Verse. 1526 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

قَالُوْا يٰہُوْدُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَۃٍ وَّمَا نَحْنُ بِتَارِكِيْۗ اٰلِہَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ ￀مِنِيْنَ۝۵۳
Qaloo ya hoodu ma jitana bibayyinatin wama nahnu bitarikee alihatina AAan qawlika wama nahnu laka bimumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا يا هود ما جئتنا ببيِّنة» برهان على قولك «وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك» أي لقولك «وما نحن لك بمؤمنين».

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم، حكى أيضاً ما ذكره القوم له وهو أشياء: أولها: قولهم: {مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } أي بحجة، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. وثانيها: قولهم: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } وهذا أيضاً ركيك، لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس. وثالثها: قوله: {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود. ورابعها: قولهم: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } يقال: اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه. والمعنى: أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام: {إِنِى أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُواْ أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ } وهو ظاهر. ثم قال: {فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه: { أية : فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } تفسير : [يونس: 71] إلى قوله: { أية : وَلاَ تُنظِرُونَ } تفسير : [يونس: 71]. واعلم أن هذا معجزة قاهرة، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم: بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون؛ فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقاً من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء. ثم قال: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } قال الأزهري: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته. واعلم أن العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان، أي أنه مطيع له، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته، ومنقاد لقضائه وقدره. ثم قال: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وفيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب، قالت المعتزلة قوله: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } يدل على التوحيد وقوله: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } يدل على العدل، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل. والثاني: أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } يعني أنه لا يخفى عليه مستتر، ولا يفوته هارب، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه، كما قال: { أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } تفسير : [الفجر: 14] الثالث: أن يكون المراد {إِنَّ رَبّى } يدل على الصراط المستقيم، أي يحث، أو يحملكم بالدعاء إليه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}، أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىۤ ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} أي: بمجرد قولك: اتركوهم، نتركهم {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدقين {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك؛ بسبب نهيك عن عبادتها، وعيبك لها {قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام {فَكِيدُونِى جَمِيعًا} أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقاً {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي: طرفة عين. وقوله: {إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور في حكمه، فإنه على صراط مستقيم. قال الوليد بن مسلم: عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه قال في قوله تعالى: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال: فيأخذ بنواصي عباده، فيلقن المؤمن حتى يكون له أشفق من الوالد لولده، ويُقال للكافر: {أية : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6] وقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولاتبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاصَ العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ يـَٰهُودٍ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } برهان على قولك {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } أي لقولك {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... إن ربي على صراط مستقيم} فيه وجهان: أحدهما: على الحق، قاله مجاهد. الثاني: على تدبير محكم، قاله علي بن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أنه على طريق الآخرة في مصيركم إليه للجزاء وفصل القضاء.

ابن عطية

تفسير : المعنى: {ما جئتنا} بآية تضطرنا إلى الإيمان بك ونفوا أن تكون معجزاته آية بحسب ظنهم وعماهم عن الحق، كما جعلت قريش القرآن سحراً وشعراً ونحو هذا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر"تفسير : الحديث، وهذا يقضي بأن هوداً وغيره من الرسل لهم معجزات وإن لم يعين لنا بعضها. وقوله: {عن قولك} أي لا يكون قولك سبب تركنا إذ هو مجرد عن آية، وقولهم: {إن نقول} الآية، معناه ما نقول إلا أن بعض الآلهة لما سببتها وضللت عبدتها أصابك بجنون، يقال: عر يعر واعترى يعتري إذا ألم بالشيء، فحينئذ جاهرهم هود عليه السلام بالتبري من أوثانهم وحضهم على كيده هم وأصنامهم، ويذكر أن هذه كانت له معجزة وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم وكفرهم فلم يقدروا على نيله بسوء. و {تنظرون} معناه تؤخروني أي عاجلوني بما قدرتم عليه، وقوله تعالى: {إني توكلت على الله} الآية، المعنى: أن توكلي على الله الذي هو ربي وربكم مع ضعفي وانفرادي وقوتكم وكثرتكم يمنعني منكم ويحجز بيني وبينكم؛ ثم وصف قدرة الله تعالى وعظم ملكه بقوله: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} وعبر عن ذلك بـ "الناصية"، إذ هي في العرف حيث يقبض القادر المالك ممن يقدر عليه، كما يقاد الأسير والفرس ونحوه حتى صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة على الحيوان، وكانت العرب تجز ناصية الأسير الممنون عليه لتكون تلك علامة أنه قدر عليه وقبض على ناصيته. و"الدابة": جميع الحيوان، وخص بالذكر إذ هو صنف المخاطبين والمتكلم. وقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} يريد أن أفعال الله عز وجل هي في غاية الإحكام، وقوله الصدق، ووعده الحق؛ فجاءت الاستقامة في كل ما ينضاف إليه عز وجل. فعبر عن ذلك بقوله: {إن ربي على صراط مستقيم} على تقدير مضاف.

