١١ - هُود
11 - Houd (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَأُتْبِعُواْ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم في العذاب. {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} جحدوه أو كفروا نعمه أو كفروا به فحذف الجار. {أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } دعاء عليهم بالهلاك، والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكي عنهم، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعاً لأمرهم وحثاً على الاعتبار بحالهم. {قَوْمِ هُودٍ} عطف بيان لعاد، وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم، والإِيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأُتْبِعُواْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً } من الناس {وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } لعنة على رؤوس الخلائق {أَلآ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ } جحدوا {رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا } من رحمة الله {لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }.
الخازن
تفسير : {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} يعني أردفوا لعنة تتبعهم وتلحقهم وتنصرف معهم واللعنة الطرد والإبعاد من رحمة الله {ويوم القيامة} يعني وفي يوم القيامة أيضاً تتبعهم اللعنة كما تتبعهم في الدنيا، ثم ذكر سبحانه وتعالى السبب الذي استحقوا به هذه اللعنة فقال سبحانه وتعالى: {ألا إن عاداً كفروا ربهم} أي كفروا بربهم {ألا بعداً لعاد} يعني هلاكاً لهم وقيل بعداً عن الرحمة. فإن قلت: اللعنة معناها الإبعاد والهلاك فما الفائدة في قوله ألا بعداً لعاد لأن الثاني هو الأول بعينه. قلت: الفائدة فيه أن التكرار بعبارتين مختلفتين يدل على نهاية التأكيد وأنهم كانوا مستحقين له {قوم هود} عطف بيان لعاد. فإن قلت: هذا البيان حاصل مفهوم فما الفائدة في قوله قوم هود؟ قلت: إن عاداً كانا قبيلتين عاد الأولى القديمة التي هم قوم هود وعاد الثانية وهم إرم ذات العماد وهم العماليق فأتى بقوله قوم هود ليزول الاشتباه وجواب آخر وهو أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية التأكيد. قوله عز وجل: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} يعني وأرسلنا إلى ثمود وهم سكان الحجر أخاهم صالحاً يعني في النسب لا في الدين {قال يا قوم اعبدوا الله} أي وحدوا الله وخصوه بالعبادة {ما لكم من إله غيره} يعني هو إلهكم المستحق للعبادة لا هذه الأصنام ثم ذكر سبحانه وتعالى الدلائل الدالة على وحدانيته وكمال قدرته فقال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض} يعني أنه هو ابتدأ خلقكم من الأرض وذلك أنهم من بني آدم وآدم خلق من الأرض {واستعمركم فيها} يعني وجعلكم عمارها وسكانها، وقال الضحاك: أطال أعماركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذلك كان قوم عاد وقال مجاهد: أعمركم من العمرى أي جعلها لكم ما عشتم {فاستغفروه} يعني: من ذنوبكم {ثم توبوا إليه} يعني من الشرك {إن ربي قريب} يعني من المؤمنين {مجيب} لدعائهم {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا} يعني: قبل هذا القول الذي جئت به والمعنى إنا كنا نرجوا أن تكون فينا سيداً لأنه كان من قبيلتهم وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم، وقيل: معناه أنا كنا نطمع أن تعود إلى ديننا فلما أظهر دعاءهم إلى الله وعاب الأصنام انقطع رجاؤهم منه {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} يعني الآلهة {وإننا لفي شك مما تدعونا إليه} يعني من عبادة الله {مريب} يعني إنا مرتابون في قولك من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس ووقوعها في التهمة {قال} يعني قال صالح مجيباً لقومه {يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} يعني على يقين وبرهان {وأتاني منه رحمة} يعني نبوة وحكمة {فمن ينصرني من الله} أي فمن يمنعني من عذاب الله {إن عصيته} يعني إن خالفت أمره {فما تزيدونني غير تخسير} قال ابن عباس معناه غير خسارة في خسارتكم وقال الحسن بن الفضل: لم يكن صالح في خسارة حتى يقول فما تزيدونني غير تخسير وإنما المعنى فما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إلى الخسارة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً...} الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا؛ لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ، كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث. * ت *: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، {وَيَوْمَ }: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيِّن. وقوله عز وجل: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا...} الآية: التقديرُ: وأرسلنا إِلى ثمودَ و{أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ }: أي: ٱخترعَكُمْ، وأوْجَدكم، وذلك بٱختراع آدم عليه. وقال * ص *: {مِّنَ ٱلأَرْضِ }: لابتداءِ الغاية بٱعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى. وقد نقل * ع *: في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}: أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها؛ كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة. * ت *: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق ٱلامتنان عليهم. انتهى. وقولهم: {يَٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَا}، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ }، معنى: {مُرِيبٍ }: مُلْبِس متهم، وقوله: {أَرَءَيْتُمْ }: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيَّةٌ، و{آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً }، يريد: النبوَّة وما ٱنْضَافَ إِليها. وقال * ص *: قد تقرَّر في {أَرَءَيْتُمْ }؛ أنها بمعنى أخبروني. انتهى. والـــ {تَخْسِيرٍ } هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا. وقال * ص *: {غَيْرَ تَخْسِيرٍ }: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ كـــ «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ»؛ إِذا نسبتَهُ إِليهما. * ت *: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: {فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ }، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ؛ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور. انتهى. وهو حسنٌ. وباقي الآية بيِّن قد تقدَّم الكلامُ في قصصها.
