Verse. 1532 (AR)

١١ - هُود

11 - Houd (AR)

وَتِلْكَ عَادٌ۝۰ۣۙ جَحَدُوْا بِاٰيٰتِ رَبِّہِمْ وَعَصَوْا رُسُلَہٗ وَاتَّبَعُوْۗا اَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيْدٍ۝۵۹
Watilka AAadun jahadoo biayati rabbihim waAAasaw rusulahu waittabaAAoo amra kulli jabbarin AAaneedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قيل يا نوح اهبط» انزل من السفينة «بسلام» بسلامة أو بتحية «منا وبركات» خيرات «عليك وعلى أمم ممن معك» في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون «وأمم» بالرفع ممن معك «سنمتعهم» في الدنيا «ثم يَمَسُّهم منا عذاب أليم» في الآخرة وهم الكفار.

59

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَتلكَ عَادٌ} أنث اسم الإِشارة باعتبار القبيلة أو لأن الإِشارة إلى قبورهم وآثارهم. {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ} كفروا بها. {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} لأنهم عصوا رسولهم ومن عصى رسولاً فكأنما عصي الكل لأنهم أمروا بطاعة كل رسول. {وَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} يعني كبراءهم الطاغين و {عَنِيدٍ} من عند عنداً وعنداً وعنوداً إذا طغى، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإِيمان وما ينجيهم وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتِلْكَ عَادٌ } إِشارة إلى آثارهم، أي فسيحوا في الأرض وانظروا إليها، ثم وصف أحوالهم فقال {جَحَدُواْ بِئَايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } جُمِعَ لأن من عصى رسولاً عصى جميع الرسل لاشتراكهم في أصل ما جاؤوا به وهو التوحيد {وَٱتَّبَعُواْ } أي السفلة {أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } معاند للحق من رؤسائهم.

ابن عادل

تفسير : ولما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم كأنه قال: سِيحُوا في الأرض فانظرُوا إليها واعتبروا. قوله: "جَحَدُوا" جملةٌ مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بذلك، وليْسَتْ حالاً ممَّا قبلها، و "جَحَدَ" يتعدَّى بنفسه، ولكنه ضُمِّنَ معنى "كَفَر"، فيُعدَّى بحرفه، كما ضمَّن "كَفَر" معنى "جَحَدَ" فتعدَّى بنفسه في قوله بعد ذلك: "كَفَرُوا ربَّهُمْ". وقيل: إنَّ "كَفَر" كـ "شَكَر" في تعدِّيه بنفسه تارةً وبحرفِ الجر أخرى. واعلم أنَّه تعالى وصفهم بثلاث صفاتٍ. الأولى: قوله: {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي: جحدوا دلائل المعجزات على الصِّدقِ، أو حجدُوا دلائل المحدثات على وجودِ الصانع الحكيمِ. والثانية: قوله: {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} ومعناه: أنهم إذا عصوا رسُولاً واحداً؛ فقد عصوا جميع الرُّسُلِ لقوله: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}تفسير : [البقرة:258]. والثالثة: قوله: {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} والمعنى: أنَّ السَّفلة كانُوا يقلدون الرؤساء في قولهم {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [المؤمنون:33]. وتقدَّم اشتقاقُ {الجبّار} [المائدة:22]. والعَنِيدُ والعَنُود والمُعَاند: المنازع المعارض قاله أبو عبيدٍ وهو الطَّاغي المتجاوزُ في الظُّلم من قولهم: "عَنَدَ يَعْنِد" إذا حاد عن الحقِّ من جانبٍ إلى جانب. ومنه "عندي" الذي هو ظرف؛ لأنه في معنى جانب، من قولك: عندي كذا، أي: في جانبي. ثم قال: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي: أردفُوا لعنة تلحقهم، وتصاحبهم في الدنيا وفي الآخرة. واللعنة: هي الإبعادُ، والطَّردُ عن الرَّحمةِ. ثم بيَّن السَّبب في نزول هذه الأحوال فقال: {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} أي: كفروا بربهم فحذف الباء. وقيل: هو من باب حذف المضافِ، أي كفروا نعمة ربِّهم. ثم قال: {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} قيل: بُعْداً من رحمةِ الله، وقيل: هلاكاً. وللبعد معنيان: أحدهما: ضدَّ القربِ، يقال منه: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْداً. والآخر: بمعنى الهلاك فيقال منه: بَعِد يَبعِدُ بَعَداً وبَعُداً. فإن قيل: اللعن هو البُعْدُ، فلمَّا قال: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} فما فائدةُ قوله: {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}؟. فالجواب: كانوا عاديَيْن. فالأولى هم قوم هود الذين ذكرهم الله في قوله {أية : أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم:50]. والثانية أصحاب إرم ذات العمادِ. وقيل: المبالغة في التَّنْصيصِ تدلُّ على مزيد التأكيد.