البقاعي

تفسير : ولما محّض لهم النصح على غاية البيان، ما كان جوابهم إلا أن {قالوا} أي عاد بعد أن أظهر لهم هود عليه السلام من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر {يا هود} نادوه باسمه غلظة وجفاء {ما جئتنا ببينة} فأوضحوا لكل ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل، فهم مفترون كما كان العرب يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما يفوت الحصر {لولا أنزل عليه آية من ربه} {وما نحن} وأغرقوا في النفي فقالوا: {بتاركي آلهتنا} مجاوزين لها أو صادرين {عن قولك} وتركهم للعطف بالفاء - المؤذنة بأن الأول سبب الثاني أي الواو في قولهم: {وما نحن لك} أي خاصة، وأغرقوا في التفي فقالوا: {بمؤمنين*} - دليل على أنهم تركوا إتباعه عناداً، لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة؛ وإلى ذلك يرشد أيضاً تعبيرهم بالاسمية التي تدل على الثبات فإذا نفي لم ينتف الأصل؛ والبينة: الحجة الواضحة في الفصل بين الحق والباطل، والبيان: فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محرراً مما سواه، والحامل على ترك البينة بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام موردها أو اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوه، والجامع له كله وجود الشبهة. ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما قال لهم بنوع شبهة، كان كأنه قيل لهم: هذا الذي قلته لكم وهو لا أبين منه ولا أعدل، افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن فيه منابذتكم وأنتم أولاد عمي وأعز الناس عليّ؟ فقالوا: {إن نقول إلا اعتراك} أي أصابك وغشيك غشياناً التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع التعمد والقوة {بعض آلهتنا بسوء} من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك على النهي عن عبادتها. ولما كان الطبع البشري قاضياً بأن الإنسان يخشى ممن مسه بسوء وهو يتوهم أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره، وكان قولهم محركاً للسامع إلى الاستعلام عن حوابه لهم، استأنف سبحانه الإخبار عنه بقوله: {قال} نافياً لما قالوا مبيناً أن آلهتهم لا شيء ضاماً لهم معها، وأكد لأنهم بحيث لا يظنون أن أحداً لا يقول ما قاله {إني أشهد الله} أي الملك الأعظم ليقوم عذري عنده وعدل أدباً مع الله عن أن يقول: وأشهدكم - لئلا يتوهم تسوية - إلى صيغة الأمر تهاوناً بهم فقال: {واشهدوا} أي أنتم لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به {أني بريء مما تشركون*} وبين سفولها بقوله: {من دونه} كائناً ما كان ومن كان، فكيف إذا لم يكن إلا جماداً {فكيدوني} حال كونكم {جميعاً} أي فرادى إن شئتم أو مجتمعين أنتم وآلهتكم. ولما كانت المعاجلة في الحرب أهول، وكان شأنها أصعب وأخطر، بين عظمها بأداة التراخي فقال: {ثم لا تنظرون*} والكيد: طلب الغيظ بالسر في مكر، وهذه الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود عليه السلام، فكأنه قيل: هب أن آلهتنا لا شيء، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحداً منا فقال: {إني} أي جسرت على ذلك لأني {توكلت} معتمداً {على الله} الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره؛ وبين إحاطة ملكه بقوله: {ربي وربكم} أي الذي أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما يعمل كل منا في حق الآخرة لأنه {ما من دابة} أي صغرت أو كبرت {إلا هو آخذ} أي أخذ قهر وغلبة {بناصيتها} أي قادر عليها، وقد صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة، لأن الكل جارون مع مراده لا مع مرادهم بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيه فدل ذلك قطعاً على أنه بغير مراده وإنما هو بمراد قاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه؛ والناصية: شعر مقدم الرأس، ومن أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلاً {إن} أي لأن {ربي} أي المحسن إليّ بما أقامني فيه {على صراط} أي طريق واسع بين {مستقيم*} ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلاً ولا خلل ولا اضطراب ولا اعوجاج بوجه، فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه ويرجوه وإن اتخذ بعضهم من دونه شركاء، وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه إلا عابده، وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزناً؛ فصح بهذا غالب على كل شيء غلبة يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلاً، فهو مرجو مرهوب بإجماع العقلاء بخلاف معبوداتكم، والحاصل أنه يلزم الصراط المستقيم الظهور، فيلزم عدم الاختلاف لانتفاء اللبس، فمن كان عليه كان عليّ القدر شهير الأمر، بصيراً بما يريد، مع الثبات والتمكن، مرهوب العاقبة، مقصوداً بالاتباع والمحبة، من لم يقبل إليه ضل، ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه، فظهرت قدرته على عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهم، لأن نواصي الكل بيده وهو ربها وربهم ورب كل شيء، فقد انطبق ختام الآية على قولهم {ما جئتنا ببينة} رداً له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره، وعلى جوابه في توكله وما في حيزه أتم انطباق؛ والناصية: مقدم الشعر من الرأس، وأصلها الاتصال من قولهم: مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها.

ابو السعود

تفسير : {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَـيِّنَةٍ} أي بحجة تدل على صحة دعواك وإنما قالوه لفَرْط عنادِهم وعدمِ اعتدادِهم بما جاءهم من البـينات الفائتةِ للحصر. {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا} أي بتاركي عبادتِها {عَنْ قَوْلِكَ} أي صادرين عنه أي صادراً تركُنا عن ذلك بإسناد حالِ الوصفِ إلى الموصوف ومعناه التعليلُ على أبلغ وجهٍ لِدلالته على كونه علةً فاعليةً، ولا يفيده الباءُ واللام وهذا كقولهم المنقولِ عنهم في سورة الأعراف {أية : أجئتَنا لنعبُدَ الله وحدَه ونذرَ ما كان يعبُد آباؤُنا}تفسير : [الأعراف: 70] {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين} أي بمصدقين في شيء مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وتركِ عبادةِ الآلهةِ، وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوزِ الحدِّ في العتو ما لا يخفى {إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ} أي ما نقول إلا قولَنا اعتراك أي أصابك {بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} بجنون لِسبِّك إياها وصدِّك عن عبادتها وحطِّك لها عن رتبة الألوهيةِ والمعبوديةِ بما مر من قولِك: {ما لكم من إلٰه غيرُه إن أنتم إلا مفترون}، والتنكيرُ في سوءٍ للتقليل كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبىء عنه نسبةُ ذلك إلى بعض آلهتِهم دون كلِّها، والجملةُ مقولُ القولِ وإلا لغوٌ لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ، وهذا الكلامُ مقرِّرٌ لما مر من قولهم: {وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} فإن اعتقادَهم بكونه عليه الصلاة والسلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدمَ الاعتدادِ بقوله وعدِّه من قبـيل الخُرافاتِ فضلاً عن التصديق والعملِ بمقتضاه، يعنون إنا لا نعُدّ كلاَمك إلا من قبـيل ما لا يحتمل الصِّدقَ والكذِبَ من الهذَيانات الصادرةِ عن المجانين فكيف نصدِّقه ونؤمن به ونعمل بموجبه، ولقد سلكوا في طريقة المخالفةِ والعناد إلى سبـيل الترقّي من الأدنى إلى الأعلى حيث أَخبَروا أولاً عن عدم مجيئِه بالبـينة مع احتمال كونِ ما جاء به عليه الصلاة والسلام حجةً في نفسه وإن لم تكن واضحةَ الدِلالة على المراد، وثانياً عن ترك الامتثالِ بقوله عليه الصلاة والسلام بقولهم: {وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك} مع إمكان تحققِ ذلك بتصديقهم له عليه الصلاة والسلام في كلامه ثم نفَوا تصديقَهم له عليه الصلاة والسلام بقولهم: {وما نحن لك بمؤمنين} مع كون كلامِه عليه الصلاة والسلام مما يقبل التصديقَ ثم نفَوْا عنه تلك المرتبةَ أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنىٰ يؤفكون {قَالَ إِنِّي أَُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}. ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرْطِ جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم، وقالوا: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي لا تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية. ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال: {أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} ثم قال: {مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}. فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته، ولم يستند إلى جِدِّه وقوَّته بل قال: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربِّه وفي صفاء معرفته (غيرُ مُفَارِقِ).

