١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني فإن تتولوا ثم فيه وجهان: الأول تقدير الكلام فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ وكنتم محجوبين كأنه يقول: أنتم الذين أصررتم على التكذيب. الثاني: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ }. ثم قال: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم، وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال ولا تضرونه شيئاً، يعني أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئاً. ثم قال: {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } وفيه ثلاثة أوجه: الأول: حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها. الثاني: يحفظني من شركم ومكركم. الثالث: حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء.
البيضاوي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} فإن تتولوا. {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة فلا تفريط مني ولا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ} استئناف بالوعيد لهم بأن الله يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم، أو عطف على الجواب بالفاء ويؤيده القراءة بالجزم على الموضع كأنه قيل: وإن تتولوا يعذرني ربي ويستخلف. {وَلاَ تَضُرُّونَهُ} لتوليكم. {شَيْئاً} من الضرر ومن جزم يستخلف أسقط النون منه. {إِنَّ رَبّى عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَفِيظٌ} رقيب فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم، أو حافظ مستول عليه فلا يمكن أن يضره شيء.
ابن كثير
تفسير : يقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ} يعبدونه وحده، لا يشركون به، ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم {إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ} أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} وهو الريح العقيم، فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هوداً وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبِّهِمْ} كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء؛ لأنه لا فرق بين أحد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود، فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعوا أمر كل جبار عنيد، فلهذا أتبعوا في الدنيا لعنة من الله، ومن عباده المؤمنين، كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: {أَلاۤ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} الآية، قال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ } فيه حذف إحدى التاءين، أي تعرضوا {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } بإِشراككم {إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ } رقيب.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور: "تولَّوا" بفتح اللام والتاء على معنى تتولوا، وقرأ عيسى الثقفي والأعرج: "تُولُوا" بضم التاء واللام، و {إن} شرط، والجواب في الفاء وما بعدها من قوله {فقد أبلغتكم}، والمعنى أنه ما علي كبير همّ منكم إن توليتم فقد برئت ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان. ويحتمل أن يكون {تولوا} فعلاً ماضياً، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب، أي فقل: قد أبلغكم. وقرأ جمهور "ويستخلفُ" بضم الفاء على معنى الخبر بذلك، وقرأ عاصم - فيما روى هبيرة عن حفص عنه - "ويستخلفْ" بالجزم عطفاً على موضع الفاء من قوله {فقد}. وقوله: {ولا تضرونه شيئاً} يحتمل من المعنى وجهين: أحدهما ولا تضرونه بذهابكم وهلاككم شيئاً أي لا ينتقص ملكه، ولا يختل أمره، وعلى هذا المعنى قرأ عبد الله بن مسعود: "ولا تنقصونه شيئاً". والمعنى الآخر: {ولا تضرونه} أي ولا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بكم بشيء يضره. ثم أخبرهم أن ربه {حفيظ} على كل شيء عالم به، وفي ترديد هذه الصفات ونحوها تنبيه وتذكير، و"الأمر" واحد الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر أمر يأمر، أي أمرنا للريح أو لخزنتها ونحو ذلك، وقوله {برحمة}، إما أن يكون إخباراً مجرداً عن رحمة من الله لحقتهم، وإما أن يكون قصداً إلى الإعلام أن النجاة إنما كملت بمجرد رحمة الله لا بأعماله؛ فتكون الآية - على هذا - في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يدخل أحد الجنة بعمله" تفسير : . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال "حديث : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمته ". تفسير : وقوله {ونجيناهم من عذاب غليظ} يحتمل أن يريد: عذاب الآخرة، ويحتمل أن يريد: وكانت النجاة المتقدمة من عذاب غليظ يريد الريح، فيكون المقصود على هذا، تعديد النعمة ومشهور عذابهم بالريح هو أنها كانت تحملهم وتهدم مساكنهم وتنسفها وتحمل الظعينة كما هي ونحو هذا. وحكى الزجاج أنها كانت تدخل في أبدانهم وتخرج من أدبارهم وتقطعهم عضواً عضواً. وتعدى {جحدوا} بحرف جر لما نزل منزلة كفروا، وانعكس ذلك في الآية بعد هذا، وقوله: {وعصوا رسله}، شنعة عليهم وذلك أن في تكذيب رسول واحد تكذيب سائر الرسل وعصيانهم، إذ النبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته: ويحتمل أن يراد هود. وآدم، ونوح و"العنيد": فعيل من "عَنِدَ" إذا عتا. ومنه قول الشاعر: [الرجز]. شعر : إني كبير لا أطيق العندا تفسير : أي الصعاب من الإبل، وكان التجبر والعناد من خلق عاد لقوتهم، وقوله {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} الآية، حكم عليهم بهذا الحكم لكفرهم وإصرارهم حتى حل العذاب بهم، و"اللعنة": الإبعاد والخزي، وقد تيقن أن هؤلاء وافوا على الكفر فيلعن الكافر الموافي على كفره ولا يلعن معين حي، لا من كافر، ولا من فاسق، ولا من بهيمة، كل ذلك مكروه بالأحاديث. و {يوم} ظرف معناه أن اللعنة عليهم في الدنيا وفي يوم القيامة. ثم ذكرت العلة الموجبة لذلك وهي كفرهم بربهم؛ وتعدى "كفر" بغير الحرف إذ هو بمعنى {جحدوا} كما تقول شكرت لك وشكرتك، وكفر نعمته وكفر بنعمته، و {بعداً} منصوب بفعل مقدر وهو مقام ذلك الفعل.
