلون} إذ لم أطلب عرضاً من أعراض الدنيا إني إنما أريد النفع لكم والدار الآخرة؛ والأول أظهر، و"الاستغفار" طلب المغفرة، وقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد والحرص على وجود المحجة الواضحة، وهذه أحوال يمكن أن تقع من الكفار، فكأنه قال لهم: اطلبوا غفران الله بالإنابة، وطلب الدليل في نبوتي، ثم توبوا بالإيمان من كفركم، فيجيء الترتيب على هذا مستقيماً وإلا احتيج في ترتيب التوبة بعد الاستغفار إلى تحيل كثير فإما أن يكون: {توبوا} أمراً بالدوام، و"الاستغفار" طلب المغفرة بالإيمان، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال أبو المعالي في الإرشاد: "التوبة" في اصطلاح المتكلمين هي الندم، بعد أن قال: إنها في اللغة الرجوع، ثم ركب على هذا أن قال إن الكافر إذا آمن ليس إيمانه توبة وإنما توبته ندمه بعد. قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن التوبة عقد في ترك متوب منه يتقدمها علم بفساد المتوب منه وصلاح ما يرجع إليه، ويقترن بها ندم على فارط المتوب منه لا ينفك منه وهو من شروطها؛ فأقول إن إيمان الكافر هو توبته من كفره، لأنه هو نفس رجوعه، و"تاب" في كلام العرب معناه رجع إلى الطاعة والمثلى من الأمور، وتصرف اللفظة في القرآن بـ "إلى" يقتضي أنها الرجوع لا الندم، وإنما لا حق لازم للتوبة كما قلنا، وحقيقة التوبة ترك مثل ما تيب منه عن عزمة معتقدة على ما فسرناه، والله المستعان. و "مدراراً" هو بناء تكثير وكان حقه أن تلحقه هاء، ولكن حذفت على نية النسب وعلى أن {السماء} المطر نفسه، وهو من در يدر؛ ومِفعال قد يكون من اسم الفاعل الذي هو من ثلاثي، ومن اسم الفاعل الذي هو من رباعي: وقول من قال: إنه ألزم للرباعي غير لازم. ويروى أن عاداً كان الله تعالى قد حبس عنها المطر ثلاث سنين، وكانوا أهل حرث وبساتين وثمار، وكانت بلادهم شرق جزيرة العرب، فلهذا وعدهم بالمطر، ومن ذلك فرحهم حين رأوا العارض، وقولهم: {أية : هذا عارض ممطرنا} تفسير : [الأحقاف: 24] وحضهم على استنزال المطر بالإيمان والإنابة، وتلك عادة الله في عباده، ومنه قول نوح عليه السلام "استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً"، ومنه فعل عمر رضي الله حين جعل جميع قوله في الاستسقاء ودعائه استغفاراً فسقي، فسئل عن ذلك، فقال: لقد استنزلت المطر بمجاديح السماء. وقوله: {ويزدكم قوة إلى قوتكم}، ظاهره العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد، وقالت فرقة: كان الله تعالى قد حبس نسلهم، فمعنى قوله: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} أي الولد، ويحتمل أن خص القوة بالذكر إذ كانوا أقوى العوالم فوعدوا بالزيادة فيما بهروا فيه، ثم نهاهم عن التولي عن الحق والإعراض عن أمر الله. و {مجرمين} حال من الضمير في {تتولوا}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فطرني} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي {إني أشهد} بالفتح: أبو جعفر ونافع. {فإن تولوا} بتشديد التاء: البزي وابن فليح. {ويستخلف} بالجزم: الخزاز عن هبيرة. الباقون بالرفع {يومئذ} بفتح الميم وكذلك في "المعارج": أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس. الآخرون بالجر. {ألا ان ثمود} غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب. الباقون بالتنوين والوقف بالألف. {لثمود} بالتنوين في الوصل: علي. الوقوف: {هوداً} ط {غيره} ط {مفترون} ه {أجراً} ط {فطرني} ط {تعقلون} ه {مجرمين} ه {بمؤمنين} ه {بسوء} ط {تشركون} ه لا {لا تنظرون} ه {وربكم} ط {بناصيتها} ط {مستقيم} ه {به إليكم} ط للاستئناف إلا لمن قرأ {ويستخلف} بالجزم {غيركم} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {شيئاً} ط {حفيظ} ه {منا} ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم {غليظ} ه ط {عنيد} ه {ويوم القيامة} ط {ربهم} ط {هود} ه {صالحاً} م لما مر في "الأعراف". {غيره} ط {إليه} ط {مجيب} ه {مريب} ه {تخسير} ه {قريب} ه {أيام} ط {مكذوب} ط {يومئذٍ} ط {العزيز} ه {جاثمين} ه لا لكاف التشبيه {فيها} ط {ربهم} ط {لثمود} ه. التفسير: قد مر في "الأعراف" تفسير قوله: {وإلى عاد} الآية. ومعنى قوله: {إن أنتم إلا مفترون} أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس لها ولا شعور. ثم قال مثل قول نوح {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً} لأن النصيحة لا يمحضها إلا حسم المطامع {أفلا تعقلون} أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من الله لا يكون من التهمة في شيء. قيل: إنما قال في قصة نوح {مالاً} دون {أجراً} لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق. وحذف الواو من {يا قوم} لأنه أراد الاستئناف أو البدل دون العطف. {ويا قو م استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} قد مر مثله في أول السورة. وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا على أن لا تعودوا إلى مثله. ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإِيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصاً على جميع الأموال من وجوه العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل في الانتفاع بتلك النعم. وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال. وقيل في النكاح. وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد. والمدرار الكثير الدر كما مر في أول "الأنعام". عن الحسن بن علي رضي الله عه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار. فكان يكثر الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود {ويزدكم قوة إلى قوتكم} وقول نوح{أية : ويمددكم بأموال وبنين} تفسير : [نوح: 12] ثم قول هود {لا تتولوا} أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه {مجرمين} مصرين على الإِجرام والآثام. فجحدوا هوداً وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : لولا أنزل عليه آية من ربه}تفسير : [الرعد: 27] ولم يشتهر منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير مبالاة وتوانٍ آية من الآيات. وقوله: {عن قولك} حال من الضمير كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك {وما نحن لك بمؤمنين} لا يصدق مثلنا مثلك أبداً. ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان يسب آلهتهم وذلك قولهم: {إن نقول إلا اعتراك} وإلا لغو أي ما نقول شيئاً إلا هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين. والمراد أن الأصنام كافأته على سوء فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح. وأشهدهم أيضاً وهذا كالتهاون وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: أشهد عليَّ أني لا أحبك تهكماً به. وقد مر قوله: {فكيدوني} الآية في آخر سورة الأعراف. وقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره. قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو. وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} دليل العدل. والأشاعرة قالوا: معناه معنى. {أية : إن ربك لبالمرصاد}تفسير : [الفجر: 14] أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب {فإن تولوا فقد أبلغتكم} كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى. والمراد فإن تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة. وفي قوله: {ويستخلف} إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ينقص من ملكه شيئاً {إن ربي على كل شيء حفيظ} يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك {والذين آمنوا معه} قيل: كانوا أربعة آلاف {برحمة منا} أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح {ونجيناهم من عذاب غليظ} أطلق التنجية أوّلاً ثم قيدها على معنى وكانت تلك التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً. ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه. ولما ذكر قصتهم خاطب محمداً وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: {وتلك عاد} فانظروا واعتبروا. ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: {جحدوا بآيات ربهم} فلم يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود الواجب بالذات {وعصوا رسله} قيل: لم يرسل إليه إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان رسول واحد يتضمن عصيان كلهم {أية : لا نفرق بين أحد من رسله}تفسير : [البقرة: 285] {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين. وفي تكرير "ألا" والنداء على كفرهم، والدعاء عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة. وقوله: {قوم هود} عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عاداً عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إِرم. قوله في قصة ثمود {هو أنشأكم} تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض. ويمكن أن يقال: إن الإنسان مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض. وقيل: إن "من" بمعنى "في". {واستعمركم} من العمارة أي جعلكم عماراً للأرض، وأمركم بالعمارة. فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من الظلم. فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء. وقيل: من العمرى. ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم. أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنه أعمره إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه. ومعنى كونه تعالى قريباً قد مر في قوله: {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}تفسير : [البقرة: 186] وذلك في "البقرة" {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً} عن ابن عباس: فاضلاً خيراً نقدمك على جميعنا. وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل وإصابة الرأي. وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعيد ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا أنك من الأنصار والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟ ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره. ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإِسناد المجازي واعلم أن قوله {وإنا لفي شك} بنون الوقاية ههنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: {وإنا} بغير نون الوقاية لقوله بعده: {أية : تدعوننا}تفسير : [الآية: 9] على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرهاً. فأجابهم هو بقوله: {إن كنت على بينة} الآية. وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا أني على بينة {من ربي} وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله {إن عصيته} في أوامره {فما تزيدونني غير تخسير} أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون. والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين. {ويا قوم هذه ناقة الله} قد مر تفسيره في "الأعراف". ومعنى {عذاب قريب } عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و{غير مكذوب} من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف. وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به. قوله: {فلما جاء أمرنا} بالفاء. وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب ههنا بدليل قوله: {عذاب قريب} ومثله في قصة لوط لقوله: {أية : أليس الصبح بقريب}تفسير : [هود: 81] وأما في قصة هود فإنه قال: {ويستخلف} بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب {سوف تعلمون من يأتيه} بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسباً. واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: {أية : ولما جهزهم}تفسير : [الآية: 59] بالواو أوّلاً لأن التعقيب لم يكن مراداً ثم قال: {أية : فلما جهزهم}تفسير : [الآية: 70] لمكان التعقيب والله أعلم. قوله: {ومن خزي يومئذٍ} معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحاً ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال: {ونجيناهم من عذاب غليظ} والمعنيان كما قلنا هناك. والقراءتان في {يومئذٍ} لأن الظرف المضاف إلى "إذ" يجوز بناؤه على الفتح، والتنوين في "إذ" عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين {إن ربك هو القوي العزيز} القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في سحاب مع برق شديد محرق. وإنما تصير الصيحة سبباً للهلاك لأن التموج الشديد في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض النفسانية أيضاً إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف، وقوله: {ألا إن ثمود} إلى آخره. شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في سورة الأعراف والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} القصَّةُ: معطوفان على قوله: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [هود:25] في عطف مرفوع على مرفوع ومجرور، كقولك: ضرب زيدٌ عمراً، وبكرٌ خالداً وليس من باب ما فُصِل فيه بين حرفِ العطفِ والمعطوفِ بالجارِّ والمجرور نحو: "ضَرَبْتُ زيداً، وفي السُّوق عَمْراً" فيجيءُ الخلافُ المشهورُ. وقيل: بل هو على إضمار فعلٍ، أي: وأرْسَلْنَا هوداً، وهذا أوفق لطولِ الفصلِ. و "هوداً" بدلٌ أو عطفُ بيان لأخيهم. وقرأ ابنُ محيصنٍ "يَا قَوْمُ" بضم الميم، وهي لغةُ بعضهم يبنُون المضاف للياء على الضَّم كقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم}تفسير : [الأنبياء:112] بضمِّ الباء، ولا يجوز أن يكون غير مضافٍ للياءِ كما سيأتي في موضعه إن شاء الله. وقوله: {مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تقدَّم في الأعراف. فصل كان هود أخاهم في النسب لا في الدِّين؛ لأنه كان من قبيلةِ عادٍ، وهم قبيلةٌ من العربِ بناحية اليمنِ، كما يقالُ للرَّجُلِ: يا أخا تميم، ويا أخا سليمٍ، والمرادُ رجلٌ منهم. فإن قيل: إنَّه تعالى قال في ابن نُوح {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود:46] فبيَّن أنَّ قرابة النَّسبِ لا تفيدُ إذا لم تَحْصُلْ قرابةُ الدِّين، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدِّين، فما الفرقُ بينهما؟. فالجوابُ: أنَّ المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ قومهُ كانُوا يستبعدُون في محمدٍ صلى الله عليه وسلم مع أنَّهُ واحدٌ من قبيلتهم أن يكون رسولاً إليهم من عند الله، فذكر الله تعالى أنَّ هوداً كان واحداً من عاد، وأنَّ صالحاً كان واحداً من ثمود، لإزالة هذا الاستبعاد. {أية : قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [الأعراف:65] وحدُوا الله، ولا تعبدُوا غيرهُ. فإن قيل: كيف دعاهم إلى عبادةِ الله قبل إقامةِ الدَّلالة على ثبوت الإله تعالى؟. فالجواب: أنَّ دلائل ثُبوتِ وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائلُ الآفاق والأنفس، وقلَّما تُوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله؛ ولذلك قال تبارك وتعالى في صفة الكفار: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [لقمان:25]. ثم قال: "إنْ أنتُمْ" ما أنتم "إلاَّ مُفْتَرُونَ" كاذبُون في إشراككم. ثم قال: {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: على تبليغ الرسالة جُعْلاً {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} وهذا عينُ ما ذكره نوح - عليه الصلاة والسلام -. قرأ نافع، والبزي بفتح ياء "فَطَرني"، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها. ومعنى "فَطَرني" خلقني، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أني مصيبٌ في المنع من عبادة الأوثان. ثم قال: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} آمنوا به، والاستغفارُ - ههنا - بمعنى الإيمان. وقال الأصمُّ: {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي: سلُوه أن يغفر لكم ما تقدَّم من شرككم، ثم توبوا من بعده بالنَّدم على ما مضى، وبالعزمِ على أن لا تعودوا إلى مثله، فإذا فعلتُم ذلك فالله يكثرُ النّعْمَة عليكم. قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} نصب "مِدْرَاراً" على الحالِ، ولم يُؤنِّثْهُ وإن كان من مُؤثَّث لثلاثةِ أوجهٍ: أحدها: أنَّ المراد بالسَّماء السحاب، فذكَّر على المعنى. الثاني: أنَّ مفعالاً للمبالغةِ فيستوي فيه المذكَّر والمؤنث كـ: صَبُور، وشكُور، وفعيل. الثالث: أنَّ الهاءَ حذفت من "مِفْعَال" على طريقِ النَّسَب قاله مكيٌّ، وقد تقدَّم إيضاحه في الأنعام. والمعنى: يُرسل عليكم المطر متتابعاً مرةً بعد أخرى في أوقات الحاجةِ. {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} أي: شدة مع شدَّتكم. وقيل: المراد بالقوَّة: المال وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا بعث هوداً إليهم، وكذَّبُوهُ حبس الله المطر عنهم ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هودٌ: إنْ آمنتم بالله أحْيَا اللهُ بلادَكم ورزقكم المالَ، والولدَ، فذلك قوله تعالى: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} والمِدْرَارُ: بالكسر الكثير الدرّ وهو من أبنية المبالغة. فإن قيل: إنَّ هوداً - عليه الصلاة والسلام - قال: لو اشتغلتم بعبادةِ الله لانفتحت عليكم أبوابُ الخيرات الدنيوية، وليس الأمرُ كذلك لقوله - عليه الصلاة والسلام - "حديث : خُصَّ البلاءُ بالأنبياءِ ثُمَّ الأولياءِ ثُمَّ الأمثلِ، فالأمْثل" تفسير : فكيف الجمعُ بينهما؟ وأيضاً فقد جرتْ عادةُ القرآنِ بالتَّرغيب في الطَّاعاتِ بسبب ترتيب الخيرات الدنيويَّة، والأخرويَّةِ عليها، فأمَّا التَّرغيبُ في الطَّاعَاتِ لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها؛ فذلك لا يليقُ بالقرآن. فالجوابُ: لمَّا كثر التَّرغيب في سعاداتِ الآخرة لم يتغيَّر بالتَّرغيب أيضاً في خير الدنيا بقدرِ الكفايةِ. قوله: "إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ" يجوز أن يتعلق بـ "يَزِدْكُم" على التَّضمين، أي: يُضيف إلى قُوَّتكم قُوَّةً أخرى، أو يجعل الجار والمجرور صفة لـ "قُوَّة" فيتعلَّق بمحذوفٍ. وقدَّرهُ أبو البقاءِ: "مُضافةً إلى قُوَّتِكُم"، وهذا يأباهُ النحاةُ، لأنَّهُم لا يقدِّرُون إلاَّ الكون المطلق في مثله، أو تجعل "إلى" بمعنى "مع" أي: مع قُوَّتكم، كقوله: {أية : إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ}تفسير : [النساء:2]. ثم قال: {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} أي: ولا تدبروا مشركين مصرِّين على الكفر. {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} ببرهانٍ وحُجَّةٍ واضحةٍ على ما تقول. والباء في "بيِّنَةٍ" يجوزُ أن تكون للتَّعدية؛ فتتعلَّق بالفعل قبلها أي ما أظهرت لنا بينةً قط. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ؛ إذ التقديرُ: مُسْتقراً أو مُلتبساً ببيِّنةٍ. قوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} أي: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك، فيكون "عَنْ قَوْلِكَ" حالٌ من الضمير في "تَارِكي" ويجُوزُ أن تكون "عَنْ" للتَّعْليل كهي في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}تفسير : [التوبة:114]، أي: إلاَّ لأجل موعدةٍ. والمعنى هنا: بتاركي آلهتنا لقولك، فيتعلَّق بنفس "تاركي". وقد أشَارَ إلى التعليل ابنُ عطية، ولكنَّ المختار الأول، ولم يذكُر الزمخشريُّ غيره. قوله: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدِّقين. {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} الظَّاهر أن ما بعد "إلاَّ" مفعولٌ بالقول قبله، إذ المرادُ: إن نقُولُ إلاَّ هذا اللفظ فالجملةُ محكيةٌ نحو قولك "ما قُلْتُ إلاَّ زيدٌ قائمٌ". وقال أبُو البقاءِ: "الجملةُ مفسرةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، التقدير: إن نقول إلاَّ قولاً هو اعتراكَ، ويجُوزُ أن يكون موضعها نصباً، أي: ما نذكر إلاَّ هذا القول". وهذا غيرُ مرضٍ؛ لأنَّ الحكاية بالقولِ معنى ظاهر لا يحتاج إلى تأويلٍ، ولا إلى تضمين القولِ بالذِّكْرِ. وقال الزمخشريُّ: "اعْتراكَ" مفعول "نَقُول" و "إلاَّ" لغوٌ، أي: ما نقُولُ إلاَّ قولنا "اعْتَرَاكَ". انتهى. يعنى بقوله: "لغوٌ" أنَّهُ استثناءٌ مفرَّغ، وتقديره بعد ذلك تفسيرُ معنى لا إعراب، إذا ظاهرُهُ يقتضي أن تكون الجملةُ منصوبةً بمصدرٍ محذوفٍ، ذلك المصدرُ منصوبٌ بـ "نَقُول" هذا الظَّاهرُ. ويقال: اعتراهُ يعتريه إذا أصابه، وهو افتعل من عراه يَعْرُوه، والأصلُ: اعترو مِنْ العَرْو، مثل: اغتَزَو من الغَزْو، فتحرَّك حرفُ العلَّة وانفتح ما قبله فقُلب ألفاً، وهو يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ. والمعنى: أنَّك شَتَمْتَ آلهتنا، فجعلتكَ مجنوناً، وأفسدت عقلك، ثم قال لهم هودٌ: {إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ} على نفسي {وَٱشْهَدُوۤاْ} يا قومي {أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} من دُونهِ، يعنى: الأوثان. قوله: {أَنِّي بَرِيۤءٌ} يجوزُ أن يكون من بابِ الإعمال؛ لأنَّ "أشْهِدُ" يطلبه، و "اشْهَدُوا" يطلبه أيضاً، والتقديرُ: أشهدُ الله على أنِّي بريءٌ، واشهدُوا أنتم عليه أيضاً، ويكون من باب إعمال الثاني؛ لأنَّهُ لو أعمل الأول لأضمر في الثاني، ولا غرو في تنازع المختلفين في التعدِّي واللزوم. و "مِمَّا تُشْرِكُونَ" يجوز أن تكون "ما" مصدريةً، أي: من إشراككم آلهةٌ من دُونه، أو بمعنى "الَّذي"، أي: من الذين تشركونه من آلهةٍ من دونه، أي: أنتم الذين تجعلُونها شركاء. وقوله: "جَمِيعاً" حالٌ من فاعل "فَكِيدُونِي"، وأثبت سائرُ القرَّاء ياء "فَكِيدُونِي" في الحالين، وحذفوها في المرسلات. وهذا نظيرُ ما قاله نوح - عليه الصلاة والسلام - لقومه:{أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ}تفسير : [يونس:71] إلى قوله: {أية : وَلاَ تُنظِرُونَ}تفسير : [يونس:71]. وهذه معجزةٌ قاهرةٌ؛ لأنَّ الرَّجُل الواحدَ إذا أقبل على القوم العظام، وقال لهم: بالغُوا في عداوتي، وفي إيذائي، ولا تؤجلون فإنَّه لا يقُولُ هذا إلاَّ إذا كان واثقاً من الله بأنَّهُ يحفظه، ويصونه عن كيد الأعداءِ، وهذا هو المراد بقوله: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي: اعتمادي على الله ربِّي وربِّكُم. {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} قال الأزهريُّ: "النَّاصيةُ عند العربِ: مَنْبِتُ الشَّعر في مقدم الرأس، ويسمَّى الشعر النَّابتُ هناك أيضاً ناصية باسم منبته". ونصَوْتُ الرَّجلَ: أخذتُ بناصيته، فلامُها واو، ويقال: ناصَاة بقلبِ يائها ألفاً، وفي الأخْذِ بالنَّاصية عبارةٌ عن الغلبة والتَّسلُّط وإن لم يكن آخذاً بناصيته، ولذلك كانُوا إذا منُّوا على أسيرٍ جزُّوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره، والعربُ إذا وصفُوا إنساناً بالذلة، والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلاَّ بيد فلان، أي: إنَّه مطيعٌ له. ومعنى "آخِذٌ بِنَاصيتها" قال الضحاكُ: "مُحْيِيهَا ومُمِيتها". وقال الفرَّاء: "مالكها والقادر عليها" وقال القتيبيُّ: "بقهرها". {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يعني: وإن كان ربِّي قادراً عليهم فإنه لا يظلمهم، ولا يعملُ إلا بالإحسان والعدل، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وقيل: معناه دين ربِّي صراط مستقيم. وقيل: فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم. "فإن تولَّوْا" أي: تتولَّوا فحذف إحدى التَّاءين، ولا يجُوزُ أن يكون ماضياً كقوله: "أبْلَغْتُكُم" ولا يجُوزُ أن يُدَّعى فيه الالتفات، إذ هو ركاكةٌ في التَّركيب، وقد جوَّز ذلك ابنُ عطية فقال: "ويُحْتَمل أن يكون "تَولَّوا" ماضياً، ويجيءُ في الكلام رجوعٌ من غيبةٍ إلى خطابٍ". قال شهابُ الدِّين: "ويجُوزُ أن يكون ماضياً لكن لمَدْرَكٍ آخر غير الالتفات: وهو أن يكون على إضمار القولِ، أي: فقل لهم: قد أبْلَغْتُكم، ويترجَّح كونه بقراءة عيسى الثقفي والأعرج "فإن تُولُّوا" بضمِّ التَّاءِ واللام، مضارع "ولَّى"، والأصل: تُوَلِّيُوا فأعِلّ. وقال الزمخشريُّ: "فإن قلت: الإبلاغ كان قبل التَّولِّي، فكيف وقع جزاءً للشَّرْطِ؟. قلت: معناه، وإن تتولَّوا لم أعاتِبْ على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوبين بأنَّ ما أرسلتُ به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلاَّ التَّكذيب". قوله: "وَيَسْتَخْلِفُ" العامَّةُ على رفعه استئنافاً. وقال أبو البقاءِ: هو معطوفٌ على الجوابِ بالفاءِ. وقرأ عبد الله بن مسعودٍ - رضي الله عنه - بتسكينه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون سُكِّن تخفيفاً لتوالي الحركات. والثاني: أن يكون مجزوماً عطفاً على الجواب المقترن بالفاءِ، إذ محلُّه الجزمُ وهو نظيرُ قوله: {أية : فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ}تفسير : [الأعراف:186] وقد تقدَّم تحقيقه، إلاَّ أنَّ القراءتين ثمَّ في المتواتر. والمعنى: إن تتولوا أهلككم الله، ويستبدلُ قوماً غيركم أطوع منكم يُوحِّدُونه ويعبدُونهُ. قوله: "ولا تَضُرُّونهُ" العامَّةُ: على النُّون؛ لأنَّه مرفوعٌ على ما تقدم، وابن مسعودٍ بحذفها، وهذا يُعيِّن أن يكون سكونُ "يَسْتَخْلف" جزماً ولذلك لم يذكر الزمخشريُّ غيره؛ لأنَّهُ ذكر جزم الفعلين، ولمَّا لم يذكر أبو البقاءِ الجزم في "تَضُرُّونَهُ" جوَّز الوجهين في "يَسْتَخْلف". و "شيئاً" مصدرٌ، أي: شيئاً من الضَّرر. والمعنى: أنَّ إهلاككم لا ينقصُ من ملكه شيئاً، لأنَّ وجودكم وعدمكم عنده سواء. وقيل: لا تضرونهُ شيئاً بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرُّون أنفسكم {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي: يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم عليها. وقيل: يحفظني من شركم ومكركم. وقيل: حفيظ من الهلاكِ إذا شاء، ويهلك إذا شاء. قوله: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي: عذابنا، وهو ما نزل بهم من الريحِ العقيمِ، عذَّبهم الله بها سبع ليال، وثمانية أيَّام، تدخلُ في مناخرهم وتخرجُ من أدْبَارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صارُوا {أية : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:7]. {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} وكانُوا أربعة آلاف "بِرَحْمَةٍ مِنَّا" بنعمة مِنَّا. وقيل: المراد بالرحمة: ما هداهُم إليه من الإيمان. وقيل: المرادُ أنَّهُ لا ينجو أحد، وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلاَّ برحمةٍ من الله تعالى. ثم قال: {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} فالمرادُ بالنَّجاةِ الأولى: هي النَّجَاةُ من عذاب الدُّنيا، والنَّجاةُ الثانية من عذاب القيامةِ. والمرادُ بقوله: "ونَجَّيْنَاهُم" أي: حكمنا بأنَّهُم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏إلا على الذي فطرني‏} ‏ أي خلقني‏. وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ أمسك عن عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود ‏ {‏استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا‏ً} ‏ فأبوا إلا تماديا‏ً. وأخرج ابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع‏.‏ فقيل له‏:‏ ما رأيناك استسقيت‏؟‏ قال‏:‏ لقد طلبت المطر بمجاديج السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ ‏ {‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا‏ً}‏ و ‏{أية : ‏استغفروا ربكم إنه كان غفارا‏ً}تفسير : [نوح: 10] {أية : يرسل السماء عليكم مدرارا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏نوح: 11‏]‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن هرون التيمي في قوله ‏ {‏يرسل السماء عليكم مدراراً‏}‏ قال‏:‏ يدر ذلك عليهم مطراً ومطرا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} ‏ قال‏:‏ ولد الولد‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء‏}‏ قال‏:‏ أصابتك بالجنون‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏اعتراك بعض آلهتنا بسوء‏} ‏ قال‏:‏ أصابتك الأوثان بجنون‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه قد أصابك منها سوء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال‏:‏ ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سبعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً، فيتلو هذه الآية ‏ {‏إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم‏} ‏ إلا صرفه الله عنه‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏إن ربي على صراط مستقيم‏}‏ قال‏:‏ الحق‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله ‏{‏عذاب غليظ‏} ‏ قال‏:‏ شديد‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏كل جبار عنيد‏} ‏ المشرك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال ‏ {‏كل جبار عنيد‏} ‏قال: الميثاق‏. وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي عنيد قال‏:‏ تمالت عن الحق‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة‏} ‏ قال‏:‏ لم يبعث نبي بعد عاد إلا لُعِنَتْ عاد على لسانه‏. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة‏}‏ قال‏:‏ لعنة أخرى‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة‏.

