١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه، وذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد، وفي هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة، والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة. قال أبو بكر الأصم: استغفروا، أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعدوا إلى مثله؛ ثم إنه عليه السلام قال: « حديث : إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم » تفسير : وهذا غاية ما يراد من السعادات، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضاً، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها، فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة، وقوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية، وأما المفسرون فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال: أحدهما: أن بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة، والدليل عليه قوله: { أية : إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ } تفسير : [الفجر: 7، 8] والثاني: أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا: { أية : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } تفسير : [فصلت: 15]، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة فإن الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيها درجات كثيرة، ونقل أيضاً أن الله تعالى لما بعث هوداً عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس الله عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد، فذلك قوله: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة وقوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } ففسروا هذه القوة بالمال والولد، والشدة في الأعضاء، لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان. فإن قيل: حاصل الكلام هو أن هوداً عليه السلام قال: لو اشتغلتم بعبادة الله تعالى لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية، وليس الأمر كذلك، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » تفسير : فكيف الجمع بينهما، وأيضاً فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية والأخروية عليها، فأما الترغيب في الطاعات، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها، فذلك لا يليق بالقرآن بل هو طريق مذكور في التوراة. الجواب: أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب أيضاً في خير الدنيا بقدر الكفاية. وأما قوله: {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } فمعناه: لا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه وأرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } من الشرك {ثُمَّ تُوبُواْ } ارجعوا {إِلَيْهِ } بالطاعة {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ } المطر - وكانوا قد مُنعوه - {عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً } كثير الدُّرور {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ } مع {قُوَّتِكُمْ }. بالمال والولد {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } مشركين.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِدْراراً} المطر في إبانه، أو المتتابع "ع" {قُوَّةً} شدة إلى شدتكم أو خصباً إلى خصبكم، أو عزاً إلى عزكم بكثرة عددكم وأموالكم أو ولد الولد.
النسفي
تفسير : {ويَا قَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } آمنوا به {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } من عبادة غيره {يُرْسِلِ ٱلسَّمَاء } أي المطر {عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } حال أي كثير الدرر {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ } إنما قصد استمالتهم إلى الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة البطش والقوة. وقيل: أراد القوة بالمال أو على النكاح. وقيل حبس عنهم القطر ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم فوعدهم هود عليه السلام المطر والأولاد على الإيمان والاستغفار. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه وفد على معاوية، فلما خرج قال له بعض حجابه: إني رجل ذو مال ولا يولد لي علمني شيئاً لعل الله يرزقني ولدا. فقال الحسن: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هود: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} وقول نوح: {أية : ويمددكم بأموال وبنين { تفسير : [نوح: 12] {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } ولا تعرضوا عني وعما أدعو إليه {مُّجْرِمِينَ } مصرين على إجرامكم وآثامكم {قَالُواْ يَا هُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } كذب منهم وجحود كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } تفسير : [ الرعد:27] مع فوت آياته الحصر {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } هو حال من من الضمير في {تاركي آلهتنا} كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه أقناطاً له من الإجابة {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } «إن» حرف نفي فنفى جميع القول إلا قولاً واحداً وهو قولهم {اعتراك} أصابك {بعض آلهتنا بسوء} بجنون وخبل وتقدير ما نقول قولًا إل هذه المقالة أي قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء {قَالَ إِنِى أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُواْ أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ}
الثعالبي
تفسير : وقوله: { وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...} الآية: ٱلاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب ٱلاسترشاد. وقوله: {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ }، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك مَتُوبٍ منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاح ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها و{مِّدْرَاراً } بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد». وقوله سبحانه: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أَنْ خَصَّ القوة بالذكْرِ، إِذا كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: {عَن قَوْلِكَ }، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال * ص *: {عَن قَوْلِكَ }: حالٌ من الضمير في «تاركي»، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: «عن»: للتعليل، كقولهِ: { أية : إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } تفسير : [التوبة:114] وقولهم: {إِن نَّقُولُ...} الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: عَرَّ يَعُرُّ، وٱعْتَرَى يَعْتَرِي؛ إِذا أَلمَّ بالشيء. وقوله: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا}: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع ٱنفرادِهِ وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يَقْدِروا علَى نيله بسُوءٍ، و{تَنظِرُونَ }: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه. وقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإِحكام، وقوله الصِّدْقُ ووعَده الحَقُّ، و{عَنِيدٍ }: من عند إِذا عَتَا.
