١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية. فإن قيل: فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟ قلنا: يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها، فتخطف الحيوان من الأرض، ثم تضربه على الأرض، فكل ذلك محمل. وأما قوله: {نَجَّيْنَا هُودًا } فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معاً، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذاباً على الكافر، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه، ولولا ذلك لما عرف كونه عذاباً على كفرهم، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا: {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ }. وأما قوله: {بِرَحْمَةٍ مّنَّا } ففيه وجوه: الأول: أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله، والثاني: المراد من الرحمة: ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح. الثالث: أنه رحمهم في ذلك الوقت، وميزهم عن الكافرين في العقاب. وأما قوله: {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا، والنجاة الثانية من عذاب القيامة، وإنما وصفه بكونه غليظاً تنبيهاً على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذاباً غليظاً، والمراد من قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُمْ } أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه. واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {عَادٌ جَحَدُواْ } فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم، كأنه تعالى قال: سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا. ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة، فأما أوصافهم فهي ثلاثة. الصفة الأولى: قوله: {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ } والمراد: جحدوا دلالة المعجزات على الصدق، أو الجحد، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة. الصفة الثانية: قوله: {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولاً واحداً، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى: { أية : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } تفسير : [البقرة: 285] وقيل: لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام. الصفة الثالثة: قوله: {وَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم: { أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [المؤمنون: 24] والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند، وهو المنازع المعارض. واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي جعل اللعن رديفاً لهم، ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا وفي الآخرة، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير. ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال: {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } قيل: أراد كفروا بربهم فحذف الباء، وقيل: الكفر هو الجحد فالتقدير: ألا إن عاداً جحدوا ربهم. وقيل: هو من باب حذف المضاف، أي كفروا نعمة ربهم. ثم قال: {أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: اللعن هو البعد، فلما قال: {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فما الفائدة في قوله: {أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ }. والجواب: التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد. السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله: {لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }. الجواب: كان عاد عادين، فالأولى: القديمة هم قوم هود، والثانية: هم إرم ذات العماد، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه. والثاني: أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا} عذابنا أو أمرنا العذاب. {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} وكانوا أربعة آلاف. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تكرير لبيان ما نجاهم منه وهو السموم، كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أعضاءهم، أو المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضاً، والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } عذابنا {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ } هداية {مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَليِظٍ} شديد.
النسفي
تفسير : {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } وكانوا أربعة آلاف {بِرَحْمَةٍ مّنَّا } أي بفضل منا لا بعملهم أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وتكرار {نجينا} للتأكيد أو الثانية من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه {تِلْكَ عَادٌ} إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال: سيحوا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال: {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله لا نفرق بين أحد من رسله {وَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل لأنهم الذين يجبرون الناس على الأمور ويعاندون ربهم ومعنى اتباع أمرهم طاعتهم {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } تكرار «ألا» مع النداء على كفرهم والدعاء عليهم تهويل لأمرهم وبعث على الاعتبار، بهم والحذر من مثل حالهم، والدعاء بـ {بعدا}ً بعد هلاكهم وهو دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له {قَوْمِ هُودٍ } عطف بيان {لعاد} وفيه فائدة لأن عادا عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم. {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَالَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ } لم ينشئكم منها إلا هو وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ثم خلقهم من آدم {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } وجعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها، أو استعمركم من العمر أي أطال أعماركم فيها وكانت أعمارهم من ثلثمائة إلى ألف، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار الطوال مع ما فيهم من الظلم فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي {فَٱسْتَغْفِرُوهُ } فاسألوا مغفرته بالإيمان {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ } داني الرحمة {مُّجِيبٌ } لمن دعاه.