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} استئناف بتقدير سؤال سائل كأنه قيل ما قال له قومه بعد ان امرهم ونهاهم فقيل قالوا {يا هود ما جئتنا ببينة} اى بحجة تدل على صحة دعواك وانما قالوه لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بماء جاءهم من المعجزات كما قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم لولا انزل عليه آية من ربه مع فوات آياته الحصر {وما نحن بتاركى آلهتنا} اى بتاركى عبادتهم واصله تاركين سقطت النون بالاضافة {عن قولك} حال من الضمير فى تاركى كأنه قيل وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك اى صادرا تركنا عن ذلك باسناد حال الوصف الى الموصوف ومعناه التعليل على ابلع وجه لدلالته على كونه علة فاعلية ولا يفيده الباء واللام. قال السعدى المفتى قد يقال عن للسببية كما فى قوله تعالى {أية : الا عن موعدة وعده اياه} تفسير : فيتعلق بتاركى اى بقولك المجرد عن حجة {وما نحن لك بمؤمنين} اى بمصدقين فيما تدعونا اليه من التوحيد وترك عبادة الآلهة وهم اقناط له من الاجابة والتصديق

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إن نقول إلا اعتراك): الاستثناء مفرغ، و"اعتراك": مقول لقول محذوف، أي: ما نقول إلا قولنا اعتراك، و(ما من دابة): "ما" نافية، و"من" صلة و"دابة" مبتدأ مجرور بمن الزائدة، وجملة (إلا هو آخذ): خبر. يقول الحق جل جلاله: قالوا يا هود ما جئتنا ببينة؛ بمعجزة واضحة تدل على صدق دعواك، وهذا كذب منهم وجحود؛ لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. وفي الحديث: "حديث : ما مِنْ نَبي إلاَّ أُوتي من المعجزات ما مثلُهُ آمنَ عَليه البشَرُ، وإَنَّما كَانَ الذِي أُوتيتُه وحياً أُوحي إلي، فأرجُوا أن أكُون أكثرهم تَابِعاً يوم القِيَامةِ".تفسير : كما في الصحيح. ويحتمل أن يريدوا: ما جئتنا بآية تضطر إلى الأيمان بك، وإن كان قد أتاهم بآية نظرية. ولم يذكر في القرآن معجزة معينة لهود عليه السلام، مع الاعتقاد أنه لم يخل من معجزة؛ لما في الحديث. ثم قالوا: {وما نحن بتاركي آلهتنا}؛ بتاركي عبادتهم {عن قولك} أي: بسبب قولك أو صادرين عن قولك، {وما نحن لك بمؤمنين} أبداً، وهو إقناط له عن الإجابة والتصديق. {إن نقول إلا اعتراك}؛ أصابك {بعض آلهتنا بسوء}؛ بجنون؛ لما سببْتها، ونهيت عن عبادتها، ولذلك صرت تهذو وتتكلم بالخرافات. {قال} هود عليه السلام: {إني أُشهد الله} على براءتي من شرككم، {واشهدوا أني بريء مما تُشركون من دونه فكيدوني} أي: اقصدوا كيدي وهلاكي، {جميعاً}، أنتم وشركاؤكم، {ثم لا تنظرون}؛ لا تؤخرون ساعة. وهذا من جملة معجزاته، فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة، والفتاك العِطاش إلى إراقة دمه، بهذا الكلام، ليس إلا لتيقنه بالله، ومنعُهم من إضراره ليس إلا لعصمته إياه. ولذلك عقبه بقوله: {إني توكلتُ على الله ربي وربكم}، فهو تقرير له. والمعنى: أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني؛ فإني متوكل على الله، واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يُرده، ولا تقدرون على ما لم يُقدره. ثم برهن عليه بقوله: {ما من دابة إلا هو آخذٌ بناصيتها}: إلا وهو مالك لها، قادرٌ عليها، يصرفها على ما يريد بها. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. قاله البيضاوي. وقال ابن جزي: أي: هي في قبضته وتحت قهره، وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله، وعدم مبالاته بالخلق. هـ. {إن ربي صراط مستقيم} أي: إنه على الحق والعدل، ولا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. وقال في القوت: أخبر عن عدله في محله، وقيام حكمته، وأنه وإن كان آخذاً بنواصي العباد في الخير والشر، والنفع والضر؛ لاقتداره، فإن ذلك مستقيم في عدله، وصواب من حكمه. هـ. {فإن تولَّوا} أي: فإن تتولوا وتُعرضوا عما جئتكم به، {فقد أبلغتُكم ما أرسلتُ به إليكم}. أي: فقد أديت ما عليّ من الإبلاغ، فلا تفريط مني، ولا عذر لكم؛ فقد جاءكم النذير، وقامت الحجة عليكم، وما بقي إلا هلاككم. {ويستخلفُ ربي قوماً غيركم} يسكنون دياركم، ويعمرون بلادكم، فإن عتوا وطغوا سلك بهم مسلككم، {ولا تضرونَه} بتوليكم عن الإيمان به، {شيئاً} من الضرر. أو لا تضرونه شيئاً إذا أهلككم واستخلف غيركم، {إن ربي على كل شيء حفيظٌ}؛ رقيب فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضره شيء. قاله البيضاوي. الإشارة: ما يقال للأولياء إلا ما قيل للرسل، فإذا توجه العبد إلى مولاه، وسقط على من هو أهل للتربية، وترك ما كان عليه قبل من الانتساب إلى غيره، وخرق عوائد نفسه، أو إصابة شيء من المكاره، قال الناس: ما اعتراه إلا بعض الصالحين بسوء، فيقول لهم: إني أُشهد الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه. فإن أجمعوا على إضراره أو قتله قال لهم: فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون. {إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}، وأنتم دواب مقهورون تحت قبضة الحق، {إن ربي على صراط مستقيم}؛ لا ينتقم إلا من أهل الانتقام، "من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب"، فإن ذكرهم بالله ودلهم على الطريق، فكذبوه وأعرضوا عنه، قال: عسى أن يذهب بكم، ويستخلف قوماً غيركم، يكونون متوجهين إليه أكثر منكم، ولا تضرونه شيئاً. وبالله التوفيق. ثم ذكر نزول العذاب الذي وعدهم به، فقال: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية عما قاله قوم هود له حين دعاهم الى عبادة الله وترك ما سواه بأنهم قالوا له يا هود لم تجئنا ببينة يعني بحجة دالة على صدقك ولسنا نترك عبادة آلهتنا لأجل قولك ولسنا مصدقيك، ولا معترفين بعبادة إلهك الذي تدعي انك رسوله، فالبينة الحجة الواضحة التي تفصل بين الحق والباطل. والبيان فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس متميزاً مما سواه، ويجوز ان يكون حملهم على رفع البينة مع ظهورها أمور: احدها - تقليد الآباء والرؤساء فدفعوها لذلك. ومنها اتهامهم لمن جاء بها حيث لم ينظروا فيها. ومنها انهم دخلت عليهم الشبهة في صحتها. ومنها اعتقادهم لاصول فاسدة تدعوهم الى جحدها. واما الداعي الى عبادة الاوثان فيحتمل ان يكون احد اشياء: احدها - انهم ظنوا انها تقربهم الى الله زلفى اذا عبدوها. الثاني - ان يكونوا على مذهب المشبهة فجعلوا وثنا على صورته فعبدوه. الثالث - ان يكون القي اليهم ان عبادتها تحظي في دار الدنيا. وقوله {عن قولك} معناه بقولك، وجعلت (عن) مكان الباء، لان معنى كل واحد من الحرفين يصح فيه. وقال الرماني: من عبد إلهاً في الجملة هو ممن عبد غير الله، لان كل واحد منها لم تخلص العبادة له ولا اوقعها على وجه يستحق به الثواب.

اطفيش

تفسير : {قالُوا يا هُودُ ما جئتَنَا ببيِّنةٍ} برهان وحجة واضحة على صحة ما تقول {وما نَحنُ بِتاَركى آلهتِنَا} أى عبادتها وتعظيمها والقيام بها {عَن قَوْلكَ} أى لقولك، فعن للتعليل متعلق بتاركى، أو صادرين عن قولك فهى للمجاوزة متعلقة بحال محذوفة، وصاحب الحال الضمير المستتر فى تاركى، ذكر ذلك ابن هشام. وأقنطوه من الإجابة والتصدق له بقولهم: {وما نحن لَكَ} أى بك متعلق بقوله: {بمؤمنينَ} أو ما نحن خاضعين لك فيما تقول، أو مؤمنين لك بما تقول.