القشيري
تفسير : استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار، مِنْ توهمكم أن نجاتَكم باستغفاركم. بل تَحقَّقُوا بأنكم لا تجدون نجاتَكم إلا بفضلِ ربِّكم؛ فَبِفَضْلِه وبتوفيقه توصَّلْتُم إلى استغفاركم لا باستغفاركم،وصلتم إلى نجاتكم، وبرحمته أهَّلَكُم إلى استغفاركم، وإلاَّ لَمَا وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم. والاستغفار قَرْع باب الرزق، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه، فتح عليه أبوابَ رحمته، وَيَّسرَ له أسبابَ نعمته. ويقال يُنَزِّل على ظواهركم أمطارَ النِّعمة،وعلى ضمائرِكم وسرائرِكم يُنَزِّل أنواعَ المِنَّة، ويزيدكم قوة على قوة؛ قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرِزْقِ، وقوةً تحصلون بها تحسين أصناف الخُلُقِ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} اى استغفروا من النظر الى غيرى وتوبوا الىّ من نفوسكم وروية طاعتكم واعوا منها يرسل سماء القدم على قلوبكم مدرار انوار تجليها ويزدكم اى يزد قوة ارواحكم فى طيرانها ولبساتين قدسى ورياض انسى وذلك القوة من سقيى اياها شراب الديمومية من بعاد السرمدية والازلية ومشاهدة الذات والصفات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويا قوم استغفروا ربكم} آمنوا به {ثم توبوا اليه} من عبادة غيره لان التوبة لا تصح الا بعد الايمان كما فى بحر العلوم واللائح للبال ان المعنى اطلبوا مغفرة الله تعالى لذنوبكم السالفة من الشرك والمعاصى بان تؤمنوا به فان الايمان يجب ما قبله اى يقطع ثم ارجعوا اليه بالطاعة فان التحلية بالمهملة بعد التخلية بالمعجمة فيكون ثم على بابها فى التراخى ايضا {يرسل السماء عليكم} اى المطر {مدرارا} من ابنية مبالغة الفاعل يستوى فيه المذكر والمؤنث واصله من در اللبن درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرار ومطر مدرار اذا تتابع منه المطر فى اوقات الاحتياج اليه. والمعنى حال كونه متتابعا دائما كلما تحتاجون. وقال الكاشفى [تابفر ستد از آسمان بارانى بيوسته] {ويزدكم} [وبيفزايد وزياده كند] {قوة} مضافة منضمة {الى قوتكم} اى يضاعفها لكم وانما رغبهم فى الايمان بكثرة المطر وزيادة القوة لانهم كانوا اصحاب زروع وبساتين وعمارات حراصا عليها اشد الحرص فكانوا احوج شيء الى الماء وكانوا مدلين بما اوتوا من شدة القوة والبطش والبأس والنجدة ممنوعين بها من العدو مهيبين فى كل ناحية. وقال الكاشفى [آورده اندكه عاديان دعوت هود قبول نكردند وحق سبحانه وتعالى بشآ مت آن سه سال باران ازايشان باز كرفت وزنان ايشانرا عاقره وعقيمه ساخت وجون اصحاب زراعت بودند ودشمنان نيزداشتند براى زراعت به باران وبرأى دفع اعادى باولاد محتاج شدند هود عليه السلام فرمودكه {يا قوم استغفروا} الخ فيكون معنى قوله {ويزدكم قوة الى قوتكم} قوتى باقوت شما يعنى فرزندان دهد شمارا تابمدد ايشان بر دفع اعادى قادر شويد]. وعن الحسن بن على انه وفد على معاوية لما خرج تبعه بعض حجابه فقال انى رجل ذو مال ولا يولد لى فعلمنى شيئا لعل الله يرزقنى ولدا فقال عليك بالاستغفار فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر فى يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين فبلغ ذلك معاوية فقال هلا سألته مم قال ذلك فوفد وفدة اخرى فسأله الرجل فقال ألم تسمع قول هود {ويزدكم قوة الى قوتكم} وقول نوح {ويمددكم باموال وبنين} {ولا تتولوا} ولا تعرضوا عما ادعوكم اليه وارغبكم فيه {مجرمين} اى حال كونكم مصرين على الاجرام والآثام والاجرام كسب الجرم كالاذناب بكسر الهمزة كسب الذنب
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على ما قبلها، وفيها حكاية ايضاً عما قال هود لقومه، فانه ناداهم، وقال {يا قوم استغفروا ربكم} اي اطلبوا منه المغفرة {ثم توبوا إليه} وانما قدم الاستغفار قبل التوبة، لأَنه طلب المغفرة التي هي الغرض، ثم بين ما به يتوصل اليها هو التوبة، والغرض مقدم في النفس، لان الحاجة اليه ثم السبب، لأنه يحتاج اليه من اجله. وقيل ان (ثم) في الآية بمعنى الواو، كما قال {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها} وكان جعل الزوج منها قبل جميع البشر. وقبل ان المعنى استغفروا ربكم من الوجه الذي يصح، من الايمان به وتصديق رسله، والاقلاع عن معاصيه، والتوبة من القبائح {ثم توبوا إليه} بمعنى استديموا على ذلك وجددوا التوبة بعد التوبة، لئلا يكونوا مصرين. وكل ذلك جائز. وظاهر هذه الآية يقتضي أن الله تعالى يجعل الخير بالتوبة ترغيباً فيها، لأنه وعد متى تاب العاصي يرسل السماء عليهم مدراراً وهو الدرر الكثير المتتابع على قدر الحاجة اليه دون الزائد المفسد المضر، ونصبه على الحال. وروي انهم كانوا أجدبوا، وانهم متى تابوا أخصبت بلادهم واثمرت اشجارهم وانزل عليهم الغيث الذي يعيشون به. و (مفعال) صفة للمبالغة كقولهم: منجار، ومعطار، ومغزار. ومثله {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}تفسير : ولولا هذا الوعد لما وجب ذلك. واما الثواب على التوبة فمعلوم عقلاً. وقوله {ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين} معنا ان الله تعالى اذا تبتم {يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى} القوة التي فعلها فيكم، ويجوز ان يريد بذلك تمكينهم من النعم التي ينتفعون بها ويلتذون باستعمالها، فان ذلك يسمى قوة. وقوله {ولا تتولوا مجرمين} تمام الحكاية عنه انه قال لقومه لا تتولوا من عصا الله وترك عبادته.