القشيري
تفسير : ولما جاء أمْرنا بإهلاكِهم نَجَّينَا هوداً والذين آمنوا برحمتنا، ولم يَقُلْ باستحقاقه النجاةَ بوسيلةِ نُبُوته، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال: {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا}، ليَعْلَمَ الكافةُ أنَّ الأنبياء - عليهم السلام - ومَنْ دونَهم عتيقُ رحمته، وغريقُ مِنَّتِه، لا لاستحقاقِ أحدٍ ولا لواجب على الله في شيء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما} [آن هنكام كه] {جاء امرنا} اى عذابنا فيكون واحد الامور اوامرنا بالعذاب فيكون مصدر امر {نجينا هودا والذين آمنوا معه} وكانوا اربعة آلاف {برحمة} عظيمة كائنة {منا} اى نجيناهم بمجرد رحمة وفضل لا باعمالهم لانه لا ينجو احد ان اجتهد فى الاعمال والعمل الصالح الا برحمة الله تعالى كما هو مذهب اهل السنة {ونجيناهم من عذاب غليظ} شديد وهو تكرير لبيان ما نجيناهم منه اى كانت تلك التنجية تنجية من عذاب غليظ وهى السموم التى كانت تدخل انوف الكفرة وتخرج من ادبارهم فتقطعهم اربا اربا وقد سبق تفصيل القصة فى سورة الاعراف فارجع اليها. وفيه اشارة الى ان العذاب نوعان خفيف وغليظ فالخفيف هو عذاب الشقاوة المقدرة قبل خلق الخلق والغليظ هو عذاب الشقى بشقاوة معاملات الاشقياء التى تجرى عليه مع شقاوته المقدرة له قبل الوجود كما فىالتأويلات النجمية -روى- ان الله تعالى لما اهلك عادا ونجى هودا والمؤمنين معه اتوا مكة وعبدوا الله تعالى فيها حتى ماتوا قال فى انسان العيون كل نبى من الانبياء كان اذا كذبه قومه خرج من بين اظهرهم واتى مكة يعبد الله تعالى حتى يموت وجاء (ما بين الركن اليمانى والركن الاسود روضة من رياض الجنة) وان قبر هود وشعيب وصالح واسماعيل عليهم السلام فى تلك البقعة وفى فتوح الحرمين شعر : هيج نبى هيج ولى هم نبود كونه برين دررخ اميد سود كعبه بود نوكل مشكين من تازه از وباغ دل ودين من
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إنما قال هنا وفي قصة شعيب: (ولما)، بالواو، وفي قصة صالح ولوط: (فلما)، بالفاء؛ لأن قصة صالح ولوط ذكرهما بعد الوعيد، في الفاء التي تقتضي التسبب، كما تقول: وعدته فما جاء الوعيد كان.. الخ، بخلاف قصة هود وشعيب لم يتقدم ذلك فيهما، فعطف بالواو، قاله الزمخشري. يقول الحق جل جلاله: {ولما جاء أمرُنا}: عذابنا، أو أمرنا بالعذاب، {نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا}، وكانوا أربعة آلاف، {ونجيناكم من عذابٍ غليظ}، وهو ريح السموم، وكانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أمعاءهم. والتكرير؛ لبيان ما نجاهم منه، وإعلاماً بأنه عذاب غليظ، وتعديداً للنعمة في نجاتهم. ويحتمل أن يريد النجاة الأولى: من عذاب الدنيا، وهو الريح الذي نزل بقومهم، وبالنجاة الثانية: عذاب الآخرة، وهو العذاب الغليظ، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من الريح. {وتلك عادٌ}؛ الإشارة إلى القبيلة، أو إلى قبورهم وآثارهم؛ تهويلاً وتهديداً، {جحدوا بآيات ر بهم}؛ كفروا بها، {وعَصوا رسله}، والجمع إما لأنَّ من عصى رسولاً فكأنما عصى الكل؛ لأنهم متفقون في الدعوة، مع أنهم أُمروا بطاعة كل رسول. وإمَّا على إرادة الجنس كقولك: فلان يركب الخيل، وإن يركب إلا فرساً واحداً. {واتبعوا أمرَ كل جبارٍ عنيد} يعني: كبراءهم الطاغين، والعنيد: الطاغي، والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم، {وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنةً ويومَ القيامة} أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين؛ في الدنيا أهلكتهم، وفي الآخرة أحرقتهم. {ألا إن عاداً كفروا ربَّهم}؛ جحدوه، أو كفروا نعمه. وفيه تشنيع لكفرهم وتهويل لأمرهم، بالإتيان بحرف التنبيه، وتكرار اسم عاد؛ {ألا بعداً لعادٍ} أي: هلاكاً