القشيري

تفسير : في إنزالِ قصصهم تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم وآله - فيما كان يقاسي من العناء، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء، والعِدَةُ بتبديل - ما كانوا يلقَوْنه من الشِدَّة - بالرجاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {وتلك} القبيلة يا قوم محمد {عاد} قال العلامة الطيبى كأنه تعالى اذن بتصوير تلك القبيلة فى الذهن ثم اشار اليها وجعلها خبرا للمبتدأ لمزيد الابهام فيحسن التفسير بقوله {جحدوا بآيات ربهم} كل الحسن لمزيد الاجمال والتفصيل انتهى ويجوز ان تكون اشارة الى قبورهم وآثارهم كأنه تعالى قال سيروا فى الارض فانظروا اليها واعتبروا ففى الكلام مجاز حذف اما قبل المبتدأ اى اصحاب تلك واما قبل الخبر اى قبور عاد كفروا بآيات ربهم بعد ما استيقنوها يعنى انهم كانوا يعرفون انها حق لكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة ويستمر على جحوده ولا يرعوى {وعصوا رسله} لانهم عصوا رسولهم ومن عصى رسوله فقد عصى الكل لاتفاق كلمتهم على التوحيد واصول الشرائع. قيل لم يرسل اليهم الا هود وحده وهذا الحجود والعصيان شامل لكل فرد منهم اى لرؤسائهم واسافلهم

الطوسي

تفسير : قوله {وتلك} اشارة الى من تقدم ذكره، وتقديره و {تلك} القبيلة {عاد جحدوا بآيات ربهم} والجحد الخبر بأن المعنى ليس بكائن على صحة، فعلى هذا جحدوا هؤلاء الكفار بآيات الله، اي اخبروا بأن المعنى لا نعرف صحته، والنفي خبر بعدمه. وقال صاحب العين: الجحد انكارك بلسانك ما تستيقنه نفسك. وقوله {وعصوا رسله} فيه أخبار انهم مع جحدهم دلالة رسل الله، وانكارهم آيات الله، خالفوا ما اراده الدعاة الى الله، على طريق الايجاب بالترغيب والترهيب فالرسول دعاهم الى عبادة الله، فخالفوه وانما قال {عصوا رسله} وهم عصوا هوداً، لأن الرسل قد تقدمت عليهم بمثل ذلك، وذلك عصيان لهم فيما امروا به ودعوا اليه من توحيد الله وعدله وان لا يشركوا به شيئاً. وقوله {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} والعنيد العاتي الطاغي، عند يعند عنداً وعنوداً اذا حاد عنه كثيراً قال الشاعر. شعر : اني كبير لا اطيق العندا

الجنابذي

تفسير : {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} بكفرانهم بهود (ع) ومعجزاته فكأنّهم جحدوا جميع الآيات وقد مرّ مراراً ان امثال هذه تعريض بامّة محمّد (ص) وجحودهم بعلىّ (ع) وكفرهم به {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} بعصيان هود (ع) فانّ من انكر واحداً انكر الجميع او بعصيان رسل زمانهم وبلادهم {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} لانّهم اذا اتّبعوا امر جبّار من الجبابرة والكلّ سنخ واحد فاتّبعوا امر كلّ جبّار او باتّباع امر جبابرة بلادهم او الاتيان بصيغة الجمع للاشارة الى جحود آيات العالم الصّغير وعصيان رسل ذلك العالم واتّباع كلّ جبّار فيه وهو تعريض بامّة محمّد (ص) كأنّه قال فلا تجحدوا يا امّة محمّد (ص) بآيات ربّكم وخلفائه ولا تعصوا رسوله فى مخالفة قوله فى علىّ (ع) ولا تتّبعوا امر الجبّار الّذى يتجبّر على علىّ (ع) ويعانده.