الجنابذي
تفسير : {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} قد مضى فى هذه السّورة تفسيره {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} درّ السّماء بالمطر سالت به والمدرار بمعنى كثير الدّر حال من السّماء وارسال السّماء عبارة عن ارسال السّحاب او المطر من جهة انّهما يجيئان من جهتها، او المراد بالسّماء هو السّحاب او المطر من دون ملاحظة علاقة لاطلاقها على كلّ علوىّ {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} رغّبهم فى الايمان بذكر ترتّب الغايات الدّنيويّة عليه لانّ حالهم كانت كحال الصّبيان لا يرون الخير الاّ فيما احسّوه خيراً من الاعراض الدّنيويّة وكان المناسب لحالهم وعدهم بما يظنّونه خيراً، وقيل: لم يمطروا ثلاث سنين وكانوا قد اعقمت نساؤهم فكانوا طالبين للمطر وللاولاد والمراد بزيادة القوّة زيادة العدد {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} دالّة على صدقك قالوه عناداً {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} يعنى ما نقول وما تحتمل فى حقّك شيئاً الاّ هذا القول وهو قولنا اعتريك اى اصابك بعض الهتنا بسوءٍ فصرت مجنوناً، او ما نقول معك الاّ هذا القول يعنى لا تخاطب لنا معك لانّك مجنون باصابة بعض آلهتنا. اعلم، انّ الشياطين كانوا يظهرون حيناً ما على هياكل الاصنام بعض الغرائب مثل التّكلّم على السنتهم ولذا كانوا مغترّين بها مع انّها جمادات بلا روح والاّ فالعاقل لا ينسب الى الجماد ما يخوّف به الانسان {قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ} اجابهم عن التّخويف بالاصنام بالتّحدىّ وعدم المبالاة بها {فَكِيدُونِي} انتم وآلهتكم {جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} كناية عن تسخيره تعالى وقهره لكلّ دابّة. بيان فى وحدة الوجود اعلم، انّ الاصل فى التّحقّق هو الوجود كما سبق فى اوّل البقرة وعليه معظم الحكماء والمشّائين والاشراقيّين، وقرّره جميع اهل الذّوق من العرفاء والصّوفيّة الصّافيّة الطويّة رضوان الله عليهم وانّه حقيقة واحدة وسيعة ذات مراتب عديدة وبحسب تنزّلاتها وكثرة مراتبها يطرؤها الحدود الكثيرة، وباعتبار الحدود ينتزع منها مهيّات عديدة متباينة ومتشاركة، وبكثرة الحدود والمهيّات لا ينثلم وحدتها اذ وحدتها ليست اعتباريّة حتّى تنثلم باعتبار الكثرة، ولا جنسيّة حتّى تنثلم بانضمام الفصول، ولا نوعيّة ولا صنفيّة حتّى تنثلم بالمصنّفات والمشخّصات، ولا عدديّة حتّى يتصورّ لها ثان، ولا تركيبيّة ولا اتّصاليّة حتّى تنثلم بالتّحليل والتّقسيم بل لا تركيب فيها من جنس وفصل ولا نوع ومشخّص ولا مهيّة ووجود ولا وجود وحدّ وجود، ولذا كانت لا اسم لها ولا رسم وكانت غيباً مطلقاً لا خبر عنها ولا اثر والاسماء والرّسوم والكثرات المتراءات فيها انّما هى فى مقام ظهورها فحقيقة الوجوب هى الظّاهرة فى كلّ المظاهر وهى الغاية عن الكلّ ومن قال: سبحان من اظهر الاشياء وهو عينها؛ نظر الى تلك الحقيقة فانّها باعتبار مقام الغيب ومرتبة الوجوب خالق الكلّ ومظهرها، وباعتبار مقام الظّهور عين الكلّ وحقائقها فانّه ليس فى تلك العبارة اشعار بوحدة الوجود المؤدّية الى الاباحة والالحاد فانّه نزّهه سبحانه اوّلاً عن الاختلاط بالكثرات ثمّ اسند الاظهار اليه واثبت الاشياء فأشار الى الكثرات والى تنزّهه تعالى عن الكلّ وعلوّه على الكلّ ثمّ قال: انّه باعتبار حقيقة الوجود عين الكلّ والكلّ متحقّق به