لهم، دعا عليهم بالهلاك بعد أن هلكوا؛ للدلالة على أنهم كانوا مستحقين له، مستوجبين لما نزل بهم؛ بسبب ما حكي عنهم. وإنما كرر "ألا" وأعاد ذكرهم؛ تفظيعاً لأمرهم، وحثاً على الاعتبار بحالهم. ثم بيَّنهم بقوله: {قوم هود}. فهو عطف بيان لعاد، وفائدته: تمييزهم عن عاد الثانية التي هي عاد إرم، والإيمان إلى استحقاقهم للبعد، بما جرى بينهم وبينه. قاله البيضاوي. الإشارة: من أراد سلامة الدارين والظفر بقرة العين، فليتمسك بالإيمان بالله، وبكل رسول أتى من عند الله، وليتبع من يدعو إلى الله. وهم أهل المحبة والوداد، السالكون مناهج الرشاد والسداد. وليتجنب كل جبار عنيد، وهو: كل من يحول بينك وبين الله، ويغفلك عن ذكر الله. وقوله تعالى: (أَلا بُعداً لعاد) وأخواتها، فيها تخويف لأهل القرب والوصال. قال في الإحياء: ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة، ليست لغيرهم، وبعض مخاوفهم أشد من بعض، فأولها: خوف الإعراض، وأشد منه: خوف الحجاب، وأشد منه خوف الإبعاد، وهذا المعنى من سورة هود هو الذي شيب سيد المحبين، أنه سمع: (ألا بُعداً لعاد)، (ألا بُعداً لمدين)، وإنما تعظم هيبةُ البُعد وخوْفُه في قلب من ألف القرب وذاقه، وتنعَّم به. ثم قال: ثم خوف الوقوف وسلب المزيد، فإنا قَدَّمنا: أن درجات القرب لا نهاية لها. هـ. ثم ذكر قصة صالح عليه السلام، فقال: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}.
الطوسي
تفسير : المعنى ولما جاء امرنا بهلاك عاد، ودلائله {نجينا هوداً، والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} يعنى من عذاب الدنيا والآخرة فسلموا من الامرين. والنجاة السلامة من الهلاك، وقد تكون السلامة من اصابة الم ما، والرحمة قد تكون مستحقة بدلالة قوله {ونجيناهم برحمة منا} ويجوز ان يكون المراد بما اريناهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة. والرحمة مستحقه بالوعد وحسن التدبير في الفصل بين الولي والعدو. والغليظ عظيم الجثة والكثيفة، وانما وصف. به العذاب لانه بمنزلته في الثقل على النفس وطول المكث.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} باهلاك القوم {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} عليهم لاستحقاقهم الرّحمة بايمانهم {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال والفائدة تأكيد الانجاء ولذا كرّر نجّينا والتّصريح بما نجوا منه تهويلاً لعذابهم لتهديد السّامعين ويمكن ان يراد بالثّانى الانجاء من عذاب الآخرة.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا جاءَ أمْرنَا} أمر من الأمور، والمراد عذابنا أو أمر ضد النهى، أى أمرنا بالعذاب وهو العذاب بالريح، عذبت بها عاد الأولى، وهى قوم هود تدخل من الأنوف، وتخرج من الأدبار وتقطعهم عضوا عضوا سبع ليال وثمانية أيام حصوما. {نَجيَّنا} من ذلك العذاب {هُوداً والَّذينَ آمنُوا مَعهُ} وهم أربعة آلاف {برحْمةٍ} بفضل وكرم منى، فإن عذاب الدنيا قد يعم المؤمن، أو يسبب الهداية لهم إلى الإيمان {منَّا ونجيناهُم مِنْ عَذابٍ غَليظٍ} هو العذاب المذكور، أعاد ذكر التنجية ليبين ما نجاهم منه، وليصفه بالتغلظ، فذلك تأكيد وتهويل، واكتفاء بقول: ولما جاء أمرنا نجينا منه هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا، بذكر لفظ منه أو أراد بالعذاب الغليظ عذاب الآخرة، وهو أولى ليفيد الكلام بالتلويح أن العذاب الذى عذبوه فى الدنيا، وإن كان عظيما فإنه صغير بالنسبة إلى العذاب الغليظ الذى هو عذاب الآخرة، وأنه كما عذبهم بعذاب الدنيا بكفرهم ينجيهم من عذاب الآخرة، وينجى منه هوداً ومن معه، كما نجاهم من عذاب الدنيا بإيمانهم.