اطفيش

تفسير : {وتلْكَ} إشارة إلى قبيلة عاد، كأنها حاضرة مرئية هذا ما يظهر به، وأفسر به الآية، أو أشار إليهم بواسطة ظهور قبورهم وآثارهم للعرب فى الأسفار، فإن حضورهم بالقبر والأثر كحضورهم بالجسم أو أشار إلى القبور والآثار نفسها، فيقدر الإضافة على هذا القول فى قوله: {عادٌ} أى قبور وآثار عاد، كأنه قيل: سيروا فى الأرض وانظروا آثارهم وقبورهم، فاعتبروا وهم عاد الأولى، وذلك مبتدأ أو خبر وقوله: {جَحدُوا بآيات ربِّهم} مستأنف فى كفرهم، أو خبر ثان أو هو الخبر وعاد بيان أو بدل. {وعَصَوْا رُسُله} الظاهر أن الله عز وجل أرسل إليهم رسلا متعددة وكذبوها، وقيل: إنه لم يرسل إليهم إلا هوداً، أو هو واضح وأنسب بآيات الشعراء إذ كان يذكر فيها أن عاداً كذبت المرسلين، ثم يقول: {أية : إذ قال لهم أخوهم هود} تفسير : وإن قوم فلان أو القوم المسمى بكذا كذبت المرسلين، ثم يقول: إذ قال لهم أخوهم فلان. وفائدة ذلك التنبيه على أن من كذب رسولا فقد كذب جميع المرسلين، باشتراكهم فى أصل واحد وهو التوحيد، فالرسل على الوجه الأول رسل الله إليهم، أو جميع الرسل، لأنهم إذا كذبوا رسلهم فقد كذبوا جميع الرسل، وعلى الثانى رسولهم الواحد وهو هود وسائر الرسل، ويجوز أن يراد بالرسل هود وحده تعظيما له. {واتَّبعُوا} حكم على المجموع، أو يقدر مضاف أى اتبع سفلتهم {أمْر كُلِّ جَبَّارٍ} طاغ {عَنيدٍ} معارض للحق، بمعنى معاند من عَنَدَ يعند وكبراءهم.

اطفيش

تفسير : {وَتِلْكَ عَادٌ} إِشارة إِلى كفارهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كأَنه يراهم وقومه لأَنهم متحققون ولأَن آثارهم ترى، سيروا فى الأَرض فانظروا، وقيل أَصحاب تلك عاد، وما قيل من أَن الإِشارة إِلى قبورهم مشكل، لأَن هودا ومن معه لم ينقل إِلينا أَنهم دفنوهم إِلا أَن يقال دفنوهم ثم مضوا إِلى مكة أَو دفنهم سائِر الناس، أَو لعل بعضا لم يهلكوا لعدم شدة شرهم فدفنوهم، ولله أَن يعم بعذاب، وأَن يخص كما قيل أَنه قيل لعجوز منهم أَى عذاب الله أَشد، فقالت كله شديد لكن سعد يوم لا ريح فيه {جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} تعدى بالباءِ لتضمنه معنى كفر كما يعدى كفر بنفسه لتضمنه معى جحد أَو كلاهما يتعدى بالباءِ وبنفسه {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} هو هود عليه السلام لأَنه كالرسل كلهم وكل واحد من الرسل ككلهم لأَنه يجىءُ بالوحى من الله كما جاءُوا ولو اختلفت شرائِعهم، واتفقوا فى بعض وفى التوحيد وخصاله ومكارم الأَخلاق فعلا ومساوئِها تركا.، أَو عصوا سائِر الرسل لأَن الكافر برسول كافر بجميعهم، وقيل الرسل هود ومن قبله ومن بعده أَيضا، أَو المراد بالآيات الدلائل المصوبة للتوحيد أَى لم يمعنوا النظر فيها التى فى الآفاق والتى فى أَنفسهم وما احتج عليهم به من غير ذلك أَو صحف شيت {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} من رؤسائِهم، والعنيد الطاغى المتجاوز فى الظلم، وهم معاندون للحق، وذلك إِسناد ما للبعض إِلى الكل.