لا باعتبار مرتبة الوجوب والاّ لزم التّناقض فى كلامه وهو اجلّ شأناً من ان يأتى بالتّناقض فى كلامٍ واحدٍ، والى هذا المعنى اشير فى الكلام الآلهىّ بقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الحديد:3] اى الله باعتبار حقيقة الوجود لا باعتبار مقام الوجوب، وما ورد من امثال هذا فى كلمات الكبار من الصّوفيّة فهو ناظر الى تلك الحقيقة لا الى مقام الوجوب حتّى يرد عليهم ما اوردوه مثل قولهم: شعر : غيرتش غير درجهان نكذاشت زان سبب عين جملة اشياء شد كه يكى هست وهيج نيست جزاو وحده لا اله الاّ هو جنبشى كرد بحر قلزم عشق صد هزاران حباب بيدا شد ليس فى الدّار غيره ديار هو لحظه بشكلى بت عيار برآمد دل بردو نهان شـــــد هردم بلباس دكران ياربرآمد كه بيرو جوان شــــد تفسير : الى آخر ما قاله المولوىّ من هذا القبيل، فانّ الكلّ اثبتوا الكثرات ثمّ ذكروا تحقّقها بحقيقة الوجود لا بمقام الوجوب والاّ لزم التّناقض فى كلامهم وتلك الحقيقة من حيث هى منزّهة عن جملة الكثرات وتمام القيود والاعتبارات حتّى اعتبار الاطلاق وقيد اللاّ بشرطيّة، ولذا صارت مقسماً لجملة المقيّدات والمطلّقات لا كمقسميّة المفاهيم العامّة ولا كمقسميّة الاجناس والانواع بل مقسميّته فوق ما ندركه مجهولة الكنه كنفس تلك الحقيقة، فاذا اعتبرت بشرط لا كانت مقام الوجوب، واذا اعتبرت مطلقة مقيّدة بالاطلاق كانت مقام الفعل ومرتبة المشيّة والصّراط المستقيم بين الخلق والحقّ، واذا اخذت بشرط شيءٍ كانت ممكنة ومخلوقة بمراتبها المتكثّرة، فالحقيقة فى الواجب وجود وفى مقام الفعل وجود وفى مقام الممكن وجود ولا يلزم من ذلك تشبيه ولا تشريك، لانّ المخلوقيّة فى الحقيقة راجعة الى المهيّات الّتى ما شمّت رائحة الوجود ابداً ووجود المخلوق هو خالقيّته تعالى وفعله الّذى هو اضافته الى الاشياء ولا حكم له على حياله بل هو باعتبار المهيّات محكوم عليه بالمخلوقيّة وباعتبار الفاعل بالوجوب فهو فى الخارجيّات كالمعنى الحرفىّ فى الّذهنيّات وهو ليس ايّاه وليس غيره بل هو هو بوجهٍ وغيره بوجهٍ، فمن نظر الى وجود الممكنات من حيث تحدّدها وتعيّنها بالمهيّات فهو ناظر الى المصنوع مردود ملعون عن الله، ومن نظر اليه من حيث انّه فعل الرّبّ وصنعه فهو مرحوم مكرم: شعر : عاشق صنع خدا بافرّ بود عاشق مصنوع او كافر بود تفسير : ناظر الى ما ذكرنا والاشكال بانّ الرّضا بالقضاء واجب والرّضا بالكفر كفر مع انّ الكفر من القضاء مشهود، مدفوع بما ذكر، اذا تقرّر هذا فاعلم، انّ ناصية كلّ شيءٍ ما به اوّل ظهوره وما به توجّهه الى ما يتوجّه اليه وهى فى كلّ الممكنات جهة وجودها الّتى بها ظهورها وتحقّقها وبها توجّهها الى اصلها الّذى هو حقيقة الوجود والوجودات الامكانيّة اظلال الوجود المطلق الّذى هو ظلّ الحقّ تعالى، والاظلال الوجوديّة كلّها محاطة مقهورة مسخّرة تحت الوجود المطلق، والحقّ الاوّل تعالى شأنه محيط بفعله آخذ له قاهر عليه والوجود المطلق هو الصّراط المسقيم فقوله: ما من دابّة فى الارض اشارة الى جملة الممكنات بذكر اشرفها الاّ هو اشارة الى مقام الوجوب آخذ اشارة الى الوجود المطلق بناصيتها اشارة الى الوجودات الامكانيّة ولذا علّله بقوله { إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لانّه محيط بالوجود المطلق الّذى هو محيط بالوجودات الامكانيّة وباعتبار كثرة العوالم فى العالم الكبير والعالم الصّغير تتكثّر مصاديق الآية الشريفة ومظاهر مصداقها الحقيقى.