الخازن
تفسير : {فإن تولوا} يعني تتولوا بمعنى تعرضوا عن الإيمان بما أرسلت به إليكم {فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم} يعني أني لم يقع مني تقصير في تبليغ ما أرسلت به إليكم إنما التقصير منكم في قبول ذلك {ويستخلف ربي قوماً غيركم} يعني أنكم إن أعرضتم عن الإيمان وقبول ما أرسلت به إليكم يهلككم الله ويستبدل بكم قوماً غيركم أطوع منكم يوحدونه ويعبدونه فيه إشارة إلى عذاب الاستئصال فهو وعيد وتهديد {ولا تضرونه شيئاً} يعني بتوليكم إنما تضرون أنفسكم بذلك وقيل لا تنقصونه شيئاً إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء {إن ربي على كل شيء حفيظ} يعني أنه سبحانه وتعالى حافظ لكل شيء فيحفظني من أن تنالوني بسوء. قوله سبحانه وتعالى: {ولما جاء أمرنا} يعني بإهلاكهم وعذابهم {نجينا هوداً والذين آمنوا معه} وكانوا أربعة آلاف {برحمة منا} وذلك أن العذاب إذا نزل قد يعم المؤمن والكافر فلما أنجى الله المؤمنين من ذلك العذاب كان برحمته وفضله وكرمه {ونجيناهم من عذاب غليظ} يعني الريح التي أهلكت بها عاد وذلك أن الله سبحانه وتعالى أرسل على عاد ريحاً شديدة غليظة سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً وهي الأيام النحسات فأهلكتهم جميعاً وأنجى الله المؤمنين جميعاً فلم تضرهم شيئاً، وقيل: المراد بالعذاب الغليظ هو عذاب الآخرة وهذا هو الصحيح ليحصل الفرق بين العذابين والمعنى أنه تعالى كما أنجاهم من عذاب الدنيا كذلك ينجيهم من عذاب الآخرة ووصف عذاب الآخرة بكونه غليظاً لأنه أعظم من عذاب الدنيا {وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله} لما فرغ من ذكر قصة عاد خاطب أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال وتلك عاد رده إلى القبيلة وفيه إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا بها ثم وصف حالهم بقوله تعالى جحدوا بآيات ربهم يعني المعجزات التي أتى بها هود عليه السلام وعصوا رسله يعني هوداً وحده إنما أتى به بلفظ الجمع إما للتعظيم أو لأن من كذب برسول فقد كذب كل الرسل {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} يعني أن السفلة منهم اتبعوا الرؤساء والمراد من الجبار الرفيع في نفسه المتمرد على الله والعنيد المعاند الذي لا يقبل الحق ولا يتبعه.
البقاعي
تفسير : ولما استوفى تشييده أمره وهدم قولهم، أخذ يحذرهم فقال مبيناً أن العدول عما جاء به لا يكون إلا بمعالجة الطبع السليم: {فإن تولوا} ولو أدنى تولية - بما يشير إليه حذف التاء، فعليكم اللوم دوني، لأني فعلت ما عليّ {فقد} أي بسبب أني قد {أبلغتكم ما} أي كل شيء {أرسلت} أي تقدم إرسالي من عند من لا مرسل في الحقيقة غيره {به إليكم} كاملاً لم أدع منه شيئاً رجاء لإقبالكم ولا خوفاً من إعراضكم، فأبيتم إلا التكذيب لي والاستكبار عما جئت به، فالذي أرسلني ينتقم منكم فيهلككم {ويستخلف ربي} أي يوجد المحسن إليّ بإقامتي فيما يرضيه {قوماً غيركم} يخلفونكم في دياركم وأموالكم، فتكونون أعداءه، ويكون المستخلفون متعرضين لأن يكونوا أولياء مع كونهم ذوي بأس وقوة فيختص الضرر بكم {ولا تضرونه} أي الله بإعراضكم {شيئاً} ثم علل وعيده لهم بقوله مؤكداً لأن العاصي فاعل بعصيانه فعل من يظن أن الله غافل عنه: {إن ربي} أي المحسن إليّ المدبر لمصالحي. ولما كان الأهم في هذا السياق بيان استعلائه وقدرته، قدم قوله: {على كل شيء} صغيراً أو كبيراً جليل أو حقير {حفيظ*} أي عالم بكل شيء وقادر على كل شيء وبالغ الحفظ له، فيعلم ما يعمل محفوظه فيجازيه بما يستحق من نعمه ونقمه، فهو تعليل لاستخلاف غيرهم وتنزهه عن لحوق ضرر، لأن الحفظ: الحراسة، ويلزمها العلم والقدرة، فمن القدرة حافظ العين، أي لا يغلبه نوم، والحفيظة - للحمية والغضب، ومنهما معاً المحافظة - للمواظبة على الشيء؛ والتوالي عن الشيء: الذهاب إلى غير جهته إعراضاً عنه؛ والإبلاغ: إلحاق الشيء نهايته؛ والاستخلاف: جعل الثاني بدلاً من الأول يقوم مقامه؛ والضر: إيجاب الألم بفعله أو التسبب له. ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فلم يرجعوا ولم يرعووا لبينة ولا رغبة ولا رهبة فأنزلنا بهم أمرنا {ولما جاء أمرنا} أي وقت إرادتنا لإهلاك عاد {نجينا} أي تنجية عظيمة بما لنا من العظمة {هوداً والذين آمنوا} كائنين {معه} في الإيمان والنجاة من قومهم فلم يقدروا أن يصلوا إليهم بسوء مع اجتهادهم في ذلك وإعجابهم بقواهم ويقال: إن الذين آمنوا كانوا أربعة آلاف. ولما كان سبحانه بحيث لا يجب عليه لأحد شيء لأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق وإن اجتهد في طاعته، فإن طاعته نعمة منه عليه، أشار إلى ذلك بقوله: {برحمة منا} تحقيقاً لتوكل عبدناً؛ ولما بين إنجاءهم من قومهم بين إنجاءهم مما أهلكهم به فقال مكرراً ذكر التنجية دلالة على أن عذابهم كان في غاية الفظاعة: {ونجيناهم} أي بما لنا من العظمة، وبين فظاعة ما أهلك به أعداءهم بقوله: {من عذاب غليظ*} أي أهلكنا به مخالفيهم وهو الريح الصرصر، وهذا أولى من حمله على عذاب الآخرة لما يأتي من قوله {ومن خزي يومئذ} كأنهم كانوا إذا رأوا مخايل العذاب قصدوا نبيهم ومن آمن به ليهلكوهم قبلهم كما صرح به في قصة صالح؛ والنجاة: السلامة من الهلاك؛ وحقيقة الغلظة عظم الجثة، فاستعير للعذاب لثقله على النفس وطول مكثه. ولما تمت قصتهم على هذا الوجه لابديع والأسلوب المطرب، قال تعالى عاطفاً على قوله {تلك من أنباء الغيب}: {وتلك عاد} أي قصة القوم البعداء البغضاء، ما كنت تعلمها على هذا التفصيل أنت ولا قومك ولا أهل الكتاب، وإنما نفيت عن أهل الكتاب لأنهم لا يعلمون إلا ما له أصل عن أنبيائهم، وهذه وقصة ثمود ليستا في التوراة ولا شيء من أسفار أنبيائهم، وسألت بعض علمائهم فلم أجد عنده شيئاً من علمها ولا حرفاً واحداً ولا سمع بعاد ولا هود، وتلخيص قصتهم أنهم {جحدوا} أي كذبوا عناداً واستهانة {بآيات ربهم} المحسن إليهم {وعصوا رسله} فإن من عصى واحداً منهم فقد عصى الكل لاتفاقهم على أمر واحد مع التساوي في مطلق المعجزة {واتبعوا} أي بغاية جهدهم {أمر كل جبار} أي قاهر بليغ القهر يجبر غيره على ما يريد، وهذا يدل على أنه لا عذر في أصل الدين بوجه فإن الضمائر لا يعلمها إلا الله فيمكن كل أحد مخالفة الجبار فيه {عنيد*} أي طاغ باغ لا يقبل الحق بوجه، فأهلكوا ولم يمنعهم تجبرهم ولا أغنى عنهم عنادهم وتكبرهم {وأُتبعوا} جميعاً بعد إهلاكهم بأيسر وجه لعظيم قدرة المتبع {في هذه الدنيا} حقرها في هذه العبارة بما أشارت إليه الإشارة مع التصغير، وبما دل على الدنو وبأن من اغتر بها فهو ممن وقف مع الشاهد لما له من الجمود {لعنة} أي طرداً وبعداً وإهلاكاً {ويوم القيامة} أي كذلك بل أشد، فكأنه قيل: أفما لمصيبتهم من تلاف؟ فقيل: لا، {ألا} مفتتحاً للإخبار عنهم بهذه الأداة التي لا تذكر إلا بين يدي كلام يعظم موقعه ويجل خطبه، والتأكيد في الإخبار بكفرهم تحقيق لحالهم، وفيه من أدلة النبوة وأعلام الرسالة الرد على طائفة قد حدثت بالقرب من زماننا يصوّبون جيمع الملل وخصوا عاداً هذه لكونها أغناهم بأن قالوا: إنهم من المقربين إلى الله وإنهم بعين الرضى منه، فالله المسؤول في الإدالة عليهم وشفاء الصدور منهم، وهم أتباع ابن عربي الكافر العنيد أهل الاتحاد، المجاهرون بعظيم الإلحاد، المستخفون برب العباد، فلذلك قال تعالى مبيناً لحالهم بياناً لا خفاء معه: {إن عاداً كفروا} ولم يقصر الفعل، بل عداه إعظاماً لطغيانهم فقال: {ربهم} أي غطوا جميع أنوار الظاهر الذي لا يصح أصلاً خفاءه لأنه لا نعمة على مخلوق إلا منه، فكان كفرهم أغلظ الكفر، ومع ذلك فلم ينثن هود عليه السلام عن إبلاغهم جميع ما أمر به ولا ترك شيئاً مما أوحي إليه فلك به أسوة حسنة وفيهم قدوة، ومن كفر من أحسن إليه بعد بعداً لا قرب معه. ولما كان الأمر عظيماً والخطب جليلاً، كرر الأداة التي تقال عند الأمور الجليلة فقال: {ألا بعداً لعاد} هو من بعد - بكسر العين إذا كان بعده بالهلاك، وبينهم بقوله: {قوم هود} تحقيقاً لهم لأنهم عادان: الأولى والآخرة، وإيماء إلى أن استحقاقهم للإبعاد بما جرى لهو عليه السلام معهم من الإنكار والدعاء عليهم بعد الهلاك كناية عن الإخبار بأنهم كانوا مستحقين للهلاك؛ والجحد: الخبر عما يعلم صحته أنه لا يعلمها، وهو ضد الاعتراف كما أن النفي ضد الإثبات، فهو خبر بمجرد العدم فهو أعم؛ والعصيان خلاف ما أمر به الداعي على طريق الإيجاب؛ واللعنة: الدعاء بالإبعاد، وأصلها الإبعاد من الخير؛ والإتباع: جعل الثاني على أثر الأول، والإبلاغ أخص منه، والمراد هنا بلوغها لهم لأن الذي قضى بذلك قادر وقد ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان الرحمة.