الالوسي

تفسير : {وَتِلْكَ عَادٌ} أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة على ما قيل، فالإشارة إلى ما في الذهن وصيغة البعيد لتحقيرهم أو لتنزيلهم منزلة البعيد لعدمهم، أو الإشارة إلى قبورهم ومصارعهم، وحينئذٍ الإشارة للبعيد المحسوس والإسناد مجازي أو هو من مجاز الحذف أي تلك قبور عاد، وجوز أن يكون بتقدير أصحاب تلك عاد، والجملة مبتدأ وخبر، وكان المقصود الحث على الاعتبار بهم والاتعاظ بأحوالهم. وقوله سبحانه: {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبّهِمْ} الخ استئناف لحكاية بعض قبائحهم أي كفروا بآيات ربهم التي أيد بها رسوله الداعي إليه ودل بها على صدقه وأنكروها فقالوا: (يا هود ما جئتنا ببينة)، أو أنكروا آياته سبحانه في الآفاق والأنفس الدالة عليه تعالى حسبما قال لهم هود عليه السلام. وجوز أن يراد بها الآيات التي أتى بها هود وغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ويلائمه جمع الرسل الآتي على قول. وعدى ـ جحد ـ بالباء حملاً له على كفر لأنه المراد، أو بتضمينه معناه كما أن كفر يجري مجرى جحد فيعدى بنفسه نحو قوله سبحانه: {أية : أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ }تفسير : [هود: 60]، وقيل: كفر كشكر يتعدى بنفسه وبالباء، وظاهر كلام «القاموس» أن جحد كذلك. {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} قيل: المراد بالرسل هود عليه السلام والرسل الذين كانوا معه من قبله وهو خلاف الظاهر، وقيل: المراد بهم هود عليه السلام وسائر الرسل من قبله تعالى للأمم من قبله ومن بعده عليه السلام بناءاً على أن عصيانه عليه السلام وكذا عصيان كل رسول بمنزلة عصيان الرسل جميعهم لأن الجميع متفقون على التوحيد فعصيان واحد عصيان للجميع فيه، أو على أن القوم أمرهم كل رسول من قبل بطاعة الرسل والإيمان بهم إن أدركوهم فلم يمتثلوا ذلك الأمر. {وَٱتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ} متعال عن قبول الحق، وقال الكلبـي: هو الذي يقتل على الغضب ويعاقب على المعصية. وقال الزجاج: هو الذي يجبر الناس على ما يريد، وذكر ابن الأنباري أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد / {عَنِيدٍ} أي طاغ من عند بتثليث النون عنداً بالإسكان وعنداً بالتحريك وعنوداً بضم العين إذا طغا وجاوز الحد في العصيان، وفسره الراغب بالمعجب بما عنده، والجوهري بمن خالف الحق ورده وهو يعرفه، وكذا عاند، ويطلق الأخير على البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، وجمعه عند كراكع وركع، وجمع العنيد عند كرغيف ورغف، والعنود قيل: بمعنى العنيد. وزعم بعضهم أنه يقال: بعير عنود ولا يقال: عنيد، ويجمع الأول على عندة والثاني على عند، وآخر أن العنود العادل عن الطريق المحسوس والعنيد العادل عن الطريق في الحكم؛ وكلاهما من عند وأصل معناه على ما قيل: اعتزل في جانب لأن العند بالتحريك الجانب يقال: يمشي وسطاً لا عنداً، ومنه عند الظرفية، ويقال للناحية أيضاً: العند مثلثة. وهذا الحكم ليس كالحكمين السابقين من جحود الآيات وعصيان الرسل في الشمول لكل فرد فرد منهم فإن اتباع الأمر من أحكام الأسافل دون الرؤساء. وقيل: هو مثل ذلك في الشمول. والمراد بالأمر الشأن ـ وبكل جبار عنيد ـ من هذه صفته من الناس لا أناس مخصوصون من عاد متصفون بذلك. والمراد باتباع الأمر ملازمته أو الرضا به على أتم وجه، ويؤول ذلك إلى الاتصاف أي إن كلاً منهم اتصف بصفة كل جبار عنيد، ولا يخفى ما فيه من التكلف الظاهر، وقد يدعي العموم من غير حاجة إلى ارتكاب مثله، والمراد على ما تقدم أنهم عصوا من دعاهم إلى سبيل الهدى وأطاعوا من حداهم إلى مهاوي الردى.