اطفيش
تفسير : {ويا قَومِ اسْتَغفرُوا ربَّكُم} من الشرك، بأن تتركوه وتوحدوا، والاستغفار طلب المغفرة، قد يكون باللسان، وقد يكون بعمل الخير، وترك الشر بالقلب والجارحة، وإنما فسرنا الاستغفار بترك الإشراك، لأنه إنما يطلب أولا التوحيد. {ثمَّ توبُوا إليْهِ} ارجعوا إليه بالطاعة له وحده، والتوبة إنما تصح بعد الإيمان، أو توسلوا إليه بالتوبة عقد فى ترك الشئ يتقدمه علم بفساد ذلك الشئ، وصلاح ما يرجع إليه، وأما الندم فرد المظالم ونحوها وهى شروط وتوابع، وقيل: الاستغفار ترك الشرك، والتوبة توبة عن الشرك، وعبادة غير الله وسائر الذنوب. {يُرسِل السَّماء عَليْكُم} يسمى المطر أو الماء باسم جهته وهو لفظ السماء، بمعنى سماء الدنيا، أو باسم محله وهو الجو الذى فوقنا، فإنه أيضا سماء، وذلك مجاز مرسل، ويجوز أن يقدر مضاف أى مطر السماء أو ماء السماء، فيكون لفظ السماء مجازا بالحذف. {مِدْراراً} صفة مبالغة كمضراب ومنجاز، أى كثير الدرور، أى متتابعا مرة بعد أخرى فى أوقات الحاجة، فتكثر أرزاقكم وأموالكم، ولم يؤنث مع أن السماء مؤنث، لأن مفعالا لا يؤنث، وأيضا المراد بالسماء المطر أو الماء، وهما مذكران، أو يقدر أحدهما وينوى كما مر، ورغبهم فى الإيمان بإدرار المطر، لأن بلادهم كانت مخصبة كثيرة الخير والنعم، وكانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وحرص على ذلك، وقد أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فأجدبت بلادهم، وكانوا أحوج شئ إلى الماء، فأخبرهم هود أنهم إن آمنوا رد الله عليهم حال أرضهم، وكانوا أيضا مدلهين بقوة أبدانهم، وشدة بطشهم وشجاعتهم، فرغبهم فى الإيمان بالزيادة فيها إذ قال: {ويزِدْكم قُوةً إلى قُوَّتكُم} قاله مجاهد، وكانوا ميهيين فى كل ناحية، وقيل: أراد القوة فى المال، وقيل: القوة فى النكاح فيكثر نسلهم، وقيل: فى المال والولد، وقيل: قوة بالدين إلى قوتكم التى أنتم فيها بالدنيا، والظاهر العموم فى كل ما يحسن الله تعالى به إلى عباده. وروى أن الله عقَّم أرحام نسائهم فى ثلاث سنين، فأخبرهم هود أنهم إن آمنوا أرسل الله عليهم المطر، وأعاد الأرحام كما كانت. وفد الحسن بن على بن أبى طالب على معاوية، ولما خرج تبعه بعض حجابه فقال: إنى رجل ذو مال ولا يولد لى فعلمنى شيئا لعل الله يرزقنى ولدا، فقال له: عليك بالاستغفار، فأكثر منه حتى كان يستغفر فى يوم واحد سبعمائة مرة، فولد له عشرة أبناء، فبلغ ذلك معاوية، فقال: هلا سألته ممن قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول الله حكاية عن قول هود: {يزدكم قوة إلى قوتكم} وقول نوح: {أية : ويمددكم بأموال وبنين }. تفسير : {ولا تَتَولَّوا} تعرضوا، لعنادهم وعدم اعتدالهم بما جاءهم من المعجزات عن التوحيد والعمل الصالح، والإيمان برسالتى {مُجْرمينَ} مصرِّين على الإجرام والآثام، وهو حال، وقيل مشركين.