ابو السعود
تفسير : {وأُُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير، أي جُعلت اللعنةُ لازمةً لهم، وعبّر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كلَّ مذهبٍ بل تدور معهم حيثما داروا، ولوقوعه في صحبة اتباعهم رؤساءهم يعني أنهم لما اتّبعوهم أُتبعوا ذلك جزاءً لصنيعهم جزاءً وفاقاً {وَيومَ الْقِيَامَةِ} أي أُتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنةً وهي عذابُ النارِ المخلد حُذفت لدِلالة الأولى عليها، وللإيذان بكون كلَ من اللغتين نوعاً برأسه لم تُجمعا في قرن واحد بأن يقال: وأتبعوا في هذه الدنيا ويومَ القيامة لعنةً كما في قوله تعالى: {أية : واكتبْ لنا في هذه الدنيا حسنةً وفي الآخرة} تفسير : [الأعراف: 156] إيذاناً باختلاف نوعي الحسنتين، فإن المرادَ بالحسنة الدنيويةِ نحوُ الصحةِ والكفافِ والتوفيقِ للخير وبالحسنة الأخروية الثوابُ والرحمةُ {أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُم} أي بربهم أو نعمةَ ربهم حملاً له على نقيضه الذي هو الشكرُ، أو جحدوه {ألاَ بُعْداً لِعَادٍ} دعاءٌ عليهم بالهلاك مع كونهم هالكين أيَّ هلاك، تسجيلاً عليهم باستحقاق الهلاكِ واستيجابِ الدمار، وتكريرُ حرفِ التنبـيهِ وإعادةُ عادٍ للمبالغة في تفظيع حالِهم والحثِّ على الاعتبار بقصتهم {قومِ هُود} عطفُ بـيانٍ لعاد فائدتُه التميـيزُ عن عادِ إرمَ، والإيماءُ إلى أن استحقاقَهم للبعد بسبب ما جرى بـينهم وبـين هودٍ عليه الصلاة والسلام وهم قومُه. {وإلى ثمود أخاهُم صالحاً} عطفٌ على ما سبق من قوله تعالى: {وإلى عادٍ أخاهُم هُوداً} وثمودٌهي قبـيلةٌ من العرب سُمّوا باسم أبـيهم الأكبرِ ثمودَ بنِ عابر بن إرمَ بنِ سام وقيل: إنما سُمّوا بذلك لقلة مائِهم من الثَّمْد وهو الماءُ القليل، وصالح عليه الصلاة والسلام هو ابنُ عبـيدِ بنِ آسف بنِ ماشج بن عبـيدِ بن جادر بن ثمودَ، ولما كان الإخبارُ بإرساله إليهم مظِنّةً لأن يسأل ويقال: ماذا قال لهم؟ قيل جواباً عنه بطريق الاستئنافِ: {قالَ يَا قوم اعْبدُوا الله} أي وحدَه وعلل ذلك بقوله: {مَا لَكُم مِّن إلٰهٍ غيرُهُ} ثم زيد فيما يبعثهم على الإيمان والتوحيدِ ويحثّهم على زيادة الإخلاصِ فيه بقوله: {هُو أنشَأَكُم مِّن الأَرْضِ} أي هو كوّنكم وخلقَكم منها لا غيرُه، قصرُ قلبٍ أو قصرُ إفرادٍ فإن خلق آدمَ عليه الصلاة والسلام منها خلقٌ لجميع أفرادِ البشر منها لما مر مراراً من أن خِلقتَه عليه الصلاة والسلام لم تكن مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذجاً منطوياً على خلق جميعِ ذرياتِه التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواءً إجمالياً، وقيل: إن خلقَ آدمَ عليه الصلاة والسلام وإنشاءَ موادِّ النطَفِ التي منها خُلق نسلُه من التراب إنشاءٌ لجميع الخلقِ من الأرض فتدبر {واسْتَعمرَكُم} من العمر أي عمّركم واستبقاكم {فِيهَا} أو من العِمارة أي أقدركم على عِمارتها أو أمركم بها، وقيل: هو من العُمرىٰ بمعنى أعمرَكم فيها ديارَكم ويرِثها منكم بعد انصرامِ أعمارِكم أو جعلكم معمِّرين ديارَكم تسكُنونها مدةَ عمرِكم ثم تتركونها لمثلكم {فاسْتغفِرُوه ثُمَّ تُوبُوا إِلَيه} فإن ما فُصل من فنون الإحسانِ داعٍ إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبةِ عما كانوا يباشرونه من القبائح، وقد زيد في بـيان ما يوجب ذلك فقيل: {إنَّ رَبِّـي قَرِيب} أي قريبُ الرحمةِ كقوله تعالى: {أية : إن رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين}تفسير : [الاعراف: 56] {مُّجِيبٌ} لمن دعاه وسأله، وقد روعيَ في النظم الكريمِ نكتةٌ حيث قُدّم ذكرُ العلةِ الباعثةِ المتقدمةِ على الأمر بالاستغفار والتوبةِ وأُخّر عنه ذكرُ الغائيةِ المتأخرةِ عنهما في الوجود أعني الإجابة.