اطفيش

تفسير : {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} حجة ظاهرة تصرفنا بها عن عبادة غير الله، وقد جاءَهم بآيات واضحات ولو لم نعرفها، وعاندوا، أَو لم يفهموا لشدة جهلهم وشدة إِعراضهم عن التأَمل، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من نبى إِلا أَتى قومه ببينات يؤْمن بها البشر كلهم لو سمعوها كلهم إِن تأَملوا"تفسير : ، ولو تأَملوا لعلموا أَن عجزهم عن قتله وهو مبر، وهم عطاش إِلى إِراقة دمه مع ذمه آلهتهم بينة واضحة وجاءَ بصحف آدم وشيت {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا} بتاركى حقوقها علينا من تعظيم وعبادة {عَنْ قَوْلِكَ} متعلق بتاركى عن تضمينه معنى معرضين عن استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، وعلى منع ذلك يكون التضمين بتعليقه بخاص محذوف حال من المستتر فى تاركى أَى معرضين أَو صادرين عن قولك، ومعنى صادرين غير قابلين لقولك أَو عن للتعليل متعلق بتاركى {وَمَا نَحْنُ لَك بِمُؤْمِنِينَ} لا تطمع فى تركنا عبادة الأَصنام فإِنه لا يقع، لا نؤْمن بما جئْت به، ولا بما تجىءُ به بعد.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ} أي بحجة واضحة تدل على صحة دعواك، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها، ففي الخبر «حديث : ما من نبـي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر»تفسير : {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءالِهَتِنَا} أي بتاركي عبادتها {عَن قَوْلِكَ} أي بسبب قولك المجرد عن البينة ـ فعن ـ للتعليل كما قيل في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}تفسير : [التوبة: 114] وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وغيره، فالجار والمجرور متعلق بتاركي. وذهب بعض المحققين إلى أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستتر فيه أي صادرين وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن الماء، وقد شاع في كلامهم استعمال الصدر والورد كناية عن العمل والتصرف، ومنه قوله: شعر : ما أمس الزمان حاجاً إلى من يتولى الإيراد والإصدارا تفسير : أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه، وقد يكتفى بالصدر في ذلك لاستلزامه للورد فيقولون: لا يصدر إلا عن رأيه، والمعنى هنا حينئذٍ ما نحن {بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا} عاملين بقولك، والنفي فيه راجع إلى القيد والمقيد جميعاً لأنهم لا يتركون آلهتهم ولا يعملون بقوله عليه السلام، وقيل: إن صادرين بمعنى معرضين وهو قيد للنفي، والمعنى انتفى تركنا عبادة آلهتنا معرضين عن قولك ويكون هذا جواباً لقوله: {أية : لاَ تَتَوَلَّوْاْ }تفسير : [هود: 52] وجعل بعضهم إرادة ذلك من باب التضمين لا من باب تقدير المتعلق بقرينة {عَنْ} وجعله كناية كما علمت، وكلام الزمخشري ظاهر في هذا كما يكشف عنه كلام «الكشف». {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمصدقين فيما جئت به أو في كل ما تأتي وتذر ويندرج فيه ذلك، وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة فأنكروا الدليل على نبوته عليه السلام، / ثم قالوا مؤكدين لذلك {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي} الخ، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الإسمية مع زيادة الباء، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوي دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه، وفي ذلك من الدلالة على الإقناط ما فيه.