اطفيش
تفسير : {وَيَا قَوْمِ} استعطاف ثالث {اسْتَغْفِرُوا} اطلبوا المغفرة من ربكم {رَبِّكُمْ} لما مضى منكم من الإِقلاع عن الشرك وسائِر المعاصى، وكون الإِسلام جبا لما قبله لا يمنع من الاستغفار مما قبله، وقيل الاستغفار الإِيمان، ويرده أَنه يغنى عنه قوله اعبدوا الله لأَن معناه وحدوه، وقيل الاستغفار من الشرك والتوبة. مما دونه {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} ارجعوا إِليه بالعبادة أَو توسلوا إِليه فى تحصيل مطالبكم بالتوحيد والعبادة. ولا يخفى أَن التوبة والبرءَ من عبادة غير الله تعالى متأَخران بالذات والرتبة عن الإِيمان بالله والرغبة فيما عنده، ولذلك عطف بثم، أَو التوبة مجاز عن التوصل إِلى المطلوب لأَنها سبب والملزوم، فثم على ظاهرها {يُرْسِلِ السَّمَاءَ} المطر {عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} كثير الدرور، أَى السيلان. وإِن أُريد بالسماءِ السحاب أَو الفلك كان مجازا للحذف، أَى يرسل ماءَ السماءِ أَو مرسلا تسمية للحال باسم المحل، والحال الماءُ ومدراراً حالا وهو مفعال للمبالغة، فلا يؤنث، ولو اعتبرنا تأْنيث من اتصف به حتى أَنه لو قلنا مدرارة لقلنا التاءُ للمبالغة لا للتأْنيث، وكانوا قحطوا وأَعقموا ثلاث سنين، وقيل أُعقموا ثلاثين سنة فرغبهم فى الإِسلام بالمطر الكثير وزيادة القوة المؤَدية إِلى كثرة النسل كما قال {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ} منضمة أَو مضمومة إِلى قوتكم أَو مع قوتكم. والأَول أَولى لبقائِه على الأَصل ورجحان معناه، والمراد قوة البدن، وقيل القوة العز وهو المال والبنون كما فسرها الضحاك بالخصب ويكون المال به، وكما فسرها عكرمة بولد الولد وذلك كله فى قوله تعالى: "أية : ويمددكم بأَموال وبنين"تفسير : [نوح: 12] وقيل القوة الأُولى فى الإِيمان يزيدهم الله على ما فيهم من قوة البدن، والثانية قوة البدن، وكانوا أَصحاب بساتين وزروع وماشية فرغبهم بالمطر {وَلاَ تَتَوَلَّوْا} لا تصيروا بعد هذا الوقت أَو لا تذهبوا عن مواضعكم التى أَنتم عليها حال وعظى إِياكم {مُجْرِمِينَ} مشركين، بل اذهبوا عنى مؤْمنين لا مصرين على الإِجرام، أَو لا تصيروا مجرمين بانكار ما قلت لكم زيادة على كفركم السابق، أَو لا تذهبوا مجرمين بإِنكاره زيادة.
الالوسي
تفسير : {وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} من الشرك {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} أي ارجعوا إليه تعالى بالطاعة أو توبوا إليه سبحانه وأخلصوا التوبة واستقيموا عليها، وقيل: الاستغفار كناية عن الإيمان لأنه من روادفه، وحيث أن الإيمان بالله سبحانه لا يستدعي الكفر بغيره لغة قيل: {ثُمَّ تُوبُواْ} فكأنه قيل: آمنوا به ثم توبوا إليه تعالى من عبادة غيره، وتعقب بأن قوله سبحانه:{أية : اعْبُدُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [هود:50] دل على اختصاصه تعالى بالعبادة فلو حمل {ٱسْتَغْفِرُواْ} على ما ذكر لم يفد فائدة زائدة سوى ما علق عليه، وقد كان يمكن تعليقه بالأول، والحمل على غير الظاهر مع قلة الفائدة مما يجب الاحتراز عنه في كلام الله تعالى المعجز، وقيل: المراد بالاستغفار التوبة عن الشرك وبالتوبة التوبة عما صدر منهم / غير الشرك، وأورد عليه أيضاً أن الإيمان يجبّ ما قبله، وقيل: المراد بالأول طلب المغفرة بالإيمان وبالثاني التوسل إليه سبحانه بالتوبة عن الشرك، وأورد عليه أن التوسل المذكور لا ينفك عن طلب المغفرة بالإيمان لأنه من لوازمه فلا يكون بعده كما تؤذن به {ثُمَّ} ـ وقيل وقيل ـ وقد تقدم بعض الكلام في ذلك أول السورة. {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآء} أي المطر كما في قوله: شعر : إذا (نزل السماء) بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : {عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً} كثير الدر متتابعة من غير إضرار فمفعال للمبالغة كمعطار ومقدام. {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} أي عزاً مضموماً إلى عزكم أو مع عزكم ويرجع هذا إلى قوله تعالى: أية : {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ}تفسير : [نوح: 12] لأن العز الدنيوي بذلك، وعن الضحاك تفسير القوة بالخصب، وعن عكرمة تفسيرها بولد الولد، وقيل: المراد بها قوة الجسم، ورغبهم عليه السلام بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وقيل: حبس الله تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فوعدهم هود عليه السلام على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل، وقيل: القوة الأولى في الإيمان والثانية في الأبدان أي يزدكم قوة في إيمانكم إلى قوة في أبدانكم {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ} أي لا تعرضوا عما دعوتكم إليه {مُّجْرِمِينَ} مصرين على ما أنتم عليه من الإجرام، وقيل: مجرمين بالتولي وهو تكلف.