ابن عاشور

تفسير : الإشارة بـ{تِلك} حاضر في الذّهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار كأنّه حاضر في الحسّ والمشاهدة. كقوله تعالى: {أية : تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها}تفسير : [الأعراف: 101] وكقوله: {أية : أولئك على هدىً من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]، وهو أيضاً مثله في أنّ الإتيان به عقب الأخبار الماضية عن المشار إليهم للتنبيه على أنّهم جديرون بما يأتي بعد اسم الإشارة من الخبر لأجل تلك الأوصاف المتقدّمة. وتأنيث اسم الإشارة بتأويل الأمّة. و{عاد} بيان من اسم الإشارة. وجملة {جحدوا} خبر عن اسم الإشارة. وهو وما بعده تمهيد للمعطوف وهو {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} لزيادة تسجيل التّمهيد بالأجرام السّابقة، وهو الذي اقتضاه اسم الإشارة كما تقدّم، لأنّ جميع ذلك من أسباب جمع العذابين لهم. والجحد: الإنكار الشّديد، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات. وهذا يدلّ على أنّ هوداً أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها. وعدي {جَحدوا} بالباء مع أنّه متعدّ بنفسه لتأكيد التّعدية، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل: جحدوا آيات ربّهم وكفروا بها، كقوله: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}تفسير : [النمل: 14]. وجمع الرسل في قوله: {وعصَوا رُسلَه} وإنّما عَصَوْا رَسولاً واحداً، وهو هود ـ عليه السّلام ـ لأنّ المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل لأن تكذيبهم هوداً لم يكن خاصاً بشخصه لأنهم قالوا له: {أية : وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك}تفسير : [هود: 53]، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به. ومثله قوله تعالى: {أية : كذّبت عادٌ المرسلين}تفسير : [الشعراء: 123]. ومعنى اتباع الآمر: طاعة ما يأمرهم به، فالاتّباع تمثيل للعمل بما يملى على المتبع، لأنّ الآمر يشبه الهادي للسائر في الطريق، والممتثلَ يشبه المتبع للسائر. والجبار: المتكبّر. والعنيد: مبالغة في المعاندة. يقال: عند ـ مثلث النون ـ إذا طغى، ومن كان خلقه التجبّر، والعنود لا يأمر بخير ولا يدعو إلاّ إلى باطل، فدلّ اتّباعهم أمر الجبابرة المعاندين على أنّهم أطاعوا دعاة الكفر والضلال والظلم. و{كل} من صيغ العموم، فإنْ أريد كلّ جبار عنيد من قومهم فالعموم حقيقي، وإنْ أريد جنس الجبابرة فـ{كلّ} مستعملة في الكثرة كقول النابغة:شعر : بها كلّ ذَيّال وخنساءَ ترعوي تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامرٍ} تفسير : في سورة [الحج: 27]. وإتْباع اللعنة إيّاهم مستعار لإصابتها إيّاهم إصابة عاجلة دون تأخير كما يتبع الماشي بمن يلحقه. وممّا يزيد هذه الاستعارة حسناً ما فيها من المشاركة ومن مماثلة العقاب للجرم لأنّهم اتّبعوا الملعونين فأتبعوا باللّعنة. وبني فعل {أتبعوا} للمجهول إذْ لاَ غرض في بيان الفاعل، ولم يسند الفعل إلى اللعنة مع استيفائه ذلك على وجه المجاز ليدل على أنّ إتْبَاعها لهم كان بأمر فاعل للإشعار بأنّها تبعتهم عقاباً من الله لا مجرّد مصادفة. واللّعنة: الطرد بإهانة وتحقير. وقرن الدنيا باسم الإشارة لقصد تهوين أمرها بالنّسبة إلى لعنة الآخرة، كما في قول قيس بن الخطيم: شعر : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلاّ قدْ قضيت قضاءها تفسير : أومأ إلى أنّه لا يكترث بالموت ولا يهابه. وجملة {ألاَ إنّ عاداً كفروا ربّهم} مستأنفة ابتدائية افتتحت بحرف التنبيه لِتهويل الخبر ومؤكدة بحرف {إنّ} لإفادة التعليل بجملة {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} تعريضاً بالمشركين ليعتبروا بما أصاب عاداً. وعدّيَ {كفروا ربّهم} بدون حرف الجر لتضمينه معنى عَصَوْا في مقابلة {واتّبعوا أمر كلّ جبّارٍ عنيدٍ}، أو لأنّ المراد تقدير مضاف، أي نعمة ربّهم لأنّ مادّة الكفر لا تتعدّى إلى الذات وإنما تتعدى إلى أمر معنوي. وجملة {ألا بعداً لعاد} ابتدائية لإنشاء ذمّ لهم. وتقدّم الكلام على {بعْداً} عند قوله في قصّة نوح ـ عليه السّلام ـ {أية : وقيل بعداً للقوم الظالمين}تفسير : [هود: 44]. و{قوم هود} بيان لـ(عاد) أو وصف لـ(عاد) باعتبار ما في لفظ {قوم} من معنى الوصفية. وفائدة ذكره الإيماء إلى أنّ له أثراً في الذمّ بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضاً بالمشركين من العرب، وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرَم كما جوّزه صاحب «الكشاف» لأنّه لا يعرف في العرببِ عاد غير قوم هود وهم إرم، قال تعالى: {أية : ألم تر كيف فعل ربك بِعادٍ إرَم ذات العماد}تفسير : [الفجر: 6، 7].