ابن عاشور

تفسير : {قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىۤ ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ}. محاورة منهم لهود - عليه السّلام - بجواب عن دعوته، ولذلك جردت الجملة عن العاطف. وافتتاح كلامهم بالنداء يشير إلى الاهتمام بما سيقولونه، وأنه جدير بأن يتنبه له لأنهم نزلوه منزلة البعيد لغفلته فنادوه، فهو مستعمل في معناه الكنائيّ أيضاً. وقد يكون مراداً منه مع ذلك توبيخه ولومه فيكون كناية ثانية، أو استعمال النّداء في حقيقته ومجازه. وقولهم: {ما جئتنا ببينة} بهتان لأنه أتاهم بمعجزات لقوله تعالى: {أية : وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم}تفسير : [هود: 59] وإن كان القرآن لم يذكر آية معينة لهود - عليه السّلام -. ولعل آيته أنّه وعدهم عند بعثته بوفرة الأرزاق والأولاد واطّراد الخصب وفرة مطردة لا تنالهم في خلالها نكبة ولا مصيبة بحيث كانت خارقة لعادة النعمة في الأمم، كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وقالوا مَن أشد منا قوةً}تفسير : [فصلت: 15]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من الأنبياء نبي إلاّ أُوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» تفسير : الحديث. وإنما أرادوا أن البيّنات التي جاءهم بها هود - عليه السّلام - لم تكن طبقاً لمقترحاتهم. وجعلوا ذلك علة لتصميمهم على عبادة آلهتهم فقالوا: {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك}. ولم يجعلوا {وما نحن بتاركي} مفرّعاً على قولهم: {ما جئتنا ببينة}. و{عن} في {عن قولك} للمجاوزة، أي لا نتركها تركاً صادراً عن قولك، كقوله: {أية : وما فعلته عن أمري}تفسير : [الكهف: 82]. والمعنى على أن يكون كلامه علة لتركهم آلهتهم. وجملة {إن نقول إلاّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء} استئناف بياني لأنّ قولهم: {وما نحن لك بمؤمنين} من شأنه أن يثير للسامع ومن معه في أنفسهم أن يقولوا إن لم تؤمنوا بما جاء به أنّه من عند الله فماذا تعدُّون دعوته فيكم، أي نقول إنك ممسوس من بعض آلهتنا، وجعلوا ذلك من فعل بعض الآلهة تهديداً للنّاس بأنه لو تصدّى له جميعُ الآلهة لدكوه دكّاً. والاعتراء: النزول والإصابة. والباء للملابسة، أي أصابك بسوء. ولا شك أنهم يعنون أن آلهتهم أصابته بمسّ من قَبْل أن يقوم بدعوة رفض عبادتها لسبب آخر، وهو كلام غير جار على انتظام الحجّة، لأنه كلام ملفّق من نوع ما يصدر عن السفسطائيين، فجعلوه مجنوناً وجعلوا سبب جنونه مسّاً من آلهتهم، ولم يتفطنوا إلى دخَل كلامهم وهو أن الآلهة كيف تكون سبباً في إثارة ثائر عليها. والقول مستعمل في المقول اللساني، وهو يقتضي اعتقادهم مَا يقولونه. {قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} { مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} { إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. لما جاءوا في كلامهم برفض ما دعاهم إليه وبجحد آياته وبتصميمهم على ملازمة عبادة أصنامهم وبالتنويه بتصرف آلهتهم أجابهم هود - عليه السّلام - بأنّه يشهد الله عليهم أنّه أبلغهم وأنّهم كابروا وجحدوا آياته. وجملة {أشهد الله} إنشاء لإشهاد الله بصيغة الإخبار لأنّ كل إنشاء لا يظهر أثره في الخلق من شأنه أن يقع بصيغة الخبر لما في الخبر من قصد إعلام السامع بما يضمره المتكلم، ولذلك كان معنى صيغ العقود إنشاءً بلفظ الخبر. ثمّ حمَلهم شهادة له بأنه بريء من شركائهم مبادرة بإنكار المنكر وإن كان ذلك قد أتوا به استطراداً، فلذلك كان تعَرّضه لإبطاله كالاعتراض بين جملة {إني أشهد الله} وجملة {أية : فإن تولوا}تفسير : [هود: 57] بناء على أن جملة {فإن تَولوا} إلى آخرها من كلام هود - عليه السّلام -، وسيأتي. ومعنى إشهاده فيراد من شركائهم تحقيق ذلك وأنه لا يتردّد على أمر جازم قد أوجبه المشهود عليه على نفسه. وأتى في إشهادهم بصيغة الأمر لأنه أراد مزاجة إنشاء الإشهاد دون رائحة معنى الإخبار. و(ما) في قوله: {مما تشركون} موصولة. والعائد محذوف. والتقدير: مما يشركونه. وماصدق الموصول الأصنام، كما دل عليه ضمير الجمع المؤكّدُ في قوله: {فكيدوني جميعاً}. ولما كانت البراءة من الشركاء تقتضي اعتقاد عجزها عن إلحاق إضرار به فرع على البراءة جملة {فكيدوني جميعاً}. وجعل الخطاب لقومه لئلا يكون خطابه لما لا يعقل ولا يسمع، فأمر قومه بأن يكيدوه. وأدخل في ضمير الكائدين أصنامهم مجاراة لاعتقادهم واستقصاء لتعجيزهم، أي أنتم وأصنامكم، كما دل عليه التفريع على البراءة من أصنامهم. والأمر بـ(كيدوني) مستعمل في الإباحة كناية عن التعجيز بالنسبة للأصنام وبالنسبة لقومه، كقوله تعالى: {أية : فإن كان لكم كيدٌ فكيدون}تفسير : [المرسلات: 39]. وهذا إبطال لقولهم: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}. و{ثم} للتراخي الرتبيّ؛ تحدّاهم بأن يكيدوه ثم ارتقى في رتبة التعجيز والاحتقار فنهاهم عن التأخير بكيدهم إياه، وذلك نهاية الاستخفاف بأصنامهم وبهم وكناية عن كونهم لا يصلون إلى ذلك. وجملة {إنّي توكلت} تعليل لمضمون {فكيدوني} وهو التعجيز والاحتقار. يعني: أنه واثق بعجزهم عن كيده لأنه متوكل على الله، فهذا