الواحدي
تفسير : {يرسل السماء عليكم مدراراً} كثير الدَّرِّ. يعني: المطر {ويزدكم قوة إلى قوتكم} يعني: المال والولد، وكان الله سبحانه قد حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله سبحانه بلادكم، ورزقكم المال والولد. {قالوا} مُنكرين لنبوَّته: {يا هود ما جئتنا ببينة} بحجَّةٍ واضحةٍ، وقوله: {اعتراك} أصابك ومسَّك {بعض آلهتنا بسوء} بجنونٍ فأفسد عقلك، فالذي يظهر مِنْ عيبها لما لحق عقلك من التَّغيير {قال} نبيُّ الله عليه السَّلام عند ذلك: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون} أَيْ: إن كانت عندكم الأصنام أنَّها عاقبتني لطعني عليها، فإني أزيد الآن في الطَّعن عليها، وقوله: {فيكدوني جميعاً} احتالوا أنتم وأوثانكم في عداوتي {ثم لا تنظرون} لا تُؤجِّلون.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 52- ويا قوم، اطلبوا من خالقكم أن يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، ثم ارجعوا إليه. إنكم إن فعلتم ذلك يُرْسِل المطر عليكم متتابعاً، فتكثر خيراتكم، ويزدكم قوة إلى قوتكم التى تغترون بها، ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه، مصممين على الإجرام الذى يرديكم فى الهلاك. 53- قالوا: يا هود ما جئتنا بحُجة واضحة على صحة ما تدعونا إليه، وما نحن بتاركى عبادة آلهتنا لمجرد قولك، أنتركها وما نحن لك بمصدقين. 54- ما نقول فى موقفك منا: إلا أن بعض آلهتنا مَسَّتْكَ بِشَر، فصرت تهذى بهذا الكلام، قال مُصِراً على إيمانه متحدياً: أقول، وأشهد الله على ما أقول، وأشهدكم عليه: إنى برئ من داء الشرك الذى أنتم فيه، فأنتم المرضى. 55- ولا أبالى بكم ولا بآلهتكم التى تدَّعون أنها مسَّتنى بسوء، فتعاونوا أنتم وآلهتكم على الكيد لى، ثم لا تؤخرون عقابى لحظة، إن استطعتم. 56- إننى اعتمدت على الله، وهو مالك أمرى وأمركم، لا يعجزه شئ عن رد كيدكم، وهو القادر على كل شئ. فما من دابة إلا وهو مالك أمرها ومتصرف فيها، فلا يعجزه حفظى من أذاكم، ولا إهلاككم، إن أفعال ربى تجرى على طريق الحق والعدل فى ملكه، فينصر المؤمنين المصلحين، ويخذل الكافرين المفسدين.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيٰقَوْمِ} (52) - وَأَمَرَ هُودٌ قَوْمَهُ بِاسْتِغْفَارِ رَبِّهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَمِمَّا أَسْلَفُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَبِإِخْلاَصِ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ عَمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَاسْتَغْفَرَهُ، يَسَّرَ الله عَلَيهِ رِزْقَهُ، وَسَهَّلَ عَلَيهِ أَمْرَهُ، وَحَفِظَ شَأْنَهُ، وَأَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيْهِ بِالمَطَرِ المُتَتَابعِ، فَيَزْدَادُ قُوَّةً وَرَفَاهاً. ثُمَّ أَمَرَهُمْ هُودٌ بِأَنْ لاَ يُعْرِضئثوا عَمَّا دَعَاهُمْ إِليهِ، وَأَنْ يُقْلِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرش وَالإِجْرامِ وَالإِسَاءَةِ إلى النَّاسِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُتفسير : ). السَّمَاءَ - المَطَرَ. مِدْرَاراً - مُتَتَابِعاً غَزِيراً بِلا أَضْرَارٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا نعلم أن الاستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب، فنقول: يارب اغفر لنا. وساعة تطلب المغفرة من الله تعالى، فهذا إعلان منك بالإيمان، واعتراف بأن تكليف الحق لك هو تكليف حق. وما دام الإنسان قد طلب من الله تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب، فعليه ألا يرتكب ذنوباً جديدة، وبعد التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي. وعلى الإنسان أن يتذكّر أن ما به من نعمة فمن الله، وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر الله تعالى؛ فلا تنسيك رتابة الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم. والحق سبحانه وتعالى حين يرسل رسولاً، فأول ما ينزل به الرسول إلى الأمة هو أن يصحِّح العقيدة في قمتها، ويدعوهم إلى الإيمان بإله واحد يتلقَّون عنه "افعل" و"لا تفعل". وهنا يكون الكلام من هود عليه السلام إلى قومه "قوم عاد"، والدعوة إلى الإيمان بإله واحد وعبادته، والأخذ بمنهجه لا يمكن أن يقتصر على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية الله تعالى، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج. ولكن عبادة الله تعالى هي أن تؤدِّي الشعائر والعبادات، وتتقن كل عمل في ضوء منهج الله، فلا تعزل الدين عن حركة الحياة. والذين يخافون من دخول الإسلام في حركة الحياة، يريدون منَّا أن نقصر الدين على الطقوس، ونقول لهم: إن الإسلام حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا كلها، وحارب حضارتين