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنا} واحد الأُمور، وهو العذاب أَو ضد النهى أَى أَمرنا بالعذاب أَو مأْمورنا والأَول أَوفق بقوله من عذاب غليظ، ومجىءِ العذاب استعارة لحضوره أَو وقوعه فى الجملة أَو تنقله إِليهم، والمعنى على الثانى مجىءُ أَمر الملائِكة بالعذاب، أَو مجىءُ وقت الموعود فى الأَزل، وذلك العذاب هو بالريح شديدة الحرارة ترى فيها نار كما ورد فى الأَثر، وقيل باردة سخرها عليهم سبع ليال صبيحة الأَربعاءِ لثمان بقين من شوال، يدخل الريح من أَنف أَحدهم ويخرج من دبره فيرفعه فى الجو ويسقط على الأَرض متقطع الأَعضاءِ وتضربهم على وجوههم فيكونون كأَعجاز نخل منقعر، انبسطوا فى الأَرض بين عمان وحضرموت، وكانت لهم أَصنام يعبدونها: صدا وصمود والهبا، فبعث الله إِليهم هودا، وكان أَحسنهم جسماً ونسباً وكذبوه وطغوا على الناس، فأَمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس إِذا نزل بهم البلاءُ توجهوا إِلى مكة مسلمهم وكافرهم، وطلبوا من الله الفرج فبعثوا من أَفاضلهم إلى مكة سبعين رجلا اسم رئيسهم قيل، فدخلوها فقال: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم فأَنشأَ الله ثلاث سحابات حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فناداه ملك من المساءِ: يا قيل اختر لنفسك ولقومك: فقال: اخترت السوداءَ فإِنها أَكثر ماءً، فخرجت على عاد من وادى المغيث فاستبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فجاءَتهم منها ريح عقيم فأَهلكتهم ونجا هو والذين آمنوا وهم أَربعة آلاف وما أَصابهم من الريح إِلا ما يلين أَجسادهم وذهبوا إِلى مكة يعبدون الله فيها إِلى أَن ماتوا {نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} أَربعة آلاف أَو ثلاثة آلاف {بِرَحْمَةٍ مِنَّا} أَى لم يموتوا كما مات هؤلاءِ، والباءُ متعلق بنجينا أَو بآمنوا {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} العذاب بتلك الريح، أَو نجينا هودا إِلخ من عذابهم، ثم بين أَن عذابهم غليظ نجى هو ومن معه منه، ومن غلظه أَنه تدخل الريح من أُنوفهم وتقطع أَمعاءَهم وتخرج من أَدبارهم ولا تكرير فى ذلك تحقيقاً، بل بسط، أَو التنجية الأولى من عذابهم بالريح فى الدنيا والثانية من عذاب الآخرة بصيغة الماضى لتحققها كأَنه قد وقعت وكأَنها حضرت حين مجىءِ أَمره تعالى. أَو يفسر نجينا بحكمنا بمجموع التنجيتين أَو تبين ما يكون لهم من التنجية فى الآخرة لأَن ما فى الدنيا أَمارة للآخرة، وما تقدم أَولى، أَو المعنى وحكمنا بتنجيتهم من عذاب غليظ يصيب قومهم أَيضاً يوم القيامة.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور، قيل: أو المأمور به. وفي التعبير عنه بذلك مضافاً إلى ضمير جل جلاله، وعن نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل. وجوز أن يكون واحد الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر الملائكة عليهم السلام، ويجوز أن يكون ذلك مجازاً عن الوقوع على سبيل التمثيل {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} قيل: كانوا أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف، ولعل الانتصار للأنبياء عليهم السلام لم يكن مأذوناً به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه عليه السلام كان وحده، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له صلى الله عليه وسلم لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة؛ وفي «الحواشي الشهابية» أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل، والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجىء الأمر كان بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة {بِرَحْمَةٍ} عظيمة كائنة {مِنَّا} وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم. وروي هذا عن ابن عباس والحسن، وذكره الزمخشري ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال لم يلتفت إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى إذ له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي. والجار والمجرور الأول متعلق ـ بنجينا ـ وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين. وجوز أبو حيان كونه متعلقاً بآمنوا أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله عليه السلام برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه، ولعل ترتيب الإنجاء على النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح / بالإنجاء اهتماماً، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه، ويجوز أن تكون (لما) لمجرد الحين. {وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تكرير لأجل بيان ما نجاهم عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرباً إرباً، أو المراد بهذا الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا، ورجح الأول بأنه أوفق لمقتضى المقام، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له صار سبب إنجائهم، والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على كمال الامتنان وتحريضاً على الإيمان وليس من أسلوب ـ أعجبني زيد وكرمه ـ في شيء كما ظنه العلامة الطيبـي. وقد أورد على الثاني إن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ولا مسبباً عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما قيل في قوله سبحانه: {أية : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }تفسير : [سبأ: 30] قيل: ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعاً في وقت النزول تجوزاً أو المعنى حكمنا بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة وأياً مّا كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه، وقد يقال على الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح: بالغلظ الذي هو ضد الرقة التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف، وفيه أيضاً مناسبة لحالهم فإنهم كانوا غلاظاً شداداً.
ابن عاشور
تفسير : استعمال الماضي في قوله: {جاء أمرنا} بمعنى اقتراب المجيء لأن الإنجاء كان قبل حلول العذاب. والأمر أطلق على أثر الأمر، وهو ما أمر الله به أمرَ تكوين، أي لمّا اقترب مجيء أثر أمرنا، وهو العذاب، أي الريح العظيم. ومتعلّق {نجّينا} الأول محذوف، أي من العذاب الدال عليه قوله: {ولما جاء أمرنا}. وكيفيّة إنجاء هود ـ عليه السّلام ـ ومن معه تقدّم ذكرها في تفسير سورة الأعراف. والباء في {برحمة منّا} للسببيّة، فكانت رحمة الله بهم سبباً في نجاتهم. والمراد بالرحمة فضل الله عليهم لأنّه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمة للكافرين وبَلوى للمؤمنين. وجملة {ونجّيناهم من عذاب غليظ} معطوفة على جملة {ولمّا جاء أمرنا}. والتّقدير وأيضاً نجّيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب الغليظ. ففي هذا منّة ثانية على إنجاء ثان، أي نجّيناهم من عذاب الدّنيا برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ في الآخرة، ولذلك عطف فعل {نجّيناهم} على {نجّينا}، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله: {أية : وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة}تفسير : [هود: 60]. وقد ذكر هنا متعلّق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أنّ الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة الله كما دلّ عليه مقابلته بقوله: {أية : وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله}تفسير : [هود: 59]. والغليظ حقيقته: الخشن ضدّ الرقيق، وهو مستعار للشّديد. واستعمل الماضي في {ونجّيناهم} في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} الآية. لم يبين هنا أمره الذي جاء الذي نجى منه هوداً