ابو السعود

تفسير : {وإلى عاد} متعلقٌ بمضمر معطوفٌ على قوله تعالى: {أية : أرسلنا} تفسير : في قصة نوحٍ وهو الناصبُ لقوله تعالى: {أَخَاهُم} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب كقولهم: يا أخا العرب، وتقديمُ المجرورِ على المنصوب هٰهنا للحِذارِ عن الإضمار قبل الذكر، وقيل: متعلّقٌ بالفعل المذكورِ فيما سبق وأخاهم معطوفٌ على نوحاً وقد مر في سورة الأعراف وقوله تعالى: {هُوداً} عطفُ بـيانٍ لأخاهم وكان عليه الصلاة والسلام من جملتهم فإن هودُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ رباحِ بن الخلود بن العوص بن إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام، وقيل: هودُ بنُ شالح بنِ أرفخشذَ بنِ سامِ بن نوحٍ بنِ عمّ أبـي عاد، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله وأرغبُ في اقتفائه {قَالَ} لما كان ذكرُ إرسالِه عليه الصلاة والسلام إليهم مظنةً للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أُجيب عنه بطريق الاستئنافِ فقيل: {يَا قَوْمِ اعْبدُوا الله} أي وحده كما ينبىء عنه قوله تعالى: {مَا لَكُم مِّنْ إِلٰه غَيرُهُ} فإنه استئنافٌ يجري مَجرى البـيان للعبادة المأمورِ بها، والتعليلُ للأمر بها كأنه قيل: خُصّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً، إذ ليس لكم من إلٰه سواه، وغيرُه بالرفع صفةٌ لإلٰه باعتبار محلِّه وقرىء بالجر حملاً له على لفظه {إِن أَنْتُم} ما أنتم باتخاذكم الأصنامَ شركاءَ له أو بقولكم: إن الله أمرنا بعبادتها {إلاَّ مُفْتَرُون} عليه تعالى عن ذلك علوّاً كبـيراً {يَا قَومِ لاَ أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} خاطبَ به كلُّ نبـيَ قومَه إزاحةً لما عساهم يتوهّمونه وإمحاضاً للنصيحة فإنها ما دامت مشوبةً بالمطامع بمعزل عن التأثير، وإيرادُ الموصولِ للتفخيم، وجعلُ الصلةِ فعلَ الفطرةِ لكونه أقدامَ النعمِ الفائضةِ من جناب الله تعالى المستوجبةِ للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجرَيان على موجب أمرِه الغالبِ مُعرِضاً عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجرُ {أفَلاَ تَعْقِلُون} أي أتغفُلون عن هذه القضيةِ أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقِلونها أو أتجهلون كلَّ شيءٍ فلا تعقلون شيئاً أصلاً فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفىٰ على أحد من العقلاء. {ويَا قَومِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم} اطلُبوا مغفرتَه لما سلف منكم من الذنوب بالإيمان والطاعة {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي توسّلوا إليه بالتوبة، وأيضاً التبرُّؤُ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى والرغبةِ فيما عنده {يُرْسِلِِ السَّمَاءَ} أي المطرَ {عَلَيكُمْ مِّدْرَاراً} أي كثيرَ الدّرور {ويزدْكُمْ قُوَّةً} مضافةً ومنضمّةً {إِلَى قُوَّتِكُم} أي يضاعفْها لكم، وإنما رغّبهم بكثرة المطرِ لأنهم كانوا أصحابَ زروعٍ وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطرَ وأعقم أرحامَ نسائِهم ثلاث سنين فوعدهم عليه الصلاة والسلام كثرةَ الأمطارِ وتضاعُفَ القوة بالتناسل، على الإيمان والتوبة {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} أي لا تُعرضوا عما دعوتُكم إليه {مُجْرِمِينَ} مصِرِّين على ما كنتم عليه من الإجرام.