معنى ديني قديم. وأُجري على اسم الجلالة صفة الربوبية استدلالاً على صحة التوكل عليه في دفع ضرهم عنه، لأنه مالكهم جميعاً يدفع ظلم بعضهم بعضاً. وجملة {ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها} في محل صفة لاسم الجلالة، أو حال منه، والغرض منها مثل الغرض من صفة الربوبية. والأخذ: الإمساك. والناصية: ما انسدل على الجبهة من شعر الرأس. والأخذ بالناصية هنا تمثيل للتمكّن، تشبيهاً بهيئة إمساك الإنسان من ناصيته حيث يكون رأسه بيد آخذه فلا يستطيع انفلاتاً. وإنما كان تمثيلاً لأن دواب كثيرة لا نواصي لها فلا يلتئم الأخذ بالناصية مع عموم {ما من دابة}، ولكنه لما صار مثلاً صار بمنزلة: ما من دابة إلا هو متصرف فيها. ومن بديع هذا المثل أنّه أشدّ اختصاصاً بالنوع المقصود من بين عموم الدّواب، وهو نوع الإنسان. والمقصود من ذلك أنّه المالك القاهر لجميع ما يدبّ على الأرض، فكونه مالكاً للكلّ يقتضي أن لا يفوته أحد منهم، وكونه قاهراً لهم يقتضي أن لا يعجزه أحد منهم. وجملة {إن ربّي على صراط مستقيم} تعليل لجملة {إنّي توكّلت على الله}، أي توكّلت عليه لأنّه أهل لتوكلي عليه، لأنّه متّصف بإجراء أفعاله على طريق العدل والتأييد لرسله. و{على} للاستعلاء المجازي، مثل و{أية : أولئك على هدىً من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] مستعارة للتمكّن المعنوي، وهو الاتّصاف الراسخ الذي لا يتغير. والصراط المستقيم مستعار للفعل الجاري على مقتضى العدل والحكمة لأنّ العدل يشبّه بالاستقامة والسواء. قال تعالى: {أية : فاتبعني أهدك صراطاً سويّاً}تفسير : [مريم: 43]. فلا جرم لا يُسْلم المتوكّل عليه للظّالمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بيّنة: أي بحجة وبرهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده. وما نحن بتاركي آلهتنا: أي عبادة آلهتنا لأجل قولك إنها لا تستحق أن تعبد. إلاّ اعتراك: أي أصابك. بسوء: أي بِخَبَل فأنت تهذي وتقول ما لا يقبل ولا يعقل. ثم لا تنظرون: أي لا تمهلون. آخذ بناصيتها: أي مالكها وقاهرها ومتصرف فيها. فلا تملك نفعا ولا ضراً إلا بإِذنه. إن ربي على صراط مستقيم: أي على طريق الحق والعدل. فإِن تولوا: أصلها تتولوا فعل مضارع حذفت منه إحدى التائين ومعناه تُدبروا. على كل شيء حفيظ: أي رقيبٌ ولا بد انه يجزي كل نفس بما كسبت. معنى الآيات: ما زال السياق في قصة هود مع قومه إذ أخبر تعالى عن قيل قوم هود إلى هود فقال {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي بحجة أو برهان على صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وترك عبادة آلهتنا والاعتراف بنبوتك {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا} أي عبادتها {عَن قَوْلِكَ} أي من أجل قولك أنها لا تستحق أن تعبد لكونها لا تنفع ولا تضر، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي بمتابعين لك على دينك ولا مصدقين لك فيما تقول {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ} أي ما نجد ما نقول فيك إلا أن بعض آلهتنا التي تسبها وتشتمها قد أصابتك بسوء بخبل وجنون فأنت تهذر وتهذي ولا تدري ما تقول. فأجابهم قائلا {إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} فأعلن براءته في وضوح من آلهتهم وأنه لا يخافها إبطالا لدعواهم أنَّها أصابته بسوء، وأعلمهم أنه يشهد الله على ذلك، ثم أمرهم أن يشهدوا هم كذلك. وقوله {مِن دُونِهِ} أي من دون الله من سائر الآلهة والشركاء ثم تحداهم مستخفا بهم بآلهتهم، فقال {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} أي احتالوا على ضري ثم لا تنظرون أي لا تؤخرون ولا تمهلون، ثم كشف لهم عن مصدر قوته وهو توكله على ربّه فقال {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي فوضت أمري إليه وجعلت كل ثقتي فيه فهو لا يسلمني إليكم ولا يخذلني بينكم. ثم أعلمهم بإِحاطة قدرة الله بهم وقهره لهم فقال {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} أي قاهر لها متحكم فيها يقودها حيث شاء وينزل بها من العذاب ما يشاء، ثم أعلمهم أن ربّه تعالى على طريق العدل والحق فلا يُسلط أعداءه على أوليائه، فقال {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فلذا أنا لست بخائف ولا وجل ثم قال لهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي فإِن تدبروا عن الحق وتعرضوا عنه فغير ضائري ذلك إذ أبلغتكم ما أرسلني به ربي إليكم وسيهلككم ويستخلف قوما غيركم، ولا تضروه شيئا من الضرر لا قليلا ولا كثيراً {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي رقيب، وسيجزي كلا بما كسب بعدله ورحمته. وله الحمد والمنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مدى مجاحدة ومكابرة المشركين في كل زمان ومكان. 2- تشابه الفكر الشركي وأحوال المشركين إذ قول قوم هود {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ}.. الخ. يردده جهلة السلمين وهو فلان ضربه الولي الفلاني. 3- مواقف أهل الإِيمان واحدة فما قال نوح لقومه متحدياً لهم قاله هود لقومه. 4- تقرير مبدأ أن كل شيء في الكون خاضع لتدبير الله لا يخرج عما أراده له أو به.