القشيري
تفسير : أخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أمَّا في هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم الشدة وما تَبِعَه من اللَّعنة، ثم ما يلقونه في الآخرة من تأبيد العقوبة. وبقاؤهم عن رحمة الله أصعبُ من صنوف كل تلك المحنة، كما قيل: شعر : تَبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرتا لِمَنْ ابتغى عوضاً لِسَلْمى فَلَمْ يَجِد
اسماعيل حقي
تفسير : {واتبعوا} اى الاسافل {امر كل جبار} [فرمان هرسر كشى] {عنيد} [ستيزه كاررا] قال فى التبيان الجبار المتعظم فى نفسه المتكبر على العباد والعنيد الذى لا يقول الحق ولا يقبله. وقال القاضى اى من كبرائهم الطاغين قال سعدى المفتى اشار الى ان الجبار بمعنى المتكبر فانه يأتى بمعنى المتكبر الذى لا يرى لاحد عليه حقا ويقال اذا طغى. والمعنى عصوا من دعاهم الى الايمان وما ينجيهم واطاعوا من دعاهم الى الكفر وما يرديهم {واتبعوا} اى التابعون والرؤساء {فى هذه الدنيا لعنة} اى ابعادا عن الرحمة وعن كل خير اى جعلت تابعة لهم ولازمة تكبهم فى الذعاب كمن ياتى خلف شخص فيدفعه من خلفه فيكبه وانما عبر عن لزوم اللعنة لهم بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وان ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حيثما داروا ولوقوعه فى صحبة اتباعهم فى يوم القيامة ايضا لعنة وهى عذاب النار المخلد حذفت لدلالة الاولى عليها {الا ان عادا كفروا ربهم} جحدوه كأنهم كانوا من الدهرية وهم الذين يرون محسوسا ولا يرون معقولا وينسبون كل حادث الى الدهر. قال فى الكواشى كفر يستعل متعديا ولازما كشكرته وشكرت له {ألا بعدا العاد} [بدانديكه دوريست مرعاديانرا يعنى ازرحمت دورند] كما قال فى التبيان وعاد ارم الحديث وانما كرر ألا ودعاءه عليهم واعاد ذكرهم تهويلا لامرهم وتفظيعا له وحثا على الاعتبار بهم والحذر من مثل حالهم: وفى المثنوى شعر : بس سباس اوراكه مارا درجهان كرد بيدا از بس بيشينيان تاشنيديم آن سياستهاى حق بر قرون ماضيه اندر سبق استخوان وبشم آن كركان عيان بنكريد ويند كيريد اى مهان عاقل از سر بنهد اين هستى وباد جون شنيد انجام فرعونان وعاد ورنه بنهد ديكران از حال او عبرتى كيرند از اضلال او تفسير : ثم قوله {ألا بعدا لعاد قوم هود} دعاء عليهم بالهلاك اى ليبعد عاد بعدا وليهلكوا والمراد به الدلالة على انهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم وذلك لان الدعاء بالهلاك بعد هلاكهم ففائدته ما ذكر ثم اللام تدل ايضا على الاستحقاق وعلى البيان كأنه قيل لمن فقيل لعاد. قال سعدى المفتى ويجوز ان يكون دعاء عليهم باللعن. وفى القاموس البعد والبعاد اللعن انتهى. وفى الكفاية شرح الهداية اللعن على ضربين. احدهما الطرد من رحمة الله تعالى وذلك لا يكون الا للكافر. والثانى الابعاد عن درجة الابرار ومقام الصالحين وهو المراد بقوله عليه السلام "حديث : المحتكر ملعون" تفسير : لان اهل السنة والجماعة لا يخرجون احدا من الايمان بارتكاب الكبيرة وجاء فى اللعن العام "حديث : لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من آوى محدثا ولعن الله من غير منار الارض"تفسير : . قوله محدثا بكسر الدال معناه الآتى بالامر المنكر مما نهى عنه وحرم عليه اى من آواه وحماه وذب عنه ولم يكن ينكر عليه ويردعه. ومنار الارض العلامات التى تكون فى الطرق والحد بين الاراضى وفى الحديث "حديث : لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده والواشمة والموشومة ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له" تفسير : الوشم هو الزرقة الحاصلة فى البدن بغرز الابرة فيه وجعل النيلة او الكحل فى موضعه. والواشمة الفاعلة. والموشومة المفعول