القشيري

تفسير : كَلَّفَ الأنبياء - عليهم السلام - بالذهاب إلى الخَلْق لا سيما وقد عاينوا - بالحق - مَنْ تَقَدَّمَهُم من فترة الملأ، ولكنهم تَحَمَّلُوا ذلك حين أَمَرهُم الحقُّ بالتوجُّهِ إليهم فَرَضُوا، وأظهروا الدلالةَ، وأَدَّوْا الرسالةَ، ولكن ما زاد الناسُ إلا نفرةً على نفرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {والى عاد} قبيلة من العرب بناحية اليمن فهو متعلق بمضمر معطوف على قوله تعالى ارسلنا فى قصة نوح وهو الناصب لقوله {اخاهم} وتقديم المجرور على المنصوب ههنا للحذار من الاضمار قبل الذكر. والمعنى وارسلنا الى عاد اخاهم اى واحد منهم فى النسب من قولهم ويا اخا العرب يا اخا بنى تميم يريدون يا واحدا منهم {هودا} وكان عليه السلام من جملتهم فانه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عوص بن ارم بن سام بن نوح. وقيل هود بن شالخ بن افخشد بن سام بن نوح ابن عم ابى عاد. قال الكاشفى [عاد جهارم بدر هودست وعاد بسر عوص بن ارم بن سام بن نوح است وبرين قول از ابناء عم عاد باشد] قال بعضهم عاد هو اسم القبيلة وهى الفروع المنشعبة من اصل واحد فيكون اسم الاب الكبير فى الحقيقة والتعبير باخص الاوصاف التى هى الاخوة بمعنى انتساب شخصين الى صلب واحد او رحم واحد او الى صلب ورحم معا ككونه كذلك بالنسبة الى اتحاد الاب. وقال بعضهم هو اسم ملكهم وانما جعل واحدا منهم لانهم افهم لقوله واعرف بحاله فى صدقه وامانته وارغب فى اقتفائه قيل ان هودا مكث فى ديار قومه اربعين سنة يعبد الله ويتجنب اصنامهم فنزل عليه جبريل بالرسالة الى بنى عاد فذهب هود اليهم وهم بالاحقاق متفرقون وهى الرمال والتلال وجعل يدعوهم الى عبادة الله تعالى وترك عبادة الاصنام كما قال تعالى {قال} استئناف بيانى كأنه قيل ماذا قال لهم فقيل قال {يا قوم} [اى كروه من] {اعبدوا الله} وحده لانه {ما لكم من اله غيره} فخصوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا وغيره بالرفع صفة لاله باعتبار محله {ان انتم الا مفترون} اى ما انتم باتخاذكم الاصنام شركاء الا مفترون على الله الكذب قال فى التأويلات النجمية يشير بهود الى القلب وبعاد الى النفس وصفاتها فان القلب اخو عاد النفس كما ارسلنا نوح الروح الى قومه وبهذا المعنى يشير الى ان القلب قابل لفيض الحق تعالى كما ان الروح قابل لفيضه قال يا قوم اعبدوا الله يشير الى النفس وصفاتها ان يتوجهوا لعبودية الحق وطلبه ما لكم من اله غيره اى شيء دونه لاستحقاق معبوديتكم ومحبوبيتكم ومطلوبيتكم ان انتم الا مفترون فيما تتخذون الهوى والدنيا معبودا ومطلوبا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "أخاهم": عطف على نوح في قوله: (ولقد أرسلنا نوحاً)، و(هوداً): بدل. يقول الحق جل جلاله: {و} أرسلنا {إلى} قبيلة {عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله} وحده، {ما لكم من إله غيرُهُ} يستحق أن يعبد، {إن أنتم إلا مُفترون} على الله، باتخاذ الأوثان آلهة. {يا قوم لا أسألكم عليه}: على التبليغ {أجراً} حتى يثقل عليكم، أو تتهموني لأجله {إنْ أجْرِيَ إلا على الذي فطرني}؛ خلقني. بهذا خاطب كل رسول قومَه؛ إزاحةً للتهمة، وتمحيصاً للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع. {أفلا تعقلون}: أفلا تستعملون عقولكم؛ فتعرفوا المحق من المبطل، والصواب من الخطأ. {ويا قوم استغفروا ربكم} من الشرك، {ثم توبوا إليه}، ثم ارجعوا إليه بطاعته فيما أمر ونهى. أو: ثم توبوا من المعاصي؛ لأن التوبة من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان، والتطهير من الشرك، {يُرسل السماء عليكم مدراراً} أي: كثير الدر، أي النزول، {ويَزدْكُم قوة إلى قوتكم}: يضاعف قوتكم، ويزدكم فيها. وإنما دعاهم إلى الله، ووعدهم بكثرة المطر وزيادة القوة؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات. وقيل: حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة؛ فوعدهم هود عليه السلام على الإيمان والتوبة بالأمطار وتضاعف القوة بالتناسل. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار سبب لنزول المطر. رُوي: أن عاداً كان المطر قد حُبس عنهم ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك بالمطر. هـ. {ولا تتولَّوا}: ولا تُعرضوا عما أدعوكم إليه، {مجرمين}؛ مصرين على إجرامكم. الإشارة: في تكرير القصص والأخبار وَعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار. وقوله تعالى: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}، أي: استغفروا ربكم من الشرك الخفي، ثم توبوا إليه من النظر إلى وجودكم، ورؤية أعمالكم، يرسل سحاب الواردات الإلهية والعلوم الإلهامية على قلوبكم وأسراركم، مدراراً، ويزدكم قوة في شهود الذات إلى قوتكم في شهود الصفات، ولا تتولوا عن شهوده بشهود أثره، مجرمين معدودين في زمرة المجرمين المصرين على الكبائر، وهم لا يشعرون. وقال الورتجبي: استغفروا من النظر إلى غيري، وتوبوا إليَّ من نفوسكم، ورؤية طاعتكم وأعواضها، يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار أنوار تجليها، ويزدكم، أي: يزد قوة أرواحكم في طيرانها. انظر تمامه. ثم ذكر ما أجابه به قومه، فقال: {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}.

الطوسي

تفسير : قوله {أخاهم} نصب بتقدير (ارسلنا) كأنه قال: وأرسلنا إلى عاد أخاهم ودل عليه ما تقدم من قوله {ولقد أرسلنا نوحاً} و {عاد} مصروف، لأن المراد به الحي وقد يقصد به القبيلة، فلا يصرف قال الشاعر: شعر : لو شهد عاد في زمان عاد لابتزها مبارك الجلاد تفسير : وإنما سمى هوداً أخا عاد مع انهم كفار، وهو نبي لان المراد بذلك الاخوة في النسب، لا في الدين، فحذف لدلالة الحال عليه. وقوله {ما لكم من إله غيره} حكاية ما قال هود (ع) لهم وأمرهم ان يوجهوا عبادتهم الى الله ونفى ان يكون معبود يستحق العبادة غيره. ومن ضم الراء حمله على الموضع، لأَن فيها معنى الاستثناء، فكأنه قال ما لكم من إله إلا هو، ولا يجوز في هذا الاستثناء الحمل على اللفظ، لأن الواجب لا يدخله (من) الزائدة. ومن جره حمله على اللفظ. وقال بعضهم تقديره ما لكم إله غيره و (من) زائدة، فلذلك رفع. وقوله {إن أنتم إلا مفترون} أخبار من الله تعالى: حكاية ما قال هود لهم بأنه ليس انتم إلا متخرصون. وإنما سماهم مفترين بعبادة غير الله، لأنهم في حكم من قال هي جائزة لغير الله، فلذلك قال لهم ذلك. ومساكن عاد كانت بين بلاد الشام واليمن تعرف بالأحقاف، وكانوا أصحاب بساتين وزروع، ويسكنون الرمال، دعاهم هود الى الايمان بالله وتوجيه العبادة اليه، فكفروا به فأهلكهم الله بالريح، فذكر انها كانت تدخل في أفواههم فتخرج من استاههم فتقطعهم عضواً عضواً، نعوذ بالله منها.

الجنابذي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} وقد مضى فى سورة الاعراف انّه كان احدهم {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} فى نسبة الآلهة الى الاصنام وجعلها شركاء الله وشفعاءكم عنده.

فرات الكوفي

تفسير : {وإلى عاد أخاهم هوداً50} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن يحيى بن مساور قال: أتى رجل من اهل الشام إلى [ر، أ: على] علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: أنت علي بن الحسين؟ قال: نعم. قال أبوك قتل المؤمنين! فبكى علي بن الحسين قال: ثم مسح وجهه [و. ب] قال: ويلك وبما قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟ قال: بقوله: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم. قال: أما تقرأ القرآن؟ قال: إني أقرأ، قال: أما سمعت قوله [ر: قول الله]: {وإلى عاد أخاهم هوداً، وإلى مدين أخاهم شعيباً، وإلى ثمود أخاهم صالحاً}؟ قال: بلى. قال: كان أخاهم في عشيرتهم أو في دينهم؟ قال: في عشيرتهم [ثم] قال: فرجت عني فرج الله عنك.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا}، قيل: أخاهم من النسب {قال يا قوم اعبدوا الله}، قيل: وحدوه {ما لكم من إله غيره} يعني ما تعبدون من الأوثان {إن أنتم إلاَّ مفترون} كاذبون في قولكم الأوثان آلهة {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً} أي على تبليغ الرسالة {إن أجري إلاَّ على الذي فطرني} أي خلقني {أفلا تعقلون} ما أقول لكم {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}، قيل: آمنوا به وتوبوا من عبادة غيره، وقيل: المراد بالاستغفار الايمان، وقيل: توبوا إليه لأن التوبة استغفار {يرسل السماء عليكم مدراراً} يعني المطر متتابعاً، وقيل: غزيراً كثيراً {ويزدكم قوة إلى قوتكم} أي شدة إلى شدَّتكم، وقيل: هي الأولاد الذين يقوى بهم، وروي أن الله تعالى حبس عنهم المطر وأعقم أرحام النساء ثلاث سنين فقال لهم هود: إن آمنتم أحيى الله بلادكم ورزقكم المال والولد ومن أراد استيفاء قصة هود فقد تقدمت في سورة الأعراف {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} أي بمصدقين {إن نقول الاَّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء} أي خبلك ومسك بجنون لسبّك إياها وصدّك عنها {قال} لهم هود {إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون} أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون من غير أنظاري فإني لا أبالي بكم ولا بكيدكم {ما من دابَّة إلاَّ هو آخذ بناصيتها} تمثيل لأن من عادة العرب استعمال ذلك إذا وصفوا إنساناً بالذُّل والخضوع {فإن تولّوا} فإن أعرضتم {فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم} أي يهلككم الله ويحيي بقوم آخرين يخلفوكم في دياركم {ولا تضرونه} بشيء بتوليتكم عنه {إن ربي على كل شيء حفيظ} أي رقيب عليه فما يخفى عليه أعمالكم قوله تعالى: {ولما جاء أمرنا نجّينا هوداً والذين آمنوا معه}، قيل: كانوا أربعة آلاف وذلك أن الله تعالى بعث عليهم السموم فكانت تدخل من أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضواً عضواً، فذلك قوله تعالى: {ونجيناهم من عذاب غليظ}، وقيل: أراد بالتنجية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه {وتلك عاد} أي وتلك عاد في بطشهم وقوتهم {جحدوا بآيات ربهم}، وقيل: بالدلالة والحجج {وعصوا رسله} أراد هوداً وحده وإنما جمع لأن من كذَّب رسولاً واحداً فقد كذَّب جميع الرسل {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة}، قيل: لعنهم الله تعالى، وقيل: لعنتهم الملائكة {ويوم القيامة} أي ويقال لهم يوم القيامة {ألا إِنَّ عاداً} الآية.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} يقول: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، على الكلام الأول: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ}. وقوله: أخاهم هوداً أي: أخوهم في النسب، وليس بأخيهم في الدين. { قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي: كل من عبد غير الله سبحانه فقد افترى الكذب على الله تعالى، لأن الله عزّ وجلْ أمر العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وهو قوله: (أية : أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) تفسير : [يوسف:40]. قوله: { يَاقَوْمِ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي: على ما أدعوكم إليه من الدين {أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ} أي: إن ثوابي { إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} أي: الذي خلقني {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. { وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: من الشرك { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} أي: يوسع لكم من الرزق، وإنما أرزاق العباد من المطر. { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} قال مجاهد: يعني شدة إلى شدتكم { وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} أي: مشركين. { قَالُواْ يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} فجحدوا وكذبوا { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}. { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ} أي بجنون، لأنك عبت آلهتنا وسفَّهْتها، فآلهتنا التي صنعت بك هذا الجنون بشتمك لها. وقال بعضهم: إنما تصنع هذا لأن بعض آلهتنا أصابك بسوء. {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ} أي: الذين تعبدون من دونه، أي الأوثان { فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أنتم وأوثانكم التي تعبدون، أي: اجهدوا جهدكم {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي: طرفة عين. أي: إن الله سيمنعني منكم. قوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} قال هذا وقد علم أن الأوثان لا تقدر على أن تكيد، وأنها لا تضر ولا تنفع.

اطفيش

تفسير : {وإلى عادٍ أخاهُم} فى النسب عطف على نوح إلى قومه {هُوداً} عطف بيان من أخاهم. {قَالَ} الخ استئناف بيانى {يا قَومِ اعْبُدوا اللهَ} واحذروه وأطيعوه فى أمره ونهيه، ومن جملة أمره ونهيه الأمر بالتوحيد، والنهى عن الإشراك {مَا لكُم من إلهٍ غَيرهُ} بالرفع نعت لإله تبعا لتقدير الرفع فى إله، وقرأ الكسائى بالجر تبعا للفظ، وهكذا حيث وقع إذا كان قبل إله من الخافضة، ويجوز كون الرفع على الإبدال من المستتر فى لكم، ومن محل إله على التقدير، وإن لم نجعل لكم خبرا، والإله مبتدأ بل فاعل لقوله: {لكم} فلا ضمير فى لكم {إنْ أنتم إلاَّ مفْتَرونَ} على الله بإثبات الشركاء، وجعلها شفعاء.

اطفيش

تفسير : {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} عطف على نوحاً إلى قومه عطف معمولين على معمولى عامل واحد، وهوداً عطف بيان وجاز ذلك العطف مع طول الفصل لظهور المعنى، واختار بعض تقديم أرسلنا، ووجهه طول الفصل مع أَنه يحضر فى القلب تقدير أرسلنا، ولو لم يحضر فى القلب آية نوح، ولكن يبقى أَو الواو عاطفة لما علمت أَن الواو لا تكون للاستئْناف فلا تجد معطوفاً عليه أَنسب من قوله نوحاً إِلى قومه فعدنا إلى الوجه الأَول، والواحد من القبيلة يسمى أَخاها كما تقول لرجل من العرب يا أَخا العرب، وعاد أَبو القبيلة منها هود، ومن ذرية سام وبين هود ونوح ثمانمائة سنة وعاش أَربعمائة سنة وأَربعا وستين {قَالَ يَا قَوْمِ} النداءُ استعطاف {اعْبُدُوا اللهَ} لا تعبدوا غيره ولا تعبدوه مع غيره بل وحده، وعلل ذلك بقوله {مَا لكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} نعت على محل إِله كما يدل له قراءَة الكسائى بالجر كيف تعبدون من ليس بإِله {إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} كاذبون فى قولكم إِن الأَصنام تستحق العبادة وإِنها تشفع لكم وإِن الله أَمركم بها أَو رضيها، وكاذبون فى أَفعالكم من عبادة غير الله وسائر معاصيكم فإِن الافتراءَ كالكذب يستعمل فى القول والفعل.

الالوسي

تفسير : {وَإِلَىٰ عَادٍ} متعلق بمحذوف معطوف على قوله سبحانه: {أية : أَرْسَلْنَا }تفسير : [هود: 25] في قصة نوح وهو الناصب لقوله تعالى: {أَخَـٰهُمْ} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسب كقولهم: / يا أخا العرب، وقدم المجرور ليعود الضمير عليه، وقيل: إن {إِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ} عطف على قوله تعالى: {أية : نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ }تفسير : [هود: 25] المنصوب على المنصوب. والجار والمجرور على الجار والمجرور، وهو من العطف على معمولي عامل واحد وليس من المسألة المختلف فيها، نعم الأول أقرب ـ كما في «البحر» ـ لطول الفصل بالجمل الكثيرة بين المفردات المتعاطفة، وقوله سبحانه: {هُودًا} عطف بيان ـ لأخاهم ـ وجوز أن يكون بدلاً منه وكان عليه السلام ابن عم أبـي عاد وأرسل إليه من هو منهم ليكون ذلك أدعى إلى اتباعه. {قَالَ} استئناف بياني حيث كان إرساله عليه السلام مظنة للسؤال عما قال لهم ودعاهم كأنه قيل: فما قال لهم حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال: {يَٰقَوْمٌ} ناداهم بذلك استعطافاً لهم، وقرأ ابن محيصن {يَٰقَوْمٌ} بالضم وهي لغة في المنادى المضاف إلى الياء حكاها سيبويه وغيره {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي وحده وكانوا مشركين يعبدون الأصنام؛ ويدل على أن المراد ذلك قوله تعالى: {مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} فإنه استئناف يجري مجرى البيان للعبادة المأمور بها، والتعليل للأمر بها كأنه قيل: أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إله غيره سبحانه على أنه لا اعتداد بالعبادة مع الإشراك، فالأمر بها يستلزم الأمر بإفراده سبحانه بها و {غَيْرُهُ} بالرفع صفة ـ لإله ـ باعتبار محله لأنه فاعل للظرف لاعتماده على النفي، وقرأ الكسائي بالجر على أنه صفة له جار على لفظه {إِنْ أَنتُمْ} ما أنتم بجعلكم الألوهية لغيره تعالى كما قال الحسن ـ أو بقولكم: إن الله تعالى أمرنا بعبادة الأصنام {إِلاَّ مُفْتَرُونَ} عليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