والذين آمنوا معه عند مجيئه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه الإهلاك المستأصل بالريح العقيم. التي أهلكهم الله بها فقطع دابرهم. كقوله: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ}تفسير : [الذاريات: 41 - 42]. وقوله: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً} تفسير : [الحاقة: 6 -7] الآية. وقوله {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ}تفسير : [القمر: 19 - 20]. وقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْيِ} تفسير : [فصلت: 16] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولما جاء أمرنا: أي بعذابهم وهي الريح الصرر. برحمة منا: أي بفضل منا ونعمة. جبار عنيد: أي مستكبر عن الحق لا يذعن له ولا يقبله. ويوم القيامة: أي ولعنة في يوم القيامة. ألا بعداً لعاد: أي هلاكاً لعاد وإبعاداً لهم من كل رحمة. معنى الآيات: ما زال السياق في هود وقومه قال تعالى {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} أي بلطف وفضل ونعمة {وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} هو عذاب يوم القيامة فهما نجاتان نجاة في الدنيا من عذاب الريح العقيم الصرر التي دمرت كل شيء بأمر ربها ونجاة من عذاب النار يوم القيامة وهي أعظم. وقوله تعالى {وَتِلْكَ عَادٌ} أي هذه عاد قوم هود جحدوا بآيات ربهم فلم يؤمنوا وعصوا رسله أي هوداً وجمُع لأن من كذب برسول كأنما كذب بكل الرسل {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي اتبعوا أمر دعاة الضلالة من أهل الكبر والعناد للحق فقادوهم إلى سخط الله وأليم عقابه وقوله {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي اتبعهم الله غضبه وسخطه وهلاكه، ويوم القيامة كذلك وأشد. ويختم الحديث عن هذه القصة بقول الله تعالى {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} أي جحدوه فلم يعترفوا بألوهيته وعبادته {أَلاَ بُعْداً} أي هلاكاً لعادٍ قوم هود. فهل يعتبر مشركو قريش بهذه القصة فيؤمنوا ويوحدوا فينجوا ويفلحوا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد إذ القصة كلها مسوقة لذلك. 2- بيان سنة الله في الأولين وهي أنه يبعث الرسل مبشرين ومنذرين فَإِنِ استجابَ المرسل إليهم سعدوا، وإن لم يستجيبوا يمهلهم حتى تقوم الحجة عليهم ثم يهلكهم، وينجي المؤمنين. 3- التنديد بالكبر والعناد إذ هما من شر الصفات الخلقية في الإِنسان. 4- اتباع الطغاة والظلم والكفر والفساد لا تقود إلا إلى الدمار والخسار.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَنَجَّيْنَاهُمْ} (58) - وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللهِ بِإِهلاكِ قَوْمِ عَادٍ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهمُ الرِّيحَ العَقِيمَ، فَأَهْلَكَهُمْ بِهَا جَمِيعاً، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَداً مِنْهُمْ حَيّاً. وَنَجَّى اللهُ هُوداً وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ، مِنَ العَذَابِ الغَلِيظِ الذِي أَنْزَلَهُ بِقَوْمِ عَادٍ. غَلِيظٍ - شَدِيدٍ مُضَاعَفٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} فأنت تعرف أن هناك آمراً وأمراً مُطاعاً، وبمجرد صدور الأمر من الآمر سبحانه يكون التنفيذ؛ لأنه يأمر مَنْ له قدرة على التنفيذ: ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}تفسير : [الإنشقاق: 1-2]. إذن: فهي بمجرد السمع نَفَّذت أمر الحق سبحانه. وحين شاء الحق سبحانه أن يُنجي موسى عليه السلام من الذبح الذي أمر به فرعون؛ أوحى الله سبحانه لأمِّ موسى قائلاً: {أية : .. فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. وكيف تفعل أمٌّ ذلك. إن كل أمًّ إنما تحرص على ابنها؛ والذبح لموسى أمر مظنون، والإلقاء في البحر موت محقَّق، لكن أم موسى استقبلت الوحي؛ ولم تتردد؛ مما يدل على أنها لم تُناقش الأمر بمقاييس البشر، بل بتنفيذ إلهامٍ واردٍ إليها من الله سبحانه؛ إلهام لا ينازعه شَكٌّ أو شيطان. وبعد ذلك يأمر الله سبحانه البحر: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..