القطان

تفسير : الناصية: شعر مقدم الرأس، ومقدم الرأس. {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}. قالوا: يا هود ما جئتَنا بحُجّةٍ واضحةٍ تؤيّد دعواك في أنك مرسَل من عندِ الله، ولن نتركَ عبادةَ آلهتِنا لمجرَّدِ قولك. {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}. وبالَغوا في الردّ وقالوا: ما نقول فيك الا أن بعضَ آلهتنا قد أصابك بمسٍّ من جُنونٍ. فقال: مصرَّا على ايمانه متحدّيا: إني أُشهِد الله، وأشهِدكم على قولي إن أبرأ الى اللهِ مما تُشركون به. واتحدّى أن دبِّرا كلَّ حيلةٍ لإهلاكي إذا استطعتم. {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. حتى اذا عجَزتم جميعا، ولم يبقَ شُبهةٌ في أن آلهتكم لا تضرّ ولا تنفع، أجبتُكم أَني توكّلتُ على الله واعتمدتُ عليه. هو ربّي وربكم. وليس في هذا الكون من دابّةٍ الا هو مالكُ أمرِها يصرّفها كما يريد، فلا يُعجِزه حِفظُها من أذاكم. وهو عادل تجري كل أفعاله على طريق الحق والعدل، ولا يضيع عنده مظلوم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰهُودُ} {ۤ آلِهَتِنَا} (53) - قَالُوا لَهُ: يَا هُودُ إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنا بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ (بِيَّنَةٍ) عَلَى صِحَّةِ مَا تَدَّعِيهِ مِنْ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَنَحْنُ لَنْ نَتْرُكَ عِبَادَةَ آلهِتِنَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِكَ لَنَا اتْرُكُوا آلهَتَكُمْ، وَلَنْ نُصَدِّقَكَ فِيمَا تَقُولُ وَتَدَّعِي مِنْ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ إِلَينا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهم هنا ينكرون أن هوداً قد أتاهم بِبَيِّنة أو مُعجزةٍ. والبيِّنة - كما نعلم - هي الأمارة الدالة على صدق الرسول. وصحيح أن هوداً هنا لم يذكر معجزته؛ وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي؛ فمعجزة نوح عليه السلام هي الطوفان، ومعجزة إبراهيم عليه السلام أن النار صارت برداً وسلاماً عليه حين ألقوه فيها. ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول نوح عليه السلام: {أية : .. يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ}تفسير : [يونس: 71]. أي: إن كنتم أهلاً للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان. وأحْكِموا كيدكم؛ لكنكم لن تستطيعوا قتل المنهج الرباني؛ لأن أحداً لن يستطيعَ إطفاء نور الله في يد رسول من رسله؛ أو أن يخلِّصوا الدنيا منه بقتله.. ما حدث هذا أبداً. إذن: فالبيِّنة التي جاء بها هود عليه السلام أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك الكفر؛ وهو تحدي القادرين عليه؛ لأنهم أهل طغيان؛ وأهل بطش؛ ومع ذلك لم يقدروا عليه؛ مثلما لم يقدر كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الجامعة الشاملة وهي القرآن الكريم؛ وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة. ونعلم أن غالبية الرسل - عليهم جميعاً السلام - قد جاءوا بمعجزات حسية كونية؛ انتهى أمدها بوقوعها، ولولا أن القرآن يخبرنا بها ما صدَّقناها، مثلها مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفىء. فمثلاً شفى عيسى - عليه السلام - الأكمه والأبرص - بإذن ربه - فمَنْ رآه آمن به، ومَنْ لم يَرَه قد لا يؤمن، وكذلك موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه؛ ومن رآه آمن به، وانتهت تلك المعجزات؛ لكن القرآن الكريم باقٍ إلى أن تقوم الساعة. ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل قيام الساعة أن يقول: محمد رسول الله ومعجزته القرآن؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء رسولاً عامّا؛ ولا رسول من بعده؛ لذلك كان لا بد أن تكون معجزته من الجنس الباقي؛ ومع ذلك قالوا له: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 90-92]. وكل ما طلبوه مسائل حسية؛ لذلك يأتي الرد: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ..}تفسير : [العنكبوت: 51]. ومع ذلك كذَّبوا. وأضاف قوم عاد: {.. وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53]. هم - إذن - قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الأصنام "آلهة"؛ لأن الإله هو مَنْ يُنزل منهجاً يحدِّد من خلاله كيف يُعْبَد؛ ولم تَقُل الأصنام لهم شيئاً؛ ولم تُبلغهم منهجاً. إذن: فالقياس المنطقي يُلغي تَصوُّر تلك الأصنام كآلهة؛ فلماذا عبدوها؟ لقد عبدوها؛ لأن الفطرة تنادي كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها؛ والقوة المألوه لها إن كان لها أوامر تحدُّ من شهوات النفس، فهذه الأوامر قد تكون صعبة على النفس، أما إن كانت تلك الآلهة بلا أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسه بها، ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر. وهذه هي حُجَّة كل ادِّعاء نبوة أو ادِّعاء مَهديَّة في هذا العصر، فيدَّعي النبيُّ الكاذب النبوَّة، ويدعو للاختلاط مع النساء، وشرب الخمر، وارتكاب الموبقات، ويسمِّى ذلك ديناً. وتجد مثل هذه الدَّعاوَي في البهائية والقاديانية؛ وغيرها من المعتقدات الزائفة. وقولهم: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ ..} [هود: 53]. يعني: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك. وقولهم: {.. وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53]. أي: وما نحن لك بمصدِّقين، لأن (آمن) تأتي بمعاني متعددة. فإنْ عدَّيتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه: {أية : .. وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 4]. وإنْ عدَّيتها بحرف "الباء" مثل قول الحق سبحانه: {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 62]. فالمعنى يتعلّق باعتقاد الألوهية. وإن عدَّيتها بحرف "اللام"؛ مثل قول الحق سبحانه: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ..}تفسير : [يونس: 83]. تكون بمعنى التصديق. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ...}.