سيد قطب

تفسير : مضى قوم نوح في التاريخ، الأكثرون المكذبون طواهم الطوفان وطواهم التاريخ؛ واستبعدوا من الحياة ومن رحمة الله سواء، والناجون استخلفوا في الأرض تحقيقاً لسنة الله ووعده: {أية : إن العاقبة للمتقين }. تفسير : ولقد كان وعد الله لنوح: {أية : يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} تفسير : فلما دارت عجلة الزمن ومضت خطوات التاريخ جاء وعد الله. وإذا عاد من نسل نوح الذين تفرقوا في البلاد ـ ومن بعدهم ثمود ـ ممن حقت عليهم كلمة الله: {أية : وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم }. تفسير : لقد عادت الجاهلية مرة أخرى كما عادت من قبل بعد أجيال لا يعلمها إلا الله من المسلمين من ذرية آدم.. فلا بد أن أجيالاً من ذرية آدم بعد استخلافه في الأرض قد ولدت مسلمة وعاشت بالإسلام الذي كان عليه أبواهم. حتى اجتالتهم الشياطين عن دينهم، وانحرفت بهم إلى الجاهلية التي واجهها نوح ـ عليه السلام ـ ثم جاء نوح فنجا معه من نجا من المسلمين، وأهلك الباقون ولم يعد على الأرض من الكافرين ديار ـ كما دعا نوح ربه. ولا بد أن أجيالاً كثيرة من ذرية نوح عاشت بالإسلام بعده.. حتى اجتالتهم الشياطين مرة أخرى فانحرفوا كذلك إلى الجاهلية. وكانت عاد وكانت ثمود بعدها من أمم الجاهلية.. فأما عاد فكانوا قبيلة تسكن الأحقاف (والحقف كثيب الرمل المائل) في جنوب الجزيرة العربية، وأما ثمود فكانت قبيلة تسكن مدائن الحِجر في شمال الجزيرة بين تبوك والمدينة وبلغت كل منهما في زمانها أقصى القوة والمنعة والرزق والمتاع.. ولكن هؤلاء وهؤلاء كانوا ممن حقت عليهم كلمة الله، بما عتوا عن أمر الله، واختاروا الوثنية على التوحيد، والدينونة للعبيد على الدينونة لله، وكذبوا الرسل شر تكذيب. وفي قصصهم هنا مصداق ما في مطلع السورة من حقائق وقضايا كقصة نوح. {وإلى عاد أخاهم هوداً قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلـه غيره، إن أنتم إلا مفترون. يا قوم لا أسألكم عليه أجراً. إن أجري إلا على الذي فطرني. أفلا تعقلون؟ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين}.. وكان هود من عاد. فهو أخوهم. واحد منهم، تجمعه ـ كانت ـ آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة. وتبرز هذه الآصرة هنا في السياق، لأن من شأنها أن تقوم الثقة والتعاطف والتناصح بين الأخ وإخوته، وليبدو موقف القوم من أخيهم ونبيهم شاذاً ومستقبحاً! ثم لتقوم المفاصلة في النهاية بين القوم وأخيهم على أساس إفتراق العقيدة. ويبرز بذلك معنى إنقطاع الوشائج كلها حين تنقطع وشيجة العقيدة. لتتفرد هذه الوشيجة وتبرز في علاقات المجتمع الإسلامي، ثم لكي تتبين طبيعة هذا الدين وخطه الحركي.. فالدعوة به تبدأ والرسول وقومه من أمة واحدة تجمع بينه وبينها أواصر القربى والدم والنسب والعشيرة والأرض... ثم تنتهي بالإفتراق وتكوين أمتين مختلفتين من القوم الواحد.. أمة مسلمة وأمة مشركة.. وبينهما فُرقة ومفاصلة.. وعلى أساس هذه المفاصلة يتم وعد الله بنصر المؤمنين وإهلاك المشركين. ولا يجيء وعد الله بهذا ولا يتحقق إلا بعد أن تتم المفاصلة، وتتم المفارقة، وتتميز الصفوف، وينخلع النبي والمؤمنون معه من قومهم، ومن سابق روابطهم ووشائجهم معهم، ويخلعوا ولاءهم لقومهم ولقيادتهم السابقة، ويعطوا ولاءهم كله لله ربهم ولقيادتهم المسلمة التي دعتهم إلى الله وإلى الدينونة له وحده وخلع الدينونة للعباد.. وعندئذٍ فقط ـ لا قبله ـ يتنزل عليهم نصر الله.. {وإلى عاد أخاهم هودا}.. أرسلناه إليهم كما أرسلنا نوحاً إلى قومه في القصة السابقة. {قال: يا قوم}.. بهذا التودد، والتذكير بالأواصر التي تجمعهم، لعل ذلك يستشير مشاعرهم ويحقق اطمئنانهم إليه فيما يقول. فالرائد لا يكذب أهله، والناصح لا يغش قومه. {قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. القولة الواحدة التي جاء بها كل رسول وكانوا قد انحرفوا ـ كما أسلفنا ـ عن عبادة الله الواحد التي هبط بها المؤمنون مع نوح من السفينة. ولعل أول خطوة في هذا الإنحراف كانت هي تعظيم ذكرى الفئة المؤمنة القليلة التي حملت في السفينة مع نوح! ثم تطور هذا التعظيم جيلاً بعد جيل فإذا أرواحهم المقدسة تتمثل في أشجار وأحجار نافعة؛ ثم تتطور هذه الأشياء فإذا هي معبودات، وإذا وراءها كهنة وسدنة يعبّدون الناس للعباد منهم باسم هذه المعبودات المدعاة ـ في صورة من صور الجاهلية الكثيرة. ذلك أن الإنحراف خطوة واحدة عن نهج التوحيد المطلق. الذي لا يتجه بشعور التقديس لغير الله وحده ولا يدين بالعبودية إلا لله وحده.. الإنحراف خطوة واحدة لا بد أن تتبعه مع الزمان خطوات وانحرافات لا يعلم مداها إلا الله. على أية حال لقد كان قوم هود مشركين لا يدينون لله وحده بالعبودية، فإذا هو يدعوهم تلك الدعوة التي جاء بها كل رسول: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. {إن أنتم إلا مفترون}.. مفترون فيما تعبدونه من دون الله، وفيما تدعونه من شركاء لله. ويبادر هود ليوضح لقومه أنها دعوة خالصة ونصيحة ممحضة، فليس له من ورائها هدف. وما يطلب على النصح والهداية أجراً. إنما أجره على الله الذي خلقه فهو به كفيل: {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً. إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون؟}. مما يشعر أن قوله: {لا أسألكم عليه أجراً} كان بناء على اتهام له أو تلميح بأنه يبتغي أجراً أو كسب مال من وراء الدعوة التي يدعوها. وكان التعقيب: {أفلا تعقلون؟} للتعجيب من أمرهم وهم يتصورون أن رسولاً من عند الله يطلب رزقاً من البشر، والله الذي أرسله هو الرزاق الذي يقوِّت هؤلاء الفقراء! ثم يوجههم إلى الإستغفار والتوبة. ويكرر السياق التعبير ذاته الذي ورد في أول السورة على لسان خاتم الأنبياء، ويعدهم هود ويحذرهم ما وعدهم محمد وحذرهم بعد ذلك بالآف السنين: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم. ولا تتولوا مجرمين}.. استغفروا ربكم مما أنتم فيه، وتوبوا إليه فابدأوا طريقاً جديداً يحقق النية ويترجمها إلى عمل يصدق النية.. {يرسل السماء عليكم مدراراً}.. وكانوا في حاجة إلى المطر يسقون به زروعهم ودوابهم في الصحراء، ويحتفظون به بالخصب الناشئ من هطول الأمطار في تلك البقاع. {ويزدكم قوة إلى قوتكم}.. هذه القوة التي عرفتم بها.. {ولا تتولوا مجرمين}.. مرتكبين لجريمة التولي والتكذيب. وننظر في هذا الوعد. وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة. وهي أمور تجري فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود، من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال. فما علاقة الإستغفار بها وما علاقة التوبة؟ فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور، بل واقع مشهود، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة. يزيدانهم صحة في الجسم بالإعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والإطمئنان إلى الله والثقة برحمته في كل آن؛ ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة الله الصالحة التي تطلق الناس أحراراً كراماً لا يدينون لغير الله على قدم المساواة بينهم أمام قهار واحد تعنو له الجباه.. كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض؛ غير مشغولين ولا مسخرين بمراسم التأليه للأرباب الأرضية وإطلاق البخور حولها ودق الطبول، والنفخ فيها ليل نهار لتملأ فراغ الإله الحق في فطرة البشر! والملحوظ دائماً أن الأرباب الأرضية تحتاج ويحتاج معها سدنتها وعبادها أن يخلعوا عليها بعض صفات الألوهية من القدرة والعلم والإحاطة والقهر والرحمة.. أحياناً.. كل ذلك ليدين لها الناس! فالربوبية تحتاج إلى ألوهية معها تخضع بها العباد! وهذا كله يحتاج إلى كد ناصب من السدنة والعبَّاد وإلى جهد ينفقه من يدينون لله وحده في عمارة الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها، بدلاً من أن ينفقه عبَّاد الأرباب الأرضية في الطبل والزمر والتراتيل والتسابيح لهذه الأرباب المفتراة! ولقد تتوافر القوة لمن لا يحكّمون شريعة الله في قلوبهم ولا في مجتمعهم، ولكنها قوة إلى حين. تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة الله، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين. إنما استندت إلى جانب واحد من السنن الكونية كالعمل والنظام ووفرة الإنتاج. وهذه وحدها لا تدوم. لأن فساد الحياة الشعورية والاجتماعية يقضي عليها بعد حين. فأما إرسال المطر مدراراً. فالظاهر للبشر أنه يجري وفق سنن طبيعية ثابتة في النظام الكوني. ولكن جريان السنن الطبيعية لا يمنع أن يكون المطر محيياً في مكان وزمان، ومدمراً في مكان وزمان؛ وأن يكون من قدر الله أن تكون الحياة مع المطر لقوم، وأن يكون الدمار معه لقوم، وان ينفذ الله تبشيره بالخير ووعيده بالشر عن طريق توجيه العوامل الطبيعية؛ فهو خالق هذه العوامل، وجاعل الأسباب لتحقيق سنته على كل حال. ثم تبقى وراء ذلك مشيئة الله الطليقة التي تصرف الأسباب والظواهر بغير ما اعتاد الناس من ظواهر النواميس وذلك لتحقيق قدر الله كيفما شاء. حيث شاء. بالحق الذي يحكم كل شيء في السماوات والأرض غير مقيد بما عهده الناس في الغالب. تلك كانت دعوة هود ـ ويبدوا أنها لم تكن مصحوبة بمعجزة خارقة. ربما لأن الطوفان كان قريباً منهم، وكان في ذاكرة القوم وعلى لسانهم، وقد ذكرهم به في سورة أخرى ـ فأما قومه فظنوا به الظنون.. {قالوا. يا هود ما جئتنا ببينة، وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء..}. إلى هذا الحد بلغ الإنحراف في نفوسهم، إلى حد أن يظنوا أن هوداً يهذي، لأن أحد آلهتهم المفتراة قد مسه بسوء، فأصيب بالهذيان! {يا هود ما جئتنا ببينة}... والتوحيد لا يحتاج إلى بينة، إنما يحتاج إلى التوجية والتذكير، وإلى استجاشة منطق الفطرة، واستنباء الضمير. {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك}.. أي لمجرد أنك تقول بلا بينة ولا دليل! {وما نحن لك بمؤمنين}.. أي مستجيبين لك ومصدقين.. وما نعلل دعوتك إلا بأنك تهذي وقد أصابك أحد آلهتنا بسوء! وهنا لم يبق لهود إلا التحدي. وإلا التوجه إلى الله وحده والإعتماد عليه. وإلا الوعيد والإنذار الأخير للمكذبين. وإلا المفاصلة بينه وبين قومه ونفض يده من أمرهم إن أصروا على التكذيب: {قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ}.. إنها انتفاضة التبرؤ من القوم ـ وقد كان منهم وكان أخاهم ـ وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقاً. وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان على وشيجة وقد انبتت بينهما وشيجة العقيدة. وهو يشهد الله على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم. ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم؛ كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم! وذلك كله مع عزة الإيمان واستعلائه. ومع ثقة الإيمان واطمئنانه! وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قوماً غلاظاً شداداً حمقى. يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلاً فيهذي؛ ويروا في الدعوة إلى الله الواحد هذياناً من أثر المس! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة، فيسفه عقيدتهم ويقرعهم عليها ويؤنبهم؛ ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي. لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم. إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد. ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب.. إنه الإيمان. والثقة. والاطمئنان.. الإيمان بالله، والثقة بوعده، والإطمئنان إلى نصره.. الإيمان الذي يخالط القلب فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة. لأنها ملء يديه، وملء قلبه الذي بين جنبيه، وليست وعداً للمستقبل في ضمير الغيب، إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب. {قال: إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه}. إني أشهد الله على براءتي مما تشركون من دونه. واشهدوا أنتم شهادة تبرئني وتكون حجة عليكم: أنني عالنتكم بالبراءة مما تشركون من دون الله. ثم تجتمعوا أنتم وهذه الآلهة التي تزعمون أن أحدها مسني بسوء. تجمعوا أنتم وهي ـ جميعاً ـ ثم كيدوني بلا ريث ولا تمهل، فما أباليكم جميعاً، ولا أخشاكم شيئاً: {إني توكلت على الله ربي وربكم}.. ومهما أنكرتم وكذبتم. فهذه الحقيقة قائمة. حقيقة ربوبية الله لي ولكم. فالله الواحد هو ربي وربكم، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة.. {ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها}.. وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض، بما فيها الدواب من الناس. والناصية أعلى الجبهة. فهو القهر والغلبة والهيمنة، في صورة حسية تناسب الموقف، وتناسب غلظة القوم وشدتهم، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم.. وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد: {إن ربي على صراط مستقيم}.. فهي القوة والاستقامة والتصميم. وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الإستعلاء وسر ذلك التحدي.. إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود ـ عليه السلام ـ في نفسه من ربه.. إنه يجد هذه الحقيقة واضحة.. إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}.. وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهراً. فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها؛ وهي لا تسلط عليه ـ إن سلطت ـ إلا بإذن ربه؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه؟ إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة في نفسه، لا تدع في قلبه مجالاً للشك في عاقبة أمره؛ ولا مجالاً للتردد عن المضي في طريقه. إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة ابداً. وعند هذا الحد من التحدي بقوة الله، وإبراز هذه القوة في صورتها القاهرة الحاسمة، يأخذ هود في الإنذار والوعيد: {فإن تولوا فقد ابلغتكم ما أرسلت به إليكم}.. فأديت واجبي لله، ونفضت يدي من أمركم لتواجهوا قوة الله سبحانه: {ويستخلف ربي قوماً غيركم}.. يليقون بتلقي دعوته ويستقيمون على هدايته بعد إهلاككم ببغيكم وظلمكم وانحرافكم. {ولا تضرونه شيئاً}.. فما لكم به من قوة، وذهابكم لا يترك في كونه فراغاً ولا نقصاً.. {إن ربي على كل شيء حفيظ}.. يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الأذى والضياع، ويقوم عليكم فلا تفلتون ولا تعجزونه هرباً! وكانت هي الكلمة الفاصلة. وانتهى الجدل والكلام. ليحق الوعيد والإنذار: {ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا. ونجيناهم من عذاب غليظ}. لما جاء أمرنا بتحقيق الوعيد، وإهلاك قوم هود، نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة مباشرة منا، خلصتهم من العذاب العام النازل بالقوم، واستثنتهم من أن يصيبهم بسوء. وكانت نجاتهم من عذاب غليظ حل بالمكذبين. ووصف العذاب بأنه غليظ بهذا التصوير المجسم، يتناسق مع الجو، ومع القوم الغلاظ العتاة. والآن وقد هلكت عاد. يشار إلى مصرعها إشارة البعد، ويسجل علهيا ما اقترفت من ذنب، وتشيع باللعنة والطرد، في تقرير وتكرار وتوكيد: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد. وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة. ألا إن عاداً كفروا ربهم. ألا بعداً لعاد قوم هود}.. {وتلك عاد}.. بهذا البعد. وقد كان ذكرهم منذ لحظة في السياق، وكان مصرعهم معروفاً على الأنظار.. ولكنهم انتهوا وبعدوا عن الأنظار والأفكار.. {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله}.. وهم عصوا رسولاً واحداً. ولكن أليست هي رسالة واحدة جاء بها الرسل جميعاً؟ فمن لم يسلم لرسول بها فقد عصى الرسل جميعاً. ولا ننسى أن هذا الجمع في الآيات وفي الرسل مقصود من ناحية أسلوبية أخرى لتضخيم جريمتهم وإبراز شناعتها. فهم جحدوا آيات، وهم عصوا رسلاً. فما أضخم الذنب وما أشنع الجريمة! {واتبعوا أمر كل جبار عنيد}.. امر كل متسلط عليهم، معاند لا يسلم بحق، وهم مسؤولون أن يتحرروا من سلطان المتسلطين، ويفكروا بأنفسهم لأنفسهم. ولا يكونوا ذيولاً فيهدروا آدميتهم. وهكذا يتبين أن القضية بين هود وعاد كانت قضية ربوبية الله وحده لهم والدينونة لله وحده من دون العباد.. كانت هي قضية الحاكمية والاتباع.. كانت هي قضية: من الرب الذي يدينون له ويتبعون أمره؟ يتجلى هذا في قول الله تعالى: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد}.. فهي المعصية لأمر الرسل والاتباع لأمر الجبارين! والإسلام هو طاعة أمر الرسل ـ لأنه أمر الله ـ ومعصية أمر الجبارين. وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية والإسلام وبين الكفر والإيمان.. في كل رسالة وعلى يد كل رسول. وهكذا يتبين أن دعوة التوحيد تصر أول ما تصر على التحرر من الدينونة لغير الله؛ والتمرد على سلطان الأرباب الطغاة؛ وتعد إلغاء الشخصية والتنازل عن الحرية، واتباع الجبارين المتكبرين جريمة شرك وكفر يستحق عليها الخانعون الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة. لقد خلق الله الناس ليكونوا أحراراً لا يدينون بالعبودية لأحد من خلقه، ولا ينزلون عن حريتهم هذه لطاغية ولا رئيس ولا زعيم. فهذا مناط تكريمهم. فإن لم يصونوه فلا كرامة لهم عند الله ولا نجاة. وما يمكن لجماعة من البشر أن تدعي الكرامة، وتدعي الإنسانية، وهي تدين لغير الله من عباده. والذين يقبلون الدينونة لربوبية العبيد وحاكميتهم ليسوا بمعذورين أن يكونوا على أمرهم مغلوبين. فهم كثرة والمتجبرون قلة. ولو أرادوا التحرر لضحوا في سبيله بعض ما يضحونه مرغمين للأرباب المتسلطين من ضرائب الذل في النفس والعرض والمال. لقد هلكت عاد لأنهم اتبعوا امر كل جبار عنيد.. هلكلوا مشيعين باللعنة في الدنيا وفي الآخرة: {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة}.. ثم لا يتركهم قبل أن يسجل عليهم حالهم وسبب ما أصابهم في إعلان عام وتنبيه عال: {ألا إن عاداً كفروا ربهم}.. ثم يدعو عليهم بالطرد والبعد البعيد: {ألا بعداً لعاد قوم هود}.. بهذا التحديد والإيضاح والتوكيد. كأنما يحدد عنوانهم للعنة المرسلة عليهم حتى تقصدهم قصداً: {ألا بعداً لعاد قوم هود}!!! ونقف وقفات قصيرة أمام ما تلهمه قصة هود مع قومه في سياق هذه السورة، قبل ان ننتقل منها إلى قصة صالح. ذلك أن استعراض خط سير الدعوة الإسلامية على هذا النحو إنما يجيء في القرآن الكريم لرسم معالم الطريق في خط الحركة بهذه العقيدة على مدار القرون.. ليس فقط في ماضيها التاريخي، ولكن في مستقبلها إلى آخر الزمان. وليس فقط للجماعة المسلمة الأولى التي تلقت هذا القرآن أول مرة. وتحركت به في وجه الجاهلية يومذاك؛ ولكن كذلك لكل جماعة مسلمة تواجه به الجاهلية إلى آخر الزمان.. وهذا ما يجعل هذا القرآن كتاب الدعوة الإسلامية الخالد؛ ودليلها في الحركة في كل حين. ولقد أشرنا إشارات سريعة إلى اللمسات القرآنية التي سنعيد الحديث عنها كلها تقريباً.. ولكنها مرت في مجال تفسير النصوص القرآنية مروراً عابراً لمتابعة السياق. وهي تحتاج إلى وقفات امامها أطول في حدود الإجمال: * نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة.. ودعوة توحيد العبادة والعبودية لله، المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول: {قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. ولقد كنا دائماً نفسر "العبادة" لله وحده بأنها "الدينونة الشاملة" لله وحده. في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة. ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي.. فإن "عبد" معناها: دان وخضع وذلل. وطريق معبد طريق مذلل ممهد. وعبّده جعله عبداً أي خاضعاً مذللاً.. ولم يكن العربي الذي خوطب بهذا القرآن اول مرة يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية. بل إنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به ان المطلوب منه هو الدينونة لله وحده في أمره كله؛ وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في كل أمره.. ولقد فسر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "العبادة" نصاً بأنها هي "الاتباع" وليست هي الشعائر التعبدية. وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً: "حديث : بلى. إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم"تفسير : .. إنما أطلقت لفظة "العبادة" على "الشعائر التعبدية" باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون.. صورة لا تستغرق مدلول "العبادة" بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة! فلما بهت مدلول "الدين" ومدلول "العبادة" في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله، كتقديمها للأصنام والأوثان مثلاً! وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح "مسلماً" لا يجوز تكفيره! وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله... إلى أخر حقوق المسلم على المسلم! وهذا وهم باطل، وانحسار وانكماش، بل تبديل وتغيير في مدلول لفظ "العبادة" التي يدخل بها المسلم في الإسلام أو يخرج منه ـ وهذا المدلول هو الدينونة الكاملة لله في كل شأن ورفض الدينونة لغير الله في كل شأن. وهو المدلول الذي تفيده اللفظة في أصل اللغة؛ والذي نص عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصاً وهو يفسر قول الله تعالى: {أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}... تفسير : وليس بعد تفسير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمصطلح من المصطلحات قول لقائل. هذه الحقيقة هي التي قررناها كثيراً في هذه الظلال وفي غيرها في كل ما وفقنا الله لكتابته حول هذا الدين وطبيعته ومنهجه الحركي. فالآن نجد في قصة هود كما تعرضها هذه السورة لمحة تحدد موضوع القضية ومحور المعركة التي كانت بين هود وقومه؛ وبين الإسلام الذي جاء به والجاهلية التي كانوا عليها؛ وتحدد ما الذي كان يعنيه وهو يقول لهم: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره".. إنه لم يكن يعني: يا قوم لا تتقدموا بالشعائر التعبدية لغير الله! كما يتصور الذين انحسر مدلول "العبادة" في مفهوماتهم، وانزوى داخل إطار الشعائر التعبدية! إنما كان يعني الدينونة لله وحده في منهج الحياة كلها؛ ونبذ الدينونة والطاعة لأحد من الطواغيت في شؤون الحياة كلها.. والفعلة التي من أجلها استحق قوم هود الهلاك واللعنة في الدنيا والآخرة لم تكن هي مجرد تقديم الشعائر التعبدية لغير الله.. فهذه صورة واحدة من صور الشرك الكثيرة التي جاء هود ليخرجهم منها إلى عبادة الله وحده ـ أي الدينونة له وحده ـ إنما كانت الفعلة النكراء التي استحقوا من أجلها ذلك الجزاء هي: جحودهم بآيات ربهم، وعصيان رسله. واتباع أمر الجبارين من عبيده: {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم، وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد}. كما يقول عنهم أصدق القائلين الله رب العالمين.. وجحودهم بآيات ربهم إنما يتجلى في عصيان الرسل، واتباع الجبارين.. فهو أمر واحد لا أمور متعددة.. ومتى عصى قوم أوامر الله المتمثلة في شرائعه المبلغة لهم من رسله بألا يدينوا لغير الله. ودانوا للطواغيت بدلاً من الدينونة لله؛ فقد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله؛ وخرجوا بذلك من الإسلام إلى الشرك ـ وقد تبين لنا من قبل أن الإسلام هو الأصل الذي بدأت به حياة البشر على الأرض؛ فهو الذي نزل به آدم من الجنة واستخلف في هذه الأرض؛ وهو الذي نزل به نوح من السفينة واستخلف في هذه الأرض. إنما كان الناس يخرجون من الإسلام إلى الجاهلية، حتى تأتي إليهم الدعوة لتردهم من الجاهلية إلى الإسلام.. وهكذا إلى يومنا هذا.. والواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدارالزمان! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد. وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن؛ وفي منهج حياتهم كله للدنيا والآخرة سواء. إن توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد القوامه، وتوحيد الحاكمية، وتوحيد مصدر الشريعة، وتوحيد منهج الحياة، وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونه الشاملة... إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من اجله كل هؤلاء الرسل، و أن تبذل في سبيله كل هذه الجهود؛ و أن تحتمل لتحقيقه كل هذه العذابات و الآلام على مدار الزمان.. لا لأن الله سبحانه في حاجة إليه، فالله سبحانه غني عن العالمين. ولكن لأن حياة البشر لا تصلح ولا تستقيم ولا ترتفع ولا تصبح حياة لائقة "بالإنسان" إلا بهذا التوحيد الذي لا حد لتاثيره في الحياة البشرية في كل جانب من جوانبها. (وهذا ما نرجو أن نزيده بياناً ـ إن شاء الله ـ في نهاية قصص الرسل في ختام السورة).. * ونقف أمام الحقيقة التي كشف عنها هود لقومه وهو يقول لهم: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين}... وهي ذات الحقيقة التي ذكرت في مقدمة السورة بصدد دعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقومه بمضمون الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. وذلك في قوله تعالى: {أية : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}.. تفسير : إنها حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في الحياة البشرية، وحقيقة اتصال طبيعة الكون ونواميسه الكلية بالحق الذي يحتويه هذا الدين... وهي حقيقة في حاجة إلى جلاء وتثبيت؛ وبخاصة في نفوس الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا؛ والذين لم تصقل أرواحهم وتشف حتى ترى هذه العلاقة أو على الأقل تستشعرها.. إن الحق الذي نزل به هذا الدين غير منفصل عن الحق المتمثل في ألوهية الله ـ سبحانه ـ والحق الذي خلقت به السماوات والأرض، المتجلي في طبيعة هذا الكون ونواميسه الأزلية.. والقرآن الكريم كثيراً ما يربط بين الحق المتمثل في ألوهية الله ـ سبحانه ـ والحق الذي قامت به السماوات والأرض؛ والحق المتمثل في الدينونة لله وحده.. والحق المتمثل في دينونة الناس لله يوم الحساب بصفة خاصة، والحق في الجزاء على الخير والشر في الدنيا والآخرة.. وذلك في مثل هذه النصوص: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا.. إن كنا فاعلين... بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون، وله من في السماوات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون. أم اتخذوا آلهة من الأرض هم يُنشرون، لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أم اتخذوا من دونه آلهة قل: هاتوا برهانكم. هـذا ذكر من معي وذكر من قبلي، بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون. وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إلـه إلا أنا فاعبدون} تفسير : [الأنبياء: 16ـ 25] {أية : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم، ومنكم من يتوفى، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ـ من بعد علم ـ شيئاً، وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج.. ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيـي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} تفسير : [الحج: 5 ـ 7]. {أية : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. الملك يومئذ، لله يحكم بينهم، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولـئك لهم عذاب مهين. والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً، وإن الله لهو خير الرازقين، ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم. ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله، إن الله لعفو غفور، ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وأن الله سميع بصير. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن الله هو العلي الكبير. ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؟ إن الله لطيف خبير. له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم. وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم، إن الإنسان لكفور. لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه، فلا ينازعنك في الأمر، وادع إلى ربك، إنك لعلى هدى مستقيم...}.. تفسير : [الحج:54 - 67]. وهكذا نجد في هذه النصوص وأمثالها في القرآن الكريم العلاقة الواضحة بين كون الله سبحانه هو الحق، وبين خلقه لهذا الكون وتدبيره بنواميسه ومشيئته بالحق، وبين الظواهر الكونية التي تتم بالحق. وبين تنزيل هذا الكتاب بالحق، وبين الحكم بين الناس في الدنيا والآخرة بالحق.. فكله حق واحد موصول ينشأ عنه جريان قدر الله بما يشاء، وتسليط القوى الكونية بالخير والشر على من يشاء؛ وفق ما يكون من الناس من الخير والشر في دار الابتلاء. ومن هنا كان ذلك الربط بين الاستغفار والتوبة، وبين المتاع الحسن وإرسال السماء مدراراً... فكل أولئك موصول بمصدر واحد هو الحق المتمثل في ذات الله سبحانه وفي قضائه وقدره، وفي تدبيره وتصريفه، وفي حسابه وجزائه، في الخير وفي الشر سواء.. ومن هذا الارتباط يتجلى أن القيم الإيمانية ليست منفصلة عن القيم العملية في حياة الناس. فكلتاهما تؤثر في هذه الحياة. سواء عن طريق قدر الله الغيبي المتعلق بعالم الأسباب من وراء علم البشر وسعيهم. أو عن طريق الآثار العملية المشهودة التي يمكن للبشر رؤيتها وضبطها كذلك. وهي الآثار التي ينشئها في حياتهم الإيمان أو عدم الإيمان، من النتائج المحسوسة المدركة. وقد أسلفنا الإشارة إلى بعض هذه الآثار العملية الواقعية حين قلنا مرة: إن سيادة المنهج الإلهي في مجتمع معناه أن يجد كل عامل جزاءه العادل في هذا المجتمع، وان يجد كل فرد الأمن والسكينة والاستقرار الاجتماعي ـ فضلاً على الأمن والسكينة والاستقرار القلبي بالإيمان ـ ومن شأن هذا كله أن يمتع الناس متاعاً حسناً في هذه الدنيا قبل أن يلقوا جزاءهم الأخير في الآخرة.. وحين قلنا مرة: إن الدينونة لله وحده في مجتمع من شأنها أن تصون جهود الناس وطاقاتهم من أن تنفق في الطبل والزمر والنفخ والتراتيل والتسابيح والترانيم والتهاويل التي تطلق حول الأرباب المزيفة، لتخلع عليها شيئاً من خصائص الألوهية حتى تخضع لها الرقاب! ومن شأن هذا أن يوفر هذه الجهود والطاقات للبناء في الأرض والعمارة والنهوض بتكاليف الخلافة فيكون الخير الوفير للناس. فضلاً على الكرامة والحرية والمساواة التي يتمتع بها الناس في ظل الدينونة لله وحده دون العباد.. وليست هذه إلا نماذج من ثمار الإيمان حين تتحقق حقيقته في حياة الناس.. (وسيرد عنها بعض التفصيل في نهاية استعراض قصص الرسل في ختام السورة إن شاء الله). * ونقف أمام تلك المواجهة الأخيرة من هود لقومه؛ وأمام تلك المفاصلة التي قذف بها في وجوههم في حسم كامل، وفي تحد سافر، وفي استعلاء بالحق الذي معه، وثقة في ربه الذي يجد حقيقته في نفسه بينة: {قال: إني أشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إن ربي على كل شيء حفيظ}.. إن أصحاب الدعوة إلى الله في كل مكان وفي كل زمان في حاجة إلى أن يقفوا طويلاً أمام هذا المشهد الباهر.. رجل واحد، لم يؤمن معه إلا قليل، يواجه أعتى أهل الأرض وأغنى أهل الأرض وأكثر أهل الأرض حضارة مادية في زمانهم، كما جاء عنهم في قول الله تعالى فيهم حكاية عما واجههم به أخوهم هود في السورة الأخرى: {أية : كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين. أتبنون بكل ريع آية تعبثون؟ وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين. فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هـذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين}!.. تفسير : [الشعراء: 123 ـ 138] فهؤلاء العتاة الجبارون الذين يبطشون بلا رحمة؛ والذين أبطرتهم النعمة؛ والذين يقيمون المصانع يرجون من ورائها الامتداد والخلود!.. هؤلاء هم الذين واجههم هود ـ عليه السلام ـ هذه المواجهة. في شجاعة المؤمن واستعلائه وثقته واطمئنانه؛ وفاصلهم هذه المفاصلة الحاسمة الكاملة ـ وهم قومه ـ وتحداهم أن يكيدوه بلا إمهال. وأن يفعلوا ما في وسعهم فلا يباليهم بحال! لقد وقف هود ـ عليه السلام ـ هذه الوقفة الباهرة، بعدما بذل لقومه من النصح ما يملك؛ وبعد أن تودد إليهم وهو يدعوهم غاية التودد.. ثم تبين له عنادهم وإصرارهم على محادة الله وعلى الاستهتار بالوعيد والجرأة على الله.. لقد وقف هود ـ عليه السلام ـ هذه الوقفة الباهرة لأنه يجد حقيقة ربه في نفسه، فيوقن أن أولئك الجبارين العتاة المتمتعين المتبطرين إنما هم من الدواب! وهو مستيقن أنه ما من دابة إلا وربه آخذ بناصيتها؛ ففيم يحفل إذن هؤلاء الدواب؟! وأن ربه هو الذي استخلفهم في الأرض، وأعطاهم من نعمة ومال وقوة وبنين وقدرة على التصنيع والتعدين! للابتلاء لا لمطلق العطاء. وأن ربه يملك أن يذهب بهم ويستخلف غيرهم إذا شاء، ولا يضرونه شيئاً، ولا يردون له قضاء.. ففيم إذن يهوله شيء مما هم فيه، وربه هو الذي يعطي ويسلب حين يشاء كيف يشاء؟.. إن أصحاب الدعوة إلى الله لا بد أن يجدوا حقيقة ربهم في نفوسهم على هذا النحو حتى يملكوا أن يقفوا بإيمانهم في استعلاء أمام قوى الجاهلية الطاغية من حولهم.. أمام القوة المادية. وقوة الصناعة. وقوة المال. وقوة العلم البشري. وقوة الأنظمة والأجهزة والتجارب والخبرات.. وهم مستيقنون أن ربهم آخذ بناصية كل دابة؛ وأن الناس ـ كل الناس ـ إن هم إلا دواب من الدواب! وذات يوم لا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة؛ فإذا القوم الواحد أمتان مختلفتان.. أمة تدين لله وحده وترفض الدينونة لسواه. وأمة تتخذ من دون الله أرباباً، وتحاد الله! ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه، والتدمير على أعدائه ـ في صورة من الصور التي قد تخطر وقد لا تخطر على البال ـ ففي تاريخ الدعوة إلى الله على مدار التاريخ! لم يفصل الله بين أوليائه وأعدائه إلا بعد أن فاصل أولياؤه أعداءه على أساس العقيدة فاختاروا الله وحده.. وكانوا هم حزب الله الذين لا يعتمدون على غيره والذين لا يجدون لهم ناصراً سواه. وحسبنا هذه الوقفات مع إلهامات قصة هود وعاد. لنتابع بعدها سياق السورة مع قصة صالح وثمود. {وإلى ثمود أخاهم صالحا. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلـه غيره. هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها. فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب}.. إنها الكلمة التي لا تتغير: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. وإنه كذلك المنهج الذي لا يتبدل: {فاستغفروه ثم توبوا إليه}.. ثم هو التعريف بحقيقة الألوهية كما يجدها في نفسه الرسول: {إن ربي قريب مجيب}.. وذكرهم صالح بنشأتهم من الأرض. نشأة جنسهم، ونشأة أفرادهم من غذاء الأرض أو من عناصرها التي تتألف منها عناصر تكوينهم الجسدي. ومع أنهم من هذه الأرض. من عناصرها. فقد استخلفهم الله فيها ليعمروها. استخلفهم بجنسهم واستخلفهم بأشخاصهم بعد الذاهبين من قبلهم. ثم هم بعد ذلك يشركون معه آلهة اخرى.. {فاستغفروه ثم توبوا إليه}.. واطمئنوا إلى استجابته وقبوله: {إن ربي قريب مجيب}.. والإضافة في {ربي} ولفظ {قريب} ولفظ {مجيب} واجتماعها وتجاورها.. ترسم صورة لحقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة، وتخلع على الجو أنساً واتصالاً ومودة، تنتقل من قلب النبي الصالح إلى قلوب مستمعيه لو كانت لهم قلوب! ولكن قلوب القوم كانت قد بلغت من الفساد والاستغلاق والانطماس درجة لا تستشعر معها جمال تلك الصورة ولا جلالها، ولا تحس بشاشة هذا القول الرفيق، ولا وضاءة هذا الجو الطليق.. وإذا بهم يفاجأون، حتى ليظنون بأخيهم صالح الظنون! {قالوا: يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا! أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}.. لقد كان لنا رجاء فيك. كنت مرجواً فينا لعلمك أو لعقلك أو لصدقك أو لحسن تدبيرك، أو لهذا جميعه. ولكن هذا الرجاء قد خاب.. {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا}.. إنها للقاصمة! فكل شيء يا صالح إلا هذا! وما كنا لنتوقع أن تقولها! فيا لخيبة الرجاء فيك! ثم إننا لفي شك مما تدعونا إليه. شك يجعلنا نرتاب فيك وفيما تقول: {إننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}.. وهكذا يعجب القوم مما لا عجب فيه؛ بل يستنكرون ما هو واجب وحق، ويدهشون لأن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة الله وحده. لماذا؟ لا لحجة ولا لبرهان ولا لتفكير. ولكن لأن آباءهم يعبدون هذه الآلهة! وهكذا يبلغ التحجر بالناس أن يعجبوا من الحق البين. وأن يعللوا العقائد بفعل الآباء! وهكذا يتبين مرة وثانية وثالثة أن عقيدة التوحيد هي في صميمها دعوة للتحرر الشامل الكامل الصحيح. ودعوة إلى إطلاق العقل البشري من عقال التقليد، ومن أوهاق الوهم والخرافة التي لا تستند إلى دليل. وتذكرنا قولة ثمود لصالح: {قد كنت فينا مرجواً قبل هذا}.. تذكرنا بما كان لقريش من ثقة بصدق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمانته. فلما أن دعاهم إلى ربوبية الله وحده تنكروا له كما تنكر قوم صالح، وقالوا: ساحر. وقالوا: مفتر. ونسوا شهادتهم له وثقتهم فيه! إنها طبيعة واحدة، ورواية واحدة تتكرر على مدى العصور والدهور.. ويقول صالح كما قال جده نوح: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. يا قوم: ماذا ترون إن كنت أجد في نفسي حقيقة ربي واضحة بينة، تجعلني على يقين من أن هذا هو الطريق؟ وآتاني منه رحمة فاختارني لرسالته وأمدني بالخصائص التي تؤهلني لها. فمن ينصرني من الله إن أنا عصيته فقصرت في إبلاغكم دعوته، احتفاظاً برجائكم فيّ؟ أفنافعي هذا الرجاء وناصري من الله؟ كلا: {فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. ما تزيدونني إلا خسارة على خسارة.. غضب الله وحرماني شرف الرسالة وخزي الدنيا وعذاب الآخرة. وهي خسارة بعد خسارة. ولا شيء إلا التخسير! والتثقيل والتشديد! {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} ولا يذكر السياق صفة لهذه الناقة التي اشار إليها صالح لتكون آية لهم وعلامة. ولكن في إضافتها لله: {هذه ناقة الله} وفي تخصيصها لهم: {لكم آية} ما يشير إلى أنها كانت ذات صفة خاصة مميزة، يعلمون بها أنها آية لهم من الله. ونكتفي بهذا دون الخوض في ذلك الخضم من الأساطير والإسرائيليات التي تفرقت بها أقوال المفسرين حول ناقة صالح فيما مضى وفيما سيجيء! {هذه ناقة الله لكم آية. فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء}.. وإلا فسيعاجلكم العذاب. يدل على هذه المعالجة فاء الترتيب في العبارة. ولفظ قريب: {فيأخذكم عذاب قريب}.. يأخذكم أخذاً. وهي حركة أشد من المس أو الوقوع. {فعقروها.. فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ذلك وعد غير مكذوب}.. ودل عقرهم للناقة، أي ضربهم لها بالسيف في قوائمها وقتلها على هذا النحو. دل على فساد قلوبهم واستهتارهم. والسياق هنا لا يطيل بين إعطائهم الناقة وعقرهم إياها، لأنها لم تحدث في نفوسهم تجاه الدعوة تغييراً يذكر. ثم ليتابع السياق عجلة العذاب. فهو يعبر هنا بفاء التعقيب في كل الخطوات: {فعقروها. فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام}.. فهي آخر ما بقي لكم من متاع هذه الدنيا ومن أيام هذه الحياة: {ذلك وعد غير مكذوب}.. فهو وعد صادق لن يحيد وبالفاء التعقيبية يعبر كذلك. فالعذاب لم يتأخر: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ، إن ربك هو القوي العزيز، وأخذ الذين ظلموا الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين}.. فلما جاء موعد تحقيق الأمر ـ وهو الإنذار أو الإهلاك ـ نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا.. خاصة ومباشرة.. نجيناه من الموت ومن خزي ذلك اليوم، فقد كانت ميتة ثمود ميتة مخزية، وكان مشهدهم جاثمين في دورهم بعد الصاعقة المدوية التي تركتهم موتى على هيئتهم مشهداً مخزياً. {إن ربك هو القوي العزيز}.. يأخذ العتاة أخذاً ولا يعز عليه أمر، ولا يهون من يتولاه ويرعاه. ثم يعرض السياق مشهدهم، معجّباً منهم، ومن سرعة زوالهم: {كأن لم يغنوا فيها}.. كان لم يقيموا ويتمتعوا.. وإنه لمشهد مؤثر، وإنها للمسة مثيرة، والمشهد معروض، وما بين الحياة والموت ـ بعد أن يكون ـ إلا لمحة كومضة العين، وإذا الحياة كلها شريط سريع. كأن لم يغنوا فيها.. ثم الخاتمة المعهودة في هذه السورة: تسجيل الذنب، وتشييع اللعنة، وانطواء الصفحة من الواقع ومن الذكرى: {ألا إن ثمود كفروا ربهم. ألا بعداً لثمود!}.. ومرة أخرى نجدنا أمام حلقة من حلقات الرسالة على مدار التاريخ.. الدعوة فيها هي الدعوة. وحقيقة الإسلام فيها هي حقيقته.. عبادة الله وحده بلا شريك، والدينونة لله وحده بلا منازع.. ومرة اخرى نجد الجاهلية التي تعقب الإسلام، ونجد الشرك الذي يعقب التوحيد ـ فثمود كعاد هم من ذراري المسلمين الذين نجوا في السفينة مع نوح ـ ولكنهم انحرفوا فصاروا إلى الجاهلية، حتى جاءهم صالح ليردهم إلى الإسلام من جديد.. ثم نجد أن القوم يواجهون الآية الخارقة التي طلبوها، لا بالإيمان والتصديق، ولكن بالجحود وعقر الناقة! ولقد كان مشركوا العرب يطلبون من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خارقة كالخوارق السابقة كي يؤمنوا. فها هم أولاء قوم صالح قد جاءتهم الخارقة التي طلبوا. فما أغنت معهم شيئاً! إن الإيمان لا يحتاج إلى الخوارق. إنه دعوة بسيطة تتدبرها القلوب والعقول. ولكن الجاهلية هي التي تطمس على القلوب والعقول:!!! ومرة أخرى نجد حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلب من قلوب الصفوة المختارة. قلوب الرسل الكرام. نجدها في قولة صالح التي يحكيها عنه القرآن الكريم: {قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. وذلك بعد أن يصف لهم ربه كما يجده في قلبه: {إن ربي قريب مجيب}.. وما تتجلى حقيقة الألوهية قط في كمالها وجلالها وروائها وجمالها كما تتجلى في قلوب تلك الصفوة المختارة من عباده. فهذه القلوب هي المعرض الصافي الرائق الذي تتجلى فيه هذه الحقيقة على هذا النحو الفريد العجيب! ثم نقف من القصة أمام الجاهلية التي ترى في الرشد ضلالاً؛ وفي الحق عجيبة لا تكاد تتصورها! فصالح الذي كان مرجواً في قومه، لصلاحه ولرجاحة عقله وخلقه، يقف منه قومه موقف اليائس منه، المفجوع فيه! لماذا؟ لأنه دعاهم إلى الدينونة لله وحده. على غير ما ورثوا عن آبائهم من الدينونة لغيره! إن القلب البشري حين ينحرف شعرة واحدة عن العقيدة الصحيحة، لا يقف عند حد في ضلاله وشروده. حتى إن الحق البسيط الفطري المنطقي ليبدو عنده عجيبة العجائب التي يعجز عن تصورها؛ بينما هو يستسيغ الانحراف الذي لا يستند إلى منطق فطري أو منطق عقلي على الإطلاق! إن صالحاً يناديهم: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..}.. فهو يناديهم بما في نشأتهم ووجودهم في الأرض من دليل فطري منطقي لا يملكون له رداً.. وهم ما كانوا يزعمون أنهم هم أنشأوا أنفسهم، ولا أنهم هم كفلوا لأنفسهم البقاء، ولا أعطوا أنفسهم هذه الأرزاق التي يستمتعون بها في الأرض.. وظاهر أنهم لم يكونوا يجحدون أن الله ـ سبحانه ـ هو الذي أنشأهم من الأرض، وهو الذي أقدرهم على عمارتها. ولكنهم ما كانوا يُتبعون هذا الاعتراف بألوهية الله ـ سبحانه ـ وإنشائه لهم واستخلافهم في الأرض، بما ينبغي أن يتبعه من الدينونة لله وحده بلا شريك، واتباع أمره وحده بلا منازع.. وهو ما يدعوهم إليه صالح بقوله: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.. لقد كانت القضية هي ذاتها.. قضية الربوبية لا قضية الألوهية. قضية الدينونة والحاكمية قضية الاتباع والطاعة.. إنها القضية الدائمة التي تدور عليها معركة الإسلام مع الجاهلية!