بما فى ذلك وفى الحديث "حديث : لعن الله الراشى والمرتشى والرائش" تفسير : اى الذى يسعى بينهما وفى الحديث "حديث : لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه واكل ثمنها" تفسير : ويكره للمسلم ان يؤجر نفسه من كافر لعصر العنب كما فى الاشباه ويجوز بيع العصير لمن يتخذه خمرا لان عين العصير عار من المعصية وانما يلحقه الفساد بعد تغيره بخلاف بيع السلاح فى ايام الفتنة لان عينه آلة بلا تغيير يعنى يكره بيع السلاح ايام الفتنة اذا علم ان المشترى من اهل الفتنة لانه يكون سببا للمعصية واذا باع مسلم خمرا وقبض الثمن وعليه دين كره لرب الدين اخذه منه لان الخمر ليست بمال متقوم فى حق الذمى فملك الثمن فحل الاخذ منه وفى الحديث "حديث : لعن المسلم كقتله " تفسير : قال ابن الصلاح فى فتاواه قاتل الحسين رضى الله عنه لا يكفر بذلك وانما ارتكب ذنبا عظيما وانما يكفر بلقتل قاتل نبى من الانبياء. ثم قال والناس فى يزيد ثلاث فرق. فرقة تتولاه وتحبه. وفرقة تسبه وتلعنه. وفرقة متوسطة فى ذلك لا تتولاه ولا تلعنه وتسلك به مسالك سائر ملوك الاسلام وخلفائهم غير الراشدين فى ذلك وهذه الفرقة هى المصيبة ومذهبها هو اللائق بمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة المطهرة انتهى. وقال سعد الدين التفتازانى شعر : اللعن على يزيد فى الشرع يجوز واللاعن يجزى حسنات ويفوز قد صح لدى انه معتل واللعن مضاعف وذلك مهموز تفسير : وباقى البحث فيه قد سبق فى سورة البقرة ألا لعنة الله على الظالمين قال فى حياة الحيوان ان الله تعالى لم يجعل الدنيا مقصودة لنفسها بل جعلها طريقة موصولة الى ما هو المقصود لنفسه وانه لم يجعلها دار اقامة ولا جزاء وانما جعلها دار رحلة وبلاء وانه ملكها فى الغالب الجهلة والكفرة وحماها الانبياء والاولياء والابدال وحسبك بها هوانا انه سبحانه صغرها وحقرها وابغضها وابغض اهلها ومحبها ولم يرض لعاقل فيها الا بالتزويد للارتحال عنها وفى الحديث "حديث : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها الا ذكر الله ومن والاه وعالما او متعلما" تفسير : ولا يفهم من هذا اباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا كما روى ابو موسى الاشعرى ان النبى صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد اذا قال لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله من عصى ربه" تفسير : وهذا يقتضى المنع من سب الدنيا ولعنها. ووجه الجمع بينهما ان المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله تعالى وشاغلا عنه كما قال السلف كل ما شغلك عن الله سبحانه من مال وولد فهو مشئوم عليك واما ما كان من الدنيا يقرب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل لسان فمثل هذا لا يسب بل يرغب ويحب واليه الاشارة حيث قال "حديث : الا ذكر الله ومن والاه او عالما او متعلما" تفسير : وهو المصرح به فى قوله "حديث : نعمت مطية المؤمن" تفسير : الخ وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين واعلم ان حقيقة اللعن هو الطرد عن الحضرة الآلهية الى طلب شهوات الدنيا وتعب وجدانها وتعب فقدانها فهو اللعنة الدنيوية واما اللعنة يوم القيامة فبالبعد والخسران والحرمان وعذاب النيران فالنفس اذا لم تقبل نصيحة هود القلب وتركت مشارب القلب الدينية الباقية من لوامع النورانية وطوامع الروحانية وشواهد الربانية واقبلت على المشارب الدنيوية الفانية من الشهوات والمستلذات الحيوانية وثناء الخلق عندهم وامثال هذا فقد جاء فى حقها ألا بعدا اى طردا وفرقة وقطيعة وحسرة لها. عصمنا الله واياكم من مكايد النفس الامارة وشرفنا بصلاح الحال الى آخر الاعمار والآجال