ابو السعود
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تتولَّوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمرّوا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} أي لم أعاتَبْ على تفريط في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلّغتكم الحقَّ فأبـيتم إلا التكذيبَ والجحود {وَيَسْتَخْلِف رَبِّـي قَوماً غَيرَكُم} استئنافٌ بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالِهم قوماً آخرين، أو عطفٌ على الجواب بالفاء، ويؤيده قراءةُ ابنِ مسعود رضي الله عنه بالجزْم عطفاً على الموضع، كأنه قيل: فإن تولّوا يعذُرْني ويُهلكْكم ويستخلفْ مكانكم آخرين، وفي اقتصار إضافةِ الربِّ عليه عليه السلام رمزٌ إلى اللطف به والتدميرِ للمخاطبـين {وَلاَ تَضُرُّونَهُ} بتولّيكم {شَيئاً} من الضرر لاستحالة ذلك عليه، ومن جَزَمَ (وَيَسْتخْلفْ) أسقطت منه النون {إنَّ رَبِّـي عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ} أي رقيبٌ مهيمنٌ فلا تخفى عليه أعمالُكم فيجازيكم بحسبها أو حافظٌ مستولٍ على كل شيء فكيف يضُرّه شيءٌ وهو الحافظُ للكل {وَلَمَّا جَاءَ أَمرُنَا} أي نزل عذابُنا، وفي التعبـير عنه بالأمر مضافاً إلى ضميره جل جلاله وعن نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويلِ أو ورد أمرُنا بالعذاب {نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} وكانوا أربعةَ آلافٍ {بِرَحْمَةٍ} عظيمةٍ كائنةٍ لهم {مِنَّا} وهي الإيمانُ الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له والهدايةِ إليه {وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من عذاب غليظ وهي السَّمومُ التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرْباً إرْباً، وقيل: أريد بالثانية التنجيةُ من عذاب الآخرةِ ولا عذابَ أغلظُ وأشدُّ، وهذه التنجيةُ وإن لم تكن مقيدةً بمجيء الأمرِ لكن جيء بها تكملةً للنعمة عليهم وتعريضاً بأن المهلَكين كما عُذّبوا في الدنيا بالسَّموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ {وَتِلك عَادٌ} أُنّث اسمُ الإشارةِ باعتبار القبـيلةِ أو لأن الإشارةَ إلى قبورهم وآثارهِم {جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم} كفروا بها بعد ما استيقنوها {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} جمعَ الرسلَ مع أنه لم يرسِلْ إليهم غيرَ هودٍ عليه الصلاة والسلام تفظيعاً لحالهم وإظهاراً لكمال كفرِهم وعنادِهم ببـيان أن عصيانَهم له عليه الصلاة والسلام عصيانٌ لجميع الرسلِ السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتِهم على التوحيد {أية : لا نفرِّق بـين أحد من رسله} تفسير : [البقرة: 285] فيجوز أن يراد بالآت ما أتى به هودٌ وغيرُه من الأنبـياء عليهم السلام، وفيه زيادةُ ملاءمةٍ لما تقدم من جميع الآياتِ وما تأخر من قوله: {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} من كبرائهم ورؤسائِهم الدعاةِ إلى الضلال وإلى تكذيب الرسلِ فكأنه قيل: عصَوا كلَّ رسولٍ واتبعوا أمرَ كلِّ جبارٍ، وهذا الوصفُ ليس كما سبق من جحود الآياتِ وعصيانِ الرسلِ في الشمول لكل فردٍ فردٌ منهم فإن الاتباعَ للأمر من أوصاف الأسافلِ دون الرؤساءِ، وعنيدٌ فعيلٌ من عنَد عِنْداً وعنَداً إذا طغى والمعنى عصَوا مَنْ دعاهم إلى الهدى وأطاعوا من حداهم إلى الردى.
القشيري
تفسير : أوحينا إليه أنْ قُلْ لهم: إنْ تَوَلَّوْا ولم تُؤمنوا بي فقد بَلَّغْتُ ما حُمِّلت من رسالتي، وإني واثقٌ بأَنَّ الله إذا أهلككم يأتِ بأقوام آخرين سواكم أطْوعَ له منكم، وإنْ أفناكم ما اختلَّ مُلْكُه؛ إذْ الحقُّ - سبحانه - بوجود الأغيار لا يلحقه زيْنٌ - وإنْ وَحَّدُوا، وبفقدهم لا يَمُّسه شَيْنٌ - وإنْ جحدوا وألحدوا.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان تولوا} فان تولوا بحذف احدى التاءين اى وان تستمروا على التولى والاعراض فلا تفريط منى {فقد ابلغتكم ما ارسلت به اليكم} اى لانى قد اديت ما علىّ من الابلاغ والزام الحجة وكنتم محجوجين بان بلغكم الحق فابتم الا التكذيب والجحود فالمذكور دليل الجزاء {ويستخلف ربى قوما غيركم} كلام مستأنف اى ويهلككم الله ويجيئ بقوم آخرين يخلفونكم فى دياركم واموالكم {ولا تضرونه} بتوليكم واعراضكم {شيئا} من ضرر قط لانه لا يجوز عليه المضار والمنافع وانما تضرون انفسكم {ان ربى على كل شيء حفيظ} رقيب فلا يخفى عليه اعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم. واعلم انه بين وجوب التوكل على الله وكونه حفيظا حصينا اولا بان ربوبيته عامة لكل واحد ومن يرب يدبر امر المربوب ويحفظه فلا يحتاج حفظ الغير وثانيا بان كل ذى نفس تحت قهره اسير عن الفعل والتأثير فى غيره فلا حاجة الى الاحتراز منه وثالثا بانه على طريق العدل فى عالم الكثرة الذى هو ظل وحدته فلا يسلط احدا على احد الا عن استحقاق