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : ولقد أرسَلنا نوحاً إلى قومه}تفسير : [هود: 25]، فعطف {وإلى عاد} على {أية : إلى قومه}تفسير : [هود: 25]، وعطف {أخاهم} على {أية : نوحاً}تفسير : [هود: 25]، والتقدير: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. وهو من العطف على معموليْ عامل واحد. وتقديم المجرور للتنبيه على أن العطف من عطف المفردات لا من عطف الجمل لأن الجارّ لا بد له من متعلّق، وقضاءً لحق الإيجاز ليُحْضَر ذكر عَاد مرتين بلفظه ثم بضميره. ووصف (هود) بأنه أخو عاد لأنه كان من نسبهم كما يقال: يا أخا العرب، أي يا عربي. وتقدم ذكر عاد وهود في سورة الأعراف. وجملة {قال} مبينة للجملة المقدّرة وهي {أية : أرسلنا}تفسير : [هود: 25]. ووجه التصريح بفعل القول لأن فعل (أرسلنا) محذوف، فلو بين بجملة {يا قوم اعبدوا} كما بين في قوله: {أية : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين}تفسير : [هود: 25] لكان بياناً لمعدوم وهو غير جليّ. وافتتاح دعوته بنداء قومه لاسترعاء أسماعهم إشارة إلى أهمية ما سيلقي إليهم. وجملة {ما لكم من إله غيره} حال من ضمير {اعبدوا} أو من اسم الجلالة. والإتيان بالحال الاستقصاد إبطال شركهم بأنّهم أشركوا غيره في عبادته في حال أنّهم لا إله لهم غيره، أو في حال أنّه لا إله لهم غيره. وذلك تشنيع للشّرك. وجملة {إن أنتم إلا مفترون} توبيخ وإنكار. فهي بيان لجملة {ما لكم من إله غيره}، أي ما أنتم إلاّ كاذبون في ادّعاء إلهية غير الله تعالى. وجملة {يا قوم لا أسألكم عليه أجراً} إن كان قالها مع الجملة التي قبلها فإعادة النداء في أثناء الكلام تكرير للأهمية، يقصد به تهويل الأمر واسترعاء السمع اهتماماً بما يستسمعونه، والنداء هو الرابط بين الجملتين؛ وإن كانت مقولة في وقت غير الذي قيلت فيه الجملة الأولى، فكونها ابتداء كلام ظاهر. وتقدم تفسير {لا أسألكم عليه أجراً} في قصة نوح - عليه السّلام -، أي لا أسألكم أجراً على ما قلته لكم. والتعبير بالموصول {الذي فطرني} دون الاسم العلم لزيادة تحقيق أنّه لا يسألهم على الإرشاد أجراً بأنه يعلم أن الذي خلقه يسوق إليه رزقه، لأن إظهار المتكلم علمه بالأسباب يكسب كلامه على المسببات قوة وتحقيقاً. ولذلك عطف على ذلك قوله: {أفلا تعقلون} بفاء التفريع عاطفة استفهاماً إنكارياً عن عدم تعقلهم، أي تأملهم في دلالة حاله على صدقه فيما يبلغ ونصحه لهم فيما يأمرهم. والعقل: العلم. وعطف جملة {ويا قوم} مثل نظيرها في قصة نوح - عليه السّلام - آنفاً. والاستغفار: طلب المغفرة للذنب، أي طلب عدم المؤاخذة بما مضى منهم من الشرك، وهو هنا مكنى به عن ترك عقيدة الشرك، لأن استغفار الله يستلزم الاعتراف بوجوده ويستلزم اعتراف المستغفر بذنب في جانبه ولم يكن لهم ذنب قبل مجيء هود - عليه السّلام - إليهم غير ذنب الإشراك إذ لم يكن له شرع من قبل. وأما ذنب الإشراك فهو متقرر من الشرائع السابقة جميعها فكان معلوماً بالضرورة فكان الأمر بالاستغفار جامعاً لجميع هذه المعاني تصريحاً وتكنية. والتوبة: الإقلاع عن الذنب في المستقبل والندم على ما سلف منه. وفي ماهية التوبة العزم على عدم العود إلى الذنب فيؤول إلى الأمر بالدّوام على التوحيد ونفي الإشراك. و{ثم} للترتيب الرتبي، لأن الدوام على الإقلاع أهم من طلب العفو عمّا سلف. و{يرسل السماء عليكم} جواب الأمر من {استغفروا}. والإرسال: بعْث من مكان بعيد فأطلق الإرسال على نزول المطر لأنه حاصل بتقدير الله فشبّه بإرسال شيء من مكان المرسل إلى المبعوث إليه. والسماء من أسماء المطر تسمية للشيء باسم مصدره. وفي الحديث: «حديث : خَطَبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثر سماء»تفسير : . و{مدراراً} حال من السماء صيغة مبالغة من الدرور وهو الصبّ، أي غزيراً. جعل جزاءهم على الاستغفار والتوبة إمدادهم بالمطر لأنّ ذلك من أعظم النّعم عليهم في الدنيا إذ كانت عاد أهل زرع وكروم فكانوا بحاجة إلى الماء، وكانوا يجعلون السّداد لخزن الماء. والأظهر أن الله أمسك عنهم المطر سنين فتناقص نسلهم ورزقهم جزاء على الشرك بعد أن أرسل إليهم هوداً - عليه السّلام -؛ فيكون قوله: {يرسل السماء} وعْداً وتنبيهاً على غضب الله عليهم، وقد كانت ديارهم من حضرموت إلى الأحْقاف مدناً وحللاً وقباباً. وكانوا أيضاً معجبين بقوة أمتهم وقالوا: {أية : مَنْ أشد منا قوةٌ}تفسير : [فصلت: 15] فلذلك جعل الله لهم جزاء على ترك الشرك زيادةَ قوتهم بكثرة العدد وصحة الأجسام وسعة الأرزاق، لأن كلّ ذلك قوة للأمة يجعلها في غنى عن الأمم الأخرى وقادرة على حفظ استقلالها ويجعل أمماً كثيرة تحتاج إليها. و{إلى قوتكم} متعلق بـ{يزدكم}. وإنما عدّي بـ{إلى} لتضمينه معنى يَضُمّ. وهذا وعد لهم بصلاح الحال في الدنيا - رضي الله عنهم -. وعطف عليه {ولا تتولوا مجرمين} تحذيراً من الرجوع إلى الشرك. والتولّي: الانصراف. وهو هنا مجاز عن الإعراض. و{مجرمين} حال من ضمير {تتولوا} أي متصفين بالإجرام، وهو الإعراض عن قبول أمر الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإلى عاد أخاهم هودا: أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم في النسب لا في الدين أخاهم هوداً. وهود من قبيلة عاد وعاد من ولد سام بن نوح عليه السلام. اعبدوا الله: أي اعبدوه وحده ولا تعبدوا معه غيره. ما لكم من إله غيره: أي ليس لكم معبود بحق يستحق عبادتكم غيره. إن أنتم إلا مفترون: أي ما أنتم في تأليه غير الله من الأوثان إلا كاذبون. لا أسألكم عليه أجرا: أي لا أطلب منك أجراً على إبلاغي دعوة التوحيد إليكم. فطرني: أي خلقني. مدرارا: أي كثيرة الدرور للمطر النازل منها. ولا تتولوا مجرمين: أي ولا تعرضوا عن دعوة التوحيد مجرمين على أنفسكم بالشرك بالله. معنى الآيات: هنا شروع في قصة هود مع قومه عاد بعد قصة نوح عليه السلام ومغزى القصة تقرير توحيد الله ونبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هوداً وهو أخوهم في النسب وأول من تكلم بالعربية فهو أحد أربعة أنبياء من العرب وهم هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي قال هود لقومه بعد أن أرسله الله إليهم يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في عبادته فلا تعبدوا معه غيره فإِنه ما لكم من إله غير الله سبحانه وتعالى. وقوله {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي ما أنتم في عبادة غير الله من الأصنام والأوثان إلاّ كاذبون، إذ لم يأمركم الله تعالى ربكم بعبادتها، وإنما كذبتم عليه في ذلك. وقوله {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} يريد لا أسألكم على دعوتي إياكم إلى توحيد ربكم لتكملوا بعبادته وتسعدوا أجراً أي مالاً {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} أي ما أجري إلا على الله الذي خلقني. وقوله {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون أنّي لو كنت أبغي بدعوتي إلى التوحيد أجراً لطلبت ذلك منكم، غير أني لم أطلب من غير ربي أجراً فبان بذلك صدقي في دعوتكم ونصحي لكم. وقوله تعالى عن قيل هود {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} يخبر تعالى أن هوداً نادى قومه فقال يا قوم استغفروا ربكم أي آمنوا به واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم، ثم توبوا إليه أي ارجعوا إلى عبادته وحده بما شرع لكم على لسان نبيكم، واتركوا عبادة غيره يكافئكم بأن يرسل السماء عليكم مدرارا أي بالأمطار المتتالية بعد الذي أصابكم من الجفاف والقحط والجدب، ويزدكم قوة روحية إلى قوتكم المادية، وقوله {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} ينهاهم ناصحاً لهم أن يرفضوا نصيحته ويرجعوا إلى عبادة الأوثان فيُجْرِمُوا على أنفسهم بإِفسادها بأوضار الشرك والعصيان. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- دعوة الرسل من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم واحدة هي: أن يُعبَدَ الله وحده. 2- تقرير مبدأ لا إله إلا الله. 3- المشركون والمبتدعون الكل مفترون على الله كاذبون حيث عبدوه بما لم يشرع لهم. 4- وجوب الإِخلاص في الدعوة. 5- فضل الاستغفار ووجوب التوبة. 6- تقديم الاستغفار على التوبة مشعر بأن العبد إذا لم يعترف أولا بذنبه لا يمكنه أن يتوب منه.