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى في هذه الآية ان عاداً لما عصوه، وكفروا به، وكذبوا هوداً ألحق الله بهم الهلاك واتبعهم في دار الدنيا لعنة، بمعنى انه اخبر نبينا والأمم المستقبلة باهلاكهم وانه لعنهم وامر بلعنهم، وعرفهم انه ابعدهم من رحمته. واللعنة الدعاء بالابعاد من قولك لعنه اذا قال عليه لعنة الله، واصله الابعاد من الخير يقال ذئب لعين اي طريد، ولا يجوز ان يلعن شيء من البهائم، وان كانت مؤذية، لأنه لا يجوز ان يدعى عليها بالابعاد من رحمة الله. وقوله {ويوم القيامة} اي ويتبعون لعنة يوم القيامة، يعني يوم يقوم الناس من قبورهم للجزاء والحساب، كما قال {أية : يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون}تفسير : وقوله {أَلا إن عاداً كفروا ربهم} (ألا) معناها التنبيه، وما بعدها أخبار بأن قوم عاد كفروا ربهم. وقوله {ألا بعداً لعاد قوم هود} نصب (بعداً) على المصدر، والمعنى ابعدهم الله بعداً، ووقع (بعداً) موضع ابعاد، كما وقع نبات موضع انبات في قوله {أية : أنبتكم من الأرض نباتاً}.
الجنابذي
تفسير : {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} المضاف الّذى هو هود (ع) ثمّ بربّهم المطلق فلا تكفروا انتم بعلىّ (ع) فيقال بعداً لكم كما يقال {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} وتكرير ألا وعاداً والابدال منه بقوم هود (ع) لكون المقام مقام السّخط والتّهديد والتّكرير والتّغليظ والتّطويل مطلوب فى ذلك المقام.
اطفيش
تفسير : {وأتْبِعُوا فى هْذهِ الدُّنيا لعنةً ويَومَ القِيامَةِ} معطوف على مجموع الجار والمجرور، ولذلك بقى على انتصاب الظرفية ولم يجر، وأجاز الفارسى عطفه على محل مجرور الذى هو النصب، كأنه لم يشترط فى العطف على المحل ظهور ذلك المحل فى الفصيح، والمراد جعلت اللعنة تابعة لهم فى الدنيا والآخرة على وفق اتباعهم الكفرة، وكلتا اللعنتين من الله سبحانه وتعالى، وقيل: المراد بلعنة الدنيا لعنة الناس وبلعنة الآخرة لعنة الله على رءوس الخلائق، وقيل: اللعنتان عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وأشار إلى موجب اللعنتين بقوله: {ألا إنَّ عاداً كَفَروا ربَّهم} وهو الكفر، أى جحدوا ربهم، أو كفروا نعمة فحذف المضاف، أى ستروها وسترها هو عدم الشكر عليها، كأن لم ينعم بها عليهم، أو كفروا بربهم بالنصب فى هذا على نزع الخافض، ويجوز عندى أن يكون هذا بيانا للعنهم فى الآخرة بأن ينادى عليهم على رءوس أهل المحشر، ألا إن عادا كفروا ربهم. {ألاَ بُعْداً لعادٍ قَوْمِ هُودٍ} انتهى فنجوز على هذا الوجه أن يقدر محذوف، أى ويقال يوم القيامة، أو ينادى يوم القيامة، {ألا إن عاداً} الخ، وعلى ذلك الوجه يكون معنى المجئ بصيغة الدعاء بالبعد، الإشعار ببعدهم عن رضا الله، وعن الجنة، ومقام الخير، أى اعتزلوا بهم أيها الملائكة إلى النار وقدم على ذلك ذكر موجبه وهو الكفر. وأما على أن يكون قوله: {ألا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعداً لعادٍ قوم هود} مستأنفا لا بيانا للعنة الآخرة، فمعنى الدعاء عليهم بالبعد، وهو الهلاك على هذا، وقد هلكوا قبل هذا الدلالة على أنه أهل للهلاك، وكذا يقال إذا جعلنا اللعنة فى الآخرة والبعد بمعنى واحد على الوجه الذى ذكرت أنه جائز عندى، وذكر الأمرين، وأعاد ذكرهم بالاسم الظاهر تهويلا لأمرهم وتفظيعا له، وتحذير منه، وحثا على الاعتبار بحالهم، وبعداً مفعول مطلق نائب عن عامله، واللام بعده لبيان فاعل البعد، والأصل بعد عاد قوم هود مجئ بالمصدر نائبا عن الفعل وأخر الفاعل وجر اللام. {قوم هود} عطف بيان لزيادة الإيضاح بحيث لا تبقى شبهة واحتراز عن عاد الثانية، وهى عاد إرم، وهى العمالقة، وللإشعار بأن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين صاحبهم هود عليه السلام من التكذيب والعناد.
اطفيش