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِ} (59) - وَكَانَ ذلِكَ مَصِيرَ قَوْمِ عَادٍ الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأَنْكَرُوا آيَاتِهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ (لأَِنَّ مَنْ كّذَّبَ رَسُولاً فَقَدْ كَذَّبَ الرُّسُلَ جَميعاً). وَاتَّبَعَ الدَّهْمَاءُ مِنْهُمْ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَقَادَتِهِم الطُّغَاةِ، الذِينَ يَأْبَوْنَ الحَقَّ، وَلا يُذْعِنُونَ لَهُ وَإِنْ قَامَ عَلَيهِ الدَّلِيلُ. جَبَّارٍ - يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجْبِرَ غَيْرَهُ عَلَى مَا يُريدُ. عَنيدٍ - طَاغٍ مُعَانِدٍ لِلْحَقِّ، مُجَانِبٍ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"تلك" إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد؛ لأن الإشارة هنا لمؤنث، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى. وهكذا فصل بين "عاد" المكان، و"عاد" المكين، وهم قوم عاد؛ لذلك قال سبحانه: {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ..} [هود: 59] فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم. و"عاد" إما أن تطلق على المكان والمحل، وإما أن تطلق على الذوات التي عاشت في المكان، فإذا أشار سبحانه بـ {تِلْكَ} فهي إشارة إلى الديار، والديار لم تجحد بآيات الله؛ ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى: {جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ..} [هود: 59]. والجحود هو النكران مع قوة الحجة والبرهان. والآيات - كما نعلم - جمع آية، وهي الأمور العجيبة الملفتة للنظر التفاتاً يوحي بإيمان بما تنص عليه. ومن الآيات ما يدل على قمة العقيدة، وهو الإيمان بواجب الوجود؛ بالله الرب الخالق الحكيم القادر سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر، ورؤية الأرض خاشعة إلى آخر تلك الآيات التي في القمة. وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن يخبر أنه جاء رسولاً من عند الله تعالى، وهي المعجزات. وآيات أخرى فيها الأحكام التي يريدها الله سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه. وقوم عاد جحدوا بكل هذه الآيات؛ جحدوا الإيمان، وجحدوا تصديق الرسول بالمعجزة، وأهملوا وتركوا منهج الله جحوداً بإعراض. لذلك يقول الحق سبحانه: {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ ..} [هود: 59]. وهود عليه السلام هو الذي أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد، فهل هو المعنيُّ بالعصيان هنا؟ نقول: لا؛ لأن الله عز وجل قال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ..}تفسير : [آل عمران: 81]. إذن: فكل أمة من الأمم عندها بلاغ من رسولها بأن تصدق أخبار كل رسول يُرسَل. ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ...}تفسير : [البقرة: 285]. فهم قد انقسموا إلى قسمين؛ لأن الحق سبحانه يقول: {.. وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59]. أي: أن هناك مُتَّبِعاً، ومُتَّبَعاً. والمقصود بالجبار العنيد هم قمم المجتمع، سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا الجبابرة. ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفِرَق الضالة، فهو يتكلم أيضاً عن الفرق المضلة، فهناك ضالٌّ في ذاته، وهناك مُضِلٌّ لغيره. والمضل لغيره عليه وزران: وزر ضلاله في ذاته، ووزر إضلال غيره. أما الذين اتَّبعوا فلهم بعض العذر؛ لأنهم اتَّبعوا بالجبروت والقهر، لا بالإقناع والبينة. وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية، فيتحدث عن الفئة التي ضلت في ذاتها ويقول: {أية : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}تفسير : [البقرة: 78]. ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ..}تفسير : [البقرة: 79]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} فالجَبَّارُ: المُتَكبِّرُ عَن عِبادةِ الله تَعالى والجَبَّارُ: الطَّويلُ العَظيمُ. والجَبَّارُ: الفَتاكُ في غَيرِ حَقٍ. والجَبَّارُ: القَاهِرُ. والعَنيدُ: الجَائرُ العَادِلِ عَن الحَقِ.