}تفسير : [طه: 39]. وقد استقبل البحرُ الأمرَ الإلهي؛ لأنه أمر من قادر على الإنفاذ، كما قام بتنفيذ الضد. في قصة نوح عليه السلام قال الحق سبحانه: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ..}تفسير : [هود: 40]. وحدث الطوفان؛ ليغرق الكافرين. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ..} [هود: 58]. يعني: مجيء الأمر بالعذاب للمخالفين لدعوة هود عليه السلام، وقد تحقَّق هذا العذاب بطريقة خاصة ودقيقة؛ تتناسب في دقتها مع عظمة الآمر بها سبحانه وتعالى. فحين تأتي رِيحٌ صَرْصَرٌ أو صَيحةٌ طاغيةٌ، فهذا العذاب من خارجهم، وما دام العذاب من الخارج، وبقوة من قوى الطبيعة الصادرة بتوجيه الله؛ فقد يَعُمُّ المكذِّبين لسيدنا هود، ومعهم المصدِّقون به وبرسالته، فكيف يتأتَّى أن تذهب الصيحة إلى آذان المكذِّبين فقط، وتخرق تلك الآذان؛ وتترك آذان المؤمنين؟ إنها قدرة التقدير لا قوة التدمير. إن مُوجِّه الصيحة قد حدَّد لها مَنْ تُصيب ومن تترك، وهي صيحة موجَّهة، مثلها مثل حجارة سِجِّيل التي رمتها طير أبابيل على أبرهة الحبشي وجنوده؛ مع نجاةَ جنود قريش بنفس الحجارة؛ ولم تكن إصابة بالطاعون كما ادَّعى بعضٌ من المتفلسفين. وهذه من أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشيء واحد؛ ولكنه يُنجي المؤمن؛ ويعذِّب الكافر؛ فلا يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه. يقول المتنبي: شعر : تُسَوِّدُ الشَّمْسُ مِنَّا بِيضَ أوجُهِنا وَمَا تُسوِّدُ بِيضَ العَينِ والَّلمَمِ وَكَانَ حَالُهُما فِي الحُكْمِ واحِدَةً لَو احْتَكَمْنَا مِنَ الدُّنْيَا إلَى حَكَمِ تفسير : وهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في الشمس؛ يجعل بشرة الأبيض تميل إلى السمرة ولا تسود بياض الشعر، لكنك إن تركت شيئاً أسود في الشمس فترة لوجدته يميل إلى الأبيض؛ ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد؛ لكن القابل مختلف. والحق سبحانه يقول هنا: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ..} [هود: 58]. فلا تقل كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام؛ لأن هذه هي الرحمة. والرحمة - كما نعلم - هي ألا يمس الداء الإنسان من أول الأمر؛ أما الشفاء فهو يعالج الداء. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..}تفسير : [الإسراء: 82]. ونحن نلحظ هنا أن الحق سبحانه يذكر في نفس الآية الكريمة نجاتين: النجاة الأولى: من العذاب الجامع؛ الريح الصرصر؛ من الصيحة؛ من الطاغية، يقول سبحانه: {.. نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58]. والنجاة الثانية: هي نجاة من عذاب الآخرة الغليظ، فعذاب الدنيا رغم قسوته، إلا أنه موقوت بعمر الدنيا. أما عذاب الآخرة فهو عذاب بلا نهاية، ووصفه الحق سبحانه بالغلظة. وغلظ الشيء يعطي له القوة والمتانة، وهو عذاب غليظ على قدر ما يستوعب الحكم. ولذلك حينما يُملِّك الحقُّ سبحانه رجلاً بُضْع امرأة بعقد الزواج، ويصف ذلك بالميثاق الغليظ، والنفعية هنا متصلة بالعفة والعِرْض، ولم يُملِّك الرجل النفعية المطلقة من المرأة التي يتزوجها؛ فالزوج يُمكَّن من عورة زوجته بعقد الزواج. يقول الحق سبحانه: {أية : .. وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}تفسير : [النساء: 21]. وكانت نجاة هود عليه السلام والمؤمنين معه من العذاب الأول مقدمة للنجاة من العذاب الغليظ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):