تفسير : {وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} يلعنهم الناس بعدهم والجن والملائِكة والأَنبياءُ فى الوحى وكتبهم، وقيل جعلت اللعنة كشخص يتبع آخر ليهلكه بالقتل أَو ليلقيه فى هوة فذلك تمثيل، والضمير لعاد مطلقا، وقيل لمتبعى الجائِرين منهم {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} يلعنهم من ذكر، وبعضهم بعضا، أَو يقدر وأَتبعوا لعنة يوم القيامة أَو عطف على هذه لأَنه على معنى فى ولو نصب {أَلاَ إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ} جحدوه وكفروا به، أَو كفروا نعمه {أَلاَ بُعْداُ لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} بعدوا بعدا، كرر ذكر هلاكهم وذكر اسمهم، سموا باسم جد لهم وأَظهر، وذلك لمزيد التشنيع عليهم والتحذير من فعلهم، وذلك إِخبار لا دعاءٌ لأَن الله هو المالك لكل شىءٍ القادر على كل شىءٍ، وقد يقال أَمر الخلق يدعو بذلك تعبدا وهو عاد الأُولى، ونبيهم هود عليه السلام، وأَضافها إِلى هود واحترازا عن عاد الثانية عاد إِرم، وإِرم جدّ لهم يقال عاد بن عوص بن آم بن سام بن نوح، وذكر عادا الثانية ونبيهم صالح عليه السلام بقوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} مثل وإِلى عاد أَخاهم هودا، والأُخوة فيهما أُخوة النسب، سموا باسم أَبيهم ثمود لشهرتهم، وبين صالح وجده ثمود خمسة أَجداد، وبين صالح وهود مائَة سنة، وعاش صالح مائَتين وثمانين سنة، ومساكن ثمود بين الشام والمدينة {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وما تدعونه آلهة من الأَصنام باطل ليس إِلها {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ} لا أَصنامكم، فليست آلهة وإِنما الإِله هو الذى يخلق ما يشاءُ من الأَرض، ومعنى إِنشائِهم من الأَرض إِنشاؤهم ممن أَنشىء منها وهو آدم بوسائِط بينكم وبينه، وأَيضا بعد إِنشائِه منها يأْكل هو وآباؤُكم وأُمهاتكم وحواءُ مما نبت من الأَرض ومن لحوم وأَلبان ما يأْكل مما نبت منها أَو يقدر إِنشاءَ آبائِهم. وقيل: من بمعنى فى، وتقديم الفاعل فى المعنى، وهو قوله هو للتخصيص بمعنى أَنه خصه بالذكر لأَنه لو كان غيره وحده أَو معه لذكر ذلك، وبعض يصرح بأَن ذلك حصر والمعنى على كل حال هو إِنشاؤُكم من الأَرض لا غيره، تقول أَنا سعيت فى حاجتك لا غيرى ولو لم يذكر الضمير البارز لم يفد التخصيص {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} هو لا غيره فهذا تخصيص أَيضا لأَنه معطوف على أَنشأَكم المخصص بذكر أَنا قبل الفعل ولو لم يذكر، أَو أَخر تأْكيداً لم يفد الحصر واستفعل هنا للتعدية وهى التصيير أَى جعلكم عامرين فيها أَى باقين أَحياءً، وذلك من العمر، يقال عمر الرجل ـ بكسر الميم ـ يعمر ـ ـ بفتحها ـ عمرا ـ بإِسكان ـ أَى بقى، واستعمره الله أَبقاه حيا، أَو للطلب أَى طلبكم أَن تعمروا الأَرض بالسكنى والبنيان والحرث والإِسلام، والطلب من الله على ظاهره إِلا أَن الله قادر غير محتاج قاهر غير عاجز، أَو بمعنى الأَمر والإِقدار أَى أَوجب عليكم عمارتها وأَقدركم عليها ونهاكم عن إِخرابها بإِهمالها وبعمل المعاصى، والبناءُ واجب كسد الثغور والقناطر على العيون المهلكة وبناءِ المسجد الجامع فى المصر، والمندوب كالقنطرة على غير الماءِ والمدارس والرباط تيسيرا للناس، ومباح كبيوت السكنى، ومكروه كالزيادة على الحاجة، ومزيد التجويد، ومحرم كالبناءِ بالحرام أَو فى الحرام وبالمبالغة فى التجويد والتذهيب والتفضيض، أَو من العمرى كما تقول فى الحديث هى لك عمرى أَو عمرك أَى جعلكم تسكنون فيها أَعماركم ثم تتركونها لغيركم بالموت أَو جعلها لكم عمرى ويرثها بعد انصرام أَعماركم {فَاسْتَغْفِرُوهُ} من الإِشراك والمعاصى وآمنوا به وحده {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} بالطاعة وثم لعلو مرتبة التوحيد والتخلى عن سائِر المعاصى {إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ} أَى ليس غائِبا عن استغفاركم وتوبتكم ودعائِكم فهو نافعكم لعلمه بذلك، أَو قريب الرحمة كما قال: {أية : إِن رحمة الله قريب من المحسنين} تفسير : [الأَعراف: 56] (مُّجِيب) لدعائِه، وقيل قريب متعلق بتوبوا ومجيب متعلق باستغفروا.