الجيلاني

تفسير : {وَتِلْكَ} العصاة الغواة المقهورون بقهر الله وغضبه {عَادٌ} المبالغون في العتو والعناد {جَحَدُواْ} من غاية غفلتهم وغرورهم {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} المنزلة على ألسنة رسله {وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ} بالتكذيب والاستحقار لاستلزام الواحد تكذيب الجميع {وَٱتَّبَعُوۤاْ} من غاية جهلهم ونهاية بغضهم مع الله ورسله {أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ} مبالغ في التجبر والتكبر {عَنِيدٍ} [هود: 59] متناه في المكابرة والعناد، فتركوا متابعة الداعي لهم إلى سبيل الرشا. {وَ} لذلك {أُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي: صاروا متبوعين للطرد والتخذيل في النشأة الأولى والأخرى {أَلاۤ} تنبهوا يا أولي الأبصار والاعتبار {إِنَّ عَاداً} المعاندين {كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} نعمه وجحدوا توحيده {أَلاَ بُعْداً} طردً وتخذيلاً وتبعيداً عن ساحة عز احضور {لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60] أردفه بعطف البيان للتمييز عن عاد إرم. {وَ} بعدما انقرضوا وانقهروا بما انقهروا أرسلنا {إِلَىٰ ثَمُودَ} حين ظهروا بالكفر والشقاق والانصراف عن منهج الرشاد باتخاذ الأوثان آلهة {أَخَاهُمْ صَالِحاً} لأنه أولى وأليق لإرشادهم وإهدائهم {قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي {لَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ولا تشركوا به شيئاً؛ إذ {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ} موجد مظهر لكم من كتم العدم {غَيْرُهُ} بل {هُوَ} بذاته وأسمائه وأوصافه الذاتية والفعلية {أَنشَأَكُمْ} وأظهركم {مِّنَ ٱلأَرْضِ} بامتداد أظلال أسمائه ورش نوره {وَ} بعدما أظهرمك منها {ٱسْتَعْمَرَكُمْ} واستبقاكم {فِيهَا} ورباكم بأنواع اللطف والكرم عليها {فَٱسْتَغْفِرُوهُ} واسترجعوا إليه على ما فرطتم في حقه {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} مخلصين نادمين عسى أن يقبل منكم ويعفو عن زلاتكم {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ} لكم يعلم توبتكم وإخلاصكم فيها {مُّجِيبٌ} [هود: 61] يجيب دعوتكم ويعفو زلتكم. {قَالُواْ} بعدما سمعوا دعوته وتذكيره: {يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً} أي: مستشاراً ومؤتمناً، واعتقدناك سيداً ذا رشد {قَبْلَ هَـٰذَا} الزمان فالآن صرت أخرق {أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أي: نهيتنا عن عبادة معبودات آبائنا {وَ} الحال أنه {إِنَّنَا لَفِي شَكٍّ} وترددٍ عظيم {مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ} من توحيد الإله المعبود بالحق وإبطال آلهتنا التي وجدنا آباءنا لها عابدين، {مُرِيبٍ} [هود: 62] ذي ريبة منتهية إلى كمال الارتياب، مع أنك لم تأت ببينة معجزة تلجئنا إلى تصديقك.