الأندلسي

تفسير : {قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} أي بحجة واضحة تدل على صدقك وقد كذبوا في ذلك وبهتوه. وعن في عن قولك حال من الضمير في تاركي آلهتنا، كأنه قيل: صادرين عن قولك. {إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ} نسبوا ما صدر منه من دعائهم إلى الله تعالى وإفراده بالألوهية إلى الخبل والجنون وإن ذلك مما اعتراه به بعض آلهتهم لكونه سبّها وحرض على تركها، ودعا إلى ترك عبادتها. واعتراك جملة محكية بنقول فهي في موضع المفعول، ودلت على بله حيث اعتقدوا في حجارة انها تضر وتنتصر وتنتقم. {مَّا مِن دَآبَّةٍ} الآية، وصف قدرة الله وعظم ملكه من كون كل دابة في قبضته وملكه وتحت قهره وسلطانه فأنتم من جملة أولئك المقهورين. وقوله: {آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} تمثيل إذ كان القادر المالك يقود المقدور عليه بناصيته كما يقاد الأسير والفرس بناصيته حتى صار الأخذ بالناصية عرفاً في القدرة على الحيوان. وكانت العرب تجر ناصية الأسير الممنون عليه علامة أنه قد قدر عليه وقبض ناصيته. والظاهر أن الضمير في قوله: تولوا عائد على قوم هود. وخطابه لهم من تمام الجمل المقولة قبل، وتولوا صلة تتولوا حذفت التاء الثانية فصار تولوا. وجواب الشرط هو قوله: {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} ويصح أن يكون جواباً لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل فكأنه قيل: فإِن تتولوا استؤصلتم بالعذاب. ويدل على ذلك الجملة الخبرية وهي قوله: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ}. {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً} الآية، قيل: كانوا أربعة آلاف. وقيل: ثلاثة آلاف. والظاهر تعلق {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} بقوله: نجينا أي نجيناهم بمجرد رحمة من الله لحقتهم لا بأعمالهم الصّالحة. وقال الزمخشري: فإِن قلت: ما معنى تكرير التنجية؟ قلت: ذكر أولاً أنه حين أهلك عدوهم نجاهم، ثم قال: ونجيناهم من عذاب غليظ، على معنى وكانت التنجية من عذاب غليظ. قال: وذلك ان الله تعالى بعث عليهم السَّموم فكانت تدخل في أنوفهم وتخرج من أدبارهم وتقطعهم عضوا عضوا. {وَتِلْكَ عَادٌ} إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قيل: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا. ثم استأنف الاخبار عنهم فقال: جحدوا بها، أي بآيات ربهم أي أنكروها. وأضاف الآيات إلى ربهم تنبيهاً على أنه مالكهم ومربيهم فأنكروا آياته، والواجب إقرارهم بها وأصل جحد أن يتعدى بنفسه لكنه أجري مجرى كفر فعدي بالباء كما عدي كفر بنفسه. {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} قيل: عصوا هوداً والرسل الذين كانوا من قبله وقيل: ينزل تكذيب الرسل الواحد منزلة تكذيب الرسل لأنهم كلهم مجمعون على الإِيمان بالله والإِقرار وبربوبيته لقوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} تفسير : [البقرة: 285]. {وَٱتَّبَعُوۤاْ} أي سقَّاطهم أمر رؤسائهم وكبرائهم. والمعنى أنهم أطاعوهم فيما أمروهم به. {وَأُتْبِعُواْ} عام في المتبعين والمتبوعين. وانتصب بُعداً على أنه مصدر بمعنى الدعاء كأنه قيل: أبعدهم الله بعداً, ومعناه الدعاء بالهلاك وقوم هود بدل من عاد. وإنما خصهم بالذكر لأن ثم عادا أخرى وهم المشار إليهم بقوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم: 50] وهم عاد آدم.