القطان

تفسير : فطرني: خلقني. مدرارا: كثيرا. جاء ذكر عاد قومي النبي هود سبع مرات بدون ذكره هو صراحة، وذلك في سورة المؤمنون، وفصلت، والاحقاف، والذاريات، والقمر، والحاقة، والفجر. والقارئ لقصة هود مع قومه يراه إنسانا وقوراً رزيناً يزنُ الكلامَ قبل إلقائه، ويتجلى الإخلاص وحُسن النية على قسمات وجهه. فهو لا يقابل الشرَّ بمثله، بل لا يفارقه اللّينُ مع قومه أبداً، ويتلطف معهم بذكِر نعم الله عليهم ويرغَّبهم في الايمان، ويذكّرهم بما أنعمَ اللهُ عليهم به من اموال وبنين وجنات وعيون، وأنه زادَهم في الخلْق بَسْطَةً، وجعلهم خلفاء الأرض من بد قوم نوح، فإذا آمنوا حازوا رضي الله، فيرسل السماءَ عليهم مِدراراً لسقي زروعهم وإنباتِ الكلأ لماشيتهم، كما يزيدُهم عزّاً على عزّهم، وكان في كل محاوراته معهم واسعَ الصدر، مثالَ الحكمة والرزانة والأَناة. وقد ذكرت قصة هود في سورة الاعراف بأُسلوب ونَظْمٍ يخالف ما هنا، وفي كل من الموضعَين من العظة والعبرة ما ليس في الآخرة. {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}. وأرسلْنا الى قوم عادٍ أخاهم في النسَب والوطَن هودا، فقال لهم: يا قوم، اعبُدوا الله وحده، ليس هناك إلهٌ غيره، أما عبادتكم للأصنام والأوثان فهي محض افتراءٍ منكم على الله. كانت مساكنُ عادٍ في أرض الأحقاف، في شمال حَضْرَمَوْت، وفي شمالها يوجد الرَّبْع الخالي، وفي شرِقها عُمان. وموضع بلادهم اليومَ رمالٌ خالية ليس بها أنيس. ولم يردْ ذِكرٌ لقوم عاد في الكتب القديمة سوى القرآن الكريم. {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. يا قوم إنني لا أطلبُ منكم أجراً على تبيلغ رسالة ربي إليكم، فأَجري على من خلقني وبعثني اليكم. أفلا تعقِلون ما ينفعُكم وما يضركم؟. {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}. يا قومُ اطلبوا المفغرةَ من ربِّكم على سلَفَ من ذنوبكم، ثم توبوا إليه توبةً صادقة، فإنه يَغِيثُكم بالمطر الغزير المتتابع، ويزيدُكم قوةً الى قوتكم التي تغترّون بها، ولا تُعرِضوا عما أدعوكم اليه، وأنتم مصرّون على إجرامكم وآثامكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} (50) - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا هُوداً عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى قَوْمِ عَادٍ، وَهُوَ مِنْهُمْ (أَخَاهُمْ) لِيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ التِي افْتَرُوهَا كَذِباً، وَاخْتَلَقُوا لَهَا الأَسْمَاءَ الإِلَهِيَّةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يفتتح الحق سبحانه الآية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسَل إليهم، فيُخبرهم أنه أخوهم، ولا يمكن للأخ أن يريد لهم العَنَتَ، بل هو ناصح، مأمون عليهم، وعلى ما يبلغهم به. وحين يقول لهم: {يٰقَوْمِ ..} [هود: 50]. فهذا للإيناس أيضاً. ثم يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده؛ لأنهم اتخذوا غير الله إلهاً، وهذا قمة الافتراء. والله سبحانه لم يقل: {.. إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} [هود: 50]. إلا لأن الفساد قد طَمَّ. ويقول سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان هود: {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: هذه هي القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله في هذه السورة الكريمة، وهي قصة هود مع قومه عاد، وقد ذكرها تعالى بالإِسهاب، ولهذا سميت السورة "سورة هود" ثم أعقبها بالحديث عن ثمود وهي القصة الثالثة في هذه السورة، ثم قصة إبراهيم وبشارة الملائكة له بإسحاق وهي القصة الرابعة. اللغَة: {مِّدْرَاراً} كثيراً متتابعاً من درَّت السماء تدرُّ إذا سكبت المطر بسخاء، والمدرارُ: الكثير الدرّ وهو من أبنية المبالغة {ٱعْتَرَاكَ} أصابك {نَاصِيَتِهَآ} الناصيةُ: منبت الشعر في مقدم الرأس {جَبَّارٍ} الجبار: المتكبر {عَنِيدٍ} العنيد: الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له، قال أبو عبيدة: العنيد والمعاند: المعارضُ بالخلاف {ٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} جعلكم عمَّارها وسكانها {تَخْسِيرٍ} تضليل وإبعاد عن الخير {حَنِيذٍ} مشوي يقال: حنذتُ الشاة أحنِذُها حنْذاً أي شويتها {نَكِرَهُمْ} أنكرهم يقال: نكره وأنكره واستنكره بمعنى واحد وهو أن يجده على غير ما عهده قال الشاعر: شعر : وأنكرتْني وما كان الذي نكِرت من الحوادث إلا الشيبَ والصَّلَعا تفسير : فجمع الشاعر بين اللغتين {أَوْجَسَ} استشعر وأحسَّ {بَعْلِي} زوجي. التفسِير: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي ولقد أرسلنا إلى قبيلة عاد نبياً منهم اسمه هود {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} أي اعبدوا الله وحده دون الآلهة والأوثان {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي ليس لكم معبودٌ غيره يستحق العبادة {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} أي ما أنتم في عبادتكم غير الله إلا كاذبون عليه جل وعلا، لأنه لا إله سواه {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} أي لا أطلب منكم على النصح والبلاغ جزاءً ولا ثواباً {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} أي ما ثوابي وجزائي إلا على الله الذي خلقني {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أتغفلون عن ذلك فلا تعقلون أن من يدعوكم إلى الخير دون إرادة جزاءٍ منكم هو لكم ناصح أمين؟ والاستفهام للإِنكار والتقريع {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} أي استغفروه من الكفر والإِشراك {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ارجعوا إليه بالطاعة والإِستقامة على دينه والتمسك بالإِيمان والتوحيد {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} أي يرسل عليكم المطر غزيراً متتابعاً، رُوي أن عاداً كان حُبس عنهم المطر ثلاث سنين حتى كادوا يهلكون، فأمرهم هودٌ بالتوبة والاستغفار ووعدهم على ذلك بنزول الغيث والمطر، وفي الآية دليل على أن التوبة والاستغفار، سببٌ للرحمة ونزول الأمطار {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} أي ويزدكم عزاً وفخاراً فوق عزكم وفخاركم قال مجاهد: شدة إلى شدتكم، فإنهم كانوا في غاية القوة والبطش حتى قالوا {أية : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}تفسير : [فصلت: 15]؟ {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه مصرّين على الإِجرام، وارتكاب الآثام {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي ما جئتنا بحجةٍ واضحة تدل على صدقك قال الآلوسي: وإنما قالوه لفرط عنادهم، أو لشدة عَمَاهم عن الحق {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} أي لسنا بتاركين عبادة الأصنام من أجل قولك {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي لسنا بمصدقين لنبوتك ورسالتك، والجملة تقنيطٌ من دخولهم في دينه، ثم نسبوه إلى الخبل والجنون فقالوا {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} أي ما نقول إلا أصابك بعض آلهتنا بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها قال الزمخشري: دلت أجوبتهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاةً، غلاظ الأكباد، لا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد، وقد دلَّ قولهم الأخير على جهلٍ مفرط، وبلَهٍ متناهٍ، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم {قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ} أي قال هودٌ إني أُشهدُ الله على نفسي {وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ} أي وأشهدكم أيضاً أيها القوم بأنني بريءٌ مما تشركون في عبادة الله من الأوثان والأصنام {فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي فاحتالوا في هلاكي أنتم وآلهتكم ثم لا تمهلوني طرفة عين قال أبو السعود: وهذا من أعظم المعجزات، فإنه عليه السلام كان رجلاً مفرداً بين الجم الغفير من عتاة عاد، الغلاظ الشداد، وقد حقّرهم وهيّجهم بانتقاص آلهتهم، وحثهم على التصدّي له فلم يقدروا على مباشرة شيء، وظهر عجزهم عن ذلك ظهوراً بيناً وقال الزمخشري: من أعظم الآيات أن يُواجه بهذا الكلام رجلٌ واحد أمة عطاشاً إلى إراقة دمه، يرمونه عن قوسٍ واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه مخالبهم، ومثله قول نوح {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ}تفسير : [يونس: 71] {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي إني لجأت إلى الله وفوضت أمري إليه تعالى مالكي ومالككم {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} أي ما من نسمةٍ تدبُّ على وجه الأرض إلا هي في قبضته وتحت قهره، والأخذُ بالناصية تمثيلٌ للملك والقهر، والجملةُ تعليلٌ لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إن ربي عادل، يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحداً شيئاً {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} أي فإن تُعرضوا عن قبول دعوتي فقد أبلغتكم أيها القوم رسالة ربي، وما على الرسول إلا البلاغ {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي فسوف يهلككم الله ويستخلف قوماً آخرين غيركم، وهذا وعيدٌ شديد {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً} أي لا تضرون الله شيئاً بإشراككم {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي إنه سبحانه رقيبٌ على كل شيء، وهو يحفظني من شركم ومكركم {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي ولما جاء أمرنا بالعذاب، وهو ما نزل بهم من الريح العقيم {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي نجينا من العذاب هوداً والمؤمنون بفضلٍ عظيم ونعمة منا عليهم {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي وخلصانهم من ذلك العذاب الشديد، وهي الريح المدمرة التي كانت تهدم المساكن، وتدخل في أنوف أعداء الله وتخرج من أدبارهم، وتصرعهم على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخلٍ خاوية {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} الإِشارة لآثارهم أي تلك آثار المكذبين من قوم عاد انظروا ماذا حلّ بهم، حين كفروا بالله، وأنكروا آياته في الأنفس والآفاق الدالة على وحدانيته؟ {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} أي عصوا رسوله هوداً، وجمعه تفظيعاً لحالهم، وإظهاراً لكمال كفرهم وعنادهم، ببيان أن عصيانهم له عصيانٌ لجميع الرسل السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتهم على التوحيد {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي أطاعوا أمر كل مستكبر على الله، حائدٍ عن الحق، لا يُذعن له ولا يقبله، يريد به الرؤساء والكبراء {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي وأُلحقوا باللعنة والطرد من رحمة الله في الدنيا {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي ويوم القيامة أيضاً تلحقهم اللعنة قال الرازي: جعل اللعن رديفاً لهم ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا والآخرة، ومعنى اللعنة الإِبعادُ من رحمة الله تعالى ومن كل خير {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} هذ تشنيعٌ لكفرهم وتهويلٌ بحرف التنبيه وبتِكرار اسم عاد أي ألا فانتبهوا إنَّ عاداً كفروا بربهم إذْ عبدوا غيره، وجحدوا نعمته إذ كذبوا رسوله، فاستحقوا اللعنة في الدنيا، واللعنة في الآخرة {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي أبعدهم الله من الخير، وأهلكهم عن بكرة أبيهم، وهي جملة دعائية بالهلاك واللعنة {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} أي ولقد أرسلنا إلى قوم ثمود نبيا منهم وهو صالح عليه السلام {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} أي اعبدوا الله وحده ليس لكم ربٌّ معبود سواه {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي هو تعالى ابتدأ خلقكم من الأرض، فخلق آدم من تراب ثم ذريته من نطفة {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أي جعلكم عمَّارها وسكانها تسكنون بها {فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي استغفروه من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي إنه سبحانه قريب الرحمة مجيب الدعاء {قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا} أي كنا نرجو أن تكون فينا سيّداً قبل تلك المقالة فلما قلتها انقطع رجاؤنا فيك {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أي أتنهانا يا صالح عن عبادة الأوثان التي عبدها آباؤنا؟ {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي وإننا لشاكون في دعواك، وأمرُك مريب يوجب التهمة {قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي} أي أخبروني إن كنتُ على برهانٍ وحجة واضحةٍ من ربي {وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} أي وأعطاني النبوة والرسالة {فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} أي فمن يمنعني من عذاب الله إن عصيت أمره؟ {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} أي فما تزيدونني بموافقتكم وعصيان أمر الله غير تضليل وإبعاد عن الخير قال الزمخشري: {غَيْرَ تَخْسِيرٍ} يعني تخسّرون أعمالي وتبطلونها {وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أضاف الناقة إلى الله تشريفاً لها لأنها خرجت من صخرة صماء بقدرة الله حسب طلبهم أي هذه الناقة معجزتي لكم وعلامة على صدقي {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} أي دعوها تأكل وتشرب في أرض الله فليس عليكم رزقها {وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ} أي لا تنالوها بشيءٍ من السوء فيصيبكم عذاب عاجل لا يتأخر عنكم {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ} أي ذبحوا الناقة فقال لهم صالح: استمتعوا بالعيش في بلدكم ثلاثة أيام ثم تهلكون قال القرطبي: إنما عقرها بعضهم وأضيف إلى الكل لأنه كان برضى الباقين، فعقرت يوم الأربعاء فأقاموا يوم الخميس والجمعة والسبت وآتاهم العذاب يوم الأحد {ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} أي وعدٌ حق غير مكذوب فيه {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} أي فلما جاء أمرنا بإهلاكهم نجينا صالحاً ومن آمن به {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي بنعمةٍ وفضلٍ عظيم من الله {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} أي ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذُلّة {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ} أي القوي في بطشه، العزيز في ملكه، لا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر {وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي أخذتهم صيحةٌ من السماء تقطعت لها قلوبهم، فأصبحوا هامدين موتى لا حِرَاك بهم كالطير إذا جثمت {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} أي كأن لم يقيموا في ديارهم ولم يَعْمُروها {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ} أي ألا فانتبهوا أيها القوم إن ثمود كفروا بآيات ربهم فسحقاً لهم وبُعْداً، وهلاكاً ولعنة {وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} هذه هي القصة الرابعة وهي قصة لوط وهلاك قومه المكذبين أي جاءت الملائكةُ الذين أرسلناهم لإِهلاك قوم لوط إبراهيمَ بالبشارة بإسحاق، قال القرطبي: لما أنزل الله الملائكة لعذاب قوم لوط مرّوا بإبراهيم فظنهم أضيافاً، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قاله ابن عباس، وقال السدي: كانوا أحد عشر ملَكاً على صورة الغلمان الحسان الوجوه {قَالُواْ سَلاَماً} أي سلموا عليه سلاماً {قَالَ سَلاَمٌ} أي قال لهم إبراهيم: سلام عليكم قال المفسرون: ردَّ عليهم التحية بأحسن من تحيتهم لأنه جاء بها جملة اسميّة وهي تدل على الثبات والاستمرار {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي فما أبطأ ولا تأخر مجيئه حتى جاء بعجلٍ مشويٍّ فقدمه لهم قال الزمخشري: والعجل: ولد البقرة ويسمى "الحسيل" وكان مال إبراهيم عليه السلام البقر، والحنيذ: المشوي بالحجارة المحماة في أخدود وقيل: الذي يقطر دسمه ويدل عليه "بعجلٍ سمين" {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} أي فلما رآهم لا يمدون أيديهم إلى الطعام ولا يأكلون منه أنكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} أي أحسَّ منهم الخوف والفزع قال قتادة: كان العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ظنوا أنه لم يجيء بخير وأنه جاء يحدث نفسه بشرّ {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ} أي قالت الملائكة: لا تخف فإنا ملائكة ربك لا نأكل، وقد أُرسلنا لإِهلاك قوم لوط {وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ} أي وامرأة إبراهيم واسمها "سارة" قائمة وراء الستر تسمع كلامهم فضحكت استبشاراً بهلاك قوم لوط {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} أي بشرتها الملائكة بإسحاق ولداً لها ويأتيه مولودٌ هو يعقوب ابناً لولدها {قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً} أي قالت سارة متعجبة: يا لهفي ويا عجبي أألد وأنا امرأة مسنّة وهذا زوجي إبراهيم شيخ هرم أيضاً فكيف يأتينا الولد؟ {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} أي إن هذا الأمر لشيء غريب لم تجر به العادة قال مجاهد: كانت يومئذٍ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة وعشرين سنة {قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي أتعجبين من قدرة الله وحكمته في خلق الولد من زوجين هرمين؟ ليس هذا بمكان عجب على قدرة الله {رَحْمَةُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ} أي رحمكم الله وبارك فيكم يا أهل بيت إبراهيم {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} أي إنه تعالى محمود ممجدّ في صفاته وذاته، مستحقٌ للحمد والتمجيد من عباده، وهو تعليل بديع لما سبق من البشارة. البَلاَغَة: 1- {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} المراد بالسماء المطر فهو مجاز مرسل لأن المطر ينزل من السماء ولفظ "مدراراً" للمبالغة أي كثير الدر. 2- {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أمرٌ بمعنى التعجيز. 3- {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} استعارة تمثيلية شبّه الخلق وهم في قبضة الله وملكه وتحت قهره وسلطانه بالمالك الذي يقود المقدور عليه بناصيته كما يقاد الأسير والفرس بناصيته. 4- {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} استعارة لطيفة عن كمال العدل في ملكه تعالى فهو مطلع على أمور العباد لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به. 5- {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} الأمر كناية عن العذاب. 6- {نَجَّيْنَا هُوداً ... وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} التكرار في لفظ الإِنجاء لبيان أن الأمر شديد عظيم لا سهل يسير، ويسمى هذا الإطناب. 7- {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} أي عصوا رسولهم هوداً وفيه تفظيع لحالهم وبيان أن عصيانهم له عصيانٌ لجميع الرسل السابقين واللاحقين، وهو مجاز مرسل من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. 8- {أَلاۤ إِنَّ عَاداً ... أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ} تكرير حرف التنبيه وإعادة لفظ "عاد" للمبالغة في تهويل حالهم. تنبيه: لم يقل هود عليه السلام: إِني أُشهد الله وأشهدكم وإِنما قال: {إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} وذلك لئلا يفيد التشريك بين الشهادتين والتسوية بينهما، فأين شهادة الله العلي الكبير من شهادة العبد الحقير؟!