الالوسي
تفسير : {وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} أي إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير أي جعلت اللعنة لازمة لهم، وعبر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كل مذهب بل تدور معهم حسبما داروا، و لوقوعه في صحبة اتباعهم، وقيل: الكلام على التمثيل بجعل اللعنة كشخص تبع آخر ليدفعه في هوة قدامه، وضمير الجمع لعاد مطلقاً كما هو الظاهر. وجوز أن يكون للمتبعين للجبارين منهم، وما حال قوم قدامهم الجبارون أهل النار وخلفهم اللعنة والبوار، ويعلم من لعنة هؤلاء لعنة غيرهم المتبوعين على ما قيل بالطريق الأولى {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي واتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنة وهي عذاب النار المخلد حذف ذلك لدلالة الأول عليه وللإيذان بأن كلاً من اللعنين نوع برأسه لم يجتمعا في قرن واحد بأن يقال: وأتبعوا في هذه الدنيا ويوم القيامة لعنة، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ }تفسير : [الأعراف: 156] وعبر ـ بيوم القيامة ـ بدل الآخرة هنا للتهويل الذي يقتضيه المقام. {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} أي بربهم أو كفروا نعمته ولم يشكروها بالإيمان أو جحدوه {أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ} دعاء عليهم بالهلاك مع أنهم هالكون أيّ هلاك تسجيلاً عليهم باستحقاق ذلك والاستئهال له، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه: لا يبعد فلان، وهو في كلام العرب كثير، ومنه قوله: شعر : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر تفسير : وجوز أن يكون دعاء باللعن كما في «القاموس»: البعد والبعاد اللعن، واللام للبيان كما في قولهم: سقياً لك، وقيل: للاستحقاق وليس بذاك. وتكرير حرف التنبيه وإعادة عاد للمبالغة في تفظيع حالهم والحث على الاعتبار بقصتهم، وقوله سبحانه: {قَوْمِ هُودٍ} عطف بيان على {عَادٍ} وفائدته الإشارة إلى أن عاداً كانوا فريقين: عاداً الأولى وعاداً الثانية، وهي عاد إرم في قول، وذكر الزمخشري في الفجر ((أن عقب عاد بن عوص / ابن إرم بن سام بن نوح قيل لهم: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم عاد الأخيرة، وأنشد لابن الرقيات: شعر : مجداً تليداً بناه أوله أدرك عاداً وقبلها إرماً )) تفسير : ولعله الأوفق للنقل مع الإيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود عليه السلام وهم قومه، وليس ذلك لدفع اللبس إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود عليه السلام للتصريح باسمه وتكريره في القصة، وقيل: ذكر ليفيد مزيد تأكيد بالتنصيص عليهم مع ما في ذلك من تناسب فواصل الآي.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (60) - وَبِسَبَبِ كُفْرِهِمْ هذا وَعُتُوِّهِمْ، اسْتَحَقُّوا مِنَ اللهِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالنَّاسِ، لَعْنَةً فِي الدُّنْيا كُلَّمَا ذُكِرُوا، وَتَتْبَعُهُمُ اللَّعْنَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَمَا يُنَادِى عَلَيْهمِْ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ: أَلاَ إِنَّ عَاداً كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ. بُعْداً - هَلاكاً وَخَسَاراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والزمان بالنسبة للخلق ثلاثة أقسام: حياتهم زمن أول، ومن لحظة الموت إلى أن تقوم الساعة زمن ثان وهو زمن البرزخ، وساعة يبعثون هي الزمن الثالث. والحياة الأولى فيها العمل، وحياة البرزخ فيها عرض الجزاء، مجرد العرض، والحياة الثالثة هي الآخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار. يقول الحق سبحانه: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [البقرة: 28]. هذه هي الأزمنة الثلاثة - حياة، وبرزخ، وبعث - وكل وقت منها له ظرف. ويعبر القرآن عن هذا، فيقول عن عذاب آل فرعون منذ أن أغرقهم الله سبحانه في البحر: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46]. وفي هذا دليل على عرض الجزاء في البرزخ مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار ". تفسير : إذن: فهنا زمنان: زمن عرضهم على النار غدوّاً وعشيّاً، وزمن دخولهم النار. وهذا يثبت عذاب البرزخ؛ لأن الإنسان الكافر يرى فيه موقعه من النار، ويرى نصيبه من العذاب، ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب. وبالنسبة لقوم عاد، أذاقهم الله سبحانه العذاب في الدنيا، ثم يدخلهم النار يوم القيامة. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: {.. أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60]. وكلمة "ألا" هي أداة تنبيه - كما قلنا من قبل - تنبه السامع إلى أهمية ما يلقيه المتكلم حتى لا يجابه السامع بالكلام وهو غافل، ولأن المتكلم هو الذي يقود زمام الكلام، فيجب ألا يستقبله السامع غافلاً، فتأتي كلمة "ألا" كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلام. والكلام عن قوم عاد الذين نالوا عذاباً في الدنيا بالريح العقيم، ثم أتبعوا لعنة في البرزخ، وسوف يُستقبلون يوم القيامة باللعنات؛ فهذه لعنات ثلاث. وجاء الحق سبحانه وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرق قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم من لعن، فبيَّن بكلمة "ألا" أي: تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم. وللجريمة زمن، وللعقوبة عليها زمن، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا، وهو كفر في القمة؛ لذلك نالوا عقاباً في الدنيا. والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن العقوبة عن زمن الجريمة، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء، لأن كفرهم هو الكفر بالقمة العقدية؛ لذلك تواصل لعنهم في البرزخ، ثم تأتي لهم لعنة الآخرة. وهم لم يكفروا بنعمة ربهم، بل كفروا بربهم. والحق سبحانه لم يطلب من أحد عبادته قبل سن التكليف، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا تعد ولا تحصى؛ ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل. وقد أوضح لهم هود عليه السلام: {أية : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [هود: 56]. أي: أن الحق سبحانه عادل. وأنت حين تسمع جريمتهم؛ تنفعل وتطلب أقصى العقاب لهم؛ ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: {.. أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60]. فأنت لا تكتفي بلعنتهم الأولى، بل تلعنهم مرة أخرى. ولسائل أن يقول: ولماذا يقول الحق سبحانه هنا: {.. أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 60]. ونقول: لقد قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن: {أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ}تفسير : [النجم: 50]. وهذا يوضح لنا أن "عاداً" كانت اثنتين: عاداً الأولى، وهم قوم عاشوا وضَلُّوا فأهلكهم الله، وهناك عاد الثانية. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):