لذلك بسبب ذنب وجرم لا يعاقب احدا من غير زلة ولو صغيرة نعم قد يكون لتزكية ورفع درجة فالمستفاد فى ضمن ذلك كله نفى القدرة عنهم وعن آلهتهم فلا حول ولا قوة الا بالله والله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة وما يرى فى صورة الظلم فمن خفأ سره وحكمته والعارف ينظر الى الاسرار الآلهية ويحمل الوقائع على الحكم -حكى- انه كان رجل سقاء بمدينة بخارى يحمل الماء الى دار صائغ مدة ثلاثين سنة وكان لذلك الصائغ زوجة صالحة فى نهاية الحسن والبهاء فجاء السقاء على عادته يوما واخذ بيدها وعصرها فلما جاء زوجها من السوق قالت ما فعلت اليوم خلاف رضى الله تعالى فقال ما صنعت فالحت فقال جاءت امرأة الى دكانى وكان عندى سوار فوضعته فى ساعدها فاعجبنى بياض يدها فعصرت فقالت الله اكبر هذه حكمة خيانة السقاء اليوم فقال الصائغ ايتها المرأة انى تبت فاجعلينى فى حل فلما كان من الغد جاء السقاء وتاب وقال يا صاحبة المنزل اجعلينى فى حل فان الشيطان قد اضلنى فقالت امض فان الخطأ لم يكن الا من الشيخ الذى فى الدكان فاقتص الله منه فى الدنيا وامثال ذلك من عدل الله تعالى فليكن العباد على العدالة وخصوصا الحكام والسلاطين فان العدل ينفع فى الدنيا والآخرة -حكى- ان ذا القرنين سأل من ارستطا ليس اى شيء أفضل للملوك الشجاعة ام العدل فقال اذا عدل السلطان لم يحتج الى الشجاعة فمن آمن بالملك الديان وخشى من عذابه كل آن فقد عدل واحترز عن الظلم والطغيان وفاز بالدرجات فى اعلىالجنان والا فقد عرض نفسه لعذاب النيران ولعذاب الدنيا ايضا على اشد ما كان ألا ترى الى قوله تعالى حكاية {ويستخلف ربى قوما غيركم} مع ماله من انواع اللعنة: قال السعدى قدس سره شعر : نماند ستمكار بد روزكار بماند برو لعنت بإيدار خنك روز محشر تن دادكر كه در سايه عرش داردمقر
الطوسي
تفسير : معنى الاية حكاية ما قال هود لقومه من قوله لهم ان توليتم، فليس ذلك لتقصير في ابلاغكم وانما هو لسوء اختياركم في الاعراض عن نصحكم، ويجوز ان يكون ذلك حكاية ما قال الله لهود انهم ان تولوا فقل لهم فقد ابلغتكم. وقال الزجاج: التقدير فان تتولوا فحذف احدى التائين، لدلالة الكلام عليها، فعلى هذا تقديره قل لهم فان تتولوا، ومثله قال الجبائي. والتولي الذهاب الى خلاف جهة الشيء وهو الاعراض عنه. والمعنى هنا التولي عما دعوتكم اليه من عبادة الله، واتباع امره، والابلاغ إلحاق الشيء بنهايته، وذلك انه قد يلحق الحرف بالحرف على جهة الوصل، فلا يكون إبلاغاً، لانه لم يستمر الى نهايته. وقوله {ويستخلف ربي قوماً غيركم} فالاستخلاف جعل الثاني بدل الاول يقوم مقامه فيما كان عليه الاول، فلما كانوا قد كلفوا، فلم يجيبوا، جعل الثاني بدلاً منهم في التكليف. وقوله {ولا تضرونه شيئاً} معناه انه اذا استخلف غيركم، لا تقدرون له على ضر ولا نفع. وقيل ان معناه لا ينقصه هلاككم شيئاً، لانه يجل عن الحاق المنافع والمضار به. وقوله {إن ربي على كل شيء حفيظ} لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها. وقيل معناه يحفظني من ان تنالوني بسوء.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} اى تتولّوا {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} من الانذار بالعذاب الدّائم والعذاب الدّنيوىّ ونصحت لكم واتممت الحجّة عليكم {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي} بعد اهلاككم بالعذاب المنذر به {قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً} بتولّيكم وهلاككم بالعذاب فانّه يستخلف امثالكم فلا ينقص فى ملكه ولا فى خلقه بهلاككم {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} فيحفظ نوع الانسان وجملة خلقه باستخلاف امثال الموجودين من بعد هلاكهم.
اطفيش
تفسير : {فإنْ تَولَّوا} مضارع وفاعل، لا ماض وفاعل، وأصله تتولوا، حذفت إحدى التائين بدليل الخطاب قبل وبعد، وإن جعل ماضيا فالغيبة فيه على طريق الالتفات عن الخطاب السابق، والوجه الأول أولى، والمراد فإن تعرضوا عما أدعوكم إليه لم أعاتب، فحذف الجواب وناب عنه تعليله وهو قوله: {فَقَد أبلغْتكُم ما أرْسِلتُ به إليْكُم} من العقائد والأحكام، ولم أفرط وما علىَّ إلا الإبلاغ ولا عذر لكم. {ويسْتخلفُ ربِّى} عطف على الجواب وأهمل عنه الجوازم، فكان مرفوعا، لأنه لم يعمل فى لفظ الجواب، وتدل لهذا قراءة ابن مسعود بالجزم عطفا على محل الجواب، وهو قد أبلغتكم، فإنه جواب بالنيابة فهو فى محل جزم، أو الرفع استئناف. {قَوْماً غيْركُم} فى دياركم وأموالكم، أو حيث شاء يوحدونه ويعبدونه {ولا تضرُّونه شَيئاً} أى لا تضرونه ضراً ما بتوليكم، فإن وباله عليكم، أو بالإهلاك الذى تسببتم فيه، فإن وجودكم وعدمه سواء عنده، وقرأ ابن مسعود بحذف النون لأنه يقرأ بجزم يستخلف، فتكون الهاء على قراءة بلا صلة، أعنى بدون واو تمد به، لأنها تلى الواو وهو ساكن. {إنِّ ربِّى عَلى كلِّ شىءٍ حَفيظٌ} رقيب، فليس شئ من أعمالكم يفوته.