عريقتين؛ حضارة الفرس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب. وهؤلاء كانوا أمماً لها حضارات قديمة وقوية، وثقافات وقوانين، ومع ذلك جاء قوم من البدو الأمِّيين؛ يقود عقيدتهم رجلٌ أمِّيٌّ أرسله الله سبحانه وتعالى؛ فيطيح بكل هؤلاء؛ نظماً وثقافات وارتقاءات بمستوى الحياة إلى مستوى طموح العقول. يريد هؤلاء - إذن - أن يقوقعوا الإسلام في الأركان الخمسة فقط؛ ليعزلوه عن حركة الحياة. ونقول لهم: لا، لا يمكنكم أن تقصروا العبادات على الأركان الخمسة فقط؛ لأن العبادة معناها أن يوجد عابد لمعبود حقٍّ، وأن يطيع العابد أوامر المعبود؛ وتتمثَّل أوامر المعبود في "افعل" و"لا تفعل"؛ وما لم يَردْ فيه "افعل" و"لا تفعل"؛ فهو مباح؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله؛ وبفعله أو عدم فعله لا يفسد الكون. إذن: فالعبادة هي كل أمر صادر من الله تعالى؛ فلا تعزلوها في الطقوس؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغنا؛ وأوضح لنا أن أركان الإسلام الخمس هي التي بني عليها الإسلام؛ وليست هي كل الإسلام. إذن: فالإسلام بناء يقوم على أركان؛ لذلك لا يمكن أن نحصر الإسلام في أركانه فقط؛ فالإسلام هو كل حركة في الحياة، ولا بد أن تنتظم حركات البشر تبعاً لمنهج الله، لتنتظم الحياة كما انتظم الكون من حولنا. فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة، وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر في باب العبادات في تقسيم الفقهاء، وأغفلوا أن باب المعاملات هو من العبادة أيضاً، واستقامة الناس في المعاملات تؤدي إلى انتظام حياة الناس. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ..} [هود: 52]. والاستغفار لا يكون إلا عن ذنوب سبقت؛ وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلام لقومه؛ إذن: فالاستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي جاء من قبله، أو هي الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة. ثم يدعوهم بقوله: {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ..} [هود: 52]. والتوبة تقتضي العزم على ألا تُنشئوا ذنوباً جديدة. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ..} [هود: 52]. ولقائل أن يقول: وما صلة الاستغفار بهذه المسألة الكونية؟ ونقول: إن للكون مالكاً لكلِّ ما فيه؛ جماده ونباته وحيوانه؛ وهو سبحانه قادر، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمراً؛ وهو القادر أن يخرج الأشياء عن طبيعتها؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة؛ قد يأمرها الحق سبحانه فلا تمطر. مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الأحقاف: 24]. إذن: فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة؛ إنما ربُّ الأسباب يملكها؛ فإن شاء فعل ما يشاء. وإذا ما عبدتَ الله تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة؛ فأنت تُقبل على عمارة الأرض؛ وتوفِّر لنفسك القُوْتَ باستنباطه من الأسباب التي طمرها الله سبحانه وتعالى في الأرض. والقوت - كما نعلم - من جنس الأرض؛ لذلك لا بد أن نزرع الأرض؛ وتَمُدَّ البذور جذورها الضارعة المسبِّحة الساجدة لله تعالى؛ فيُمطر الحقُّ سبحانه السماءَ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرِّب إليها عبر الأرض؛ ونأخذ نحن أيضاً حاجتنا من هذا الماء. والسماء هي كل ما عَلاكَ فأظلَّكَ؛ أما السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها. وانظروا قول الحق سبحانه: {أية : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}تفسير : [الحج: 15]. أي: من كان يظن أن الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلِّق نفسه فيه؛ ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل عنه. {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً ..} [هود: 52]. والمدرار: هو الذي يُدِرُّ بتتابع لا ضرر فيه؛ لأن المطر قد يهطل بطغيان ضارٍّ، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر. إذن: المدرار هو المطر الذي يتوالى توالياً مُصلحاً لا مُفسداً. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر: "حديث : اللهم حوالينا ولا علينا ". تفسير : ومتى أرسِل المطر مدراراً متتابعاً مصلحاً؛ فالأرض تخضرُّ؛ وتعمر الدنيا؛ ونزداد قوة إلى قوتنا. أما مَنْ يتولَّى؛ فهو يُجرم في حقِّ نفسه؛ لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه؛ فلا تظنّ أن إجرام أَيِّ عبدٍ بالمعصية يؤذي غيره. والحق سبحانه يقول: {أية : .. وَلَـٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [يونس: 44]. ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالردِّ الذي قاله قوم عاد: {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):