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما تناسل قوم نوح وتكاثرت أمم منهم، فاستكبروا عن طريق التوحيد واتخذوا الأصنام والأوثان آلهة، أرسلنا {إِلَىٰ عَادٍ} العادين عن طريق الحق، المتجاوزين عن صراط التوحيد ظلماً وعدواناً {أَخَاهُمْ هُوداً} ليهديهم إلى طريق الحق وصراط مستقيم {قَالَ} بعدما أوحينا إليه آذنا له بتذكير قومه: {يٰقَوْمِ} أضافهم إلى هفسه تحنناً و إشفاقاً على ما هو مقتضى الإرشاد {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الصمد الذي لا إله إل هو واعتقدوا {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} يعبد بالحق ويرجع إليه ما في الأمور {غَيْرُهُ} إذ لا موجود سواه ولا إله إلا هو {إِنْ أَنتُمْ} أي: ما أنتم بعدما ظهر الحق باتخاذ الأوثان آلهة غيره {إِلاَّ مُفْتَرُونَ} [هود: 50] مبطلون في اتخاذها افتراء ومراء. {يٰقَوْمِ} اسمعوا قولي واتعظوا به وامضوا بمقتضاه واقبلوا نصحي؛ إذ {لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} ولا أطلب منكم عوضاً، بل أنا مأمور بالتبليغ والتذكير من عند العليم الخبير {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} أي: بعثني بالإرشاد والإهداء، أتشكون في أمري وتترددون في شأني وتذكيري ونصحي؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [هود: 51] وتستعملون عقولكم في أفعالكم القبيحة وأعمالكم الفاسدة الناكبة عن طريق الاعتدال الذي هو صراط الله الأقوم الأعدل؟!. {وَ} بعدما ازدادوا الإصرار والاستكبار، أخذهم الله بعقم الأرحام والأمطار فاضطروا، قال هود عليه السلام: {يٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} من فرطاتكم وهفواتكم، واطلبوا المغفرة والنجاة منه {ثُمَّ تُوبُوۤاْ} واسترجعوا {إِلَيْهِ} نادمين مخلصين {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ} بأمر الله تفضلاً وامتناناً {مِّدْرَاراً} أمطاراً كثيرة على سبيل التتابع والإدرار {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} أي: يضاعف أولادكم التي هو قوة ظهوركم {وَ} عليكم أن {لاَ تَتَوَلَّوْاْ} على الله حال كونكم {مُجْرِمِينَ} [هود: 52] معرضين وعن رسله مصرين على ما أنتم عليه. {قَالُواْ} بعما سمعوا منه ما سمعوا: {يٰهُودُ} نادوه استحقاراً له واستكباراً عليه {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} واضحة مثبتة لدعواك حتى نقبل منك قولك {وَ} بعدما لم تجيء إلينا بالبينة الملجئة ما كان نعتقدك صادقاً صدوقاً ثقة حتى نقبل قولك بلا بينة، اترك ما أنت عليه من الدعوة الفاسدة؛ إذ {مَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا} التي وجدنا آباءنا لها عاكفين {عَن قَوْلِكَ} أي: عن مجرد دعواك لا بينة ودليل {وَ} بالجملة: {مَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53] مصدقين لك بلا شاهد وبينة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وتأكيد هذه الفائدة بقوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [هود: 50] القصة، {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [هود: 50] يشير بهود إلى القلب، وبعاد إلى النفس وصفاتها، فإن القلب أخو عاد النفس؛ لأنها قد تولد من أزدواج الروح والقالب، والمعنى: إنا أرسلنا هود القلب إلى عاد النفس كما أرسلنا نوح الروح إلى قومه، وبهذا المعنى يشير إلى أن القلب قابل لفيض الحق تعالى، كما أن الروح قابل لفيضه. {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} [هود: 50] يشير إلى أن النفس وصفاتها أن يتوجهوا لعبودية الحق وطلبه، {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 50] أي: ليس لشيء دونه استحقاق معبوديتكم ومحبوبيتكم ومطلوبيتكم، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} [هود: 50] فيما تتخذون الهوى والدنيا معبوداً ومطلوباً، {يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} [هود: 51] أي: على تبليغ ما أنزلنا إليكم؛ لا أطلب منكم أجراً من ثناء الحق والجاه عندهم، وأمثال هذه مما يتعلق بمشارب النفس؛ لأنه ليس من مشرب القلب، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ} [هود: 51] مما يتعلق بلوامع النورانية وطوالع الروحانية وشواهد الربانية، فإنها من مشارب القلوب، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [هود: 51] أن مشربي غير مشربكم. {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} [هود: 52] أي: اطلبوا منه المغفرة، فإنها صفة من صفاته، {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} [هود: 52] أي: بمعاونة صفة المغفرة ارجعوا إلى حضرة الربوبية، فإن السير إليه لا يمكن إلا به كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 1]. {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} [هود: 52] أي: إذا رجعتم به إليه يرسل عليكم مطر أصناف الألطاف الإلهية وأنوار الفيض الربانية مدراراً من سحاب العناية، {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً} [هود: 52] التأييد الرباني، {إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] من أنوار الإيمان، {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} [هود: 52] عن الحق وطلبه، {مُجْرِمِينَ} [هود: 52] في طلب غيره يشير إلى صدق التوجه وثبات قدم الطلب، {قَالُواْ} [هود: 53] أي: النفس وصفاتها. {يٰهُودُ} [هود: 53] أي: يا قلب، {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} [هود: 53] برهان نستدل به على ما يقول إنه الحق وهو طريق الحق، وبه يتوصل إلى الحق والبرهان، واردات ترد على القلوب من علام الغيوب فتعجز النفس عن تكذيبها لصدمات سطواتها، وكل نفس لم يأت القلب إليها بهذا البرهان لا تتابع القلب، وتقول: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا} [هود: 53] من الشهوات والمستلذات الحيوانية. {عَن قَوْلِكَ} [هود: 53] أي: بمجرد قولك من غير التأييد الرباني ودلائل البرهان، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53] بمصدقين بالبرهان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } . إلى آخر القصة أي: { وَ } أرسلنا { إِلَى عَادٍ } وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، { أَخَاهُمْ } في النسب { هُودًا } ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه. فـ { قَالَ } لهم { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ } أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عما هم عليه، من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره، وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد عبادة ما سواه. ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال { يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي: غرامة من أموالكم، على ما دعوتكم إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا. { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ } ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده. { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } عما مضى منكم { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } فيما تستقبلونه، بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى. فإنكم إذا فعلتم ذلك { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها. { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: {أية : من أشد منا قوة } تفسير : ؟ ، فوعدهم أنهم إن آمنوا، زادهم قوة إلى قوتهم. { وَلا تَتَوَلَّوْا } عنه، أي: عن ربكم { مُجْرِمِينَ } أي: مستكبرين عن عبادته، متجرئين على محارمه. فـ { قَالُوا } رادين لقوله: { يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة، تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه، إلا وبعث الله على يديه، من الآيات ما يؤمن على مثله البشر. ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله، وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح، وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش، والظلم، وأنواع المنكرات، مع ما هو مشتمل عليه هود، عليه السلام، من الصفات، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم، لكفى بها آيات وأدلة، على صدقه. بل أهل العقول، وأولو الألباب، يرون أن هذه الآية، أكبر من مجرد الخوارق، التي يراها بعض الناس، هي المعجزات فقط. ومن آياته، وبيناته الدالة على صدقه، أنه شخص واحد، ليس له أنصار ولا أعوان، وهو يصرخ في قومه، ويناديهم، ويعجزهم، ويقول لهم: { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ }. { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ } وهم الأعداء الذين لهم السطوة والغلبة، ويريدون إطفاء ما معه من النور، بأي طريق كان، وهو غير مكترث منهم، ولا مبال بهم، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وقولهم: { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ } أي: لا نترك عبادة آلهتنا لمجرد قولك، الذي ما أقمت عليه بينة بزعمهم، { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وهذا تأييس منهم لنبيهم، هود عليه السلام، في إيمانهم، وأنهم لا يزالون في كفرهم يعمهون. { إِنْ نَقُولُ } فيك { إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } أي: أصابتك بخبال وجنون، فصرت تهذي بما لا يعقل. فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة، التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن الله حكاها عنهم. ولهذا بين هود، عليه الصلاة والسلام، أنه واثق غاية الوثوق، أنه لا يصيبه منهم، ولا من آلهتهم أذى، فقال: { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا } أي اطلبوا لي الضرر كلكم بكل طريق تتمكنون بها مني { ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ } أي لا تمهلوني. { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ } أي اعتمدت في أمري كله على الله { رَبِّي وَرَبِّكُمْ } أي هو خالق الجميع ومدبرنا وإياكم وهو الذي ربانا. { مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي والله لم يسلطكم علي لم تقدروا على ذلك فإن سلطكم فلحكمة أرادها. فـ { إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره في شرعه وأمره وفي جزائه وثوابه وعقابه لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها { فَإِنْ تَوَلَّوْا } عما دعوتكم إليه { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } فلم يبق عليَّ تبعة من شأنكم. { وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يقومون بعبادته ولا يشركون به شيئا { وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } فإن ضرركم إنما يعود عليكم فالله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين {أية : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } تفسير : { إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ }. { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } أي عذابنا بإرسال الريح العقيم التي {أية : مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ }. تفسير : { نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي عظيم شديد أحله الله بعاد فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. { وَتِلْكَ عَادٌ } الذين أوقع الله بهم ما أوقع بظلم منهم لأنهم { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } ولهذا قالوا لهود { ما جئتنا ببينة } فتبين بهذا أنهم متيقنون لدعوته وإنما عاندوا وجحدوا { وَعَصَوْا رُسُلَهُ } لأن من عصى رسولا فقد عصى جميع المرسلين لأن دعوتهم واحدة. { وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ } أي متسلط على عباد الله بالجبروت { عنيد } أي معاند لآيات الله فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم واتبعوا كل غاش لهم يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم الله. { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } فكل وقت وجيل إلا ولأنبائهم القبيحة وأخبارهم الشنيعة ذكر يذكرون به وذم يلحقهم { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ } لهم أيضا لعنة { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ } أي جحدوا من خلقهم ورزقهم ورباهم { أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } أي أبعدهم الله عن كل خير وقربهم من كل شر.