اطفيش
تفسير : {فَإِنْ تَوَلَّوُا} تتولوا عن الإِيمان مضارع حذفت إِحدى تاءَيه، وقيل ماض، وعليه ففيه التفات إِلى الخطاب عن الغيبة وإِن قدر فقل قد أَبلغتكم فلا التفات، والأَصل عدم الالتفات وعدم التقدير، ولا سيما مع عدم ظهور فائِدة لذلك، والخطاب فى ذلك وفى ما يأْتى من نوح عليه السلام لقومه، وقيل الخطاب فى قوله وربكم، إِلخ من النبى صلى الله عليه وسلم لقريش، كأَنه قيل أَخبرهم عن قصة هود وادعهم إِلى الإِيمان بالله عز وجل لئَلا يصيبهم مثل ما أَصاب قوم هود، والصحيح ما مر، والجواب محذوف تقديره فلا هم. أَو لم أَعاتب أَو لم أُعاقب أَو يعذرنى ونابت عنه علته وهو قوله {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} أَىْ لأَنى قد أَبلغتكم إلخ، وعليكم الهم الكبير، وأَما تقدير فقد أَديت فلا يكفى فإِنه كلا تقدير لأَنه يستدعى معلولا أَيضاً فلا تهم، ثم يجوز أَن يجعل المذكور جواباً بحيث إِن نفس الإِبلاغ وإِن لم يترتب على التولى لكن الإِخبار بالإبلاغ يترتب عليه، وكما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإِخبار كقوله تعالى: "أية : وما بكم من نعمة فمن الله"تفسير : [النحل: 53] الآية. وقيل الجواب قد أَبلغتكم باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره، فإِن معناه لا تفريط منى ولا عذر لكم، وعلى هذا النمط بلا مانع قول أَبى حيان إِنه الجواب لأَن تبليغه تضمن عذاب الاستئصال، وكأَنه قيل استؤْصلتم بالعذاب، ويدل له قوله تعالى {وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْماً غَيْرَكُمْ} فى أَموالكم ومساكنكم يعبدونه أَو يعصونه ويفعل بهم ما شاءَ، عطف على قوله إِن تولوا إِلخ، أَو على الجواب ولو رفع لأَنه لم يظهر الجزم فى الجواب كما يجوز رفع الجواب إِذا لم يظهر الجزم فى الشرط، ويدل له قراءة ويستخلف بالجزم ولا تضروه بحذف النون، ولا يقدح فى ذلك أَنه لو كان شرطا لم يقرن، وهنا تقدمت الفاءُ فكأَنه قرن بها، لأَنا نقول لم يكن جوابا بالذات بل بالعطف، وأَيضاً يجوز عطفه على مدخول لا عليها مع ما بعدها فقد تسلط عليه معنى قد على هذا {وَلاَ تضُرُّونَهُ شَيْئاً} مفعول مطلق أَى ضرا {إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ} رقيب لى بالحفظ فلا تقدرون على ضرى، وعليكم لا يخفى عنه عملكم ولا يفوته عقابكم. وذكر بعض أَن هاءَ تضرونه لله عز وجل، وحفيظ بمعنى حافظ مستور، وهو كذلك لا يضره شىءٌ.
الالوسي
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي تتولوا فهو مضارع حذف منه إحدى التاءين وحمل على ذلك لاقتضاء أبلغتكم له وجوز ابن عطية كونه ماضياً، وفي الكلام التفات ولا يظهر حسنه ولذا قدر غيره ممن جعله كذلك فقل أبلغتكم لكنه لا حاجة إليه، ويؤيد ذلك قراءة الأعرج وعيسى الثقفي {تُوَلَّوْاْ} بضم التاء واللام مضارع ولى، والمراد فإن تستمروا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض لوقوع ذلك منهم فلا يصلح للشرط، وجوز أن يبقى على ظاهره بحمله على التولي الواقع بعدما حجهم، والظاهر أن الضمير لقوم هود والخطاب معهم، وهو من تمام الجمل المقولة قبل، وقال التبريزي: إن الضمير لكفار قريش وهو من تلوين الخطاب، وقد انتقل من الكلام الأول إلى الإخبار عمن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأنه قيل: أخبرهم عن قصة قوم هود وادعهم إلى الإيمان بالله تعالى لئلا يصيبهم كما أصاب قوم هود عليه السلام {فَإِن تَوَلَّوْاْ} فقل لهم قد أبلغتكم الخ وهو من البعد بمكان كما لا يخفى. وقوله سبحانه: {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} دليل جواب الشرط أي إن تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ فإن ما أرسلت به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول، وقيل: التقدير إن تتولوا فما عليّ كبير همّ منكم فإنه قد برئت ساحتي بالتبليغ وأنتم أصحاب الذنب في الإعراض عن الإيمان، وقيل: إنه الجزاء باعتبار لازم معناه المستقبل باعتبار ظهوره أي فلا تفريط مني ولا عذر لكم، وقيل: إنه جزاء باعتبار الإخبار لأنه كما يقصد ترتب المعنى يقصد ترتب الإخبار كما في {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 53] على ما مر وكل ذلك لما أن الإبلاغ واقع قبل توليهم، والجزاء يكون مستقبلاً بالنظر إلى زمان الشرط. وزعم أبو حيان ((أن صحة وقوعه جواباً لأن في إبلاغه إليهم رسالته تضمن ما يحل بهم من العذاب المستأصل فكأنه قيل: فإن تتولوا استؤصلتم بالعذاب، ويدل على ذلك الجملة الخبرية، وهي قوله سبحانه: {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} وفيه منع ظاهر. وهذا كما قال غير واحد: استئناف بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم وهو استئناف نحوي عند بعض بناءاً على جواز تصديره بالواو. وقال الطيبـي: المراد به أن الجملة ليست بداخلة في الجملة الشرطية جزاءً بل تكون جملة برأسها معطوفة على الجملة الشرطية وهو خلاف الظاهر من العبارة، وعليه تكون مرتبة على قوله سبحانه: {أية : إِنَّ رَبّي عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [هود: 56] والمعنى أنه على العدل ينتقم منكم ويهلككم، وقال الجلبـي: لا مانع عندي من حمله على الاستئناف / البياني جواباً عما يترتب على التولي وهو الظاهر كأنه قيل: ما يفعل بهم إذا تولوا؟ فقيل: {يَسْتَخْلِفُ} الخ. وتعقبه بعضهم بأن الاستئناف البياني لا يقترن بالواو، وجوز أن يكون عطفاً على الجواب لكن على ما بعد الفاء لأنه الجواب في الحقيقة، والفاء رابطة له ودخول الفاء على المضارع هنا لأنه تابع يتسامح فيه. وقيل: تقديره فقل: {يَسْتَخْلِفُ} الخ، وقرأ حفص برواية هبيرة {ويستخلف} بالجزم وهو عطف على موضع الجملة الجزائية مع الفاء كأنه قيل: فإن تولوا يعذرني ويهلككم ويستخلف مكانكم آخرين. وجوز أبو البقاء كون ذلك تسكيناً لتوالي الحركات، وقرأ عبد الله كذلك، ويجزم قوله سبحانه: {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا}، وقيل: إن من جزم الأول جزم هذا لعطفه عليه وهو الظاهر، والمعنى لا تضرونه بهلاككم شيئاً أي لا ينتقص ملكه ولا يختل أمره، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ (ولا تنقصونه شيئاً)، ونصب {شَيْئاً} على أنه مفعول مطلق لتضرون أي شيئاً من الضرر لأنه لا يتعدى لاثنين، وجعله بعضهم مفعولاً ثانياً مفسراً له بما يتعدى لهما لمكان الرواية، وجوز ابن عطية أن يكون المعنى إنكم لا تقدرون إذا أهلككم على إضراره بشيء ولا على الانتصار منه ولا تقابلون فعله بشيء يضره تعالى عن ذلك علواً كبيراً، والأول أظهر، وقدر بعضهم التولي بدل الإهلاك أي ولا تضرونه بتوليكم شيئاً من الضرر لاستحالة ذلك عليه سبحانه: {إِنَّ رَبّي عَلَىٰ كُلّ شَيْء حَفِيظٌ} أي رقيب محيط بالأشياء علماً فلا يخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم، فالحفظ كناية عن المجازاة، ويجوز أن يكون الحفيظ بمعنى الحافظ بمعنى الحاكم المستولي أي أنه سبحانه حافظ مستول على كل شيء، ومن شأنه ذلك كيف يضره شيء.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة {أية : إنّي أشهد الله}تفسير : [هود: 54]. وما بينهما اعتراض أوجبه قصد المبادرة بإبطال باطلهم لأنّ مضمون هذه الجملة تفصيل لمضمون جملة {أية : إنّي أشهد الله}تفسير : [هود: 54] بناء على أنّ هذا من كلام هود - عليه السّلام -. وعلى هذا الوجه يكون أصل {تولوا} تتولوا فحذفت إحدى التّاءين اختصاراً، فهو مضارع، وهو خطاب هود - عليه السّلام - لقومه، وهو ظاهر إجراء الضمائر على وتيرة واحدة. ويجوز أن تكون فعلاً ماضياً، والواو لأهل مكّة فيكون كالاعتراض في إجراء القصة لقصد العبرة بمنزلة الاعتراض الواقع في قصّة نوح - عليه السّلام - بقوله: {أية : أم يقولون افتراه قل إن افتريته}تفسير : [هود: 35] الآية. خاطب الله نبيّه صلى الله عليه وسلم وأمره بأن يقول لهم: {قد أبلغتكم}. والفاء الأولى لتفريع الاعتبار على الموعظة وتكون جملة {فقد أبلغتكم} من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقولَ قول مَأمور به محذوف يدلّ عليه السياق. والتقدير: فقل قد أبلغتكم. وهذا الأسلوب من قبيل الكلام الموجّه المحتمل معنيين غير متخالفين، وهو من بديع أساليب الإعجاز، ولأجله جاء فعل {تولوا} بتاء واحدة بخلاف ما في قوله: {أية : وَإنْ تتولوا يستبدل قوماً غيركم}تفسير : [محمد: 38]. والتولّي: الإعراض. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}تفسير : ، في سورة [النساء: 80]. وجعل جوابُ شرط التولّي قوله: {فقد أبلغتكم} مع أنّ الإبلاغ سابق على التولّي المجعول شرطاً لأنّ المقصود بهذا الجواب هو لازم ذلك الإبلاغ، وهو انتفاء تبعة تولّيهم عنه وبراءته من جرمهم لأنّه أدّى ما وجب عليه من الإبلاغ، فإنْ كان من كلام هود - عليه السّلام - فـ {ما أرسلت به} هو ما تقدّم، وإنْ كان من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فما أرسل به هو الموعظة بقصّة قوم هود - عليه السّلام -. وعلى كلا الوجهين فهو كناية عن الإنذار بتبعة التولّي عليهم ونزول العقاب بهم، ولذلك عطف {ويستخلف ربّي قوماً غيركم} أي يزيلكم ويخلفكم بقوم آخرين لا يتولون عن رسولهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}تفسير : [محمد: 38]. وارتفاع {يستخلف} في قراءة الكافّة لأنّه معطوف على الجواب مجاز فيه الرفع والجزم. وإنما كان الرفع هنا أرجح لإعطاء الفعل حكم الكلام المستأنف ليكون مقصوداً بذاته لا تبعاً للجواب، فبذلك يكون مقصوداً به إخبارهم لإنذارهم بالاستئصال. وكذلك جملة {ولا تضرونه شيئاً} والمراد لا تضرون الله بتولّيكم شيئاً و{شيئاً} مصدر مؤكد لفعل {تضرونه} المنفي. وتنكيره للتّقليل كما هو شأن تنكير لفظ الشيء غالباً. والمقصود من التّأكيد التّنصيص على العموم بنفي الضر لأنّه نكرة في حيّز النفي، أي فالله يلحق بكم الاستئصال، وهو أعظم الضر، ولا تضرونه أقلّ ضر؛ فإنّ المعروف في المقارعات والخصومات أنّ الغالب المضرّ بعدوّه لا يخلو من أن يَلحقه بعض الضرّ من جرّاء المقارعة والمحاربة. وجملة {إنّ ربّي على كل شيء حفيظ} تعليل لجملة {ولا تضرّونه شيئاً}، فموقع {إنّ} فيها موقع فاء التفريع. والحفيظ: أصله مبالغة الحافظ، وهو الذي يضع المحفوظ بحيث لا يناله أحد غير حافظه، وهو هنا كناية عن القدرة والقهر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 57- فإن تُعرضوا عن دعوتى لم يضرنى إعراضكم، والعاقبة السيئة عليكم، فقد أبلغتكم ما أرسلنى الله به إليكم، وليس علىّ إلا البلاغ، والله يهلككم ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم فى دياركم وأموالكم، وأنتم لا تضرونه بإعراضكم عن عبادته، إن ربى مهيمن على كل شئ، مطلع عليه، فما تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم. 58- ولما جاء أمرنا بإهلاك عَادٍ نجّينا هُوداً، والذين آمنوا معه، من عذاب الريح العاتية التى أهلكتهم، ونجيناهم من عذاب شديد كبير فى الدنيا والآخرة، وذلك بسبب رحمتنا لهم بتوفيقهم للإيمان. 59- تلك عاد أنْكروا الحُجج الواضحة، وعصوا رُسل الله جميعاً، بعصيانهم رسوله إليهم، وطاعتهم لأمر كل طاغية شديد العناد من رؤسائهم وكبرائهم. 60- فاستحقوا من الله والملائكة والناس أجمعين لعنة تلحقهم فى الدنيا، ولعنة تتبعهم يوم القيامة، ألا فلينتبه كل من علم خبر عاد. أن عاداً جحدوا نعمة خالقهم عليهم، ولم يشكروها بالإيمان به وحده، فأصبحوا جديرين بطردهم من رحمة الله، وإنزال الهلاك الشديد بهم، ألا فهلاكاً لهم لتكذيبهم هودا.
القطان
تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}. فان تُعرِضوا عن دعوتي لم يضرَّني إعراضُكم أبداً.. لقد أبلغْتُكم رسالةَ ربي اليكم، وقد يُهلككمُ اللهُ ويستخلفُ قوماً غيركم في دياركم وأموالكم. وكذلك لا تضرون الله بإعراضكم عن الايمان، وهو رقيب على كل شيء من أعمالكم. {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}. ولما نزلَ عذابُنا نجَّينا هودا والذين آمنوا معه من العذاب الشديد الذي نزل بقومه. ثم ذكر سبب ما نزل بهم من البلاء فقال: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}. وتلك قبيلة عادٍ. لقد أنزلنا بهم نقمتنا لأنهم أنكروا الحججَ الواضحة، وعصَوا رسُل الله جميعا بعصيانهم رسولَهم، وطاعتِهم لأمر كل طاغية من رؤسائهم وكبرائهم. {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}. ولقد لحقتْ بهم اللعنةُ في هذه الدنيا، وسوف تلحقهم يوم القيامة. ثم اكد الله كفرهم بشهادته عليهم فقال: {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ...}. فلْيعلم كلُّ الناس ان عاداً جحدوا نعمةَ خالقِهم عليهم ولم يشكروها بالإيمان، فبُعداً لهم. وهذا دعاء عليهم بالطرد عن رحمة الله.
د. أسعد حومد
تفسير : (57) - فَإِنْ تَتَوَلَّوا عَمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّكُمْ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَقَدْ قَامَتْ عَلَيكُم الحُجَّةُ بِإِبْلاغِي إِيَّاكُمْ رِسَالَةَ اللهِ الذِي بَعَثَنِي بِهَا إِلَيْكُمْ، وَاللهُ قَادرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَكُمْ وَأَنْ يَأْتِيَ بِقَوْمٍ غَيْرِكُمْ يَخْلُفُونَكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ، وَلاَ يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئاً، وَلاَ يُبَالِي رَبُّكُمْ بِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَضُّرونَهُ بِكُفْرِكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ، بَلْ يَعُودُ وَبَالُ كُفْرِكُمْ عَلَيْكُمْ وَحْدَكُمْ، وَرَبِّي رَقِيبٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، قَائِمٌ بِالحِفْظِ عَليهِ. حَفِيظٌ - رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الفعل "تولَّوا" أصله: "تتولَّوا"، وفي اللغة: إذا ابتدأ فعل بتاءين يُقتصَر على تاء واحدة. وهكذا يكون المعنى: إن تتولَّوا فقد أبلغتكم المنهج الذي أرسلت به إليكم، ولا عُذر لكم عندي؛ لأن الحق سبحانه لا يعذِّب قوماً وهم غافلون؛ لذلك أرسلني إليكم. أو أن الخطاب من الله سبحانه لهود عليه السلام ليبِّين له: فإن تولَّوا فقل لهم: {أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ..} [هود: 57]. والاستخلاف أن يوجد قوم خلفاء لقوم، إما أن يكونوا عادلين؛ فلا يقفوا من المناهج ولا من الرسالات مثلما وقف قوم عاد. وإما أن يكونوا غير عادلين، مثل من قال فيهم الحق سبحانه: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ ..}تفسير : [مريم: 59]. والحق سبحانه قد وعد المؤمنين وعداً طيِّباً: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..}تفسير : [النور: 55]. إذن: فالاستخلاف إما أن يكون الخلف فيه صاحب عمل صالح، أو أن يبدد المنهج فلا يتبعه، بل يتبع الشهوات. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}تفسير : [محمد: 38]. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ..} [هود: 57]. لأن المنهج الذي نزل على الخَلْق، أنزله الحق سبحانه وتعالى لصلاح العباد، وهو سبحانه خَلَق أولاً بكل صفات الكمال فيه، ولن يزيده العباد وصفاً من الأوصاف، ولن يسلبه أحد وصفاً من الأوصاف. ولذلك نقول للمتمردين على عبوديتهم لله كفراً، وللمتمردين على المنهج بالمعصية: أنتم ألفتم التمرد؛ إما التمرد في القمة وهو الكفر بالله، وإما التمرد على أحكام الله بمخالفتها، فلماذا لا يتمرد أحدكم على المرض، ويقول: "لن أمرض"؟ ولماذا لا يتمرد أحدكم على الموت ويرفض أن يموت؟ إذن: فما دُمْتَ قد عرفت التمرد فيما لك فيه اختيار، فهل تستطيع التمرد على أحكام الله القهرية فيك؟ إنك لن تستطيع؛ لأنك مأخوذ بناصيتك. والحق سبحانه إن شاء أن يوقف القلب، فلن تستطيع أن تأمر قلبك بعدم التوقف. لذلك قال هود عليه السلام: {.. وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57]. فالله سبحانه رقيب؛ لأنه قيوم قائم على كل أمور كونه. وبعض الفلاسفة قالوا: إن الله قد خلق الكون، وخلق النواميس والقوانين، ثم تركها تقوم بعملها. ولهؤلاء نقول: لا؛ فأنتم أقررتم بصفات الخالق القادر، فأين صفات القيومية لله القائم على كل نفس بما كسبت، وهو سبحانه القائل لعبيده عن نفسه: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ..}تفسير : [البقرة: 255]. وهو سبحانه حين يقول هذا إنما يطمئن العباد؛ ليناموا ويرتاحوا؛ لأنه سبحانه مُنزَّه عن الغَفْلة أو النوم، بل هو سبحانه قيوم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):